الآية ٢٢ من سورة محمد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ٢٢ من سورة محمد

فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوٓا۟ أَرْحَامَكُمْ ٢٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 81 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢ من سورة محمد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢ من سورة محمد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فهل عسيتم إن توليتم ) أي : عن الجهاد ونكلتم عنه ، ( أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) أي : تعودوا إلى ما كنتم فيه من الجاهلية الجهلاء ، تسفكون الدماء وتقطعون الأرحام

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين وصف أنهم إذا نـزلت سورة محكمة, وذُكر فيها القتال نظروا إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نظر المغشيّ عليه ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ ) أيها القوم, يقول: فلعلكم إن توليتم عن تنـزيل الله جلّ ثناؤه, وفارقتم أحكام كتابه, وأدبرتم عن محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وعما جاءكم به ( أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ ) يقول: أن تعصوا الله في الأرض, فتكفروا به, وتسفكوا فيها الدماء ( وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) وتعودوا لما كنتم عليه في جاهليتكم من التشتت والتفرّق بعد ما قد جمعكم الله بالإسلام, وألَّف به بين قلوبكم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ )...

الآية.

يقول: فهل عسيتم كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله, ألم يسفكوا الدم الحرام, وقطَّعوا الأرحام, وعَصَوا الرحمن.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) قال: فعلوا.

حدثني محمد بن عبد الرحيم البرقي, قال: ثنا ابن أبي مريم, قال: أخبرنا محمد بن جعفر وسليمان بن بلال, قالا ثنا معاوية بن أبي المزرّد المديني, عن سعيد بن يسار, عن أبي هريرة, عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أنه قال: " خَلَقَ اللّهُ الخَلْقَ, فَلَمَّا فَرغ مِنْهُمْ تَعَلَّقَتِ الرَّحِمُ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ فَقالَ مَهْ: فَقالَتْ: هَذَا مَقامُ العائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ, قالَ: أَفمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ, وَأصِلَ مَنْ وَصَلَكِ؟

قالَتْ: نَعَمْ, قالَ: فَذلكِ لَكِ".

قال سليمان في حديثه: قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) وقد تأوّله بعضهم: فهل عسيتم إن توليتم أمور الناس أن تفسدوا في الأرض بمعنى الولاية, وأجمعت القرّاء غير نافع على فتح السين من عَسَيتم , وكان نافع يكسرها عَسِيتم.

والصواب عندنا قراءة ذلك بفتح السين لإجماع الحجة من القرّاء عليها, وأنه لم يسمع في الكلام: عَسِيَ أخوك يقوم, بكسر السين وفتح الياء; ولو كان صوابا كسرها إذا اتصل بها مكنّى, جاءت بالكسر مع غير المكنّى, وفي إجماعهم على فتحها مع الاسم الظاهر, الدليل الواضح على أنها كذلك مع المكنّى, وإن التي تَلِي عسيتم مكسورة, وهي حرف حزاء, و " أن " التي مع تفسدوا في موضع نصب بعسيتم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قوله تعالى : فهل عسيتم إن توليتم اختلف في معنى إن توليتم فقيل : هو من الولاية .

قال أبو العالية : المعنى فهل عسيتم إن توليتم الحكم فجعلتم حكاما أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشا .

وقال الكلبي : أي : فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم .

وقال ابن جريج : المعنى فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وقطع الأرحام .

وقال كعب : المعنى فهل عسيتم إن توليتم الأمر أن يقتل بعضكم بعضا .

وقيل : من الإعراض عن الشيء .

قال قتادة : أي : فهل عسيتم إن توليتم عن كتاب الله أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء الحرام ، وتقطعوا أرحامكم .

وقيل : فهل عسيتم أي : فلعلكم إن أعرضتم عن القرآن وفارقتم أحكامه أن تفسدوا في الأرض فتعودوا إلى جاهليتكم .

وقرئ بفتح السين وكسرها .

وقد مضى في ( البقرة ) القول فيه مستوفى .

وقال بكر المزني : إنها نزلت في الحرورية والخوارج ، وفيه بعد .

والأظهر أنه إنما عني بها المنافقون .

وقال ابن حيان : قريش .

ونحوه قال المسيب بن شريك والفراء ، قالا : نزلت في بني أمية وبني هاشم ، ودليل هذا التأويل ما روى عبد الله بن مغفل قال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : [ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض - ثم قال - هم هذا الحي من قريش أخذ الله عليهم إن ولوا الناس ألا يفسدوا في الأرض ولا يقطعوا أرحامهم ] .

وقرأ علي بن أبي طالب ( إن توليتم أن تفسدوا في الأرض ) بضم التاء والواو وكسر اللام .

وهي قراءة ابن أبي إسحاق ، ورواها رويس عن يعقوب .

يقول : إن وليتكم ولاة جائرة خرجتم معهم في الفتنة وحاربتموهم .

وتقطعوا أرحامكم بالبغي والظلم والقتل .

وقرأ يعقوب وسلام وعيسى وأبو حاتم ( وتقطعوا ) بفتح التاء وتخفيف القاف ، من القطع ، اعتبارا بقوله تعالى : ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل .

وروى هذه القراءة هارون عن أبى عمرو .وقرأ الحسن ( وتقطعوا ) [ ص: 225 ] مفتوحة الحروف مشددة ، اعتبارا بقوله تعالى : وتقطعوا أمرهم بينهم .

الباقون وتقطعوا بضم التاء مشددة الطاء ، من التقطيع على التكثير ، وهو اختيار أبي عبيد .

وتقدم ذكر عسيتم في ( البقرة ) .

وقال الزجاج في قراءة نافع : لو جاز هذا لجاز ( عسي ) بالكسر .

قال الجوهري : ويقال عسيت أن أفعل ذلك ، وعسيت بالكسر .

وقرئ ( فهل عسيتم ) بالكسر .قلت : ويدل قوله هذا على أنهما لغتان .

وقد مضى القول فيه في ( البقرة ) مستوفى .في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قال فذاك لك - ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - اقرءوا إن شئتم فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم .

أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم .

أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها .

وظاهر الآية أنها خطاب لجميع الكفار .وقال قتادة وغيره : معنى الآية فلعلكم ، أو يخاف عليكم ، إن أعرضتم عن الإيمان أن تعودوا إلى الفساد في الأرض لسفك الدماء .

قال قتادة : كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله تعالى ألم يسفكوا الدماء الحرام ويقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن .

فالرحم على هذا رحم دين الإسلام والإيمان ، التي قد سماها الله إخوة بقوله تعالى : إنما المؤمنون إخوة وعلى قول الفراء أن الآية نزلت في بني هاشم وبني أمية ، والمراد من أضمر منهم نفاقا ، فأشار بقطع الرحم إلى ما كان بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - من القرابة بتكذيبهم النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وذلك يوجب القتال .وبالجملة فالرحم على وجهين : عامة وخاصة ، فالعامة رحم الدين ، ويوجب مواصلتها بملازمة الإيمان والمحبة لأهله ونصرتهم ، والنصيحة وترك مضارتهم والعدل بينهم ، والنصفة في معاملتهم والقيام بحقوقهم الواجبة ، كتمريض المرضى وحقوق الموتى من غسلهم والصلاة عليهم ودفنهم ، وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم .

وأما الرحم الخاصة وهي رحم القرابة من طرفي الرجل أبيه وأمه ، فتجب لهم الحقوق الخاصة وزيادة ، كالنفقة وتفقد أحوالهم ، وترك .

التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم ، وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة ، حتى إذا تزاحمت الحقوق بدئ بالأقرب فالأقرب .

وقال بعض أهل العلم : إن الرحم التي تجب صلتها هي كل رحم محرم وعليه فلا تجب في بني الأعمام وبني الأخوال .وقيل : بل هذا في كل رحم ممن ينطلق عليه ذلك من ذوي الأرحام في المواريث ، محرما كان أو غير محرم .

فيخرج من هذا أن رحم الأم التي لا يتوارث بها لا تجب صلتهم ولا يحرم قطعهم .

وهذا ليس بصحيح ، والصواب أن كل ما يشمله ويعمه الرحم تجب صلته على كل حال ، قربة ودينية ، على ما ذكرناه أولا والله أعلم .قد روى أبو داود الطيالسي في مسنده قال : حدثنا شعبة قال أخبرني محمد بن عبد الجبار قال سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن للرحم لسانا يوم القيامة تحت [ ص: 227 ] العرش يقول يا رب قطعت يا رب ظلمت يا رب أسيء إلي فيجيبها ربها ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك .

وفي صحيح مسلم عن جبير بن مطعم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يدخل الجنة قاطع .

قال ابن أبي عمر قال سفيان : يعني قاطع رحم .

ورواه البخاري .قوله - عليه السلام - : إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم .

.

.

خلق بمعنى اخترع وأصله التقدير ، كما تقدم .

والخلق هنا بمعنى المخلوق .

ومنه قوله تعالى : هذا خلق الله أي : مخلوقه .

ومعنى فرغ منهم كمل خلقهم .

لا أنه اشتغل بهم ثم فرغ من شغله بهم ، إذ ليس فعله بمباشرة ولا مناولة ، ولا خلقه بآلة ولا محاولة ، تعالى عن ذلك .

وقوله : قامت الرحم فقالت يحمل على أحد وجهين : أحدهما : أن يكون الله تعالى أقام من يتكلم عن الرحم من الملائكة فيقول ذلك ، وكأنه وكل بهذه العبادة من يناضل عنها ويكتب ثواب من وصلها ووزر من قطعها ، كما وكل الله بسائر الأعمال كراما كاتبين ، وبمشاهدة أوقات الصلوات ملائكة متعاقبين .

وثانيهما : أن ذلك على جهة التقدير والتمثيل المفهم للإعياء وشدة الاعتناء .

فكأنه قال : لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت هذا الكلام ، كما قال تعالى : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ثم قال وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون .

وقوله : فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة مقصود هذا الكلام الإخبار بتأكد أمر صلة الرحم ، وأن الله سبحانه قد نزلها بمنزلة من استجار به فأجاره ، وأدخله في ذمته وخفارته .

وإذا كان كذلك فجار الله غير مخذول وعهده غير منقوض ، ولذلك قال مخاطبا للرحم : ( أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ) .

وهذا كما قال - عليه السلام - : ومن صلى الصبح فهو في ذمة الله تعالى فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فإنه من يطلبه بذمته بشيء يدركه ثم يكبه في النار على وجهه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر تعالى حال المتولي عن طاعة ربه، وأنه لا يتولى إلى خير، بل إلى شر، فقال: { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ } أي: فهما أمران، إما التزام لطاعة الله، وامتثال لأوامره، فثم الخير والرشد والفلاح، وإما إعراض عن ذلك، وتولٍ عن طاعة الله، فما ثم إلا الفساد في الأرض بالعمل بالمعاصي وقطيعة الأرحام.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فهل عسيتم ) فلعلكم ( إن توليتم ) أعرضتم عن القرآن وفارقتم أحكامه ( أن تفسدوا في الأرض ) تعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية فتفسدوا في الأرض بالمعصية والبغي وسفك الدماء ، وترجعوا إلى الفرقة بعد ما جمعكم الله بالإسلام .

( وتقطعوا أرحامكم ) قرأ يعقوب : " وتقطعوا " بفتح التاء خفيف ، والآخرون بالتشديد " وتقطعوا " من التقطيع ، على التكثير ، لأجل الأرحام ، قال قتادة : كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله ألم يسفكوا الدم الحرام ، وقطعوا الأرحام ، وعصوا الرحمن ؟

وقال بعضهم : هو من الولاية .

وقال المسيب بن شريك والفراء : يقول فهل عسيتم إن وليتم أمر الناس أن تفسدوا في الأرض بالظلم ، نزلت في بني أمية وبني هاشم ، يدل عليه قراءة علي بن أبي طالب " توليتم " بضم التاء والواو وكسر اللام ، يقول : إن وليتكم ولاة جائرة خرجتم معهم في الفتنة وعاونتموهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فهل عسَِيتم» بكسر السين وفتحها وفيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب، أي لعلكم «إن توليتم» أعرضتم عن الإيمان «أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم» أي تعودوا إلى أمر الجاهلية من البغي والقتال.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلعلكم إن أعرضتم عن كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن تعصوا الله في الأرض، فتكفروا به وتسفكوا الدماء وتُقَطِّعوا أرحامكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما هو متوقع منهم ، ووجه الخطاب إليهم على سبيل الالتفات ليكون أزجر لهم ، فقال : ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض وتقطعوا أَرْحَامَكُمْ ) .قال الفخر الرازى ما ملخصه : وهذه الآية فيها إشارة إلى فساد قول قالوه ، وهو أنهم كانوا يقولون : كيف نقاتل العرب وهم من ذوى أرحامنا وقبائلنا .والاستفهام للتقرير المؤكد ، وعسى للتوقع ، وفى قوله ( إِن تَوَلَّيْتُمْ ) وجهان : أحدهما : أنه من الولاية ، يعنى : فهل يتوقع منكم - أيها المنافقون - إن أخذتم الولاية وسار الناس بأمركم ، إلا فساد فى الأرض وقطع الأرحام؟وثانيهما : أنه من التولى بمعنى الإِعراض وهذا أنسب - أى : إن كنتم تتركون القتال ، وتقولون فيه الإِفاسد وقطع الأرحام ، لكون الكفار أقاربنا ، فإن فى هذه الحالة لا يتوقع منكم إلا الإِفساد وقطع الأرحام كما كان حالكم فى الجاهلية .وعلى كلا القولين فالمقصود من الآية توبيخهم على جبنهم وكراهتهم لما يأمرهم به النبى - صلى الله عليه وسلم - من الجهاد فى سبيل الله - تعالى - ، وتقريعهم على أعذارهم الباظلة ، ببيان أنهم لو أعرضوا عن القتال وخالفوا تعاليم الإِسلام فلن يكون منهم إلا الإِفساد وقطع الأرحام ، وكذلك سيكون حالهم لو تولوا أمور الناس ، وكانوا حكاما لهم .وقوله : ( أَن تُفْسِدُواْ ) خبر عسى ، وقوله : ( إِن تَوَلَّيْتُمْ .

.

) جملة معترضة ، وجواب ( إِن ) محذوف لدلالة قوله : ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ ) عليه .أى : ما يتوقع منكم إلا الإِفساد وقطع الأرحام ، إن أعرضتم عن تعاليم الإِسلام ، أو إن توليتم أمور الناس ، فأحذروا أن يكون منكم هذا التولى الذى سيفضى بكم إلى سوء المصير ، الذى بينه - سبحانه - فى قوله : ( أولئك الذين لَعَنَهُمُ الله )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وهذه الآية فيها إشارة إلى فساد قول قالوه، وهو أنهم كانوا يقولون كيف نقاتل والقتل إفساد والعرب من ذوي أرحامنا وقبائلنا؟

فقال تعالى: ﴿ إِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ لا يقع منكم إلا الفساد في الأرض فإنكم تقتلون من تقدرون عليه وتنهبونه والقتال واقع بينكم، أليس قتلكم البنات إفساداً وقطعاً للرحم؟

فلا يصح تعللكم بذلك مع أنه خلاف ما أمر الله وهذا طاعة وفيه مسائل: المسألة الأولى: في استعمال عسى ثلاثة مذاهب أحدها: الإتيان بها على صورة فعل ماضٍ معه فاعل تقول عسى زيد وعسينا وعسوا وعسيت وعسيتما وعسيتم وعست وعستا والثاني: أن يؤتى بها على صورة فعل معه مفعول تقول عساه وعساهما وعساك وعساكما وعساي وعسانا.

والثالث: الإتيان بها من غير أن يقرن بها شيء تقول عسى زيد يخرج وعسى أنت تخرج وعسى أنا أخرج والكل له وجه وما عليه كلام الله أوجه، وذلك لأن عسى من الأفعال الجامدة واقتران الفاعل بالفعل أولى من اقتران المفعول لأن الفاعل كالجزء من الفعل ولهذا لم يجز فيه أربع متحركات في مثل قول القائل نصرت وجوز في مثل قولهم نصرك ولأن كل فعل له فاعل سواء كان لازماً أو متعدياً ولا كذلك المفعول به، فعسيت وعساك كعصيت وعصاك في اقتران الفاعل بالفعل والمفعول به، وأما قول من قال عسى أنت تقوم وعسى أن أقوم فدون ما ذكرنا للتطويل الذي فيه.

المسألة الثانية: الاستفهام للتقرير المؤكد، فإنه لو قال على سبيل الإخبار ﴿ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ لكان للمخاطب أن ينكره فإذا قال بصيغة الاستفهام كأنه يقول أنا أسألك عن هذا وأنت لا تقدر أن تجيب إلا بلا أو نعم، فهو مقرر عندك وعندي.

المسألة الثالثة: عسى للتوقيع والله تعالى عالم بكل شيء فنقول فيه ما قلنا في لعل، وفي قوله: ﴿ لِنَبْلُوَهُمْ  ﴾ إن بعض الناس قال يفعل بكم فعل المترجي والمبتلي والمتوقع، وقال آخرون كل من ينظر إليهم يتوقع منهم ذلك ونحن قلنا محمول على الحقيقة وذلك لأن الفعل إذا كان ممكناً في نفسه فالنظر إليه غير مستلزم لأمر، وإنما الأمر يجوز أن يحصل منه تارة ولا يحصل منه أخرى فيكون الفعل لذلك الأمر المطلوب على سبيل الترجي سواء كان الفاعل يعلم حصول الأمر منه وسواء أن لم يكن يعلم، مثاله من نصب شبكة لاصطياد الصيد يقال هو متوقع لذلك فإن حصل له العلم بوقوعه فيه بإخبار صادق أنه سيقع فيه أو بطريق أخرى لا يخرج عن التوقع، غاية ما في الباب أن في الشاهد لم يحصل لنا العلم فيما نتوقعه فيظن أن عدم العلم لازم للمتوقع، وليس كذلك بل المتوقع هو المنتظر لأمر ليس بواجب الوقوع نظراً لذلك الأمر فحسب سواء كان له به علم أو لم يكن وقوله: ﴿ إِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه من الولاية يعني إن أخذتم الولاية وصار الناس بأمركم أفسدتم وقطعتم الأرحام وثانيهما: هو من التولي الذي هو الإعراض وهذا مناسب لما ذكرنا، أي كنتم تتركون القتال وتقولون فيه الإفساد وقطع الأرحام لكون الكفار أقاربنا فلا يقع منكم إلا ذلك حيث تقاتلون على أدنى شيء كما كان عادة العرب الأول: يؤكده قراءة علي عليه السلام توليتم، أي إن تولاكم ولاة ظلمة جفاة غشمة ومشيتم تحت لوائهم وأفسدتم بإفسادهم معهم وقطعتم أرحامكم، والنبي عليه السلام لا يأمركم إلا بالإصلاح وصلة الأرحام، فلم تتقاعدون عن القتال وتتباعدون في الضلال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عسيت وعسيتم: لغة أهل الحجاز.

وأما بنو تميم فيقولون: عسى أن تفعل، وعسى أن تفعلوا، ولا يلحقون الضمائر، وقرأ نافع بكسر السين وهو غريب، وقد نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات؛ ليكون أبلغ في التوكيد.

فإن قلت: ما معنى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ....

أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض ﴾ ؟

قلت: معناه: هل يتوقع منكم الإفساد؟

فإن قلت: فكيف يصح هذا في كلام الله عز وعلا وهو عالم بما كان وبما يكون؟

قلت: معناه إنكم لما عهد منكم أحقاء بأن يقول لكم كل من ذاقكم وعرف تمريضكم ورخاوة عقدكم في الإيمان: يا هؤلاء، ما ترون؟

هل يتوقع منكم إن توليتم أمور الناس وتأمرتم عليهم لما تبين منكم من الشواهد ولاح من المخايل ﴿ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ ﴾ تناحرا على الملك وتهالكا على الدنيا؟

وقيل: إن أعرضتم وتوليتم عن دين رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض: بالتغاور والتناهب، وقطع الأرحام: بمقاتلة بعض الأقارب بعضاً ووأد البنات؟

وقرئ: ﴿ وليتم ﴾ .

وفي قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ﴿ تُوِلِّتُم ﴾ أي: إن تولاكم ولاة غشمة خرجتم معهم ومشيتم تحت لوائهم وأفسدتم بإفسادهم؟

وقرئ: ﴿ وتَقْطَعُوا ﴾ ﴿ وتقطعوا ﴾ من التقطيع والتقطع ﴿ أولائك ﴾ إشارة إلى المذكورين ﴿ لَّعَنَهُمُ الله ﴾ لإفسادهم وقطعهم الأرحام، فمنعهم ألطافه وخذلهم، حتى صموا عن استماع الموعظة، وعموا عن إبصار طريق الهدى.

ويجوز أن يريد بالذين آمنوا: المؤمنين الخلص الثابتين، وأنهم يتشوفون إلى الوحي إذا أبطأ عليهم، فإذا أنزلت سورة في معنى الجهاد: رأيت المنافقين فيما بينهم يضجرون منها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

.

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ﴾ أيْ هَلّا نُزِّلَتْ سُورَةٌ في أمْرِ الجِهادِ.

﴿ فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ ﴾ مُبَيَّنَةٌ لا تَشابُهَ فِيها.

﴿ وَذُكِرَ فِيها القِتالُ ﴾ أيِ الأمْرُ بِهِ.

﴿ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ ضَعْفٌ في الدِّينِ وقِيلَ: نِفاقٌ.

﴿ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ ﴾ جُبْنًا ومَخافَةً.

﴿ فَأوْلى لَهُمْ ﴾ فَوَيْلٌ لَهُمْ، أفْعَلُ مِنَ الوَلِيِّ وهو القُرْبُ، أوْ فَعْلى مَن آلَ ومَعْناهُ الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَلِيَهُمُ المَكْرُوهُ أوْ يَؤُولَ إلَيْهِ أمْرُهم.

﴿ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾ اسْتِئْنافٌ أيْ أمْرُهم طاعَةٌ أوْ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ خَيْرٌ لَهُمْ، أوْ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ لِقِراءَةِ أُبَيٍّ «يَقُولُونَ طاعَةٌ».

﴿ فَإذا عَزَمَ الأمْرُ ﴾ أيْ جَدَّ وهو لِأصْحابِ الأمْرِ، وإسْنادُهُ إلَيْهِ مَجازٌ وعامِلُ الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: ﴿ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ ﴾ أيْ فِيما زَعَمُوا مِنَ الحِرْصِ عَلى الجِهادِ أوِ الإيمانِ.

﴿ لَكانَ ﴾ الصِّدْقُ.

﴿ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ ﴾ فَهَلْ يُتَوَقَّعُ مِنكم.

﴿ إنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أُمُورَ النّاسِ وتَأمَّرْتُمْ عَلَيْهِمْ، أوِ أعْرَضْتُمْ وتَوَلَّيْتُمْ عَنِ الإسْلامِ.

﴿ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ ﴾ تَناحُرًا عَلى الوِلايَةِ وتَجاذُبًا لَها، أوْ رُجُوعًا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّغاوُرِ ومُقاتَلَةِ الأقارِبِ، والمَعْنى أنَّهم لِضَعْفِهِمْ في الدِّينِ وحِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا أحِقّاءُ بِأنْ يَتَوَقَّعَ ذَلِكَ مِنهم مَن عَرَفَ حالَهم ويَقُولُ لَهُمْ: هَلْ عَسَيْتُمْ، وهَذا عَلى لُغَةِ الحِجازِ فَإنَّ بَنِي تَمِيمٍ لا يُلْحِقُونَ الضَّمِيرَ بِهِ وخَبَرُهُ أنْ تُفْسِدُوا وإنْ تَوَلَّيْتُمُ اعْتِراضٌ، وعَنْ يَعْقُوبَ تَوَلَّيْتُمْ أيْ إنْ تَوَلّاكم ظَلَمَةٌ خَرَجْتُمْ مَعَهم وساعَدْتُمُوهم في الإفْسادِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وتُقَطِّعُوا مِنَ القَطْعِ، وقُرِئَ تَقَطَّعُوا مِنَ التَّقَطُّعِ.

﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ.

﴿ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ﴾ لِإفْسادِهِمْ وقَطْعِهِمُ الأرْحامَ.

﴿ فَأصَمَّهُمْ ﴾ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ.

﴿ وَأعْمى أبْصارَهُمْ ﴾ فَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلَهُ.

﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ﴾ يَتَصَفَّحُونَهُ وما فِيهِ مِنَ المَواعِظِ والزَّواجِرِ حَتّى لا يَجْسُرُوا عَلى المَعاصِي.

﴿ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها ﴾ لا يَصِلُ إلَيْها ذِكْرٌ ولا يَنْكَشِفُ لَها أمْرٌ، وقِيلَ: أمْ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها التَّقْرِيرُ، وتَنْكِيرُ القُلُوبِ لِأنَّ المُرادَ قُلُوبُ بَعْضٍ مِنهم أوْ لِلْإشْعارِ بِأنَّها لِإبْهامِ أمْرِها في القَساوَةِ، أوْ لِفَرْطِ جَهالَتِها ونُكْرِها كَأنَّها مُبْهَمَةٌ مَنكُورَةٌ وإضافَةُ الأقْفالِ إلَيْها لِلدَّلالَةِ عَلى أقْفالٍ مُناسِبَةٍ لَها مُخْتَصَّةٍ بِها لا تُجانِسُ الأقْفالَ المَعْهُودَةَ.

وقُرِئَ «إقْفالُها» عَلى المَصْدَرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأرض وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ} أي فلعلكم إن أعرضتم عن دين رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض بالتغاور والتناهب وقطع الأرحام بمقاتلة بعض الأقارب بعضاً ووأد البنات وخبر عسى أَن تُفْسِدُواْ والشرط اعتراض بين الاسم والخبر والتقدير فهل عسيتم ان تفسدوا في الارض تقطعوا أرحامكم إن توليتم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ ﴾ خِطابٌ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ بِطْرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ وتَشْدِيدِ التَّقْرِيعِ، وهَلْ لِلِاسْتِفْهامِ والأصْلُ فِيهِ أنْ يَدْخُلَ الخَبَرُ لِلسُّؤالِ عَنْ مَضْمُونِهِ والإنْشاءِ المَوْضُوعِ لَهُ عَسى ما دَلَّ عَلَيْهِ بِالخَبَرِ أيْ فَهَلْ يُتَوَقَّعُ مِنكم ويُنْتَظَرُ ﴿ إنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أُمُورَ النّاسِ وتَأمَّرْتُمْ عَلَيْهِمْ فَهو مِنَ الوِلايَةِ والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وأبِي العالِيَةِ والكَلْبِيِّ ﴿ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ ﴾ تَناحُرًا عَلى الوِلايَةِ وتَكالُبًا عَلى جِيفَةِ الدُّنْيا والمُتَوَقَّعُ كُلُّ مَن يَقِفُ عَلى حالِهِمْ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إذْ لا يَصِحُّ مِنهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ والِاسْتِفْهامُ أيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ جَلَّ وعَلا فالمَعْنى إنَّكم لِما عُهِدَ مِنكم مِنَ الأحْوالِ الدّالَّةِ عَلى الحِرْصِ عَلى الدُّنْيا حَيْثُ أُمِرْتُمْ بِالجِهادِ الَّذِي هو وسِيلَةٌ إلى ثَوابِ اللَّهِ تَعالى العَظِيمِ فَكَرِهْتُمُوهُ وظَهَرَ عَلَيْكم ما ظَهَرَ أحِقّاءٌ بِأنْ يَقُولَ لَكم كُلُّ مَن ذاقَكم وعَرَفَ حالَكم يا هَؤُلاءِ ما تَرَوْنَ هَلْ يُتَوَقَّعُ مِنكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ إلَخْ.

وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ التَّوَلِّيَ بِالإعْراضِ عَنِ الإسْلامِ فالفِعْلُ لازِمٌ أيْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإسْلامِ أنْ تَرْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الإفْسادِ في الأرْضِ بِالتَّغاوُرِ والتَّناهُبِ وقَطْعِ الأرْحامِ بِمُقاتَلَةِ بَعْضِ الأقارِبِ بَعْضًا ووَأْدِ البَناتِ، وتُعِقِّبَ بِأنَّ الواقِعَ في حَيِّزِ الشَّرْطِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ مَحْذُورِيَّتُهُ بِاعْتِبارِ ما يَتْبَعُهُ مِنَ المَفاسِدِ لا بِاعْتِبارِ ذاتِهِ ولا رَيْبَ في أنَّ الإعْراضَ عَنِ الإسْلامِ رَأْسُ كُلِّ شَرٍّ وفَسادٌ فَحَقُّهُ أنْ يُجْعَلَ عُمْدَةً في التَّوْبِيخِ لا وسِيلَةً لِلتَّوْبِيخِ بِما دُوَنَهُ مِنَ المَفاسِدِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ بَعْضٍ ( وُلِّيتُمْ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وكَذا قِراءَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما ذُكِرَ في البَحْرِ ورُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.

ورُوَيْسٌ ويَعْقُوبُ ( تُولِّيتُمْ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى تَوَلّاكُمُ النّاسُ واجْتَمَعُوا عَلى مُوالاتِكُمْ، والمُرادُ كُنْتُمْ فِيهِمْ حُكّامًا، وقِيلَ: المَعْنى تَوَلّاكم وُلاةٌ غَشْمَةٌ خَرَجْتُمْ مَعَهم ومَشَيْتُمْ تَحْتَ لِوائِهِمْ وأفْسَدْتُمْ بِإفْسادِهِمْ واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ تَفْسِيرَهُ بِالإعْراضِ إلّا أنَّهُ قالَ: المَعْنى إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى في القِتالِ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ بِعَدَمِ مَعُونَةِ أهْلِ الإسْلامِ عَلى أعْدائِهِمْ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكم لِأنَّ مِن أرْحامِكم كَثِيرًا مِنَ المُسْلِمِينَ فَإذا لَمْ تُعِينُوهم قَطَّعْتُمْ ما بَيْنَكم وبَيْنَهم مِنَ الرَّحِمِ.

وتُعِقِّبَ بِأنَّ حَمْلَ الإفْسادِ عَلى الإفْسادِ بِعَدَمِ المَعُونَةِ فِيهِ خَفاءٌ، وكَذا الإتْيانُ بِأنَّ عَلَيْهِ دُونَ إذا مِن حَيْثُ إنَّ الإعْراضَ عَنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى في القِتالِ كالمُحَقَّقِ مِن أُولَئِكَ المُنافِقِينَ فَتَأمَّلْ، ( وأنْ تُفْسِدُوا ) خَبَرُ عَسى.

﴿ وإنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ اعْتِراضٌ، وجَوابُ أنَّ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الأظْهَرَ جَعْلُ ﴿ إنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ حالًا مُقَدَّرَةً، وفِيهِ أنَّ الشُّرَطَ بِدُونِ الجَوابِ لَمْ يُعْهَدْ وُقُوعُهُ حالًا في غَيْرِ أنَّ الوَصْلِيَّةَ وهي لا تُفارِقُ الواوَ، وإلْحاقُ الضَّمائِرِ بِعَسى كَما في سائِرِ الأفْعالِ المُتَصَرِّفَةِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وبَنُو تَمِيمٍ لا يُلْحِقُونَها بِهِ ويَلْتَزِمُونَ دُخُولَهُ عَلى أنْ والفِعْلِ فَيَقُولُونَ الزَّيْدانَ عَسى أنْ يَقُوما والزَّيْدُونَ عَسى أنْ يَقُومُوا، وذَكَرَ الإمامُ هاتَيْنِ اللُّغَتَيْنِ ثُمَّ قالَ: وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: عَسى أنْتَ تَقُومُ وعَسى أنا أقُومُ فَدُونَ ما ذَكَرْنا لِلتَّطْوِيلِ الَّذِي فِيهِ فَإنْ كانَ مَقْصُودُهُ حِكايَةَ لُغَةٍ ثالِثَةٍ هي انْفِصالُ الضَّمِيرِ فَنَحْنُ لا نَعْلَمُ أحَدًا مِن نَقَلَةِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ ذَكَرَها وإنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ جَدْوى.

وقَرَأ نافِعٌ (عَسِيتُمْ) بِكَسْرِ السِّينِ المُهْمَلَةِ، وهو غَرِيبٌ.

وقَرَأ عَمْرٌو في رِوايَةٍ.

وسَلامٌ ويَعْقُوبُ وأبانُ وعِصْمَةُ (تَقْطَعُوا) بِالتَّخْفِيفِ مُضارِعُ قَطَعَ، والحَسَنُ ( تَقَطَّعُوا) بِفَتْحِ التّاءِ والقافِ وشَدِّ الطّاءِ وأصْلُهُ تَتَقَطَّعُوا بِتاءَيْنِ حُذِفَتْ أحَدُهُما ونَصَبُوا ( أرْحامَكم ) عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ أيْ في أرْحامِكم لِأنَّ تَقَطَّعَ لازِمٌ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ قال الزجاج: هذه الفاء جواب الجزاء.

ومعناه قد بينا ما يدل على توحيد الله، فاعلم أنه لا إله إلا الله، والنبي  قد علم أن الله تعالى واحد.

إنما خاطبه والمراد به أمته.

وقال: هذا الأمر للنبي  خاصة.

ومعناه.

فاثبت على إظهار قول لا إله إلا الله.

يعني: ادع الناس إلى ذلك.

ويقال: كان رسول الله  يقول: «لَيْتَنِي أَعْلَمُ أَيُّ الكَلامِ أَفْضَلُ وَأَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ.

فَأَعْلَمَهُ الله تَعَالَى، أنَّ أَفْضَلَ الكَلاَمِ التَّوْحِيدُ، وَأَفْضَلَ الدُّعَاءِ الاسْتِغْفارُ» .

ثم قال: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ روى الزهري أن النبيّ  قال: «إنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله، وَأَتُوبُ إلَيْهِ، فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ» .

وروى أبو هريرة عن النبيّ  أنه قال: «إني أستغفر الله تَعَالَى، وَأَتُوبُ إلَيْهِ، فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» .

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن جريج قال: قيل لعطاء: استغفر للمؤمنين في المكتوبة؟

قال: نعم.

قلت: فمن ابتدئ؟

قال: فبنفسك، كما قال الله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ.

وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ يعني: منتشركم بالنهار، ومأواكم بالليل.

ويقال: ذهابكم، ومجيئكم.

قوله عز وجل: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ وذلك أنهم كانوا يأنسون بالوحي، ويستوحشون إذا أبطأ، فاشتاقوا إلى الوحي، فقالوا: لولا نزلت.

هلاّ نزلت سورة.

قال الله تعالى: فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ يعني: مبينة الحلال، والحرام وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ يعني: أمروا فيها بالقتال.

وقال قتادة: كل سورة ذكر فيها ذكر القتال فهي محكمة.

وقال القتبي في قراءة ابن مسعود: سورة محدثة، وتسمى المحدثة محكمة، لأنها إذا نزلت تكون محكمة ما لم ينسخ منها شيء.

ويقال: فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ فِيها ذكر القتال، وطاعة النبيّ  فرح بها المؤمنون، وكره المنافقون، فذلك قوله: رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني: الشك، والنفاق.

يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ كراهية لنزول القرآن.

يعني: إنهم يشخصون نحوك بأبصارهم، وينظرون نظراً شديداً من شدة العداوة، كما ينظر المريض عند الموت.

فَأَوْلى لَهُمْ فهذا تهديد، ووعيد.

يعني: وليهم المكروه.

يعني: قل لهم احذروا العذاب، وقد تم الكلام.

ثم قال: طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ قال القتبي: هذا مخصوص.

يعني: قولهم قبل نزول الفرض، سمعاً لك وطاعة.

فإذا أمروا به كرهوا.

ذلك.

ويقال: معناه طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أمثل لهم.

ويقال: معناه فإذا أنزلت سورة ذات طاعة، يؤمر فيها بالطاعة، وقول معروف فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ أي: جاء الجد، ووقت القتال، فلم يذكر في الآية جوابه.

والجواب فيه مضمر.

معناه: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ يعني: وجب الأمر، وجد الأمر، كرهوا ذلك.

ثم ابتدأ فقال: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ يعني: لو صدقوا الله في النبي، وما جاء به، لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ من الشرك والنفاق.

قوله: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ يعني: لعلكم وَإِن وليتم أمر هذه الأمة أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالمعاصي.

يعني: أن تعصوا الله في الأرض وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ.

قال السدي: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالمعاصي وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ فإن المؤمنين إخوة.

فإذا قتلوهم، فقد قطعوا أرحامهم.

وروى جبير عن الضحاك قال: نزلت في الأمراء: إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أمر الناس أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ.

ويقال: معناه إن أعرضتم عن دين الإسلام، وعما جاء به النبيّ  ، أن تفسدوا فى الارض بسفك الدماء، ودفن البنات، وقطع الأرحام، فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ يعني: هل تريدون إذا أنتم تركتم النبيّ  ، وما أمركم به، أَلاَّ أن تعودوا إلى مثل ما كنتم عليه من الكفر، والمعاصي، وقطع الأرحام.

قرأ نافع: فَهَلْ عَسَيْتُمْ بكسر السين.

والباقون: بالنصب.

وهما لغتان، إلا أن النصب أظهر عند أهل اللغة.

قوله عز وجل: أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ يعني: أهل هذه الصفة خذلهم الله، وطردهم من رحمته.

قوله: فَأَصَمَّهُمْ عن الهدى، فلا يعقلونه وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ عن الهدى: فلا يبصرونه عقوبة لهم.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المُنافِقُونَ، وهو الظّاهِرُ.

والثّانِي: مُنافِقُو اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: الخَوارِجُ، قالَهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ.

والرّابِعُ: قُرَيْشٌ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الإعْراضِ.

فالمَعْنى: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإسْلامِ ﴿ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ ﴾ بِأنْ تَعُودُوا إلى الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، ويُغِيرُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الوِلايَةِ لِأُمُورِ النّاسِ، قالَهُ القُرَظِيُّ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى "أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ": بِالجَوْرِ والظُّلْمِ.

وَقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَتَقْطَعُوا" بِفَتْحِ التّاءِ والطّاءِ وتَخْفِيفِها وسُكُونِ القافِ.

ثُمَّ ذَمَّ مَن يُرِيدُ ذَلِكَ بِالآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ [النِّساءِ: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها ﴾ "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، وذِكْرُ الأقْفالِ اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ أنَّ القَلْبَ يَكُونُ كالبَيْتِ المُقْفَلِ لا يَصِلُ إلَيْهِ الهُدى.

[قالَ مُجاهِدٌ]: الرّانُ أيْسَرُ مِنَ الطَّبْعِ، والطَّبْعُ أيْسَرُ مِنَ الإقْفالِ، والإقْفالُ أشَدُّ ذَلِكَ كُلِّهِ، وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: مامِن آدَمِيٍّ إلّا ولَهُ أرْبَعُ أعْيُنٍ، عَيْنانِ في رَأْسِهِ لِدُنْياهُ وما يُصْلِحُهُ مِن مَعِيشَتِهِ، وعَيْنانِ في قَلْبِهِ لِدِينِهِ وما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الغَيْبِ، فَإذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أبْصَرَتْ عَيْناهُ اللَّتانِ في قَلْبِهِ، وإذا أرادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ طُمِسَ عَلَيْهِما، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ ﴾ أيْ: رَجَعُوا كُفّارًا؛ وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

﴿ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما وضَحَ لَهُمُ الحَقُّ.

ومَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ، قالَ: مِن بَعْدِ أنْ تَبَيَّنَ لَهم وصْفُ رَسُولِ اللَّهِ  ونَعْتُهُ في كِتابِهِمْ.

و سَوَّلَ بِمَعْنى زَيَّنَ.

﴿ وَأمْلى لَهُمْ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "وَأُمْلِيَ لَهُمْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ وبَعْدَها ياءٌ مَفْتُوحَةٌ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ إلّا زَيْدًا، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما أسْكَنا الياءَ.

وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ.

وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الإمْلاءِ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٨، الأعْرافِ: ١٨٣] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: الأمْرُ ذَلِكَ، أيْ: ذَلِكَ الإضْلالُ بِقَوْلِهِمْ ﴿ لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ ﴾ وفي الكارِهِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، فَعَلى هَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: في القُعُودِ عَنْ نُصْرَةِ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: في المَيْلِ إلَيْكم والمُظاهَرَةِ عَلى مُحَمَّدٍ  .

والثّالِثُ: في الِارْتِدادِ بَعْدَ الإيمانِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، فَعَلى هَذا في الَّذِي أطاعُوهم فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: في أنْ لا يُصَدِّقُوا شَيْئًا مِن مَقالَةِ رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: في كَتْمِ ما عَلِمُوهُ مِن نُبُوَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ: بِكَسْرِ الألِفِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ أسْرَرْتُ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِفَتْحِها عَلى أنَّهُ جَمْعُ سِرٍّ، والمَعْنى أنَّهُ يَعْلَمُ ما بَيْنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ مِنَ السِّرِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم حِينَئِذٍ؟

وقَدْ بَيَّنّا في [الأنْفالِ: ٥٠] مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ ﴾ أيْ: كَرِهُوا ما فِيهِ الرِّضْوانِ، وهو الإيمانُ والطّاعَةُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَأولى لَهُمْ ﴾ ﴿ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإذا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ ﴾ هَذا ابْتِداءُ وُصْفِ حالِ المُؤْمِنِينَ في جِدِّهِمْ في دِينِ اللهِ تَعالى وحِرْصِهِمْ عَلى ظُهُورِهِ، وحالِ المُنافِقِينَ مِنَ الكَسَلِ والفَشَلِ والحِرْصِ عَلى فَسادِ الدِينِ وأهْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانَ حِرْصُهم يَبْعَثُهم عَلى تَمَنِّي الظُهُورِ وتَمَنِّي قِتالِ العَدُوِّ وفَضِيحَةِ المُنافِقِينَ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا هو ظُهُورٌ لِلْإسْلامِ، فَكانُوا يَأْنَسُونَ بِالوَحْيِ ويَسْتَوْحِشُونَ إذا أبْطَأ، واللهِ تَعالى قَدْ جَعَلَ ذَلِكَ بِآمادٍ مَضْرُوبَةٍ وأوقاتٍ لا تَتَعَدّى، فَمَدَحَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِحِرْصِهِمْ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ﴾ مَعْناهُ: تَتَضَمَّنُ إظْهارَنا وأمْرَنا بِمُجاهِدَةِ العَدُوِّ ونَحْوِهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن حالِ المُنافِقِينَ عِنْدَ نُزُولِ أمْرِ القِتالِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ "مُحْكَمَةٌ" ﴾ مَعْناهُ: لا يَقَعُ فِيها نَسْخٌ، وبِهَذا الوَجْهِ خَصَّصَ "السُورَةَ" بِالأحْكامِ، وأمّا الإحْكامُ الَّذِي هو بِمَعْنى الإتْقانِ، فالقُرْآنُ كُلُّهُ سَواءٌ فِيهِ، وقالَ قَتادَةُ: كُلُّ سُورَةٍ فِيها القِتالُ فَهي مُحْكَمَةٌ، وهو أشَدُّ القُرْآنِ عَلى المُنافِقِينَ، وهَذا أمْرٌ اسْتَقْرَأهُ قَتادَةُ مِنَ القُرْآنِ، ولَيْسَ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في شَيْءٍ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "سُورَةُ مُحَدِّثَةٌ".

و"المَرَضُ الَّذِي في القُلُوبِ" اسْتِعارَةٌ لِفَسادِ المُعْتَقَدِ، وحَقِيقَةُ الصِحَّةِ والمَرَضِ في الأجْسامِ وتُسْتَعارُ لِلْمَعانِي، ونَظَرُ الخائِفِ المُوَلِهِ قَرِيبٌ مِن نَظَرِ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ، وخَشْيَتُهم هَذا لِلْوَصْفِ والتَشْبِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأولى لَهُمْ ﴾ الآيَةُ، "أولى" وزْنُهُ أفْعَلُ، مَن ولِيَكَ الشَيْءُ يَلِيكُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: وزْنُهُ أفَلَعَ، وفِيهِ قَلْبٌ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَيْلِ، والمَشْهُورُ مِنَ اسْتِعْمالِ "أولى" أنَّكَ تَقُولُ: هَذا أولى بِكَ مِن هَذا، أيْ: أحَقُّ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ "أُولى لَكَ" فَقَطْ، عَلى جِهَةِ الحَذْفِ والِاخْتِصارِ لِما مَعَها مِنَ القَوْلِ، فَتَقُولُ عَلى جِهَةِ الزَجْرِ والتَوَعُّدِ: "أولى لَكَ يا فُلانُ"، وهَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا البابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أولى لَكَ فَأولى  ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِلْحَسَنِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أولى لَكَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "أولى" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ و"طاعَةٌ" خَبَرُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا هو المَشْهُورُ مِنَ اسْتِعْمالِ "أولى"، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "أولى لَهُمْ" ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، مَعْناهُ الزَجْرُ والتَوَعُّدُ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾ فَقالَ بَعْضُها: التَقْدِيرُ: طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أمْثَلُ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ ومَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وحَسُنَ الِابْتِداءُ بِالنَكِرَةِ لِأنَّها مُخَصَّصَةٌ فَفِيها بَعْضُ التَعْرِيفِ، وقالَ بَعْضَها: التَقْدِيرُ: الأمْرُ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ، أيِ: الأمْرُ المَرَضِيُّ لِلَّهِ تَعالى، وقالَ بَعْضُها: التَقْدِيرُ: قَوْلُهم لَكَ يا مُحَمَّدُ - عَلى جِهَةِ الهُزْءِ والخَدِيعَةِ -: طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ، فَإذا عَزَمَ الأمْرُ كَرِهُوهُ، ونَحْوُ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ أيْضًا ما مَعْناهُ: إنَّ تَمامَ الكَلامِ الَّذِي مَعْناهُ الزَجْرُ والتَوَعُّدُ "فَأولى"، وقَوْلُهُ تَعالى: "لَهُمْ" ابْتِداءُ كَلامٍ، و"طاعَةٌ" - عَلى هَذا القَوْلِ - ابْتِداءٌ، وخَبَرُهُ: "لَهُمْ"، والمَعْنى: إنَّ ذَلِكَ مِنهم عَلى جِهَةِ الخَدِيعَةِ، فَإذا عَزَمَ الأمْرُ ناقَضُوا وتَعاصَوْا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَزَمَ الأمْرُ ﴾ اسْتِعارَةٌ، كَما قالَ: قَدْ جَدَتِ الحَرْبُ بِكم فَجِدُّوا ومِن هَذا البابِ "نامَ لَيْلُكَ" ونَحْوُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صَدَقُوا اللهَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الصِدْقَ الَّذِي هو ضِدُّ الكَذِبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "عَوْدُ صِدْقٍ"، والمَعْنى مُتَقارِبٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ ﴾ مُخاطَبَةً لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ.

وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ: "عَسَيْتُمْ" بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةً: "عَسَيْتُمْ" بِفَتْحِ السِينِ، والفَتْحً أفْصَحً لِأنَّها مِن "عَسى" الَّتِي تَصْحَبُها "أنْ"، والمَعْنى: فَهَلْ عَسى أنْ تَفْعَلُوا إنْ تَوَلَّيْتُمْ غَيْرَ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ؟

وكَأنَّ الِاسْتِفْهامَ الداخِلَ عَلى "عَسى" غَيَّرَ مَعْناها بَعْضُ التَغْيِيرِ كَما يُغَيِّرُ الِاسْتِفْهامَ قَوْلُكَ: أوَ لَوْ كانَ كَذا وكَذا؟

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ مَعْناهُ: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الحَقِّ، وقالَ قَتادَةُ: كَيْفَ رَأيْتُمُ القَوْمَ حِينَ تَوَلَّوْا عن كِتابِ اللهِ تَعالى؟

ألَمْ يَسْفِكُوا الدَمَ الحَرامَ ويُقَطِّعُوا الأرْحامَ ويَعْصُوا الرَحْمَنَ عَزَّ وجَلَّ؟

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "إنْ تَوَلَّيْتُمْ"، ﴾ والمَعْنى: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإسْلامِ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: المَعْنى: إنْ تَوَلَّيْتُمْ أُمُورَ الناسِ، مِنَ الوِلايَةِ، وعَلى هَذا قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في بَنِي هاشِمٍ وبَنِي أُمَيَّةَ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، ورَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ مُغَفَّلٍ «أنَّ النَبِيَّ  قَرَأ: "إنْ وُلِّيتُمْ" بِواوٍ مَضْمُومَةٍ ولامٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ،» قَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنْ تَوَلَّيْتُمْ" بِضَمِّ التاءِ والواوِ وكَسْرِ اللامِ المُشَدَّدَةِ، عَلى مَعْنى: إنْ ولَّيْتُكم وِلايَةَ الجَوْرِ فَمِلْتُمْ إلى دُنْياهم دُونَ إمامِ العَدْلِ، أو عَلى مَعْنى: إنْ تَوَلَّيْتُمْ بِالتَعْذِيبِ والتَنْكِيلِ وأفْعالِ العَرَبِ في جاهِلِيَّتِها وسِيرَتِها مِنَ الغاراتِ والسِباءِ، فَإنَّما كانَتْ ثَمَرَتُها الإفْسادُ في الأرْضِ وقَطِيعَةُ الرَحِمِ، وقِيلَ: مَعْناها: إنْ تَوَلّاكُمُ الناسُ ووَكَلَكُمُ اللهُ إلَيْهِمْ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَتُقَطِّعُوا" ﴾ بِضَمِّ التاءِ وشَدِّ الطاءِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "وَتَقْطَعُوا" بِفَتْحِ التاءِ والطاءِ المُخَفَّفَةِ، وهي قِراءَةُ سَلامٍ ويَعْقُوبَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ ﴾ إشارَةٌ إلى مَرْضى القُلُوبِ المَذْكُورِينَ، و"لَعَنَهُمْ" مَعْناهُ أبْعَدَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ ﴾ اسْتِعارَةٌ لِعَدَمِ سَمْعِهِمْ فَكَأنَّهم عُمْيٌ وصُمٌّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

مقتضى تناسق النظم أن هذا مفرع على قوله: ﴿ فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم ﴾ [محمد: 21] لأنه يفهم منه أنه إذا عزم الأمر تولوا عن القتال وانكشف نفاقهم فتكون إتماماً لما في الآية السابقة من الإنباء بما سيكون من المنافقين يوم أُحُد.

وقد قال عبد الله بن أبي: عَلاَم نقتل أنفسنا ها هنا؟

وربما قال في كلامه: وكيف نقاتل قريشاً وهم من قومنا، وكان لا يرى على أهل يثرب أن يقاتلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ويرى الاقتصار على أنهم آووه.

والخطاب موجّه إلى الذين في قلوبهم مرض على الالتفات.

والاستفهام مستعمل في التكذيب لما سيعتذرون به لانخزالهم ولذلك جيء فيه ب ﴿ هل ﴾ الدالة على التحقيق لأنّها في الاستفهام بمنزلة (قد) في الخبر، فالمعنى: أفيتحقق إن توليتم أنكم تفسدون في الأرض وتقطعون أرحامكم وأنتم تزعمون أنكم توليتم إبقاء على أنفسكم وعلى ذوي قرابة أنسابكم على نحو قوله تعالى: ﴿ قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا ﴾ [البقرة: 246] وهذا توبيخ كقوله تعالى: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم ﴾ [البقرة: 85].

والمعنى: أنكم تقعون فيما زعمتم التّفادي منه وذلك بتأييد الكفر وإحداث العداوة بينكم وبين قومكم من الأنصار.

فالتولّي هنا هو الرجوع عن الوجهة التي خرجوا لها كما في قوله تعالى: ﴿ فلما كتب عليهم القتال تولّوا إلا قليلاً منهم ﴾ [البقرة: 246] وقوله: ﴿ أفرأيت الذي تولّى ﴾ [النجم: 33] وقوله: ﴿ فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى ﴾ [طه: 60].

وبمثله فسر ابن جريج وقتادة على تفاوتتٍ بين التفاسير.

ومن المفسرين من حمل التولّي على أنه مطاوع وَلاّه إذا أعطاه ولاية، أي ولاية الحكم والإمارة على الناس وبه فسر أبو العالية والكلبي وكعب الأحبار.

وهذا بعيد من اللفظ ومن النظم وفيه تفكيك لاتصال نظم الكلام وانتقال بدون مناسبة، وتجاوز بعضهم ذلك فأخذ يدعي أنها نزلت في الحرورية ومنهم من جعلها فيما يحدث بين بني أمية وبني هاشم على عادة أهل الشيع والأهواء من تحميل كتاب الله ما لا يتحمله ومن قصر عموماته على بعض ما يراد منها.

وقرأ نافع وحده ﴿ عَسِيتُم ﴾ بكسر السين.

وقرأه بقية العشرة بفتح السين وهما لغتان في فعل عسى إذا اتصل به ضمير.

قال أبو علي الفارسي: وجه الكسر أن فعله: عَسِي مثل رَضِي، ولم ينطقوا به إلاّ إذا أسند هذا الفعل إلى ضمير، وإسناده إلى الضمير لغة أهل الحجاز، أما بنو تميم فلا يسندونه إلى الضمير البتة، يقولون: عسى أن تفعلوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ﴾ كانَ المُؤْمِنُونَ إذا تَأخَّرَ نُزُولُ القُرْآنِ اشْتاقُوا إلَيْهِ وتَمَنَّوُهْ لِيَعْلَمُوا أوامِرَ اللَّهِ وتَعَبُّدَهُ لَهم.

﴿ فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ ﴾ وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْدَثَةٌ ﴿ وَذُكِرَ فِيها القِتالُ ﴾ في السُّورَةِ المُحْكَمَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الَّتِي يُذْكَرُ فِيها الحَلالُ والحَرامُ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ النَّقّاشُ.

الثّانِي: أنَّها الَّتِي يُذْكَرُ فِيها القِتالُ: وهي أشَدُّ القُرْآنِ عَلى المُنافِقِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّها الَّتِي تَضَمَّنَتْ نُصُوصًا لَمْ يَتَعَقَّبْها ناسِخٌ ولَمْ يَخْتَلِفْ فِيها تَأْوِيلٌ.

﴿ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ، لِأنَّ قُلُوبَهم كالمَرِيضَةِ بِالشَّكِّ.

فَإذا أُنْزِلَتِ السُّورَةُ المُحْكَمَةُ سُرَّ بِها المُؤْمِنُونَ وسارَعُوا إلى العَمَلِ بِما فِيها، واغْتَمَّ المُنافِقُونَ ونَظَرُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ  .

﴿ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ ﴾ غَمًّا بِها وفَزَعًا مِنها.

﴿ فَأوْلى لَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ وعِيدٌ، كَأنَّهُ قالَ: العِقابُ أوْلى لَهم، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أوْلى لَهم، ﴿ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾ مِن أنْ يَجْزَعُوا مِن فَرْضِ الجِهادِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾ حِكايَةً مِنَ اللَّهِ عَنْهم قَبْلَ فَرْضِ الجِهادِ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.

والطّاعَةُ هي الطّاعَةُ لِلَّهِ ورَسُولِهِ في الأوامِرِ والنَّواهِي.

وَفي القَوْلِ المَعْرُوفِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هو الصِّدْقُ والقَبُولُ.

الثّانِي: الإجابَةُ بِالسَّمْعِ والطّاعَةِ.

﴿ فَإذا عَزَمَ الأمْرُ ﴾ أيْ جَدَّ الأمْرُ في القِتالِ.

﴿ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ ﴾ بِأعْمالِهِمْ ﴿ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ مِن نِفاقِهِمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أُمُورَ الأُمَّةِ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ بِالظُّلْمِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمُ الحُكْمَ فَجَعَلْتُمْ حُكّامًا أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ بِأخْذِ الرِّشا، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الثّالِثُ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ كِتابِ اللَّهِ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ بِسَفْكِ الدِّماءِ الحَرامِ.

﴿ وَتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ ﴾ ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنِ الطّاعَةِ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ بِالمَعاصِي وقَطْعِ الأرْحامِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وَفي هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى بِها المُنافِقِينَ وهو الظّاهِرُ.

الثّانِي: قُرَيْشًا، قالَهُ أبُو حَيّانَ.

الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في الخَوارِجِ، قالَهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ.

/ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة ﴾ الآية، قال: كل سورة أنزل فيها الجهاد فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويقول الذين آمنوا ﴾ الآية قال: كان المؤمنون يشتاقون إلى كتاب الله تعالى وإلى بيان ما ينزل عليهم فيه فإذا أنزلت السورة يذكر فيها القتال رأيت يا محمد المنافقين ﴿ ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم ﴾ قال: وعيد من الله لهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فأولى لهم ﴾ قال: هذه وعيد ثم انقطع الكلام، فقال: ﴿ طاعة وقول معروف ﴾ يقول: طاعة الله ورسوله وقول بالمعروف عند حقائق الأمور خير لهم.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ طاعة وقول معروف ﴾ قال: أمر الله عز وجل بذلك المنافقين فإذا عزم الأمر قال: جد الأمر.

أخرج الحاكم عن عبد الله بن مغفل رضى الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ فهل عسيتم إن توليتم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فهل عسيتم إن توليتم ﴾ الآية قال: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله ألم يسفكوا الدم الحرام وقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن؟

وأخرج عبد بن حميد عن بكر بن عبد الله المزني في قوله: ﴿ فهل عسيتم إن توليتم ﴾ الآية قال: ما أراها نزلت إلا في الحرورية.

وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن بريدة رضي الله عنه قال: كنت جالساً عند عمر رضي الله عنه إذ سمع صائحاً فقال يا يرفا أنظر ما هذا الصوت فنظر ثم جاء فقال: جارية من قريش تباع أمها، فقال عمر رضي الله عنه: ادع لي المهاجرين والأنصار فلم يمكث إلا ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فهل تعلمونه كان فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم القطيعة؟

قالوا: لا.

قال: فإنها قد أصحبت فيكم فاشية.

ثم قرأ ﴿ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ﴾ ثم قال: وأي قطيعة أقطع من أن تباع أم امرئ فيكم وقد أوسع الله لكم؟

قالوا: فأصنع ما بدا لك، فكتب في الآفاق أن لا تباع أمُّ حر فإنها قطيعة رحم وأنه لا يحل.

وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي والحكيم الترمذي وابن جرير وابن حبان والحاكم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن، فقال: مه، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة؟

قال: نعم أما ترضي أن أصل من وصلك وأقطع من قطعت: قالت: بلى، قال: فذاك لك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأوا إن شئتم ﴿ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾ » .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن للرحم لساناً يوم القيامة تحت العرش فتقول يا رب قطعت يا رب ظلمت يا رب أسيء إليّ فيجيبها ربها ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟» .

وأخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلىلله عليه وسلم: «إن للرحمن لسناً ذلقاً يوم القيامة ربِّ صل من وصلني واقطع من قطعني» .

وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن طاوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للرحم شعبة من الرحمن تجيء يوم القيامة لها جلبة تحت العرش تكلم بلسان ذلق فمن أشارت إليه بوصل وصله الله، ومن أشارت إليه بقطع قطعه الله» .

وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرحمن معلقة بالعرش لها لسان ذلق تقول اللهم صِلْ من وصلني واقطع من قطعني» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والحاكم وصححاه والبيهقي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته ومن بتها بتته» .

وأخرج البيهقي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: «كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في حلقة فقال: إنا لا نحل لرجل أمسى قاطع رحم إلا قام عنا فلم يقم إذا فتى كان في أقصى الحلقة فأتى خالة له فقالت: ما جاء بك؟

فأخبرها بما قال النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع فلجس في مجلسه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما لي لا أرى أحداً قام من الحلقة غيرك فأخبره بما قال لخالته وما قالت له فقال: اجلس فقد أحسنت ألا أنها لا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع رحم» .

وأخرج أحمد والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أعمال بني آدم تعرض عشية كل خميس فلا يقبل عمل قاطع رحم» .

وأخرج الحاكم وصححه «عن عمرو بن عبسة قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بعث، وهو بمكة فقلت: ما أنت؟

قال: نبي.

قلت: بم أرسلت؟

قال: بأن تعبد الله وتكسر الأصنام وتصل الأرحام بالبر والصلة» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله أنا الرحمن وهي الرحم فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته» .

وأخرج الحاكم وصححه عن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله» .

وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الرحم شجنة من الله فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والحاكم وصححاه والبيهقي عن عبد الله بن عمرو يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء، الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله ومن قطعها قطعه» .

وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة من أدم حمراء في نحو من أربعين رجلاً فقال: «إنه مفتوح لكم وإنكم منصورون ومصيبون فمن أدرك منكم ذلك فليتق الله وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر وليصل رحمه، ومثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل البعير يتردى فهو يتردى بذنبه» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله: أوصني قال: «أقم الصلاة وأدِ الزكاة وصم رمضان وحج البيت واعتمر وبر والديك وصل رحمك واقرِ الضيف وأمُرْ بالمعروف وانْهَ عن المنكر وَزُلْ مع الحق حيث زال» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن عبد الله بن سلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» وأخرج أحمد والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن نصر في الصلاة وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني فأنبئني عن كل شيء، قال: «كل شيء خلق من ماء» .

قلت: انبئني عن أمر إذا عملت به دخلت الجنة: قال: «أفْشِ السلام وأطعم الطعام وصل الأرحام وقم بالليل والناس نيام ثم أدخل الجنة بسلام» .

وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليعمر بالقوم ويكثر لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضاً لهم.

قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟

قال: بصلتهم أرحامهم» .

وأخرج الطيالسي والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم فإنه لأقرب لرحم إذا قطعت وإن كانت قريبة، ولا بعد لها إذا وصلت وإن كانت بعيدة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تجيء الرحم يوم القيامة كحجنة المغزل فتتكلم بلسان ذلق طلق فتصل من وصلها وتقطع من قطعها» .

وأخرج البزار والبيهقي في الأسماء والصفات عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث معلقات بالعرش: الرحم تقول: اللهم إني بك فلا أقطع، والأمانة تقول: اللهم إني بك فلا أخان، والنعمة تقول: اللهم إني بك فلا أكفر» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث تحت العرش: القرآن له ظهر وبطن يحاج العباد، والرحم تنادي صل من وصلني واقطع من قطعني، والأمانة» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الرحم معلقة بالعرش بالعرش فإذا أتاها الواصل بشرت به وكلمته، وإذا أتاها القاطع احتجبت منه.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن حبان والطبراني والبيهقي والحكيم الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرحم شجنة معلقة بالعرش» .

وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرحم شجنة آخذة بحجزة الرحمن تناشده حقها فيقول: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟

من وصلك فقد وصلني، ومن قطعك فقد قطعني» .

وأخرج الطبراني والخرائطي في مساوي الأخلاق عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة مدمن الخمر لا العاقّ ولا المنّان» .

قال ابن عباس: شق ذلك على المؤمنين يصيبون ذنوباً حتى وجدت ذلك في كتاب الله في العاقّ ﴿ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ﴾ و ﴿ لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ [ البقرة: 264] وقال: ﴿ إنما الخمر والميسر ﴾ [ المائدة: 90] .

قوله تعالى: ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ الآية.

أخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سليمان موقوفاً والحسن بن سفيان والطبراني وابن عساكر عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ظهر القول وخزن العمل وائتلفت الألسن واختلفت القلوب وقطع ذي رحم رحمه فعند ذلك ﴿ لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ﴾ » .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب العلم عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا الناس أظهروا العلم وضيعوا العمل وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا في الأرحام لعنهم الله عند ذلك ﴿ فأصمهم وأعمى أبصارهم ﴾ » .

أما قوله تعالى: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾ .

أخرج إسحاق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عروة رضي الله عنه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾ فقال شاب من أهل اليمن بل عليها أقفالها حتى يكون الله يفتحها أو يفرجها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدقت فما زال الشاب في نفس عمر رضي الله عنه حتى ولي فاستعان به.

وأخرج الدارقطني في الافراد وابن مردويه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾ فقال شاب عند النبي صلى الله عليه وسلم: بل والله عليها أقفالها حتى يكون الله هو الذي يفكها.

فلما ولي عمر وسأل عن ذلك الشاب ليستعمله، فقيل: قد مات.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ قال: إذاً والله في القرآن زاجر عن معصية الله قال: لم يتدبره القوم ويعقلوه ولكنهم أخذوا بمتشابهه فهلكوا عند ذلك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن خالد بن معدان رضي الله عنه قال: ما من عبد إلا له أربع أعين عينان في وجهه يبصر بهما دنياه وما يصلحه من معيشته، وعينان في قلبه يبصر بهما دينه وما وعد الله بالغيب فإذا أراد الله بعبد خيراً فتح عينيه اللذين في قلبه فأبصر بهما ما وعد بالغيب، وإذا أراد الله بعبد سوءاً ترك القلب على ما فيه وقرأ ﴿ أم على قلوب أقفالها ﴾ وما من عبد إلا وله شيطان متبطن فقار ظهره لاوٍ عنقه على عنقه فاغر فاه على قلبه.

وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعاً إلى قوله: وقرأ ﴿ أم على قلوب أقفالها ﴾ .

وأخرج الديلمي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي على الناس زمان يخلق القرآن في قلوبهم يتهافتون تهافتاً، قيل يا رسول الله: وما تهافتهم؟قال: يقرأ أحدهم فلا يجد حلاوة ولا لذة يبدأ أحدهم بالسورة وإنما معه آخرها فإن عملوا قالوا ربنا اغفر لنا، وإن تركوا الفرائض قالوا: لا بعذبنا الله ونحن لا نشرك به شيئاً أمرهم رجاء ولا خوف فيهم ﴿ أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾ » .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم قال: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ ﴾ وقوله: ﴿ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد عن الإسلام (١) قال أبو إسحاق: لعلكم إن توليتم عما جاء به النبي -  - أن تعودوا إلى أمر الجاهلية فتفسدوا ويقتل بعضكم بعضًا وتقطعوا أرحامكم أي: تئدوا البنات وتدفنوهن أحياء (٢) وقال ابن قتيبة: أي إذا انصرفتم عن النبي -  - أن تفسدوا يريد فهل تريدون إذا أنتم تركتم محمداً وما يأمركم به أن تعودوا إلى مثل ما كنتم عليه من الكفر والإفساد في الأرض وقطع الأرحام (٣)  - حين جمعهم به وأكرمهم بالإلفة بعد ما كانوا عليه في جاهليتهم من القتل والبغي وقطيعة الرحم، فيقول: لعلكم إذا كرهتم الإسلام والقرآن، تريدون أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه، والمراد بقطع الأرحام قتل بعضكم بعضاً، ويحتمل ما ذكره أبو إسحاق من الوأد.

وفي الآية قول آخر قال الكلبي: إن توليتم إمرة هذه الأمة (٤)  -: إن وُلِّيتُم (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١) ذكر البغوي 7/ 287، وابن الجوزي 7/ 407 قريبًا من هذا المعنى، ولم ينسباه.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 13.

(٣) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة 2/ 123.

(٤) ذكر ذلك القرطبى 16/ 245، وانظر: "تنوير المقباس" ص 509.

(٥) انظر: "المحتسب" لابن جني 2/ 172، و "البحر المحيط" 8/ 82، و"التذكرة في القراءات" لابن غلبون ص 684، قال: وقرأ رويس: توليتم: بضم التاء والواو وكسر اللام.

وانظر: "النشر في القراءات العشر" 2/ 374، وقال القرطبي: قرأ علي بن أبي طالب: تُوُلِّيتُم.

بضم التاء والواو وكسر اللام.

وهي قراءة ابن أبي إسحاق ورواها رويس عن يعقوب 16/ 243.

(٦) هم: بطن من قريش من العدنانية وهم بو أمية الأكبر بن عبد شمس بن مناف.

وبنو أمية هؤلاء هم المراد ببني أمية عند الإطلاق وكان له عشرة أولاد أربعة منهم يسمون أعياص، وهم: العاص وأبو العاص والعيص وأبو العيص، وستة يسمون العنابس، وهم: حرب وأبو حرب وسفيان وأبو سفيان وعمرو وأبو عمرو.

وسموا بذلك بابن من أبناء حرب أحد أسماء عنبسة غلب عليهم اسمه ومن عقبه عثمان بن عفان ومنهم أيضًا معاوية بن أبي سفيان.

انظر: "نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" ص 85.

(٧) هم: بنو هاشم من قريب من العدنانية.

وهم بنو هاشم بن عبد مناف، كان له خمسة أولاد منهم: عبد المطلب، وحنظلة وأسد وصيفي وأبو صيفي واسم هاشم عمرو وسمي هاشمًا لهشمه الثريد لقومه في شدة المحل، وذلك أنه كان إليه الرفادة والسقاية بمكة، وانتهت إليه سيادة قريش.

انظر: "نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" ص 386.

(٨) هو: المسيب بن شريك أبو سعيد التميمي الشقري الكوفي روي عن الأعمش، قال يبيح: ليس بشيء، وقال أحمد: ترك الناس حديثه، وقال البخاري: سكتوا عنه.

انظر: "ميزان الاعتدال" 4/ 114.

(٩) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 128 ب، وأبو حيان في "البحر" 8/ 82، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 245.

(١٠) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 63، "معاني القرآن للزجاج" 5/ 13.

(١١) كذا رسمها في الأصل، ولم يتضح لي معناها.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض وتقطعوا أَرْحَامَكُمْ ﴾ هذا خطاب للمنافقين المذكورين خرج من الغيبة إلى الخطاب، ليكون أبلغ في التوبيخ والمعنى هل يتوقع منكم، إلاّ فساد في الأرض وقطع الأرحام إن توليتم، ومعنى توليتم: صرتم ولاة على الناس وصار الأمر لكم، وعلى هذا قيل: إنها نزلت في بني أمية.

وقيل: معناه أعرضتم عن الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وتقطعوا ﴾ بالتخفيف من القطع: سهل ويعقوب.

والآخرون: بالتشديد من التقطيع ﴿ وأملى لهم ﴾ مبنياً للمفعول ماضياً: أبو عمرو ويعقوب ﴿ وأملى ﴾ مضارعاً مبنياً للفاعل: سهل ورويس.

الباقون: ماضياً مبنياً للفاعل ﴿ إسرارهم ﴾ بكسر الهمز على المصدر: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ وليبلونكم حتى يعلم ﴾ ﴿ ويبلوا ﴾ بالياءات: أبو بكر وحماد.

الآخرون: بالنون في الكل.

وقرأ يعقوب ﴿ ونبلو ﴾ بالنون مرفوعاً ﴿ السلم ﴾ بكسر السين: حمزة وخلف وأبو بكر وحماد.

الوقوف: ﴿ والمؤمنات ﴾ ط ﴿ ومثواكم ﴾ ه ﴿ نزلت سورة ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ القتال ﴾ لا ﴿ الموت ﴾ ط للابتداء بالدعاء عليهم ﴿ لهم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون الأولى بمعنى الأقرب كما يجيء ﴿ معروف ﴾ قف ﴿ الأمر ﴾ ز لاحتمال أن التقدير فإذا عزم الأمر كذبوا وخالفوا ﴿ خيراً لهم ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ أرحامكم ﴾ ه ﴿ أبصارهم ﴾ ه ﴿ أقفالها ﴾ ه ﴿ الهدى ﴾ لا لأن الجملة بعده خبر "إن" ﴿ سوّل لهم ﴾ ط لأن فاعل ﴿ وأملى ﴾ ضمير اسم الله ويجوز الوصل على جعله حالاً وقد أملى، أو على أن فاعله ضمير الشيطان من حيث أنه يمنيهم ويعدهم، والوقف أجوز واعزم.

والحال على قراءة ﴿ وأملى ﴾ بفتح الياء أجوز والوقف به جائز، ومن سكن الياء فالوقف به أليق لأن المستقبل لا ينعطف على الماضي.

ومع ذلك لو جعل حالاً على تقدير وأنا أملي جاز ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ الأمر ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً والوقف أجوز لأن الله يعلم الأسرار في الأحوال كلها ﴿ إسرارهم ﴾ ه ﴿ وأدبارهم ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ أضغانهم ﴾ ه ﴿ بسيماهم ﴾ ط للابتداء بما هو جواب القسم ﴿ القول ﴾ ط ﴿ أعمالكم ﴾ ه ﴿ والصابرين ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ونبلو ﴾ بسكون الواو أي ونحن نبلو ﴿ أخباركم ﴾ ه ﴿ الهدى ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ أعمالكم ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ إلى السلم ﴾ قف قد قيل: على أن قوله ﴿ وأنتم ﴾ مبتدأ، وجعله حالاً أولى ﴿ الأعلون ﴾ قف كذلك ﴿ أعمالكم ﴾ ه قف ﴿ ولهو ﴾ ط ﴿ أموالكم ﴾ ه ﴿ أضغانكم ﴾ ه ﴿ سبيل الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع الفاء ﴿ من يبخل ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ الفقراء ﴾ ه للشرط مع العطف ﴿ غيركم ﴾ لا للعطف ﴿ أمثالكم ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر حال الفريقين المؤمن والكافر من السعادة والشقاوة قال لنبيه  : فاثبت على ما أنت عليه من التوحيد ومن هضم النفس باستغفار ذنبك أو ذنوب أمتك.

أو المراد فاعلم خبراً يقيناً على ما علمته نظراً واستدلالاً.

أو أراد فاذكر لا إله إلا الله.

والهاء في ﴿ أنه ﴾ لله أو للأمر والشأن، أو الأول إشارة إلى أصول الحكمة النظرية، والثاني إلى أصول الحكمة العملية، أمره بالحكمة العملية بعد الحكمة النظرية.

عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فتلا هذه الآية.

وذلك أنه أمر بالعمل بعد العلم.

والفاءات في هذه الآية وما تقدّمها لعطف جملة على جملة بينهما اتصال.

وفي الآية نكتة وهي أن النبي  له أحوال ثلاث: حال مع الله وهي توحيده، وحال مع نفسه وهي طلب العصمة من الذنوب وأن يستر الله عليه جنس الآثام حتى لا يقع فيها، وحال مع غيره وهي طلب ستر الذنوب عليهم بعد وقوعهم فيها أو أعم ويندرج فيها الشفاعة.

ثم قال ﴿ والله يعلم متقلبكم ومثواكم ﴾ فقيل: التقلب في الأسفار والمثوى في الحضر.

وقيل: أراد منتشركم في النهار ومستقركم بالليل.

وقيل: الأوّل في الدنيا والثاني في الآخرة.

وقيل: لكل متقلب مثوى فيتقلب من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ثم إلى الدنيا ثم إلى القبر ثم إلى الجنة أو النار.

والمقصود بيان كمال علمه بحال الخلائق فعليهم أن لا يهملوا دقائق الطاعة والخشية ويواظبوا على طلب المغفرة خوفاً من التقصير في العبودية.

ثم ذكر طرفاً آخر من نصائح أهل النفاق ومن ينخرط في سلكهم من ضعفة الإسلام، وذلك أنهم كانوا يدّعون الحرص على الجهاد ويقولون بألسنتهم ﴿ لولا نزلت ﴾ سورة في باب القتال ﴿ فإذا أنزلت سورة محكمة ﴾ مبينة غير متشابهة لا تحتمل النسخ ﴿ وذكر فيها القتال ﴾ عن قتادة: كل سورة ذكر فيها القتال فهي محكمة وهي أشدّها على المنافقين.

قال أهل البرهان: نزل بالتشديد أبلغ من أنزل فخص بهم ليكون أدل على حرصهم فيكون أبلغ في أبلغ في باب التوبيخ.

قوله ﴿ فأولى لهم ﴾ كلمة تحذير أي وليك شر فاحذره.

هذه عبارة كثير من المفسرين.

وقال المبرد: يقال للإنسان إذا كاد يعطب ثم يفلت: أولى لك.

أي قاربت العطب ثم نجوت.

وهو في الفرقان على معنى التحذير.

وقال جار الله: هو وعيد معناه فويل لهم والمراد الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه.

وقيل: أراد طاعة وقول معروف أولى من الجزع عند الجهاد فلا يكون للوعيد، وعلى هذا فلا وقف على ﴿ لهم ﴾ كما أشير إليه في الوقف.

واعترض عليه بأن الأفصح أن يستعمل وقتئذ بالباء لا مع اللام كما قال ﴿ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض  ﴾ والأصح أنه فعل متعدٍ من الولي وهو القرب أي أولاه الله المكروه فاقتصر لكثرة الاستعمال.

ويحتمل أن يكون "فعلى" من آل يؤل أي يؤل أمرك إلى شر فاحذره.

ثم حثهم على الامتثال بقوله ﴿ طاعة وقول معروف ﴾ أي طاعة الله وقول حسن أو ما عرف صحته خير من الجزع عند فرض الجهاد فهو مبتدأ محذوف الخبر، أو أمرنا طاعة فيكون خبر مبتدأ محذوف كما مر في سورة النور في قوله ﴿ طاعة معروفة  ﴾ ويجوز أن يكون أمراً للمنافقين أي قولوا طاعة وقول معروف.

﴿ فإذا عزم الأمر ﴾ أي جدّ وصار معزوماً عليه وهو إسناد مجازي لأن العزم لأصحاب أمر القتال.

ثم التفت وخاطب كفار قريش بقوله ﴿ فهل عسيتم ﴾ هو من أفعال المقاربة وقد مر وجوه استعمالاته في "البقرة" في قوله ﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم  ﴾ فنقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب ليكون أبلغ في التوبيخ ومعناه هل يتوقع منكم ﴿ إن توليتم ﴾ وأعرضتم عن الدين أو توليتم أمور الناس ﴿ أن تفسدوا في الأرض ﴾ بالمعاصي والافتراق بعد الاجتماع على الإسلام ﴿ وتقطعوا أرحامكم ﴾ بالقتل والعقوق ووأد البنات وسائر ما كنتم عليه في الجاهلية من أنواع الإفساد، وفي سلوك طريقة الاستخبار المسمى في غير القرآن بتجاهل العارف، إمالة لهم إلى طريق الإنصاف وحث لهم على التدبر وترك العصبية والجدال، فقد كانوا يقولون كيف يأمرنا النبي  بالقتال والقتال إفناء لذوي أرحامنا وأقاربنا، فعرض الله  بأنهم إن ولوا أمور الناس أو أعرضوا عن هذا الدين لم يصدر عنهم إلا القتل والنهب وسائر أبواب المفاسد كعادة أهل الجاهلية.

ثم صرح بما فعل الله بهم واستقر عليه حالهم فقال ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ بعدهم عن رحمته.

ثم بين نتيجة اللعن قائلاً ﴿ فأصمهم ﴾ أي عن قبول الحق بعد استماعه وهذا في الدنيا ﴿ وأعمى أبصارهم ﴾ أي في الآخرة أو عن رؤية الحق والنظر إلى المصنوعات.

قال بعض العلماء: إنما لم يقل فأصم آذانهم لأن الأذن عبارة عن الشحمة المعلقة، والسمع لا يتفاوت بوجود وعدمها، ولذلك يسمع مقطوع الأذن.

وأما الرؤية فتتعلق بالبصر نفسه، فالتأكيد هناك إنام يحصل بترك ذكر الأذن وههنا بذكر الأبصار والله أعلم.

قال جار الله: يجوز أن يريد بالذين آمنوا المؤمنين الخلص الثابتين وذلك أنهم كانوا يأنسون بالوحي.

فإذا أبطأ عليهم التمسوه، فإذا نزلت سورة في معنى الجهاد رأيت المنافقين يضجرون منها.

سؤال: لما أثبت لهم الصمم والعمى فكيف وبخهم بقوله ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ ؟

وأجيب على مذهب أهل السنة بأن تكليف ما لا يطاق جائز.ويمكن أن يقال: لما أخبر عنهم بما أخبر حكى أنهم بين أمرين: إما أن لا يتدبروا القرآن لأن الله أبعدهم عن الخير، وإما أن يدبروا لكن لا يدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة.

قال جار الله: إنام نكرت القلوب لأنه أريد البعض وهو قلوب المنافقين أو أريد على قلوب قاسية مبهم أمرها.

وإنما أضيفت الأقفال إلى ضمير القلوب لأنه أريد الأقفال المختصة بها وهي أقفال الكفر والعناد التي استغلقت فلا تنفخ.

ثم أخبر عن حال المنافقين أو اليهود الذين غيروا حالهم من بعد ما تبين لهم حقيقة الإسلام أو نعت محمد في التوراة فقال ﴿ إن الذين ارتدوا ﴾ الآية.

﴿ ذلك ﴾ الإملاء أو الإضلال أو الارتداد بسبب أنهم قالوا للذين كرهوا أي قال اليهود للمنافقين، أو قال المنافقون ليهود قريضة والنضير، أو قاله اليهود أو المنافقون للمشركين ﴿ سنطيعكم في بعض الأمر ﴾ الذي يهمكم كالتظافر على عداوة محمد والقعود عن الجهاد معه أو في بعض ما تأمرون به، وهو ما يتعلق بتكذيب محمد لا في إظهار الشرك واتخاذ الأصنام وإنكار المعاد ﴿ والله يعلم أسرارهم ﴾ فلذلك أفشى الذي قالوه سراً فيما بينهم وسيجازيهم على حسب ذلك يدل عليه قوله ﴿ فكيف ﴾ يعملون وما حيلتهم حين توفتهم ملائكة الموت ﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ التي كانوا يتقون أن يصيبها آفة في القتال، أو يضربون وجوههم عند الموت وأدبارهم عند السوق إلى النار.

وقيل: يضربون وجوههم عند الطلب وأدبارهم حين الهرب ﴿ ذلك ﴾ الإذلال والإهانة ﴿ بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه ﴾ كأنهم ضربوا وجوههم لأنهم أقبلوا على مواجب السخط، وضربوا أدبارهم لأنهم أعرضوا عما فيه رضا الله.

وقد يخص السخط بكتمان نعت الرسول ومعاونة أهل الشرك والرضا بالإيمان به والنصرة للمؤمنين.

وإنما قال ﴿ ما أسخط الله ﴾ ولم يقل "ما أرضى الله" لأن رحمته سبقت غضبه، فالرضا كالأمر الحاصل والإسخاط كالأمر المترتب على شيء.

ثم زاد في تعيير المنافقين بقوله ﴿ أم حسب ﴾ وهي منقطعة.

والضغن إضمار سوء يتربص به إمكان الفرصة.

وإخراج الإضغان إبرازها للرسول  وللمؤمنين كما قال ﴿ ولو نشاء لأريناكهم ﴾ أي لو شئنا أريناك أماراتهم ﴿ فلعرفتهم ﴾ كررت لام جواب "لو" في المعطوف لأجل المبالغة ﴿ بسيماهم ﴾ بعلامتهم.

عن أنس أنه ما خفي على رسول الله  بعد هذه الآية شيء من المنافقين، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة منهم يشكوهم الناس فناموا ذات ليلة وأصحبوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب "هذا منافق".

ومعنى لحن القول نحوه وأسلوبه وفحواه أي يقولون ما معناه النفاق كقولهم ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة  ﴾ ﴿ إن بيوتنا عورة  ﴾ أو لتعرفنهم في فحوى كلام الله حيث قال ما يعلم منه حال المنافقين كقوله ﴿ ومن الناس من يقول  ﴾ ﴿ ومنهم من عاهد الله  ﴾ وحقيقة اللحن ذهاب الكلام إلى خلاف جهته.

وقيل: اللحن أن تميل كلامك إلى نحو من الأنحاء ليفطن له صاحبك كالتعريض والتورية قال: ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا *** واللحن يعرفه ذوو الألباب ويقال للمخطىء لاحن لأنه يعدل بالكلام عن الصواب.

وقال الكلبي: لحن القول كذبه.

ولم يتكلم بعد نزولها منافق عند رسول الله  إلا عرفه.

وعن ابن عباس هو قولهم ما لنا إن أطعنا من الثواب ولا يقولون ما علينا إن عصينا من العقاب ﴿ والله يعلم أعمالكم ﴾ فيميز خيرها من شرها وإخلاصها من نفاقها ﴿ ولنبلونكم ﴾ أي لنأمرنكم بما لا يكون متعيناً للوقوع بل يحتمل الوقوع واللاوقوع كما يفعل المختبر حتى يظهر المجاهد والصابر من المنافق والمضطرب.

﴿ ونبلو أخباركم ﴾ التي تحكي عنكم كقولكم ﴿ آمنا بالله وباليوم الآخر  ﴾ أو عهودكم كقوله ﴿ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار  ﴾ أو أسراركم أو ما ستفعلونه أو أخباركم الأراجيف كقوله ﴿ والمرجفون في المدينة  ﴾ عن الفضل أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا.

ثم أنزل في اليهود من قريظة والنضير أو في رؤساء قريش المطعمين يوم بدر ﴿ إن الذين كفروا ﴾ الآية.

وأعمالهم طاعاتهم في زمن اليهودية، ومكايدهم التي نصبوها في عداوة الرسول  أو إطعامهم.

ثم أمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله بالتوحيد والتصديق مع الإخلاص وأن لا يبطلوا إحسانهم بالمعاصي والرياء وبالمن والأذى.

عن أبي العالية قال: كان أصحاب النبي  يرون إنه لا يضر مع "لا إله إلا الله" ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت الآية، فكانوا يخافون الكبائر على أعمالهم.

وعن قتادة: رضي الله عن عبد لم يحبط عمله الصالح بعمله السيء.

ثم أراد أن يبين أن أعمال المكلف إذا بطلت فإن فضل الله باقٍ يغفر له إن شاء ما لم يمت على الكفر فقال ﴿ إن الذين كفروا ﴾ الآية.

قال مقاتل: نزلت في رجل سأل النبي  عن والده وقال: إنه كان محسناً في كفره.

وعن الكلبي: نزلت في رؤساء أهل بدر.

﴿ فلا تهنوا ﴾ لا تضعفوا ولا تجبنوا ﴿ وتدعوا إلى السلم ﴾ أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح.

ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار "أن" بعد الواو في جواب النهي ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ الغالبون المستولون عليهم ﴿ والله معكم ﴾ بالنصرة والكلاءة ﴿ ولن يتركم أعمالكم ﴾ أي لن ينقصكم جزاء أعمالكم من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلاً من ولد أو أخ أو قريب أو سلبت ماله وأصله من الوتر وهو الفرد، كأنك أفردته من قريبه أو ماله.

وفي الحديث " "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" " وهو من فصيح الكلام.

ثم زادهم حثاً على الجهاد بتحقير الدنيا في أعينهم وبأنه  إنما يحثهم على الإيمان والجهاد وسائر أبواب التقوى لتعود فائدتها عليهم كما قال "خلقتكم لتربحوا عليّ لا لأربح عليكم" قوله ﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ أي كل أموالكم ولكنه يقتصر منها على ربع العشر، أو لا يسألكم أموالكم لنفسه ولكن لتكون زاداً لكم في المعاد.

وقيل: لا يسألكم أموالكم رسولي لنفسه.

وقيل: إنهم لا يملكون شيئاً وإن المال مال الله وهو المنعم بإعطائه.

والقول هو الأوّل لقوله ﴿ إن يسألكموها فيحفكم ﴾ أي يجهد كم يبلغ الغاية فيها من أحفى شاربه استأصله كأنه جعله حافياً مما في ملكه أي عارياً ﴿ تبخلوا ويخرج ﴾ الإحفاء أو الله  على طريق التسبب ﴿ أضغانكم ﴾ أي تضطغنون على الرسل وتظهرون كراهة هذا الدين.

ثم بين أنه كيف يأمركم بإخراج كل المال وقد دعاكم إلى إنفاق البعض ﴿ فمنكم من يبخل ﴾ و"ها" للتنبيه وكرر مع أولاء للتوكيد وأنتم أولاء جملة مستقلة أي أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون.

ثم استأنف وصفهم كأنهم قالوا وما وصفنا فقيل ﴿ تدعون لتنفقوا في سبيل الله ﴾ وهو الزكاة أو الغزو، فمنكم ناس يبخلون به.

وقيل: ﴿ هؤلاء ﴾ موصول صلته ﴿ تدعون ﴾ وهو مذهب الكوفيين وقد سلف في "البقرة" و "آل عمران".

ثم قبح أمر البخل بقوله ﴿ ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ﴾ أي وباله على نفسه أو عن داعي ربه.

قال في الكشاف: يقال بخلت عليه وعنه.

وفيه نظر لأن البخل عن النفس لا يصح بهذا التفسير.

نعم لو قال عن ماله كان تفسيره مطابقاً.

ثم مدح نفسه بالغنى المطلق وبين بقوله ﴿ وأنتم الفقراء ﴾ أنه لا يأمر بالإنفاق لحاجته ولكن لفقركم إلى الثواب.

ثم هددهم بقوله ﴿ وإن تتولوا ﴾ وهو معطوف على ﴿ وإن تؤمنوا ﴾ ومعنى ﴿ يستبدل قوماً غيركم ﴾ يخلق قوماً سواكم راغبين فيما ترغبون عنه من الإيمان والتقوى كقوله ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد  ﴾ ومعنى " ثم " التراخي في الرتبة أي لا يكونون أشباهكم في حال توليكم.

وقيل: في جميع الأحوال.

وعن الكلبي: شرط في الاستبدال توليهم لكنهم لم يتولوا فلم يستبدل قوماً وهم العرب أهل اليمن أو العجم.

قاله الحسن وعكرمة لما روي أو رسول الله  سئل عن ذلك وكان سلمان إلى جنبه فضرب على فخذه وقال: هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس والله  أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ ﴾ اختلف في تأويل هذه الآية: قال بعضهم: قوله -  -: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ ﴾ أي: فلعلكم ﴿ إِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أي: وليتم أمر هذه الأمة ﴿ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ ﴾ قال ابن عباس -  -: قد كان هذا، وهم بنو أمية، ولوا أمر هذه الأمة ففعلوا ما ذكر من الفساد في الأرض وقطع الأرحام، وكان لهم اتصال برسول الله  ، وكان منهم ما ذكر، والله أعلم.

وقال بعضهم: إن الآية في المنافقين؛ كانوا يأتون رسول الله  ويسمعون منه ما قال، ثم إذا تولوا عنه كانوا يسعون في الأرض بالفساد وما ذكر؛ كقوله -  -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ  ﴾ .

وقال بعضهم: ما أراه إلا نزلت الآية في الحرورية، وهم الخوارج.

وجائز أن يكون هذا ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ  ﴾ وقد انقلبوا، على ما أخبر، وهو في أهل الردة، والله أعلم.

وقال قتادة: ﴿ فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ  ﴾ ، أي: طواعية الله ورسوله، وقول المعروف عند حقائق الأمور خير لهم، ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ يقول: إن توليتم عن كتابي وطاعتي ﴿ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله، ألم يسفكوا الدماء الحرام، وقطعوا الأرحام، وعصوا الرحمن، وأكلوا المال الحرام؟!

ويحتمل أن تكون الآية في الذين آمنوا برسول الله  قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ اللعن: هو الطرد عن الرحمة، وهو كقوله لإبليس: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ  ﴾ أي: أنت مطرود عن رحمتي، وقوله -  -: ﴿ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ أي: طردهم عن رحمته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ ﴾ أي: أصمهم حتى لم يسمعوا سماع الاعتبار والتفكر، وأعمى أبصارهم حتى لم ينظروا فيما عاينوا نظر اعتبار وتفكر ما لو تفكروا وتأملوا ونظروا نظر معتبر، لأدركوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ...

﴾ الآية.

فيه أنهم لو تدبروا وتأملوا فيه، لأدركوا ما فيه.

وفيه - أيضاً - أنهم لو تدبروا العذاب لفتح تلك الأقفال التي ذكر أنها عليها، وذهب بها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ ﴾ أي: على قلوب أقفالها.

ثم يحتمل أقفالها: الظلمة التي فيها، وهي ظلمة الكفر، تلك الظلمة تغطي نور البصر ونور السمع.

وجائز أن يكون ما ذكر من الأقفال هي كناية عن الطبع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ ﴾ أي: زين، أضاف التزيين مرة إلى الشيطان، ومرة إلى نفسه، فما يفهم من تزيين الشيطان غير الذي يفهم من تزيين الله -  - كالإضلال المضاف إلى الله -  - والمضاف إلى الشيطان، فالمفهوم من إضلال الله غير المفهوم من إضلال الشيطان؛ فعلى ذلك التزيين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ ﴾ أي: أخرهم وأمهلهم إلى أجل ووقت؛ كقوله -  -: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 178]، أي: يؤخرهم؛ ليكون ما ذكر، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى...

﴾ الآية، جائز أن تكون الآية في اليهود؛ لما ذكرنا أنهم كانوا آمنوا به قبل أن يبعث؛ كقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ...

﴾ الآية [البقرة: 89]، ارتدوا على أدبارهم من بعد ما آمنوا به واتبعوه.

وجائز أن تكون في المنافقين، ارتدوا على أدبارهم، وأظهروا الخلاف بعد وفاة رسول الله  بعدما أظهروا الموافقة في حياته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ ٱلأَمْرِ ﴾ قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ﴾ إن كان راجعاً إلى قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ ﴾ فإن كان المراد بذلك اليهود - فالمعنى فيه غير المعنى لو كان في المنافقين.

وإن كان قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ﴾ راجعا إلى قوله: ﴿ ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ فإذا احتمل ذلك الوجهين، فلا نفسره أنه إلى ماذا يرجع.

ثم قال بعضهم: الذين كرهوا ما نزل الله هم المنافقون، قالوا لليهود: سنطيعكم في تكذيب محمد والمظاهرة عليه.

وقال بعضهم: هم اليهود، ظاهروا سائر الكفرة على محمد  وأصحابه،  م.

ثم كراهة نزول ما أنزل الله على رسوله - عليه الصلاة والسلام - كان من اليهود وجميع الكفرة؛ لقوله -  -: ﴿ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ﴾ هذا يدل على أنه لا يفسر قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ ﴾ ولا يشار على أنه أراد كذا، ورجع إلى كذا؛ لما أخبر الله -  - أنه هو العالم بما أسروا، ولم يبين ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَٰنَهُ ﴾ لا أحد يقصد قصد اتباع سخط الله، ولا كراهة رضوانه، لكنهم لما اتبعوا الفعل الذي كان الله يسخط ذلك الفعل، فكأنهم اتبعوا سخطه، وكذلك إذا تركوا اتباع ما كان الله يرضاه وكرهوه فكأنهم كرهوا رضوانه، وهو كقوله -  -: ﴿ لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ  ﴾ ، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكنهم لما اتبعوه فيما يأمرهم ويدعوهم إليه فكأنهم عبدوه، وهو تسمية الشيء باسم سببه، واللغة غير ممتنعة عن تسمية الشيء باسم سببه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ التي كانت قبل ارتدادهم في حال اتباعهم إياه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويغلب على حالكم إن أعرضتم عن الإيمان بالله وطاعته أنكم تفسدون في الأرض بالكفر والمعاصي، وتقطعون أواصر الرحم؛ كما كانت حالكم في الجاهلية.

<div class="verse-tafsir" id="91.aVzoe"

مزيد من التفاسير لسورة محمد

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.5 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
لا إله إلا الله