تفسير الآية ٢٥ من سورة محمد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ٢٥ من سورة محمد

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَـٰرِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ۙ ٱلشَّيْطَـٰنُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ ٢٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 78 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢٥ من سورة محمد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة محمد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( إن الذين ارتدوا على أدبارهم ) أي : فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفر ، ( من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم ) أي : زين لهم ذلك وحسنه ، ( وأملى لهم ) أي : غرهم وخدعهم

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ) يقول الله عزّ وجلّ إن الذين رجعوا القهقرى على أعقابهم كفارا بالله من بعد ما تبين لهم الحقّ وقصد السبيل, فعرفوا واضح الحجة, ثم آثروا الضلال على الهدى عنادا لأمر الله تعالى ذكره من بعد العلم.

كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ) هم أعداء الله أهل الكتاب, يعرفون بعث محمد نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأصحابه عندهم, ثم يكفرون به.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ) إنهم يجدونه مكتوبا عندهم.

وقال آخرون: عنى بذلك أهل النفاق.

* ذكر من قال ذلك: حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ )...

إلى قوله فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ هم أهل النفاق.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثنى عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ )...

إلى إِسْرَارَهُمْ هم أهل النفاق.

وهذه الصفة بصفة أهل النفاق عندنا, أشبه منها بصفة أهل الكتاب, وذلك أن الله عزّ وجلّ أخبر أن ردّتهم كانت بقيلهم لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَـزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ ولو كانت من صفة أهل الكتاب, لكان في وصفهم بتكذيب محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم الكفاية من الخبر عنهم بأنهم إنما ارتدّوا من أجل قيلهم ما قالوا.

وقوله ( الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ) يقول تعالى ذكره: الشيطان زين لهم ارتدادهم على أدبارهم, من بعد ما تبين لهم الهدى.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ) يقول: زين لهم.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( سَوَّلَ لَهُمْ ) يقول: زين لهم.

وقوله ( وَأَمْلَى لَهُمْ ) يقول: ومدّ الله لهم في آجالهم مُلاوة من الدهر, ومعنى الكلام: الشيطان سوّل لهم, والله أملى لهم.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الحجاز والكوفة ( وَأَمْلَى لَهُمْ ) بفتح الألف منها بمعنى: وأملى الله لهم.

وقرأ ذلك بعض أهل المدينة والبصرة ( وَأُمْلِيَ لَهُمْ ) على وجه ما لم يسمّ فاعله.

وقرأ مجاهد فيما ذُكر عنه ( وَأُمْلِي ) بضم الألف وإرسال الياء على وجه الخبر من الله جلّ ثناؤه عن نفسه أنه يفعل ذلك بهم.

وأولى هذه القراءات بالصواب, التي عليها عامة قرّاء الحجاز والكوفة من &; 22-182 &; فتح الألف في ذلك, لأنها القراءة المستفيضة في قراءة الأمصار, وإن كان يجمعها مذهب تتقارب معانيها فيه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم .قال قتادة : هم كفار أهل الكتاب ، كفروا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بعدما عرفوا نعته عندهم ، قاله ابن جريج .

وقال ابن عباس والضحاك والسدي : هم المنافقون ، قعدوا عن القتال بعدما علموه في القرآن .الشيطان سول لهم أي زين لهم خطاياهم ، قاله الحسن .

وأملى لهم أي مد لهم الشيطان في الأمل ووعدهم طول العمر ، عن الحسن أيضا .

وقال : إن الذي أملى لهم في الأمل ومد في آجالهم هو الله عز وجل ، قاله الفراء والمفضل .

وقال الكلبي ومقاتل : إن معنى أملى لهم أمهلهم ، فعلى هذا يكون الله تعالى أملى لهم بالإمهال في عذابهم .

وقرأ أبو عمرو وابن إسحاق وعيسى بن عمرو وأبو جعفر وشيبة ( وأملي لهم ) بضم الهمزة وكسر اللام وفتح الياء ، على ما لم يسم فاعله .

وكذلك قرأ ابن هرمز ومجاهد والجحدري ويعقوب ، إلا أنهم سكنوا الياء على وجه الخبر من الله تعالى عن نفسه أنه يفعل ذلك بهم ، كأنه قال : وأنا أملي لهم .

واختاره أبو حاتم ، قال : لأن فتح الهمزة يوهم أن الشيطان يملي لهم ، وليس كذلك ، فلهذا عدل إلى الضم .

قال المهدوي : ومن قرأ وأملى لهم فالفاعل اسم الله تعالى .

وقيل : الشيطان .

واختار أبو عبيد قراءة العامة ، قال : لأن المعنى معلوم ، لقوله : لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه رد التسبيح على اسم الله ، والتوقير والتعزير على اسم الرسول .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن حالة المرتدين عن الهدى والإيمان على أعقابهم إلى الضلال والكفران، ذلك لا عن دليل دلهم ولا برهان، وإنما هو تسويل من عدوهم الشيطان وتزيين لهم، وإملاء منه لهم: { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن الذين ارتدوا على أدبارهم ) رجعوا كفارا ( من بعد ما تبين لهم الهدى ) قال قتادة : هم كفار أهل الكتاب كفروا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - بعد ما عرفوه ووجدوا نعته في كتابهم .

وقال ابن عباس ، والضحاك ، والسدي : هم المنافقون .

( الشيطان سول لهم ) زين لهم القبيح ( وأملى لهم ) قرأ أهل البصرة بضم الألف وكسر اللام وفتح الياء على ما لم يسم فاعله ، وقرأ مجاهد بإرسال الياء على وجه الخبر من الله - عز وجل - عن نفسه أنه يفعل ذلك ، وتروى هذه القراءة عن يعقوب ، وقرأ الآخرون : " وأملى لهم " بفتح الألف ، أي : وأملى الشيطان لهم ، مد لهم في الأمل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين ارتدوا» بالنفاق «على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سوَّل» أي زيَّن «لهم وأَُملى لهم» بضم أوله وبفتحه واللام والمملي الشيطان بإرادته تعالى فهو المضل لهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين ارتدُّوا عن الهدى والإيمان، ورجعوا على أعقابهم كفارًا بالله من بعد ما وَضَح لهم الحق، الشيطان زيَّن لهم خطاياهم، ومدَّ لهم في الأمل.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تواصل السورة حديثها عن النمافقين ، فتفصح عن الأسباب التى حملتهم على هذا النفاق ، وتصور أحوالهم السيئة عندما تتوفاهم الملائكة ، وتهددهم بفضح رذائلهم ، وهتك أسرارهم .

.

قال - تعالى - : ( إِنَّ الذين ارتدوا .

.

.

وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ ) .والمراد بارتدادهم على أدبارهم : رجوعهم إلى ما كانوا عليه من كفر وضلال .أى : إن الذين رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والضلال ، وهم المنافقون ، الذين يتظاهرون بالإِسلام ويخفون الكفر .وقوله : ( َمِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى ) ذم لهم على هذا الارتداد ، لأنهم لم يعودوا إلى الكفر عن جهالة ، وإنما عادوا إليه من بعد أن شاهدوا الدلائل الظاهرة ، والبراهين الساطعة على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صادق فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن الإِسلام هو الدين الحق .وقوله : ( الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ وأملى لَهُمْ ) جملة من مبتدأ وخبر ، وهى خبر إن فى قوله - سبحانه - : ( إِنَّ الذين ارتدوا ) .وقوله : ( سَوَّلَ ) من التسويل بمعنى التزيين والتسهيل .

يقال : سولت لفلان نفسه هذا الفعل ، أى : زينته وحسنته له ، وصورته له فى صورة الشئ الحسن مع أنه قبيح .وقوله : ( وأملى ) من الإِملاء وهو الإِبقاء ملاوة من الدهر ، أى : زمنا منه أى : الشيطان زين لهؤلاء المنافقين سوء أعمالهم ، ومد لهم فى الأمانى الباطلة ، والآمال الفاسدة ، وأسباب الغواية والضلال .وأسند - سبحانه - هذا التسويل والإِملاء إلى الشيطان ، مع أن الخالق لذلك هو الله - تعالى - لأن الشيطان هو السبب فى هذا الضلال والخسران .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

إشارة إلى أهل الكتاب الذين تبين لهم الحق في التوراة بنعت محمد صلى الله عليه وسلم وبعثه وارتدوا، أو إلى كل من ظهرت له الدلائل وسمعها ولم يؤمن، وهم جماعة منعهم حب الرياسة عن اتباع محمد عليه السلام وكانوا يعلمون أنه الحق ﴿ الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ سهل لهم ﴿ وأملى لَهُمْ ﴾ يعني قالوا نعيش أياماً ثم نؤمن به، وقرئ ﴿ وأملى لَهُمْ ﴾ فإن قيل الإملاء والإمهال وحد الآجال لا يكون إلا من الله، فكيف يصح قراءة من قرأ ﴿ وأملى لَهُمْ ﴾ فإن المملي حينئذ يكون هو الشيطان نقول الجواب عنه من وجهين: أحدهما: جاز أن يكون المراد ﴿ وأملى لَهُمْ ﴾ الله فيقف على ﴿ سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ .

وثانيها: هو أن المسول أيضاً ليس هو الشيطان، وإنما أسند إليه من حيث إن الله قدر على يده ولسانه ذلك، فذلك الشيطان يمليهم ويقول لهم في آجالكم فسحة فتمتعوا برياستكم ثم في آخر الأمر تؤمنون، وقرئ ﴿ وأملى لَهُمْ ﴾ بفتح الياء وضم الهمزة على البناء للمفعول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان ﴾ ويتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر ووعيد العصاة، حتى لا يجسروا على المعاصي، ثم قال: ﴿ أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ وأم بمعنى بل وهمزة التقرير، للتسجيل عليهم بأن قلوبهم مقفلة لا يتوصل إليها ذكر.

وعن قتادة: إذاً والله يجدوا في القرآن زاجراً عن معصية الله لو تدبروه، ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا.

فإن قلت: لم نكرت القلوب وأضيفت الأقفال إليها؟

قلت: أما التنكير ففيه وجهان: أن يراد على قلوب قاسية مبهم أمرها في ذلك.

أو يراد على بعض القلوب: وهي قلوب المنافقين.

وأما إضافة الأقفال؛ فلأنه يريد الأقفال المختصة بها، وهي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح.

وقرئ: ﴿ إقفالها ﴾ على المصدر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

.

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ﴾ أيْ هَلّا نُزِّلَتْ سُورَةٌ في أمْرِ الجِهادِ.

﴿ فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ ﴾ مُبَيَّنَةٌ لا تَشابُهَ فِيها.

﴿ وَذُكِرَ فِيها القِتالُ ﴾ أيِ الأمْرُ بِهِ.

﴿ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ ضَعْفٌ في الدِّينِ وقِيلَ: نِفاقٌ.

﴿ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ ﴾ جُبْنًا ومَخافَةً.

﴿ فَأوْلى لَهُمْ ﴾ فَوَيْلٌ لَهُمْ، أفْعَلُ مِنَ الوَلِيِّ وهو القُرْبُ، أوْ فَعْلى مَن آلَ ومَعْناهُ الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَلِيَهُمُ المَكْرُوهُ أوْ يَؤُولَ إلَيْهِ أمْرُهم.

﴿ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾ اسْتِئْنافٌ أيْ أمْرُهم طاعَةٌ أوْ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ خَيْرٌ لَهُمْ، أوْ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ لِقِراءَةِ أُبَيٍّ «يَقُولُونَ طاعَةٌ».

﴿ فَإذا عَزَمَ الأمْرُ ﴾ أيْ جَدَّ وهو لِأصْحابِ الأمْرِ، وإسْنادُهُ إلَيْهِ مَجازٌ وعامِلُ الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: ﴿ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ ﴾ أيْ فِيما زَعَمُوا مِنَ الحِرْصِ عَلى الجِهادِ أوِ الإيمانِ.

﴿ لَكانَ ﴾ الصِّدْقُ.

﴿ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ ﴾ فَهَلْ يُتَوَقَّعُ مِنكم.

﴿ إنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أُمُورَ النّاسِ وتَأمَّرْتُمْ عَلَيْهِمْ، أوِ أعْرَضْتُمْ وتَوَلَّيْتُمْ عَنِ الإسْلامِ.

﴿ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ ﴾ تَناحُرًا عَلى الوِلايَةِ وتَجاذُبًا لَها، أوْ رُجُوعًا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّغاوُرِ ومُقاتَلَةِ الأقارِبِ، والمَعْنى أنَّهم لِضَعْفِهِمْ في الدِّينِ وحِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا أحِقّاءُ بِأنْ يَتَوَقَّعَ ذَلِكَ مِنهم مَن عَرَفَ حالَهم ويَقُولُ لَهُمْ: هَلْ عَسَيْتُمْ، وهَذا عَلى لُغَةِ الحِجازِ فَإنَّ بَنِي تَمِيمٍ لا يُلْحِقُونَ الضَّمِيرَ بِهِ وخَبَرُهُ أنْ تُفْسِدُوا وإنْ تَوَلَّيْتُمُ اعْتِراضٌ، وعَنْ يَعْقُوبَ تَوَلَّيْتُمْ أيْ إنْ تَوَلّاكم ظَلَمَةٌ خَرَجْتُمْ مَعَهم وساعَدْتُمُوهم في الإفْسادِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وتُقَطِّعُوا مِنَ القَطْعِ، وقُرِئَ تَقَطَّعُوا مِنَ التَّقَطُّعِ.

﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ.

﴿ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ﴾ لِإفْسادِهِمْ وقَطْعِهِمُ الأرْحامَ.

﴿ فَأصَمَّهُمْ ﴾ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ.

﴿ وَأعْمى أبْصارَهُمْ ﴾ فَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلَهُ.

﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ﴾ يَتَصَفَّحُونَهُ وما فِيهِ مِنَ المَواعِظِ والزَّواجِرِ حَتّى لا يَجْسُرُوا عَلى المَعاصِي.

﴿ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها ﴾ لا يَصِلُ إلَيْها ذِكْرٌ ولا يَنْكَشِفُ لَها أمْرٌ، وقِيلَ: أمْ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها التَّقْرِيرُ، وتَنْكِيرُ القُلُوبِ لِأنَّ المُرادَ قُلُوبُ بَعْضٍ مِنهم أوْ لِلْإشْعارِ بِأنَّها لِإبْهامِ أمْرِها في القَساوَةِ، أوْ لِفَرْطِ جَهالَتِها ونُكْرِها كَأنَّها مُبْهَمَةٌ مَنكُورَةٌ وإضافَةُ الأقْفالِ إلَيْها لِلدَّلالَةِ عَلى أقْفالٍ مُناسِبَةٍ لَها مُخْتَصَّةٍ بِها لا تُجانِسُ الأقْفالَ المَعْهُودَةَ.

وقُرِئَ «إقْفالُها» عَلى المَصْدَرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ الذين ارتدوا على أدبارهم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى} أي المنافقون رجعوا إلى الكفر سراً بعد وضوح الحق لهم {الشيطان سَوَّلَ} زين {لَهُمْ} جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبر الان نحو إن زيداً عمرو مر به {وأملى لَهُمْ} ومدّ لهم في الآمال والأماني وَأُمْلِىَ ابو عمر واى امهلوا ومد في عمرهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ ﴾ أيْ رَجَعُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ في مُنافِقِينَ كانُوا أسْلَمُوا ثُمَّ نافَقَتْ قُلُوبُهُمْ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ هُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ وُصِفُوا فِيما سَلَفَ بِمَرَضِ القُلُوبِ وغَيْرِهِ مِن قَبائِحِ الأحْوالِ فَإنَّهم قَدْ كَفَرُوا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى ﴾ بِالدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ القاهِرَةِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وجَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: هم أعْداءُ اللَّهِ تَعالى أهْلُ الكِتابِ يَعْرِفُونَ بَعْثَ النَّبِيِّ  ويَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ثُمَّ يَكْفُرُونَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا ﴾ إلَخْ اليَهُودُ ارْتَدَوْا عَنِ الهُدى بَعْدَ أنْ عَرَفُوا أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَبِيٌّ، والمُخْتارُ ما تَقَدَّمَ، وأيًّا ما كانَ فالمَوْصُولُ اسْمُ إنَّ وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ خَبَرُها كَقَوْلِكَ: إنَّ زَيْدًا عَمْرٌو مَرَّ بِهِ أيْ سَهَّلَ لَهم رُكُوبَ العَظائِمِ مِنَ السَّوَلِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو الِاسْتِرْخاءُ اسْتُعِيرَ لِلتَّسْهِيلِ أيْ لِعَدِّهِ سَهْلًا هَيِّنًا حَتّى لا يُبالى بِهِ كَأنَّهُ شُبِّهَ بِإرْخاءِ ما كانَ مَشْدُودًا، وقِيلَ: أيْ حَمْلُهم عَلى الشَّهَواتِ مِنَ السَّوَلِ وهو التَّمَنِّي، وأصْلُهُ حَمْلُهم عَلى سُؤْلِهِمْ أيْ ما يَشْتَهُونَهُ ويَتَمَنَّوْنَهُ فالتَّفْعِيلُ لِلْحَمْلِ عَلى المَصْدَرِ كَغَرَبَهُ إذا حَمَلَهُ عَلى الغُرْبَةِ إلّا أنَّهم جَعَلُوا المَصْدَرَ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ السَّوَلَ بِمَعْنى التَّمَنِّي مِنَ السُّؤالِ فَهو مَهْمُوزٌ والتَّسْوِيلَ واوِيٌّ ومَعْناهُ التَّزْيِينُ فَلا مُناسَبَةَ لا لَفْظًا ولا مَعْنًى فالقَوْلُ بِاشْتِقاقِ سَوَّلَ مِنهُ خَطَأٌ، ورُدَّ بِأنَّ السَّوَلَ مِنَ السُّؤالِ ولَهُ اسْتِعْمالانِ فَيَكُونُ مَهْمُوزًا وهو المَعْرُوفُ ومُعْتَلًّا يُقالُ سَألَ يَسْألُ كَخافَ يَخافُ وقالُوا مِنهُ: يَتَساوَلانِ بِالواوِ فَيَجُوزُ كَوْنُ التَّسْوِيلِ مِنَ السَّوَلِ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ أوْ هو عَلى المَشْهُورَةِ خُفِّفَ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ثُمَّ التَزَمَ، ونَظِيرُهُ تَدَيَّرَ مِنَ الدّارِ لِاسْتِمْرارِ القَلْبِ في دِيارٍ وكَذَلِكَ تَحَيَّزَ لِاسْتِمْرارِ القَلْبِ في حَيِّزٍ ويَكُونُ مَآلُ المَعْنى عَلى هَذا حَمْلَهم عَلى الشَّهَواتِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( سُوِّلَ لَهُمْ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ كَيْدُ الشَّيْطانِ سَوَّلَ لَهُمْ، وجُوِّزَ تَقْدِيرُهُ سَوَّلَ كَيْدُهُ لَهم فَحُذِفَ وقامَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ مَقامَهُ فارْتَفَعَ واسْتَتَرَ، قِيلَ: وهو أوْلى لِأنَّهُ تَقْدِيرٌ في وقْتِ الحاجَةِ ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ أقَلُّ تَكَلُّفًا.

﴿ وأمْلى لَهُمْ ﴾ أيْ ومَدَّ لَهُمُ الشَّيْطانُ في الأمانِي والآمالِ، ومَعْنى المَدِّ فِيها تَوْسِيعُها وجَعْلُها مَمْدُودَةً بِنَفْسِها أوْ بِزَمانِها بِأنْ يُوَسْوِسَ لَهم بِأنَّكم تَنالُونَ في الدُّنْيا كَذا وكَذا مِمّا لا أصْلَ لَهُ حَتّى يَعُوقَهم عَنِ العَمَلِ، وأصْلُ الإمْلاءِ الإبْقاءُ مِلاوَةٌ مِنَ الدَّهْرِ أيْ بُرْهَةٌ، ومِنهُ قِيلَ: المَعْنى وعَدَهم بِالبَقاءِ الطَّوِيلِ، وجَعَلَ بَعْضُهم فاعِلَ ( أمْلى ) ضَمِيرَهُ تَعالى، والمَعْنى أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ وفِيهِ تَفْكِيكٌ لَكِنْ أُيِّدَ بِقِراءَةِ مُجاهِدٍ وابْنِ هُرْمُزَ والأعْمَشِ وسَلّامٍ ويَعْقُوبَ (وأُمْلِي) بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ مُضارِعُ أمْلى فَإنَّ الفاعِلَ حِينَئِذٍ ضَمِيرُهُ تَعالى عَلى الظّاهِرِ والأصْلُ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ماضِيًا مَجْهُولًا مِنَ المَزِيدِ سُكِّنَ آخِرُهُ لِلتَّخْفِيفِ كَما قالُوا في بَقِيَ بَقِي بِسُكُونِ الياءِ.

وعَلى الظّاهِرِ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ وأنْ تَكُونَ لِلْحالِ ويُقَدَّرُ مُبْتَدَأٌ بَعْدَها أيْ وأنا أُمْلِي لِئَلّا يَكُونَ شاذًّا كَقُمْتُ وأصَكَّ وجْهَهُ، وجُوِّزَتِ الحالِيَّةُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ أيْضًا عَلى جَعْلِ الفاعِلِ ضَمِيرَهُ تَعالى فَحِينَئِذٍ تُقَدَّرُ قَدْ عَلى المَشْهُورِ.

وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ والجَحْدَرِيُّ وشَيْبَةُ وأبُو عَمْرٍو وعِيسى (وأُمْلِي) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ فَلَهُمْ: نائِبُ الفاعِلِ أيْ أُمْهِلُوا ومُدَّ في أعْمارِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الشَّيْطانِ والمَعْنى أمْهَلَ الشَّيْطانُ لَهم أيْ جُعِلَ مِنَ المُنْظَرِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لِأجْلِهِمْ فَفِيهِ بَيانٌ لِاسْتِمْرارِ ضَلالِهِمْ وتَقْبِيحِ حالِهِمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ قال الزجاج: هذه الفاء جواب الجزاء.

ومعناه قد بينا ما يدل على توحيد الله، فاعلم أنه لا إله إلا الله، والنبي  قد علم أن الله تعالى واحد.

إنما خاطبه والمراد به أمته.

وقال: هذا الأمر للنبي  خاصة.

ومعناه.

فاثبت على إظهار قول لا إله إلا الله.

يعني: ادع الناس إلى ذلك.

ويقال: كان رسول الله  يقول: «لَيْتَنِي أَعْلَمُ أَيُّ الكَلامِ أَفْضَلُ وَأَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ.

فَأَعْلَمَهُ الله تَعَالَى، أنَّ أَفْضَلَ الكَلاَمِ التَّوْحِيدُ، وَأَفْضَلَ الدُّعَاءِ الاسْتِغْفارُ» .

ثم قال: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ روى الزهري أن النبيّ  قال: «إنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله، وَأَتُوبُ إلَيْهِ، فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ» .

وروى أبو هريرة عن النبيّ  أنه قال: «إني أستغفر الله تَعَالَى، وَأَتُوبُ إلَيْهِ، فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» .

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن جريج قال: قيل لعطاء: استغفر للمؤمنين في المكتوبة؟

قال: نعم.

قلت: فمن ابتدئ؟

قال: فبنفسك، كما قال الله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ.

وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ يعني: منتشركم بالنهار، ومأواكم بالليل.

ويقال: ذهابكم، ومجيئكم.

قوله عز وجل: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ وذلك أنهم كانوا يأنسون بالوحي، ويستوحشون إذا أبطأ، فاشتاقوا إلى الوحي، فقالوا: لولا نزلت.

هلاّ نزلت سورة.

قال الله تعالى: فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ يعني: مبينة الحلال، والحرام وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ يعني: أمروا فيها بالقتال.

وقال قتادة: كل سورة ذكر فيها ذكر القتال فهي محكمة.

وقال القتبي في قراءة ابن مسعود: سورة محدثة، وتسمى المحدثة محكمة، لأنها إذا نزلت تكون محكمة ما لم ينسخ منها شيء.

ويقال: فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ فِيها ذكر القتال، وطاعة النبيّ  فرح بها المؤمنون، وكره المنافقون، فذلك قوله: رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني: الشك، والنفاق.

يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ كراهية لنزول القرآن.

يعني: إنهم يشخصون نحوك بأبصارهم، وينظرون نظراً شديداً من شدة العداوة، كما ينظر المريض عند الموت.

فَأَوْلى لَهُمْ فهذا تهديد، ووعيد.

يعني: وليهم المكروه.

يعني: قل لهم احذروا العذاب، وقد تم الكلام.

ثم قال: طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ قال القتبي: هذا مخصوص.

يعني: قولهم قبل نزول الفرض، سمعاً لك وطاعة.

فإذا أمروا به كرهوا.

ذلك.

ويقال: معناه طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أمثل لهم.

ويقال: معناه فإذا أنزلت سورة ذات طاعة، يؤمر فيها بالطاعة، وقول معروف فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ أي: جاء الجد، ووقت القتال، فلم يذكر في الآية جوابه.

والجواب فيه مضمر.

معناه: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ يعني: وجب الأمر، وجد الأمر، كرهوا ذلك.

ثم ابتدأ فقال: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ يعني: لو صدقوا الله في النبي، وما جاء به، لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ من الشرك والنفاق.

قوله: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ يعني: لعلكم وَإِن وليتم أمر هذه الأمة أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالمعاصي.

يعني: أن تعصوا الله في الأرض وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ.

قال السدي: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالمعاصي وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ فإن المؤمنين إخوة.

فإذا قتلوهم، فقد قطعوا أرحامهم.

وروى جبير عن الضحاك قال: نزلت في الأمراء: إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أمر الناس أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ.

ويقال: معناه إن أعرضتم عن دين الإسلام، وعما جاء به النبيّ  ، أن تفسدوا فى الارض بسفك الدماء، ودفن البنات، وقطع الأرحام، فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ يعني: هل تريدون إذا أنتم تركتم النبيّ  ، وما أمركم به، أَلاَّ أن تعودوا إلى مثل ما كنتم عليه من الكفر، والمعاصي، وقطع الأرحام.

قرأ نافع: فَهَلْ عَسَيْتُمْ بكسر السين.

والباقون: بالنصب.

وهما لغتان، إلا أن النصب أظهر عند أهل اللغة.

قوله عز وجل: أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ يعني: أهل هذه الصفة خذلهم الله، وطردهم من رحمته.

قوله: فَأَصَمَّهُمْ عن الهدى، فلا يعقلونه وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ عن الهدى: فلا يبصرونه عقوبة لهم.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: اثْبُتْ عَلى عِلْمِكَ، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِهَذا الخِطابِ غَيْرَهُ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا في فاتِحَةِ " الأحْزاب " .

وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِما يَقُولُونَ، فَقِيلَ لَهُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا كاشِفَ لِما بِكَ إلّا اللَّهُ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ فَإنَّهُ كانَ يَسْتَغْفِرُ في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ، وأُمِرَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ إكْرامًا لَهم لِأنَّهُ شَفِيعٌ مُجابٌ.

﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكم ومَثْواكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مُتَقَلَّبُكم في الدُّنْيا ومَثْواكم في الآخِرَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مُتَقَلَّبُكم في أصْلابِ الرِّجالِ إلى أرْحامِ النِّساءِ، ومَقامُكم في القُبُورِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: "مُتَقَلَّبُكُمْ" بِالنَّهارِ و "مَثْواكُمْ" أيْ: مَأْواكم بِاللَّيْلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَألُوا رَبَّهم أنْ يُنَزِّلَ سُورَةً فِيها ثَوابُ القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، اشْتِياقًا مِنهم إلى الوَحْيِ وحِرْصًا عَلى الجِهادِ، فَقالُوا: "لَوْلا" أيْ: هَلّا؛ وكانَ أبُو مالِكٍ الأشْجَعِيُّ يَقُولُ: "لا" هاهُنا صِلَةٌ، فالمَعْنى: لَوْ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ، شَوْقًا مِنهم إلى الزِّيادَةِ في العِلْمِ، ورَغْبَةً في الثَّوابِ والأجْرِ بِالِاسْتِكْثارِ مِنَ الفَرائِضِ.

وَفِي مَعْنى "مُحْكَمَةٌ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الَّتِي يُذْكَرُ فِيها القِتالُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّها الَّتِي يُذْكَرُ فِيها الحَلالُ والحَرامُ.

والثّالِثُ: الَّتِي لا مَنسُوخَ فِيها، حَكاهُما أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَذُكِرَ فِيها القِتالُ ﴾ أيْ: فُرِضَ فِيها الجِهادُ.

وَفِي المُرادِ بِالمَرَضِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: النِّفاقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: الشَّكُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ ﴾ أيْ يَشْخَصُونَ نَحْوَكَ بِأبْصارِهِمْ يَنْظُرُونَ نَظَرًا شَدِيدًا كَما يَنْظُرُ الشّاخِصُ بِبَصَرِهِ عِنْدَ المَوْتِ، لِأنَّهم يَكْرَهُونَ القِتالَ، ويَخافُونَ إنْ قَعَدُوا أنْ يَتَبَيَّنَ نِفاقُهم.

﴿ فَأوْلى لَهُمْ ﴾ قالَ الأصْمَعِيُّ: مَعْنى قَوْلِهِمْ في التَّهْدِيدِ: "أوْلى لَكَ" أيْ: ولِيَكَ وقارَبَكَ ما تَكْرَهُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، تَقُولُ لِلرَّجُلِ -إذا أرَدْتَ بِهِ سُوءًا، فَفاتَكَ- أوْلى لَكَ، ثُمَّ ابْتَدَأ، فَقالَ: ﴿ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ.

.

.

﴾ وقالَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ: المَعْنى: طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أمْثَلُ.

وقالَ الفَرّاءُ: الطّاعَةُ مَعْرُوفَةٌ في كَلامِ العَرَبِ، إذا قِيلَ لَهُمُ: افْعَلُوا كَذَلِكَ، قالُوا: سَمْعٌ وطاعَةٌ، فَوَصَفَ [اللَّهُ] قَوْلَهم قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ السُّورَةُ أنَّهم يَقُولُونَ: سَمْعٌ وطاعَةٌ، فَإذا نَزَلَ الأمْرُ كَرِهُوا.

وأخْبَرَنِي حِبّانُ عَنِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَأوْلى ﴾ ، ثُمَّ قالَ: ﴿ لَهُمْ ﴾ أيْ: لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنهم ﴿ طاعَةٌ ﴾ ، فَصارَتْ "أوْلى" وعِيدًا لِمَن كَرِهَها، واسْتَأْنَفَ الطّاعَةَ بِـ "لَهُمْ"؛ والأوَّلُ عِنْدَنا كَلامُ العَرَبِ، وهَذا غَيْرُ مَرْدُودٍ، يَعْنِي حَدِيثَ أبِي صالِحٍ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ الكَلامَ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ؛ والمَعْنى: فَأوْلى لَهم أنْ يُطِيعُوا وأنْ يَقُولُوا مَعْرُوفًا بِالإجابَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا عَزَمَ الأمْرُ ﴾ قالَ الحَسَنُ: جَدَّ الأمْرُ.

وقالَ غَيْرُهُ: جَدَّ رَسُولُ اللَّهِ  وأصْحابُهُ في الجِهادِ، ولَزِمَ فَرْضُ القِتالِ، وصارَ الأمْرُ مَعْرُوفًا عَلَيْهِ.

وجَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَإذا عَزَمَ الأمْرُ نَكَلُوا؛ يَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ ﴿ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ ﴾ أيْ: في إيمانِهِمْ وجِهادِهِمْ ﴿ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ مِنَ المَعْصِيَةِ والكَراهَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَأولى لَهُمْ ﴾ ﴿ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإذا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ ﴾ هَذا ابْتِداءُ وُصْفِ حالِ المُؤْمِنِينَ في جِدِّهِمْ في دِينِ اللهِ تَعالى وحِرْصِهِمْ عَلى ظُهُورِهِ، وحالِ المُنافِقِينَ مِنَ الكَسَلِ والفَشَلِ والحِرْصِ عَلى فَسادِ الدِينِ وأهْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانَ حِرْصُهم يَبْعَثُهم عَلى تَمَنِّي الظُهُورِ وتَمَنِّي قِتالِ العَدُوِّ وفَضِيحَةِ المُنافِقِينَ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا هو ظُهُورٌ لِلْإسْلامِ، فَكانُوا يَأْنَسُونَ بِالوَحْيِ ويَسْتَوْحِشُونَ إذا أبْطَأ، واللهِ تَعالى قَدْ جَعَلَ ذَلِكَ بِآمادٍ مَضْرُوبَةٍ وأوقاتٍ لا تَتَعَدّى، فَمَدَحَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِحِرْصِهِمْ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ﴾ مَعْناهُ: تَتَضَمَّنُ إظْهارَنا وأمْرَنا بِمُجاهِدَةِ العَدُوِّ ونَحْوِهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن حالِ المُنافِقِينَ عِنْدَ نُزُولِ أمْرِ القِتالِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ "مُحْكَمَةٌ" ﴾ مَعْناهُ: لا يَقَعُ فِيها نَسْخٌ، وبِهَذا الوَجْهِ خَصَّصَ "السُورَةَ" بِالأحْكامِ، وأمّا الإحْكامُ الَّذِي هو بِمَعْنى الإتْقانِ، فالقُرْآنُ كُلُّهُ سَواءٌ فِيهِ، وقالَ قَتادَةُ: كُلُّ سُورَةٍ فِيها القِتالُ فَهي مُحْكَمَةٌ، وهو أشَدُّ القُرْآنِ عَلى المُنافِقِينَ، وهَذا أمْرٌ اسْتَقْرَأهُ قَتادَةُ مِنَ القُرْآنِ، ولَيْسَ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في شَيْءٍ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "سُورَةُ مُحَدِّثَةٌ".

و"المَرَضُ الَّذِي في القُلُوبِ" اسْتِعارَةٌ لِفَسادِ المُعْتَقَدِ، وحَقِيقَةُ الصِحَّةِ والمَرَضِ في الأجْسامِ وتُسْتَعارُ لِلْمَعانِي، ونَظَرُ الخائِفِ المُوَلِهِ قَرِيبٌ مِن نَظَرِ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ، وخَشْيَتُهم هَذا لِلْوَصْفِ والتَشْبِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأولى لَهُمْ ﴾ الآيَةُ، "أولى" وزْنُهُ أفْعَلُ، مَن ولِيَكَ الشَيْءُ يَلِيكُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: وزْنُهُ أفَلَعَ، وفِيهِ قَلْبٌ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَيْلِ، والمَشْهُورُ مِنَ اسْتِعْمالِ "أولى" أنَّكَ تَقُولُ: هَذا أولى بِكَ مِن هَذا، أيْ: أحَقُّ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ "أُولى لَكَ" فَقَطْ، عَلى جِهَةِ الحَذْفِ والِاخْتِصارِ لِما مَعَها مِنَ القَوْلِ، فَتَقُولُ عَلى جِهَةِ الزَجْرِ والتَوَعُّدِ: "أولى لَكَ يا فُلانُ"، وهَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا البابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أولى لَكَ فَأولى  ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِلْحَسَنِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أولى لَكَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "أولى" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ و"طاعَةٌ" خَبَرُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا هو المَشْهُورُ مِنَ اسْتِعْمالِ "أولى"، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "أولى لَهُمْ" ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، مَعْناهُ الزَجْرُ والتَوَعُّدُ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾ فَقالَ بَعْضُها: التَقْدِيرُ: طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أمْثَلُ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ ومَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وحَسُنَ الِابْتِداءُ بِالنَكِرَةِ لِأنَّها مُخَصَّصَةٌ فَفِيها بَعْضُ التَعْرِيفِ، وقالَ بَعْضَها: التَقْدِيرُ: الأمْرُ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ، أيِ: الأمْرُ المَرَضِيُّ لِلَّهِ تَعالى، وقالَ بَعْضُها: التَقْدِيرُ: قَوْلُهم لَكَ يا مُحَمَّدُ - عَلى جِهَةِ الهُزْءِ والخَدِيعَةِ -: طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ، فَإذا عَزَمَ الأمْرُ كَرِهُوهُ، ونَحْوُ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ أيْضًا ما مَعْناهُ: إنَّ تَمامَ الكَلامِ الَّذِي مَعْناهُ الزَجْرُ والتَوَعُّدُ "فَأولى"، وقَوْلُهُ تَعالى: "لَهُمْ" ابْتِداءُ كَلامٍ، و"طاعَةٌ" - عَلى هَذا القَوْلِ - ابْتِداءٌ، وخَبَرُهُ: "لَهُمْ"، والمَعْنى: إنَّ ذَلِكَ مِنهم عَلى جِهَةِ الخَدِيعَةِ، فَإذا عَزَمَ الأمْرُ ناقَضُوا وتَعاصَوْا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَزَمَ الأمْرُ ﴾ اسْتِعارَةٌ، كَما قالَ: قَدْ جَدَتِ الحَرْبُ بِكم فَجِدُّوا ومِن هَذا البابِ "نامَ لَيْلُكَ" ونَحْوُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صَدَقُوا اللهَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الصِدْقَ الَّذِي هو ضِدُّ الكَذِبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "عَوْدُ صِدْقٍ"، والمَعْنى مُتَقارِبٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ ﴾ مُخاطَبَةً لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ.

وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ: "عَسَيْتُمْ" بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةً: "عَسَيْتُمْ" بِفَتْحِ السِينِ، والفَتْحً أفْصَحً لِأنَّها مِن "عَسى" الَّتِي تَصْحَبُها "أنْ"، والمَعْنى: فَهَلْ عَسى أنْ تَفْعَلُوا إنْ تَوَلَّيْتُمْ غَيْرَ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ؟

وكَأنَّ الِاسْتِفْهامَ الداخِلَ عَلى "عَسى" غَيَّرَ مَعْناها بَعْضُ التَغْيِيرِ كَما يُغَيِّرُ الِاسْتِفْهامَ قَوْلُكَ: أوَ لَوْ كانَ كَذا وكَذا؟

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ مَعْناهُ: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الحَقِّ، وقالَ قَتادَةُ: كَيْفَ رَأيْتُمُ القَوْمَ حِينَ تَوَلَّوْا عن كِتابِ اللهِ تَعالى؟

ألَمْ يَسْفِكُوا الدَمَ الحَرامَ ويُقَطِّعُوا الأرْحامَ ويَعْصُوا الرَحْمَنَ عَزَّ وجَلَّ؟

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "إنْ تَوَلَّيْتُمْ"، ﴾ والمَعْنى: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإسْلامِ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: المَعْنى: إنْ تَوَلَّيْتُمْ أُمُورَ الناسِ، مِنَ الوِلايَةِ، وعَلى هَذا قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في بَنِي هاشِمٍ وبَنِي أُمَيَّةَ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، ورَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ مُغَفَّلٍ «أنَّ النَبِيَّ  قَرَأ: "إنْ وُلِّيتُمْ" بِواوٍ مَضْمُومَةٍ ولامٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ،» قَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنْ تَوَلَّيْتُمْ" بِضَمِّ التاءِ والواوِ وكَسْرِ اللامِ المُشَدَّدَةِ، عَلى مَعْنى: إنْ ولَّيْتُكم وِلايَةَ الجَوْرِ فَمِلْتُمْ إلى دُنْياهم دُونَ إمامِ العَدْلِ، أو عَلى مَعْنى: إنْ تَوَلَّيْتُمْ بِالتَعْذِيبِ والتَنْكِيلِ وأفْعالِ العَرَبِ في جاهِلِيَّتِها وسِيرَتِها مِنَ الغاراتِ والسِباءِ، فَإنَّما كانَتْ ثَمَرَتُها الإفْسادُ في الأرْضِ وقَطِيعَةُ الرَحِمِ، وقِيلَ: مَعْناها: إنْ تَوَلّاكُمُ الناسُ ووَكَلَكُمُ اللهُ إلَيْهِمْ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَتُقَطِّعُوا" ﴾ بِضَمِّ التاءِ وشَدِّ الطاءِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "وَتَقْطَعُوا" بِفَتْحِ التاءِ والطاءِ المُخَفَّفَةِ، وهي قِراءَةُ سَلامٍ ويَعْقُوبَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ ﴾ إشارَةٌ إلى مَرْضى القُلُوبِ المَذْكُورِينَ، و"لَعَنَهُمْ" مَعْناهُ أبْعَدَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ ﴾ اسْتِعارَةٌ لِعَدَمِ سَمْعِهِمْ فَكَأنَّهم عُمْيٌ وصُمٌّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لم يزل الكلام على المنافقين فالذين ارتدوا على أدبارهم منافقون، فيجوز أن يكون مراداً به قوم من أهل النفاق كانوا قد آمنوا حقا ثم رجعوا إلى الكفر لأنهم كانوا ضعفاء الإيمان قليلي الاطمئنان وهم الذين مثلهم الله في سورة البقرة (17) بقوله: ﴿ مَثَلهم كمثل الذين استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ﴾ الآية.

والارتداد على الأدبار على هذا الوجه: تمثيل للراجع إلى الكفر بعد لإيمان بحال من سار ليصل إلى مكان ثم ارتد في طريقه.

ولما كان الارتداد سيراً إلى الجهة التي كانت وراء السائر جُعل الارتداد إلى الأدبار، أي إلى جهة الأدبار.

وجيء بحرف على} للدلالة على أن الارتداد متمكن من جهة الأدبار كما يقال: على صراط مستقيم.

والهدى: الإيمان، وتبيّن الهدى لهم على هذا الوجه تبيّن حقيقي لأنهم ما آمنوا إلا بعد أن تبين لهم هدى الإيمان.

وعلى هذا الوجه فالإتيان بالموصول والصلة ليس إظهاراً في مقام الإضمار لأن أصحاب هذه الصلة بعض الذين كان الحديث عنهم فيما تقدم.

ويجوز أن يكون مراداً به جميعُ المنافقين، عبر عن تصميمهم على الكفر بعد مشاركتهم المسلمين في أحوالهم في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة معه وسماععِ القرآن والمواعظ بالارتداد لأنه مفارقة لتلك الأحوال الطيبة، أي رجعوا إلى أقوال الكفر وأعماله وذلك إذا خلوا إلى شياطينهم، وتبين الهدى على هذا الوجه كونه بيّناً في نفسه، وهو بيّن لهم لوضوح أدلته ولا غبار عليه، فهذا التبين من قبيل قوله تعالى: ﴿ ذلك الكتاب لا ريب فيه ﴾ [البقرة: 2]، أي ليس معه ما يوجب ريب المرتابين.

ويجوز أن يكون المراد به قوماً من المنافقين لم يقاتلوا مع المسلمين بعد أن علموا أن القتال حق.

وهذا قول ابن عباس والضحاك والسدّي، وعليه فلعل المراد: الجماعة الذين انخزلوا يوم أُحُد مع عبد الله بن أُبَيّ بن سلول، والارتداد على الأدْبار على هذا الوجه حقيقة لأنهم رجعوا عن موقع القتال بعد أن نزلوا به فرجعوا إلى المدينة وكانت المدينة خلفهم.

وهذا عندي أظهر الوجهين وأليق بقوله بعد ﴿ وأدبارهم ﴾ [محمد: 26، 27].

والهدى على هذا الوجه هو الحقّ، أي من بعد ما علموا أن الحق قتال المشركين.

وأوثر أن يكون خبر (إنَّ) جملة ليتاتَّى بالجملة اشتمالها على خصائص الابتداءِ باسم الشيطان للاهتمام به في غرض ذمهم، وأن يسند إلى اسمه مُسند فعلي ليفيد تقوّي الحكم نحو: هو يعطي الجزيل.

والتسويل: تسهيل الأمر الذي يستشعر منه صعوبة أو ضر وتزيين ما ليس بحسن.

والإملاء: المدّ والتمديد في الزمان، ويطلق على الإبقاء على الشيء كثيراً، أي أراهم الارتداد حسناً دائماً كما حكى عنه في قوله تعالى: ﴿ قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخُلد ومُلك لا يبلى ﴾ [طه: 120]، أي أن ارتدادهم من عمل الشيطان.

وقرأ الجمهور ﴿ وأملى لهم ﴾ بفتح الهمزة على صيغة المبني للفاعل.

وقرأه أبو عمرو بضم الهمزة وكسر اللام وفتح التحتية على صيغة المبني إلى المجهول.

وقرأه يعقوب بضم الهمزة وكسر اللام وسكون التحتية على أنه مسند إلى المتكلم فالضمير عائد إلى الله تعالى، أي الشيطان سَوّل لهم وأنا أُملِي لهم فيكون الكلام وعيداً، أي أنا أؤخرهم قليلاً ثم أعاقبهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ﴾ كانَ المُؤْمِنُونَ إذا تَأخَّرَ نُزُولُ القُرْآنِ اشْتاقُوا إلَيْهِ وتَمَنَّوُهْ لِيَعْلَمُوا أوامِرَ اللَّهِ وتَعَبُّدَهُ لَهم.

﴿ فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ ﴾ وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْدَثَةٌ ﴿ وَذُكِرَ فِيها القِتالُ ﴾ في السُّورَةِ المُحْكَمَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الَّتِي يُذْكَرُ فِيها الحَلالُ والحَرامُ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ النَّقّاشُ.

الثّانِي: أنَّها الَّتِي يُذْكَرُ فِيها القِتالُ: وهي أشَدُّ القُرْآنِ عَلى المُنافِقِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّها الَّتِي تَضَمَّنَتْ نُصُوصًا لَمْ يَتَعَقَّبْها ناسِخٌ ولَمْ يَخْتَلِفْ فِيها تَأْوِيلٌ.

﴿ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ، لِأنَّ قُلُوبَهم كالمَرِيضَةِ بِالشَّكِّ.

فَإذا أُنْزِلَتِ السُّورَةُ المُحْكَمَةُ سُرَّ بِها المُؤْمِنُونَ وسارَعُوا إلى العَمَلِ بِما فِيها، واغْتَمَّ المُنافِقُونَ ونَظَرُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ  .

﴿ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ ﴾ غَمًّا بِها وفَزَعًا مِنها.

﴿ فَأوْلى لَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ وعِيدٌ، كَأنَّهُ قالَ: العِقابُ أوْلى لَهم، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أوْلى لَهم، ﴿ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾ مِن أنْ يَجْزَعُوا مِن فَرْضِ الجِهادِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾ حِكايَةً مِنَ اللَّهِ عَنْهم قَبْلَ فَرْضِ الجِهادِ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.

والطّاعَةُ هي الطّاعَةُ لِلَّهِ ورَسُولِهِ في الأوامِرِ والنَّواهِي.

وَفي القَوْلِ المَعْرُوفِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هو الصِّدْقُ والقَبُولُ.

الثّانِي: الإجابَةُ بِالسَّمْعِ والطّاعَةِ.

﴿ فَإذا عَزَمَ الأمْرُ ﴾ أيْ جَدَّ الأمْرُ في القِتالِ.

﴿ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ ﴾ بِأعْمالِهِمْ ﴿ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ مِن نِفاقِهِمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أُمُورَ الأُمَّةِ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ بِالظُّلْمِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمُ الحُكْمَ فَجَعَلْتُمْ حُكّامًا أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ بِأخْذِ الرِّشا، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الثّالِثُ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ كِتابِ اللَّهِ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ بِسَفْكِ الدِّماءِ الحَرامِ.

﴿ وَتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ ﴾ ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنِ الطّاعَةِ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ بِالمَعاصِي وقَطْعِ الأرْحامِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وَفي هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى بِها المُنافِقِينَ وهو الظّاهِرُ.

الثّانِي: قُرَيْشًا، قالَهُ أبُو حَيّانَ.

الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في الخَوارِجِ، قالَهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ.

/ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة ﴾ الآية، قال: كل سورة أنزل فيها الجهاد فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويقول الذين آمنوا ﴾ الآية قال: كان المؤمنون يشتاقون إلى كتاب الله تعالى وإلى بيان ما ينزل عليهم فيه فإذا أنزلت السورة يذكر فيها القتال رأيت يا محمد المنافقين ﴿ ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم ﴾ قال: وعيد من الله لهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فأولى لهم ﴾ قال: هذه وعيد ثم انقطع الكلام، فقال: ﴿ طاعة وقول معروف ﴾ يقول: طاعة الله ورسوله وقول بالمعروف عند حقائق الأمور خير لهم.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ طاعة وقول معروف ﴾ قال: أمر الله عز وجل بذلك المنافقين فإذا عزم الأمر قال: جد الأمر.

أخرج الحاكم عن عبد الله بن مغفل رضى الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ فهل عسيتم إن توليتم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فهل عسيتم إن توليتم ﴾ الآية قال: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله ألم يسفكوا الدم الحرام وقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن؟

وأخرج عبد بن حميد عن بكر بن عبد الله المزني في قوله: ﴿ فهل عسيتم إن توليتم ﴾ الآية قال: ما أراها نزلت إلا في الحرورية.

وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن بريدة رضي الله عنه قال: كنت جالساً عند عمر رضي الله عنه إذ سمع صائحاً فقال يا يرفا أنظر ما هذا الصوت فنظر ثم جاء فقال: جارية من قريش تباع أمها، فقال عمر رضي الله عنه: ادع لي المهاجرين والأنصار فلم يمكث إلا ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فهل تعلمونه كان فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم القطيعة؟

قالوا: لا.

قال: فإنها قد أصحبت فيكم فاشية.

ثم قرأ ﴿ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ﴾ ثم قال: وأي قطيعة أقطع من أن تباع أم امرئ فيكم وقد أوسع الله لكم؟

قالوا: فأصنع ما بدا لك، فكتب في الآفاق أن لا تباع أمُّ حر فإنها قطيعة رحم وأنه لا يحل.

وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي والحكيم الترمذي وابن جرير وابن حبان والحاكم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن، فقال: مه، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة؟

قال: نعم أما ترضي أن أصل من وصلك وأقطع من قطعت: قالت: بلى، قال: فذاك لك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأوا إن شئتم ﴿ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾ » .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن للرحم لساناً يوم القيامة تحت العرش فتقول يا رب قطعت يا رب ظلمت يا رب أسيء إليّ فيجيبها ربها ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟» .

وأخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلىلله عليه وسلم: «إن للرحمن لسناً ذلقاً يوم القيامة ربِّ صل من وصلني واقطع من قطعني» .

وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن طاوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للرحم شعبة من الرحمن تجيء يوم القيامة لها جلبة تحت العرش تكلم بلسان ذلق فمن أشارت إليه بوصل وصله الله، ومن أشارت إليه بقطع قطعه الله» .

وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرحمن معلقة بالعرش لها لسان ذلق تقول اللهم صِلْ من وصلني واقطع من قطعني» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والحاكم وصححاه والبيهقي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته ومن بتها بتته» .

وأخرج البيهقي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: «كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في حلقة فقال: إنا لا نحل لرجل أمسى قاطع رحم إلا قام عنا فلم يقم إذا فتى كان في أقصى الحلقة فأتى خالة له فقالت: ما جاء بك؟

فأخبرها بما قال النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع فلجس في مجلسه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما لي لا أرى أحداً قام من الحلقة غيرك فأخبره بما قال لخالته وما قالت له فقال: اجلس فقد أحسنت ألا أنها لا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع رحم» .

وأخرج أحمد والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أعمال بني آدم تعرض عشية كل خميس فلا يقبل عمل قاطع رحم» .

وأخرج الحاكم وصححه «عن عمرو بن عبسة قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بعث، وهو بمكة فقلت: ما أنت؟

قال: نبي.

قلت: بم أرسلت؟

قال: بأن تعبد الله وتكسر الأصنام وتصل الأرحام بالبر والصلة» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله أنا الرحمن وهي الرحم فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته» .

وأخرج الحاكم وصححه عن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله» .

وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الرحم شجنة من الله فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والحاكم وصححاه والبيهقي عن عبد الله بن عمرو يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء، الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله ومن قطعها قطعه» .

وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة من أدم حمراء في نحو من أربعين رجلاً فقال: «إنه مفتوح لكم وإنكم منصورون ومصيبون فمن أدرك منكم ذلك فليتق الله وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر وليصل رحمه، ومثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل البعير يتردى فهو يتردى بذنبه» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله: أوصني قال: «أقم الصلاة وأدِ الزكاة وصم رمضان وحج البيت واعتمر وبر والديك وصل رحمك واقرِ الضيف وأمُرْ بالمعروف وانْهَ عن المنكر وَزُلْ مع الحق حيث زال» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن عبد الله بن سلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» وأخرج أحمد والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن نصر في الصلاة وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني فأنبئني عن كل شيء، قال: «كل شيء خلق من ماء» .

قلت: انبئني عن أمر إذا عملت به دخلت الجنة: قال: «أفْشِ السلام وأطعم الطعام وصل الأرحام وقم بالليل والناس نيام ثم أدخل الجنة بسلام» .

وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليعمر بالقوم ويكثر لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضاً لهم.

قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟

قال: بصلتهم أرحامهم» .

وأخرج الطيالسي والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم فإنه لأقرب لرحم إذا قطعت وإن كانت قريبة، ولا بعد لها إذا وصلت وإن كانت بعيدة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تجيء الرحم يوم القيامة كحجنة المغزل فتتكلم بلسان ذلق طلق فتصل من وصلها وتقطع من قطعها» .

وأخرج البزار والبيهقي في الأسماء والصفات عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث معلقات بالعرش: الرحم تقول: اللهم إني بك فلا أقطع، والأمانة تقول: اللهم إني بك فلا أخان، والنعمة تقول: اللهم إني بك فلا أكفر» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث تحت العرش: القرآن له ظهر وبطن يحاج العباد، والرحم تنادي صل من وصلني واقطع من قطعني، والأمانة» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الرحم معلقة بالعرش بالعرش فإذا أتاها الواصل بشرت به وكلمته، وإذا أتاها القاطع احتجبت منه.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن حبان والطبراني والبيهقي والحكيم الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرحم شجنة معلقة بالعرش» .

وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرحم شجنة آخذة بحجزة الرحمن تناشده حقها فيقول: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟

من وصلك فقد وصلني، ومن قطعك فقد قطعني» .

وأخرج الطبراني والخرائطي في مساوي الأخلاق عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة مدمن الخمر لا العاقّ ولا المنّان» .

قال ابن عباس: شق ذلك على المؤمنين يصيبون ذنوباً حتى وجدت ذلك في كتاب الله في العاقّ ﴿ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ﴾ و ﴿ لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ [ البقرة: 264] وقال: ﴿ إنما الخمر والميسر ﴾ [ المائدة: 90] .

قوله تعالى: ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ الآية.

أخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سليمان موقوفاً والحسن بن سفيان والطبراني وابن عساكر عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ظهر القول وخزن العمل وائتلفت الألسن واختلفت القلوب وقطع ذي رحم رحمه فعند ذلك ﴿ لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ﴾ » .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب العلم عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا الناس أظهروا العلم وضيعوا العمل وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا في الأرحام لعنهم الله عند ذلك ﴿ فأصمهم وأعمى أبصارهم ﴾ » .

أما قوله تعالى: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾ .

أخرج إسحاق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عروة رضي الله عنه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾ فقال شاب من أهل اليمن بل عليها أقفالها حتى يكون الله يفتحها أو يفرجها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدقت فما زال الشاب في نفس عمر رضي الله عنه حتى ولي فاستعان به.

وأخرج الدارقطني في الافراد وابن مردويه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾ فقال شاب عند النبي صلى الله عليه وسلم: بل والله عليها أقفالها حتى يكون الله هو الذي يفكها.

فلما ولي عمر وسأل عن ذلك الشاب ليستعمله، فقيل: قد مات.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ قال: إذاً والله في القرآن زاجر عن معصية الله قال: لم يتدبره القوم ويعقلوه ولكنهم أخذوا بمتشابهه فهلكوا عند ذلك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن خالد بن معدان رضي الله عنه قال: ما من عبد إلا له أربع أعين عينان في وجهه يبصر بهما دنياه وما يصلحه من معيشته، وعينان في قلبه يبصر بهما دينه وما وعد الله بالغيب فإذا أراد الله بعبد خيراً فتح عينيه اللذين في قلبه فأبصر بهما ما وعد بالغيب، وإذا أراد الله بعبد سوءاً ترك القلب على ما فيه وقرأ ﴿ أم على قلوب أقفالها ﴾ وما من عبد إلا وله شيطان متبطن فقار ظهره لاوٍ عنقه على عنقه فاغر فاه على قلبه.

وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعاً إلى قوله: وقرأ ﴿ أم على قلوب أقفالها ﴾ .

وأخرج الديلمي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي على الناس زمان يخلق القرآن في قلوبهم يتهافتون تهافتاً، قيل يا رسول الله: وما تهافتهم؟قال: يقرأ أحدهم فلا يجد حلاوة ولا لذة يبدأ أحدهم بالسورة وإنما معه آخرها فإن عملوا قالوا ربنا اغفر لنا، وإن تركوا الفرائض قالوا: لا بعذبنا الله ونحن لا نشرك به شيئاً أمرهم رجاء ولا خوف فيهم ﴿ أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾ » .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ ﴾ رجعوا كفاراً ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ﴾ يعني: اليهود، ظهر لهم أمر النبي -  - بنعته وصفته في كتابه، وكانوا يعرفونه لما دعاهم إلى دينه كفروا به.

هذا قول الكلبي (١) (٢) (٣) وقال السدي والضحاك: يعني المنافقين (٤) ثم قال: ﴿ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ قال ابن عباس: زين لهم القبيح (٥) (٦) قوله: ﴿ وَأَمْلَى لَهُمْ ﴾ يعني الإملاء في اللغة: الترفيه في العمر، والمد فيه (٧) ﴿ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا  ﴾ قال مقاتل: يعني: وأمهل الله لهم (٨) (٩) ﴿ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ .

والمعنى: لم يعجل عليهم العقوبة وأمهلهم موسعاً عليهم ليتمادوا في طغيانهم، جزاء لهم على ما فعلوا، وقرأ أبو عمرو: (وأملِيَ لهم) بضم الهمزة وفتح الياء على ما لم يسم فاعله.

قال أبو الحسن الأخفش: هي خشنة في المعنى، يريد أن هذه القراءة فصل بين فعل الشيطان وفعل الله تعالى، حيث بني الفعل للمفعول ويعلم يقيناً أنه لا يؤخر أحد مدة أحد، ولا يوسع له فيها إلا الله سبحانه (١٠) (١١) (١٢) (١) انظر: "تنوير المقباس" ص 509.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 49.

(٣) أخرج ذلك الطبري عن قتادة.

انظر: "تفسيره" 13/ 58، وأورده الثعلبي في "تفسيره" ونسبه لقتادة 10/ 129/ ب، وكذلك البغوي نسبة لقتادة 7/ 287.

(٤) أخرج ذلك الطبري 13/ 58 عن الضحاك، ونسبة الثعلبي لابن عباس والضحاك والسدي.

انظر: "تفسيره"10/ 129 ب، وكذلك نسبه إليهم البغوي في "تفسيره" 7/ 288، والقرطبي في الجامع 16/ 249.

(٥) ذكر ذلك البغوي ولم ينسبه.

انظر: "تفسيره" 7/ 288، وقال القرطبي في "الجامع": زين لهم خطاياهم، ونسبه للحسن.

انظر: "الجامع" 16/ 249.

(٦) قال الأزهري: قال الله جل وعز: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ﴾ أي زينت لكم أنفسكم أمرًا غير ما تصفون وكأن التسويل تفعيل من سول الإنسان، وهو أمنيته التي يتمناها فتزين لطالبها الباطل والغرور.

انظر: "تهذيب اللغة" (سول) 13/ 66.

(٧) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 288، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 249.

(٨) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 49.

(٩) انظر: "تفسير أبي الليث" 3/ 245، و"تنوير المقباس" ص 509، و"الجامع الأحكام القرآن" 16/ 249.

(١٠) انظر: "الحجة" 6/ 194، 196، "الكشف" لمكي 2/ 278، ولم أقف عليه عند الأخفش.

(١١) انظر: "القطع والائتناف" ص 667، "المكتفى" ص 525.

(١٢) انظر قول الحسن في "القطع والائتناف" ص 667، "تفسير الماوردي" 5/ 303.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض وتقطعوا أَرْحَامَكُمْ ﴾ هذا خطاب للمنافقين المذكورين خرج من الغيبة إلى الخطاب، ليكون أبلغ في التوبيخ والمعنى هل يتوقع منكم، إلاّ فساد في الأرض وقطع الأرحام إن توليتم، ومعنى توليتم: صرتم ولاة على الناس وصار الأمر لكم، وعلى هذا قيل: إنها نزلت في بني أمية.

وقيل: معناه أعرضتم عن الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والذين قتلوا ﴾ مبنياً للمفعول ثلاثياً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص.

الباقون ﴿ قاتلوا ﴾ ﴿ ويثبت ﴾ من الإثبات: المفضل.

الباقون: بالتشديد ﴿ أسن ﴾ بغير الألف كحذر: إبن كثير ﴿ أنفا ﴾ بدون الألف كما قلنا: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الوقوف: ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ﴿ من ربهم ﴾ ط ﴿ أمثالهم ﴾ ه ﴿ الرقاب ﴾ ط ﴿ الوثاق ﴾ لا للفاء ولتعلق ﴿ بعد ﴾ بما قبلها أي بعد ما شددتم الوثاق ﴿ أوزارها ﴾ ج ﴿ ذلك ﴾ ط أي ذلك كذلك، وقد يحسن اتصاله بما قبله لانقطاعه عن خبره أو عن المبتدأ أو الفعل أي الأمر ذلك، أو فعلوا ذلك ﴿ ببعض ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ج للآية مع العطف واتحاد الكلام ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أقدامهم ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ه ج ﴿ من قبلهم ﴾ ط لتناهي الاستخبار ﴿ عليهم ﴾ ج للابتداء بالتهديد مع الواو ﴿ أمثالها ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أخرجتك ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده صفة ﴿ قرية ﴾ أو ابتداء إخبار ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ط للحذف أي صفة الجنة فيما نقص عليكم ثم شرع في قصتها.

﴿ آسن ﴾ ج ﴿ طعمه ﴾ ج ﴿ للشاربين ﴾ ه ج لتفصيل أنواع النعم مع العطف ﴿ مصفى ﴾ ج ﴿ من ربهم ﴾ ط لحذف المبتدأ والتقدير أفمن هذا حاله كمن هو خالد ﴿ أمعاءهم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج لاحتمال أن يكون حتى للانتهاء وللابتداء ﴿ آنفاً ﴾ ط ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ تقواهم ﴾ ه ﴿ بغتة ﴾ ه لتناهي الاستفهام مع مجيء الفاء بعده في الإخبار ﴿ أشراطها ﴾ ج لعكس ما مر ﴿ ذكراهم ﴾ ه.

التفسير: قال أهل النظم: إن أول هذه السورة مناسب لآخر السورة كأنه قيل: كيف يهلك الفاسق إن كان له أعمال صالحة؟

فأجاب ﴿ الذين كفروا وصدوا ﴾ منعوا الناس عن الإيمان صداً أو امتنعوا عنه صدوداً ﴿ أضل ﴾ الله ﴿ أعمالهم ﴾ أي أبطل ثوابها وكانوا يصلون الأرحام ويطعمون الطعام ويعمرون المسجد الحرام.

وعن ابن عباس أنها نزلت في المطعمين يوم بدر.

وقيل: هم أهل الكتاب.

والأظهر العموم.

قال جار الله: حقيقة إضلال الأعمال جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يثيب عليها كالضالة من الإبل لا رب لها يحفظها، أو أراد أنه يجعلها ضالة في كفرهم ومعاصيهم مغلوبة بها كما يضل الماء في اللبن.

وقيل: أراد إبطال ما عملوه من الكيد للإسلام وذويه بأن نصر المسلمين عليهم وأظهر دينه على الدين كله.

وحين بيّن حال الكفار بيّن حال المؤمنين قائلاً ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ بالهجرة والنصرة وغير ذلك ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ يعني القرآن وهو تخصيص بعد تعميم، ولم يقتصر على هذا التخصيص الموجب للتفضيل ولكنه أكده بجملة اعتراضية هي قوله ﴿ وهو الحق من ربهم ﴾ ولأن الحق الثابت ففيه دليل على أن دين محمد  لا يرد عليه النسخ أبداً.

وتكفير السيئات من الكريم سترها بما هي خير منها فهو في معنى قوم ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات  ﴾ والبال الحال والشأن لا يثنى ولا يجمع.

وقيل: هو بمعنى القلب أي يصلح أمر دينهم.

والحاصل أن قوله ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ بإزاء قوله ﴿ وصدّوا عن سبيل الله ﴾ فأولئك امتنعوا عن اتباع سبيل محمد  ، وهؤلاء حثوا أنفسهم على إتباعه فلا جرم حصل لهؤلاء ضدّ ما حصل لأولئك فأضل الله حسنات أولئك وستر على سيئات هؤلاء، وقد أشير إلى هذا الحاصل بقوله ﴿ ذلك ﴾ الإضلال والتكفير بسبب اتباع أولئك الباطل الشيطان وحزبه وأولئك الحق محمداً والقرآن ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الضرب ﴿ يضرب الله للناس ﴾ كلهم أمثال أنفسهم أو أمثال المذكورين من الفريقين على معنى إنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم.

وضرب المثل في الآية هو أن جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين، ولا ريب أن إخباره عن الفريقين بغير تصريح مثل لحالهما وهذا حقيقة ضرب المثل.

وقيل: إن الإضلال مثل لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثل لفوز المؤمنين.

وقيل: إن قوله ﴿ كذلك ﴾ لا يستدعي أن يكون هناك مثل مضروب، ولكنه لما بين حال الكافر وإضلال أعماله وحال المؤمن وتكفير سيئاته، وبين السبب فيهما كان ذلك نهاية الإيضاح فقال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك البيان يضرب الله للناس أمثالهم ويبين أحوالهم.

قال أصحاب النظم: لما بيّن أن عمل الكفار ضلال والإنسان حرمته باعتبار عمله نتج من ذلك قوله ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا ﴾ أي في دار الحرب أو في القتال ﴿ فضرب الرقاب ﴾ وأصله فأضربوا الرقاب ضرباً إلا أنه اختصر للتوكيد لأنه بذكر المصدر المنصوب دل على الفعل وكان كالحكم البرهاني.

وليس ضرب الرقبة مقصوداً بالذات ولكنه وقع التعبير عن القتل به لأنه أغلب أنواع القتل، ولما في ذكره من التخويف والتغليظ.

وفيه ردّ على من زعم أن القتل بل إيلام الحيوان قبيح مطلقاً لأنه تخريب البنيان، فبين الشرع أن أهل الكفر والطغيان يجب قتلهم لأن فيه صلاح نوع الإنسان كما أن الطبيب الحاذق يأمر بقطع العضو الفاسد إبقاء على سائر البدن ﴿ حتى إذا أثخنتموهم ﴾ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه من الشيء الثخين، أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى لا يمكنهم النهوض وقد مر في آخر "الأنفال".

﴿ فشدّوا الوثاق ﴾ وهو بالفتح والكسر اسم ما يوثق به والمراد فأسروهم وشدّوهم بالحبال والسيور.

فإما تمنون مناً وإما تفدون فداء، وهذا مما يلزم فيه حذف فعل المفعول المطلق لأنه وقع المفعول تفصيلاَ لأثر مضمون جملة متقدمة.

وقال الشافعي: للإمام أن يختار أحد أربعة أمور هي: القتل والاسترقاق والمنّ وهو الإطلاق من غير عوض والفداء بأسارى المسلمين أو بمال.

لأن رسول الله  منّ على أبي عروة الجهني وعلى ابن أثال الحنفي، وفادى رجلاً برجلين من المشركين.

وذهب بعض أصحاب الرأي أن الآية منسوخة.

وأن المنّ والفداء إنما كان يوم بدر فقط وناسخها ﴿ فاقتلوا المشركين  ﴾ وليس للإمام إلا القتل أو الاسترقاق.

وعن مجاهد: ليس اليوم منّ ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق.

وقوله ﴿ حتى تضع ﴾ يتعلق بالضرب والشدّ أو بالمنّ والفداء.

والمراد عند الشافعي أنهم لا يزالون على ذلك أبداً إلى أن لا يكون حرب مع المشركين وذلك إذا لم يبق لهم شوكة.

وأوزار الحرب آلاتها وأثقالها التي لا تقوم الحرب إلا بها.

قال الأعشى: وأعددت للحرب أوزارها *** رماحاً طوالاً وخيلاً ذكوراً فإذا أنقضت الحرب فكأنها وضعت أسبابها.

وقيل: أوزارها آثامها والمضاف محذوف أي حتى يترك أهل الحرب.

وهم المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا.

وعلى هذا جاز أن يكون الحرب جمع حارب كالصحب جمع صاحب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف.

وفسر بعضهم وضع الحرب أوزارها بنزول عيسى  .

عن أبي هريرة أن النبي  قال: " "يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى  إماماً هادياً وحكماً عدلاً يكسر الصليب ويقتل الخنزير وتضع الحرب أوزارها حتى تدخل كلمة الإخلاص كل بيت من وبر ومدر" وعند أبي حنيفة: إذا علق بالضرب والشدّ فالمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك إذا لم تبق شوكة للمشركين.

وإذا علق بالمنّ والفداء فالحرب معهودة وهي حرب بدر.

ثم بين أنه منزه في الانتقام من الكفار عن الاستعانة بأحد فقال ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ بغير قتال أو بتسليط الملائكة أو أضعف خلقه عليهم ﴿ ولكن ﴾ أمركم بقتالهم ﴿ ليبلو بعضكم ببعض ﴾ فيمتحن المؤمنين بالكافرين هل يجاهدون في سبيله حق الجهاد أم لا، ويبتلي الكافرين بالمؤمنين هل يذعنون للحق أم لا إلزاماً للحجة وقطعاً للمعاذير.

ومعنى الابتلاء من الله  قد مر مراراً أنه مجاز أي يعاملهم معاملة المختبر، أو ليظهر الأمر لغيره من الملائكة أو الثقلين.

ثم وعد الشهداء والمجاهدين بقوله ﴿ والذين قتلوا ﴾ أو قاتلوا على القراءتين ﴿ فلن يضل أعمالهم ﴾ خلاف الكفرة ﴿ سيهديهم ﴾ إلى الثواب ويثبتهم على الهداية ﴿ ويصلح بالهم ﴾ أمر معاشهم في المعاد أو في الدنيا، وكرر لأن الأوّل سبب النعيم، والثاني نفس النعيم ﴿ ويدخلهم الجنة عرّفها لهم ﴾ جعل كل واحد بحيث يعرف ماله في الجنة كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا.

وعن مقاتل: يعرفها لهم الحفظة وعسى أنه عرفها بوصفها في القرآن.

وقيل: طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة.

ثم حث على نصرة دين الله بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ﴾ أي دينه أو رسوله ﴿ ينصركم ﴾ على عدوّكم ويفتح لكم ﴿ ويثبت أقدامكم ﴾ في مواقف الحرب أو على جادّة الشريعة ﴿ والذين كفروا ﴾ حالهم بالضد.

يقال: تعساً له في الدعاء عليه بالعثار والتردّي.

عن ابن عباس: هو في الدنيا القتل، وفي الآخرة الهويّ في جهنم.

وهو من المصادر التي يجب حذف فعلها سماعاً والتقدير: أتعسهم الله فتعسوا تعساً ولهذا عطف عليه قوله ﴿ وأضل أعمالهم ﴾ ثم بين سبب بقائهم على الكفر والضلال بقوله ﴿ ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ﴾ من القرآن والتكاليف لألفهم بالإهمال وإطلاق العنان ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾ التي لا استناد لها إلى القرآن أو السنة.

ثم هدّدهم بحال الأقدمين وهو ظاهر.

ودمر عليه ويقال دمره فالثاني الإهلاك مطلقاً، والأوّل إهلاك ما يختص به من نفسه وماله وولده وغيره ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ الضمير للعاقبة أو العقوبة.

والأوّل مذكور، والثاني مفهوم بدلالة التدمير فإن كان المراد الدعاء عليهم فاللام للعهد وهم كفار قريش ومن ينخرط في سلكهم، وإن كان المراد الإخبار جاز أن يراد هؤلاء.

والقتل والأسر نوع من التدمير وجاز أن يراد الكفار الأقدمون ﴿ ذلك ﴾ النصر والتعس ﴿ بأن الله مولى الذين آمنوا ﴾ أي وليهم وناصرهم ﴿ وأن الكافرين لا مولى لهم ﴾ بمعنى النصرة والعناية، وأما بمعنى الربوبية والمالكية فهو مولى الكل لقوله ﴿ وردّوا إلى الله مولاهم الحق  ﴾ ثم برهن على الحكم المذكور وهو أن ولايته مختصة بالمؤمنين فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.

فشبه الكافرين بالأنعام من جهة أن الكافر غرضه من الحياة التنعم والأكل وسائر الملاذ لا التقوى والتوسل بالغذاء إلى الطاعة وعمل الآخرة، ومن جهة أنه لا يستدل بالنعم على خالقها، ومن جهة غفلتهم عن مآل حالهم وأن النار مثوى لهم.

ثم زاد في تهديد قريش بقوله ﴿ وكأين من قرية ﴾ أي أهل قرية هم ﴿ أشدّ قوّة من ﴾ أهل ﴿ قريتك التي أخرجتك ﴾ تسببوا لخروجك.

وقوله ﴿ فلا ناصر لهم ﴾ حكاية تلك الحال كقوله ﴿ وكلبهم باسط  ﴾ ثم بين الفرق بين أهل الحق وحزب الشيطان بقوله على طريق الإنكار ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ معجزة ظاهرة وحجة باهرة ﴿ من ربه ﴾ يريد محمداً وأمته قوله ﴿ وأتبعوا ﴾ محمول على معنى "من" وهو تأكيد للتزيين كما أن كون البينة من الرب تأكيد لها.

وحين أثبت الفرق بين الفريقين أراد أن يبين الفرق بين جزائهما فقال ﴿ مثل الجنة ﴾ أي صفتها العجيبة الشأن.

وفي إعرابه وجهان: أحدهما ما مر في الوقوف، والثاني قول الزمخشري في الكشاف أنه على حذف حرف الاستفهام، والتقدير: أمثل الجنة وأصحابها كمثل جزاء من هو خالد في النار، أو كمثل من هو خالد؟

وفائدة التعرية عن حروف الاستفهام زيادة تصوير مكابرة من يسوّي بين الفريقين.

وقوله ﴿ فيها أنهار ﴾ كالبدل من الصلة أو حال.

والآسن المتغير اللون أو الريح أو الطعم ومصدره الأسون والنعت آسن مقصوراً، واللذة صفة أو مصدر وصف به كما مر في "الصافات"، والباقي ظاهر.

قال بعض علماء التأويل: لا شك أن الماء أعم نفعاً للخلائق من اللبن والخمر والعسل فهو بمنزلة العلوم الشرعية لعموم نفعها للمكلفين كلهم، وأما اللبن فهو ضروري للناس كلهم ولكن في أوّل التربية والنماء فهو بمنزلة العلوم الغريزية الفطرية، وأما الخمر والعسل فليسا من ضرورات التعيش فهما بمنزلة العلوم الحقيقية السببية إلا أن الخمر يمكن أن تخص بالعلوم الذوقية.

والعسل بسائرها وقد يدور في الخلد أن هذه الأنهار الأربعة يمكن أن تحمل على المراتب الإنسانية الأربع.

فالعقل الهيولاني بمنزلة الماء لشموله وقبوله الآثار، والعقل بالملكة بمنزلة اللبن لكونه ضرورياً في أوّل النشوء والتربية، والعقل بالفعل بمنزلة الخمر فإن حصوله ليس بضروري لجميع الإنسان إلا أنه إذا حصل وكان الشخص ذاهلاً عنه غير ملتفت إليه كان كالخمر الموجب للغفلة وعدم الحضور، والعقل المستفاد بمنزلة العسل من جهة لذته ومن جهة شفائه لمرض الجهل ومن قبل ثباته في المذاق للزوجته ودسومته والتصاقه والله  أعلم بمراده.

وقوله ﴿ ومغفرة من ربهم ﴾ إن قدر ولهم مغفرة من الله قبل ذلك فلا إشكال، وإن قدر لهم فيها مغفرة أمكن أن يقال: إنهم مغفورون قبل دخول الجنة فما معنى الغفران بعد ذلك؟

والجواب أن المراد رفع التكليف يأكلون من غير حساب ولا تبعة وآفة بخلاف الدنيا فإن حلالها حساب وحرامها عذاب.

ثم ذكر نوعاً آخر من قبيح خصال الكافرين وقيل أراد المنافقين فقال ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ كانوا يحضرون مجلس النبي  والجمعات ويسمعون كلامه ولا يعونه كما يعيه المسلم ﴿ حتى إذا خرجوا ﴾ انصرفوا وخرج المسلمون ﴿ من عندك ﴾ يا محمد قال المنافقون للعلماء وهم بعض الصحابة كابن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء: أيّ شيء قال محمد ﴿ آنفاً ﴾ أي في ساعتنا هذه.

وأنف كل شيء ما تقدمه ومنه فولهم "استأنفت الأمر" ابتدأته.

ولا يستعمل منه فعل ثلاثي بهذا المعنى.

وإنما توجه الذم عليهم لأن سؤالهم سؤال استهزاء وإعلام أنهم لم يلتفتوا إلى قوله، ولو كان سؤال بحث عما لم يفهموه لم يكن كذلك، على أن عدم الفهم دليل قلة الاكتراث بقوله.

ثم مدح أهل الحق بقوله ﴿ والذين اهتدوا ﴾ بالإيمان ﴿ زادهم ﴾ الله ﴿ هدى ﴾ بالتوفيق والتثبيت وشرح الصدر ونور اليقين ﴿ وآتاهم تقواهم ﴾ أعانهم عليها أو أعطاهم جزاء تقواهم.

وعن السدي: بين لهم ما يتقون.

وقيل: الضمير في ﴿ زادهم ﴾ للاستهزاء أو لقول الرسول  .

ثم خوف أهل الكفر والنفاق باقتراب القيامة.

وقوله ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل اشتمال من ﴿ الساعة ﴾ وأشراط الساعة إماراتها من انشقاق القمر وغيره.

ومنه مبعث محمد  فإنه نبي آخر الزمان ولهذا قال "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى ﴿ فأنى لهم ﴾ من أين لهم ﴿ إذا جاءتهم ﴾ الساعة ﴿ ذكراهم ﴾ أي لا ينفعهم تذكرهم وإيمانهم حينئذ فالذكرى مبتدأ و ﴿ أنى لهم ﴾ الخبر.

وقيل: فاعل ﴿ جاءتهم ﴾ ضمير يعود إلى "الذكرى".

وجوّز أن يرتفع "الذكرى" بالفعل والمبتدأ مقدر أي من أين لهم التذكر إذا جاءتهم الذكرى؟

والقول هو الأول ولله المرجع والمآب وإليه المصير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً ﴾ جعل الله - عز وجل - آيات رسالة رسوله  وحججه على المنافقين - صنيعهم وما أسروا في أنفسهم من الخلاف له والعداوة، فأطلع الله رسوله على ما أسروا في أنفسهم وأضمروه؛ ليكون ذلك آية لرسالته، وحجة لنبوته؛ إذ علموا أن لا أحد يطلع على ما في القلوب إلا الله -  - فإذا أخبر رسول الله لهم بما أسروا وأضمروا، وعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله -  - [كقوله:] ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ  ﴾ ، ونحو ذلك.

ثم الناس في الاستماع إلى رسول الله  يفرقون إلى فرق ثلاث: فالمؤمنون كانوا يستمعون إليه للاسترشاد واستزادة الهدى، وهو كقوله -  -: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً...

﴾ الآية [التوبة: 124] ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ...

﴾ الآية [التوبة: 125].

وقوله -  -: ﴿ وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ أي: أعطاهم ما اتقوا مخالفة أمره.

ويحتمل: ﴿ وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ أي: يوفقهم ما يتقون مخالفة أمره من بعد في المستأنف.

وقال بعضهم: أي: أعطاهم الله ثواب أعمالهم في الآخرة؛ يقول: كلما جاء من الله أمر أخذوا به، فزادهم الله -  - هدى ﴿ وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ ؛ أي: أجرهم.

وفي حرف ابن مسعود -  -: ﴿ وأنطاهم تقواهم ﴾ أي: أعطاهم، وهي لغة معروفة، أنطى: أي: أعطى، وكذلك قرأ: ﴿ إنا أنطيناك الكوثر ﴾ .

وقوله -  -: ﴿ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ﴾ كأن هذه الآية نزلت في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون إلا عند قيام الساعة؛ كأنه يقول: ما ينظرون لإيمانهم إلا الساعة أن تأتيهم بغتة، لكن لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت؛ كقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا  ﴾ ، كأنه - والله أعلم - يؤيس رسوله  عن الطمع في إيمانهم قبل ذلك الوقت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يحتمل ما ذكر من مجيء أشراطها هو رسول الله  ؛ لأنه خاتم الأنبياء، وبه ختمت النبوة، وروي عنه أنه قال: "بعثت [أنا] والساعة كهاتين" ، وأشار إلى أصبعين جمع بينهما، فإن كان التأويل هذا فهو على تحقيق مجيء أشراط الساعة؛ أي: قد جاءت أشراط الساعة حقيقة وتحققت.

والثاني: يحتمل أن يكون ما ذكر من مجيء أشراطها هي الأعلام والشرائط التي جعلت علماً لقيامها؛ من نحو نزول عيسى، وخروج دابة الأرض، وخروج الدجال، وغير ذلك، فقد مضى بعض تلك الأعلام؛ فيكون قوله: ﴿ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا ﴾ أي: كأن قد جاء أشراطها؛ إذ كل ما هو آت جاءٍ؛ فكأنه قد جاء؛ كقوله -  -: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَٰهُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: من أنى ينتفعون بإيمانهم في ذلك الوقت؟

وكيف لهم منفعة الذكرى إذا جاءت، والتوبة لا تقبل حينئذ؟

والثاني: من أين لهم الإيمان والتوبة إذا جاءتهم الذكرى؛ أي: ما يذكرهم في الدنيا قبل ذلك فلم يؤمنوا، ولم يتذكروا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: اعلم في حادث الوقت أنه لا إلا إلا الله؛ كقوله  : ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  ﴾ وقوله -  -: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ  ﴾ ، ونحو ذلك.

والثاني: يقول: فاعلم أن الإله المستحق للعبادة والمعبود الحق هو الإله الذي لا إله غيره؛ إذ الإله عند العرب هو المعبود؛ يقول: إن المعبود الذي يستحق العبادة هو الله -  - لا الأصنام التي تعبدونها دونه [و] تزعمون أن عبادتكم إياها تقربكم إليه زلفى.

والثالث: أمره أن يشعر قلبه في كل وقت [و]حال كلمة الإخلاص، والتوحيد له، والقول به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ﴾ إنما هو لافتتاح الكلام وابتدائه، على ما يؤمر المرء أن يبتدئ بالدعاء لنفسه عند أمره بالدعاء لغيره، وكان حقيقة الأمر بالدعاء للمؤمنين والمؤمنات دون نفسه، ولكن أمر بالدعاء لنفسه استحباباً، والله أعلم.

وجائز أن يكون له ذنب فيأمره بالاستغفار له، لكن نحن لا نعلم، وليس علينا أن نتكلف حفظ ذنوب الأنبياء - عليهم السلام - وذكرها، وكل موهوم منه الذنب يجوز أن يؤمر بالاستغفار، كقول إبراهيم -  - حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ  ﴾ لكن ليس ذنب الأنبياء وخطاياهم كذنب غيرهم؛ فذنب غيرهم ارتكاب القبائح من الصغائر والكبائر، وذنبهم ترك الأفضل دون مباشرة القبيح في نفسه، والله الموفق.

ثم أرجى آية للمؤمنين هذه الآية؛ لأنه - عز وجل - أمر رسوله -  - أن يستغفر لهم، فلا يحتمل ألا يستغفر وقد أمره مولاه بالاستغفار، ثم لا يحتمل - أيضاً - أنه إذا استغفر لهم على ما أمره به فلا يجيب له، وكذلك دعاء سائر الأنبياء - عليهم السلام - نحو دعاء نوح -  -: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ ، وقول إبراهيم -  -: ﴿ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ  ﴾ ، ونحو ذلك، وكذا استغفار الملائكة لهم - أيضاً - لقوله: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ...

﴾ الآية [غافر: 7] هذه الآيات أرجى آيات للمؤمنين ودعوات الأنبياء - عليهم السلام - أفضل وسائل تكون إلى الله -  - وأعظم قربة عنده، والله الموفق.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ فيه دلالة نقض قول المعتزلة، لأنهم يقولون: إن الصغائر مغفورة، لا يجوز لله -  - أن يعذب عباده عليها، والكبائر مما لا يحل له أن يغفرها لهم إلا بالاستغفار منهم والتوبة؛ فهذه الآية تنقض قولهم ومذهبهم؛ لأنه أمر رسوله أن يستغفر لهم، فلا يخلو إما أن تكون صغائر، وهي مغفورة عندهم؛ فكأنه يقول: اللهم لا تجر؛ لأنها مغفورة لا يسع له أن يعذب عليها، أو كبائر ولا يحل له المغفرة عنها، فيكون قوله: اللهم اغفر لهم، كأنه قال: اللهم جر؛ لأن مغفرته إياهم الكبائر يكون جوراً ووضع الشيء في غير موضعه.

فكيفما كان ففيها نقض قولهم وحجة لقولنا: إن له أن يعذبهم عليها وإن كانت صغائر، وله أن يعفو عنها وإن كانت كبائر؛ إذ المغفرة عن الذنب تكون، والله الموفق للصواب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ قال بعضهم: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ ﴾ في النهار ﴿ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ من الليل.

وقيل: يعلم ما ينقلبون بالنهار ويسكنون بالليل؛ وهما واحد.

وقال بعضهم: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ ﴾ في الدنيا ﴿ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ في الآخرة؛ أي: مقامكم فيها.

وهو يخرج عندنا على وجوه: أحدها: يحتمل هذا لظن قوم وتوهمهم أن الله -  - يجهل عواقب الأمور؛ حيث أنشأ هذا العالم، فجحدوه وجحدوا نعمه، فلا يحتمل أن ينشئهم، ويجعل لهم النعم وهو يعلم أنهم يجحدون وينكرون نعمه؛ لأن من فعل هذا في الشاهد فهو عابث غير حكيم، فعلى ذلك هذا، على زعمهم، فقال -  - جواباً لهم: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ أي: على علم بما يكون منهم أنشأهم وخلقهم، لا عن جهل على ما ظنوا هم، لكن ما ينبغي لهم أن ينسبوا الجهل إلى الله -  - لجهلهم بحق الحكمة في فعله؛ لأن الله - جل وعلا - لم ينشئ هذا العالم لحاجة له، أو لمنافع نفسه؛ بل إنما أنشأه لمنافع أنفسهم، ولحاجتهم، فإليهم ترجع منفعة الإجابة والطاعة، وعليهم تكون مضرة الجحود والرد، فأما في الشاهد فمن يأمر أحداً أو ينهاه عن أمر أو أرسل إليه رسولا على علم منه بالرد والجحود فهو سفيه غير حكيم؛ لأنه إنما يفعل ما يفعل لحاجة نفسه ولمنفعة له، فإذا علم منه الرد والإنكار فهو غير حكيم، فافترق الشاهد والغائب؛ لافتراق وجه الحكمة، والله الموفق.

والثاني: قوله -  -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ أي: يعلم جميع أحوالكم من حركاتكم، وسكونكم، وجميع تقلبكم؛ لتكونوا أبداً على حذر ويقظة، والله أعلم.

والثالث: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ أي: يعلم متقلبكم في الدنيا، ويعلم إلى ماذا يكون مرجعكم في الآخرة؛ أي: أنشأ كلا على ما علم أنه يكون منهم؛ كقوله -  -: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ أي: أنشأ من علم أنه يختار الكفر وعداوته لجهنم، وأنشأ من علم أنه يختار التوحيد وولايته للجنة، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ ﴾ إن الذين آمنوا كانوا يتمنون إنزال السورة، ويقولون: هلا نزلت سورة؛ لوجوه: أحدها: لتكون السورة حجة لهم، وآية على أعدائهم في الرسالة والبعث والتوحيد.

والثاني: كانوا يستفيدون بإنزال السورة أشياء ويزداد لهم يقين وتحقق في الدين؛ كقوله -  -: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ  ﴾ وأما المنافقون ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ  ﴾ ؛ على ما ذكر.

والثالث: يتمنون نزول السورة؛ ليتبين لهم المصدق من المكذب، والمتحقق من المرتاب.

هذه الوجوه التي ذكرنا تكون لأهل الإيمان؛ لذلك يتمنون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ ﴾ أي: محدثة، والمحدثة ليست بتفسير للمحكمة، إلا أن يعنوا بالمحدث: الناسخ، والناسخ هو المحدث والمتأخر نزولا، وهو محكم؛ لأنه يلزم العمل به، والله أعلم.

وفي حرف ابن مسعود -  -: ﴿ لولا نزلت سورة محدثة ﴾ ، والوجه ما ذكرنا.

والمحكمة عندنا على وجهين: أحدهما: أي: محكمة بالحجج والبراهين.

والثاني: لما أنزلت على أيدي قوم وتداولت فيما بينهم فلم يغيروه ولم يبدلوه؛ بل حفظوه؛ ليعلم أنه من عند الله حقّاً ومنه نزل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ ﴾ جعل الله - عز وجل - في القتال خصالا: أحدها: كثرة أهل الإسلام، وكثرة الأموال، وإن كان في ظاهر القتال إفناء الأنفس والأموال؛ لأنه قبل أن يفرض القتال كان يدخل من الإسلام واحد، فلما فرض القتال دخل فيه فوج فوج؛ على ما أخبر: ﴿ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً  ﴾ .

والثاني: ليتبين المصدق منهم من المكذب لهم، والمتحقق من المرتاب؛ لأنه لم يكن ليظهر ويتبين لهم المنافق من غيره إلى ذلك الوقت، فلما فرض القتال عند ذلك ظهر وتبين لهم أهل النفاق والارتياب من أهل الإيمان والتصديق.

والثالث: فيه آية الرسالة والبعث، وأما آية الرسالة فلأن أصحاب رسول الله  كانوا عدداً قليلا لا عدة لهم ولا قوة، أمروا بالقتال مع عدد لا يحصون، ولهم عدة وقوة؛ ليعلم أنهم لا بأنفسهم يقاتلون، ولكن بالله -  - إذ لا يحتمل قيام أمثالهم لأمثال أولئك مع كثرتهم وقوتهم، والله أعلم.

وأما آية البعث فلأنهم أمروا بقتال أقاربهم، وأرحامهم، والمتعلق بهم، وفي ذلك قطع أرحامهم، وقطع صلة قراباتهم؛ ليعلم أنهم إنما يفعلون هذا بالأمر لعاقبة تؤمل وتقصد؛ إذ لا يحتمل فعل ذلك بلا عاقبة تقصد، وبلا شيء يعتقد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ﴾ كان أهل النفاق يكرهون نزول ما ينبئهم عما في ضميرهم من النفاق والارتياب، كقوله -  -: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم  ﴾ وإذا أنزلت السورة يزداد لهم ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ ﴾ قال أهل التأويل: هذا وعيد لهم؛ كقوله: ﴿ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ...

﴾ الآية [القيامة: 34]، لكن ظاهره ليس بتوعد ولا تهدد، إنما ظاهره، أي: أحرى لكم وأولى أن تطيعوه، وأن تقولوا معروفاً، فإذا تركوا ذلك يكون وعيداً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ ﴾ اختلف في تأويله: قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ ﴾ ، وعزم الأمر؛ فعند ذلك كان ما ذكر من المنافقين حيث قال: ﴿ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ ﴾ ، وليس في نفس ذكر القتال ما ذكر من نظر المغشي عليه من الموت إنما ذلك الوصف وتلك الحال عند وجوب القتال، ولزومه، وتأكيده عليهم، وذلك في قوله -  -: ﴿ فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ ﴾ أي: وجب وفرض، فعند ذلك يكون حالهم ما ذكر، فأما بذكر نفس القتال فلا، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ ﴾ هو في الآخرة، أي: فإذا تحقق وظهر ما كان أوعدهم الرسول -  - من نزول العذاب بهم في الآخرة ﴿ فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ ﴾ في الدنيا لكان خيراً لهم في الآخرة؛ حيث كان لا ينزل العذاب بهم في الآخرة؛ أي: لو صدقوا رسول الله فيما يوعدهم من العذاب أنه ينزل بهم في الآخرة وتركوا مخالفته في الدنيا - لكان خيراً لهم في الآخرة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين ارتدوا عن إيمانهم إلى الكفر والنفاق، من بعد ما قامت عليهم الحجة، وتبيّن لهم صدق النبي  ، الشيطان هو الذي زين لهم الكفر والنفاق وسهَّله لهم، ومنّاهم بطول الأمل.

<div class="verse-tafsir" id="91.WyE5k"

مزيد من التفاسير لسورة محمد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله