الآية ٢٢ من سورة ق

الإسلام > القرآن > سور > سورة 50 ق > الآية ٢٢ من سورة ق

لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍۢ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌۭ ٢٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 106 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢ من سورة ق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢ من سورة ق عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وحكى ابن جرير ثلاثة أقوال في المراد بهذا الخطاب في قوله : ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) أحدها : أن المراد بذلك الكافر .

رواه علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس .

وبه يقول الضحاك بن مزاحم وصالح بن كيسان .

والثاني : أن المراد بذلك كل أحد من بر وفاجر ; لأن الآخرة بالنسبة إلى الدنيا كاليقظة والدنيا كالمنام .

وهذا اختيار ابن جرير ، ونقله عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس .

والثالث : أن المخاطب بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وبه يقول زيد بن أسلم ، وابنه .

والمعنى على قولهما : لقد كنت في غفلة من هذا الشأن قبل أن يوحى إليك ، فكشفنا عنك غطاءك بإنزاله إليك ، فبصرك اليوم حديد .

والظاهر من السياق خلاف هذا ، بل الخطاب مع الإنسان من حيث هو ، والمراد بقوله : ( لقد كنت في غفلة من هذا ) يعني : من هذا اليوم ، ( فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) أي : قوي ; لأن كل واحد يوم القيامة يكون مستبصرا حتى الكفار في الدنيا يكونون يوم القيامة على الاستقامة ، لكن لا ينفعهم ذلك .

قال الله تعالى : ( أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا ) [ مريم : 38 ] ، وقال تعالى : ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ) [ السجدة : 12 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا ) يقول تعالى ذكره: يقال له: لقد كنت في غفلة من هذا الذي عاينت اليوم أيها الإنسان من الأهوال والشدائد ( فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ ) يقول: فجلينا ذلك لك, وأظهرناه لعينيك, حتى رأيته وعاينته, فزالت الغفلة عنك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل, وإن اختلفوا في المقول ذلك له, فقال بعضهم: المقول ذلك له الكافر.

وقال آخرون: هو نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.

وقال آخرون: هو جميع الخلق من الجنّ والإنس.

ذكر من قال : هو الكافر: حدثني علي, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ ) وذلك الكافر.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ ) قال: للكافر يوم القيامة.

حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن سفيان ( فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ ) قال: في الكافر.

* ذكر من قال : هو نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا ) قال: هذا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , قال: لقد كنت في غفلة من هذا الأمر يا محمد, كنت مع القوم في جاهليتهم.( فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ).

وعلى هذا التأويل الذي قاله ابن زيد يجب أن يكون هذا الكلام خطابا من الله لرسوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أنه كان فى غفلة في الجاهلية من هذا الدين الذي بعثه به, فكشف عنه غطاءه الذي كان عليه في الجاهلية, فنفذ بصره بالإيمان وتبيَّنه حتى تقرّر ذلك عنده, فصار حادّ البصر به.

* ذكر من قال : هو جميع الخلق من الجنّ والإنس: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: ثني يعقوب بن عبد الرحمن الزهريّ, قال: سألت عن ذلك الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس, فقال: يريد به البرّ والفاجر,( فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) قال: وكُشِف الغطاء عن البرّ والفاجر, فرأى كلّ ما يصير إليه.

وبنحو الذي قلنا في معنى قوله ( فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ ) قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي , عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ ) قال: الحياة بعد الموت.

حدثنا بشر قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ ) قال: عاين الآخرة.

وقوله ( فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) يقول: فأنت اليوم نافذ البصر, عالم بما كنت عنه في الدنيا في غفلة, وهو من قولهم: فلان بصير بهذا الأمر: إذا كان ذا علم به, وله بهذا الأمر بصر: أي علم.

وقد رُوي عن الضحاك إنه قال: معنى ذلك ( فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) لسان الميزان, وأحسبه أراد بذلك أن معرفته وعلمه بما أسلف في الدنيا شاهد عدل عليه, فشبَّه بصره بذلك بلسان الميزان الذي يعدل به الحقّ في الوزن, ويعرف مبلغه الواجب لأهله عما زاد على ذلك أو نقص, فكذلك علم من وافي القيامة بما اكتسب في الدنيا شاهد عليه كلسان الميزان.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك قال ابن زيد : المراد به النبي صلى الله عليه وسلم ; أي : لقد كنت يا محمد في غفلة من الرسالة في قريش في جاهليتهم .

وقال ابن عباس والضحاك : إن المراد به المشركون أي : كانوا في غفلة من عواقب أمورهم .

وقال أكثر المفسرين : إن المراد به البر والفاجر .

وهو اختيار الطبري .

وقيل : أي : لقد كنت أيها الإنسان في غفلة عن أن كل نفس معها سائق وشهيد ; لأن هذا لا يعرف إلا بالنصوص الإلهية .

فكشفنا عنك غطاءك أي : عماك ; وفيه أربعة أوجه ، أحدها : إذ كان في بطن أمه فولد ؛ قاله السدي .

الثاني : إذا كان في القبر فنشر .

وهذا معنى قول ابن عباس .

الثالث : وقت العرض في القيامة ; قاله مجاهد .

الرابع : أنه نزول الوحي وتحمل الرسالة .

وهذا معنى قول ابن زيد .

فبصرك اليوم حديد قيل : يراد به بصر القلب كما يقال هو بصير بالفقه فبصر القلب وبصيرته تبصرته شواهد الأفكار ونتائج الاعتبار ، كما تبصر العين ما قابلها من الأشخاص والأجسام .

وقيل : المراد به بصر العين وهو الظاهر أي : بصر عينك اليوم حديد ; أي : قوي نافذ يرى ما كان محجوبا عنك .

قال مجاهد : فبصرك اليوم حديد يعني نظرك إلى لسان ميزانك حين توزن سيئاتك وحسناتك .

وقاله الضحاك .

وقيل : يعاين ما يصير إليه من ثواب وعقاب .

وهو معنى قول ابن عباس .

وقيل : يعني أن الكافر يحشر وبصره حديد ثم يزرق ويعمى .

وقرئ : " لقد كنت " " عنك " " فبصرك " بالكسر على خطاب النفس .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا } أي: يقال للمعرض المكذب يوم القيامة هذا الكلام، توبيخًا، ولومًا وتعنيفًا أي: لقد كنت مكذبًا بهذا، تاركًا للعمل له فالآن { كشفنا عَنْكَ غِطَاءَكَ } الذي غطى قلبك، فكثر نومك، واستمر إعراضك، { فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ } ينظر ما يزعجه ويروعه، من أنواع العذاب والنكال.أو هذا خطاب من الله للعبد، فإنه في الدنيا، في غفلة عما خلق له، ولكنه يوم القيامة، ينتبه ويزول عنه وسنه، ولكنه في وقت لا يمكنه أن يتدارك الفارط، ولا يستدرك الفائت، وهذا كله تخويف من الله للعباد، وترهيب، بذكر ما يكون على المكذبين، في ذلك اليوم العظيم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لقد كنت في غفلة من هذا ) .

( لقد كنت في غفلة من هذا ) اليوم في الدنيا ( فكشفنا عنك غطاءك ) الذي كان في الدنيا على قلبك وسمعك وبصرك ( فبصرك اليوم حديد ) نافذ تبصر ما كنت تنكر في الدنيا .

وروي عن مجاهد قال : يعني نظرك إلى لسان ميزانك حين توزن حسناتك وسيئاتك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لقد كنت» في الدنيا «في غفلة من هذا» النازل بك اليوم «فكشفنا عنك غطاءك» أزلنا غفلتك بما تشاهده اليوم «فبصرُك اليوم حديد» حاد تدرك به ما أنكرته في الدنيا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لقد كنت في غفلة من هذا الذي عاينت اليوم أيها الإنسان، فكشفنا عنك غطاءك الذي غطَّى قلبك، فزالت الغفلة عنك، فبصرك اليوم فيما تشهد قوي شديد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم يقال للكافر فى هذا اليوم العصيب : ( لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ ) تامة ( مِّنْ هذا ) الذى تعانيه اليوم وتشاهده ( فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ ) أى : فأنزلنا عنك فى هذا اليوم تلك الغفلة التى كانت تحجبك عن الاستعداد لهذا اليوم بالإِيمان والعمل الصالح .( فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ ) أى : فبصرك ونظرك فى هذا اليوم نافذ قوى ، تستطيع أن تبصر به ما كنت تنكره فى الدنيا ، من البعث والحساب والثواب والعقاب .يقال : فلان حديد البصر ، إذا كان شيدد الإِبصار بحيث ترى أكثر مما يراه غيره .وهكذا نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد بينت بأسلوب بليغ مؤثر ، شمول علم الله - تعالى - لكل شئ ، كما بينت حالة الإِنسان يوم القيامة ، يوم تأتى كل نفس ومعها سائق وشهيد .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وقوله تعالى: ﴿ لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مّنْ هذا ﴾ إما على تقدير يقال له أو قيل له ﴿ لَّقَدْ كُنتَ ﴾ كما قال تعالى: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا  ﴾ وقال تعالى: ﴿ قِيلَ ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ  ﴾ والخطاب عام أما الكافر فمعلوم الدخول في هذا الحكم وأما المؤمن فإنه يزداد علماً ويظهر له ما كان مخفياً عنه ويرى علمه يقيناً رأى المعتبر يقيناً فيكون بالنسبة إلى تلك الأحوال وشدة الأهوال كالغافل وفيه الوجهان اللذان ذكرناهما في قوله تعالى: ﴿ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ  ﴾ والغفلة شيء من الغطاء كاللبس وأكثر منه لأن الشاك يلتبس الأمر عليه والغافل يكون الأمر بالكلية محجوباً قلبه عنه وهو الغلف.

وقوله تعالى: ﴿ فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ ﴾ أي أزلنا عنك غفلتك ﴿ فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ ﴾ وكان من قبل كليلا، وقرينك حديداً، وكان في الدنيا خليلاً، وإليه الإشارة بقوله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما ذكر إنكارهم البعث واحتج عليهم بوصف قدرته وعلمه، أعلمهم أن ما أنكروه وجحدوه هم لاقوه عن قريب عند موتهم وعند قيام الساعة، ونبه على اقتراب ذلك بأن عبر عنه بلفظ الماضي.

وهو قوله: ﴿ وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ﴾ ﴿ وَنُفِخَ فِي الصور ﴾ ، وسكرة الموت: شدّته الذاهبة بالعقل.

والباء في بالحق للتعدية، يعني: وأحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر الذي أنطق الله به كتبه وبعث به رسله.

أو حقيقة الأمر وجلية الحال: من سعادة الميت وشقاوته.

وقيل: الحق الذي خلق له الإنسان، أن كل نفس ذائقة الموت.

ويجوز أن تكون الباء مثلها في قوله: ﴿ تَنبُتُ بالدهن ﴾ [المؤمنون: 20] أي وجاءت ملتبسة بالحق، أي: بحقيقة الأمر.

أو بالحكمة والغرض الصحيح، كقوله تعالى: ﴿ خَلَقَ السموات والأرض بالحق ﴾ [الأنعام: 73] وقرأ أبو بكر وابن مسعود رضي الله عنهما ﴿ سكرة الحق بالموت ﴾ على إضافة السكرة إلى الحق والدلالة على أنها السكرة التي كتبت على الإنسان وأوجبت له، وأنها حكمة.

والباء للتعدية؛ لأنها سبب زهوق الروح لشدتها، أو لأنّ الموت يعقبها؛ فكأنها جاءت به.

ويجوز أن يكون المعنى: جاءت ومعها الموت.

وقيل سكرة الحق سكرة الله، أضيفت إليه تفظيعاً لشأنها وتهويلاً.

وقرئ: ﴿ سكرات الموت ﴾ ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارة إلى الموت، والخطاب للإنسان في قوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان ﴾ [الحجر: 26] على طريق الالتفات.

أو إلى الحق والخطاب للفاجر ﴿ تَحِيدُ ﴾ تنفر وتهرب.

وعن بعضهم: أنه سأل زيد بن أسلم عن ذلك فقال: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فحكاه لصالح بن كيسان فقال: والله ما سنّ عالية ولا لسان فصيح ولا معرفة بكلام العرب، هو للكافر.

ثم حكاهما للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس فقال: أخالفهما جميعاً: هو للبر والفاجر ﴿ ذَلِكَ يَوْمَ الوعيد ﴾ على تقدير حذف المضاف، أي: وقت ذلك يوم الوعيد، والإشارة إلى مصدر نفخ ﴿ سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾ ملكان: أحدهما يسوقه إلى المحشر، والآخر يشهد عليه بعمله.

أو ملك واحد جامع بين الأمرين، كأنه قيل: معها ملك يسوقها ويشهد عليها؛ ومحل ﴿ مَّعَهَا سَائِقٌ ﴾ النصب على الحال من كل لتعرّفه بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة.

قرئ: ﴿ لقد كنت ﴾ عنكِ غطائكِ فبصركِ، بالكسر على خطاب النفس، أي: يقال لها لقد كنتِ.

جعلت الغفلة كأنها غطاء غطى به جسده كله أو غشاوة غطى بها عينيه فهو لا يبصر شيئاً؛ فإذا كان يوم القيامة تيقظ وزالت الغفلة عنه وغطاؤها فيبصر ما لم يبصره من الحق.

ورجع بصره الكليل عن الإبصار لغفلته: حديداً لتيقظه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ ﴾ مَلَكانِ أحَدُهُما يَسُوقُهُ والآخَرُ يَشْهَدُ بِعَمَلِهِ، أوْ مَلَكٌ جامِعٌ لِلْوَصْفَيْنِ.

وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ.

وقِيلَ: السّائِقُ نَفْسُهُ أوْ قَرِينُهُ والشَّهِيدُ جَوارِحُهُ أوْ أعْمالُهُ، ومَحَلُّ مَعَها النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن كُلٍّ لِإضافَتِهِ إلى ما هو في حُكْمِ المَعْرِفَةِ.

﴿ لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ والخِطابُ لِكُلِّ نَفْسٍ إذْ ما مِن أحَدٍ إلّا ولَهُ اشْتِغالٌ ما عَنِ الآخِرَةِ أوْ لِلْكُفّارِ.

﴿ فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ﴾ الغِطاءَ الحاجِبَ لِأُمُورِ المَعادِ، وهو الغَفْلَةُ والِانْهِماكُ في المَحْسُوساتِ والإلْفُ بِها وقُصُورُ النَّظَرِ عَلَيْها.

﴿ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ نافِذٌ لِزَوالِ المانِعِ لِلْإبْصارِ.

وقِيلَ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمَعْنى: كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن أمْرِ الدِّيانَةِ فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَ الغَفْلَةِ بِالوَحْيِ وتَعْلِيمِ القُرْآنِ، فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ تَرى ما لا يَرَوْنَ وتَعْلَمُ ما لا يَعْلَمُونَ.

ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ مَن كَسَرَ التّاءَ والكافاتِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَّقَدْ كُنتَ} أي يقال لها لقد كنت {فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هذا} النازل بك اليوم {فكشفنا عنك غطاءك} اى فأنزلنا غفلتك بما تشاهد {فبصرك اليوم حديد} جعلت الغلة كأنها غطاء غطي به جسده كله أو غشاوة غطي بها عينيه فهو لا يبصر شيئاً فإذا كان يوم القيامة تيقظ وزالت عنه الغفلة وغطاؤها فيبصر ما لم يبصره من الحق ورجع بصره الكليل عن الإبصار لغفلته حديداً لتيقظه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن ﴾ هَذا مَحْكِيٌّ بِإضْمارِ قَوْلٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ بَعْدَ النَّفْخِ ومَجِيءِ كُلِّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ؟

فَقِيلَ: يُقالُ لِلْكافِرِ الغافِلِ إذا عايَنَ الحَقائِقَ الَّتِي لَمْ يُصَدِّقْ بِها في الدُّنْيا مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا الَّذِي تُعايِنُهُ، فالخِطابُ لِلْكافِرِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وصالِحُ بْنُ كَيْسانَ، وتَنْكِيرُ الغَفْلَةِ وجَعْلُهُ فِيها وهي فِيهِ يَدُلُّ عَلى أنَّها غَفْلَةٌ تامَّةٌ، وهَكَذا غَفْلَةُ الكَفَرَةِ عَنِ الآخِرَةِ وما فِيها، وقِيلَ: الجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بِإضْمارِ قَوْلٍ هو صِفَةٌ- لِنَفْسٍ- أوْ حالٌ والخِطابُ عامٌّ أيْ يُقالُ لِكُلِّ نَفْسٍ أوْ قَدْ قِيلَ لَها: لَقَدْ كُنْتَ، والمُرادُ بِالغَفْلَةِ الذُّهُولُ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ بَعْدَ العِلْمِ أمْ لا، وما مِن أحَدٍ إلّا ولَهُ غَفْلَةٌ ما مِنَ الآخِرَةِ وما فِيها، وجُوِّزَ الِاسْتِئْنافُ عَلى عُمُومِ الخِطابِ أيْضًا.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ (لَقَدْ كُنْتِ) بِكَسْرِ التّاءِ عَلى مُخاطَبَةِ النَّفْسِ وهي مُؤَنَّثَةٌ وتَذْكِيرُها في قَوْلِهِ: يا نَفْسُ إنَّكَ بِاللَّذّاتِ مَسْرُورٌ.

عَلى تَأْوِيلِها بِالشَّخْصِ، ولا يَلْزَمُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ لِأنَّ التَّعْبِيرَ بِالنَّفْسِ في الحِكايَةِ لا يَسْتَدْعِي اعْتِبارَهُ في المَحْكِيِّ كَما لا يَخْفى.

﴿ فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ﴾ الغِطاءُ الحِجابُ المُغَطِّي لِأُمُورِ المَعادِ وهو الغَفْلَةُ والِانْهِماكُ في المَحْسُوساتِ والإلْفِ بِها وقَصْرِ النَّظَرِ عَلَيْها، وجَعَلَ ذَلِكَ غِطاءً مَجازًا، وهو إمّا غِطاءُ الجَسَدِ كُلِّهِ أوِ العَيْنَيْنِ، وعَلى كِلَيْهِما يَصِحُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ أيْ نافِذٌ لِزَوالِ المانِعِ لِلْإبْصارِ، أمّا عَلى الثّانِي فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّ غِطاءَ الجَسَدِ كُلِّهِ غِطاءٌ لِلْعَيْنَيْنِ أيْضًا فَكَشْفُهُ عَنْهُ يَسْتَدْعِي كَشْفَهُ عَنْهُما.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أمْرِ النَّفْخِ والبَعْثِ ومَجِيءِ كُلِّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ وغَيْرِ ذَلِكَ فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَ الغَفْلَةِ بِالوَحْيِ وتَعْلِيمِ القُرْآنِ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ تَرى ما لا يَرَوْنَ وتَعْلَمُ ما لا يَعْلَمُونَ، ولَعَمْرِي إنَّهُ زَعْمٌ ساقِطٌ لا يُوافِقُ السِّباقَ ولا السِّياقَ.

وفي البَحْرِ وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قَوْلٌ في هَذِهِ الآيَةِ يَحْرُمُ نَقْلُهُ وهو في كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ انْتَهى، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ هَذا لَكِنْ في دَعْوى حُرْمَةِ النَّقْلِ بَحْثٌ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِكَسْرِ الكافاتِ الثَّلاثَةِ أعْنِي كافَ ( عَنْكِ ) وما بَعْدَهُ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، ولَمْ يَنْقُلْ صاحِبُ اللَّوامِحِ الكَسْرَ في الكافِ إلّا عَنْ طَلْحَةَ وقالَ: لَمْ أجِدْ عَنْهُ في ﴿ لَقَدْ كُنْتَ ﴾ الكَسْرَ فَإنْ كَسَرَ فِيهِ أيْضًا فَذاكَ وإنْ فَتَحَ يَكُونُ قَدْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى لَفْظِ ( كُلُّ ) وحَمْلُ الكَسْرِ فِيما بَعْدَهُ عَلى مَعْناهُ لِإضافَتِهِ إلى ( نَفْسٍ ) وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَهُ أجْرُهُ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَهُ ﴿ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ انْتَهى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ والرسّ: بئر دون اليمامة، وإن عليها قوماً كذبوا رسلهم، فأهلكهم الله تعالى وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ يعني: قومه وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ يعني: قوم شعيب وَقَوْمُ تُبَّعٍ يعني: قوم حمير.

ويقال: تبع كان اسم ملك.

وروى وكيع عن عمران بن جرير، عن أبي مجلز قال: جاء عبد الله بن عباس إلى عبد الله بن سلام، فسأله عن تبع، فقال: كان تبع رجلاً من العرب، ظهر على الناس، وسبا على فتية من الأحبار.

فكان يحدثهم، ويحدثونه.

فقال قومه: إن تبعاً ترك دينكم، وتابع الفتية.

فقال: تبع للفتية: ألا ترون إلى ما قال هؤلاء.

فقالوا: بيننا وبينهم النار التي تحرق الكاذب، وينجو منها الصادق.

قال: نعم.

فقال تبع للفتية: ادخلوه، فتقلدوا مصاحفهم.

ثم دخلوها، فانفرجت لهم حتى قطعوها.

ثم قال لقومه: ادخلوها.

فلما دخلوا، وجدوا حر النار كفوا.

فقال لهم: لتدخلنها، فدخلوها.

فلما توسطوا، أحاطت بهم النار، فأحرقتهم، وأسلم تبع وكان رجلاً صالحاً.

ويقال: كان اسمه سعد بن ملكي كرب، وكنيته: أبو كرب.

كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ يعني: جميع هؤلاء كذبوا رسلهم فَحَقَّ وَعِيدِ يعني: وجب عليهم عذابي.

معناه: فاحذروا يا أهل مكة مثل عذاب الأمم الخالية، فلا تكذبوا رسول الله  .

ثم قال عز وجل: أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ قال مقاتل: يعني: أعجزنا عن الخلق الأول حين خلقناهم، ولم يكونوا شيئاً.

فكذلك نخلقهم، ونبعثهم.

أي: ما عيينا عن ذلك، فكيف نعيي عن بعثهم.

ويقال: معناه أعيينا خلقهم الأول، ولم يكونوا شيئاً، لأن الذي قد كان، فإعادته أيسر في رأي العين من الابتداء.

يقال: عييت بالأمر إذا لم تعرف وجهه.

وقال الزجاج: هذا تقرير تقرر، لأنهم اعترفوا في الابتداء، أن الله عز وجل خلقهم، ولم يكونوا شيئاً.

ثم قال: بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ يعني: في شك من البعث بعد الموت.

ويقال: بل أقاموا على شكهم.

قوله عز وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ يعني: جنس الإنسان، وأراد به جميع الخلق وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ يعني: ما يحدث به قلبه، ويتفكر في قلبه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ يعني: في القدرة عليه، وحبل الوريد عرق يخالط القلب.

ويقال: هو العرق الذي داخل العنق الذي هو عرق الروح، فأعلمه الله تعالى أنه أقرب إليه من ذلك العرق.

ويقال: الوريدان عرقان بين الحلقوم، والعلباوين.

والحبل هو الوريد.

وأضيف إلى نفسه لاختلاف لفظي اسميه.

قوله عز وجل: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ يعني: يكتب الملكان عمله، ومنطقه.

يعني: يتلقيان منه ويكتبان.

وقال أهل اللغة تلقى، وتلقف، بمعنى واحد.

عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ يعني: عن يمين ابن آدم، وعن شماله قاعدان.

أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، وصاحب اليمين موكل على صاحب الشمال، اثنان بالليل، واثنان بالنهار، وكان في الأصل قعيدان، ولكن اكتفى بذكر أحدهما فقال: قعيد.

ثم قال عز وجل: مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ يعني: ما يتكلم ابن آدم بقولٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ يعني: عنده حافظ حاضر.

وقال الزجاج: عَتِيدٌ أي: ثابت، لازم.

قوله تعالى: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ يعني: جاءت غمرته بالحق أنه كائن.

ويقال: جاءت نزعات الموت بالحق.

يعني: بالسعادة، والشقاوة.

يعني: يتبين له عند الموت.

ويقال: فيه تقديم، ومعناه: جاءت سكرة الحق بالموت.

روي عن أبي بكر الصديق، أنه كان يقرأ وَجَاءتْ سَكْرَةُ الحق بالموت ذلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ يعني: يقال له: هذا الذي كنت تخاف منه، وتكره.

ويقال: ذلك اليوم الذي كنت تفر منه.

وَنُفِخَ فِي الصُّورِ يعني: النفخة الأخيرة وهي نفخة البعث ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ يعني: العذاب في الآخرة وَجاءَتْ أي: جاءت يوم القيامة كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ سائق يسوقها إلى المحشر، ويسوقها إلى الجنة، أو إلى النار.

وَشَهِيدٌ يعني: الملك يشهد عليها.

وقال القتبي: السائق هاهنا، قرينها من الشياطين، يسوقها.

سمي سائقاً، لأنه يتبعها، والشهيد: الملك.

ويقال: الشاهد أعضاؤه.

ويقال: الليل، والنهار، والبقعة، تشهد عليه.

ويقال له: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا يعني: من هذا اليوم، فلم تؤمن به، وقد ظهر عندك بالمعاينة فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ يعني: غطاء الآخرة.

ويقال: أريناك ما كان مستوراً عنك في الدنيا.

ويقال: أريناك الغطاء الذي على أبصارهم، كما قال: وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [البقرة: 7] حيث لم يعقلوا فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ أي: نافذ.

ويقال: شاخص بصره لا يطوف، يديم النظر حين يعاين في الآخرة، ما كان مكذباً به.

ويقال: حَدِيدٌ أي: حاد كما يقال: حَفِيظٍ يعني: حافظ، وقعيد بمعنى قاعد.

وقال الزجاج: هذا مثل.

ومعناه: إنك كنت بمنزلة من عليه غطاء فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ يعني: علمك بما أنت فيه نافذ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وكونُ العبد في قبضة القدرة والعلم قد أُحِيط به، فالقرب هو بالقدرة والسُّلطان، إذ لا يَنْحَجِبُ عن علم اللَّه لا باطنٌ ولا ظاهر، والوريد: عرق كبير في العُنُقِ، ويقال: إنَّهما وريدان عن يمين وشمال.

وأَمَّا قوله تعالى: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ فقال المفسرون: العامل في إذ أَقْرَبُ ويحتمل عندي أَنْ يكون العاملُ فيه فعلاً مُضْمَراً تقديره: اذكر إذ يتلقى المتلقيان، والْمُتَلَقِّيانِ: المَلَكَانِ المُوَكَّلان بكل إنسان، مَلَكُ اليمين الذي يكتب الحسناتِ، وملك الشمال الذي يكتب السيِّئات قال الحسن: الحَفَظَةُ أربعة: اثنان بالنهار، واثنان بالليل «١» ، قال ع «٢» : ويؤيد ذلك الحديث الصَّحيح: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ، مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ» «٣» الحديث/ بكماله، ويُرْوَى أَنَّ مَلَك اليمين أمير على ملك الشمال، وأَنَّ العبد إذا أَذنب يقول ملك اليمين للآخر: تَثَبَّتْ لَعَلَّهُ يتوبُ رواه إبراهيم التيمي، وسفيان الثوري، وقَعِيدٌ: معناه قاعد.

وقوله سبحانه: مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ ...

الآية، قال الحسن بن أبي الحسن وقتادة:

يكتب الملكانِ جميعَ الكلام، فيثبت اللَّه من ذلك الحسناتِ والسيئات، ويمحو غيرَ هذا «٤» ، وهذا هو ظاهر هذه الآية، قال أبو الجوزاء، ومجاهد: يكتبان عليه كُلَّ شيء حتى أنينه في مرضه «٥» ، وقال عِكْرَمَةُ: يكتبان الخير والشَّرَّ فقط «٦» قال ع «٧» : والأوَّلُ أصوب.

ت: وروى أبو الدرداء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «كُلُّ شَيْءٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ ابْنُ آدَمَ، فَإنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ، إذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً، فَأَحَبَّ أَنْ يَتُوبَ إلَى اللَّه، فَلْيَأْتِ، فَلْيَمُدَّ يديه إلى الله

عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ، إنِّي أَتُوبُ إلَيْكَ مِنْهَا، لاَ أَرْجِعُ إلَيْهَا أَبَداً، فَإنَّهُ يُغْفَرُ لَهُ مَا لَمْ يَرْجِعْ في عَمَلِهِ ذَلِكَ» رواه الحاكم في «المستَدْرَكِ» ، وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين، يعني البخاريَّ ومسلماً «١» ، انتهى من «السِّلاح» ، قال النَّوَوِيُّ- رحمه اللَّه تعالى-: ينبغي لكل مُكَلَّفٍ أَنْ يحفظ لسانه من جميع الكلام إلاَّ كلاماً تظهر فيه مصلحته، ومتى استوى الكلامُ وتركه بالمصلحة فالسُّنَّةُ الإمساكُ فإنَّهُ قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وهذا هو الغالب، والسلامة لا يعدلها شيء، وقد صحّ عنه صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه البخاريُّ ومسلم أَنَّه قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَصْمُتْ» «٢» وهو نَصٌّ صريح فيما قلناه، قال: ورُوِّينَا في «كتاب الترمذيِّ» / و «ابن ماجه» عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من حسن إسلام المرء تركه مَا لاَ يَعْنِيهِ» قال الترمذيُّ: حديث حسن «٣» ، وفيه عن عُقْبَةَ بن عامر «قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَا النَّجَاةُ؟

قَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وابك على خَطِيئَتِكَ» قال الترمذيّ: حديث حسن «٤» ، وفيه عنه صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، دَخَلَ الجَنَّةَ» قال الترمذيُّ: حديث حسن «٥» ، انتهى، والرقيب:

المُرَاقِبُ، والعتيد: الحاضر.

وقوله: وَجاءَتْ عطف، عندي، على قوله: إِذْ يَتَلَقَّى فالتقدير: وإذ تجيء سكرة الموت.

ت: قال شيخُنَا، زينُ الدين العراقيُّ في أرجوزته: [الرجز] وَسَكْرَةُ المَوْتِ اختلاط الْعَقْلِ......

البيت.

انتهى.

وقوله: بِالْحَقِّ معناه: بلقاء اللَّهِ، وَفَقْدُ الحياة الدنيا، وفراقُ الحياة حَقٌّ يعرفه الإنسانُ، ويحيد منه بأمله، ومعنى هذا الحيد أَنَّه يقول: أعيش كذا وكذا، فمتى فكر حاد بذهنه وأمله إلى مسافة بعيدة من الزمان، وهذا شأن الإنسان، حَتَّى يفاجئه الأجل قال عَبْدُ الحَقِّ في «العاقبة» : وَلَمَّا احْتَضَرَ مالك بن أنس، ونزل به الموتُ قال لمن حضره: لَيُعَاينَنَّ الناسُ غداً من عفو اللَّه وَسَعَةِ رحمته ما لم يخطر على قلب بشر، كُشِفَ له- رضي اللَّه عنه- عن سعة رحمة اللَّه وكثرة عفوه وعظيم تجاوُزِهِ ما أوجب أَنْ قال هذا، وقال أبو سليمان الدارانيُّ: دخلنا على عابد نزوره، وقد حضره الموتُ، وهو يبكي، فقلنا له: ما يبكيك- رحمك اللَّه؟!

- فأنشأ يقول: [الطويل]

وَحُقَّ لِمِثْلِي البُكَا عِنْدَ مَوْتِه ...

وَمَالِيَ لاَ أَبْكِي/ وَمَوْتِي قَدِ اقترب

وَلِي عَمَلٌ في اللَّوْحِ أَحْصَاهُ خَالِقِي ...

فَإنْ لَمْ يَجُدْ بِالْعَفْوِ صِرْتُ إلَى العطب

انتهى، ويَوْمُ الْوَعِيدِ: هو يوم القيامة، والسائِقُ: الحاثُّ على السير، واختلف الناسُ في السائق والشهيد، فقال عثمان بن عفان وغيره: هما مَلَكَانِ مُوَكَّلاَنِ بكل إنسان أحدهما يسوقه، والآخر مِنْ حَفَظَتِهِ يشهد عليه «١» ، وقال أبو هريرة: السائق: مَلَكٌ،

والشهيد: العمل «١» ، وقيل: الشهيد: الجوارح، وقال بعض النظار: سائق اسم جنس وشهيد كذلك، فالسَّاقَةُ للناس ملائكة مُوَكَّلُون بذلك، والشهداء: الحَفَظَةُ في الدنيا، وكل مَنْ يشهد.

وقوله سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ يعمُّ الصالحين وغيرهم فإنَّما معنى الآية شهيد بخيره وشَرِّهِ، ويقوى في شهيد اسم الجنس، فتشهد الملائكة، والبِقَاعُ والجوارحُ وفي الصحيح:

«لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس، ولا جِنٌّ، وَلاَ شَيْءٌ إلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «٢» .

وقوله سبحانه: لَقَدْ كُنْتَ قال ابن عباس وغيره: أَي: يقال للكافر «٣» : لقد كنتَ في غفلة من هذا، فلمَّا كُشِفَ الغطاءُ عنك الآنَ احْتَدَّ بصرُك، أي: بصيرتك وهذا كما تقول: فلان حديد الذِّهْنِ ونحوه، وقال مجاهد «٤» : هو بصر العين، أي: احْتَدَّ التفاته إلى ميزانه، وغيرِ ذلك من أهوال القيامة.

والوجه عندي، في هذه الآية، ما قاله الحسن وسالم بن عبد اللَّه «٥» : إنَّها مُخَاطَبَةٌ للإِنسان ذي النفس المذكورة من مؤمن وكافر، وهكذا، قال الفخر «٦» : قال: والأقوى أنْ يقال: هو خطاب عامٌّ مع السامع، كأنَّهُ يقول: ذلك ما كنتَ منه تحيد أيُّها السامع، انتهى، وينظر إلى معنى كشف/ الغطاء قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «النّاس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا» «٧» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ يَعْنِي ابْنَ آدَمَ، ﴿ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴾ أيْ: ما تُحَدِّثُهُ بِهِ نَفْسُهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: نَعْلَمُ ما يُكِنُّهُ في نَفْسِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ ﴾ أيْ: بِالعِلْمِ ﴿ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴾ الحَبْلُ هو الوَرِيدُ، وإنَّما أضافَهُ إلى نَفْسِهِ لِما شَرَحْناهُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ وَحَبَّ الحَصِيدِ  ﴾ قالَ الفَرّاءُ: والوَرِيدُ: عِرْقٌ بَيْنَ الحُلْقُومِ والعِلْباوَيْنِ.

وعَنْهُ أيْضًا قالَ: عِرْقٌ بَيْنَ اللَّبَّةِ والعِلْباوَيْنِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الوَرِيدُ: عِرْقٌ في باطِنِ العُنُقِ، [وَهُما ورِيدانِ]، والعِلْباوانِ: العَصَبَتانِ الصَّفْراوانِ في مَتْنِ العُنُقُ، واللَّبَّتانِ: مَجْرى القُرْطِ في العُنُقِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اللَّبَّةُ حَيْثُ يَتَذَبْذَبُ القُرْطُ مِمّا يَقْرُبُ مِن شَحْمَةِ الأُذُنِ.

وحَكى بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ الوَرِيدَ: عِرْقٌ مُتَفَرِّقٌ في البَدَنِ مَخالِطٌ لِجَمِيعِ الأعْضاءِ، فَلَمّا كانَتْ أبْعاضُ الإنْسانِ يَحْجُبُ بَعْضُها بَعْضًا، أعْلَمَ أنَّ عِلْمَهُ لا يَحْجُبُهُ شَيْءٌ.

والمَعْنى: ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ حِينَ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ، وهُما المَلَكانِ المُوَكَّلانِ بِابْنِ آدَمَ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَهُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ ﴾ أيْ: يَأْخُذانِ ذَلِكَ ويُثْبِتانِهِ ﴿ عَنِ اليَمِينِ ﴾ كاتِبُ الحَسَناتِ ﴿ وَعَنِ الشِّمالِ ﴾ كاتِبُ السَّيِّئاتِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَدَلَّ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، فَحُذِفَ المَدْلُولُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْ دَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وَقالَ آخَرُ: رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوِيِّ رَمانِي المَعْنى: كُنْتُ مِنهُ بَرِيئًا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القَعِيدُ بِمَعْنى قاعِدٍ، كَما يُقالُ: "قَدِيرٌ" بِمَعْنى "قادِرٍ"، ويَكُونُ القَعِيدُ بِمَعْنى مُقاعِدٍ كالأكِيلِ والشَّرِيبِ بِمَنزِلَةِ: المُؤاكِلِ والمُشارِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَلْفِظُ ﴾ يَعْنِي الإنْسانَ، أيْ: ما يَتَكَلَّمُ مِن كَلامٍ فَيَلْفِظُهُ، أيْ: يَرْمِيهِ مِن فَمِهِ، ﴿ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ ﴾ أيْ: حافِظٌ، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ، إمّا صاحِبُ اليَمِينِ، وإمّا صاحِبُ الشِّمالِ ﴿ عَتِيدٌ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: العَتِيدُ: الثّابِتُ اللّازِمُ.

وقالَ غَيْرُهُ: العَتِيدُ: الحاضِرُ مَعَهُ أيْنَما كانَ.

ورَوى أبُو أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « " كاتِبُ الحَسَناتِ عَلى يَمِينِ الرَّجُلِ، وكاتِبُ السَّيِّئاتِ عَلى يَسارِهِ، فَكاتِبُ الحَسَناتِ أمِينٌ عَلى كاتِبِ السَّيِّئاتِ، فَإذا عَمِلَ حَسَنَةً كَتَبَها لَهُ صاحِبُ اليَمِينِ عَشْرًا، وإذا عَمِلَ سَيِّئَةً، وأرادَ صاحِبُ الشِّمالِ أنْ يَكْتُبَها، قالَ صاحِبُ اليَمِينِ: أمْسِكْ، فَيُمْسِكُ عَنْهُ سَبْعَ ساعاتٍ، فَإنِ اسْتَغْفَرَ مِنها لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وإنْ لَمْ يَسْتَغْفِرْ كُتِبَ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ " .» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَ اللَّهُ عَلى ابْنِ آدَمَ حافِظَيْنِ في اللَّيْلِ، وحافِظَيْنِ في النَّهارِ.

واخْتَلَفُوا هَلْ يَكْتُبانِ جَمِيعَ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُما يَكْتُبانِ عَلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى أنِينَهُ في مَرَضِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُما لا يَكْتُبانِ إلّا ما يُؤْجَرُ [عَلَيْهِ]، أوْ يُؤْزَرُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

فَأمّا مَجْلِسُهُما، فَقَدْ نَطَقَ القُرْآنُ بِأنَّهُما عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ، وكَذَلِكَ ذَكَرْنا في حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ.

وقَدْ رَوى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: « "إنَّ مَقْعَدَ مَلَكَيْكَ عَلى ثَنِيَّتَيْكَ ولِسانُكَ قَلَمُهُما، ورِيقُكَ مِدادُهُما، وأنْتَ تَجْرِي فِيما لا يَعْنِيكَ"» ورُوِيَ عَن ِالحَسَنِ والضَّحّاكِ قالا: مَجْلِسُهُما تَحْتَ الشَّعْرِ عَلى الحَنَكِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ ﴾ وهي غَمْرَتُهُ وشِدَّتُهُ الَّتِي تَغْشى الإنْسانَ وتَغْلِبُ عَلى عَقْلِهِ وتَدُلُّهُ عَلى أنَّهُ مَيِّتٌ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: جاءَتْ بِحَقِيقَةِ المَوْتِ.

والثّانِي: بِالحَقِّ مِن أمْرِ الآخِرَةِ، فَأبانَتْ لِلْإنْسانِ ما لَمْ يَكُنْ بَيِّنًا لَهُ مِن أمْرِ الآخِرَةِ.

ذَكَرَ الوَجْهَيْنِ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (وَجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ)، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ولِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الحَقُّ هو اللَّهُ تَعالى، فَيَكُونُ المَعْنى: وجاءَتْ سَكْرَةُ اللَّهِ بِالمَوْتِ.

والثّانِي: أنْ تَكُونَ السَّكْرَةُ هي المَوْتُ، أُضِيفَتْ إلى نَفْسِها، كَقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ  ﴾ ، فَيَكُونُ المَعْنى: وجاءَتِ السَّكْرَةُ الحَقُّ بِالمَوْتِ، بِتَقْدِيمِ "الحَقِّ" .

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ: "وَجاءَتْ سَكَراتُ" عَلى الجَمْعِ "الحَقِّ بِالمَوْتِ" بِتَقْدِيمِ "الحَقِّ" .

وقَرَأ أُبَيُّ ابْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "وَجاءَتْ سَكَراتُ المَوْتِ" عَلى الجَمْعِ "بِالحَقِّ" بِتَأْخِيرِ "الحَقِّ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ: فَيُقالُ لِلْإنْسانِ حِينَئِذٍ: "ذَلِكَ" أيْ: ذَلِكَ المَوْتُ ﴿ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ ﴾ أيْ: تَهْرُبُ وتَفِرُّ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكْرَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ ﴾ يَعْنِي نَفْخَةَ البَعْثِ "ذَلِكَ" اليَوْمُ ﴿ يَوْمُ الوَعِيدِ ﴾ أيْ: يَوْمُ وُقُوعِ الوَعِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَعَها سائِقٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ السّائِقَ: مَلَكٌ يَسُوقُها إلى مَحْشَرِها، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ قَرِينُها مِنَ الشَّياطِينِ، سُمِّيَ سائِقًا، لِأنَّهُ يَتْبَعُها وإنْ لَمْ يَحُثَّها.

وَفِي الشَّهِيدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ مَلَكٌ يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها، قالَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والحَسَنُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: المَلَكانِ: سائِقٌ.

وشَهِيدٌ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: السّائِقُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ عَلَيْهِ السَّيِّئاتِ، والشَّهِيدُ: الَّذِي كانَ يَكْتُبُ الحَسَناتِ.

والثّانِي: أنَّهُ العَمَلُ يَشْهَدُ عَلى الإنْسانِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

والثّالِثُ: الأيْدِي والأرْجُلُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَهَلْ هَذِهِ الآياتُ عامَّةٌ، أمْ خاصَّةٌ؟

فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها عامَّةٌ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

الثّانِي: خاصَّةٌ في الِكافِرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ ﴾ أيْ: ويُقالُ لَهُ: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا ﴾ اليَوْمِ وفي المُخاطَبِ بِهَذِهِ الآياتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الكافِرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وصالِحُ بْنُ كَيْسانَ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في البَرِّ والفاجِرِ، قالَهُ حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ النَّبِيُّ  ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا اليَوْمِ في الدُّنْيا بِكُفْرِكَ بِهِ؛ وعَلى الثّانِي: كُنْتَ غافِلًا عَنْ أهْوالِ القِيامَةِ.

﴿ فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ﴾ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا يَغْشى قَلْبَكَ وسَمْعَكَ وبَصَرَكَ.

وقِيلَ مَعْناهُ: أرَيْناكَ ما كانَ مَسْتُورًا عَنْكَ؛ وعَلى الثّالِثِ: لَقَدْ كُنْتَ قَبْلَ الوَحْيِ في غَفْلَةٍ عَمّا أُوحِيَ إلَيْكَ، فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ بِالوَحْيِ ﴿ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ وفي المُرادِ بِالبَصَرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: البَصَرُ المَعْرُوفُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: العِلْمُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَفِي قَوْلِهِ: "اليَوْمَ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ في الدُّنْيا، وهَذا عَلى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.

فَأمّا قَوْلُهُ: "حَدِيدٌ" فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَدِيدُ بِمَعْنى الحادِّ.

أيْ: فَأنْتَ ثاقِبُ البَصَرِ.

ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَبَصَرُكَ حَدِيدٌ إلى لِسانِ المِيزانِ حِينَ تُوزَنُ حَسَناتُكَ وسَيِّئاتُكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ شاخِصٌ لا يَطْرِفُ لِمُعايَنَةِ الآخِرَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ العِلْمُ النّافِذُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا فَكَشَفْنا عنكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ ﴿ وَقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ ﴿ ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ ﴾ ﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ ﴾ ﴿ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَدِيدِ ﴾ ﴿ قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ ﴾ ﴿ قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ ﴾ قَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "لَقَدْ كُنْتِ" بِكَسْرِ التاءِ عَلى مُخاطَبَةِ النَفْسِ، وكَذَلِكَ كَسْرُ الكافاتِ بَعْدُ، وقالَ صالِحُ بْنُ كَيْسانَ، والضَحّاكُ، وابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "لَقَدْ كُنْتَ" الآيَةُ أنْ يُقالَ لِلْكافِرِ الغافِلِ مِن ذَوِي الَّتِي مَعَها السائِقُ والشَهِيدُ إذا حَصَلَ بَيْنَ يَدَيِ الرَحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ، وعايَنَ الحَقائِقَ الَّتِي كانَ لا يُصَدِّقُ بِها في الدُنْيا ويَتَغافَلُ عنها وعَنِ النَظَرِ فِيها: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، فَلَمّا كُشِفَ الغِطاءُ عنكَ الآنَ احْتَدَّ بَصَرُكَ، أيْ: بَصِيرَتُكَ، وهَذا كَما تَقُولُ: "فُلانٌ حَدِيدُ الذِهْنِ والفُؤادِ" ونَحْوُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو بَصَرُ العَيْنِ: أيِ: اشْتَدَّ التِفاتُهُ إلى مِيزانِهِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أهْوالِ القِيامَةِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لَقَدْ كُنْتَ" الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ  ، والمَعْنى أنَّهُ خُوطِبَ بِهَذا في الدُنْيا، أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ، في غَفْلَةٍ عن مَعْرِفَةِ هَذا القَصَصِ والغَيْبِ حَتّى أرْسَلْناكَ وأنْعَمْنا عَلَيْكَ وعَلَّمْناكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ.

وهَذا التَأْوِيلُ يَضْعُفُ مِن وُجُوهٍ: أحُدُّها أنَّ "الغَفْلَةَ" إنَّما تُنْسَبُ أبَدًا إلى مُقَصِّرٍ، ومُحَمَّدٌ  لا تَقْصِيرَ لَهُ قَبْلَ بَعْثِهِ ولا بَعْدَهُ، وثانِيها أنَّ قَوْلَهُ تَعالى -بَعْدَ هَذا- "وَقالَ قَرِينُهُ" يَقْتَضِي أنَّ الضَمِيرَ إنَّما يَعُودُ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، وهَذا الَّذِي يُقالُ لَهُ: ﴿ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ وإنْ جَعَلْناهُ عائِدًا عَلى ذِي النَفْسِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، جاءَ هَذا الِاعْتِراضُ لِمُحَمَّدٍ  بَيْنَ الكَلامَيْنِ غَيْر مُتَمَكِّنٍ، فَتَأمَّلْهُ، وثالِثُها أنَّ مَعْنى تَوْقِيفِ الكافِرِ وتَوْبِيخِهِ عَلى حالِهِ في الدُنْيا يَسْقُطُ، وهو أجْرى في الآيَةِ وأولى بِالرَصْفِ، والوَجْهُ عِنْدِي ما قالَهُ الحَسَنُ، وسالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ إنَّها مُخاطَبَةٌ لِلْإنْسانِ ذِي النَفْسِ المَذْكُورَةِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ.

و ﴿ فَكَشَفْنا عنكَ غِطاءَكَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ ، قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: قَرِينُهُ مِن زَبانِيَةِ جَهَنَّمَ، أيْ قالَ: هَذا العَذابُ الَّذِي لِهَذا الإنْسانِ الكافِرِ حاضِرٌ عَتِيدٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَفِي هَذا تَحْرِيضٌ عَلى الكافِرِ واسْتِعْجالٌ بِهِ.

وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: بَلْ قَرِينُهُ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِسَوْقِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: هَذا الكافِرُ الَّذِي جُعِلَ إلى سَوْقِهِ، فَهو لَدَيَّ حاضِرٌ، وقالَ الزَهْراوِيُّ: "وَقالَ قَرِينُهُ" شَيْطانُهُ، وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما أوقَعُ فِيهِ أنَّ القَرِينَ في قَوْلِهِ: "رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ" هو شَيْطانُهُ في الدُنْيا ومُغْوِيهِ بِلا خِلافٍ، ولَفْظَةُ القَرِينِ اسْمُ جِنْسٍ، فَسائِقُهُ قَرِينٌ، وصاحِبُهُ مِنَ الزَبانِيَةِ قَرِينٌ، وكاتِبُ سَيِّئاتِهِ في الدُنْيا قَرِينٌ، وتَحْتَمِلُهُ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: هَذا الَّذِي أحْصَيْتُهُ عَلَيْهِ عَتِيدٌ لَدَيَّ، ومُوجِبٌ عَذابَهُ.

ومُماشِي الإنْسانَ في طَرِيقِهِ قَرِينٌ، وقالَ الشاعِرُ: عَنِ المَرْءِ لا تَسْألْ وسَلْ عن قَرِينِهِ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقارَنِ يَقْتَدِي والقَرِينُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ القَرِينِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ﴾ إذِ المُقارَنَةُ تَكُونُ عَلى أنْواعٍ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَرِينُهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَمَلُهُ قَلْبًا وجَوارِحًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ألْقِيا في جَهَنَّمَ" مَعْناهُ: يُقالُ: ألْقِيا في جَهَنَّمَ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَن يُقالُ ذَلِكَ؟

فَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو قَوْلٌ لِمَلَكَيْنِ مِن مَلائِكَةِ العَذابِ، وقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ في كِتابِ الزَهْراوِيِّ: هو قَوْلٌ لِلسّائِقِ والشَهِيدِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ المَأْمُورَ بِإلْقاءِ الكافِرِ في النارِ اثْنانِ، وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ لا نَظَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: "ألْقِيا"، وقالَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هو قَوْلٌ لِلْقَرِينِ، إمّا السائِقُ وإمّا الَّذِي هو مِنَ الزَبانِيَةِ حَسَبَما تَقَدَّمَ، واخْتَلَفَ أهْلُ هَذِهِ المَقالَةِ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "ألْقِيا" وهى مُخاطَبَةٌ لِواحِدٍ، فَقالَ المُبَرِّدُ: مَعْناهُ: ألْقِ ألْقِ، فَإنَّما أرادَ تَثْنِيَةَ الأمْرِ مُبالَغَةً وتَأْكِيدًا فَرَدَّ التَثْنِيَةَ إلى الضَمِيرِ اخْتِصارًا كَما قالَ: ..............

∗∗∗ لَفْتَكَ لَأْمَيْنِ عَلى نابِلٍ يُرِيدُ: ارْمِ ارْمِ.

وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: المُرادُ: "ألْقَيْنَ"، فَعَوَّضَ مِنَ النُونِ ألِفًا كَما تُعَوَّضُ مِنَ التَنْوِينِ، وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِكَلامِ العَرَبِ: هَذا جَرى عَلى عادَةِ العَرَبِ، وذَلِكَ أنَّها كانَ الغالِبُ عِنْدَها أنْ يَتَرافَقَ في الأسْفارِ ونَحْوِها ثَلاثَةٌ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهم يُخاطِبُ اثْنَيْنِ، فَكَثُرَ ذَلِكَ في كَلامِها وأشْعارِها حَتّى صارَ عُرْفًا في المُخاطَبَةِ، فاسْتُعْمِلَ في الواحِدِ، ومِن هَذا قَوْلُهم في الأشْعارِ: خَلِيلِي، وصاحِبِي، وقِفا نَبْكِ ونَحْوِهِ، وقَدْ جَرى المُحَدِّثُونَ عَلى هَذا الرَسْمِ، فَيَقُولُ الواحِدُ: حَدَّثَنا، -وَإنْ كانَ قَدْ سَمِعَ وحْدَهُ-، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في هَذا القَوْلِ قَوْلُ الزَجّاجِ: يا حَرَسَيَّ اضْرِبا عُنُقَهُ، وهو دَلِيلٌ عَلى عادَةِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَإنْ تَزْجُرانِي بِابْنِ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدَعانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا وَقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "ألْقِيًا" بِتَنْوِينِ "ألْقِيا".

و"كَفّارٍ" بِناءُ مُبالَغَةٍ، و"عَنِيدٍ" مَعْناهُ: عانَدَ عَنِ الحَقِّ أيْ: مُنْحَرِفٌ عنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ" لَفْظٌ عامٌّ لِلْمالِ والكَلامِ الحَسَنِ والتَعاوُنِ عَلى الأشْياءِ، وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، وهَذا التَخْصِيصُ ضَعِيفٌ، و"مُعْتَدٍ" مَعْناهُ: بِلِسانِهِ ويَدِهِ، و"مُرِيبٍ" مَعْناهُ: مُتَلَبِّسٌ بِما يَرْتابُ بِهِ، أرابَ الرَجُلُ إذا أتى بِرِيبَةٍ ودَخَلَ فِيها.

قالَ الثَعْلَبِيُّ: قِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقالَ الحَسَنُ: "مُرِيبٍ": شاكٍّ في اللهِ تَعالى ودِينِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الَّذِي" بَدَلًا مِن "كَفّارٍ" ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لَهُ مِن حَيْثُ تُخَصَّصُ "كَفّارٍ" بِالأوصافِ المَذْكُورَةِ فَجازَ وصْفُهُ بِهَذِهِ المَعْرِفَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الَّذِي" ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَألْقِياهُ"، ودَخَلَتِ الفاءُ لِلْإبْهامِ الَّذِي في "الَّذِي" فَحَصَلَ الشَبَهُ بِالشَرْطِ، وفي هَذا نَظَرٌ، ويَقْوى عِنْدِي أنْ يَكُونَ "الَّذِي" ابْتِداءً، ويَتَضَمَّنُ القَوْلُ حِينَئِذٍ بَنِي آدَمَ والشَياطِينَ المُغْوِينَ لَهم في الدُنْيا، ولِذَلِكَ تَحَرَّكَ القَرِينُ الشَيْطانُ المُغْوِي في الدُنْيا فَرامَ أنْ يُبَرِّئَ نَفْسَهُ وَيُخَلِّصَها بِقَوْلِهِ لِرَبِّهِ: ﴿ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ﴾ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ لِأنَّهُ كَذِبٌ في نَفْيِ الإطْغاءِ عن نَفْسِ جُمْلَةٍ، والحَقِيقَةُ أنَّهُ أطْغاهُ بِالوَسْوَسَةِ والتَزَيُّنِ، وأطْغاهُ اللهُ تَعالى بِالخَلْقِ، والِاخْتِراعِ حَسَبَ سابِقِ قَضائِهِ الَّذِي هو عَدْلٌ مِنهُ لا رَبَّ غَيْرُهُ، ويُوصَفُ بِالضَلالِ البَعِيدِ مُبالَغَةً، أيْ لِتَعَذُّرِ رُجُوعِهِ إلى الهُدى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ﴾ مَعْناهُ: قالَ اللهُ تَعالى لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ بِهَذا النَوْعِ مِنَ المُقاوَلَةِ الَّتِي لا تُفِيدُ شَيْئًا إذْ قَدِ اسْتَوْجَبَ جَمِيعُكُمُ النارَ.

وقَدْ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُ تَقَعُ الخُصُومَةُ لَدَيْهِ في الظُلاماتِ ونَحْوِها مِمّا فِيهِ اقْتِصاصٌ واقْتِضاءٌ، فَأيَّدَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ  ﴾ ، وجَمْعُ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى:"لا تَخْتَصِمُوا" يُرِيدُ تَعالى بِذَلِكَ مُخاطَبَةَ جَمِيعِ القُرَناءِ؛ إذْ هو أمْرٌ شائِعٌ لا يَقِفُ عَلى اثْنَيْنِ فَقَطْ، وهَذا كَما يَقُولُ الحاكِمُ لِخَصْمَيْنِ: لا تُغْلِظُوا عَلَيَّ، يُرِيدُ الخَصْمَيْنِ ومَن هو في حُكْمِهِما، وتَقَدَّمَتْهُ إلى الناسِ بِالوَعِيدِ هو ما جاءَتْ بِهِ الرُسُلُ عَلَيْهِمُ السَلامُ والكُتُبُ مِن تَعْذِيبِ الكَفَرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

مقول قول محذوف دل عليه تعينه من الخطاب، أي يقال هذا الكلام لكل نفس من نفوس المشركين فهو خطاب التهكم التوبيخي للنفس الكافرة لأن المؤمن لم يكن في غفلة عن الحشر والجزاء.

وجملة القول ومقوله في موضع الحال من ﴿ كل نفس ﴾ [ق: 21] أو موقع الصفة، وعلامات الخطاب في كلمات ﴿ كُنتَ ﴾ و ﴿ عنكَ ﴾ و ﴿ غطاءكَ ﴾ و ﴿ بصركَ ﴾ مفتوحة لتأويل النفس بالشخص أو بالإنسان ثم غُلب فيه التذكير على التأنيث.

وهذا الكلام صادر من جانب الله تعالى وهو شروع في ذكر الحساب.

والغفلة: الذهول عما شأنه أن يُعلم وأطلقت هنا على الإنكار والجحد على سبيل التهكم، ورشَّح ذلك قولُه ﴿ فكشفنا عنك غطاءك ﴾ بمعنى: بيّنا لك الدليل بالحس فهو أيضاً تهكّم.

وأوثر قوله: ﴿ في غفلة ﴾ على أن يقال غافلاً للدلالة على تمكن الغفلة منه ولذلك استتبع تمثيلَها بالغطاء.

وكشف الغطاء تمثيل لحصول اليقين بالشيء بعد إنكار وقوعه، أي كشفنا عنك الغطاء الذي كان يحجب عنك وقوع هذا اليوم بما فيه، وأسند الكشف إلى الله تعالى لأنه الذي أظهر لها أسباب حصول اليقين بشواهد عَيْن اليقين.

وأضيف (غطاء) إلى ضمير الإنسان المخاطب للدلالة على اختصاصه به وأنه مما يعرف به.

وحدة البصر: قوة نفاذه في المَرئي، وحدّة كل شيء قوةُ مفعوله، ومنه حدة الذهن، والكلام يتضمن تشبيه حصول اليقين برؤية المرئي ببصر قوي، وتقييده بقوله: ﴿ اليوم ﴾ تعريض بالتوبيخ، أي ليس حالك اليوم كحالك قبل اليوم إذ كنت في الدنيا منكراً للبعث.

والمعنى: فقد شاهدتَ البعث والحشر والجزاء، فإنهم كانوا ينكرون ذلك كله، قالوا ﴿ أإذا متنا وكنّا تراباً وعظاماً أئنا المدينون ﴾ [الصافات: 53] وقالوا: ﴿ وما نحن بمعذبين ﴾ [الصافات: 59] فقد رأى العذاب ببصره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴾ الوَسْوَسَةُ كَثْرَةُ حَدِيثِ النَّفْسِ بِما لا يَتَحَصَّلُ في خَفاءٍ وإسْرارٍ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ وسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصًا رَبَّ الفَلَقِ.

..

...

...

﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ حَبْلٌ مُعَلَّقٌ بِهِ القَلْبُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والأصَمُّ وهو الوَتِينُ.

الثّانِي: أنَّهُ عِرْقٌ في الحَلْقِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الثّالِثُ: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، عِرْقُ العُنُقِ ويُسَمّى حَبْلُ العاتِقِ، وهُما ورِيدانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ، وسُمِّيَ ورِيدًا، لِأنَّهُ العِرْقُ الَّذِي يُنْصَبُ إلَيْهِ ما يُرَدُّ مِنَ الرَّأْسِ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ الَّذِي هو مِنهُ.

الثّانِي: ونَحْنُ أمْلَكُ بِهِ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، مَعَ اسْتِيلائِهِ عَلَيْهِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: ونَحْنُ أعْلَمُ بِما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، الَّذِي هو مِن نَفْسِهِ، لِأنَّهُ عِرْقٌ يِخالِطُ القَلْبَ، فَعِلْمُ الرَّبِّ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن عِلْمِ القَلْبِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ ﴾ الآيَةَ.

قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: المُتَلَقِّيانِ مَلَكانِ يَتَلَقَّيانِ عَمَلَكَ، أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ، يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخَرُ عَنْ شِمالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئاتِكَ.

قالَ الحَسَنُ: حَتّى إذا مُتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَةُ عَمَلِكَ وقِيلَ لَكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ عَدَلَ واللَّهِ عَلَيْكَ مَن جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ.

وَفي ﴿ قَعِيدٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القاعِدَةُ، قالَهُ المُفَضَّلُ.

الثّانِي: المُرْصِدُ الحافِظُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَهو مَأْخُوذٌ مِنَ القُعُودِ.

قالَ الحَسَنُ: الحَفَظَةُ أرْبَعَةٌ: مَلَكانِ بِالنَّهارِ ومَلَكانِ بِاللَّيْلِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ﴾ أيْ ما يُتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ، مَأْخُوذٌ مِن لَفَظَ الطَّعامَ، وهو إخْراجُهُ مِنَ الفَمِ.

﴿ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُتَتَبِّعُ لِلْأُمُورِ.

الثّانِي: أنَّهُ الحافِظُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الشّاهِدُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفِي ﴿ عَتِيدٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحاضِرُ الَّذِي لا يَغِيبُ.

الثّانِي: أنَّهُ الحافِظُ المُعَدُّ إمّا لِلْحِفْظِ وإمّا لِلشَّهادَةِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما يَراهُ عِنْدَ المُعايَنَةِ مِن ظُهُورِ الحَقِّ فِيما كانَ اَللَّهُ قَدْ أوْعَدَهُ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ الحَقُّ هو المَوْتَ، سُمِّيَ حَقًّا، إمّا لِاسْتِحْقاقِهِ، وإمّا لِانْتِقالِهِ إلى دارِ الحَقِّ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

وَتَقْدِيرُهُ: وجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ، ووَجَدْتُها في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَذَلِكَ.

﴿ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يَحِيدُ مِنَ المَوْتِ، فَجاءَهُ المَوْتُ.

الثّانِي: أنَّهُ يَحِيدُ مِنَ الحَقِّ، فَجاءَهُ الحَقُّ عِنْدَ المُعايَنَةِ.

وَفِي مَعْنى التَّحَيُّدِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الفِرارُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

(الثّانِي): العُدُولُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ولَقَدْ قُلْتُ حِينَ لَمْ يَكُ عَنْهُ ∗∗∗ لِي ولا لِلرِّجالِ عَنْهُ مَحِيدٌ.

فَرَوى عاصِمُ بْنُ أبِي بَهْدَلَةَ، عَنْ أبِي وائِلٍ، أنَّ عائِشَةَ قالَتْ عِنْدَ أبِيها وهو يَقْضِي لَعَمْرُكَ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى ∗∗∗ إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا، وضاقَ بِها الصَّدْرُ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: [هَلّا قُلْتِ كَما قالَ اللَّهُ] ﴿ وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ ﴾ أمّا السّائِقُ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَلَكٌ يَسُوقُهُ إلى المَحْشَرِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ يَسُوقُهُ إلى مَوْضِعِ الحِسابِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَأمّا الشَّهِيدُ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَلَكٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ، وهَذا قَوْلُ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ والحَسَنِ.

الثّانِي: أنَّهُ الإنْسانُ، يَشْهَدُ عَلى نَفْسِهِ بِعَمَلِهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ.

الثّالِثُ: أنَّها الأيْدِي والأرْجُلُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ بِنَفْسِهِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

ثُمَّ في الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها عامَّةٌ في المُسْلِمِ والكافِرِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

الثّانِي: أنَّها خاصَّةً في الكافِرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ الكافِرُ، كانَ في غَفْلَةٍ مِن عَواقِبِ كُفْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ النَّبِيُّ  ، كانَ في غَفْلَةٍ عَنِ الرِّسالَةِ مَعَ قُرَيْشٍ في جاهِلِيَّتِهِمْ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: لَقَدْ كُنْتَ أيُّها الإنْسانُ في غَفْلَةٍ عَنْ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ لِأنَّ هَذا لا يُعْرَفُ إلّا بِالنُّصُوصِ الإلَهِيَّةِ.

﴿ فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ إذا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ فَوُلِدَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: إذا كانَ في القَبْرِ فَنُشِرَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ وقْتُ العَرْضِ في القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّهُ نُزُولُ الوَحْيِ وتَحَمُّلُ الرِّسالَةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.

﴿ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ وفي المُرادِ بِالبَصَرِ هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: بَصِيرَةُ القَلْبِ لِأنَّهُ يُبْصِرُ بِها مِن شَواهِدِ الأفْكارِ، ونَتائِجِ الِاعْتِبارِ ما تُبْصِرُ العَيْنُ ما قابَلَها مِن قِبَلِها مِنَ الأشْخاصِ والأجْسامِ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ ﴿ حَدِيدٌ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: سَرِيعٌ كَسُرْعَةِ مَوْرِ الحَدِيدِ.

الثّانِي: صَحِيحٌ كَصِحَّةِ قَطْعِ الحَدِيدِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ بَصَرُ العَيْنِ وهو الظّاهِرُ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ حَدِيدٌ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: شَدِيدٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: بَصِيرٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَماذا يُدْرِكُ البَصَرُ؟

فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُعايِنُ الآخِرَةَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لِسانُ المِيزانِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: ما يَصِيرُ إلَيْهِ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: ما أُمِرَ بِهِ مِن طاعَةٍ وحُذِّرَهُ مِن مَعْصِيَةٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.

الخامِسُ: العَمَلُ الَّذِي كانَ يَعْمَلُهُ في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وجاءت سكرة الموت ﴾ قال: غمرة الموت.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: «لا إله إلا الله إن للموت سكرات» .

وأخرج الحاكم وصححه عن القاسم بن محمد رضي الله عنه أنه تلا ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق ﴾ فقال: حدثتني أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالموت وعنده قدح فيه ماء، وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: «اللهم أعني على سكرات الموت» .

وأخرج ابن سعد عن عروة رضي الله عنه قال: لما مات الوليد بن الوليد بكته أم سلمة فقالت: يا عين فأبكي للوليد ** بن الوليد بن المغيرة كان الوليد بن الوليد ** أبا الوليد فتى العشيرة «فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقولي هكذا يا أم سلمة، ولكن قولي ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ﴾ » .

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن المنذر عن عائشة قالت: لما حضرت أبا بكر الوفاة قلت: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ** ثمال اليتامى عصمة للأرامل قال أبو بكر رضي الله عنه بل ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ﴾ قدم الحق وأخر الموت.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن ابن أبي مليكة رضي الله عنه قال: صبحت ابن عباس من مكة إلى المدينة فكان إذا نزل منزلاً قام شطر الليل، فسئل: كيف كانت قراءته؟

قال: قرأ ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ﴾ فجعل يرتل ويكثر في ذلك التسبيح.

وأخرج أحمد وابن جرير عن عبد الله بن اليمني مولى الزبير بن العوّام قال: لما حضر أبو بكر تمثلت عائشة بهذا البيت.

أعاذل ما يغني الحذار عن الفتى ** إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر فقال أبو بكر رضي الله عنه: ليس كذلك يا بنية، ولكن قولي ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ ما كنت منه تحيد ﴾ .

أخرج الطبراني عن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يفر من الموت كمثل الثعلب تطلبه الأرض بدين فجاء يسعى حتى إذا أعيا وانبهر دخل حجره فقالت له الأرض يا ثعلب ديني فخرج خصاص فلم يزل كذلك حتى انقطعت عنقه فمات» .

أما قوله تعالى: ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ﴾ .

أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور وابن عساكر عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ﴾ قال: سائق يسوقها إلى أمر الله وشهيد يشهد عليها بما عملت.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ﴾ قال: السائق الملك والشهيد العمل.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ سائق وشهيد ﴾ قال: السائق من الملائكة، والشهيد شاهد عليه من نفسه.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ سائق وشهيد ﴾ قال: السائق من الملائكة والشاهد من أنفسهم الأيدي والأرجل والملائكة أيضاً شهداء عليهم.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سائق وشهيد ﴾ قال: الملكان كاتب وشهيد.

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن ابن آدم لفي غفلة عما خلق له، إن الله إذا أراد خلقه قال للملك أكتب رزقه، أكتب أثره، أكتب أجله، أكتب شقياً أم سعيداً، ثم يرتفع ذلك الملك ويبعث الله ملكاً فيحفظه حتى يدرك، ثم يرتفع ذلك الملك، ثم يوكل الله به ملكين يكتبان حسناته وسيئاته، فإذا حضره الموت ارتفع الملكان، وجاء ملك الموت ليقبض روحه، فإذا أدخل قبره رد الروح في جسده وجاءه ملكا القبر فامتحناه، ثم يرتفعان، فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات فبسطا كتاباً معقوداً في عنقه، ثم حضر معه واحد سائق وآخر شهيد، ثم قال، رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قدامكم لأمراً عظيماً لا تقدرونه فاستعينوا بالله العظيم» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لقد كنت في غفلة من هذا ﴾ قال: هو الكافر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فكشفنا عنك غطاءك ﴾ قال: الحياة بعد الموت.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ﴾ قال: عاين الآخرة فنظر إلى ما وعده الله فوجده كذلك.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ فبصرك اليوم ﴾ قال: إلى لسان الميزان حديد، قال: حديد النظر شديد.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقال قرينه ﴾ قال: الشيطان.

وأخرج الفريابي عن مجاهد في قوله: ﴿ وقال قرينه ﴾ قال: الشيطان الذي قيض له.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وقال قرينه ﴾ قال: ملكه ﴿ هذا ما لديّ عتيد ﴾ قال: الذي عندي عتيد للإِنسان حفظته حتى جئت به وفي قوله: ﴿ قال قرينه ربنا ما أطغيته ﴾ قال: هذا شيطانه.

وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم في قوله: ﴿ كل كفار عتيد ﴾ قال: مناكب عن الحق.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ألقيا في جهنم كل كفار عنيد ﴾ قال: كفار بنعم الله عنيد عن طاعة الله وحقه مناع للخير، قال: الزكاة المفروضة ﴿ معتد مريب ﴾ قال: معتد في قوله وكلامه آثم بربه، فقال هذا المنافق الذي جعل مع الله إلها آخر، هذا المشرك.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن منصور قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: ولا أنت، قال: ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تختصموا لديّ ﴾ قال: إنهم اعتذروا بغير عذر فأبطل الله عليهم حجتهم ورد عليهم قولهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال لا تختصموا لديّ ﴾ قال: عندي ﴿ وقد قدمت إليكم بالوعيد ﴾ قال: على لسان الرسل أن من عصاني عذبته.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الربيع بن أنس قال: قلت لأبي العالية قال الله: ﴿ لا تختصموا لديّ وقد قدمت إليكم بالوعيد ﴾ وقال: ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ فكيف هذا؟

قال: نعم، أما قوله: ﴿ لا تختصموا لديّ ﴾ فهؤلاء أهل الشرك، وقوله: ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ فهؤلاء أهل القبلة يختصمون في مظالمهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ما يبدل القول لديّ ﴾ قال: قد قضيت ما أنا قاض.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ما يبدل القول لديّ ﴾ قال: هاهنا القسم.

وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن أنس قال: فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسريَ به الصلاة خمسين، ثم نقصت حتى جعلت خمساً، ثم نودي يا محمد إنه لا يبدل القول لدي وإن لك بهذه الخمس خمسين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما أنا بظلام للعبيد ﴾ قال: ما أنا بمعذب من لم يجترم والله تعالى أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ﴾ قال: وهل فيَّ من مكان يزاد فيَّ.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: حتى تقول فهل من مزيد؟.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: وعدها الله ليملأنها فقال أوفيتك فقالت: وهل من مسلك؟.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط وعزتك وكرمك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقاً آخر فيسكنهم في قصور الجنة» .

وأخرج البخاري وابن مردويه عن أبي هريرة رفعه: «يقال لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد فيضع الرب قدمه عليها فتقول قط قط» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تحاجت الجنة والنار فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟

قال الله تبارك وتعالى للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول قط قط، فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحداً، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقاً» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «افتخرت الجنة والنار فقالت النار: يا رب يدخلني الجبابرة والمتكبرون والملوك والأشراف، وقالت الجنة: أي رب يدخلني الضعفاء والفقراء المساكين، فيقول الله للنار أنت عذابي أصيب بك من أشاء، وقال للجنة: أنت رحمتي وسعت كل شيء، ولكل واحدة منكما ملؤها فيلقى فيها أهلها، فتقول هل من مزيد، ويلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يأتيها عز وجل فيضع قدمه عليها فتزوي، وتقول قدني قدني، وأما الجنة فيلقى فيها ما شاء الله أن يلقى فينشئ لها خلقاً ما يشاء» .

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أُبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يعرفني الله نفسه يوم القيامة فأسجد سجدة يرضى بها عني، ثم أمدحه مدحة يرضى بها عني.

ثم يؤذن لي في الكلام ثم تمر أمتي على الصراط مضروب بين ظهراني جهنم، فيمرون أسرع من الطرف والسهم، وأسرع من أجود الخيل، حتى يخرج الرجل منها يحبو وهي الأعمال، وجهنم تسأل المزيد حتى يضع فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أُبيّ كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول من يدعى يوم القيامة أنا فأقوم فألبي، ثم يؤذن لي في السجود فأسجد له سجدة يرضى بها عني، ثم يؤذن لي فأرفع رأسي فأدعو بدعاء يرضى به عني، فقلنا يا رسول الله كيف تعرف أمتك يوم القيامة؟

قال: يعرفون غراً محجّلين من أثر الطهور فيردون علي الحوض ما بين عدن إلى عمان بصرى، أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وأبرد من الثلج وأطيب ريحاً من المسك، فيه من الآنية عدد نجوم السماء، من ورده فشرب منه لم يظمأ بعده أبداً، ومن صرف عنه لم يرو بعده أبداً، ثم يعرض الناس على الصراط، فيمر أوائلهم كالبرق، ثم يمرون كالريح، ثم يمرون كالطرف، ثم يمرون كأجاويد الخيل والركاب، وعلى كل حال وهي الأعمال، والملائكة جانبي الصراط يقولون رب سلم سلم، فسالم ناج، ومخدوش ناج، ومرتبك في النار، وجهنم تقول هل من مزيد حتى يضع فيها رب العالمين ما شاء الله أن يضع فتقبض وتغرغر كما تغرغر المزادة الجديدة إذا ملئت وتقول قط قط» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا ﴾ اليوم في الدنيا ﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ ﴾ قال ابن عباس: الذي كان في الدنيا يغشى قلبك وسمعك وبصرك (١) وقال ابن قتيبة: أي: أريناك ما كان مستورًا عنك في الدنيا (٢) وقال أبو إسحاق: هذا مثل، المعنى: كنت بمنزلة من عليه غطاء وعلى قلبه غشاوة ﴿ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ أي فعلمك بما أنت فيه نافذ، وليس يراد بهذا البصر بصر العين (٣) (٤) قال ابن عباس في رواية عطاء: تبصر ما كنت تنكر في الدنيا (٥) قال ابن قتيبة: أي: فأنت نافذ البصر لما كشفت عنك الغطاء (٦) قال الضحاك: يحشر الكافر وبصره حديد، ثم يزرق ثم يعمى (٧) وقال مقاتل: يشخص بصره، فلا يطرف حين يعاين في الآخرة ما كان يكذب به في الدنيا (٨) (١) انظر.

"الوسيط" 4/ 167، "معالم التنزيل" 4/ 223، ولم ينسب.

(٢) انظر: "تأويل المشكل" ص 422.

(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 45.

(٤) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 257، "معاني القرآن" للفراء 3/ 78، وأخرج ابن جرير في "جامعه" 26/ 103 عن قتادة.

(٥) انظر: "معالم التزيل" 4/ 223، ولم ينسبه.

(٦) انظر: "تأويل المشكل" ص 422.

وعبارته: فأنت ثاقب.

(٧) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 15.

(٨) انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هذا ﴾ خطاب للإنسان الذي يقتضيه قوله: كل نفس، يريد أنه كان غافلاً عما لقي في الآخرة، وقيل: هو خطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أي كنت في غفلة من هذا القصص؛ وهذا في غاية الضعف لأنه خروج عن سياق الكلام ﴿ فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ ﴾ قيل: كشف الغطاء معاينته أمور الآخرة ﴿ فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ ﴾ أي يبصر ما لم يبصره قبل، وقد ورد: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ وعيدي ﴾ وما بعده مثل التي في "إبراهيم" ﴿ يوم يقول ﴾ بالياء: نافع وأبو بكر وحماد ﴿ امتلات ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يوعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير ﴿ وإدبار ﴾ بكسر الهمزة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وحمزة وخلف وجبلة ﴿ المنادي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وفي الوصل.

الوقوف: ﴿ ق ﴾ ط كوفي ولو جعل قسماً فلا يوقف للعطف ﴿ المجيد ﴾ ه ج لأن "بل" قد يجعل جواب القسم تشبيهاً بأن في التحقيق وفي توكيد مابعده، وقد يجعل جوابه محذوفاً أي لتبعثن ﴿ تراباً ﴾ ج لأن ذلك مبتدأ إلا أن المقوم واحد ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ حفيظ ﴾ ه ﴿ مريح ﴾ ه ﴿ فروج ﴾ ه ﴿ بهيج ﴾ ه لا لأن ﴿ تبصرة ﴾ مفعول لأجله ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ الحصيد ﴾ ه لا لأن النخل معطوف على الجنات والحب ﴿ نضيد ﴾ ه لا لأن المراد أنبتناها لأجل الرزق ﴿ للعباد ﴾ ط للعطف ﴿ ميتاً ﴾ ط ﴿ لخروج ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ه لا ﴿ تبع ﴾ ط ﴿ وعيد ﴾ ه ﴿ الأول ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه ﴿ نفسه ﴾ ج وجعل ما بعدها حالاً أولى من الاستئناف فيوقف على الوريد و "إذا" يتعلق بمحذوف وهو "أذكر" أبو بقوله ﴿ ما يلفظ ﴾ فلا يوقف على ﴿ قعيد ﴾ .

﴿ عتيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ تحيد ﴾ ه ﴿ الصور ﴾ ط ﴿ الوعيد ﴾ ه ﴿ وشهيد ﴾ ه ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ عتيد ﴾ ه لتقدير القول ﴿ عنيد ﴾ ه لا ﴿ مريب ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة أخرى ولو جعل مبتدأ لتضمنها معنى الشرط أو نصباً على المدح فالوقف ﴿ الشديد ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ بالوعيد ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ مزيد ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ حفيظ ﴾ ه ج لاحتمال أن تكون "من" شرطية جوابها القول المقدر قبل أدخلوها أو موصولة بدلاً من لكل ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ بسلام ﴾ ط ﴿ الخلود ﴾ ه ط ﴿ مزيد ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ط للاستفهام.

قال السجاوندي: وعندي أن عدم الوقف أولى لأن النقب وهو البحث والتفتيش وأقع على جملة الاستفهام.

﴿ محيص ﴾ ه ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ لغوب ﴾ ه ﴿ الغروب ﴾ ج لاحتمال تعلق الجار بما قبله وبما بعده ﴿ السجود ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ الخروج ﴾ ه ﴿ المصير ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ سراعاً ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ وعيد ﴾ ه.

التفسير: قيل: إن قاف اسم جبل من زبرجد أخضر محيط بالأرض وخضرة السماء منه.

وقيل: قادر أو قاهر ونحو ذلك من أسماء الله مما أوله قاف.

وقيل: قضي الأمر.

وقيل: قف يا محمد على أداء الرسالة.

والأقوال المشتركة بين الفواتح مذكورة، وإعراب فاتحة هذه السورة كإعراب أول "ص"، وبينهما مناسبة أخرى من قبل وقوع الإضراب بعد القسم ووجهه ما مر.

ومن قبل أن أكثر مباحث تلك السورة في المبدأ والتوحيد.

وفي أوّل خلق البشر، وأكثر أبحاث هذه السورة في الحشر والخروج ولهذا سنت قراءتها في صلاة العيد لأنه يوم الاجتماع وخروج الناس إلى الفضاء.

والمجيد ذو المجد حقيقة في القرآن لأنه أشرف من سائر الكتب أو مجاز باعتبار قارئه وعالمه والعامل به.

ومعنى ﴿ منذر منهم ﴾ أي من جنسهم أو من بينهم فتوجه العجب إلى الإنذار بالبعث أوّلاً ثم إلى كون المنذر منهم، ولعل الأول أدخل عندهم في استحقاق التعجب منه فلهذا أشاروا إليه بقولهم ﴿ هذا ﴾ الرجع أو البعث ﴿ شيء عجيب ﴾ أبهم الضمير أوّلاً في ﴿ عجبوا ﴾ ثم فسره ثانياً في قوله ﴿ فقال الكافرون ﴾ أو اقتصر على الضمير أوّلاً للتعليم بهم ثم وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالكفر.

ثم زادوا في التعجب والتعجيب بقولهم ﴿ أئذا متنا ﴾ والتقدير انبعث وقت الموت والصيرورة تراباً ﴿ ذلك ﴾ الرجع أي البعث ﴿ رجع بعيد ﴾ أي يستبعد في العقول.

وقيل: إنه من كلام الله عز وجل.

والرجع بمعنى الجواب أي جواب هؤلاء الكفار في دعوى المنذر جواب بعيد عن حيز العقل لدلالة البراهين الساطعة على وجود الحشر والنشر منها شمول علم الله  بأجزاء الميت على التفصيل، وإلى هذا أشير بقوله ﴿ قد علمنا ما تنقص الأرض ﴾ من أجساد الموتى وتأكل من لحومهم وعظامهم.

عن النبي  " "كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب" وعن السدي: ما تنقص الأرض منهم بالموت ويدفن في الأرض منهم ﴿ وعندنا كتاب ﴾ هو اللوح المحفوظ من التغيير ومن الشياطين.

ثم أتبع الإضراب الأول إضراباً آخر فقال ﴿ بل كذبوا ﴾ والمقصود أن تكذيبهم ﴿ بالحق ﴾ الذي هو محمد أو القرآن أو الأخبار بالبعث في أوّل وهلة من غير تدبر أفظع من تعجبهم.

والمريج أمر دينهم المضطرب المخلوط بالشبهات والشكوك ولهذا نسبوا القرآن تارة إلى السحر وأخرى إلى الشعر أو الكهانة وقالوا في حق محمد  مثل ذلك.

ثم استدل على حقية المبدأ والمعاد بوجوه أخر: منها بناء السماء ورفعها بلا عمد ولا فروج أي شقوق وفتوق ولكنها صحيحة الاستدارة من جميع الجوانب.

وليس في الآية دلالة على امتناع الخرق على السماء لأن الإخبار عن عدم الوقوع لا ينافي إمكانه.

نعم إنه مناف لوجود نحو الأبواب فيها ظاهراً اللهم إلا أن تدعي المغايرة بين الفروج والأبواب.

وفي قوله ﴿ فوقهم ﴾ مزيد توبيخ لهم ونداء عليهم بغاية الغباوة.

ومنه مدّ الأرض أي دحوها.

ومنها خلق الجبال الرواسخ.

ومنها خلق أصناف النبات مما يبتهج به ويروق الناظر لخضرته ونضرته كل ذلك ليتبصر به ويتذكر من يرجع إلى ربه ويفكر في بدائع المخلوقات ويرتقي إلى الصانع من المصنوعات.

ومنها إنزال ماء المطر الكثير المنافع المنبت للجنات والحبات.

والحصيد صفة موصوفة محذوفة أي وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالحنطة وغيرها من الأقوات ونحوها.

والباسقات التي طالت في السماء، والطلع أوّل ما يبدو من ثمر النخيل، والنضيد الذي نضد بعضه فوق بعض، والمراد كثرة الطلع وتراكمه المستتبع لكثرة الثمر.

ثم شبه بإحياء الأرض خروج الموتى كما قال في الروم ﴿ وكذلك تخرجون  ﴾ ثم هدّدهم بأحوال الأمم السالفة وقد مر قصصهم مراراً.

وأما حديث أصحاب الرس فلم يذكر إلا في "الفرقان" وحديث تبع في "الدخان".

وأراد بفرعون قومه لأن المعطوف عليه أقوام ﴿ فحق وعيد ﴾ مثل ﴿ فحق عقاب  ﴾ وفيه تسلية للنبي  .

ثم دل على الحشر بضرب آخر من البيان وهو أن الذي لم يعي أي لم يعجز عن الخلق الأول بالنسبة إلى أيّ مخلوق فرض كيف يعجز عن الإعادة؟

واللبس الخلط والشبهة، وتنكير اللبس والخلق الجديد للتعظيم أي لبس عظيم، وخلق له شأن وحق عليه أن يهتم به ولا يغفل عنه.

ثم شرع في تقرير خلق الإنسان الدال على شمول علم الله  وعظيم قدرته على بدئه وإعادته.

والوسوسة الصوت الخفي.

والباء في ﴿ به ﴾ للتعدية و "ما" مصدرية أي نعلم جعل نفسه إياه موسوساً.

والقرب مجاز عن العلم التام كقولهم "هو منى مقعد القابلة ومعقد الإزار" وما في الآية دل على الإفراط في القرب لأن الوريد جزء من بدن الإنسان يريد أن علمه ينفذ في بواطن الأشياء نفود الدم في العروق.

والوريد العرق الحامل للدم سوى الشرايين، سمي وريداً لأن الروح أو الدم يرده.

والوريدان عرقان يكتنفان لصفحتي العنق في مقدمها يتشعبان من الرأس يتصلان بالوتين.

والحبل العرق أيضاً شبه بواحد الحبال والإضافة للبيان كإضافة العام إلى الخاص.

قال جار الله: "إذ" منصوب بـ ﴿ أقرب ﴾ والمراد أنه أقرب نم الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به.

وفيه أن كتابة الملكين لا حاجة إليها لعلام الغيوب وإنما هي لأغراض أخر كإلزام العبد واستحيائه منهما.

عن النبي  "إن مقعد ملكيك على - ثنييك أي عطفيك - ولسانك قلمهما وريقك مدادهما وأنت تجري فيما لا يعنيك لا تستحي من الله ولا منهما" ويجوز أن يكون تلقى الملكين بياناً للقرب فكأنه قيل: لا يخفى عليه شيء لأنه حفظته موكلون به.

والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة، والقعيد المقاعد كالجليس بمعنى المجالس، والتقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فاختصر المفاعلة.

وإما بالنسبة إلى الملك الآخر وإما بالإضافة إلى الإنسان، والعتيد الحاضر.

قال أكثر المفسرين: إنهما يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه.

وقيل: لا يكتبان إلا الحسنات والسيئات.

وقيل: إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه.

وحين حكى إنكارهم البعث واحتج عليهم بالدلائل الباهرة أخبر عن قرب القيامتين الصغرة والكبرى بأن عبر عنهما بلفظ الماضي وهو قوله ﴿ وجاءت سكرة الموت ﴾ ونفخ في الصور وسكرات الموت حالاته الذاهبه بالعقل.

والباء في ﴿ بالحق ﴾ للتعدية أي أحضرت السكرة حقيقة الأمر وجلبة الحال من تحقق وقوع الموت أو من سعادة الميت أو ضدّها كما نطق بها الكتاب والسنة، أو المراد وجاءت ملتبسة بالغرض الصحيح الذي هو ترتب الجزاء على الأعمال ﴿ ذلك ﴾ المجيء ﴿ ما كنت منه تحيد ﴾ أي تميل وتهرب أيها الإنسان.

ولا ريب أن هذا الهرب للفاجر يكون بالحقيقة وللبر يكون بسبب نفرة الطبع إلا أنه إذا فكر في أمر نفسه وما خلق هو لأجله علم أن الموت راحة وخلاص عن عالم الآفات والبليات.

قوله ﴿ ذلك يوم الوعيد ﴾ إشارة إلى النفخ والمضاف محذوف أي وقت النفخ الثاني آن زمان الوعيد.

والسائق والشاهد ملكان، أحدهما يسوقه إلى المحشر أو إلى الجنة أو النار كما قال ﴿ وسيق ﴾ والآخر يشهد عله بأعماله ويجوز أن يكون ملكاً واحداً جامعاً بين الأمرين.

ويجوز أن يكون الرقيب المذكور والجملة حال من كل لأنه لعمومه كالمعرفة.

ثم يقال للإنسان.

﴿ لقد كنت ﴾ في الدنيا ﴿ في غفلة من هذا ﴾ الأمر ﴿ فكشفنا عنك ﴾ بقطع العلائق الحسية ومفارقة النفس الناطقة ﴿ غطاءك ﴾ وهو الاشتغال بعالم المحسوسات ﴿ فبصرك اليوم حديد ﴾ غير كليل متيقظ غير نائم.

وقال ابن زيد: الخطاب للنبي  كقوله ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان  ﴾ أي كنت قبل الوحي في غفلة من هذا العلم.

ثم بين أن الشيطان الذي هو قرين كل فاجر لقوله { ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطان  ﴾ يقول لأهل المحشر أو لسائر القرناء قد أعتدت قريني لجهنم وهيأته لها.

إن جعلت "ما" موصوفة فـ ﴿ عتيد ﴾ صفة لها وإن جعلتها موصولة فـ ﴿ عتيد ﴾ بدل أو خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف.

ويحتمل أن يقول الشيطان لقرينه هذا البلاء النازل بك مما أعددته لك ﴿ ألقيا ﴾ خطاب من الله للملكين السائق والشهيد أو للواحد على عادة قول العرب "خليلي" و "قفا".

وذلك أن أكثر الرفقاء يكون ثلاثة.

وقال المبرد: التثنية للتأكيد كأنه قيل: ألق ألق.

نزلت تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل لاتحادهما.

وجوز أن يكون الألف بدلاً من نون التأكيد الخفيفة إجراء للوصل مجرى الوقف يؤيده قراءة الحسن ﴿ ألقين ﴾ .

﴿ عنيد ﴾ ذي عناد أو معاند ﴿ مناع للخير ﴾ كثير المنع للمال عن حقوقه أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله.

وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة كان يمنع بني أخيه من الإسلام وكان يقول: من دخل منكم في الإسلام لم أنفعه بخير ما عشت.

﴿ معتد ﴾ ظالم ﴿ مريب ﴾ مشكك أو شاك في دين الله.

قوله ﴿ قال قرينه ﴾ جاء على طريقة الاستئناف بخلاف ما تقدّم فإنه جاء على طريق العطف كأن قرينه - وهو الفاجر - قال: يا رب إنه أطغاني فأجاب القرين وهو الشيطان ﴿ ربنا ما أطغيته ﴾ ما أوقعته في الطغيان ﴿ ولكن كان ﴾ في الأزل ﴿ في ضلال بعيد ﴾ وقالت المعتزلة: ولكنه اختار الضلالة على الهدى.

ثم ذكر كلاماً آخر مستأنفاً كأن سائلاً سأل فماذا قال الله؟

فقيل: ﴿ قال لا تختصموا ﴾ وهذا هو الذي دل على أن ثمة مقاولة من الكافر لكنها طويت لدلالة الاختصام عليها والمعنى لا تختصموا في موقف الحساب ﴿ و ﴾ الحال أني ﴿ قد قدمت إليكم ﴾ وفيه أن اختصامهم كان يجب أن يكون قبل ذلك في الدنيا كما قال ﴿ إن الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدوّاً  ﴾ والباء في ﴿ بالوعيد ﴾ إما مزيدة أو للتعدية على أن قدّم بمعنى تقدّم أو هو حال والمفعول جملة.

قوله ﴿ ما يبدّل ﴾ إلى آخره.

أي قدّمت إليكم هذا الكلام مقروناً بالوعيد.

قال في الكشاف: فإن قلت: إن قوله ﴿ وقد قدّمت ﴾ حال من ضمير ﴿ لا تختصموا ﴾ فاجتماعهما في زمان واحد واجب وليس كذلك لأن التقديم في الدنيا والاختصام في الآخرة.

قلت: معناه لا تختصموا وقد صح عندكم أني قدّمت إليكم بالوعيد وصحة ذلك عندهم في الآخرة.

وأقول: لا حاجة إلى هذا التكلف والسؤال ساقط بدونه لأن مضيّ الماضي ثابت في أيّ حال فرض بعده.

وقوله ﴿ لدي ﴾ إما أن يتعلق بالقول أي ما يبدّل القول الذي هو لديّ يعني ألقيا في جهنم، أو لأملأن جهنم، أو الحكم الأزلي بالسعادة والشقاوة.

وإما أن يتعلق بقوله ﴿ ما يبدّل ﴾ أي لا يقع التبديل عندي.

والمعاني كما مرت.

ويجوز أن يراد لا يكذب لديّ ولا يفتري بين يديّ فإني عالم بمن طغى وبمن أطغى.

ويحتمل أن يراد لا تبديل للكفر بالإيمان فإن إيمان اليأس غير مقبول.

فقولكم "ربنا وإلهنا" لا يفيدكم ﴿ يوم نقول ﴾ منصوب بـ ﴿ ظلام ﴾ أو بـ "أذكر" قال أهل المعاني: سؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تقرير المعنى في النفس.

وقوله ﴿ هل من مزيد ﴾ أي من زيادة، أو هو اسم مفعول كالمبيع لبيان استكثار الداخلين كما أن من يضرب غيره ضرباً مبرحاً أو شتمه شتماً فاحشاً يقول له المضروب: هل بقي شيء آخر يدل عليه قوله  ﴿ لأملأن جهنم ﴾ فلا بدّ أن يحصل الامتلاء فكيف يبقى في جهنم موضع خال حتى تطلب المزيد؟

ويحتمل أنها تطلب الزيادة بعد امتلائها غيظاً على العصاة وتضيقاً للمكان عليهم، أو لعل هذا الكلام يقع قبل إدخال الكل.

وفيه لطيفة وهي أن جهنم تغيظ على الكفار فتطلبهم، ثم يبقى فيها موضع لعصاة المسلمين فتطلب الامتلاء من الكفار كيلا ينقص إيمان العاصي حرها، فإذا أدخل العصاة النار سكن غيظها وسكن غضبها وعند هذا يصح ما ورد في الأخبار، وإن جهنم تطلب الزيادة حتى يضع الجبار فيها قدمه والمؤمن جبار يتكبر على ما سوى الله  ذليل متواضع لله.

وروي أنه لا يلقى فيها فوج إلا ذهب ولا يملؤها شيء فتقول: قد أقسمت لتملأني فيضع  فيها قدمه أي ما قدّمه في قوله "سبقت رحمتي غضبي" أي يضع رحمته فتقول: قط قط ويزوي بعضها إلى بعض ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله خلقاً فيسكنون فضول الجنة.

قلت: لا ريب أن جهنم الحرص والشهوة والغضب لا تقر ولا تسكن ولا تنتهي إلى حدّ معلوم، بل تقول دائماً بلسان الحال هل من مزيد إلا أن يفيض الله  عليها من سجال هدايته ورحمته فيتنبه صاحبها وينتهي عن طلب الفضول ويقف في حدّ معين ويقنع بما تيسر، وكذا الترقي في مدارج الكمالات ليس ينتهي إلى حدّ معلوم إلا إذا استغرق في بحر العرفان وكان هنالك ما كان كما قال ﴿ وأزلفت الجنة للمتقين ﴾ أي قربت للمتقين يحتمل أن تكون الواو للاستئناف وأن تكون للعطف على ﴿ نقول ﴾ والمضي لتحقيق الوقوع المستدعي لمزيد البشارة ولم يكن المنذرون مذكورين في الآية المتقدّمة فلم يحتج إلى تحقيق الإنذار.

وقوله ﴿ غير بعيد ﴾ نصب على الظرف أي مكاناً غير بعيد عنهم، أو على الحال.

ووجه تذكيره مع تأنيث ذي الحال كما تقرر في قوله ﴿ إن رحمة الله قريب  ﴾ أنه على زنة المصدر كالزفير والصهيل، أو هو على حذف الموصوف أي شيئاً غير بعيد.

قال جار الله: معناه التوكيد كما تقول هو قريب غير بعيد وعزيز غير ذليل، وذلك أنه يجوز أن يتناول العزيز ذلّ ما من بعض الوجوه إلا أن الغالب عليه العز فإذا قيل عزيز غير ذليل أزيل ذلك الوهم، وهكذا في كل تأكيد.

فمعنى الآية أن الجنة قريب منهم بكل الوجوه وجميع المقايسات.

وقال آخرون: إنه صفة مصدر محذوف أي إزلافاً غير بعيد عن قدرتنا، وذلك إن المكان لا يقرب وإنما يقرب منه فذكر الله  إن إزلاف المكان ليس ببعيد عن قدرتنا بطيّ المسافة وغير ذلك.

ويحتمل أن يقال: الإزلاف بمعنى قرب الحصول كمن يطلب من الملك أمراً خطيراً فيقول الملك بعيد عن ذلك أو قريب منه، ولا ريب أن الجنة بعيدة الحصول للمكلف لولا فضل الله ورحمته ولهذا قال  : "ما من عبد يدخل الجنة إلا بفضل الله.

فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟

قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وقوله ﴿ غير بعيد ﴾ يراد به القرب المكاني كأنه  ينقل الجنة من السماء إلى الأرض فيحصل فيها المؤمن.

ومما سنح لهذا الضعيف وقت كتبه تفسير هذه الآية أن الشيء ربما يقرب من شخص ولكن لا يوهب منه، وقد يملكه ولكن لا يكون قريباً منه فذكر الله  في الآية إن الجنة تقرب لأجل المتقين غير بعيد الحصول لهم بل كما قربت دخلوها وحصلوا فيها لا كما قيل: على أن قرب الدار ليس بنافع *** إذا كان من تهواه ليس بذي ود وفي المثل البعيد القريب خير من القريب البعيد وذلك لأنهم حصلوا استعداد دخول الجنة وهو التقوى بخلاف الفاجر فإنه لا ينفعه القرب من الجنة لأن ملكاته الذميمة تحول بينه وبينها.

ولك أن تشبه حالهما بحال الكبريت الجيد والحطب الرطب إذا قربا من الجمر، وذلك أن تعتبر هذه الحالة في الدنيا فإن أهل الصلاح وأرباب النفوس المطمئنة يقبلون بل يستقبلون كل خير يعرض عليهم، وأهل الشقاوة وأصحاب النفوس الأمارة يكون حالهم بالعكس يفرون من الخيرات والكمالات ويألفون الشرور واللذات الزائلات.

ووجه آخر وهو أن الجنة قربت لهم حال كون كل واحد منهم غير بعيد عن لقاء الله ورضاه، وفيه أن المتقين هم أهل الله وخاصته ليسوا بمن شغلوا بالجنة عن الاستغراق في لجة العرفان بل لهم مع النعيم المقيم لقاء الرب الكريم.قوله عز من قائل ﴿ هذا ما توعدون ﴾ قال جار الله: إنه جملة معترضة.

وقوله ﴿ لكل أوّاب حفيظ ﴾ بدل من قوله ﴿ للمتقين ﴾ قلت: ولو جعل خبراً ثانياً لهذا لم يبعد.

والمشار إليه الثواب أو الإزلاف.

والأوّاب الرجاع إلى الله بالإعراض عما سواه، والحفيظ الحافظ لحدود الله أو لأوقات عمره أو لما يجده من المقامات والأحوال فلا ينكص على عقبيه فيصير حينئذ مريداً لطريقه.

قوله ﴿ من خشي ﴾ قد مر وجوه إعرابه في الوقوف.

وجوز أن يكون منادي كقولهم "من لا يزال محسناً أحسن إليّ" وحذف حرف النداء للتقريب والترحيب، وقرن بالخشية اسمه الدال على وفور الرحمة للثناء على الخاشي من جهة الخشية أوّلاً ومن جهة خشيته مع علمه بسعة جوده ورحمته ومن جهة الخشية مع الغيب وقد مر مراراً، وقد يقال: إنها الخشية في الخلوة حيث لا يراه أحد.

قال أهل الاشتقاق: إن تركيب خ ش ى يلزمها الهيبة ومنه للسيد ولكبير السن وتركيب الخوف يدل على الضعف ومنه الخفاء، وكل موضع ذكر فيه الخشية أريد بها معنى عظمة المخشي عنه، وكل موضع ذكر فيه الخوف فإنه أريد ضعف الخائف كقوله ﴿ يخافون ربهم من فوقهم  ﴾ أو ضعف المخوف منه كقوله ﴿ لا تخف ولا تحزن  ﴾ يريد أنه لا عظمة لهم وقال ﴿ إنا نخاف من ربنا يوماً  ﴾ لأن عظمة اليوم بالنسبة إلى عظمة الله هينة.

ووصف القلب بالمنيب باعتبار صاحبه أو لأن الإنابة المعتبرة هي الرجوع إلى الله بالقلب لا اللسان والجوارح ﴿ ادخلوها بسلام ﴾ أي سالمين من الآفات أو مع سلام من الله وملائكته ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى قوله ﴿ يوم نقول ﴾ أي ذلك اليوم ﴿ يوم ﴾ تقدير ﴿ الخلود ﴾ في النار أو في الجنة ويجوز أن يكون إشارة إلى وقت القول أي حين يقال لهم ادخلوها هو وقت تقدير الخلود في الجنة يؤيده قوله بعده ﴿ لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد ﴾ مما لم يخطر بالقلوب.

ويجوز أن يراد به الذي ذكر في قوله { ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ ويروى أن السحاب تمر بأهل الجنة فتمطر عليهم الحور فتقول الحور: نحن المزيد الذي قال الله  ﴿ ولدينا مزيد ﴾ .

ثم عاد إلى التهديد بوجه أجمل وأشمل قائلاً ﴿ وكم أهلكنا ﴾ الآية.

ومعنى الفاء في قوله ﴿ فنقبوا ﴾ للتسبيب عما قبله من الموت كقوله "هو أقوى من زيد فغلبه" أي شدّة بطشم أقدرتهم على التنقيب وأورثتهم ذلك وساروا في أقطار الأرض وسألوا ﴿ هل من محيص ﴾ أي مهرب من عذاب الله فعلموا أن لا مفر ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من أوّل السورة إلى ههنا أو من حديث النار والجنة أو من إهلاك الأمم الخالية ﴿ لذكرى لمن كان له قلب ﴾ واع فإن الغافل في حكم عديم القلب وإلقاء السمع الإصغاء إلى الكلام وفي قوله ﴿ وهو شهيد ﴾ إشارة إلى أن مجرد الإصغاء لا يفيد ما لم يكن المصغي حاضراً بفطنته وذهنه.

وفي الآية ترتيب حسن لأنه إن كان ذا قلب ذكيّ يستخرج المعاني بتدبره وفكره فذاك وإلا فلا بد أن يكون مستمعاً مصغياً إلى كلام المنذر ليحصل له التذكير.

قال المفسرون: زعمت اليهود إن الله  خلق السموات والأرض في ستة أيام، أوّلها الأحد وآخرها الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش فردّ الله عيلهم بقوله ﴿ ولقد خلقنا ﴾ إلى قوله ﴿ وما مسنا من لغوب ﴾ أي إعياء.

ثم سلى رسوله فأمره بالصبر على أذى الكفار.

وفيه لطيفة وهي أن الله  مع كمال قدرته واستغنائه صبر على أذى الجهلة الذين نسبوه إلى اللغوب والاحتياج إلى الاستراحة، فكيف لا يصبر رسوله على إيذاء أمته؟

بل كيف لا يصبر أحدنا على أذى أمثالنا وخاصة إن كانوا مسلطين علينا؟

اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا وادفع عنا بقدرتك شر كل ذي شر واغوثاه واغوثاه واغوثاه.

وقد سبق نظير الآية في آخر "طه" ودلالتها على الصلوات الخمس ظاهرة ﴿ وأدبار السجود ﴾ أعقاب الصلوات فإن السجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة، والأظهر أنه الأدعية والأذكار المشتملة على تنزيه الله  وتقديسه.

قيل: النوافل بعد المكتوبات.

وعن ابن عباس: هو الوتر بعد العشاء.

ومن قرأ بكسر الهمزة أراد انقضاء الصلاة وإتمامها وهو مصدر وقع موقع الظرف أي وقت انقضاء السجود كقولك "آتيك خفوق النجم".

قال أهل النظم: إن النبي  له شغلان: أحدهما عبادة الله، والثاني هداية الخلق.

فإذا هداهم ولم يهتدوا قيل له: اصبر واقبل على شغلك الآخر وهو العبادة.

ثم بين غاية التسبيح بقوله ﴿ واستمع ﴾ يعني اشتغل بتنزيه الله وانتظر المنادي كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ ومفعول ﴿ استمع ﴾ متروك أي كن مستمعاً لما أخبرك به من أهوال القيامة ولا تكن مثل هؤلاء المعرضين.

قال جار الله: وفي ترك المفعول وتقديم الأمر بالاستماع تعظيم لشأن المخبر به والمحدّث عنه كما روي أن النبي  قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل: يا معاذ اسمع ما أقول لك ثم حدثه بعد ذلك.وانتصب ﴿ يوم ينادي ﴾ بما دل عليه ذلك يوم الخروج أي يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور.

والمنادي قيل الله كقوله ﴿ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي  ﴾ ﴿ أحشروا الذين ظلموا وأزواجهم  ﴾ والأظهر أنه إسرافيل صاحب الصيحة ينفخ في الصور فينادي أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.

وقيل: إسرافيل ينفخ وجبرائيل ينادي بالحشر.

والمكان القريب صخرة بيت المقدس.

يقال إنها أقرب إلى السماء باثني عشر ميلاً.

وقيل: من تحت أقدامهم.

وقيل: من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة أيتها العظام البالية وهذا يؤيد القول بأن المنادي هو الله لقوله ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾ والصيحة النفخة الثانية كما قال { ﴿ إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع  ﴾ وقوله ﴿ بالحق ﴾ متعلق بالصيحة والمراد به البعث للجزاء أي بسبب الحق الذي هو البعث.

ويجوز أن يتعلق بالسماع أي يسمعونها باليقين.

وقيل: الباء للقسم أي بالله الحق.

قوله ﴿ سراعاً ﴾ حال من المجرور أي ينكشف عنهم مسرعين ﴿ ذلك ﴾ الشق أو الحشر ﴿ حشر علينا يسير ﴾ لا على غيرنا وهو ردّ على قولهم ﴿ ذلك رجع بعيد ﴾ .

﴿ نحن أعلم بما يقولون ﴾ أي من المطاعن والإنكار وفيه تهديد لهم وتسلية للنبي  ﴿ وما أنت عليهم بجبار ﴾ أي بمسلط حتى تقسرهم على الإيمان وإنما أنت داع.

ولعل في تقديم الظرف إشارة إلى أنه كالمسلط على المؤمنين ولهذا وقع إيمانهم وهذا مما يقوّي طرف المجبرة.

وقيل: أراد إنك رؤوف رحيم بهم لست فظاً غليظاً.

والأول أولى بدليل قوله ﴿ فذكر ﴾ إلى آخر أي اترك هؤلاء وأقبل على دعوة من ينتفع بتذكيرك والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز جل -: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ﴾ قال أبو عو سجة: ﴿ سَكْرَةُ الْمَوْتِ ﴾ أي: شدته.

يخبر أن لا بد أن ينزل بالنفس عند الموت شدة ومشقة.

ثم الآية ترخج على وجهين: أحدهما: أن تُجْرِى على ظاهرها في الماضي؛ أعني: لفظة ﴿ جَاءَتْ ﴾ أي: جاءت سكرة الموت على الذين كانوا من قبلكم، فوجدتهم غير متأهبين و لامستعدين له، والله أعلم.

والثاني: أن يكون قوله: ﴿ وَجَاءَتْ ﴾ بمعنى تجيء، وكذلك ﴿ وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ ﴾ وذلك جائز في اللغة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِالْحَقِّ ﴾ أي: من أهل الشقاوة أو من أهل السعادة؛ يقول: عند ذلك يبين له ويظهر أنه من أهل السعادة أو من أهل الشقاوة؟

أو من أهل الجنة أو من أهل النار؟

وأصله عندنا: أن الحق هو ما وعد كل نفس من خير، وما أوعد كل نفس من الشر، إن كان مؤمناً وقد وعد له الجنة فيتحقق له ذلك، وإن كان كافراً وقد أوعد له النار فيتحقق له ذلك.

ويحتمل ما ذكر من الحق - هاهنا - هو الموت نفسه؛ أخبر أنه لا بد من الموت، وأنه كائن لا محالة، وهو كقوله -  -: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ  ﴾ يقل: لم يخلق الخلق للخلود وفي الدنيا، ولكن للآخرة، فلا بد م نالمت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾ يحتمل وجهين: أي: أتاك ما كنت تكره مجيئه وتنكره، ولم تؤمن به، وهو البعث ويوم القيامة الذي ينكرونه ويكرهونه.

والثاني: يحتمل الموت نفسه؛ أي: أتاك ما كنت تكره وتفر منه؛ إذ هم كانوا يكرهون الموت ويفرون منه؛ كقوله -  -: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ  ﴾ أي: يأتيكم من حيث لا مفر لكم عنده.

ثم الحيد: الميل والكراهة.

وقال أبو عوسجة: الحيد: الفرار، يقال: حاد يحيد حيداً فهو حائد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ ﴾ .

يحتمل أن يكون أراد النفخة الأولى، وهي النفخة التي يفزع عندها أهل السماوات والأرض فيموتون.

ويحتمل أن يريد النفخة الثانية التي عندها البعث وإدخال الأرواح في الأجساد.

ويحتمل أن يريد عندما يوضع كل واحد في القبر وهو أن يسأل، على ما جاءت الأخبار من سؤال منكر ونكير، وذلك أيضاً هو يوم الوعيد في حق ذلك الرجل، وهذا للكافر خاصة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ ﴾ أي: ذلك يوم وقوع الوعيد؛ إذ يوم الوعيد الدنيا، فأما القيامة فهو يوم وقوع الوعيد وتحققه، والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾ .

قال بعضهم: السائق: الذي يقبض روحه، والشهيد: الذي يحفظ عمله.

وقال بعضهم: السائق: هو الملك الذي يكتب عليه سيئاته، والشهيد هو الذي يكتب حسناته.

وقيل: السائق: هو النار التي تأتي تسوق الكفرة إلى المحشر، والشيهد هو عمله الذي عمل في الدنيا.

وقيل: السائق: الكاتب، والشهيد: جوارحه بقوله  : ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ...

﴾ الآية [النور: 24].

واصله ما ذكر في قوله: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ  ﴾ ، و ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ  ﴾ ، ذكر السوق في الفريقين، وذكر في الكفرة: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ  ﴾ ، وقال - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ  ﴾ ، فالسائق: هو ملك يسوق إلى ما أمر من الجنة أو النار، والشهيد هم الملائكة الذين يكتبون علينا الأعمال، فيشهدون في الآخرة: إن كان شرّاً فشرّ، وإن كان خيراً فخير، والله أعلم بحقيقة ما أراد، وإن كان ما قالوا فمحتمل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ .

يقول: لقد كنت في الدنيا في غفلة من هذا تعاين وتشاهد.

أو في غفلة عما أوعدت من المواعد والشدائد التي عاينتها ﴿ فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ ﴾ أي: كشفنا عنك الشبه التي تمنع وقوع العلم به والتجلي له ﴿ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ أي: ثاقب نيّر، يبصر الحق؛ كقوله -  -: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا  ﴾ .

وقيل: حديد من الحدة؛ أي: نافذ لا يخفى عليه شيء، فكأنه أراد - والله أعلم -: إنك كنت في الدنيا جاهلا عن هذا اليوم، وعن هذه الحال، والآن قد عاينت ما كنت عنه في غفلة وأيقنت به، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ  ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ أي: يقول الملك الذي كان عليه رقيبا: إن كل ماعمل فه وعندي حاضر من تكذيب وعمل السوء، فيشبه أن تكون شهادة الحفظة على هذا القول.

ويحتمل أن يكون ذلك على السؤال للملائكة عما كتبوا وحفظوا، يقول كل ملك: ﴿ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ أي: هذا الذي عمل هذا عندي حاضر محفوظ؛ إذ الكتاب الذي كتبت فيه أعمالهم حاضر.

ثم جائز أن الذي يكتب الأعمال ملك واحد على هذا؛ حيث قال: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ ﴾ ولم يقل: قريناه، وإن كان قال: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ  ﴾ على ما ذكرنا أنهما ملكان، لكن يجوز أن يتولى الكتابة واحد، والآخر شاهد.

وجائز أن يكونا يكتبان جميعاً بقوله: ﴿ كِرَاماً كَاتِبِينَ ﴾ الانفطار: 11] لكنه ذكر - هاهنا - بحرف التوحيد فقال: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ ﴾ لما يقول كل واحد منهما ذلك على حدة، وهو كما ذكرنا، وفي قوله: ﴿ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ  ﴾ أي: كل واحد منهما قعيد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ .

يحتمل أن يكون الخطاب بقوله -  -: ﴿ أَلْقِيَا ﴾ لاثنين؛ على ما هو ظاهر الصيغة، الذي يسوقه والذي يشهد عليه، حيث قال: ﴿ وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾ كأن الأمر بذلك لهما.

ويحتمل أن يكون المراد بالخطاب هو القرين الذي سبق ذكره: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ لكن قال: ﴿ أَلْقِيَا ﴾ لوجهين: أحدهما: ما قيل: إن العرب قد تذكر حرف التثنية على إرادة الواحد والجماعة.

والثاني: ما قال بعضهم: إن المراد من قوله ﴿ أَلْقِيَا ﴾ أي: ألق ألق، على التأكيد؛ كقوله -  -: ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ﴾ \[المؤمنون: 36\] على الوعيد في الذم، ويقال في المدح: بخ بخ، ونحو ذلك، على التأكيد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ كل كفار لنعم الله -  - حيث صرف شكرها إلى غيره.

أو كل كفار لتوحيد الله، وتسمية غيرٍ: إلها.

والعنيد، قال بعضهم: هو الذي بلغ في الخلاف غايته، والمخالف أشد الخلاف، من عند يعند عنوداً، فهو عاند، وعنيد بمعنى: عاند.

وقيل: هو الذي لا ينصف من نفسه.

وقيل: هو الذي يكابر ويعاند بعد ظهور الحق له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: مناع عن الخير، وهو منع غيره عن التوحيد وقبول الحق.

والثان]: ﴿ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ ﴾ أي: منع ماعنده من الحقوق التي وجبت في أمواله ونفسه.

وقال بعض أهل التأويل: أراد به الوليد بن المغيرة المخزومي؛ لكن هذا عادة كل كافر؛ كقوله - عز وجل - : ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً  إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً  وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً  ﴾ فلا معنى لتخصيص واحد به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ ﴾ المعتدي من الاعتداء، وهو المجاوز عن حدود الله -  - والمريب من الريبة، وهو الشك والفساد، فكأن المريب هو الذي فيه الشك والفساد جميعاً.

ثم نعت ذلك الإنسان فقال: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ﴾ ، أي: وصف وذكر مع الله إلهاً آخر، وهو كقوله -  -: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ  ﴾ وقوله -  -: ﴿ وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً  ﴾ أي: قالوا ووصفوا أنهم إناث، وإلا لا يملكون جعل ذلك حقيقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ﴾ وصف نار جهنم بالشدة؛ لما أنه لا انقطاع لها، وكل عذاب يرجى انقطاعه في بعض الأزمان ففيه بعض الراحة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ ، أي: قال شيطانه الذي أضله ودعاه إلى ما دعاه؛ فصار قرينه في الآخرة؛ لقوله -  -: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ قرِينُهُ ﴾ أي: رفيقه الذي كان معه يتبعه ويصدر عن رأيه.

ثم هذا القول من قرينه إنما بعد أن كان منه إنكار لما كان منه من الكفر والشرك عن اختيار، وقال: هذا الذي أضلني وأطغاني، وهو الذي حملني عليه، كقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ  ﴾ ، فيقول رفيقه: ﴿ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ ، وكان الكفرة لحيرتهم وقلة حيلتهم أحياناً ينكرون الشرك؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ  ﴾ ، وأحياناً يقولون: هؤلاء أضلونا، وأحياناً يلعن بعضهم بعضا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ ﴾ أي: ما قهرته على الضلال، ولا لي قوة ذلك، ولكن اتبعني على ما كنت أنا فيه، وأطاعني من غير أن يكون مني إكراه وإجبار على ذلك، وهو ما ذكر: ﴿ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ أي: كان في ضلال لا يرجى الرجوع ولا الانقطاع.

وقال بعض اهل التأويل: إن ذلك الكافر يكذب الحفظة بأنهم كتبوا ما لم أعمل، وهم كانوا يكذبون في ذلك اليوم؛ لحيرتهم؛ كقولهم: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، فقال قرينه وهو الذي يكتب أعماله: ﴿ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ .

لكن هذا فاسد، وهذا القول من الشيطان، لا من الملائكة الإطغاء والإغواء؛ إذ هم لا يدعون على الملائكة الإطغاء والإغواء؛ ألا ترى انه قال: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ ﴾ واختصامهم مع الشيطان كما أخبر - عز وجل - في غير آي من القرآن؛ قال الله -  - ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ  قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ  قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ وقوله - عز جل -: ﴿ وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ...

﴾ إلى قوله -  -: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي...

﴾ الآية [إبراهيم: 22].

فهذه الخصومة بينهم وبين قرنائهم، وهم الشياطين ﴿ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ ﴾ : خصومتهم ما ذكرنا، قالت الأتباع: ﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا  ﴾ وما ذكر من لعن بعضهم بعضاً ومن تبري بعض عن بعض، فقال -  عز وجل -: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ ﴾ أي: قدمت إليكم من الوعيد في الدنيا، فانقطعت خصوماتكم هذه؛ أي: بينت في الدنيا ما يلحق بمن ضل بنفسه، ومن ضل بغيره.

كأن هؤلاء الكفرة يطلبون وجه الاعتذار بما لا عذر لهم؛ فلذلك يقال لهم: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ ﴾ أي: أرسلت إليكم الرسل معهم الكتب وفيها الوعيد، فلم تقبلوا ذلك كله.

فإن قيل: قال هاهنا: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ ﴾ ، وقا ل في موض آخر: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ  ﴾ قيل: هو يخرج على جوه: أحدها: أن قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ  ﴾ في أهل القبلة، وهو في المظالم التي كانت بينهم في الدنيا.

والثاني: ما قال بعضهم بأن إحدى الآيتين في موضع، والآخرى في موضع، فيؤذن لهم بالكلام فيه حتى يكون جمعاً بين الآيتين، وهو كقوله -  -: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ \[المؤمنون: 101\]، وقال في آية أخرى: ﴿ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ  عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ  مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ  ﴾ ؛ فعلى ذلك هذا.

والثالث: جائز أن يكون قوله -  -: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ ﴾ في الدين فيما بينهم وبين ربهم في دفع عذاب الله عن أنفسهم، وذلك لا يملكونه ولا ينتفعون به، وأما قوله -  -: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ  ﴾ فيما بين أنفسهم في المظالم والمغرامات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ ﴾ هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: ما يبدل ما استحق كل واحد منكم من العذاب والثواب ما سبق مني من الوعد والوعيد في الدنيا بأن أجعل جزاء الكافر الجنة، وجزاء المؤمن النار؛ إذ قد سبق في وعدي ووعيدي بأن أجعل الجنة مثوى المؤمنين، والنار مثوى الكافرين؛ فلا يبدل ذلك الوعد والوعيد.

والثاني: ﴿ مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ ﴾ يتمل أنه أراد به قوله: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ .

والثالث: أي: لا يبدل اليوم ما يستوجب به الجنة والخلود فيها، وهو الإيمان عن غيب، كما أخبر - عز وجل -: ﴿ مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ...

﴾ الآية، فأما الأيمان بعد العيان لا ينفع، كما أخبر - عز وجل -: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا...

﴾ الآية [غافر: 85].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾ أي: في العقل والحكمة تعذيب من أتى بالكفر والشرك، فيكون ترك تعذيبه سفهاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على تحقيق القول من الله -  - لجهنم: ﴿ هَلِ ٱمْتَلأَتِ ﴾ ، وعلى تحقيق القول من جهنم والإجابة له: ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ ، وذلك جائز أن ينطلق الله -  - جهنم حتى تجيب له بما ذكر ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ على ما ذكرنا من شهادة الجوارح عليهم، والنطق منها للكل، حتى أجابت الجوارح لهم لما قالوا: ﴿ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ  ﴾ وعلى ذلك ما ذكرنا في قوله -  -: ﴿ يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ  ﴾ ونحو ذلك، ومثل هذا غير مستنكر في العقول على تدقير إحداث الحياة فيها التي هي شرط النطق عن علم، والله أعلم.

والثاني: على التمثيل، لا على تحقيق القول لها: ﴿ هَلِ ٱمْتَلأَتِ ﴾ وعلى تحقيق الإجابة منها ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ ولكن على التمثيل؛ لوجهين: أحدهما: أي: إن جهنم لو كانت بحيث تنطق وتسمع وتعلم لو قلت ل ها: ﴿ هَلِ ٱمْتَلأَتِ ﴾ ، فتقول: ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ ؟

يخبر عن انقياد المخلوقات له والطاعة والإجابة، وهو ما ذكرنا في قوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا  ﴾ لا يكون من الدنيا حقيقة التغرير قولا ولا فعلا، ولكن معناه: إنها بحال من التزين وما فيها من الشهوات لو كان لها تمييز وعقل لغرتهم، والله أعلم.

والثاني: وصف لها بالعظم والسعة وإخبار عن أنها تحتمل المزيد، وإن جمع من الكفرة ما لا يحصى، على التمثيل، وهو كقوله: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ  ﴾ ، وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا  ﴾ وصف لها بالتزين والحسن الظاهر ما [لو] لم يتأمل الناظر فيها العاقبة لاغتر بها من حسنها وزينتها؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: هل يبقى من أحد يزاد فيَّ فإني قد امتلأت، وليس فىَّ سعة تحتمل غيرهم.

والثاني: ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ أي: فيَّ سعة عظيمة، فهل من زيادة خلق امتلئ بها؟

لأن الله -  - وعد أن يملأ جهنم، كما قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ فتسأل المزيد من ربها لتمتلئ، والله أعلم بذلك.

وقال بعض أهل التأويل بأنها تسأل الزيادة حتى يضع الرحمن قدمه فيها فتضيق بأهلها حتى لا يبقى فيها مدخل رجل واحد، وروي خبر عن أبي هريرة -  - عن النبي  في ذلك، وأنه فاسد، وقول بالتشبيه، وقد قامت الدلائل العقلية على إبطال التشبيه، فكل خبر ورد مخالفاً للدلائل العقلية يجب رده، ومخالف لنص التنزيل، وهو قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ ثم هذا القول على قول المشبهة - على ما توهموا - مخالف للكتاب؛ لأنه الله - عز وجل - قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ وعندهم لا تمتلئ بهم ما لم يضع الرحمن قدمه فيها.

ثم ذكر البلحي أن مدار ما ذكروا من الحديث على حماد بن سلمة، وكان خوفاً مفنداً في ذلك الوقت لم يجز أن يؤخذ منه، مع ما روي في خبر أنس -  - عن رسول الله  أنه قال: "يأتي الله -  - يبشر فيضع في النار حتى تمتلئ" فهذا يحتمل نلا ما رووا، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: قربت، وذكر في آية آخرى: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً  ﴾ ذكر - هاهنا - تقريب الجنة إلى أهلها، وذكر ثَمَّ سوق أهل الجنة إليها، فبين الآيتين مخالفة من حيث الظاهر، ولكن يحتمل وجهين: أحدهما: أن أهل الجنة إذا قربوا منها بالسوق إليها قربت هي إليهم؛ لأن أحد الشيئين إذا قرب إلى الآخرة قرب الآخر منه، ويزول البعد بزوال المسافة، وذلك معروف.

ويتحمل أن يكون إخباراً عن وصف الجنة أنها بحال تقرب إلى أهلها وتزلف، ذكر في الجنة التقريب؛ وفي النار البروز الظهور بقوله -  -: ﴿ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ  ﴾ فهو - والله أعلم - أن أهل النار كانوا يجحدون النار وينكرونها وبرزت الجحيم ليرونها ويطلعون عليها، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ  ﴾ فأما أهل التوحيد فإنهم كانوا يقرون بالجنة، ولكن لا يرون أنفسهم من أهلها لما بدا منهم من الخطايا والزلات، ويرونها بعيدة من أنفسهم، فذكر الله -  - التقريب لهم، ووعدهم بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ أي: غير بعيد منهم، بل بحيث يرونها وقت وقوفهم في القيامة، والله أعلم.

والثاني: أي: على بعد منهم في الدنيا؛ أي: يأتونها ويكونون من أهلها عن قريب؛ لأن كل آت فكأن قد أتى، والله أعلم.

ويحتمل: أي: غير بعيد منهم في الجنة إذا دخلوها من الثمار والفواكه؛ بل قريب منهم، يتناولون كيف شاءوا والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ﴾ الأواب الرجاع، من الآوبة، وهي الرجوع؛ فمعناه: لكل رجاع إلى الله -  - في كل وقت، أو رجاع إلى أمره وطاعته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَفِيظٍ ﴾ أي: يحفظ نفسه عن المعاصي والزلات سرّاً وعلانية والحافظ لحدوده في أوامره ونواهيه، وهو كقوله -  -: ﴿ لِّلْمُتَّقِينَ  ﴾ و ﴿ لِّلْمُحْسِنِينَ  ﴾ إذ التقوى هي الائتمار بما أمر والامتناع عما نهى وحظر، والإحسان هو العمل بجميع ما يحسن في العقول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ أي: خاف وحذر بما أوعد.

ثم يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ أي: قبل أن يرد على ظاهر ما ذكر.

والثاني: أي: من خشي الرحمن في الدنيا التي هي حال غيب الدلائل بالمواعيد التي أوعدها وحذر منها قبل أن يعاينها؛ إذ هو لم يرد ذلك العذاب فيصدقه فيما أوعد، وخافه وهو كقوله -  -: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ  ﴾ أي: عقوبته ونقمته، والله أعلم.

وقوله -0 عزو جل -: ﴿ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ﴾ والمنيب: هو المقبل على الله  بجميع أوامره ونواهيه، المطيع له في ذلك كله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ﴾ كأنه على الإضمار، أي: يقال لهم: ادخلوها بسلام الملائكة: أي: تسلم الملائكة عليهم وقت دخولهم الجنة؛ كقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ  ﴾ .

والثاني: السلام: هو اسم من أسماء الله  فيقال لهم: ادخلوها باسم الله  عل ما هو الأصل، وفي كل خير أنه يبتدأ باسم الله  ؛ امتثالا لحديث رسول الله  : "كل أمر ذي بال لم يبدأ باسم الله فهو أبتر" وقال بعضهم: ﴿ ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ﴾ ، أي: سالمين عن الخوف والحزن، لا آفة تصيبكم فيها، وهو كقوله: ﴿ ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ  ﴾ عن الخوف والحزن.

ويحتمل ادخلوها ولا كلفة عليكم، ولا أمر، ولا محنة، سوى الثناء على الله  والحمد له، وتسليم بعضكم على بعض؛ بل تسقط عنكم جميع المحن والأوامر التي عليكم في الدنيا، وذلك كقوله  : ﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ ، وكأنه لا شيء ألذ في الدنيا على أهل الإيمان من الثناء على الله  وتسليم بعضهم على بعض؛ فلذلك أبقى ذلك في الجنة، وأسقط ما رواء ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ ﴾ : يحتمل: أي: ذلك يوم الخلود لأهل الجنة بالسرور والراحة، ولأهل النار بالعقوبة العذاب.

ويحتملم: أي: يوم لا انقطاع لذلك الذي وعدوا، وهي الجنة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا ﴾ ، أي: لهم ما يختارون فيه، لا يبجرون، ولا يكرهون فيها على شيء؛ إذ المشيئة هي صفة كل فاعل مختار.

وإن كانت المشيئة مشيئة التمني والتشهي، فكأنه قال: لهم ما يتمنون، ويتخيرون كقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ  ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾ قال بعض أهل التأويل: بأنه تأتيهم سحابة فتمطرهم كل ما يشاءون، وذلك هو المزيد لهم في الجنة.

وقال بعضهم بأنه تنبت لهم شجرة فتنفطر لهم كل ما يشاءون، فذلك هو المزيد.

لكن يحتمل وجهين: أحدهما: النظر إلى رؤية الرب - جل وعلا - وهو كقوله  -: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ  ﴾ قيل: الزيادة هي رؤية الله  في الجنة.

ويشبه: ولدينا مزيد من نعيمها ما لا يبلغ تمنيهم وشهواتهم؛ كقوله -  - في صفة نعيم الجنة: "ما لاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" ؛ لأن لأماني والشهوات إنما تكون لما سبق لجنسه من الذي تقع عليه الرؤية والنظر، أو الخبر فأما ما لا معرفة به، فلا يتمنى ولا يشتهى، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويقال لهذا الإنسان المَسُوق: لقد كنت في الدنيا في غفلة عن هذا اليوم بسبب اغترارك بشهواتك ولذاتك، فكشفنا عنك غفلتك بما تعاينه من العذاب والكرب، فبصرك اليوم حادٌّ تدرك به ما كنت في غفلة عنه.

<div class="verse-tafsir" id="91.KLQGm"

مزيد من التفاسير لسورة ق

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.4 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
لا إله إلا الله