الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ٢٥ من سورة محمد
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 61 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٥ من سورة محمد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى : ( إن الذين ارتدوا على أدبارهم ) أي : فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفر ، ( من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم ) أي : زين لهم ذلك وحسنه ، ( وأملى لهم ) أي : غرهم وخدعهم
وقوله ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ) يقول الله عزّ وجلّ إن الذين رجعوا القهقرى على أعقابهم كفارا بالله من بعد ما تبين لهم الحقّ وقصد السبيل, فعرفوا واضح الحجة, ثم آثروا الضلال على الهدى عنادا لأمر الله تعالى ذكره من بعد العلم.
كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ) هم أعداء الله أهل الكتاب, يعرفون بعث محمد نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأصحابه عندهم, ثم يكفرون به.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ) إنهم يجدونه مكتوبا عندهم.
وقال آخرون: عنى بذلك أهل النفاق.
* ذكر من قال ذلك: حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ )...
إلى قوله فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ هم أهل النفاق.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثنى عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ )...
إلى إِسْرَارَهُمْ هم أهل النفاق.
وهذه الصفة بصفة أهل النفاق عندنا, أشبه منها بصفة أهل الكتاب, وذلك أن الله عزّ وجلّ أخبر أن ردّتهم كانت بقيلهم لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَـزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ ولو كانت من صفة أهل الكتاب, لكان في وصفهم بتكذيب محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم الكفاية من الخبر عنهم بأنهم إنما ارتدّوا من أجل قيلهم ما قالوا.
وقوله ( الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ) يقول تعالى ذكره: الشيطان زين لهم ارتدادهم على أدبارهم, من بعد ما تبين لهم الهدى.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ) يقول: زين لهم.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( سَوَّلَ لَهُمْ ) يقول: زين لهم.
وقوله ( وَأَمْلَى لَهُمْ ) يقول: ومدّ الله لهم في آجالهم مُلاوة من الدهر, ومعنى الكلام: الشيطان سوّل لهم, والله أملى لهم.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الحجاز والكوفة ( وَأَمْلَى لَهُمْ ) بفتح الألف منها بمعنى: وأملى الله لهم.
وقرأ ذلك بعض أهل المدينة والبصرة ( وَأُمْلِيَ لَهُمْ ) على وجه ما لم يسمّ فاعله.
وقرأ مجاهد فيما ذُكر عنه ( وَأُمْلِي ) بضم الألف وإرسال الياء على وجه الخبر من الله جلّ ثناؤه عن نفسه أنه يفعل ذلك بهم.
وأولى هذه القراءات بالصواب, التي عليها عامة قرّاء الحجاز والكوفة من &; 22-182 &; فتح الألف في ذلك, لأنها القراءة المستفيضة في قراءة الأمصار, وإن كان يجمعها مذهب تتقارب معانيها فيه.
قوله تعالى : إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم .قال قتادة : هم كفار أهل الكتاب ، كفروا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بعدما عرفوا نعته عندهم ، قاله ابن جريج .
وقال ابن عباس والضحاك والسدي : هم المنافقون ، قعدوا عن القتال بعدما علموه في القرآن .الشيطان سول لهم أي زين لهم خطاياهم ، قاله الحسن .
وأملى لهم أي مد لهم الشيطان في الأمل ووعدهم طول العمر ، عن الحسن أيضا .
وقال : إن الذي أملى لهم في الأمل ومد في آجالهم هو الله عز وجل ، قاله الفراء والمفضل .
وقال الكلبي ومقاتل : إن معنى أملى لهم أمهلهم ، فعلى هذا يكون الله تعالى أملى لهم بالإمهال في عذابهم .
وقرأ أبو عمرو وابن إسحاق وعيسى بن عمرو وأبو جعفر وشيبة ( وأملي لهم ) بضم الهمزة وكسر اللام وفتح الياء ، على ما لم يسم فاعله .
وكذلك قرأ ابن هرمز ومجاهد والجحدري ويعقوب ، إلا أنهم سكنوا الياء على وجه الخبر من الله تعالى عن نفسه أنه يفعل ذلك بهم ، كأنه قال : وأنا أملي لهم .
واختاره أبو حاتم ، قال : لأن فتح الهمزة يوهم أن الشيطان يملي لهم ، وليس كذلك ، فلهذا عدل إلى الضم .
قال المهدوي : ومن قرأ وأملى لهم فالفاعل اسم الله تعالى .
وقيل : الشيطان .
واختار أبو عبيد قراءة العامة ، قال : لأن المعنى معلوم ، لقوله : لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه رد التسبيح على اسم الله ، والتوقير والتعزير على اسم الرسول .
يخبر تعالى عن حالة المرتدين عن الهدى والإيمان على أعقابهم إلى الضلال والكفران، ذلك لا عن دليل دلهم ولا برهان، وإنما هو تسويل من عدوهم الشيطان وتزيين لهم، وإملاء منه لهم: { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا }
( إن الذين ارتدوا على أدبارهم ) رجعوا كفارا ( من بعد ما تبين لهم الهدى ) قال قتادة : هم كفار أهل الكتاب كفروا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - بعد ما عرفوه ووجدوا نعته في كتابهم .
وقال ابن عباس ، والضحاك ، والسدي : هم المنافقون .
( الشيطان سول لهم ) زين لهم القبيح ( وأملى لهم ) قرأ أهل البصرة بضم الألف وكسر اللام وفتح الياء على ما لم يسم فاعله ، وقرأ مجاهد بإرسال الياء على وجه الخبر من الله - عز وجل - عن نفسه أنه يفعل ذلك ، وتروى هذه القراءة عن يعقوب ، وقرأ الآخرون : " وأملى لهم " بفتح الألف ، أي : وأملى الشيطان لهم ، مد لهم في الأمل .
«إن الذين ارتدوا» بالنفاق «على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سوَّل» أي زيَّن «لهم وأَُملى لهم» بضم أوله وبفتحه واللام والمملي الشيطان بإرادته تعالى فهو المضل لهم.
إن الذين ارتدُّوا عن الهدى والإيمان، ورجعوا على أعقابهم كفارًا بالله من بعد ما وَضَح لهم الحق، الشيطان زيَّن لهم خطاياهم، ومدَّ لهم في الأمل.
ثم تواصل السورة حديثها عن النمافقين ، فتفصح عن الأسباب التى حملتهم على هذا النفاق ، وتصور أحوالهم السيئة عندما تتوفاهم الملائكة ، وتهددهم بفضح رذائلهم ، وهتك أسرارهم .
.
قال - تعالى - : ( إِنَّ الذين ارتدوا .
.
.
وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ ) .والمراد بارتدادهم على أدبارهم : رجوعهم إلى ما كانوا عليه من كفر وضلال .أى : إن الذين رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والضلال ، وهم المنافقون ، الذين يتظاهرون بالإِسلام ويخفون الكفر .وقوله : ( َمِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى ) ذم لهم على هذا الارتداد ، لأنهم لم يعودوا إلى الكفر عن جهالة ، وإنما عادوا إليه من بعد أن شاهدوا الدلائل الظاهرة ، والبراهين الساطعة على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صادق فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن الإِسلام هو الدين الحق .وقوله : ( الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ وأملى لَهُمْ ) جملة من مبتدأ وخبر ، وهى خبر إن فى قوله - سبحانه - : ( إِنَّ الذين ارتدوا ) .وقوله : ( سَوَّلَ ) من التسويل بمعنى التزيين والتسهيل .
يقال : سولت لفلان نفسه هذا الفعل ، أى : زينته وحسنته له ، وصورته له فى صورة الشئ الحسن مع أنه قبيح .وقوله : ( وأملى ) من الإِملاء وهو الإِبقاء ملاوة من الدهر ، أى : زمنا منه أى : الشيطان زين لهؤلاء المنافقين سوء أعمالهم ، ومد لهم فى الأمانى الباطلة ، والآمال الفاسدة ، وأسباب الغواية والضلال .وأسند - سبحانه - هذا التسويل والإِملاء إلى الشيطان ، مع أن الخالق لذلك هو الله - تعالى - لأن الشيطان هو السبب فى هذا الضلال والخسران .
إشارة إلى أهل الكتاب الذين تبين لهم الحق في التوراة بنعت محمد صلى الله عليه وسلم وبعثه وارتدوا، أو إلى كل من ظهرت له الدلائل وسمعها ولم يؤمن، وهم جماعة منعهم حب الرياسة عن اتباع محمد عليه السلام وكانوا يعلمون أنه الحق ﴿ الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ سهل لهم ﴿ وأملى لَهُمْ ﴾ يعني قالوا نعيش أياماً ثم نؤمن به، وقرئ ﴿ وأملى لَهُمْ ﴾ فإن قيل الإملاء والإمهال وحد الآجال لا يكون إلا من الله، فكيف يصح قراءة من قرأ ﴿ وأملى لَهُمْ ﴾ فإن المملي حينئذ يكون هو الشيطان نقول الجواب عنه من وجهين: أحدهما: جاز أن يكون المراد ﴿ وأملى لَهُمْ ﴾ الله فيقف على ﴿ سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ .
وثانيها: هو أن المسول أيضاً ليس هو الشيطان، وإنما أسند إليه من حيث إن الله قدر على يده ولسانه ذلك، فذلك الشيطان يمليهم ويقول لهم في آجالكم فسحة فتمتعوا برياستكم ثم في آخر الأمر تؤمنون، وقرئ ﴿ وأملى لَهُمْ ﴾ بفتح الياء وضم الهمزة على البناء للمفعول.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبراً لأنّ، كقولك: إنّ زيداً عمرو مرّ به.
سوّل لهم: سهل لهم ركوب العظائم، من السول وهو الاسترخاء، وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعاً ﴿ وأملى لَهُمْ ﴾ ومدّ لهم في الآمال والأماني.
وقرئ: ﴿ وأملى لهم ﴾ يعني: إنّ الشيطان يغويهم وأنا أنظرهم، كقوله تعالى: ﴿ إنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ ﴾ [آل عمران: 178] وقرئ: ﴿ وأملى لهم ﴾ على البناء للمفعول، أي: أمهلوا ومدّ في عمرهم.
وقرئ: ﴿ سوّل لهم ﴾ ، ومعناه: كيد الشيطان زين لهم على تقدير حذف المضاف.
فإن قلت: من هؤلاء؟
قلت: اليهود كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم من بعد ما تبين لهم الهدى، وهو نعته في التوراة.
وقيل: هم المنافقون.
الذين قالوا: هم اليهود، والذين كرهوا ما نزل الله: المنافقون.
وقيل عكسه، وأنه قول المنافقين لقريظة والنضير: لئن أخرجتم لنخرجنّ معكم.
وقيل: ﴿ بَعْضِ الأمر ﴾ : التكذيب برسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بلا إله إلا الله، أو ترك القتال معه.
وقيل: هو قول أحد الفريقين للمشركين: سنطيعكم في التظافر على عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود عن الجهاد معه.
ومعنى: ﴿ فِى بَعْضِ الأمر ﴾ في بعض ما تأمرون به.
أو في بعض الأمر الذي يهمكم ﴿ والله يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ﴾ وقرئ: ﴿ إسرارهم ﴾ على المصدر، قالوا ذلك سراً فيما بينهم، فأفشاه الله عليهم.
فكيف يعملون وما حيلتهم حينئذٍ؟
وقرئ: ﴿ توفاهم ﴾ ويحتمل أن يكون ماضياً، ومضارعاً قد حذفت إحدى تاءيه، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين توفاهم الملئكة ﴾ [النساء: 97] .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لا يتوفى أحد على معصية الله إلا يضرب من الملائكة في وجهه ودبره ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارة إلى التوفي الموصوف ﴿ مَآ أَسْخَطَ الله ﴾ من كتمان نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
و ﴿ رِضْوَانَهُ ﴾ : الإيمان برسول الله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ ﴾ أيْ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ.
﴿ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى ﴾ بِالدَّلائِلِ الواضِحَةِ والمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ.
﴿ الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ سَهَّلَ لَهُمُ اقْتِرافَ الكَبائِرِ مِنَ السَّوْلِ وهو الِاسْتِرْخاءُ.
وَقِيلَ: حَمَلَهم عَلى الشَّهَواتِ مِنَ السُّولِ وهو التَّمَنِّي، وفِيهِ أنَّ السُّولَ مَهْمُوزٌ قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا لِضَمِّ ما قَبْلَها ولا كَذَلِكَ التَّسْوِيلُ، ويُمْكِنُ رَدُّهُ بِقَوْلِهِمْ: هُما يَتَساوَلانِ وقُرِئَ «سَوَّلَ» عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ كَيْدُ الشَّيْطانِ سَوَّلَ لَهم.
﴿ وَأمْلى لَهُمْ ﴾ ومَدَّ لَهم في الآمالِ والأمانِيِّ، أوْ أمْهَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ لِقِراءَةِ يَعْقُوبَ وأُمْلِي لَهُمْ، أيْ وأنا أُمْلِي لَهم فَتَكُونُ الواوُ لِلْحالِ أوِ الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأُمْلِيَ لَهم عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وهو ضَمِيرُ الشَّيْطانِ أوْ لَهم.
﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ ﴾ أيْ قالَ اليَهُودُ لِلَّذِينِ كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ نَعْتُهُ لِلْمُنافِقِينَ، أوِ المُنافِقُونَ لَهم أوْ أحَدُ الفَرِيقَيْنِ لِلْمُشْرِكِينَ.
﴿ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ ﴾ في بَعْضِ أُمُورِكم أوْ في بَعْضِ ما تَأْمُرُونَ بِهِ كالقُعُودِ عَنِ الجِهادِ والمُوافَقَةِ في الخُرُوجِ مَعَهم إنْ أُخْرِجُوا، والتَّظافُرِ عَلى الرَّسُولِ .
﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ ﴾ ومِنها قَوْلُهم هَذا الَّذِي أفْشاهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ إسْرارَهم عَلى المَصْدَرِ.
<div class="verse-tafsir"
{إِنَّ الذين ارتدوا على أدبارهم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى} أي المنافقون رجعوا إلى الكفر سراً بعد وضوح الحق لهم {الشيطان سَوَّلَ} زين {لَهُمْ} جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبر الان نحو إن زيداً عمرو مر به {وأملى لَهُمْ} ومدّ لهم في الآمال والأماني وَأُمْلِىَ ابو عمر واى امهلوا ومد في عمرهم
﴿ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ ﴾ أيْ رَجَعُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ في مُنافِقِينَ كانُوا أسْلَمُوا ثُمَّ نافَقَتْ قُلُوبُهُمْ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ هُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ وُصِفُوا فِيما سَلَفَ بِمَرَضِ القُلُوبِ وغَيْرِهِ مِن قَبائِحِ الأحْوالِ فَإنَّهم قَدْ كَفَرُوا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى ﴾ بِالدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ القاهِرَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وجَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: هم أعْداءُ اللَّهِ تَعالى أهْلُ الكِتابِ يَعْرِفُونَ بَعْثَ النَّبِيِّ ويَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ثُمَّ يَكْفُرُونَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا ﴾ إلَخْ اليَهُودُ ارْتَدَوْا عَنِ الهُدى بَعْدَ أنْ عَرَفُوا أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَبِيٌّ، والمُخْتارُ ما تَقَدَّمَ، وأيًّا ما كانَ فالمَوْصُولُ اسْمُ إنَّ وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ خَبَرُها كَقَوْلِكَ: إنَّ زَيْدًا عَمْرٌو مَرَّ بِهِ أيْ سَهَّلَ لَهم رُكُوبَ العَظائِمِ مِنَ السَّوَلِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو الِاسْتِرْخاءُ اسْتُعِيرَ لِلتَّسْهِيلِ أيْ لِعَدِّهِ سَهْلًا هَيِّنًا حَتّى لا يُبالى بِهِ كَأنَّهُ شُبِّهَ بِإرْخاءِ ما كانَ مَشْدُودًا، وقِيلَ: أيْ حَمْلُهم عَلى الشَّهَواتِ مِنَ السَّوَلِ وهو التَّمَنِّي، وأصْلُهُ حَمْلُهم عَلى سُؤْلِهِمْ أيْ ما يَشْتَهُونَهُ ويَتَمَنَّوْنَهُ فالتَّفْعِيلُ لِلْحَمْلِ عَلى المَصْدَرِ كَغَرَبَهُ إذا حَمَلَهُ عَلى الغُرْبَةِ إلّا أنَّهم جَعَلُوا المَصْدَرَ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ السَّوَلَ بِمَعْنى التَّمَنِّي مِنَ السُّؤالِ فَهو مَهْمُوزٌ والتَّسْوِيلَ واوِيٌّ ومَعْناهُ التَّزْيِينُ فَلا مُناسَبَةَ لا لَفْظًا ولا مَعْنًى فالقَوْلُ بِاشْتِقاقِ سَوَّلَ مِنهُ خَطَأٌ، ورُدَّ بِأنَّ السَّوَلَ مِنَ السُّؤالِ ولَهُ اسْتِعْمالانِ فَيَكُونُ مَهْمُوزًا وهو المَعْرُوفُ ومُعْتَلًّا يُقالُ سَألَ يَسْألُ كَخافَ يَخافُ وقالُوا مِنهُ: يَتَساوَلانِ بِالواوِ فَيَجُوزُ كَوْنُ التَّسْوِيلِ مِنَ السَّوَلِ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ أوْ هو عَلى المَشْهُورَةِ خُفِّفَ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ثُمَّ التَزَمَ، ونَظِيرُهُ تَدَيَّرَ مِنَ الدّارِ لِاسْتِمْرارِ القَلْبِ في دِيارٍ وكَذَلِكَ تَحَيَّزَ لِاسْتِمْرارِ القَلْبِ في حَيِّزٍ ويَكُونُ مَآلُ المَعْنى عَلى هَذا حَمْلَهم عَلى الشَّهَواتِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( سُوِّلَ لَهُمْ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ كَيْدُ الشَّيْطانِ سَوَّلَ لَهُمْ، وجُوِّزَ تَقْدِيرُهُ سَوَّلَ كَيْدُهُ لَهم فَحُذِفَ وقامَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ مَقامَهُ فارْتَفَعَ واسْتَتَرَ، قِيلَ: وهو أوْلى لِأنَّهُ تَقْدِيرٌ في وقْتِ الحاجَةِ ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ أقَلُّ تَكَلُّفًا.
﴿ وأمْلى لَهُمْ ﴾ أيْ ومَدَّ لَهُمُ الشَّيْطانُ في الأمانِي والآمالِ، ومَعْنى المَدِّ فِيها تَوْسِيعُها وجَعْلُها مَمْدُودَةً بِنَفْسِها أوْ بِزَمانِها بِأنْ يُوَسْوِسَ لَهم بِأنَّكم تَنالُونَ في الدُّنْيا كَذا وكَذا مِمّا لا أصْلَ لَهُ حَتّى يَعُوقَهم عَنِ العَمَلِ، وأصْلُ الإمْلاءِ الإبْقاءُ مِلاوَةٌ مِنَ الدَّهْرِ أيْ بُرْهَةٌ، ومِنهُ قِيلَ: المَعْنى وعَدَهم بِالبَقاءِ الطَّوِيلِ، وجَعَلَ بَعْضُهم فاعِلَ ( أمْلى ) ضَمِيرَهُ تَعالى، والمَعْنى أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ وفِيهِ تَفْكِيكٌ لَكِنْ أُيِّدَ بِقِراءَةِ مُجاهِدٍ وابْنِ هُرْمُزَ والأعْمَشِ وسَلّامٍ ويَعْقُوبَ (وأُمْلِي) بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ مُضارِعُ أمْلى فَإنَّ الفاعِلَ حِينَئِذٍ ضَمِيرُهُ تَعالى عَلى الظّاهِرِ والأصْلُ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ماضِيًا مَجْهُولًا مِنَ المَزِيدِ سُكِّنَ آخِرُهُ لِلتَّخْفِيفِ كَما قالُوا في بَقِيَ بَقِي بِسُكُونِ الياءِ.
وعَلى الظّاهِرِ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ وأنْ تَكُونَ لِلْحالِ ويُقَدَّرُ مُبْتَدَأٌ بَعْدَها أيْ وأنا أُمْلِي لِئَلّا يَكُونَ شاذًّا كَقُمْتُ وأصَكَّ وجْهَهُ، وجُوِّزَتِ الحالِيَّةُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ أيْضًا عَلى جَعْلِ الفاعِلِ ضَمِيرَهُ تَعالى فَحِينَئِذٍ تُقَدَّرُ قَدْ عَلى المَشْهُورِ.
وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ والجَحْدَرِيُّ وشَيْبَةُ وأبُو عَمْرٍو وعِيسى (وأُمْلِي) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ فَلَهُمْ: نائِبُ الفاعِلِ أيْ أُمْهِلُوا ومُدَّ في أعْمارِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الشَّيْطانِ والمَعْنى أمْهَلَ الشَّيْطانُ لَهم أيْ جُعِلَ مِنَ المُنْظَرِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لِأجْلِهِمْ فَفِيهِ بَيانٌ لِاسْتِمْرارِ ضَلالِهِمْ وتَقْبِيحِ حالِهِمْ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ يعني: أفلا يسمعون القرآن، ويعتبرون به، ويتفكرون فيما أنزل الله تعالى فيه، من وعد ووعيد، وكثرة عجائبه، حتى يعلموا أنه من الله تعالى، وتقدس.
أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها يعني: بل على قلوب أقفالها.
يعني: أقفل على قلوبهم ومعناه: أن أعمالهم لغير الله ختم على قلوبهم.
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ يعني: رجعوا إلى الشرك مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى يعني: من بعد ما ظهر لهم الإسلام.
قال قتادة: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ وهم أهل الكتاب عرفوا نعت النبيّ ، وكفروا به.
ويقال: نزلت في المرتدين.
ثم قال عز وجل: الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ يعني: زين لهم ترك الهدى، وزين لهم الضلالة.
وَأَمْلى لَهُمْ ذلِكَ قرأ أبو عمرو: وَأُمْلِى بضم الألف، وكسر اللام، وفتح الياء على معنى فعل ما لم يسم فاعله.
والباقون وَأَمْلى بنصب اللام، والألف.
يعني: أمهل الله لهم، فلم يعاقبهم حين كذبوا محمدا .
ويقال: زَيَّنَ لهم الشيطان، وأملى لهم الشيطان.
يعني: خيل لهم تطويل المدة، والبقاء.
وقرأ يعقوب الحضرمي: وَأُمْلِى بضم الألف، وكسر اللام، وسكون الياء.
ومعناه: أنا أملي يعني: أطول لهم المدة كما قال: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً ثم قال ذلك: يعني: اللعن، والصمم، والعمى، والتزين، والإملاء.
بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ وهم المنافقون، قالوا ليهود بني قريظة والنضير وهم الذين كرهوا ما نزل الله.
يعني: تركوا الإيمان بما أنزل الله من القرآن، سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ يعني: سنغنيكم في بعض الأمر، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ فيما قالوا فيما بينهم.
قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية حفص: إِسْرارَهُمْ بكسر الألف.
والباقون: بالنصب.
فمن قرأ: بالنصب.
فهو جمع السر.
ومن قرأ: بالكسر، فهو مصدر أسررت إسراراً.
ويقال: سر وأسرار.
ثم خوفهم فقال الله تعالى: فَكَيْفَ يعني: كيف يصنعون إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يعني: تقبض أرواحهم الملائكة، ملك الموت، وأعوانه، يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ يعني: عند قبض الأرواح.
ويقال: يعني: يوم القيامة في النار.
ذلِكَ أي: ذلك الضرب الذي نزل بهم عند الموت، وفي النار.
بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ يعني: اتبعوا الكفر، وتكذيب محمد .
وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ يعني: عملوا بما لم يرض الله به، وتركوا العمل بما يرضي الله تعالى.
فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ يعني: أبطل ثواب أعمالهم.
قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني: أيظن أهل النفاق، والشك، أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ يعني: لم يظهر الله نفاقهم.
ويقال: يعني: الغش الذي في قلوبهم للمؤمنين، وعداوتهم للنبي .
وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ يعني: لعرفتك المنافقين، وأعلمتك، فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ يعني: بعلاماتهم الخبيثة.
ويقال: فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ إذا رأيتهم.
ويقال: لو نشاء، لجعلنا على المنافقين علامة، فلعرفتهم بسيماهم.
يعني: حتى عرفتهم.
وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ يعني: ستعرفهم يا محمد بعد هذا اليوم فِي لَحْنِ الْقَوْلِ يعني: في محاورة الكلام.
ويقال: فِي لَحْنِ الْقَوْلِ يعني: كذبهم إذا تكلموا، فلم يخف على النبيّ بعد نزول هذه الآية، منافق عنده إلا عرفه بكلامه.
ثم قال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ يعني: لم يخف عليه أعمالكم قبل أن تعملوها، فكيف يخفى عليه إذا عملتموها.
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ يعني: لنختبرنكم عند القتال حَتَّى نَعْلَمَ أي: نميز الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ يعني: صبر الصابرين عند القتال وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ يعني: نختبر أعمالكم.
ويقال: أسراركم.
قرأ عاصم في رواية أبي بكر وَلَيَبْلُونَّكُم حَتَّى يَعْلَمَ وَيَبْلُوَا الثلاثة كلها بالياء.
يعني: يختبركم الله.
والباقون الثلاثة كلها بالنون على معنى الإضافة إلى نفسه.
قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: جحدوا وَصَدُّوا يعني: صرفوا الناس عن دين الإسلام عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قال مقاتل: يعني: اليهود.
وقال الكلبي: يعني: رؤساء قريش حيث شاقوا أهل التوحيد وَشَاقُّوا الرَّسُولَ يعني: عادوا الله تعالى، ورسوله، وخالفوا رسول الله في الدين مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى يعني: الإسلام، وأمر النبي أنه الحق لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يعني: لن ينقصوا الله من ملكه شيئاً بكفرهم، بل يضروا بأنفسهم وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ يعني: يبطل ثواب أعمالهم التي عملوا في الدنيا، فلا يقبلها منهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المُنافِقُونَ، وهو الظّاهِرُ.
والثّانِي: مُنافِقُو اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: الخَوارِجُ، قالَهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ.
والرّابِعُ: قُرَيْشٌ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الإعْراضِ.
فالمَعْنى: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإسْلامِ ﴿ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ ﴾ بِأنْ تَعُودُوا إلى الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، ويُغِيرُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الوِلايَةِ لِأُمُورِ النّاسِ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى "أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ": بِالجَوْرِ والظُّلْمِ.
وَقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَتَقْطَعُوا" بِفَتْحِ التّاءِ والطّاءِ وتَخْفِيفِها وسُكُونِ القافِ.
ثُمَّ ذَمَّ مَن يُرِيدُ ذَلِكَ بِالآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ [النِّساءِ: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها ﴾ "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، وذِكْرُ الأقْفالِ اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ أنَّ القَلْبَ يَكُونُ كالبَيْتِ المُقْفَلِ لا يَصِلُ إلَيْهِ الهُدى.
[قالَ مُجاهِدٌ]: الرّانُ أيْسَرُ مِنَ الطَّبْعِ، والطَّبْعُ أيْسَرُ مِنَ الإقْفالِ، والإقْفالُ أشَدُّ ذَلِكَ كُلِّهِ، وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: مامِن آدَمِيٍّ إلّا ولَهُ أرْبَعُ أعْيُنٍ، عَيْنانِ في رَأْسِهِ لِدُنْياهُ وما يُصْلِحُهُ مِن مَعِيشَتِهِ، وعَيْنانِ في قَلْبِهِ لِدِينِهِ وما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الغَيْبِ، فَإذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أبْصَرَتْ عَيْناهُ اللَّتانِ في قَلْبِهِ، وإذا أرادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ طُمِسَ عَلَيْهِما، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ ﴾ أيْ: رَجَعُوا كُفّارًا؛ وفِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
﴿ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما وضَحَ لَهُمُ الحَقُّ.
ومَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ، قالَ: مِن بَعْدِ أنْ تَبَيَّنَ لَهم وصْفُ رَسُولِ اللَّهِ ونَعْتُهُ في كِتابِهِمْ.
و سَوَّلَ بِمَعْنى زَيَّنَ.
﴿ وَأمْلى لَهُمْ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "وَأُمْلِيَ لَهُمْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ وبَعْدَها ياءٌ مَفْتُوحَةٌ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ إلّا زَيْدًا، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما أسْكَنا الياءَ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ.
وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الإمْلاءِ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٨، الأعْرافِ: ١٨٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: الأمْرُ ذَلِكَ، أيْ: ذَلِكَ الإضْلالُ بِقَوْلِهِمْ ﴿ لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ ﴾ وفي الكارِهِينَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، فَعَلى هَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: في القُعُودِ عَنْ نُصْرَةِ مُحَمَّدٍ ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: في المَيْلِ إلَيْكم والمُظاهَرَةِ عَلى مُحَمَّدٍ .
والثّالِثُ: في الِارْتِدادِ بَعْدَ الإيمانِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، فَعَلى هَذا في الَّذِي أطاعُوهم فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: في أنْ لا يُصَدِّقُوا شَيْئًا مِن مَقالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: في كَتْمِ ما عَلِمُوهُ مِن نُبُوَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ: بِكَسْرِ الألِفِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ أسْرَرْتُ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِفَتْحِها عَلى أنَّهُ جَمْعُ سِرٍّ، والمَعْنى أنَّهُ يَعْلَمُ ما بَيْنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ مِنَ السِّرِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم حِينَئِذٍ؟
وقَدْ بَيَّنّا في [الأنْفالِ: ٥٠] مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ ﴾ أيْ: كَرِهُوا ما فِيهِ الرِّضْوانِ، وهو الإيمانُ والطّاعَةُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى الشَيْطانُ سَوَّلَ لَهُمُ وأمْلى لَهُمُ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ واللهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ ﴾ ﴿ فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ﴾ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ، وتَدَبُّرُ القُرْآنِ.
زَعِيمٌ بِالتَبْيِينِ والهُدى، و"أمْ" مُنْقَطِعَةٌ وهي المَقَدَّرَةُ بِبَلْ وألِفُ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها ﴾ اسْتِعارَةٌ لِلرَّيْنِ الَّذِي مَنَعَهُمُ الإيمانُ، ويُرْوى «أنَّ وفْدَ اليَمَنِ وفَدَ عَلى النَبِيِّ وفِيهِمْ شابٌّ، فَقَرَأ رَسُولُ اللهِ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ الفَتى: عَلَيْها أقْفالُها حَتّى يَفْتَحَها اللهُ ويُفَرِّجَها، قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: فَعَظُمَ في عَيْنِي، فَما زالَتْ في نَفْسِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ حَتّى ولِيَ الخِلافَةَ فاسْتَعانَ بِذَلِكَ الفَتى.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ ﴾ الآيَةُ، قالَ قَتادَةُ: إنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ كانُوا قَدْ عَرَفُوا مِنَ التَوْراةِ أمْرَ مُحَمَّدٍ وتَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى بِهَذا الوَجْهِ، فَلَمّا باشَرُوا أمْرَهُ حَسَدُوهُ فارْتَدُّوا عن ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الهُدى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ في مُنافِقِينَ كانُوا أسْلَمُوا ثُمَّ نافَقَتْ قُلُوبُهُمْ، والآيَةُ تَعُمُّ كُلَّ مَن دَخَلَ في ضِمْنِ لَفْظِها غابِرَ الدَهْرِ، و"سَوَّلَ" مَعْناهُ: رَجاهم سُؤْلُهم وأمانِيهِمْ، وقالَ أبُو الفَتْحِ عن أبِي عَلِيٍّ: أنَّهُ بِمَعْنى: دَلّاهُمْ، مَأْخُوذٌ مِنَ السَوَلِ: وهو الِاسْتِرْخاءُ والتَدَلِّي، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "وَأمْلى لَهُمْ"، ﴾ وأمالَ ابْنُ كَثِيرٍ، وشِبْلُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ "أمْلى"، وفاعِلُ "أمْلى" هُنا قالَ الحَسَنُ: هو الشَيْطانُ، جَعَلَ وعْدَهُ الكاذِبَ بِالبَقاءِ كالإبْقاءِ، وذَلِكَ أنَّ الإمْلاءَ هو الإبْقاءُ مِلاوَةً مِنَ الدَهْرِ، يُقالُ: مِلاوَةٌ ومُلاوَةٌ ومَلاوَةٌ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِها وكَسْرِها، وهي القِطْعَةُ مِنَ الزَمانِ، ومِنهُ "المَلَوانِ"، وهُما اللَيْلُ والنَهارُ، فَإذا أمْلى الشَيْطانُ إمْلاءً لا صِحَّةَ لَهُ إلّا بِطَمَعِهِمُ الكاذِبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ في "أمْلى" اللهُ عَزَّ وجَلَّ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: الشَيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ، وأمْلى اللهُ لَهُمْ، وحَقِيقَةُ الإمْلاءِ إنَّما هو بِيَدِ اللهِ تَعالى، وهَذا هو الأرْجَحُ.
وقَرَأ الأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ: "وَأُمْلِي لَهُمْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللامِ وإرْسالِ ياءِ المُتَكَلِّمِ، ورَواها الخِفافُ عن أبِي عَمْرٍو، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "وَأُمْلِيَ" بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةُ شَيْبَةَ، وابْنِ سِيرِينَ، والجَحْدَرِيِّ، وعِيسى البَصَرِيِّ، وعِيسى الهَمَذانِيِّ، وهَذا يَحْتَمِلُ فاعِلَهُ مِنَ الخِلافِ ما في القِراءَةِ الأُولى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا ﴾ ، ورُوِيَ أنَّ قَوْمًا مِن قُرَيْظَةَ والنَضِيرَ كانُوا يَعُدُّونَ المُنافِقِينَ في أمْرِ رَسُولِ اللهِ والخِلافُ عَلَيْهِ بِنَصْرٍ ومُوازَرَةٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ ﴾ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أسْرارَهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وذَلِكَ عَلى جَمْعِ "سَرٍّ" لِأنَّ أسْرارَهم كانَتْ كَثِيرَةً، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إسْرارَهُمْ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وعِيسى، وهو مَصْدَرُ اسْمِ الجِنْسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَتَوَعَّدُوا بِها، وأنَّها عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما هَذا هَلَعُهم وجَزَعُهم لِفَرْضِ القِتالِ وقِراعِ الأعْداءِ، فَكَيْفَ فَزَعُهم وجَزَعُهم إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ؟
والثانِي أنْ يُرِيدَ: هَذِهِ مَعاصِيهِمْ وعِنادُهم وكُفْرُهُمْ، فَكَيْفَ تَكُونُ حالُهم مَعَ اللهِ تَعالى إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ؟
وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: واللهُ أعْلَمُ بِإسْرارِهِمْ، فَكَيْفَ عِلْمُهُ بِها إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ؟
وهم هُنا مَلَكُ المَوْتِ والمُتَصَرِّفُونَ مَعَهُ، والضَمِيرُ في "يَضْرِبُونَ" لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ فَذَلِكَ ضَعِيفٌ.
و ﴿ ما أسْخَطَ اللهَ ﴾ هو الكُفْرُ، و"الرِضْوانُ" هُنا: الشَرْعُ والحَقُّ المُؤَدِّي إلى الرِضْوانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ ﴾ ، وقَرَأ الأعْمَشُ: فَكَيْفَ إذا تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ.
<div class="verse-tafsir"
لم يزل الكلام على المنافقين فالذين ارتدوا على أدبارهم منافقون، فيجوز أن يكون مراداً به قوم من أهل النفاق كانوا قد آمنوا حقا ثم رجعوا إلى الكفر لأنهم كانوا ضعفاء الإيمان قليلي الاطمئنان وهم الذين مثلهم الله في سورة البقرة (17) بقوله: ﴿ مَثَلهم كمثل الذين استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ﴾ الآية.
والارتداد على الأدبار على هذا الوجه: تمثيل للراجع إلى الكفر بعد لإيمان بحال من سار ليصل إلى مكان ثم ارتد في طريقه.
ولما كان الارتداد سيراً إلى الجهة التي كانت وراء السائر جُعل الارتداد إلى الأدبار، أي إلى جهة الأدبار.
وجيء بحرف على} للدلالة على أن الارتداد متمكن من جهة الأدبار كما يقال: على صراط مستقيم.
والهدى: الإيمان، وتبيّن الهدى لهم على هذا الوجه تبيّن حقيقي لأنهم ما آمنوا إلا بعد أن تبين لهم هدى الإيمان.
وعلى هذا الوجه فالإتيان بالموصول والصلة ليس إظهاراً في مقام الإضمار لأن أصحاب هذه الصلة بعض الذين كان الحديث عنهم فيما تقدم.
ويجوز أن يكون مراداً به جميعُ المنافقين، عبر عن تصميمهم على الكفر بعد مشاركتهم المسلمين في أحوالهم في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة معه وسماععِ القرآن والمواعظ بالارتداد لأنه مفارقة لتلك الأحوال الطيبة، أي رجعوا إلى أقوال الكفر وأعماله وذلك إذا خلوا إلى شياطينهم، وتبين الهدى على هذا الوجه كونه بيّناً في نفسه، وهو بيّن لهم لوضوح أدلته ولا غبار عليه، فهذا التبين من قبيل قوله تعالى: ﴿ ذلك الكتاب لا ريب فيه ﴾ [البقرة: 2]، أي ليس معه ما يوجب ريب المرتابين.
ويجوز أن يكون المراد به قوماً من المنافقين لم يقاتلوا مع المسلمين بعد أن علموا أن القتال حق.
وهذا قول ابن عباس والضحاك والسدّي، وعليه فلعل المراد: الجماعة الذين انخزلوا يوم أُحُد مع عبد الله بن أُبَيّ بن سلول، والارتداد على الأدْبار على هذا الوجه حقيقة لأنهم رجعوا عن موقع القتال بعد أن نزلوا به فرجعوا إلى المدينة وكانت المدينة خلفهم.
وهذا عندي أظهر الوجهين وأليق بقوله بعد ﴿ وأدبارهم ﴾ [محمد: 26، 27].
والهدى على هذا الوجه هو الحقّ، أي من بعد ما علموا أن الحق قتال المشركين.
وأوثر أن يكون خبر (إنَّ) جملة ليتاتَّى بالجملة اشتمالها على خصائص الابتداءِ باسم الشيطان للاهتمام به في غرض ذمهم، وأن يسند إلى اسمه مُسند فعلي ليفيد تقوّي الحكم نحو: هو يعطي الجزيل.
والتسويل: تسهيل الأمر الذي يستشعر منه صعوبة أو ضر وتزيين ما ليس بحسن.
والإملاء: المدّ والتمديد في الزمان، ويطلق على الإبقاء على الشيء كثيراً، أي أراهم الارتداد حسناً دائماً كما حكى عنه في قوله تعالى: ﴿ قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخُلد ومُلك لا يبلى ﴾ [طه: 120]، أي أن ارتدادهم من عمل الشيطان.
وقرأ الجمهور ﴿ وأملى لهم ﴾ بفتح الهمزة على صيغة المبني للفاعل.
وقرأه أبو عمرو بضم الهمزة وكسر اللام وفتح التحتية على صيغة المبني إلى المجهول.
وقرأه يعقوب بضم الهمزة وكسر اللام وسكون التحتية على أنه مسند إلى المتكلم فالضمير عائد إلى الله تعالى، أي الشيطان سَوّل لهم وأنا أُملِي لهم فيكون الكلام وعيداً، أي أنا أؤخرهم قليلاً ثم أعاقبهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ مِن بَعْدِ ما عَلِمُوا في التَّوْراةِ أنَّهُ نَبِيٌّ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: المُنافِقُونَ قَعَدُوا عَنِ القِتالِ مِن بَعْدِ ما عَلِمُوهُ في القُرْآنِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أعْطاهم سُؤالَهم، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: زَيَّنَ لَهم خَطاياهم، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ وَأمْلى لَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أمْهَلَهم، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ فَعَلى هَذا يَكُونُ اللَّهُ تَعالى هو الَّذِي أمْلى لَهم بِالإمْهالِ في عَذابِهِمْ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى أمْلى لَهم أيْ مَدَّ لَهم في الأمَلِ فَعَلى هَذا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي أمْلى لَهم في الأمَلِ، قالَهُ الفَرّاءُ والمُفَضَّلُ.
الثّانِي: أنَّ الشَّيْطانَ هو الَّذِي أمْلى لَهم في مَدِّ الأمَلِ بِالتَّسْوِيفِ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ ﴾ وفي قائِلِ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ قالُوا لِلْمُنافِقِينَ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ.
وَفِيما أرادُوا بِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَنُطِيعُكم في ألّا نُصَدِّقَ بِشَيْءٍ، مِن مَقالَتِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: سَنُطِيعُكم في كَتْمِ ما عَلِمْنا مِن نُبُوَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ قالُوا لِلْيَهُودِ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ، وفِيما أرادُوهُ بِذَلِكَ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: سَنُطِيعُكم في غَيْرِ القِتالِ مِن بُغْضِ مُحَمَّدٍ والقُعُودِ عَنْ نُصْرَتِهِ، قالَ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: سَنُطِيعُكم في المَيْلِ إلَيْكم والمُظاهَرَةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ .
الثّالِثُ: سَنُطِيعُكم في الِارْتِدادِ بَعْدَ الإيمانِ.
﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما أسَرَّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ مِن هَذا القَوْلِ.
الثّانِي: ما أسَرُّوهُ في أنْفُسِهِمْ مِن هَذا الِاعْتِقادِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالقِتالِ نُصْرَةً لِرَسُولِ اللَّهِ .
الثّانِي: بِقَبْضِ الأرْواحِ عِنْدَ المَوْتِ.
﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ ﴾ يَكُونُ عَلى احْتِمالِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم في القِتالِ عِنْدَ الطَّلَبِ وأدْبارَهم عِنْدَ الهَرَبِ.
الثّانِي: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم عِنْدَ المَوْتِ بِصَحائِفِ كُفْرِهِمْ، وأدْبارَهم في القِيامَةِ عِنْدَ سَوْقِهِمْ إلى النّارِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ﴾ قال: هم أعداء الله أهل الكتاب يعرفون نعت محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه عندهم ويجدونه مكتوباً في التوراة والإِنجيل، ثم يكفرون به ﴿ الشيطان سوّل لهم ﴾ قال: زين لهم ﴿ ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله ﴾ قال: هم المنافقون.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ﴾ قال: اليهود ارتدوا عن الهدى بعد أن عرفوا أن محمداً صلى الله عليه وسلم نبي، ﴿ الشيطان سوّل لهم وأملى لهم ﴾ قال: أملى الله لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله قال: يهود تقول للمنافقين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يسرون إليهم إنا ﴿ سنطيعكم في بعض الأمر ﴾ وكان بعض الأمر أنهم يعلمون أن محمداً نبي وقالوا اليهودية الدين فكان المنافقون يطيعون اليهود بما أمرتهم ﴿ والله يعلم إسرارهم ﴾ قال: ذلك سر القول ﴿ فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ قال: عند الموت.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن الذين ارتدوا على أدبارهم...
إلى إسرارهم ﴾ هم أهل النفاق.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ قال: يضربون وجوههم وأستاهم، ولكن الله كريم يكني.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ ﴾ رجعوا كفاراً ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ﴾ يعني: اليهود، ظهر لهم أمر النبي - - بنعته وصفته في كتابه، وكانوا يعرفونه لما دعاهم إلى دينه كفروا به.
هذا قول الكلبي (١) (٢) (٣) وقال السدي والضحاك: يعني المنافقين (٤) ثم قال: ﴿ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ قال ابن عباس: زين لهم القبيح (٥) (٦) قوله: ﴿ وَأَمْلَى لَهُمْ ﴾ يعني الإملاء في اللغة: الترفيه في العمر، والمد فيه (٧) ﴿ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴾ قال مقاتل: يعني: وأمهل الله لهم (٨) (٩) ﴿ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ .
والمعنى: لم يعجل عليهم العقوبة وأمهلهم موسعاً عليهم ليتمادوا في طغيانهم، جزاء لهم على ما فعلوا، وقرأ أبو عمرو: (وأملِيَ لهم) بضم الهمزة وفتح الياء على ما لم يسم فاعله.
قال أبو الحسن الأخفش: هي خشنة في المعنى، يريد أن هذه القراءة فصل بين فعل الشيطان وفعل الله تعالى، حيث بني الفعل للمفعول ويعلم يقيناً أنه لا يؤخر أحد مدة أحد، ولا يوسع له فيها إلا الله سبحانه (١٠) (١١) (١٢) (١) انظر: "تنوير المقباس" ص 509.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 49.
(٣) أخرج ذلك الطبري عن قتادة.
انظر: "تفسيره" 13/ 58، وأورده الثعلبي في "تفسيره" ونسبه لقتادة 10/ 129/ ب، وكذلك البغوي نسبة لقتادة 7/ 287.
(٤) أخرج ذلك الطبري 13/ 58 عن الضحاك، ونسبة الثعلبي لابن عباس والضحاك والسدي.
انظر: "تفسيره"10/ 129 ب، وكذلك نسبه إليهم البغوي في "تفسيره" 7/ 288، والقرطبي في الجامع 16/ 249.
(٥) ذكر ذلك البغوي ولم ينسبه.
انظر: "تفسيره" 7/ 288، وقال القرطبي في "الجامع": زين لهم خطاياهم، ونسبه للحسن.
انظر: "الجامع" 16/ 249.
(٦) قال الأزهري: قال الله جل وعز: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ﴾ أي زينت لكم أنفسكم أمرًا غير ما تصفون وكأن التسويل تفعيل من سول الإنسان، وهو أمنيته التي يتمناها فتزين لطالبها الباطل والغرور.
انظر: "تهذيب اللغة" (سول) 13/ 66.
(٧) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 288، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 249.
(٨) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 49.
(٩) انظر: "تفسير أبي الليث" 3/ 245، و"تنوير المقباس" ص 509، و"الجامع الأحكام القرآن" 16/ 249.
(١٠) انظر: "الحجة" 6/ 194، 196، "الكشف" لمكي 2/ 278، ولم أقف عليه عند الأخفش.
(١١) انظر: "القطع والائتناف" ص 667، "المكتفى" ص 525.
(١٢) انظر قول الحسن في "القطع والائتناف" ص 667، "تفسير الماوردي" 5/ 303.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الذين ارتدوا على أَدْبَارِهِمْ ﴾ نزلت في المنافقين الذين نافقوا بعد إسلامهم وقيل: نزلت في قوم من اليهود، كانوا قد عرفوا نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة ثم كفروا به ﴿ سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ أي زيَّن لهم ورجّاهم ومنّاهم و ﴿ وأملى لَهُمْ ﴾ أي مدَّ لهم في الأماني والآمال، والفاعل هو الشيطان وقيل: الله تعالى والأول أظهر، لتناسب الضمير بين الفاعلين، في سوّل وأملى ﴿ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمر ﴾ قال ذلك اليهود للمنافقين، وبعض الأمر: يعنون به مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاربته ﴿ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة ﴾ أي كيف يكون حالهم إذا توفتهم الملائكة؟
يعني ملك الموت ومن معه، والفاء رابطة للكلام مع ما قبله.
والمعنى: هذا جزعهم من ذكر القتال، فكيف يكون حالهم عند الموت؟
﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ ﴾ ضمير الفاعل للملائكة، وقيل: إنه للكفار أي يضربون وجوه أنفسهم وذلك ضعيف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وتقطعوا ﴾ بالتخفيف من القطع: سهل ويعقوب.
والآخرون: بالتشديد من التقطيع ﴿ وأملى لهم ﴾ مبنياً للمفعول ماضياً: أبو عمرو ويعقوب ﴿ وأملى ﴾ مضارعاً مبنياً للفاعل: سهل ورويس.
الباقون: ماضياً مبنياً للفاعل ﴿ إسرارهم ﴾ بكسر الهمز على المصدر: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ وليبلونكم حتى يعلم ﴾ ﴿ ويبلوا ﴾ بالياءات: أبو بكر وحماد.
الآخرون: بالنون في الكل.
وقرأ يعقوب ﴿ ونبلو ﴾ بالنون مرفوعاً ﴿ السلم ﴾ بكسر السين: حمزة وخلف وأبو بكر وحماد.
الوقوف: ﴿ والمؤمنات ﴾ ط ﴿ ومثواكم ﴾ ه ﴿ نزلت سورة ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ القتال ﴾ لا ﴿ الموت ﴾ ط للابتداء بالدعاء عليهم ﴿ لهم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون الأولى بمعنى الأقرب كما يجيء ﴿ معروف ﴾ قف ﴿ الأمر ﴾ ز لاحتمال أن التقدير فإذا عزم الأمر كذبوا وخالفوا ﴿ خيراً لهم ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ أرحامكم ﴾ ه ﴿ أبصارهم ﴾ ه ﴿ أقفالها ﴾ ه ﴿ الهدى ﴾ لا لأن الجملة بعده خبر "إن" ﴿ سوّل لهم ﴾ ط لأن فاعل ﴿ وأملى ﴾ ضمير اسم الله ويجوز الوصل على جعله حالاً وقد أملى، أو على أن فاعله ضمير الشيطان من حيث أنه يمنيهم ويعدهم، والوقف أجوز واعزم.
والحال على قراءة ﴿ وأملى ﴾ بفتح الياء أجوز والوقف به جائز، ومن سكن الياء فالوقف به أليق لأن المستقبل لا ينعطف على الماضي.
ومع ذلك لو جعل حالاً على تقدير وأنا أملي جاز ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ الأمر ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً والوقف أجوز لأن الله يعلم الأسرار في الأحوال كلها ﴿ إسرارهم ﴾ ه ﴿ وأدبارهم ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ أضغانهم ﴾ ه ﴿ بسيماهم ﴾ ط للابتداء بما هو جواب القسم ﴿ القول ﴾ ط ﴿ أعمالكم ﴾ ه ﴿ والصابرين ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ونبلو ﴾ بسكون الواو أي ونحن نبلو ﴿ أخباركم ﴾ ه ﴿ الهدى ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ أعمالكم ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ إلى السلم ﴾ قف قد قيل: على أن قوله ﴿ وأنتم ﴾ مبتدأ، وجعله حالاً أولى ﴿ الأعلون ﴾ قف كذلك ﴿ أعمالكم ﴾ ه قف ﴿ ولهو ﴾ ط ﴿ أموالكم ﴾ ه ﴿ أضغانكم ﴾ ه ﴿ سبيل الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع الفاء ﴿ من يبخل ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ الفقراء ﴾ ه للشرط مع العطف ﴿ غيركم ﴾ لا للعطف ﴿ أمثالكم ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر حال الفريقين المؤمن والكافر من السعادة والشقاوة قال لنبيه : فاثبت على ما أنت عليه من التوحيد ومن هضم النفس باستغفار ذنبك أو ذنوب أمتك.
أو المراد فاعلم خبراً يقيناً على ما علمته نظراً واستدلالاً.
أو أراد فاذكر لا إله إلا الله.
والهاء في ﴿ أنه ﴾ لله أو للأمر والشأن، أو الأول إشارة إلى أصول الحكمة النظرية، والثاني إلى أصول الحكمة العملية، أمره بالحكمة العملية بعد الحكمة النظرية.
عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فتلا هذه الآية.
وذلك أنه أمر بالعمل بعد العلم.
والفاءات في هذه الآية وما تقدّمها لعطف جملة على جملة بينهما اتصال.
وفي الآية نكتة وهي أن النبي له أحوال ثلاث: حال مع الله وهي توحيده، وحال مع نفسه وهي طلب العصمة من الذنوب وأن يستر الله عليه جنس الآثام حتى لا يقع فيها، وحال مع غيره وهي طلب ستر الذنوب عليهم بعد وقوعهم فيها أو أعم ويندرج فيها الشفاعة.
ثم قال ﴿ والله يعلم متقلبكم ومثواكم ﴾ فقيل: التقلب في الأسفار والمثوى في الحضر.
وقيل: أراد منتشركم في النهار ومستقركم بالليل.
وقيل: الأوّل في الدنيا والثاني في الآخرة.
وقيل: لكل متقلب مثوى فيتقلب من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ثم إلى الدنيا ثم إلى القبر ثم إلى الجنة أو النار.
والمقصود بيان كمال علمه بحال الخلائق فعليهم أن لا يهملوا دقائق الطاعة والخشية ويواظبوا على طلب المغفرة خوفاً من التقصير في العبودية.
ثم ذكر طرفاً آخر من نصائح أهل النفاق ومن ينخرط في سلكهم من ضعفة الإسلام، وذلك أنهم كانوا يدّعون الحرص على الجهاد ويقولون بألسنتهم ﴿ لولا نزلت ﴾ سورة في باب القتال ﴿ فإذا أنزلت سورة محكمة ﴾ مبينة غير متشابهة لا تحتمل النسخ ﴿ وذكر فيها القتال ﴾ عن قتادة: كل سورة ذكر فيها القتال فهي محكمة وهي أشدّها على المنافقين.
قال أهل البرهان: نزل بالتشديد أبلغ من أنزل فخص بهم ليكون أدل على حرصهم فيكون أبلغ في أبلغ في باب التوبيخ.
قوله ﴿ فأولى لهم ﴾ كلمة تحذير أي وليك شر فاحذره.
هذه عبارة كثير من المفسرين.
وقال المبرد: يقال للإنسان إذا كاد يعطب ثم يفلت: أولى لك.
أي قاربت العطب ثم نجوت.
وهو في الفرقان على معنى التحذير.
وقال جار الله: هو وعيد معناه فويل لهم والمراد الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه.
وقيل: أراد طاعة وقول معروف أولى من الجزع عند الجهاد فلا يكون للوعيد، وعلى هذا فلا وقف على ﴿ لهم ﴾ كما أشير إليه في الوقف.
واعترض عليه بأن الأفصح أن يستعمل وقتئذ بالباء لا مع اللام كما قال ﴿ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾ والأصح أنه فعل متعدٍ من الولي وهو القرب أي أولاه الله المكروه فاقتصر لكثرة الاستعمال.
ويحتمل أن يكون "فعلى" من آل يؤل أي يؤل أمرك إلى شر فاحذره.
ثم حثهم على الامتثال بقوله ﴿ طاعة وقول معروف ﴾ أي طاعة الله وقول حسن أو ما عرف صحته خير من الجزع عند فرض الجهاد فهو مبتدأ محذوف الخبر، أو أمرنا طاعة فيكون خبر مبتدأ محذوف كما مر في سورة النور في قوله ﴿ طاعة معروفة ﴾ ويجوز أن يكون أمراً للمنافقين أي قولوا طاعة وقول معروف.
﴿ فإذا عزم الأمر ﴾ أي جدّ وصار معزوماً عليه وهو إسناد مجازي لأن العزم لأصحاب أمر القتال.
ثم التفت وخاطب كفار قريش بقوله ﴿ فهل عسيتم ﴾ هو من أفعال المقاربة وقد مر وجوه استعمالاته في "البقرة" في قوله ﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ﴾ فنقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب ليكون أبلغ في التوبيخ ومعناه هل يتوقع منكم ﴿ إن توليتم ﴾ وأعرضتم عن الدين أو توليتم أمور الناس ﴿ أن تفسدوا في الأرض ﴾ بالمعاصي والافتراق بعد الاجتماع على الإسلام ﴿ وتقطعوا أرحامكم ﴾ بالقتل والعقوق ووأد البنات وسائر ما كنتم عليه في الجاهلية من أنواع الإفساد، وفي سلوك طريقة الاستخبار المسمى في غير القرآن بتجاهل العارف، إمالة لهم إلى طريق الإنصاف وحث لهم على التدبر وترك العصبية والجدال، فقد كانوا يقولون كيف يأمرنا النبي بالقتال والقتال إفناء لذوي أرحامنا وأقاربنا، فعرض الله بأنهم إن ولوا أمور الناس أو أعرضوا عن هذا الدين لم يصدر عنهم إلا القتل والنهب وسائر أبواب المفاسد كعادة أهل الجاهلية.
ثم صرح بما فعل الله بهم واستقر عليه حالهم فقال ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ بعدهم عن رحمته.
ثم بين نتيجة اللعن قائلاً ﴿ فأصمهم ﴾ أي عن قبول الحق بعد استماعه وهذا في الدنيا ﴿ وأعمى أبصارهم ﴾ أي في الآخرة أو عن رؤية الحق والنظر إلى المصنوعات.
قال بعض العلماء: إنما لم يقل فأصم آذانهم لأن الأذن عبارة عن الشحمة المعلقة، والسمع لا يتفاوت بوجود وعدمها، ولذلك يسمع مقطوع الأذن.
وأما الرؤية فتتعلق بالبصر نفسه، فالتأكيد هناك إنام يحصل بترك ذكر الأذن وههنا بذكر الأبصار والله أعلم.
قال جار الله: يجوز أن يريد بالذين آمنوا المؤمنين الخلص الثابتين وذلك أنهم كانوا يأنسون بالوحي.
فإذا أبطأ عليهم التمسوه، فإذا نزلت سورة في معنى الجهاد رأيت المنافقين يضجرون منها.
سؤال: لما أثبت لهم الصمم والعمى فكيف وبخهم بقوله ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ ؟
وأجيب على مذهب أهل السنة بأن تكليف ما لا يطاق جائز.ويمكن أن يقال: لما أخبر عنهم بما أخبر حكى أنهم بين أمرين: إما أن لا يتدبروا القرآن لأن الله أبعدهم عن الخير، وإما أن يدبروا لكن لا يدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة.
قال جار الله: إنام نكرت القلوب لأنه أريد البعض وهو قلوب المنافقين أو أريد على قلوب قاسية مبهم أمرها.
وإنما أضيفت الأقفال إلى ضمير القلوب لأنه أريد الأقفال المختصة بها وهي أقفال الكفر والعناد التي استغلقت فلا تنفخ.
ثم أخبر عن حال المنافقين أو اليهود الذين غيروا حالهم من بعد ما تبين لهم حقيقة الإسلام أو نعت محمد في التوراة فقال ﴿ إن الذين ارتدوا ﴾ الآية.
﴿ ذلك ﴾ الإملاء أو الإضلال أو الارتداد بسبب أنهم قالوا للذين كرهوا أي قال اليهود للمنافقين، أو قال المنافقون ليهود قريضة والنضير، أو قاله اليهود أو المنافقون للمشركين ﴿ سنطيعكم في بعض الأمر ﴾ الذي يهمكم كالتظافر على عداوة محمد والقعود عن الجهاد معه أو في بعض ما تأمرون به، وهو ما يتعلق بتكذيب محمد لا في إظهار الشرك واتخاذ الأصنام وإنكار المعاد ﴿ والله يعلم أسرارهم ﴾ فلذلك أفشى الذي قالوه سراً فيما بينهم وسيجازيهم على حسب ذلك يدل عليه قوله ﴿ فكيف ﴾ يعملون وما حيلتهم حين توفتهم ملائكة الموت ﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ التي كانوا يتقون أن يصيبها آفة في القتال، أو يضربون وجوههم عند الموت وأدبارهم عند السوق إلى النار.
وقيل: يضربون وجوههم عند الطلب وأدبارهم حين الهرب ﴿ ذلك ﴾ الإذلال والإهانة ﴿ بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه ﴾ كأنهم ضربوا وجوههم لأنهم أقبلوا على مواجب السخط، وضربوا أدبارهم لأنهم أعرضوا عما فيه رضا الله.
وقد يخص السخط بكتمان نعت الرسول ومعاونة أهل الشرك والرضا بالإيمان به والنصرة للمؤمنين.
وإنما قال ﴿ ما أسخط الله ﴾ ولم يقل "ما أرضى الله" لأن رحمته سبقت غضبه، فالرضا كالأمر الحاصل والإسخاط كالأمر المترتب على شيء.
ثم زاد في تعيير المنافقين بقوله ﴿ أم حسب ﴾ وهي منقطعة.
والضغن إضمار سوء يتربص به إمكان الفرصة.
وإخراج الإضغان إبرازها للرسول وللمؤمنين كما قال ﴿ ولو نشاء لأريناكهم ﴾ أي لو شئنا أريناك أماراتهم ﴿ فلعرفتهم ﴾ كررت لام جواب "لو" في المعطوف لأجل المبالغة ﴿ بسيماهم ﴾ بعلامتهم.
عن أنس أنه ما خفي على رسول الله بعد هذه الآية شيء من المنافقين، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة منهم يشكوهم الناس فناموا ذات ليلة وأصحبوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب "هذا منافق".
ومعنى لحن القول نحوه وأسلوبه وفحواه أي يقولون ما معناه النفاق كقولهم ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة ﴾ ﴿ إن بيوتنا عورة ﴾ أو لتعرفنهم في فحوى كلام الله حيث قال ما يعلم منه حال المنافقين كقوله ﴿ ومن الناس من يقول ﴾ ﴿ ومنهم من عاهد الله ﴾ وحقيقة اللحن ذهاب الكلام إلى خلاف جهته.
وقيل: اللحن أن تميل كلامك إلى نحو من الأنحاء ليفطن له صاحبك كالتعريض والتورية قال: ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا *** واللحن يعرفه ذوو الألباب ويقال للمخطىء لاحن لأنه يعدل بالكلام عن الصواب.
وقال الكلبي: لحن القول كذبه.
ولم يتكلم بعد نزولها منافق عند رسول الله إلا عرفه.
وعن ابن عباس هو قولهم ما لنا إن أطعنا من الثواب ولا يقولون ما علينا إن عصينا من العقاب ﴿ والله يعلم أعمالكم ﴾ فيميز خيرها من شرها وإخلاصها من نفاقها ﴿ ولنبلونكم ﴾ أي لنأمرنكم بما لا يكون متعيناً للوقوع بل يحتمل الوقوع واللاوقوع كما يفعل المختبر حتى يظهر المجاهد والصابر من المنافق والمضطرب.
﴿ ونبلو أخباركم ﴾ التي تحكي عنكم كقولكم ﴿ آمنا بالله وباليوم الآخر ﴾ أو عهودكم كقوله ﴿ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار ﴾ أو أسراركم أو ما ستفعلونه أو أخباركم الأراجيف كقوله ﴿ والمرجفون في المدينة ﴾ عن الفضل أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا.
ثم أنزل في اليهود من قريظة والنضير أو في رؤساء قريش المطعمين يوم بدر ﴿ إن الذين كفروا ﴾ الآية.
وأعمالهم طاعاتهم في زمن اليهودية، ومكايدهم التي نصبوها في عداوة الرسول أو إطعامهم.
ثم أمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله بالتوحيد والتصديق مع الإخلاص وأن لا يبطلوا إحسانهم بالمعاصي والرياء وبالمن والأذى.
عن أبي العالية قال: كان أصحاب النبي يرون إنه لا يضر مع "لا إله إلا الله" ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت الآية، فكانوا يخافون الكبائر على أعمالهم.
وعن قتادة: رضي الله عن عبد لم يحبط عمله الصالح بعمله السيء.
ثم أراد أن يبين أن أعمال المكلف إذا بطلت فإن فضل الله باقٍ يغفر له إن شاء ما لم يمت على الكفر فقال ﴿ إن الذين كفروا ﴾ الآية.
قال مقاتل: نزلت في رجل سأل النبي عن والده وقال: إنه كان محسناً في كفره.
وعن الكلبي: نزلت في رؤساء أهل بدر.
﴿ فلا تهنوا ﴾ لا تضعفوا ولا تجبنوا ﴿ وتدعوا إلى السلم ﴾ أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح.
ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار "أن" بعد الواو في جواب النهي ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ الغالبون المستولون عليهم ﴿ والله معكم ﴾ بالنصرة والكلاءة ﴿ ولن يتركم أعمالكم ﴾ أي لن ينقصكم جزاء أعمالكم من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلاً من ولد أو أخ أو قريب أو سلبت ماله وأصله من الوتر وهو الفرد، كأنك أفردته من قريبه أو ماله.
وفي الحديث " "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" " وهو من فصيح الكلام.
ثم زادهم حثاً على الجهاد بتحقير الدنيا في أعينهم وبأنه إنما يحثهم على الإيمان والجهاد وسائر أبواب التقوى لتعود فائدتها عليهم كما قال "خلقتكم لتربحوا عليّ لا لأربح عليكم" قوله ﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ أي كل أموالكم ولكنه يقتصر منها على ربع العشر، أو لا يسألكم أموالكم لنفسه ولكن لتكون زاداً لكم في المعاد.
وقيل: لا يسألكم أموالكم رسولي لنفسه.
وقيل: إنهم لا يملكون شيئاً وإن المال مال الله وهو المنعم بإعطائه.
والقول هو الأوّل لقوله ﴿ إن يسألكموها فيحفكم ﴾ أي يجهد كم يبلغ الغاية فيها من أحفى شاربه استأصله كأنه جعله حافياً مما في ملكه أي عارياً ﴿ تبخلوا ويخرج ﴾ الإحفاء أو الله على طريق التسبب ﴿ أضغانكم ﴾ أي تضطغنون على الرسل وتظهرون كراهة هذا الدين.
ثم بين أنه كيف يأمركم بإخراج كل المال وقد دعاكم إلى إنفاق البعض ﴿ فمنكم من يبخل ﴾ و"ها" للتنبيه وكرر مع أولاء للتوكيد وأنتم أولاء جملة مستقلة أي أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون.
ثم استأنف وصفهم كأنهم قالوا وما وصفنا فقيل ﴿ تدعون لتنفقوا في سبيل الله ﴾ وهو الزكاة أو الغزو، فمنكم ناس يبخلون به.
وقيل: ﴿ هؤلاء ﴾ موصول صلته ﴿ تدعون ﴾ وهو مذهب الكوفيين وقد سلف في "البقرة" و "آل عمران".
ثم قبح أمر البخل بقوله ﴿ ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ﴾ أي وباله على نفسه أو عن داعي ربه.
قال في الكشاف: يقال بخلت عليه وعنه.
وفيه نظر لأن البخل عن النفس لا يصح بهذا التفسير.
نعم لو قال عن ماله كان تفسيره مطابقاً.
ثم مدح نفسه بالغنى المطلق وبين بقوله ﴿ وأنتم الفقراء ﴾ أنه لا يأمر بالإنفاق لحاجته ولكن لفقركم إلى الثواب.
ثم هددهم بقوله ﴿ وإن تتولوا ﴾ وهو معطوف على ﴿ وإن تؤمنوا ﴾ ومعنى ﴿ يستبدل قوماً غيركم ﴾ يخلق قوماً سواكم راغبين فيما ترغبون عنه من الإيمان والتقوى كقوله ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ﴾ ومعنى " ثم " التراخي في الرتبة أي لا يكونون أشباهكم في حال توليكم.
وقيل: في جميع الأحوال.
وعن الكلبي: شرط في الاستبدال توليهم لكنهم لم يتولوا فلم يستبدل قوماً وهم العرب أهل اليمن أو العجم.
قاله الحسن وعكرمة لما روي أو رسول الله سئل عن ذلك وكان سلمان إلى جنبه فضرب على فخذه وقال: هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ ﴾ اختلف في تأويل هذه الآية: قال بعضهم: قوله - -: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ ﴾ أي: فلعلكم ﴿ إِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أي: وليتم أمر هذه الأمة ﴿ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ ﴾ قال ابن عباس - -: قد كان هذا، وهم بنو أمية، ولوا أمر هذه الأمة ففعلوا ما ذكر من الفساد في الأرض وقطع الأرحام، وكان لهم اتصال برسول الله ، وكان منهم ما ذكر، والله أعلم.
وقال بعضهم: إن الآية في المنافقين؛ كانوا يأتون رسول الله ويسمعون منه ما قال، ثم إذا تولوا عنه كانوا يسعون في الأرض بالفساد وما ذكر؛ كقوله - -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا...
﴾ إلى قوله: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ ﴾ .
وقال بعضهم: ما أراه إلا نزلت الآية في الحرورية، وهم الخوارج.
وجائز أن يكون هذا ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ وقد انقلبوا، على ما أخبر، وهو في أهل الردة، والله أعلم.
وقال قتادة: ﴿ فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ ، أي: طواعية الله ورسوله، وقول المعروف عند حقائق الأمور خير لهم، ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ يقول: إن توليتم عن كتابي وطاعتي ﴿ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله، ألم يسفكوا الدماء الحرام، وقطعوا الأرحام، وعصوا الرحمن، وأكلوا المال الحرام؟!
ويحتمل أن تكون الآية في الذين آمنوا برسول الله قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ اللعن: هو الطرد عن الرحمة، وهو كقوله لإبليس: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ أي: أنت مطرود عن رحمتي، وقوله - -: ﴿ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ أي: طردهم عن رحمته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ ﴾ أي: أصمهم حتى لم يسمعوا سماع الاعتبار والتفكر، وأعمى أبصارهم حتى لم ينظروا فيما عاينوا نظر اعتبار وتفكر ما لو تفكروا وتأملوا ونظروا نظر معتبر، لأدركوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ...
﴾ الآية.
فيه أنهم لو تدبروا وتأملوا فيه، لأدركوا ما فيه.
وفيه - أيضاً - أنهم لو تدبروا العذاب لفتح تلك الأقفال التي ذكر أنها عليها، وذهب بها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ ﴾ أي: على قلوب أقفالها.
ثم يحتمل أقفالها: الظلمة التي فيها، وهي ظلمة الكفر، تلك الظلمة تغطي نور البصر ونور السمع.
وجائز أن يكون ما ذكر من الأقفال هي كناية عن الطبع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ ﴾ أي: زين، أضاف التزيين مرة إلى الشيطان، ومرة إلى نفسه، فما يفهم من تزيين الشيطان غير الذي يفهم من تزيين الله - - كالإضلال المضاف إلى الله - - والمضاف إلى الشيطان، فالمفهوم من إضلال الله غير المفهوم من إضلال الشيطان؛ فعلى ذلك التزيين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ ﴾ أي: أخرهم وأمهلهم إلى أجل ووقت؛ كقوله - -: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ...
﴾ الآية [آل عمران: 178]، أي: يؤخرهم؛ ليكون ما ذكر، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى...
﴾ الآية، جائز أن تكون الآية في اليهود؛ لما ذكرنا أنهم كانوا آمنوا به قبل أن يبعث؛ كقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ...
﴾ الآية [البقرة: 89]، ارتدوا على أدبارهم من بعد ما آمنوا به واتبعوه.
وجائز أن تكون في المنافقين، ارتدوا على أدبارهم، وأظهروا الخلاف بعد وفاة رسول الله بعدما أظهروا الموافقة في حياته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ ٱلأَمْرِ ﴾ قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ﴾ إن كان راجعاً إلى قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ ﴾ فإن كان المراد بذلك اليهود - فالمعنى فيه غير المعنى لو كان في المنافقين.
وإن كان قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ﴾ راجعا إلى قوله: ﴿ ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ فإذا احتمل ذلك الوجهين، فلا نفسره أنه إلى ماذا يرجع.
ثم قال بعضهم: الذين كرهوا ما نزل الله هم المنافقون، قالوا لليهود: سنطيعكم في تكذيب محمد والمظاهرة عليه.
وقال بعضهم: هم اليهود، ظاهروا سائر الكفرة على محمد وأصحابه، م.
ثم كراهة نزول ما أنزل الله على رسوله - عليه الصلاة والسلام - كان من اليهود وجميع الكفرة؛ لقوله - -: ﴿ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ﴾ هذا يدل على أنه لا يفسر قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ ﴾ ولا يشار على أنه أراد كذا، ورجع إلى كذا؛ لما أخبر الله - - أنه هو العالم بما أسروا، ولم يبين ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَٰنَهُ ﴾ لا أحد يقصد قصد اتباع سخط الله، ولا كراهة رضوانه، لكنهم لما اتبعوا الفعل الذي كان الله يسخط ذلك الفعل، فكأنهم اتبعوا سخطه، وكذلك إذا تركوا اتباع ما كان الله يرضاه وكرهوه فكأنهم كرهوا رضوانه، وهو كقوله - -: ﴿ لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ ﴾ ، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكنهم لما اتبعوه فيما يأمرهم ويدعوهم إليه فكأنهم عبدوه، وهو تسمية الشيء باسم سببه، واللغة غير ممتنعة عن تسمية الشيء باسم سببه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ التي كانت قبل ارتدادهم في حال اتباعهم إياه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
إن الذين ارتدوا عن إيمانهم إلى الكفر والنفاق، من بعد ما قامت عليهم الحجة، وتبيّن لهم صدق النبي ، الشيطان هو الذي زين لهم الكفر والنفاق وسهَّله لهم، ومنّاهم بطول الأمل.
<div class="verse-tafsir" id="91.WyE5k"