الآية ٢٤ من سورة محمد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ٢٤ من سورة محمد

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ ٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 67 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤ من سورة محمد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة محمد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى آمرا بتدبر القرآن وتفهمه ، وناهيا عن الإعراض عنه ، فقال : ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) أي : بل على قلوب أقفالها ، فهي مطبقة لا يخلص إليها شيء من معانيه .

قال ابن جرير : حدثنا بشر ، قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد قال : حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه قال : تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما : ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) ، فقال شاب من أهل اليمن : بل عليها أقفالها حتى يكون الله عز وجل يفتحها أو يفرجها .

فما زال الشاب في نفس عمر - رضي الله عنه - حتى ولي ، فاستعان به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) يقول تعالى ذكره: أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ الله التي يعظهم بها في آي القرآن الذي أنـزله على نبيه عليه الصلاة والسلام , ويتفكَّرون في حُججه التي بيَّنها لهم في تنـزيله فيعلموا بها خطأ ما هم عليه مقيمون ( أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) يقول: أم أقفل الله على قلوبهم فلا يعقلون ما أنـزل الله في كتابه من المواعظ والعِبَر.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) إذا والله يجدون في القرآن زاجرا عن معصية الله, لو تدبره القوم فعقلوه, ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا عند ذلك.

حدثنا إسماعيل بن حفص الأيلي, قال: ثنا الوليد بن مسلم, عن ثور بن يزيد, عن خالد بن مَعدان, قال: ما من آدميّ إلا وله أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه, وما يصلحه من معيشته, وعينان في قلبه لدينه, وما وعد الله من الغيب, فإذا أراد الله بعبد خيرا أبصرت عيناه اللتان في قلبه, وإذا أراد الله به غير ذلك طَمسَ عليهما, فذلك قوله ( أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ).

حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا ثور بن يزيد, قال: ثنا خالد بن معدان, قال: ما من الناس أحد إلا وله أربع أعين, عينان في وجهه لمعيشته, وعينان في قلبه, وما من أحد إلا وله شيطان متبطن فقار ظهره, عاطف عنقه على عنقه, فاغر فاه إلى ثمرة قلبه, فإذا أراد الله بعبد خيرا أبصرت عيناه اللتان في قلبه ما وعد الله من الغيب, فعمل به, وهما غيب, فعمل بالغيب, وإذا أراد الله بعبد شرّا تركه, ثم قرأ ( أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ).

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا الحكم, قال: ثنا عمرو, عن ثور, عن خالد بن مَعدَان بنحوه, إلا أنه قال: ترك القلب على ما فيه.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, قال: ثنا حماد بن زيد, قال: ثنا هشام بن عروة, عن أبيه قال: " تلا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يوما( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها, حتى يكون الله عزّ وجلّ يفتحها أو يفرجها, فما زال الشاب في نفس عمر رضي الله عنه حتى ولي فاستعان به ".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أفلا يتدبرون القرآن أي يتفهمونه فيعلمون ما أعد الله للذين لم يتولوا عن الإسلام .

أم على قلوب أقفالها أي بل على قلوب أقفال أقفلها الله - عز وجل - عليهم فهم لا يعقلون .

وهذا يرد على القدرية والإمامية مذهبهم .

وفي حديث مرفوع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : [ إن عليها أقفالا كأقفال الحديد حتى يكون الله يفتحها ] .

وأصل القفل اليبس والصلابة .

ويقال لما يبس من الشجر : القفل .

والقفيل مثله .

والقفيل أيضا نبت .

والقفيل : الصوت .

قال الراجز :لما أتاك يابسا قرشبا قمت إليه بالقفيل ضرباكيف قريت شيخك الأزباالقرشب ( بكسر القاف ) المسن ، عن الأصمعي .

وأقفله الصوم أي : أيبسه ، قاله القشيري والجوهري .

فالأقفال هاهنا إشارة إلى ارتجاج القلب وخلوه عن الإيمان .

أي : لا يدخل قلوبهم الإيمان ولا يخرج منها الكفر ; لأن الله تعالى طبع على قلوبهم وقال : على قلوب لأنه لو قال على قلوبهم لم يدخل قلب غيرهم في هذه الجملة .

والمراد أم على قلوب هؤلاء وقلوب من كانوا بهذه الصفة أقفالها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: فهلا يتدبر هؤلاء المعرضون لكتاب الله، ويتأملونه حق التأمل، فإنهم لو تدبروه، لدلهم على كل خير، ولحذرهم من كل شر، ولملأ قلوبهم من الإيمان، وأفئدتهم من الإيقان، ولأوصلهم إلى المطالب العالية، والمواهب الغالية، ولبين لهم الطريق الموصلة إلى الله، وإلى جنته ومكملاتها ومفسداتها، والطريق الموصلة إلى العذاب، وبأي شيء تحذر، ولعرفهم بربهم، وأسمائه وصفاته وإحسانه، ولشوقهم إلى الثواب الجزيل، ورهبهم من العقاب الوبيل.{ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } أي: قد أغلق على ما فيها من الشر وأقفلت، فلا يدخلها خير أبدا؟

هذا هو الواقع.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) فلا تفهم مواعظ القرآن وأحكامه ، و " أم " بمعنى " بل " .

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أنبأني عقيل بن محمد ، أخبرنا المعافى بن زكريا ، أخبرنا محمد بن جرير ، حدثنا بشر ، حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه قال : تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " فقال شاب من أهل اليمن : بل على قلوب أقفالها حتى يكون الله يفتحها أو يفرجها ، فما زال الشاب في نفس عمر حتى ولي فاستعان به .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أفلا يتدبرون القرآن» فيعرفون الحق «أم» بل «على قلوب» لهم «أقفالها» فلا يفهمونه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ القرآن ويتفكرون في حججه؟

بل هذه القلوب مغلَقة لا يصل إليها شيء من هذا القرآن، فلا تتدبر مواعظ الله وعبره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - ما يدعو إلى التعجيب من حالهم فقال : ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن .

.

) والفاء للعطف على جملة محذوفة ، والاستفهام للإِنكار والزجر .

أى : أيعرضون عن كتاب الله - تعالى - فلا يتدبرونه مع أنه زاخر بالمواعظ والزواجر والأوامر والنواهى .( أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ ) أى : بل على قلوب هؤلاء المنافقين أقفالها التى حالت بينهم وبين التدبر والتفكر ، والأقفال : جمع قفل - بضم فسكون - وهو الآلة التى تقفل بها الأبواب وما يشبهها ، والمراد : التسجيل عليهم بأن قلوبهم مغلقة ، لا يدخلها الإِيمان ، ولا يخرج منها الكفر والنفاق .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم نكرت القلوب وأضيفت الأقفال إليها؟قلت : أما التنكير ففيه وجهان : أن يراد على قلوب قاسية مبهم أمرها فى ذلك .

أو يراد على بعض القلوب وهى قلوب المنافقين .

وأما إضافة الأقفال ، فلأنه يريد الأقفال المختصة بها ، وهى أقفال الكفر التى استغلقت فلا تنفتح .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ) وقد أخذ العلماء من هذه الآية وأمثالها ، وجوب التدبر والتفكر فى آيات القرآن الكريم ، والعمل بما فيها من هدايات وإرشادات ، وأوامر ونواه ، وآداب وأحكام ، لأن عدم الامتثال لذلك يؤدى إلى قسوة القلوب وضلال النفوس ، كما هو الحال فى المنافقين والكافرين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ولنذكر تفسيرها في مسائل: المسألة الأولى: لما قال الله تعالى: ﴿ فَأَصَمَّهُمْ وأعمى أبصارهم  ﴾ كيف يمكنهم التدبر في القرآن قال تعالى: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ﴾ وهو كقول القائل للأعمى أبصر وللأصم اسمع؟

فنقول الجواب: عنه من ثلاثة أوجه مترتبة بعضها أحسن من البعض الأول: تكليفه ما لا يطاق جائز والله أمر من علم أنه لا يؤمن بأن يؤمن، فكذلك جاز أن يعميهم ويذمهم على ترك التدبر الثاني: أن قوله: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ﴾ المراد منه الناس الثالث: أن نقول هذه الآية وردت محققة لمعنى الآية المتقدمة، فإنه تعالى قال: ﴿ أولئك الذين لَعَنَهُمُ الله  ﴾ أي أبعدهم عنه أو عن الصدق أو عن الخير أو غير ذلك من الأمور الحسنة ﴿ فَأَصَمَّهُمْ ﴾ لا يسمعون حقيقة الكلام وأعماهم لا يتبعون طريق الإسلام فإذن هم بين أمرين، إما لا يتدبرون القرآن فيبعدون منه، لأن الله تعالى لعنهم وأبعدهم عن الخير والصدق، والقرآن منهما الصنف الأعلى بل النوع الأشرف، وأما يتدبرون لكن لا تدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة، تقديره أفلا يتدبرون القرآن لكونهم ملعونين مبعودين، أم على قلوب أقفال فيتدبرون ولا يفهمون، وعلى هذا لا نحتاج أن نقول أم بمعنى بل، بل هي على حقيقتها للاستفهام واقعة في وسط الكلام والهمزة أخذت مكانها وهو الصدر، وأم دخلت على القلوب التي في وسط الكلام.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ على قُلُوبٍ ﴾ على التنكير ما الفائدة فيه؟

نقول قال الزمخشري يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون للتنبيه على كونه موصوفاً لأن النكرة بالوصف أولى من المعرفة فكأنه قال أم على قلوب قاسية أو مظلمة الثاني: أن يكون للتبعيض كأنه قال أم على بعض القلوب لأن النكرة لا تعم، تقول جاءني رجال فيفهم البعض وجاءني الرجال فيفهم الكل، ونحن نقول التنكير للقلوب للتنبيه على الإنكار الذي في القلوب، وذلك لأن القلب إذا كان عارفاً كان معروفاً لأن القلب خلق للمعرفة، فإذا لم تكن فيه المعرفة فكأنه لا يعرف، وهذا كما يقول القائل في الإنسان المؤذي: هذا ليس بإنسان هذا سبع، ولذلك يقال هذا ليس بقلب هذا حجر.

إذا علم هذا فالتعريف إما بالألف واللام وإما بالإضافة، واللام لتعريف الجنس أو للعهد، ولم يمكن إرادة الجنس إذ ليس على قلب قفل، ولا تعريف العهد لأن ذلك القلب ليس ينبغي أن يقال له قلب، وأما بالإضافة بأن نقول على قلوب أقفالها وهي لعدم عود فائدة إليهم، كأنها ليست لهم.

فإن قيل فقد قال: ﴿ خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ  ﴾ وقال: ﴿ فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ  ﴾ فنقول الأقفال أبلغ من الختم فترك الإضافة لعدم انتفاعهم رأساً.

المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ أَقْفَالُهَا ﴾ بالإضافة ولم يقل أقفال كما قال: ﴿ قُلُوبٍ ﴾ لأن الأقفال كانت من شأنها فأضافها إليها كأنها ليست إلا لها، وفي الجملة لم يضف القلوب إليهم لعدم نفعها إياهم وأضاف الأقفال إليها لكونها مناسبة لها، ونقول أراد به أقفالاً مخصوصة هي أقفال الكفر والعناد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان ﴾ ويتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر ووعيد العصاة، حتى لا يجسروا على المعاصي، ثم قال: ﴿ أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ وأم بمعنى بل وهمزة التقرير، للتسجيل عليهم بأن قلوبهم مقفلة لا يتوصل إليها ذكر.

وعن قتادة: إذاً والله يجدوا في القرآن زاجراً عن معصية الله لو تدبروه، ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا.

فإن قلت: لم نكرت القلوب وأضيفت الأقفال إليها؟

قلت: أما التنكير ففيه وجهان: أن يراد على قلوب قاسية مبهم أمرها في ذلك.

أو يراد على بعض القلوب: وهي قلوب المنافقين.

وأما إضافة الأقفال؛ فلأنه يريد الأقفال المختصة بها، وهي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح.

وقرئ: ﴿ إقفالها ﴾ على المصدر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

.

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ﴾ أيْ هَلّا نُزِّلَتْ سُورَةٌ في أمْرِ الجِهادِ.

﴿ فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ ﴾ مُبَيَّنَةٌ لا تَشابُهَ فِيها.

﴿ وَذُكِرَ فِيها القِتالُ ﴾ أيِ الأمْرُ بِهِ.

﴿ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ ضَعْفٌ في الدِّينِ وقِيلَ: نِفاقٌ.

﴿ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ ﴾ جُبْنًا ومَخافَةً.

﴿ فَأوْلى لَهُمْ ﴾ فَوَيْلٌ لَهُمْ، أفْعَلُ مِنَ الوَلِيِّ وهو القُرْبُ، أوْ فَعْلى مَن آلَ ومَعْناهُ الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَلِيَهُمُ المَكْرُوهُ أوْ يَؤُولَ إلَيْهِ أمْرُهم.

﴿ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾ اسْتِئْنافٌ أيْ أمْرُهم طاعَةٌ أوْ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ خَيْرٌ لَهُمْ، أوْ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ لِقِراءَةِ أُبَيٍّ «يَقُولُونَ طاعَةٌ».

﴿ فَإذا عَزَمَ الأمْرُ ﴾ أيْ جَدَّ وهو لِأصْحابِ الأمْرِ، وإسْنادُهُ إلَيْهِ مَجازٌ وعامِلُ الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: ﴿ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ ﴾ أيْ فِيما زَعَمُوا مِنَ الحِرْصِ عَلى الجِهادِ أوِ الإيمانِ.

﴿ لَكانَ ﴾ الصِّدْقُ.

﴿ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ ﴾ فَهَلْ يُتَوَقَّعُ مِنكم.

﴿ إنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أُمُورَ النّاسِ وتَأمَّرْتُمْ عَلَيْهِمْ، أوِ أعْرَضْتُمْ وتَوَلَّيْتُمْ عَنِ الإسْلامِ.

﴿ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ ﴾ تَناحُرًا عَلى الوِلايَةِ وتَجاذُبًا لَها، أوْ رُجُوعًا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّغاوُرِ ومُقاتَلَةِ الأقارِبِ، والمَعْنى أنَّهم لِضَعْفِهِمْ في الدِّينِ وحِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا أحِقّاءُ بِأنْ يَتَوَقَّعَ ذَلِكَ مِنهم مَن عَرَفَ حالَهم ويَقُولُ لَهُمْ: هَلْ عَسَيْتُمْ، وهَذا عَلى لُغَةِ الحِجازِ فَإنَّ بَنِي تَمِيمٍ لا يُلْحِقُونَ الضَّمِيرَ بِهِ وخَبَرُهُ أنْ تُفْسِدُوا وإنْ تَوَلَّيْتُمُ اعْتِراضٌ، وعَنْ يَعْقُوبَ تَوَلَّيْتُمْ أيْ إنْ تَوَلّاكم ظَلَمَةٌ خَرَجْتُمْ مَعَهم وساعَدْتُمُوهم في الإفْسادِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وتُقَطِّعُوا مِنَ القَطْعِ، وقُرِئَ تَقَطَّعُوا مِنَ التَّقَطُّعِ.

﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ.

﴿ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ﴾ لِإفْسادِهِمْ وقَطْعِهِمُ الأرْحامَ.

﴿ فَأصَمَّهُمْ ﴾ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ.

﴿ وَأعْمى أبْصارَهُمْ ﴾ فَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلَهُ.

﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ﴾ يَتَصَفَّحُونَهُ وما فِيهِ مِنَ المَواعِظِ والزَّواجِرِ حَتّى لا يَجْسُرُوا عَلى المَعاصِي.

﴿ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها ﴾ لا يَصِلُ إلَيْها ذِكْرٌ ولا يَنْكَشِفُ لَها أمْرٌ، وقِيلَ: أمْ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها التَّقْرِيرُ، وتَنْكِيرُ القُلُوبِ لِأنَّ المُرادَ قُلُوبُ بَعْضٍ مِنهم أوْ لِلْإشْعارِ بِأنَّها لِإبْهامِ أمْرِها في القَساوَةِ، أوْ لِفَرْطِ جَهالَتِها ونُكْرِها كَأنَّها مُبْهَمَةٌ مَنكُورَةٌ وإضافَةُ الأقْفالِ إلَيْها لِلدَّلالَةِ عَلى أقْفالٍ مُناسِبَةٍ لَها مُخْتَصَّةٍ بِها لا تُجانِسُ الأقْفالَ المَعْهُودَةَ.

وقُرِئَ «إقْفالُها» عَلى المَصْدَرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أفلا يتدبرون القرآن} فيعرفوا ما فيه من المواعظ والزواجر ووعيد العصاة حتى لا يجسروا على المعاصى وام في {أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} بمعنى بل وهمزة التقدير للتسجيل عليهم بأن قلوبهم مقفلة لا يتوصل اليها ذكر ونكرت القلوب لأن المراد على قلوب قاسية مبهم أمرها في ذلك والمراد بعض القلوب وهي قلوب المنافقين وأضيفت الأقفال إلى القلوب لأن المراد الأقفال المختصة بها وهي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح نحو الرين والختم والطبع

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ﴾ أيْ لا يُلاحِظُونَهُ ولا يَتَصَفَّحُونَهُ وما فِيهِ مِنَ المَواعِظِ والزَّواجِرِ حَتّى لا يَقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ مِنَ المُوبِقاتِ ﴿ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها ﴾ تَمْثِيلٌ لِعَدَمِ وُصُولِ الذِّكْرِ إلَيْها وانْكِشافِ الأمْرِ لَها فَكَأنَّهُ قِيلَ: أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ إذْ وصَلَ إلى قُلُوبِهِمْ أمْ لَمْ يَصِلْ إلَيْها فَتَكُونُ أمْ مُتَّصِلَةً عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضٍ اخْتِيارُهُ.

وذَهَبَ أبُو حَيّانَ وجَماعَةٌ إلى أنَّها مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ مِنَ التَّوْبِيخِ بِتَرْكِ التَّدَبُّرِ إلى التَّوْبِيخِ بِكَوْنِ قُلُوبِهِمْ مُقْفَلَةً لا تَقْبَلُ التَّدَبُّرَ والتَّفَكُّرَ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ، وتَنْكِيرُ القُلُوبِ لِتَهْوِيلِ حالِها وتَفْظِيعِ شَأْنِها وأمْرِها في القَساوَةِ والجَهالَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: عَلى قُلُوبٍ مُنْكِرَةٍ لا يُعْرَفُ حالُها ولا يُقادَرُ قَدْرُها في القَساوَةِ وقِيلَ: لِأنَّ المُرادَ قُلُوبُ بَعْضٍ مِنهم وهُمُ المُنافِقُونَ فَتَنْكِيرُها لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلتَّنْوِيعِ كَما قِيلَ، وإضافَةُ الأقْفالِ إلَيْها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها أقْفالٌ مَخْصُوصَةٌ بِها مُناسِبَةٌ لَها غَيْرُ مُجانِسَةٍ لِسائِرِ الأقْفالِ المَعْهُودَةِ، وقُرِئَ (إقْفالُها) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهو مَصْدَرٌ مِنَ الأفْعالِ و(أقْفَلُها) بِالجَمْعِ عَلى أفْعَلُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ يعني: أفلا يسمعون القرآن، ويعتبرون به، ويتفكرون فيما أنزل الله تعالى فيه، من وعد ووعيد، وكثرة عجائبه، حتى يعلموا أنه من الله تعالى، وتقدس.

أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها يعني: بل على قلوب أقفالها.

يعني: أقفل على قلوبهم ومعناه: أن أعمالهم لغير الله ختم على قلوبهم.

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ يعني: رجعوا إلى الشرك مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى يعني: من بعد ما ظهر لهم الإسلام.

قال قتادة: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ وهم أهل الكتاب عرفوا نعت النبيّ  ، وكفروا به.

ويقال: نزلت في المرتدين.

ثم قال عز وجل: الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ يعني: زين لهم ترك الهدى، وزين لهم الضلالة.

وَأَمْلى لَهُمْ ذلِكَ قرأ أبو عمرو: وَأُمْلِى بضم الألف، وكسر اللام، وفتح الياء على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

والباقون وَأَمْلى بنصب اللام، والألف.

يعني: أمهل الله لهم، فلم يعاقبهم حين كذبوا محمدا  .

ويقال: زَيَّنَ لهم الشيطان، وأملى لهم الشيطان.

يعني: خيل لهم تطويل المدة، والبقاء.

وقرأ يعقوب الحضرمي: وَأُمْلِى بضم الألف، وكسر اللام، وسكون الياء.

ومعناه: أنا أملي يعني: أطول لهم المدة كما قال: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً ثم قال ذلك: يعني: اللعن، والصمم، والعمى، والتزين، والإملاء.

بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ وهم المنافقون، قالوا ليهود بني قريظة والنضير وهم الذين كرهوا ما نزل الله.

يعني: تركوا الإيمان بما أنزل الله من القرآن، سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ يعني: سنغنيكم في بعض الأمر، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ فيما قالوا فيما بينهم.

قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية حفص: إِسْرارَهُمْ بكسر الألف.

والباقون: بالنصب.

فمن قرأ: بالنصب.

فهو جمع السر.

ومن قرأ: بالكسر، فهو مصدر أسررت إسراراً.

ويقال: سر وأسرار.

ثم خوفهم فقال الله تعالى: فَكَيْفَ يعني: كيف يصنعون إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يعني: تقبض أرواحهم الملائكة، ملك الموت، وأعوانه، يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ يعني: عند قبض الأرواح.

ويقال: يعني: يوم القيامة في النار.

ذلِكَ أي: ذلك الضرب الذي نزل بهم عند الموت، وفي النار.

بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ يعني: اتبعوا الكفر، وتكذيب محمد  .

وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ يعني: عملوا بما لم يرض الله به، وتركوا العمل بما يرضي الله تعالى.

فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ يعني: أبطل ثواب أعمالهم.

قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني: أيظن أهل النفاق، والشك، أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ يعني: لم يظهر الله نفاقهم.

ويقال: يعني: الغش الذي في قلوبهم للمؤمنين، وعداوتهم للنبي  .

وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ يعني: لعرفتك المنافقين، وأعلمتك، فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ يعني: بعلاماتهم الخبيثة.

ويقال: فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ إذا رأيتهم.

ويقال: لو نشاء، لجعلنا على المنافقين علامة، فلعرفتهم بسيماهم.

يعني: حتى عرفتهم.

وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ يعني: ستعرفهم يا محمد بعد هذا اليوم فِي لَحْنِ الْقَوْلِ يعني: في محاورة الكلام.

ويقال: فِي لَحْنِ الْقَوْلِ يعني: كذبهم إذا تكلموا، فلم يخف على النبيّ  بعد نزول هذه الآية، منافق عنده إلا عرفه بكلامه.

ثم قال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ يعني: لم يخف عليه أعمالكم قبل أن تعملوها، فكيف يخفى عليه إذا عملتموها.

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ يعني: لنختبرنكم عند القتال حَتَّى نَعْلَمَ أي: نميز الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ يعني: صبر الصابرين عند القتال وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ يعني: نختبر أعمالكم.

ويقال: أسراركم.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر وَلَيَبْلُونَّكُم حَتَّى يَعْلَمَ وَيَبْلُوَا الثلاثة كلها بالياء.

يعني: يختبركم الله.

والباقون الثلاثة كلها بالنون على معنى الإضافة إلى نفسه.

قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: جحدوا وَصَدُّوا يعني: صرفوا الناس عن دين الإسلام عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قال مقاتل: يعني: اليهود.

وقال الكلبي: يعني: رؤساء قريش حيث شاقوا أهل التوحيد وَشَاقُّوا الرَّسُولَ يعني: عادوا الله تعالى، ورسوله، وخالفوا رسول الله  في الدين مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى يعني: الإسلام، وأمر النبي  أنه الحق لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يعني: لن ينقصوا الله من ملكه شيئاً بكفرهم، بل يضروا بأنفسهم وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ يعني: يبطل ثواب أعمالهم التي عملوا في الدنيا، فلا يقبلها منهم.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المُنافِقُونَ، وهو الظّاهِرُ.

والثّانِي: مُنافِقُو اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: الخَوارِجُ، قالَهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ.

والرّابِعُ: قُرَيْشٌ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الإعْراضِ.

فالمَعْنى: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإسْلامِ ﴿ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ ﴾ بِأنْ تَعُودُوا إلى الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، ويُغِيرُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الوِلايَةِ لِأُمُورِ النّاسِ، قالَهُ القُرَظِيُّ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى "أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ": بِالجَوْرِ والظُّلْمِ.

وَقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَتَقْطَعُوا" بِفَتْحِ التّاءِ والطّاءِ وتَخْفِيفِها وسُكُونِ القافِ.

ثُمَّ ذَمَّ مَن يُرِيدُ ذَلِكَ بِالآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ [النِّساءِ: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها ﴾ "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، وذِكْرُ الأقْفالِ اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ أنَّ القَلْبَ يَكُونُ كالبَيْتِ المُقْفَلِ لا يَصِلُ إلَيْهِ الهُدى.

[قالَ مُجاهِدٌ]: الرّانُ أيْسَرُ مِنَ الطَّبْعِ، والطَّبْعُ أيْسَرُ مِنَ الإقْفالِ، والإقْفالُ أشَدُّ ذَلِكَ كُلِّهِ، وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: مامِن آدَمِيٍّ إلّا ولَهُ أرْبَعُ أعْيُنٍ، عَيْنانِ في رَأْسِهِ لِدُنْياهُ وما يُصْلِحُهُ مِن مَعِيشَتِهِ، وعَيْنانِ في قَلْبِهِ لِدِينِهِ وما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الغَيْبِ، فَإذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أبْصَرَتْ عَيْناهُ اللَّتانِ في قَلْبِهِ، وإذا أرادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ طُمِسَ عَلَيْهِما، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ ﴾ أيْ: رَجَعُوا كُفّارًا؛ وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

﴿ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما وضَحَ لَهُمُ الحَقُّ.

ومَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ، قالَ: مِن بَعْدِ أنْ تَبَيَّنَ لَهم وصْفُ رَسُولِ اللَّهِ  ونَعْتُهُ في كِتابِهِمْ.

و سَوَّلَ بِمَعْنى زَيَّنَ.

﴿ وَأمْلى لَهُمْ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "وَأُمْلِيَ لَهُمْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ وبَعْدَها ياءٌ مَفْتُوحَةٌ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ إلّا زَيْدًا، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما أسْكَنا الياءَ.

وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ.

وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الإمْلاءِ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٨، الأعْرافِ: ١٨٣] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: الأمْرُ ذَلِكَ، أيْ: ذَلِكَ الإضْلالُ بِقَوْلِهِمْ ﴿ لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ ﴾ وفي الكارِهِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، فَعَلى هَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: في القُعُودِ عَنْ نُصْرَةِ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: في المَيْلِ إلَيْكم والمُظاهَرَةِ عَلى مُحَمَّدٍ  .

والثّالِثُ: في الِارْتِدادِ بَعْدَ الإيمانِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، فَعَلى هَذا في الَّذِي أطاعُوهم فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: في أنْ لا يُصَدِّقُوا شَيْئًا مِن مَقالَةِ رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: في كَتْمِ ما عَلِمُوهُ مِن نُبُوَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ: بِكَسْرِ الألِفِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ أسْرَرْتُ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِفَتْحِها عَلى أنَّهُ جَمْعُ سِرٍّ، والمَعْنى أنَّهُ يَعْلَمُ ما بَيْنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ مِنَ السِّرِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم حِينَئِذٍ؟

وقَدْ بَيَّنّا في [الأنْفالِ: ٥٠] مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ ﴾ أيْ: كَرِهُوا ما فِيهِ الرِّضْوانِ، وهو الإيمانُ والطّاعَةُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى الشَيْطانُ سَوَّلَ لَهُمُ وأمْلى لَهُمُ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ واللهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ ﴾ ﴿ فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ﴾ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ، وتَدَبُّرُ القُرْآنِ.

زَعِيمٌ بِالتَبْيِينِ والهُدى، و"أمْ" مُنْقَطِعَةٌ وهي المَقَدَّرَةُ بِبَلْ وألِفُ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها ﴾ اسْتِعارَةٌ لِلرَّيْنِ الَّذِي مَنَعَهُمُ الإيمانُ، ويُرْوى «أنَّ وفْدَ اليَمَنِ وفَدَ عَلى النَبِيِّ  وفِيهِمْ شابٌّ، فَقَرَأ رَسُولُ اللهِ  هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ الفَتى: عَلَيْها أقْفالُها حَتّى يَفْتَحَها اللهُ ويُفَرِّجَها، قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: فَعَظُمَ في عَيْنِي، فَما زالَتْ في نَفْسِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ حَتّى ولِيَ الخِلافَةَ فاسْتَعانَ بِذَلِكَ الفَتى.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ ﴾ الآيَةُ، قالَ قَتادَةُ: إنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ كانُوا قَدْ عَرَفُوا مِنَ التَوْراةِ أمْرَ مُحَمَّدٍ  وتَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى بِهَذا الوَجْهِ، فَلَمّا باشَرُوا أمْرَهُ حَسَدُوهُ فارْتَدُّوا عن ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الهُدى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ في مُنافِقِينَ كانُوا أسْلَمُوا ثُمَّ نافَقَتْ قُلُوبُهُمْ، والآيَةُ تَعُمُّ كُلَّ مَن دَخَلَ في ضِمْنِ لَفْظِها غابِرَ الدَهْرِ، و"سَوَّلَ" مَعْناهُ: رَجاهم سُؤْلُهم وأمانِيهِمْ، وقالَ أبُو الفَتْحِ عن أبِي عَلِيٍّ: أنَّهُ بِمَعْنى: دَلّاهُمْ، مَأْخُوذٌ مِنَ السَوَلِ: وهو الِاسْتِرْخاءُ والتَدَلِّي، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "وَأمْلى لَهُمْ"، ﴾ وأمالَ ابْنُ كَثِيرٍ، وشِبْلُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ "أمْلى"، وفاعِلُ "أمْلى" هُنا قالَ الحَسَنُ: هو الشَيْطانُ، جَعَلَ وعْدَهُ الكاذِبَ بِالبَقاءِ كالإبْقاءِ، وذَلِكَ أنَّ الإمْلاءَ هو الإبْقاءُ مِلاوَةً مِنَ الدَهْرِ، يُقالُ: مِلاوَةٌ ومُلاوَةٌ ومَلاوَةٌ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِها وكَسْرِها، وهي القِطْعَةُ مِنَ الزَمانِ، ومِنهُ "المَلَوانِ"، وهُما اللَيْلُ والنَهارُ، فَإذا أمْلى الشَيْطانُ إمْلاءً لا صِحَّةَ لَهُ إلّا بِطَمَعِهِمُ الكاذِبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ في "أمْلى" اللهُ عَزَّ وجَلَّ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: الشَيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ، وأمْلى اللهُ لَهُمْ، وحَقِيقَةُ الإمْلاءِ إنَّما هو بِيَدِ اللهِ تَعالى، وهَذا هو الأرْجَحُ.

وقَرَأ الأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ: "وَأُمْلِي لَهُمْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللامِ وإرْسالِ ياءِ المُتَكَلِّمِ، ورَواها الخِفافُ عن أبِي عَمْرٍو، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "وَأُمْلِيَ" بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةُ شَيْبَةَ، وابْنِ سِيرِينَ، والجَحْدَرِيِّ، وعِيسى البَصَرِيِّ، وعِيسى الهَمَذانِيِّ، وهَذا يَحْتَمِلُ فاعِلَهُ مِنَ الخِلافِ ما في القِراءَةِ الأُولى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا ﴾ ، ورُوِيَ أنَّ قَوْمًا مِن قُرَيْظَةَ والنَضِيرَ كانُوا يَعُدُّونَ المُنافِقِينَ في أمْرِ رَسُولِ اللهِ  والخِلافُ عَلَيْهِ بِنَصْرٍ ومُوازَرَةٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ ﴾ .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أسْرارَهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وذَلِكَ عَلى جَمْعِ "سَرٍّ" لِأنَّ أسْرارَهم كانَتْ كَثِيرَةً، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إسْرارَهُمْ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وعِيسى، وهو مَصْدَرُ اسْمِ الجِنْسِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَتَوَعَّدُوا بِها، وأنَّها عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما هَذا هَلَعُهم وجَزَعُهم لِفَرْضِ القِتالِ وقِراعِ الأعْداءِ، فَكَيْفَ فَزَعُهم وجَزَعُهم إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ؟

والثانِي أنْ يُرِيدَ: هَذِهِ مَعاصِيهِمْ وعِنادُهم وكُفْرُهُمْ، فَكَيْفَ تَكُونُ حالُهم مَعَ اللهِ تَعالى إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ؟

وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: واللهُ أعْلَمُ بِإسْرارِهِمْ، فَكَيْفَ عِلْمُهُ بِها إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ؟

وهم هُنا مَلَكُ المَوْتِ والمُتَصَرِّفُونَ مَعَهُ، والضَمِيرُ في "يَضْرِبُونَ" لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ فَذَلِكَ ضَعِيفٌ.

و ﴿ ما أسْخَطَ اللهَ ﴾ هو الكُفْرُ، و"الرِضْوانُ" هُنا: الشَرْعُ والحَقُّ المُؤَدِّي إلى الرِضْوانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ ﴾ ، وقَرَأ الأعْمَشُ: فَكَيْفَ إذا تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على قوله: ﴿ فأصمهم وأعمى أبصارهم ﴾ [محمد: 23]، أي هلا تدبروا القرآن عوض شغل بالهم في مجلسك بتتبع أحوال المؤمنين، أو تفريع على قوله: ﴿ فأصمّهم وأعمى أبصارهم ﴾ .

والمعنى: أن الله خلقهم بعقول غير منفعلة بمعاني الخير والصلاح فلا يتدبرون القرآن مع فهمه أو لا يفهمونه عند تلقيه وكلا الأمرين عجيب.

والاستفهام تعجيب من سوء علمهم بالقرآن ومن إعراضهم عن سماعه.

وحرف ﴿ أم ﴾ للإضراب الانتقالي.

والمعنى: بل على قلوبهم أقفال وهذا الذي سلكه جمهور المفسرين وهو الجاري على كلام سيبويه في قوله تعالى: ﴿ أفلا تبصرون أمْ أنا خير من هذا الذي هو مهين ﴾ في سورة الزخرف (51، 52)، خلافاً لما يوهمه أو توهمه ابن هشام في مغني اللبيب } .

والتدبر: التفهم في دُبر الأمر، أي ما يخفى منه وهو مشتق من دبر الشيء، أي خلفه.

والأقفال: جمع قُفْل، وهو استعارة مكنية إذ شبهت القلوب، أي العقول في عدم إدراكها المعاني بالأبواب أو الصناديق المغلقة، والأقفال تخييل كالأظفار للمنية في قول أبي ذؤيب الهذلي: وإذا المنية أنشبت أظفارها *** ألفيت كل تميمة لا تنفع وتنكير ﴿ قلوب ﴾ للتنويع أو التبعيض، أي على نوع من القلوب أقفال.

والمعنى: بل بعض القلوب عليها أقفال.

وهذا من التعريض بأن قلوبهم من هذا النوع لأن إثبات هذا النوع من القلوب في أثناء التعجيب من عدم تدبر هؤلاء القرآن يدل بدلالة الالتزام أن قلوب هؤلاء من هذا النوع من القلوب ذواتتِ الأقفال.

فكون قلوبهم من هذا النوع مستفاد من الإضراب الانتقالي في حكاية أحوالهم.

ويدنو من هذا قولُ لبيد: تَرَّاك أمكنة إذا لم أرضها *** أو يَعتلقْ بعضَ النفوس حِمامها يريد نفسه لأنه وقع بعد قوله: تَرَّاك أمكنة البيت، أي أنا تراك أمكنة.

وإضافة (أقفال) إلى ضمير ﴿ قلوب ﴾ نظم بديع أشار إلى اختصاص الأقفال بتلك القلوب، أي ملازمتها لها فدلّ على أنها قاسية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ  مِن بَعْدِ ما عَلِمُوا في التَّوْراةِ أنَّهُ نَبِيٌّ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: المُنافِقُونَ قَعَدُوا عَنِ القِتالِ مِن بَعْدِ ما عَلِمُوهُ في القُرْآنِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أعْطاهم سُؤالَهم، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: زَيَّنَ لَهم خَطاياهم، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ وَأمْلى لَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أمْهَلَهم، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ فَعَلى هَذا يَكُونُ اللَّهُ تَعالى هو الَّذِي أمْلى لَهم بِالإمْهالِ في عَذابِهِمْ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى أمْلى لَهم أيْ مَدَّ لَهم في الأمَلِ فَعَلى هَذا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي أمْلى لَهم في الأمَلِ، قالَهُ الفَرّاءُ والمُفَضَّلُ.

الثّانِي: أنَّ الشَّيْطانَ هو الَّذِي أمْلى لَهم في مَدِّ الأمَلِ بِالتَّسْوِيفِ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ ﴾ وفي قائِلِ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ قالُوا لِلْمُنافِقِينَ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ.

وَفِيما أرادُوا بِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَنُطِيعُكم في ألّا نُصَدِّقَ بِشَيْءٍ، مِن مَقالَتِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: سَنُطِيعُكم في كَتْمِ ما عَلِمْنا مِن نُبُوَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ قالُوا لِلْيَهُودِ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ، وفِيما أرادُوهُ بِذَلِكَ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: سَنُطِيعُكم في غَيْرِ القِتالِ مِن بُغْضِ مُحَمَّدٍ  والقُعُودِ عَنْ نُصْرَتِهِ، قالَ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: سَنُطِيعُكم في المَيْلِ إلَيْكم والمُظاهَرَةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  .

الثّالِثُ: سَنُطِيعُكم في الِارْتِدادِ بَعْدَ الإيمانِ.

﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما أسَرَّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ مِن هَذا القَوْلِ.

الثّانِي: ما أسَرُّوهُ في أنْفُسِهِمْ مِن هَذا الِاعْتِقادِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالقِتالِ نُصْرَةً لِرَسُولِ اللَّهِ  .

الثّانِي: بِقَبْضِ الأرْواحِ عِنْدَ المَوْتِ.

﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ ﴾ يَكُونُ عَلى احْتِمالِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم في القِتالِ عِنْدَ الطَّلَبِ وأدْبارَهم عِنْدَ الهَرَبِ.

الثّانِي: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم عِنْدَ المَوْتِ بِصَحائِفِ كُفْرِهِمْ، وأدْبارَهم في القِيامَةِ عِنْدَ سَوْقِهِمْ إلى النّارِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة ﴾ الآية، قال: كل سورة أنزل فيها الجهاد فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويقول الذين آمنوا ﴾ الآية قال: كان المؤمنون يشتاقون إلى كتاب الله تعالى وإلى بيان ما ينزل عليهم فيه فإذا أنزلت السورة يذكر فيها القتال رأيت يا محمد المنافقين ﴿ ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم ﴾ قال: وعيد من الله لهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فأولى لهم ﴾ قال: هذه وعيد ثم انقطع الكلام، فقال: ﴿ طاعة وقول معروف ﴾ يقول: طاعة الله ورسوله وقول بالمعروف عند حقائق الأمور خير لهم.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ طاعة وقول معروف ﴾ قال: أمر الله عز وجل بذلك المنافقين فإذا عزم الأمر قال: جد الأمر.

أخرج الحاكم عن عبد الله بن مغفل رضى الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ فهل عسيتم إن توليتم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فهل عسيتم إن توليتم ﴾ الآية قال: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله ألم يسفكوا الدم الحرام وقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن؟

وأخرج عبد بن حميد عن بكر بن عبد الله المزني في قوله: ﴿ فهل عسيتم إن توليتم ﴾ الآية قال: ما أراها نزلت إلا في الحرورية.

وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن بريدة رضي الله عنه قال: كنت جالساً عند عمر رضي الله عنه إذ سمع صائحاً فقال يا يرفا أنظر ما هذا الصوت فنظر ثم جاء فقال: جارية من قريش تباع أمها، فقال عمر رضي الله عنه: ادع لي المهاجرين والأنصار فلم يمكث إلا ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فهل تعلمونه كان فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم القطيعة؟

قالوا: لا.

قال: فإنها قد أصحبت فيكم فاشية.

ثم قرأ ﴿ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ﴾ ثم قال: وأي قطيعة أقطع من أن تباع أم امرئ فيكم وقد أوسع الله لكم؟

قالوا: فأصنع ما بدا لك، فكتب في الآفاق أن لا تباع أمُّ حر فإنها قطيعة رحم وأنه لا يحل.

وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي والحكيم الترمذي وابن جرير وابن حبان والحاكم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن، فقال: مه، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة؟

قال: نعم أما ترضي أن أصل من وصلك وأقطع من قطعت: قالت: بلى، قال: فذاك لك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأوا إن شئتم ﴿ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾ » .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن للرحم لساناً يوم القيامة تحت العرش فتقول يا رب قطعت يا رب ظلمت يا رب أسيء إليّ فيجيبها ربها ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟» .

وأخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلىلله عليه وسلم: «إن للرحمن لسناً ذلقاً يوم القيامة ربِّ صل من وصلني واقطع من قطعني» .

وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن طاوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للرحم شعبة من الرحمن تجيء يوم القيامة لها جلبة تحت العرش تكلم بلسان ذلق فمن أشارت إليه بوصل وصله الله، ومن أشارت إليه بقطع قطعه الله» .

وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرحمن معلقة بالعرش لها لسان ذلق تقول اللهم صِلْ من وصلني واقطع من قطعني» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والحاكم وصححاه والبيهقي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته ومن بتها بتته» .

وأخرج البيهقي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: «كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في حلقة فقال: إنا لا نحل لرجل أمسى قاطع رحم إلا قام عنا فلم يقم إذا فتى كان في أقصى الحلقة فأتى خالة له فقالت: ما جاء بك؟

فأخبرها بما قال النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع فلجس في مجلسه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما لي لا أرى أحداً قام من الحلقة غيرك فأخبره بما قال لخالته وما قالت له فقال: اجلس فقد أحسنت ألا أنها لا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع رحم» .

وأخرج أحمد والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أعمال بني آدم تعرض عشية كل خميس فلا يقبل عمل قاطع رحم» .

وأخرج الحاكم وصححه «عن عمرو بن عبسة قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بعث، وهو بمكة فقلت: ما أنت؟

قال: نبي.

قلت: بم أرسلت؟

قال: بأن تعبد الله وتكسر الأصنام وتصل الأرحام بالبر والصلة» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله أنا الرحمن وهي الرحم فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته» .

وأخرج الحاكم وصححه عن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله» .

وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الرحم شجنة من الله فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والحاكم وصححاه والبيهقي عن عبد الله بن عمرو يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء، الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله ومن قطعها قطعه» .

وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة من أدم حمراء في نحو من أربعين رجلاً فقال: «إنه مفتوح لكم وإنكم منصورون ومصيبون فمن أدرك منكم ذلك فليتق الله وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر وليصل رحمه، ومثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل البعير يتردى فهو يتردى بذنبه» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله: أوصني قال: «أقم الصلاة وأدِ الزكاة وصم رمضان وحج البيت واعتمر وبر والديك وصل رحمك واقرِ الضيف وأمُرْ بالمعروف وانْهَ عن المنكر وَزُلْ مع الحق حيث زال» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن عبد الله بن سلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» وأخرج أحمد والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن نصر في الصلاة وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني فأنبئني عن كل شيء، قال: «كل شيء خلق من ماء» .

قلت: انبئني عن أمر إذا عملت به دخلت الجنة: قال: «أفْشِ السلام وأطعم الطعام وصل الأرحام وقم بالليل والناس نيام ثم أدخل الجنة بسلام» .

وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليعمر بالقوم ويكثر لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضاً لهم.

قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟

قال: بصلتهم أرحامهم» .

وأخرج الطيالسي والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم فإنه لأقرب لرحم إذا قطعت وإن كانت قريبة، ولا بعد لها إذا وصلت وإن كانت بعيدة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تجيء الرحم يوم القيامة كحجنة المغزل فتتكلم بلسان ذلق طلق فتصل من وصلها وتقطع من قطعها» .

وأخرج البزار والبيهقي في الأسماء والصفات عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث معلقات بالعرش: الرحم تقول: اللهم إني بك فلا أقطع، والأمانة تقول: اللهم إني بك فلا أخان، والنعمة تقول: اللهم إني بك فلا أكفر» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث تحت العرش: القرآن له ظهر وبطن يحاج العباد، والرحم تنادي صل من وصلني واقطع من قطعني، والأمانة» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الرحم معلقة بالعرش بالعرش فإذا أتاها الواصل بشرت به وكلمته، وإذا أتاها القاطع احتجبت منه.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن حبان والطبراني والبيهقي والحكيم الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرحم شجنة معلقة بالعرش» .

وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرحم شجنة آخذة بحجزة الرحمن تناشده حقها فيقول: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟

من وصلك فقد وصلني، ومن قطعك فقد قطعني» .

وأخرج الطبراني والخرائطي في مساوي الأخلاق عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة مدمن الخمر لا العاقّ ولا المنّان» .

قال ابن عباس: شق ذلك على المؤمنين يصيبون ذنوباً حتى وجدت ذلك في كتاب الله في العاقّ ﴿ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ﴾ و ﴿ لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ [ البقرة: 264] وقال: ﴿ إنما الخمر والميسر ﴾ [ المائدة: 90] .

قوله تعالى: ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ الآية.

أخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سليمان موقوفاً والحسن بن سفيان والطبراني وابن عساكر عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ظهر القول وخزن العمل وائتلفت الألسن واختلفت القلوب وقطع ذي رحم رحمه فعند ذلك ﴿ لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ﴾ » .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب العلم عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا الناس أظهروا العلم وضيعوا العمل وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا في الأرحام لعنهم الله عند ذلك ﴿ فأصمهم وأعمى أبصارهم ﴾ » .

أما قوله تعالى: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾ .

أخرج إسحاق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عروة رضي الله عنه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾ فقال شاب من أهل اليمن بل عليها أقفالها حتى يكون الله يفتحها أو يفرجها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدقت فما زال الشاب في نفس عمر رضي الله عنه حتى ولي فاستعان به.

وأخرج الدارقطني في الافراد وابن مردويه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾ فقال شاب عند النبي صلى الله عليه وسلم: بل والله عليها أقفالها حتى يكون الله هو الذي يفكها.

فلما ولي عمر وسأل عن ذلك الشاب ليستعمله، فقيل: قد مات.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ قال: إذاً والله في القرآن زاجر عن معصية الله قال: لم يتدبره القوم ويعقلوه ولكنهم أخذوا بمتشابهه فهلكوا عند ذلك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن خالد بن معدان رضي الله عنه قال: ما من عبد إلا له أربع أعين عينان في وجهه يبصر بهما دنياه وما يصلحه من معيشته، وعينان في قلبه يبصر بهما دينه وما وعد الله بالغيب فإذا أراد الله بعبد خيراً فتح عينيه اللذين في قلبه فأبصر بهما ما وعد بالغيب، وإذا أراد الله بعبد سوءاً ترك القلب على ما فيه وقرأ ﴿ أم على قلوب أقفالها ﴾ وما من عبد إلا وله شيطان متبطن فقار ظهره لاوٍ عنقه على عنقه فاغر فاه على قلبه.

وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعاً إلى قوله: وقرأ ﴿ أم على قلوب أقفالها ﴾ .

وأخرج الديلمي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي على الناس زمان يخلق القرآن في قلوبهم يتهافتون تهافتاً، قيل يا رسول الله: وما تهافتهم؟قال: يقرأ أحدهم فلا يجد حلاوة ولا لذة يبدأ أحدهم بالسورة وإنما معه آخرها فإن عملوا قالوا ربنا اغفر لنا، وإن تركوا الفرائض قالوا: لا بعذبنا الله ونحن لا نشرك به شيئاً أمرهم رجاء ولا خوف فيهم ﴿ أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾ » .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ أي: ليعرفوا ما أعد الله للذين لم يتولوا عن الإسلام ولم يقطعوا أرحام، قال ابن عباس: ومعنى تدبر القرآن ذكرناه في سورة النساء [آية: 82].

(أَم على قلوب أقفالها).

قال الليث: القفل معروف، وفعله الإقفال، وقد أقفلته فاقتفل (١) (٢) قال ابن عباس: يريد على قلوب هؤلاء أقفال (٣) وقال مقاتل: يعني الطبع على القلب (٤) ومعنى الاستفهام في قوله (أم على قلوب أقفالها) الإخبار أنها كذلك، ويصدق هذه الجملة التي ذكرناها ما روي أن النبي -  - كان يقرأ هذه السورة شاباً (٥)  -: "صدقت" (٦) ثم ذكر اليهود وسوء عاقبتهم حين ارتدوا بعد المعرفة: (١) انظر: "كتاب العين" (قفل) 5/ 161، و"تهذيب اللغة" 9/ 160.

(٢) انظر: "تهذيب اللغة" (قفل) 9/ 161.

(٣) لم أقف عليه.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 49.

(٥) كذا في الأصل ولعل الصواب (وعنده شاب).

(٦) أخرجه الطبري عن هشام بن عروة عن أبيه ولم يذكر لفظ صدقت انظر: "تفسير الطبري" 13/ 58، وأخرجه الثعلبي في "تفسيره" 10/ 129 أ، والبغوي في "تفسيره" 7/ 287، بمثل لفظ الطبري وعزاه السيوطي في "الدر" لإسحاق بن راهويه، وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه بلفظ صدقت.

انظر: "الدر" 7/ 501، وانظر: "الوسيط" 4/ 126.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض وتقطعوا أَرْحَامَكُمْ ﴾ هذا خطاب للمنافقين المذكورين خرج من الغيبة إلى الخطاب، ليكون أبلغ في التوبيخ والمعنى هل يتوقع منكم، إلاّ فساد في الأرض وقطع الأرحام إن توليتم، ومعنى توليتم: صرتم ولاة على الناس وصار الأمر لكم، وعلى هذا قيل: إنها نزلت في بني أمية.

وقيل: معناه أعرضتم عن الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وتقطعوا ﴾ بالتخفيف من القطع: سهل ويعقوب.

والآخرون: بالتشديد من التقطيع ﴿ وأملى لهم ﴾ مبنياً للمفعول ماضياً: أبو عمرو ويعقوب ﴿ وأملى ﴾ مضارعاً مبنياً للفاعل: سهل ورويس.

الباقون: ماضياً مبنياً للفاعل ﴿ إسرارهم ﴾ بكسر الهمز على المصدر: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ وليبلونكم حتى يعلم ﴾ ﴿ ويبلوا ﴾ بالياءات: أبو بكر وحماد.

الآخرون: بالنون في الكل.

وقرأ يعقوب ﴿ ونبلو ﴾ بالنون مرفوعاً ﴿ السلم ﴾ بكسر السين: حمزة وخلف وأبو بكر وحماد.

الوقوف: ﴿ والمؤمنات ﴾ ط ﴿ ومثواكم ﴾ ه ﴿ نزلت سورة ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ القتال ﴾ لا ﴿ الموت ﴾ ط للابتداء بالدعاء عليهم ﴿ لهم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون الأولى بمعنى الأقرب كما يجيء ﴿ معروف ﴾ قف ﴿ الأمر ﴾ ز لاحتمال أن التقدير فإذا عزم الأمر كذبوا وخالفوا ﴿ خيراً لهم ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ أرحامكم ﴾ ه ﴿ أبصارهم ﴾ ه ﴿ أقفالها ﴾ ه ﴿ الهدى ﴾ لا لأن الجملة بعده خبر "إن" ﴿ سوّل لهم ﴾ ط لأن فاعل ﴿ وأملى ﴾ ضمير اسم الله ويجوز الوصل على جعله حالاً وقد أملى، أو على أن فاعله ضمير الشيطان من حيث أنه يمنيهم ويعدهم، والوقف أجوز واعزم.

والحال على قراءة ﴿ وأملى ﴾ بفتح الياء أجوز والوقف به جائز، ومن سكن الياء فالوقف به أليق لأن المستقبل لا ينعطف على الماضي.

ومع ذلك لو جعل حالاً على تقدير وأنا أملي جاز ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ الأمر ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً والوقف أجوز لأن الله يعلم الأسرار في الأحوال كلها ﴿ إسرارهم ﴾ ه ﴿ وأدبارهم ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ أضغانهم ﴾ ه ﴿ بسيماهم ﴾ ط للابتداء بما هو جواب القسم ﴿ القول ﴾ ط ﴿ أعمالكم ﴾ ه ﴿ والصابرين ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ونبلو ﴾ بسكون الواو أي ونحن نبلو ﴿ أخباركم ﴾ ه ﴿ الهدى ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ أعمالكم ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ إلى السلم ﴾ قف قد قيل: على أن قوله ﴿ وأنتم ﴾ مبتدأ، وجعله حالاً أولى ﴿ الأعلون ﴾ قف كذلك ﴿ أعمالكم ﴾ ه قف ﴿ ولهو ﴾ ط ﴿ أموالكم ﴾ ه ﴿ أضغانكم ﴾ ه ﴿ سبيل الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع الفاء ﴿ من يبخل ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ الفقراء ﴾ ه للشرط مع العطف ﴿ غيركم ﴾ لا للعطف ﴿ أمثالكم ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر حال الفريقين المؤمن والكافر من السعادة والشقاوة قال لنبيه  : فاثبت على ما أنت عليه من التوحيد ومن هضم النفس باستغفار ذنبك أو ذنوب أمتك.

أو المراد فاعلم خبراً يقيناً على ما علمته نظراً واستدلالاً.

أو أراد فاذكر لا إله إلا الله.

والهاء في ﴿ أنه ﴾ لله أو للأمر والشأن، أو الأول إشارة إلى أصول الحكمة النظرية، والثاني إلى أصول الحكمة العملية، أمره بالحكمة العملية بعد الحكمة النظرية.

عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فتلا هذه الآية.

وذلك أنه أمر بالعمل بعد العلم.

والفاءات في هذه الآية وما تقدّمها لعطف جملة على جملة بينهما اتصال.

وفي الآية نكتة وهي أن النبي  له أحوال ثلاث: حال مع الله وهي توحيده، وحال مع نفسه وهي طلب العصمة من الذنوب وأن يستر الله عليه جنس الآثام حتى لا يقع فيها، وحال مع غيره وهي طلب ستر الذنوب عليهم بعد وقوعهم فيها أو أعم ويندرج فيها الشفاعة.

ثم قال ﴿ والله يعلم متقلبكم ومثواكم ﴾ فقيل: التقلب في الأسفار والمثوى في الحضر.

وقيل: أراد منتشركم في النهار ومستقركم بالليل.

وقيل: الأوّل في الدنيا والثاني في الآخرة.

وقيل: لكل متقلب مثوى فيتقلب من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ثم إلى الدنيا ثم إلى القبر ثم إلى الجنة أو النار.

والمقصود بيان كمال علمه بحال الخلائق فعليهم أن لا يهملوا دقائق الطاعة والخشية ويواظبوا على طلب المغفرة خوفاً من التقصير في العبودية.

ثم ذكر طرفاً آخر من نصائح أهل النفاق ومن ينخرط في سلكهم من ضعفة الإسلام، وذلك أنهم كانوا يدّعون الحرص على الجهاد ويقولون بألسنتهم ﴿ لولا نزلت ﴾ سورة في باب القتال ﴿ فإذا أنزلت سورة محكمة ﴾ مبينة غير متشابهة لا تحتمل النسخ ﴿ وذكر فيها القتال ﴾ عن قتادة: كل سورة ذكر فيها القتال فهي محكمة وهي أشدّها على المنافقين.

قال أهل البرهان: نزل بالتشديد أبلغ من أنزل فخص بهم ليكون أدل على حرصهم فيكون أبلغ في أبلغ في باب التوبيخ.

قوله ﴿ فأولى لهم ﴾ كلمة تحذير أي وليك شر فاحذره.

هذه عبارة كثير من المفسرين.

وقال المبرد: يقال للإنسان إذا كاد يعطب ثم يفلت: أولى لك.

أي قاربت العطب ثم نجوت.

وهو في الفرقان على معنى التحذير.

وقال جار الله: هو وعيد معناه فويل لهم والمراد الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه.

وقيل: أراد طاعة وقول معروف أولى من الجزع عند الجهاد فلا يكون للوعيد، وعلى هذا فلا وقف على ﴿ لهم ﴾ كما أشير إليه في الوقف.

واعترض عليه بأن الأفصح أن يستعمل وقتئذ بالباء لا مع اللام كما قال ﴿ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض  ﴾ والأصح أنه فعل متعدٍ من الولي وهو القرب أي أولاه الله المكروه فاقتصر لكثرة الاستعمال.

ويحتمل أن يكون "فعلى" من آل يؤل أي يؤل أمرك إلى شر فاحذره.

ثم حثهم على الامتثال بقوله ﴿ طاعة وقول معروف ﴾ أي طاعة الله وقول حسن أو ما عرف صحته خير من الجزع عند فرض الجهاد فهو مبتدأ محذوف الخبر، أو أمرنا طاعة فيكون خبر مبتدأ محذوف كما مر في سورة النور في قوله ﴿ طاعة معروفة  ﴾ ويجوز أن يكون أمراً للمنافقين أي قولوا طاعة وقول معروف.

﴿ فإذا عزم الأمر ﴾ أي جدّ وصار معزوماً عليه وهو إسناد مجازي لأن العزم لأصحاب أمر القتال.

ثم التفت وخاطب كفار قريش بقوله ﴿ فهل عسيتم ﴾ هو من أفعال المقاربة وقد مر وجوه استعمالاته في "البقرة" في قوله ﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم  ﴾ فنقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب ليكون أبلغ في التوبيخ ومعناه هل يتوقع منكم ﴿ إن توليتم ﴾ وأعرضتم عن الدين أو توليتم أمور الناس ﴿ أن تفسدوا في الأرض ﴾ بالمعاصي والافتراق بعد الاجتماع على الإسلام ﴿ وتقطعوا أرحامكم ﴾ بالقتل والعقوق ووأد البنات وسائر ما كنتم عليه في الجاهلية من أنواع الإفساد، وفي سلوك طريقة الاستخبار المسمى في غير القرآن بتجاهل العارف، إمالة لهم إلى طريق الإنصاف وحث لهم على التدبر وترك العصبية والجدال، فقد كانوا يقولون كيف يأمرنا النبي  بالقتال والقتال إفناء لذوي أرحامنا وأقاربنا، فعرض الله  بأنهم إن ولوا أمور الناس أو أعرضوا عن هذا الدين لم يصدر عنهم إلا القتل والنهب وسائر أبواب المفاسد كعادة أهل الجاهلية.

ثم صرح بما فعل الله بهم واستقر عليه حالهم فقال ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ بعدهم عن رحمته.

ثم بين نتيجة اللعن قائلاً ﴿ فأصمهم ﴾ أي عن قبول الحق بعد استماعه وهذا في الدنيا ﴿ وأعمى أبصارهم ﴾ أي في الآخرة أو عن رؤية الحق والنظر إلى المصنوعات.

قال بعض العلماء: إنما لم يقل فأصم آذانهم لأن الأذن عبارة عن الشحمة المعلقة، والسمع لا يتفاوت بوجود وعدمها، ولذلك يسمع مقطوع الأذن.

وأما الرؤية فتتعلق بالبصر نفسه، فالتأكيد هناك إنام يحصل بترك ذكر الأذن وههنا بذكر الأبصار والله أعلم.

قال جار الله: يجوز أن يريد بالذين آمنوا المؤمنين الخلص الثابتين وذلك أنهم كانوا يأنسون بالوحي.

فإذا أبطأ عليهم التمسوه، فإذا نزلت سورة في معنى الجهاد رأيت المنافقين يضجرون منها.

سؤال: لما أثبت لهم الصمم والعمى فكيف وبخهم بقوله ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ ؟

وأجيب على مذهب أهل السنة بأن تكليف ما لا يطاق جائز.ويمكن أن يقال: لما أخبر عنهم بما أخبر حكى أنهم بين أمرين: إما أن لا يتدبروا القرآن لأن الله أبعدهم عن الخير، وإما أن يدبروا لكن لا يدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة.

قال جار الله: إنام نكرت القلوب لأنه أريد البعض وهو قلوب المنافقين أو أريد على قلوب قاسية مبهم أمرها.

وإنما أضيفت الأقفال إلى ضمير القلوب لأنه أريد الأقفال المختصة بها وهي أقفال الكفر والعناد التي استغلقت فلا تنفخ.

ثم أخبر عن حال المنافقين أو اليهود الذين غيروا حالهم من بعد ما تبين لهم حقيقة الإسلام أو نعت محمد في التوراة فقال ﴿ إن الذين ارتدوا ﴾ الآية.

﴿ ذلك ﴾ الإملاء أو الإضلال أو الارتداد بسبب أنهم قالوا للذين كرهوا أي قال اليهود للمنافقين، أو قال المنافقون ليهود قريضة والنضير، أو قاله اليهود أو المنافقون للمشركين ﴿ سنطيعكم في بعض الأمر ﴾ الذي يهمكم كالتظافر على عداوة محمد والقعود عن الجهاد معه أو في بعض ما تأمرون به، وهو ما يتعلق بتكذيب محمد لا في إظهار الشرك واتخاذ الأصنام وإنكار المعاد ﴿ والله يعلم أسرارهم ﴾ فلذلك أفشى الذي قالوه سراً فيما بينهم وسيجازيهم على حسب ذلك يدل عليه قوله ﴿ فكيف ﴾ يعملون وما حيلتهم حين توفتهم ملائكة الموت ﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ التي كانوا يتقون أن يصيبها آفة في القتال، أو يضربون وجوههم عند الموت وأدبارهم عند السوق إلى النار.

وقيل: يضربون وجوههم عند الطلب وأدبارهم حين الهرب ﴿ ذلك ﴾ الإذلال والإهانة ﴿ بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه ﴾ كأنهم ضربوا وجوههم لأنهم أقبلوا على مواجب السخط، وضربوا أدبارهم لأنهم أعرضوا عما فيه رضا الله.

وقد يخص السخط بكتمان نعت الرسول ومعاونة أهل الشرك والرضا بالإيمان به والنصرة للمؤمنين.

وإنما قال ﴿ ما أسخط الله ﴾ ولم يقل "ما أرضى الله" لأن رحمته سبقت غضبه، فالرضا كالأمر الحاصل والإسخاط كالأمر المترتب على شيء.

ثم زاد في تعيير المنافقين بقوله ﴿ أم حسب ﴾ وهي منقطعة.

والضغن إضمار سوء يتربص به إمكان الفرصة.

وإخراج الإضغان إبرازها للرسول  وللمؤمنين كما قال ﴿ ولو نشاء لأريناكهم ﴾ أي لو شئنا أريناك أماراتهم ﴿ فلعرفتهم ﴾ كررت لام جواب "لو" في المعطوف لأجل المبالغة ﴿ بسيماهم ﴾ بعلامتهم.

عن أنس أنه ما خفي على رسول الله  بعد هذه الآية شيء من المنافقين، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة منهم يشكوهم الناس فناموا ذات ليلة وأصحبوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب "هذا منافق".

ومعنى لحن القول نحوه وأسلوبه وفحواه أي يقولون ما معناه النفاق كقولهم ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة  ﴾ ﴿ إن بيوتنا عورة  ﴾ أو لتعرفنهم في فحوى كلام الله حيث قال ما يعلم منه حال المنافقين كقوله ﴿ ومن الناس من يقول  ﴾ ﴿ ومنهم من عاهد الله  ﴾ وحقيقة اللحن ذهاب الكلام إلى خلاف جهته.

وقيل: اللحن أن تميل كلامك إلى نحو من الأنحاء ليفطن له صاحبك كالتعريض والتورية قال: ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا *** واللحن يعرفه ذوو الألباب ويقال للمخطىء لاحن لأنه يعدل بالكلام عن الصواب.

وقال الكلبي: لحن القول كذبه.

ولم يتكلم بعد نزولها منافق عند رسول الله  إلا عرفه.

وعن ابن عباس هو قولهم ما لنا إن أطعنا من الثواب ولا يقولون ما علينا إن عصينا من العقاب ﴿ والله يعلم أعمالكم ﴾ فيميز خيرها من شرها وإخلاصها من نفاقها ﴿ ولنبلونكم ﴾ أي لنأمرنكم بما لا يكون متعيناً للوقوع بل يحتمل الوقوع واللاوقوع كما يفعل المختبر حتى يظهر المجاهد والصابر من المنافق والمضطرب.

﴿ ونبلو أخباركم ﴾ التي تحكي عنكم كقولكم ﴿ آمنا بالله وباليوم الآخر  ﴾ أو عهودكم كقوله ﴿ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار  ﴾ أو أسراركم أو ما ستفعلونه أو أخباركم الأراجيف كقوله ﴿ والمرجفون في المدينة  ﴾ عن الفضل أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا.

ثم أنزل في اليهود من قريظة والنضير أو في رؤساء قريش المطعمين يوم بدر ﴿ إن الذين كفروا ﴾ الآية.

وأعمالهم طاعاتهم في زمن اليهودية، ومكايدهم التي نصبوها في عداوة الرسول  أو إطعامهم.

ثم أمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله بالتوحيد والتصديق مع الإخلاص وأن لا يبطلوا إحسانهم بالمعاصي والرياء وبالمن والأذى.

عن أبي العالية قال: كان أصحاب النبي  يرون إنه لا يضر مع "لا إله إلا الله" ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت الآية، فكانوا يخافون الكبائر على أعمالهم.

وعن قتادة: رضي الله عن عبد لم يحبط عمله الصالح بعمله السيء.

ثم أراد أن يبين أن أعمال المكلف إذا بطلت فإن فضل الله باقٍ يغفر له إن شاء ما لم يمت على الكفر فقال ﴿ إن الذين كفروا ﴾ الآية.

قال مقاتل: نزلت في رجل سأل النبي  عن والده وقال: إنه كان محسناً في كفره.

وعن الكلبي: نزلت في رؤساء أهل بدر.

﴿ فلا تهنوا ﴾ لا تضعفوا ولا تجبنوا ﴿ وتدعوا إلى السلم ﴾ أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح.

ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار "أن" بعد الواو في جواب النهي ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ الغالبون المستولون عليهم ﴿ والله معكم ﴾ بالنصرة والكلاءة ﴿ ولن يتركم أعمالكم ﴾ أي لن ينقصكم جزاء أعمالكم من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلاً من ولد أو أخ أو قريب أو سلبت ماله وأصله من الوتر وهو الفرد، كأنك أفردته من قريبه أو ماله.

وفي الحديث " "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" " وهو من فصيح الكلام.

ثم زادهم حثاً على الجهاد بتحقير الدنيا في أعينهم وبأنه  إنما يحثهم على الإيمان والجهاد وسائر أبواب التقوى لتعود فائدتها عليهم كما قال "خلقتكم لتربحوا عليّ لا لأربح عليكم" قوله ﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ أي كل أموالكم ولكنه يقتصر منها على ربع العشر، أو لا يسألكم أموالكم لنفسه ولكن لتكون زاداً لكم في المعاد.

وقيل: لا يسألكم أموالكم رسولي لنفسه.

وقيل: إنهم لا يملكون شيئاً وإن المال مال الله وهو المنعم بإعطائه.

والقول هو الأوّل لقوله ﴿ إن يسألكموها فيحفكم ﴾ أي يجهد كم يبلغ الغاية فيها من أحفى شاربه استأصله كأنه جعله حافياً مما في ملكه أي عارياً ﴿ تبخلوا ويخرج ﴾ الإحفاء أو الله  على طريق التسبب ﴿ أضغانكم ﴾ أي تضطغنون على الرسل وتظهرون كراهة هذا الدين.

ثم بين أنه كيف يأمركم بإخراج كل المال وقد دعاكم إلى إنفاق البعض ﴿ فمنكم من يبخل ﴾ و"ها" للتنبيه وكرر مع أولاء للتوكيد وأنتم أولاء جملة مستقلة أي أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون.

ثم استأنف وصفهم كأنهم قالوا وما وصفنا فقيل ﴿ تدعون لتنفقوا في سبيل الله ﴾ وهو الزكاة أو الغزو، فمنكم ناس يبخلون به.

وقيل: ﴿ هؤلاء ﴾ موصول صلته ﴿ تدعون ﴾ وهو مذهب الكوفيين وقد سلف في "البقرة" و "آل عمران".

ثم قبح أمر البخل بقوله ﴿ ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ﴾ أي وباله على نفسه أو عن داعي ربه.

قال في الكشاف: يقال بخلت عليه وعنه.

وفيه نظر لأن البخل عن النفس لا يصح بهذا التفسير.

نعم لو قال عن ماله كان تفسيره مطابقاً.

ثم مدح نفسه بالغنى المطلق وبين بقوله ﴿ وأنتم الفقراء ﴾ أنه لا يأمر بالإنفاق لحاجته ولكن لفقركم إلى الثواب.

ثم هددهم بقوله ﴿ وإن تتولوا ﴾ وهو معطوف على ﴿ وإن تؤمنوا ﴾ ومعنى ﴿ يستبدل قوماً غيركم ﴾ يخلق قوماً سواكم راغبين فيما ترغبون عنه من الإيمان والتقوى كقوله ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد  ﴾ ومعنى " ثم " التراخي في الرتبة أي لا يكونون أشباهكم في حال توليكم.

وقيل: في جميع الأحوال.

وعن الكلبي: شرط في الاستبدال توليهم لكنهم لم يتولوا فلم يستبدل قوماً وهم العرب أهل اليمن أو العجم.

قاله الحسن وعكرمة لما روي أو رسول الله  سئل عن ذلك وكان سلمان إلى جنبه فضرب على فخذه وقال: هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس والله  أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ ﴾ اختلف في تأويل هذه الآية: قال بعضهم: قوله -  -: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ ﴾ أي: فلعلكم ﴿ إِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أي: وليتم أمر هذه الأمة ﴿ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ ﴾ قال ابن عباس -  -: قد كان هذا، وهم بنو أمية، ولوا أمر هذه الأمة ففعلوا ما ذكر من الفساد في الأرض وقطع الأرحام، وكان لهم اتصال برسول الله  ، وكان منهم ما ذكر، والله أعلم.

وقال بعضهم: إن الآية في المنافقين؛ كانوا يأتون رسول الله  ويسمعون منه ما قال، ثم إذا تولوا عنه كانوا يسعون في الأرض بالفساد وما ذكر؛ كقوله -  -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ  ﴾ .

وقال بعضهم: ما أراه إلا نزلت الآية في الحرورية، وهم الخوارج.

وجائز أن يكون هذا ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ  ﴾ وقد انقلبوا، على ما أخبر، وهو في أهل الردة، والله أعلم.

وقال قتادة: ﴿ فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ  ﴾ ، أي: طواعية الله ورسوله، وقول المعروف عند حقائق الأمور خير لهم، ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ يقول: إن توليتم عن كتابي وطاعتي ﴿ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله، ألم يسفكوا الدماء الحرام، وقطعوا الأرحام، وعصوا الرحمن، وأكلوا المال الحرام؟!

ويحتمل أن تكون الآية في الذين آمنوا برسول الله  قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ اللعن: هو الطرد عن الرحمة، وهو كقوله لإبليس: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ  ﴾ أي: أنت مطرود عن رحمتي، وقوله -  -: ﴿ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ أي: طردهم عن رحمته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ ﴾ أي: أصمهم حتى لم يسمعوا سماع الاعتبار والتفكر، وأعمى أبصارهم حتى لم ينظروا فيما عاينوا نظر اعتبار وتفكر ما لو تفكروا وتأملوا ونظروا نظر معتبر، لأدركوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ...

﴾ الآية.

فيه أنهم لو تدبروا وتأملوا فيه، لأدركوا ما فيه.

وفيه - أيضاً - أنهم لو تدبروا العذاب لفتح تلك الأقفال التي ذكر أنها عليها، وذهب بها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ ﴾ أي: على قلوب أقفالها.

ثم يحتمل أقفالها: الظلمة التي فيها، وهي ظلمة الكفر، تلك الظلمة تغطي نور البصر ونور السمع.

وجائز أن يكون ما ذكر من الأقفال هي كناية عن الطبع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ ﴾ أي: زين، أضاف التزيين مرة إلى الشيطان، ومرة إلى نفسه، فما يفهم من تزيين الشيطان غير الذي يفهم من تزيين الله -  - كالإضلال المضاف إلى الله -  - والمضاف إلى الشيطان، فالمفهوم من إضلال الله غير المفهوم من إضلال الشيطان؛ فعلى ذلك التزيين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ ﴾ أي: أخرهم وأمهلهم إلى أجل ووقت؛ كقوله -  -: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 178]، أي: يؤخرهم؛ ليكون ما ذكر، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى...

﴾ الآية، جائز أن تكون الآية في اليهود؛ لما ذكرنا أنهم كانوا آمنوا به قبل أن يبعث؛ كقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ...

﴾ الآية [البقرة: 89]، ارتدوا على أدبارهم من بعد ما آمنوا به واتبعوه.

وجائز أن تكون في المنافقين، ارتدوا على أدبارهم، وأظهروا الخلاف بعد وفاة رسول الله  بعدما أظهروا الموافقة في حياته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ ٱلأَمْرِ ﴾ قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ﴾ إن كان راجعاً إلى قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ ﴾ فإن كان المراد بذلك اليهود - فالمعنى فيه غير المعنى لو كان في المنافقين.

وإن كان قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ﴾ راجعا إلى قوله: ﴿ ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ فإذا احتمل ذلك الوجهين، فلا نفسره أنه إلى ماذا يرجع.

ثم قال بعضهم: الذين كرهوا ما نزل الله هم المنافقون، قالوا لليهود: سنطيعكم في تكذيب محمد والمظاهرة عليه.

وقال بعضهم: هم اليهود، ظاهروا سائر الكفرة على محمد  وأصحابه،  م.

ثم كراهة نزول ما أنزل الله على رسوله - عليه الصلاة والسلام - كان من اليهود وجميع الكفرة؛ لقوله -  -: ﴿ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ﴾ هذا يدل على أنه لا يفسر قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ ﴾ ولا يشار على أنه أراد كذا، ورجع إلى كذا؛ لما أخبر الله -  - أنه هو العالم بما أسروا، ولم يبين ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَٰنَهُ ﴾ لا أحد يقصد قصد اتباع سخط الله، ولا كراهة رضوانه، لكنهم لما اتبعوا الفعل الذي كان الله يسخط ذلك الفعل، فكأنهم اتبعوا سخطه، وكذلك إذا تركوا اتباع ما كان الله يرضاه وكرهوه فكأنهم كرهوا رضوانه، وهو كقوله -  -: ﴿ لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ  ﴾ ، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكنهم لما اتبعوه فيما يأمرهم ويدعوهم إليه فكأنهم عبدوه، وهو تسمية الشيء باسم سببه، واللغة غير ممتنعة عن تسمية الشيء باسم سببه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ التي كانت قبل ارتدادهم في حال اتباعهم إياه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فهلَّا تدبر هؤلاء المُعْرِضون القرآنَ وتأمَّلوا ما فيه؟!

فلو تدبروه لدلّهم على كل خير، وأبعدهم عن كل شرّ، أم على قلوب هؤلاء أقفالها قد أحكم إغلاقها، فلا تصل إليها موعظة، ولا تنفعها ذكرى؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.83XPV"

مزيد من التفاسير لسورة محمد

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.5 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
الحمد لله