الإسلام > القرآن > سور > سورة 52 الطور > الآية ١٥ من سورة الطور
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 55 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٥ من سورة الطور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها ) أي : ادخلوها دخول من تغمره من جميع جهاته ( فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم ) أي : سواء صبرتم على عذابها ونكالها أم لم تصبروا ، لا محيد لكم عنها ولا خلاص لكم منها ، ( إنما تجزون ما كنتم تعملون ) أي : ولا يظلم الله أحدا ، بل يجازي كلا بعمله .
القول في تأويل قوله تعالى : أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (15) يقول تعالى ذكره مخبرا عما يقول لهؤلاء المكذبين الذين وصف صفتهم إذا وردوا جهنم يوم القيامة: أفسحر أيها القوم هذا الذي وردتموه الآن أم أنتم لا تعاينونه ولا تبصرونه؟
وقيل هذا لهم توبيخا لا استفهاما.
قوله تعالى : أفسحر هذا استفهام معناه التوبيخ والتقريع ; أي يقال لهم : أفسحر هذا الذي ترون الآن بأعينكم أم أنتم لا تبصرون وقيل : " أم " بمعنى بل ; أي : بل كنتم لا تبصرون في الدنيا ولا تعقلون .
{ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ } يحتمل أن الإشارة إلى النار والعذاب، كما يدل عليه سياق الآية أي: لما رأوا النار والعذاب قيل لهم من باب التقريع: { أهذا سحر لا حقيقة له، فقد رأيتموه، أم أنتم في الدنيا لا تبصرون } أي: لا بصيرة لكم ولا علم عندكم، بل كنتم جاهلين بهذا الأمر، لم تقم عليكم الحجة؟
والجواب انتفاء الأمرين:أما كونه سحرا، فقد ظهر لهم أنه أحق الحق، وأصدق الصدق، المخالف للسحر من جميع الوجوه، وأما كونهم لا يبصرون، فإن الأمر بخلاف ذلك، بل حجة الله قد قامت عليهم، ودعتهم الرسل إلى الإيمان بذلك، وأقامت من الأدلة والبراهين على ذلك، ما يجعله من أعظم الأمور المبرهنة الواضحة الجلية.ويحتمل أن الإشارة [بقوله: { أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ } ] إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الحق المبين، والصراط المستقيم أي: هذا الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم سحر أم عدم بصيرة بكم، حتى اشتبه عليكم الأمر، وحقيقة الأمر أنه أوضح من كل شيء وأحق الحق، وأن حجة الله قامت عليهم
( أفسحر هذا ) وذلك أنهم كانوا ينسبون محمدا - صلى الله عليه وسلم - إلى السحر ، وإلى أنه يغطي على الأبصار بالسحر ، فوبخوا به ، وقيل لهم : ( أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون ) .
«أفسحر هذا» العذاب الذي ترون كما كنتم تقولون في الوحي هذا سحر «أم أنتم لا تبصرون».
أفسحر ما تشاهدونه من العذاب أم أنتم لا تنظرون؟
ذوقوا حرَّ هذه النار، فاصبروا على ألمها وشدتها، أو لا تصبروا على ذلك، فلن يُخَفَّف عنكم العذاب، ولن تخرجوا منها، سواء عليكم صبرتم أم لم تصبروا، إنما تُجزون ما كنتم تعملون في الدنيا.
ثم يقال لهم - أيضا - على سبيل التوبيخ والزجر : ( أَفَسِحْرٌ هذا ) أى أفسحر هذا الذى ترونه من العذاب كما كنتم تزعمونه فى الدنيا؟( أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ) أى : أم أنتم عمى عن مشاهدة العذاب المعد لكم فلا تبصرونه؟
لا ، إن هذا العذاب ليس سحرا ، ولستم أنتم بمحجوبين عن رؤيته ، بل هو أمام أعينكم ، ومهيأ لاستقبالكم ، وهذه النار تناديكم ، وملائكتنا تقول لكم :
تحقيقاً للأمر، وذلك لأن من يرى شيئاً ولا يكون الأمر على ما يراه، فذلك الخطأ يكون لأجل أحد أمرين إما لأمر عائد إلى المرئي وإما لأمر عائد إلى الرائي فقوله: ﴿ أَفَسِحْرٌ هذا ﴾ أي هل في المرئي شك أم هل في بصركم خلل؟
استفهام إنكار، أي لا واحد منها ثابت، فالذي ترونه حق وقد كنتم تقولون إنه ليس بحق، وإنما قال: ﴿ أَفَسِحْرٌ ﴾ وذلك أنهم كانوا ينسبون المرئيات إلى السحر فكانوا يقولون بأن انشقاق القمر وأمثاله سحر وفي ذلك اليوم لما تعلق بهم مع البصر الألم المدرك بحس اللمس وبلغ الإيلام الغاية لم يمكنهم أن يقولوا هذا سحر، وإلا لما صح منهم طلب الخلاص من النار.
<div class="verse-tafsir"
غلب الخوض في الاندفاع في الباطل والكذب.
ومنه قوله تعالى: ﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخائضين ﴾ [المدثر: 45] ، ﴿ وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ ﴾ [التوبة: 69] الدع: الدفع العنيف، وذلك أن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم، ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم، ويدفعونهم إلى النار دفعاً على وجوههم وزخاً في أقفيتهم.
وقرأ زيد بن عليّ ﴿ يدعون ﴾ من الدعاء أي يقال لهم: هلموا إلى النار، وادخلوا النار ﴿ دَعًّا ﴾ مدعوعين، يقال لهم: هذه النار ﴿ أَفَسِحْرٌ هذا ﴾ يعني كنتم تقولون للوحي هذا سحر، أفسحر هذا؟
يريد: أهذا المصداق أيضاً سحر؟
ودخلت الفاء لهذا المعنى ﴿ أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ﴾ كما كنتم لا تبصرون في الدنيا، يعني: أم أنتم عمي عن المخبر عنه كما كنتم عمياً عن الخبر، وهذا تقريع وتهكم ﴿ سَوَآءٌ ﴾ خبر محذوف، أي: سواء عليكم الأمران: الصبر وعدمه، فإن قلت: لم علل استواء الصبر وعدمه بقوله: ﴿ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ؟
قلت: لأنّ الصبر إنما يكون له مزية على الجزع، لنفعه في العاقبة بأن يجازي عليه الصابر جزاء الخير، فأما الصبر على العذاب الذي هو الجزاء ولا عاقبة له ولا منفعة، فلا مزية له على الجزع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أفَسِحْرٌ هَذا ﴾ أيْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِلْوَحْيِ هَذا سِحْرٌ أفَهَذا المِصْداقُ أيْضًا سِحْرٌ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالإنْكارِ والتَّوْبِيخِ.
﴿ أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ﴾ هَذا أيْضًا كَما كُنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ في الدُّنْيا، ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وهو تَقْرِيعٌ وتَهَكُّمٌ أوْ: أمْ سُدَّتْ أبْصارُكم كَما سُدَّتْ في الدُّنْيا عَلى زَعْمِكم حِينَ قُلْتُمْ إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا.
﴿ اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا ﴾ أيِ ادْخُلُوها عَلى أيِّ وجْهٍ شِئْتُمْ مِنَ الصَّبْرِ وعَدَمِهِ فَإنَّهُ لا مَحِيصَ لَكم عَنْها.
﴿ سَواءٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أيِ الأمْرانِ الصَّبْرُ وعَدَمُهُ.
﴿ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلِاسْتِواءِ فَإنَّهُ لَمّا كانَ الجَزاءُ واجِبَ الوُقُوعِ كانَ الصَّبْرُ وعَدَمُهُ سِيَّيْنِ في عَدَمِ النَّفْعِ.
<div class="verse-tafsir"
{أفسحر هذا} هذا مبتدأ وسحرخبره يعني كنتم تقولون للوحي هذا سحر أفسحر هذا يريد ان هذا المصداق أيضاً سحر ودخلت الفاء لهذا المعنى {أم أنتم لا تبصرون} كما كنت لا تبصرون في الدنيا يعني أم أنتم عمي عن المخبر عنه كما كنتم عمياً عن الخبر وهذا
تقربع وتهكم
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَسِحْرٌ ﴾ هَذا تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ لَهم حَيْثُ كانُوا يُسَمُّونَهُ سِحْرًا كَأنَّهُ قِيلَ: كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِلْوَحْيِ الَّذِي أُنْذِرُكم بِهَذا سِحْرًا أفَهَذا المُصَدِّقُ لَهُ سِحْرٌ أيْضًا وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالإنْكارِ والمَدارُ لِلتَّوْبِيخِ.
﴿ أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ﴾ أيْ أمْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ بِهِ كَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ والفاءُ مُؤْذِنَةٌ بِما ذُكِرَ وذَلِكَ لِأنَّها لَمّا كانَتْ تَقْتَضِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ يُصَحُّ تَرَتُّبُ الجُمْلَةِ أعْنِي سِحْرَ هَذا عَلَيْهِ وكانَتْ هَذِهِ جُمْلَةً وارِدَةً تَقْرِيعًا مِثْلَ هَذِهِ النّارِ إلَخْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن تَقْدِيرِ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ يُصَحُّ التَّرَتُّبُ ويَكُونُ مَدْلُولًا عَلَيْهِ مِنَ السِّياقِ ﴿ فَقَدَرَ ﴾ كُنْتُمْ تَقُولُونَ إلى آخِرِهِ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ﴾ وفي الكَشْفِ إنَّ هَذا نَظِيرُ ما تَسْتَدِلُّ بِحُجَّةٍ فَيَقُولُ الخَصْمُ: هَذا باطِلٌ فَتَأْتِي بِحُجَّةٍ أوْضَحِ مِنَ الأوَّلِ مُسْكِتَةٍ وتَقُولُ: أفَباطِلٌ هَذا ؟!
تُعَيِّرُهُ بِالإلْزامِ بِأنَّ مَقالَتَهُ الأُولى كانَتْ باطِلَةً، وفي مِثْلِهِ جازَ أنَّ يُقَدَّرُ القَوْلُ عَلى مَعْنى أفَتَقُولَ باطِلٌ هَذا وأنْ لا يُقَدَّرَ لِابْتِنائِهِ عَلى كَلامِ الخَصْمِ وهَذا أبْلَغُ، ( وأمْ ) كَما هو الظّاهِرُ مُنْقَطِعَةٌ، وفي البَحْرِ لِما قِيلَ لَهم: هَذِهِ النّارُ وقَفُوا عَلى الجِهَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُمَكَّنُ مِنهُما دُخُولُ الشَّكِّ في أنَّها النّارُ وهي إمّا أنْ يَكُونَ ( ثُمَّ ) سِحْرٌ يَلْبَسُ ذاتَ المَرْأى، وإمّا أنْ يَكُونَ في ناظِرِ النّاظِرِ اخْتِلالٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ جَعَلَ ( أمْ ) مُعادَلَةً والأوَّلُ أبْعَدُ مَغْزى.
<div class="verse-tafsir"
وهي أربعون وتسع آيات مكية قوله تعالى: وَالطُّورِ أقسم الله تعالى بالجبل وكل جبل فهو طور بلغة النبط.
ويقال: بلغة السريانية.
ولكن عني به الجبل الذي كلم الله عليه موسى- - بمدين.
ثم قال: وَكِتابٍ مَسْطُورٍ يعني: في اللوح المحفوظ.
ويقال: أعمال بني آدم فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ يعني: في صحيفة منشورة، كما قال: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً [الإسراء: 13] يعني: مفتوحا يقرءونه.
ويقال: كِتابٍ مَسْطُورٍ يعني: القرآن.
فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ يعني: المصاحف.
ويقال: في اللوح المحفوظ.
ثم قال: وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وهو في السماء السابعة.
ويقال: في السماء السادسة ويقال: في السماء الرابعة.
وروى وكيع بإسناده عن علي، وابن عباس في قوله: وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ قالا: هو بيت في السماء حيال الكعبة، يزوره كل يوم سبعون ألف ملك، ولا يعودون إليه إلى يَوْمِ القيامة.
قال بعضهم: بناه الملائكة قبل أن يخلق آدم- - وقال بعضهم: هو البيت الذي بناه آدم بمكة، فرفعه الله تعالى في أيام الطوفان إلى السماء بحيال الكعبة.
وقال بعضهم: أنزل الله بيتاً من ياقوتة في زمان آدم- - ووضع بمكة، فكان آدم يطوف به وذريته من بعده إلى زمن الطوفان، فرفع إلى السماء، وهو الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ طوله كما بين السماء والأرض.
ثم قال: وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ يعني: السماء المرتفعة من الأرض مقدار خمسمائة عام وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ يعني: البحر الممتلئ تحت العرش، وهو بحر مكفوف.
يقال له: الحيوان يحمي الله به الموتى يوم القيامة، فأقسم الله تعالى بهذه الأشياء.
ويقال: أقسم بخالق هذه الأشياء إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ يعني: العذاب الذي أوقع الكفار فهو كائن مَّا لَهُ مِنْ دافِعٍ يعني: لا يقدر أحد أن يرفع عنهم العذاب.
ثم بيّن أن ذلك العذاب في أي يوم يكون فقال: يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً يعني: تدور السماء بأهلها دوراً، وتموج بعضهم في بعض من الخوف.
صار اليوم نصباً لنزع الخافض.
ومعناه: أن عذاب ربك لواقع في يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً يعني: في يوم القيامة وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً يعني: تَسِيرُ على وجه الأرض سَيْراً مثل السحاب حتى تستوي بالأرض فَوَيْلٌ الشدة من العذاب يَوْمَئِذٍ يعني: يوم القيامة لِلْمُكَذِّبِينَ بيوم القيامة.
ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ يعني: في باطل يلهون، ويستهزئون.
قوله عز وجل: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا يعني: تدفعهم خزنة جهنم.
ويقال: يُدَعُّونَ يعني: يزعجون إليها إزعاجاً شديداً، ويدفعون دفعاً عنيفاً.
ومنه قوله تعالى: يَدُعُّ الْيَتِيمَ [الماعون: 2] أي: يدفع عما يجب.
ويقال: دعاً يعني: دفعاً على وجوههم يجرون، فإذا دنوا منها، قالت لهم الخزنة: هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ يعني: لم تصدقوا بها، ولم تأمنوا بها في الدنيا.
أَفَسِحْرٌ هذا العذاب الذي ترون لأنفسكم، لأنكم قلتم في الدنيا للرسول ساحراً، ومجنون.
أَمْ أَنْتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ النار.
ويقال: بل أنتم لا تعقلون.
ثم قال لهم: اصْلَوْها يعني: ادخلوا فيها فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا يعني: فإن صبرتم، أو لم تصبروا، فهو سَواءٌ عَلَيْكُمْ اللفظ لفظ الأمر، المراد به الخبر.
يعني: إن صبرتم أو لم تصبروا، فلا تنجون منها أبداً إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدنيا من الكفر والتكذيب.
<div class="verse-tafsir"
لَواقِعٌ يريد: عذاب الآخرة واقع للكافرين قاله قتادة «١» ، قال الشيخ عبد الحق في «العاقبة» : وَيُرْوَى أَنَّ عمر بن الخطاب- رضي اللَّه عنه- سَمِعَ قارئاً يقرأ:
وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ قال: هذا قسم حقّ، فلمّا بلغ القارئ إلى قوله- عز وجل-: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ظنَّ أَنَّ العذاب قد وقع به فغشي عليه، انتهى، وتَمُورُ معناه: تذهب وتجيء بالرياح متقطعةً مُتَفَتِّتَةً، وسير الجبال: هو في أَوَّلِ الأمر، ثم تتفتَّتُ حتى تصير آخرا كالعهن المنفوش، ويُدَعُّونَ قال ابن عباس وغيره «٢» : معناه:
يُدْفَعُونَ في أعناقهم بشدة وإهانة وتَعْتَعَةٍ، ومنه: يَدُعُّ الْيَتِيمَ [الماعون: ٢] ، وفي الكلام محذوف، تقديره: يقال لهم: هذه النار التي كنتم بها تكذبون توبيخاً وتقريعاً لهم، ثم وقفهم سبحانه بقوله: أَفَسِحْرٌ هذا ...
الآية: ثم قيل لهم على جهة قطع رجائهم:
اصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا سواء عليكم، أي: عذابكم حتم، فسواء جَزَعُكُمِ/ وَصَبْرُكُمْ، لا بدّ من جزاء أعمالكم.
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)
وقوله سبحانه: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ...
الآية: يحتمل أَنْ يكونَ من خطاب أهل النار، فيكون إخبارُهم بذلك زيادةً في غَمِّهِمْ وسُوءِ حالهم، نعوذ باللَّه من سخطه!
ويحتمل، وهو الأظهر، أن يكون إخبارا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومعاصريه، لما فَرَغَ من ذكر عذاب الكفار عَقَّبَ بذكر نعيم المتقين- جعلنا اللَّه منهم بفضله- ليبين الفرقَ، ويقعَ التحريضُ على الإيمان، والمتقون هنا: مُتَّقُو الشرك لأَنَّهم لا بُدَّ من مصيرهم إلى الجنات، وكلما زادت الدرجة في التقوى قَوِيَ الحصولُ في حكم الآية، حتّى إنّ المتقين
سُورَةُ الطُّورِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والطُّورِ ﴾ هَذا قَسَمٌ بِالجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو بِأرْضِ مَدْيَنَ [واسْمُهُ زُبَيْرٌ] .
﴿ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ﴾ أيْ: مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقْوال.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: كُتُبُ أعْمالِ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: التَّوْراةُ.
والرّابِعُ: "القُرْآنُ" حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فِي رَقٍّ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّقُّ: الوَرَقُ.
فَأمّا المَنشُورُ فَهو المَبْسُوطُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والبَيْتِ المَعْمُورِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ.
وفي أيِّ سَماءٍ هُوَ؟
[فِيهِ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: « [أنَّهُ] في السَّماءِ السّابِعَةِ،» رَواهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ .
وحَدِيثُ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ الَّذِي أُخْرِجَ في "الصَّحِيحَيْنِ" يَدُلُّ عَلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ في السَّماءِ الدُّنْيا، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو حِيالَ الكَعْبَةِ يَحُجُّهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، يُسَمّى "الضُّراحَ" .
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ البَيْتُ المَعْمُورُ مَكانَ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ نُوحٍ أمَرَ النّاسَ بِحَجِّهِ، فَعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذاءِ البَيْتِ في السَّماءِ الدُّنْيا.
والثّانِي: أنَّهُ البَيْتُ الحَرامُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى "المَعْمُورِ": الكَثِيرُ الغاشِيَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّقْفِ المَرْفُوعِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والجُمْهُورُ.
والثّانِي: العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والبَحْرِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ ماؤُهُ غَلِيظٌ يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّانِي: أنَّهُ بَحْرُ الأرْضِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي ﴿ المَسْجُورِ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المَمْلُوءُ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ السّائِبِ، وجَمِيعُ اللُّغَوِيِّينَ.
والثّانِي: أنَّهُ المُوقَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو بِمَنزِلَةِ التَّنُّورِ المَسْجُورِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اليابِسُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ونَضَبَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: تُسْجَرُ، يَعْنِي البَحّارَ، حَتّى يَذْهَبَ ماؤُها، فَلا يَبْقى فِيها قَطْرَةٌ.
وقَوْلُ هَذَيْنِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.
وقَدْ نَقَلَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ البِحارَ كُلَّها نارًا، فَتُزادُ في نارِ جَهَنَّمَ.» والرّابِعُ: أنَّ ﴿ المَسْجُورِ ﴾ المُخْتَلِطُ عَذْبُهُ بِمِلْحِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَ المُشْرِكِينَ حَقٌّ، فَقالَ: ﴿ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ﴾ أيْ: لَكائِنٌ في الآخِرَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَتى يَقَعُ، فَقالَ: ﴿ يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: تَدُورُ دَوْرًا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجِ.
والثّانِي: تَحَرَّكُ تَحَرُّكًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ "تَمُورُ" أيْ: تَكَفَّأُ وقالَ الأعْشى: كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ والثّالِثُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ٨٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ﴾ أيْ: يَخُوضُونَ في حَدِيثِ مُحَمَّدٍ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَلْهُونَ بِذِكْرِهِ، فالوَيْلُ لَهم.
وَ ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُدْفَعُونَ، يُقالُ: دَعَعْتُهُ أدُعُّهُ، أيْ: دَفَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿ يَدُعُّ اليَتِيمَ ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُدْفَعُ في أعْناقِهِمْ حَتّى يَرِدُوا النّارَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: تُغَلُّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعُ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ، ثُمَّ يُدْفَعُونَ إلى جَهَنَّمَ عَلى وُجُوهِهِمْ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها قالَتْ لَهم خَزَنَتُها: ﴿ هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ﴾ في الدُّنْيا ﴿ أفَسِحْرٌ هَذا ﴾ العَذابُ الَّذِي تَرَوْنَ؟
فَإنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ الرُّسُلَ سَحَرَةٌ ﴿ أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ﴾ النّارَ؟
فَلَمّا أُلْقُوا فِيها قالَ لَهم خَزَنَتُها: ﴿ اصْلَوْها ﴾ .
وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا نَسَبُوا مُحَمَّدًا إلى أنَّهُ ساحِرٌ يُغَطِّي عَلى الأبْصارِ بِالسِّحْرِ، وُبِّخُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ النّارِ بِهَذا التَّوْبِيخِ، وقِيلَ: ﴿ اصْلَوْها ﴾ أيْ: قاسُوا شِدَّتَها ﴿ فاصْبِرُوا ﴾ عَلى العَذابِ ﴿ أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ ﴾ الصَّبْرُ والجَزَعُ ﴿ إنَّما تُجْزَوْنَ ﴾ جَزاءَ ﴿ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنتُمْ لا تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ اصْلَوْها فاصْبِرُوا أو لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ ﴾ ﴿ فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ لِما قِيلَ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ" وقَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الجِهَتَيْنِ الَّتِي يُمَكِّنُ مِنهُما دُخُولُ الشَكِّ في أنَّها النارُ، وهُما: إمّا أنْ يَكُونَ ثُمَّ سِحْرٌ يُلَبِّسُ ذاتَ المَرْئِي، وإمّا أنْ يَكُونَ في بَصَرِ الناظِرِ اخْتِلالٌ، وأمْرُهم بِصَلْيِها عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ قِيلَ لَهم عَلى جِهَةِ قَطْعِ رَجائِهِمْ: ﴿ فاصْبِرُوا أو لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ: عَذابُكم حَتْمٌ، فَسَواءٌ جَزْعُكم وصَبْرُكُمْ، لا بُدَّ مِن جَزاءِ أعْمالِكم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ ﴾ الآيَةُ...
يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابَ أهْلِ النارِ فَيَكُونُ إخْبارُهم بِذَلِكَ زِيادَةً في غَمِّهِمْ وسُوءِ حالِهِمْ، ويُحْتَمَلُ -وَهُوَ الأظْهَرُ- أنْ يَكُونَ إخْبارًا لِمُحَمَّدٍ ومُعاصِرِيهِ، لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ عَذابِ الكَفّار عَقَّبَ ذَلِكَ بِنَعِيمِ المُتَّقِينَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ ويَقَعَ التَحْرِيضُ عَلى الإيمانِ.
و"المُتَّقُونَ" هُنا مُتَّقُو الشِرْكِ لِأنَّهم لا بُدَّ مِن مَصِيرِهِمْ إلى الجَنّاتِ وكُلَّما زادَتِ الدَرَجَةُ في التَقْوى قَوِيَ الحُصُولُ في حُكْمِ الآيَةِ حَتّى أنَّ المُتَّقِينَ عَلى الإطْلاقِ هم في حُكْمِ الآيَةِ قَطْعًا عَلى اللهِ تَعالى بِحُكْمِ خَبَرِهِ الصادِقِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فاكِهِينَ"، فَرِحِينَ مَسْرُورِينَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِن بابِ "لِابْنٍ وتامِرٍ" أيْ: لَهم فاكِهَةٌ، قالَ القاضِي والمَعْنى الأوَّلُ أبْرَعُ، وقَرَأ خالِدٌ فِيما حَكى أبُو حاتِمٍ: "فاكِهِينَ"، والفَكِهُ والفاكِهُ: المَسْرُورُ المُتَنَعِّمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما آتاهم رَبُّهُمْ ﴾ أيْ: مِن إنْعامِهِ ورِضاهُ عنهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ ﴾ ، هَذا مُتَمَكِّنٌ في مُتَّقِي المَعاصِي الَّذِي لا يَدْخُلُ النارَ، ويَكُونُ في مُتَّقِي الشِرْكِ الَّذِي يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ بِمَعْنى: ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الخُلُودِ في الجَحِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الجَحِيمِ" مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ لَيْسَتْ بِمَأْوًى لِلْعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، بَلْ هي مُخَصَّصَةٌ لِلْكَفَرَةِ، فَهم وإنْ عُذِّبُوا في نارٍ فَلَيْسُوا في عَذابِ الجَحِيمِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَوَقاهُمْ" بِتَخْفِيفِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَشْدِيدِها عَلى المُبالَغَةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوِقايَةِ وهي الحائِلُ بَيْنَ الشَيْءِ وبَيْنَ ما يَضُرُّهُ.
والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ﴿ كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا ﴾ ، و"هَنِيئًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ مَعْناهُ أنَّ رُتَبَ الجَنَّةِ ونَعِيمَها هي بِحَسَبِ الأعْمالِ، وأمّا نَفْسُ دُخُولِها فَهو بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى وتَغَمُّدِهِ، والأكْلُ والشُرْبُ والتَهَنِّي لَيْسَ مِنَ الدُخُولِ في شَيْءٍ، وأعْمالُ العِبادِ الصالِحَةِ لا تُوجِبُ عَلى اللهِ تَعالى التَنْعِيمَ إيجابًا، لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ جَعَلَها أمارَةً عَلى مَن سَبَقَ في عِلْمِهِ تَنْعِيمُهُ، وعَلَّقَ الثَوابَ والعِقابَ بِالتَكَسُّبِ الَّذِي في الأعْمالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "مُتَّكِئِينَ" نُصِبَ عَلى الحالِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: "فاكِهِينَ"، والعامِلُ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ الفِعْلُ مُقَدَّرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِي جَنّاتٍ"، ويَجُوزُ غَيْرُ هَذا، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "عَلى سُرُرٍ" بِفَتْحِ الراءِ الأُولى و"زَوَّجْناهُمْ" مَعْناهُ: جَعَلْنا لِكُلِّ فَرْدٍ مِنهم زَوْجًا، و"الحُورُ" جَمْعُ حَوْراءَ، وهي البَيْضاءُ القَوِيَّةُ بَياضَ بَياضِ العَيْنِ وسَوادَ سَوادِها، و"العَيْنُ" جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الكَسِيرَةُ العَيْنَيْنِ مَعَ جَمالِهِما، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمَ النَخْعِيِّ: "وَزَوَّجْناهم بِعَيْسٍ عِينٍ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: العَيْساءُ: البَيْضاءُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "وَزَوَّجْناهم حُورًا عِينًا"، وحَكى أبُو عَمْرٍو عن عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ: "بِعِيسٍ عَيْنٍ" عَلى إضافَةِ "عِيسٍ" إلى "عَيْنٍ".
<div class="verse-tafsir"
﴿ يوم يدعون ﴾ بدل من ﴿ يوم تمور السماء موراً ﴾ وهو بدل اشتمال.
والدعّ: الدفع العنيف، وذلك إهانة لهم وغلظة عليهم، أي يوم يساقون إلى نار جهنم سَوقاً بدفع، وفيه تمثيل حالهم بأنهم خائفون متقهقرون فتدفعهم الملائكة الموكلون بإزجائهم إلى النار.
وتأكيد ﴿ يدعون ﴾ ب ﴿ دعّاً ﴾ لتوصل إلى إفادة تعظيمه بتنكيره.
وجملة ﴿ هذه النار ﴾ إلى آخرها مقول قول محذوف دل عليه السياق.
والقول المحذوف يقدر بما هو حال من ضمير ﴿ يدعون ﴾ .
وتقديره: يقال لهم، أو مقولاً لهم، والقائل هم الملائكة الموكلون بإيصالهم إلى جهنم.
والإِشارة بكلمة ﴿ هذه ﴾ الذي هو للمشار إليه القريب المؤنث تومئ إلى أنهم بلغوها وهم على شفاها، والمقصود بالإِشارة التوطئة لمَا سيرد بعدها من قوله: ﴿ التي كنتم بها تكذبون ﴾ إلى ﴿ لا تبصرون ﴾ .
والموصول وصلته في قوله: ﴿ التي كنتم بها تكذبون ﴾ لتنبيه المخاطبين على فساد رأيهم إذ كذبوا بالحشر والعقاب فرأوا ذلك عياناً.
وفرع على هذا التنبيه تنبيه آخر على ضلالهم في الدنيا بقوله: ﴿ أفسحر هذا ﴾ إذ كانوا حين يسمعون الإِنذار يوم البعث والجزاء يقولون: هذا سحر، وإذا عرض عليهم القرآن قالوا: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب، فللمناسبة بين ما في صلة الموصول من معنى التوقيف على خطئهم وبين التهكّم عليهم بما كانوا يقولونه دخلت فاء التفريع وهو من جملة ما يقال لهم المحكي بالقول المقدر.
و ﴿ أم ﴾ منقطعة، والاستفهام الذي تقتضيه ﴿ أم ﴾ بعدها مستعمل في التوبيخ والتهكم.
والتقدير: بل أأنتم لا تبصرون.
ومعنى ﴿ لا تبصرون ﴾ : لا تبصرون المرئيات كما هي في الواقع فلعلكم تزعمون أنكم لا ترون ناراً كما كنتم في الدنيا تقولون: ﴿ بيننا وبينك حجاب ﴾ [فصلت: 5] أي فلا نراك، وتقولون ﴿ إنما سكرت أبصارنا ﴾ [الحجر: 15].
وجيء بالمسند إليه مخبراً عنه بخبر فعلي منفي لإِفادة تقوّي الحكم، فلذلك لم يقل: أم لا تبصرون، لأنه لا يفيد تقوياً، ولا: أم لا تبصرون أنتم، لأن مجيء الضمير المنفصل بعد الضمير المتصل يفيد تقرير المسند إليه المحكوم عليه بخلاف تقديم المسند إليه فإنه يفيد تأكيد الحكم وتقويته وهو أشد توكيداً، وكل ذلك في طريقة التهكم.
وجملة ﴿ اصلوها ﴾ مستأنفة هي بمنزلة النتيجة المترقبة من التوبيخ والتغليظ السابقين، أي ادخلوها فاصطلوا بنارها يقال: صلي النار يصلاها، إذا قاسى حرها.
والأمر في ﴿ اصلوها ﴾ إمّا مكنًّى به عن الدخول لأن الدخول لها يستلزم الاحتراق بنارها، وإما مستعمل مجازاً في التنكيل.
وفرع على ﴿ اصلوها ﴾ أمر للتسوية بين صبرهم على حرّها وبين عدم الصبر وهو الجزع لأن كليهما لا يخففان عنهم شيئاً من العذاب، ألا ترى أنهم يقولون: ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيض ﴾ [إبراهيم: 21] لأن جُرمَهم عظيم لا مطمع في تخفيف جزائه.
و ﴿ سواء عليكم ﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: ذلك سواء عليكم.
وجملة ﴿ سواء عليكم ﴾ مؤكدة لجملة ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ فلذلك فصلت عنها ولم تعطف.
وجملة ﴿ إنما تجزون ما كنتم تعملون ﴾ تعليل لجملة ﴿ اصلوها ﴾ إذ كلمة ﴿ إنما ﴾ مركبة من (إنّ) و(ما) الكافة، فكما يصح التعليل ب (إنّ) وحدها كذلك يصح التعليل بها مع (ما) الكافة، وعليه فجملتا ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم ﴾ معترضتان بين جملة ﴿ اصلوها ﴾ والجملة الواقعة تعليلاً لها.
والحصر المستفاد من كلمة ﴿ إنما ﴾ قصر قلب بتنزيل المخاطبين منزلة من يعتقد أن ما لقوه من العذاب ظلم لم يستوجبوا مثل ذلك من شدة ما ظهر عليهم من الفزع.
وعدي ﴿ تجزون ﴾ إلى ﴿ ما كنتم تعملون ﴾ بدون الباء خلافاً لقوله بعده ﴿ كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون ﴾ [الطور: 19] ليشمل القصر مفعول الفعل المقصور، أي تجزون مثل عملكم لا أكثر منه فينتفي الظلم عن مقدار الجزاء كما انتفى الظلم عن أصله، ولهذه الخصوصية لم يعلق معمول الفعل بالباء إذ جعل الجزاء بمنزلة نفس الفعل.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الطُّورِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والطُّورِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ لِلْجَبَلِ بِالسُّرْيانِيَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ مُقاتِلٌ: يُسَمّى هَذا الطُّورُ زَبِيرَ.
الثّانِي: أنَّ الطُّورَ ما أنْبَتَ، وما لا يُنْبِتُ فَلَيْسَ بِطُورٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ الشّاعِرُ لَوْ مَرَّ بِالطُّورِ بَعْضُ ناعِقَةٍ ما أنْبَتَ الطُّورُ فَوْقَهُ ورَقَةً ثُمَّ في هَذا الطُّورِ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ طُورُ سَيْناءَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ الطُّورُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ جَبَلٌ مُبْهَمٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَأقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَذْكِيرًا بِما فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ.
وَقالَ بَعْضُ المُتَعَمِّقَةِ: إنَّ الطُّورَ ما يُطْوى عَلى قُلُوبِ الخائِفِينَ.
﴿ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ﴾ أيْ مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الكِتابُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لِمَلائِكَتِهِ في السَّماءِ يَقْرَؤُونَ فِيهِ ما كانَ وما يَكُونُ.
الثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
الثّالِثُ: هي صَحائِفُ الأعْمالِ فَمَن آخِذٌ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، ومَن آخِذٌ كِتابَهُ بِشِمالِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الرّابِعُ: التَّوْراةُ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿ فِي رَقٍّ مَنشُورٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الصَّحِيفَةُ المَبْسُوطَةُ وهي الَّتِي تُخْرِجُ لِلنّاسِ أعْمالَهم، وكُلُّ صَحِيفَةٍ فَهي رَقٌّ لِرِقَّةِ حَواشِيها، قالَ المُتَلَمِّسُ فَكَأنَّما هي مِن تَقادُمِ عَهْدِها ∗∗∗ رَقٌّ أُتِيحَ كِتابُها مَسْطُورُ الثّانِي: هو ورَقٌ مَكْتُوبٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّالِثُ: هو ما بَيْنَ الَمَشْرِقِ والمَغْرِبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ والبَيْتِ المَعْمُورِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ما رَوى قَتادَةُ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنْ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (أُتِيَ بِي إلى السَّماءِ فَرُفِعَ لَنا البَيْتُ المَعْمُورُ، فَإذا هو حِيالَ الكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ خَّرَّ عَلَيْها، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، إذا خَرَجُوا مِنهُ لَمْ يَعُودُوا إلَيْهِ» قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ما قالَهُ السُّدِّيُّ: أنَّ البَيْتَ المَعْمُورَ، هو بَيْتٌ فَوْقَ سِتِّ سَمَواتٍ، ودُونَ السّابِعَةِ، يُدْعى الضُّراحَ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ مِن قَبِيلَةِ إبْلِيسَ لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ أبَدًا، وهو بِحِذاءِ البَيْتِ العَتِيقِ.
الثّالِثُ: ما قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، أنَّ البَيْتَ المَعْمُورَ كانَ في الأرْضِ في مَوْضِعِ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، حَتّى إذا كانَ زَمانُ نُوحٍ أمَرَهم أنْ يَحُجُّوا، فَأبَوْا عَلَيْهِ وعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذائِهِ في السَّماءِ الدُّنْيا، فَيُعَمِّرُهُ، فَبَوَّأ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ حَيْثُ كانَ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وَإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ ﴾ الآيَةَ.
الرّابِعُ: ما قالَهُ الحَسَنُ أنَّ البَيْتَ المَعْمُورَ هو البَيْتُ الحَرامُ.
وَفِي ﴿ المَعْمُورِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَعْمُورٌ بِالقَصْدِ إلَيْهِ.
الثّانِي: بِالمُقامِ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ عَمَّرَ البَيْتَ عامِرٌ ∗∗∗ إذْ أتَتْهُ جَآذِرُ ∗∗∗ مِن ظِباءٍ رَوائِحُ ∗∗∗ وظِباءٌ تُباكِرُ وَتَأوَّلَ سَهْلٌ أنَّهُ القَلْبُ، عِمارَتُهُ إخْلاصُهُ، وهو بَعِيدٌ.
﴿ والسَّقْفِ المَرْفُوعِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ.
الثّانِي: أنَّهُ العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
﴿ والبَحْرِ المَسْجُورِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ جَهَنَّمُ، رَواهُ صَفْوانُ بْنُ يَعْلى عَنِ النَّبِيِّ .
الثّانِي: هو بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّالِثُ: هو بَحْرُ الأرْضِ، وهو الظّاهِرُ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ المَسْجُورِ ﴾ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: المَحْبُوسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ المُرْسَلُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّالِثُ: المُوقَدُ نارًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: أنَّهُ المُمْتَلِئُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الخامِسُ: أنَّهُ المُخْتَلِطُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
السّادِسُ: أنَّهُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ويَبُسَ، رَواهُ ابْنُ أبِي وحْشِيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
السّابِعُ: هو الَّذِي لا يُشْرَبُ مِن مائِهِ ولا يُسْقى بِهِ زَرْعٌ، قالَهُ العَلاءُ بْنُ زَيْدٍ.
هَذا آخِرُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: ﴿ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ﴾ رَوى الكَلْبِيُّ: «أنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعَمٍ قَدِمَ المَدِينَةَ لِيَفْدِي حِرِّيفًا لَهُ يُقالُ لَهُ مالِكٌ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَوَجَدَ رَسُولَ اللَّهِ في صَلاةِ [المَغْرِبِ] يَقْرَأُ ﴿ والطُّورِ ﴾ فَجَلَسَ مُسْتَمِعًا، حَتّى بَلَغَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ﴾ فَأسْلَمَ جُبَيْرٌ خَوْفًا مِنَ العَذابِ، وجَعَلَ يَقُولُ: ما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي، حَتّى يَقَعَ بِي العَذابُ.
» ﴿ يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ أحَدُها: مَعْناهُ تَدُورُ دَوْرًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ طَرْفَةُ بْنُ العَبْدِ صُهابِيَّةُ العُثْنُونِ مُوجَدَةُ القَرا ∗∗∗ بَعِيدَةُ وخْدِ الرِّجْلِ مَوّارَةُ اليَدِ.
الثّانِي: تَمُوجُ مَوْجًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: تَشَقَّقُ السَّماءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ لِقَوْلِهِ تَعالى فَإذا بُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا الآيَةَ.
الرّابِعُ: تَجْرِي السَّماءُ جَرْيًا، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ وما زالَتِ القَتْلى تَمُورُ دِماؤُها ∗∗∗ بِدِجْلَةَ حَتّى ماءُ دِجْلَةَ أُشْكِلَ الخامِسُ: تَتَكَفَّأُ بِأهْلِها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْشَدَ بَيْتَ الأعْشى: كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ السّادِسُ: تَنْقَلِبُ انْقِلابًا.
السّابِعُ: أنَّ السَّماءَ هاهُنا الفَلَكُ، ومَوْرُهُ اضْطِرابُ نَظْمِهِ واخْتِلافُ سَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُدْفَعُونَ دَفْعًا عَنِيفًا ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ يَدَعُهُ بِصَفْحَتِي حَيْزُومِهِ ∗∗∗ دَعِ الوَصِيَّ جانِبَيْ يَتِيمِهِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: يُزْعَجُونَ إزْعاجًا، قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَدْعُهم زَبانِيَتُها بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج سعيد بن منصور وابن سعد وأحمد عن جبير بن مطعم قال: قدمت المدينة في أسارى بدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقفت إليه وهو يصلي بأصحابه صلاة المغرب فسمعته يقرأ ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ فكأنما صدع قلبي.
وأخرج أبو عبيد في فضائله عن الحسن أن عمر بن الخطاب قرأ ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ فربا لها ربوة عيد لها عشرين يوماً.
وأخرج أحمد في الزهد عن مالك بن مغول قال: قرأ عمر ﴿ والطور وكتاب مسطور في رق منشور ﴾ قال: قسم إلى قوله: ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ فبكى ثم بكى حتى عيد من وجعه ذلك.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ قال: وقع القسم هنا وذاك يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿ يوم تمور السماء موراً ﴾ الآيات.
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم تمور السماء موراً ﴾ قال: تحرك، وفي قوله: ﴿ يوم يدعون ﴾ قال: يدفعون.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ يوم تمور السماء موراً ﴾ قال: تدور دوراً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم يدعون إلى نار جهنم ﴾ قال: يدفع في أعناقهم حتى يرِدوا النار.
وأخرج سعيد بن منصور عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ يوم يدعون إلى نار جهنم دعاً ﴾ قال: يدفعون إليها دفعا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَفَسِحْرٌ هَذَا ﴾ أي هذا الذي ترون.
والمعنى يعود إلى العذاب، ولذلك ذكر بلفظ التذكير في قوله: ﴿ هَذَا ﴾ .
قوله: ﴿ أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ ﴾ يريد: أم قد غطى على أبصاركم، وذلك أنهم كانوا يكذبون محمدًا - - فيما يوعدهم من العذاب وينسبونه إلى السحر، وإلى أنه يسحر الناس ويغطي على أبصارهم بالسحر، ومنه قوله تعالى: ﴿ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ وقد مر (١) (٢) ﴿ أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ ﴾ التهديد.
يقول: أم لا تبصرون العذاب فتكذبون به كما كنتم تكذبون به في الدنيا إذا كنتم لا تبصرونه.
فلما ألقوا فيها قالت لهم الخزنة: (١) عند تفسيره لآية (15) من سورة الحجر.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 128 ب، "معالم التنزيل" 4/ 238.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَفَسِحْرٌ هذا ﴾ ؟
توبيخ للكفار على ما كانوا يقولونه في الدنيا من أن القرآن سحر ﴿ أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ﴾ توبيخ أيضاً لهم، وتهكم بهم أي هل أنتم لا تبصرون هذا العذاب الذي حل بكم كما كنتم في الدنيا لا تبصرون الحقائق؟
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فكهين ﴾ مقصوراً: يزيد ﴿ وأتبعناهم ﴾ من باب الأفعال: أبو عمرو ﴿ وذريتهم ﴾ على التوحيد مرفوعاً ﴿ ذرياتهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.
وقرأ أبو عمرو على الجمع فيهما منصوباً.
وقرأ ﴿ ذريتهم ﴾ ابن عامر وسهل ويعقوب على الجمع أيضاً ولكن برفع الأول.
الباقون: على التوحيد فيهما الأول مرفوعاً والثاني منصوباً ﴿ ألتناهم ﴾ بكسر اللام ثلاثياً.
ابن كثير ﴿ لؤلؤ ﴾ بتليين الهمزة الأولى: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد وحمزة في الوقف كما مر في الحج ﴿ أنه هو البر ﴾ بفتح الهمزة: أبو جعفر ونافع وعلي ﴿ أنا كنا ندعوه ﴾ ﴿ لأنه ﴾ ﴿ المسيطرون ﴾ بالسين: ابن كثير في رواية.
وابن عامر والآخرون: بالصاد.
وقرأ حمزة في رواية بإشمام الراء ﴿ يصعقون ﴾ مبنياً للمفعول: ابن عامر وعاصم ﴿ وإدبار النجوم ﴾ بالفتح: زيد عن يعقوب.
الوقوف: ﴿ والطور ﴾ ه لا ﴿ مسطور ﴾ ه لا ﴿ منشور ﴾ ه لا ﴿ المعمور ﴾ ه لا ﴿ المرفوع ﴾ ه لا ﴿ المسجور ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه لا ﴿ من دافع ﴾ ه لا ﴿ موراً ﴾ ه لا ﴿ سيراً ﴾ ط ﴿ للمكذبين ﴾ ه لا ﴿ يلعبون ﴾ ه م ﴿ دعا ﴾ ط لأن التقدير يقال لهم هذه النار ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ لا تبصرون ﴾ ه ﴿ تصبروا ﴾ ه لاختلاف الجملتين مع اتفاق المعنى ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ ونعيم ﴾ ه لا ﴿ آتاهم ربهم ﴾ ج لاحتمال العطف واتضاح وجه الحال أي وقد وقاهم ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه لا ﴿ مصفوفة ﴾ ج ﴿ عين ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ه ﴿ رهين ﴾ ه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ ولا تأثيم ﴾ ه ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ مشفقين ﴾ ه ﴿ السموم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ إنه ﴾ بالكسر ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه لأن "أم" ابتداء استفهام وتوبيخ ﴿ المنون ﴾ ه ﴿ المتربصين ﴾ ه ط لما قلنا ﴿ طاغون ﴾ ه ج لاحتمال ابتداء الاستفهام والجواب بقوله بل ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ صادقين ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ط ﴿ والأرض ﴾ ج لأن "بل" للإضراب مع العطف ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ المسيطرون ﴾ ه ط ﴿ فيه ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع فاء التعقيب ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ البنون ﴾ ه ط ﴿ مثقلون ﴾ ه ﴿ يكتبون ﴾ ط ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ المكيدون ﴾ ه ط والضابط فيما تقدم أن كلما وصل "أم" فهو للجواب وما قطع فهو بمعنى ألف الاستفهام ﴿ غير الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مركوم ﴾ ه ﴿ يصعقون ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ بدل ما تقدمه ﴿ ينصرون ﴾ ه ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ النجوم ﴾ ه.
التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بوقوع اليوم الموعود أقسم على ذلك بالطور وهو الجبل الذي مر ذكره مراراً في قصة موسى.
والكتاب المسطور التوراة ظاهراً لأنه هو المناسب للطور.
وقيل: اللوح المحفوظ.
وقيل: صحيفة الأعمال.
والرق الصحيفة أو الجلد الذي يكتب عليه.
والمنشور خلاف المطوي كقوله ﴿ ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً ﴾ وقيل: هو القرآن ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب ﴿ والبيت المعمور ﴾ الكعبة أو الضراح في السماء السابعة سمي معموراً لكثرة زواره من الحجاج أو الملائكة ﴿ والسقف المرفوع ﴾ السماء ﴿ والبحر المسجور ﴾ المملوء أو الموقد من قوله ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ وقد سبق في "المؤمن" في قوله ﴿ ثم في النار يسجرون ﴾ عن جبير بن مطعم أتيت رسول الله أكلمه في الأساري فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة ﴿ والطور ﴾ فلما بلغ ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ أسلمت خوفاً من أن ينزل العذاب ﴿ يوم تمور ﴾ تضطرب وتجيء وتذهب وقد يقال: المور تحرك في تموج كحركة الزئبق ونحوه.
قلت: لأهل التأويل أن يقولوا: الطور القوة العقلية، وكتاب مسطور هي الجلايا القدسية والمعارف الإلهية الثابتة فيها كالحرف في الرق، والبيت المعمور بيت القلب، والسقف المرفوع الرأس، والبحر المسجور الدماغ المملوء من الخيالات والأوهام.
﴿ إن عذاب ربك ﴾ بالحرمان عن الإكرام لازدحام ظلم الآثام لواقع يوم القيامة الصغرى إذ تمور سماء الأرواح حين قطع العلائق وحيلولة العوائق موراً، وتسير جبال النفوس الحيوانية الأمارة التي أثقلت ظهر صاحبها لانتهاء سيرانها وانقضاء سلطانها سيراً.
والدع الدفع العنيف.
قال المفسرون: إن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ويدفعونهم إلى النار دفعاً على وجوههم وزجاً في أقفيتهم.
والاستفهام في قوله ﴿ أفسحر ﴾ للتقريع والتهكم، والفاء مؤكد له أي كنتم تقولون للوحي إنه سحر فهذا أيضاً سحر ﴿ أم أنتم لا تبصرون ﴾ هذا المخبر عنه في الآخرة كما كنتم لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.
وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله {سواء علينا لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.
وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ﴾ ثم علل الاستواء بقوله ﴿ إنما تجزون ﴾ يعني أن الجزاء لا بد من حصوله فلا مزية للصبر على عدمه.
قوله ﴿ ووقاهم ﴾ معطوف على متعلق قوله ﴿ في جنات ﴾ أي استقروا في جنات ونعيم ووقاهم العذاب.
وجوز أن يعطف على ﴿ آتاهم ﴾ على أن "ما" مصدرية أي فاكهين بالإيتاء والوقاية ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول أي يقال لهم كلوا ﴿ واشربوا ﴾ أكلاً وشرباً ﴿ هنيئاً ﴾ أو طعاماً وشراباً هنيئاً لا تنغيص فيه.
وقد مر في أول "النساء".
وجوز جار الله أن يكون صفة في معنى المصدر القائم مقام الفعل أي هنأكم الأكل والشرب بسبب ما عملتم، أو الباء مزيدة أي هنأكم جزاء ما عملتم.
قوله ﴿ والذين آمنوا ﴾ ظاهره أنه مبتدأ خبره ﴿ ألحقنا ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ﴿ حور عين ﴾ أي قرناهم بحور عين والذين آمنوا من رفقائهم وجلسائهم وأتبعناهم ذرياتهم كي يجتمع لهم أنواع السرور بملاعبة الحور وبمؤانسة الإخوان المؤمنين وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم.
وقوله ﴿ بإيمان ﴾ أي بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء.
﴿ ألحقنا ﴾ بدرجاتهم ﴿ ذريتهم ﴾ ويجوز أن يراد إيمان الذرية الداني المحل كما جاء في الحديث " إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه ثم تلا هذه الآية" ﴿ وما ألتناهم ﴾ أي وما نقصنا من ثوابهم شيئاً بعطية الأبناء ولا بسبب غيرها ولكن وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا تفضلاً وإحساناً.
ثم بين أن الجزاء بمقدار العمل فقال ﴿ كل امرىء بما كسب رهين ﴾ أي مرهون.
قال جار الله: كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين عليه.
فإن عمل صالحاً فكها وخلصها وإلا أوبقها.
وقيل: هذا يعود إلى الكفار.
والرهين المرهون المأخوذ المحبس على أمر يؤدي عنه.
وقيل: بمعنى راهن وهو المقيم أي كل إنسان مقيم في جزاء ما يقدم.
﴿ وأمددناهم ﴾ وزدناهم وقتاً بعد وقت ﴿ يتنازعون ﴾ يتعاطون هم وقرناؤهم ﴿ لا لغو فيها ﴾ أي لا حديث باطل في أثناء شربها.
ونفى اللغو لانتفاء الغول الذي هو من تعاكسيه ﴿ ولا تأثيم ﴾ أي لا يفعلون ما ينسب صاحبه إلى الإثم لو فعله في دار التكليف، وإنما يتكلمون بالكلام الحسن المفيد وذلك أنهم حكماء علماء.
والغلمان الخدام المختصمون بهم، واللؤلؤ المكنون المستور في الصدف أو في الدرج وذلك أنه أصفى وأرطب وأثمن.
وقيل لقتادة: هذا هو الخادم فكيف المخدوم؟
فقال: قال رسول الله "والذي نفس بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" وعنه " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيب ألف ببابه لبيك لبيك" ﴿ يتساءلون ﴾ يتحادثون ﴿ مشفقين ﴾ أرقاء القلوب من خشية الله وعذاب السموم عذاب النار لأنها تدخل المسام ومنه الريح السموم ﴿ من قبل ﴾ أي في الدنيا ﴿ فذكر ﴾ فأثبت على ما أنت عليه من التذكير والدعوة العامة ﴿ فما أنت بنعمة ربك ﴾ أي بسبب حمد الله وإنعامه عليك ﴿ بكاهن ﴾ كما يزعمون ﴿ ولا مجنون ﴾ فلعله كان لهم في رسول الله أقوال، فبعضهم ينسبونه إلى الكهانة نظراً إلى إخباره عن المغيبات، وبعضهم يرمونه بالجنون حيث لا يسمعون منه ما يوافق هواهم ويطابق مغزاهم، وبعضهم يرون أن تأثير كلامه فيهم من باب التخييل لا الإعجاز كما قال ﴿ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ﴾ وهو ما يقلق النفوس ويزعجها من حوادث الدهر، وقيل: المنون الموت "فعول" من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع ولذلك سمي شعوب.
وقد قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك الشعراء قبله.
والأحلام العقول وكانت قريش يدعون أنهم أهل النهي والأحلام.
وكون الأحلام أمرتهم مجاز لأدائها إلى تلك الأقوال الفاسدة، وفيه تقريع وتوبيخ إذ لو كان لهم عقل لميزوا بين الحق والباطل والمعجز وغيره ﴿ تقوَّله ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه ﴿ بل لا يؤمنون ﴾ جحوداً وعناداً وقد صح عندهم إعجاز القرآن وإلا ﴿ فليأتوا بحديث مثله ﴾ .
ثم وبخهم على إنكار الصانع بقوله ﴿ أم خلقوا من غير شيء ﴾ من غير خالق ﴿ أم هم الخالقون ﴾ أنفسهم.
وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء وحساب.
والأول أقوى لقوله ﴿ أم خلقوا السموات والأرض ﴾ ثم احتج عليهم بالأنفس ثم بالآفاق ثم قال ﴿ بل لا يوقنون ﴾ وذلك أنه حكى عنهم ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ﴾ فتبين أنهم في هذا الاعتراف شاكون إذ لو عرفوه حق معرفته لم يثبتوا له نداً ولم يحسدوا من اختاره للرسالة كما وبخهم عليه بقوله ﴿ أم عندهم خزائن ربك ﴾ حتى يختاروا للنبوة من أرادوه ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ المسلطون الغالبون حتى يدبروا أمر العالم على حسب مشيئتهم ﴿ أم لهم سلم يستمعون ﴾ الوحي صاعدين ﴿ فيه ﴾ إلى السماء عالمين بالمحق والمبطل ومن له العاقبة.
والمغرم أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه ﴿ أم عندهم الغيب ﴾ المحفوظ في اللوح ﴿ فهم يكتبون ﴾ ما فيه من أحوال المبدأ والنبوة والمعاد فيحكمون بحسبها ﴿ أم يريدون كيداً ﴾ وهو كيدهم لرسول الله في دار الندوة وفي غيرها ﴿ فالذين كفروا ﴾ اللام لهؤلاء أو للجنس فيشملهم ﴿ هم المكيدون ﴾ المغلوبون الذين يعود وبال الكيد عليهم فقتلوا ببدر وأظهر الله دين الإسلام.
ثم صرح بالمقصود الكلي فوبخهم على إشراكهم ونزه نفسه عن ذلك بقوله ﴿ سبحان الله ﴾ ثم أجاب عن بعض مقترحهم وهو قولهم ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ﴾ والمراد أنهم لفرط عنادهم لا يفيد معهم شيء من الدلائل فلو أسقطنا عليهم قطعة من السماء لقالوا هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض.
ومعنى يصعقون يموتون وذلك عند النفخة الأولى.
قوله ﴿ عذاباً دون ذلك ﴾ أي قبل يوم القيامة وهو القتل ببدر القحط سبع سنين وعذاب القبر ﴿ فأصبر لحكم ربك ﴾ بإمهالهم وتبليغ الرسالة ﴿ فإنك ﴾ محفوظ ﴿ بأعيننا ﴾ وهو مجاز عن الكلاءة التامة والجمع للتعظيم والمبالغة و ﴿ حين تقوم ﴾ أي من أي مكان قمت أو من منامك.
وإدبار النجوم بالكسر غروبها آخر الليل وهو بالحقيقة تلاشي نورها في ضوء الصبح، وبالفتح أعقابها.
والمعنى مثل ما قلنا.
وقيل: التسبيح التهجد.
ومن الليل صلاة العشاءين، وإدبار النجوم صلاة الفجر.
أمره بالإقبال على طاعته بعد الفراغ عن دعوة الأمة فليس له شأن إلا هذين.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ...
﴾ الآية.
ثم اختلف بالقسم بالطور وما ذكر، قال قائلون: القسم إنما هو بمنشئ هذه الأشياء الذي ذكر، لا بهذه الأشياء أنفسها، إذ الله نهى الخلق أن يقسموا بغايره، فكيف يقسم بنفسه.
وقال قائلون: يجوز أن يقسم - جل وعلا - بما شاء وممن شاء، بالذي عظم قدره عندهم.
وقد ذكرنا: أن الأقسام إنما تكون بالأشياء التي عظمت أقدارها ومحلها عند الخلق، يقسم بها لدفع الشبه التي تمنع وقوع العلم لهم بذلك والمعرفة بالذي اشتبه عليهم والتبس؛ ليعرفوا أن ذلك كائن لا محالة، وأنه بالذي اشتبه عليهم والتبس، وأنه حق، بما لو تفكروا في تلك الأشياء وأمعنوا النظر فيها على غير قسم، لوقع لهم العلم بذلك وتحقق، والله أعلم.
ثم الله أقسم بأشياء سواه، وليس للخلق ذلك؛ لأ، قسم الخلق يخرج مخرج الزع إليه والتضرع، ولا يجوز الفزع إلا من سواه والاستعانة به، فأما القسم من الله حقيقة فهو على التذكير والتنبيه للخلق، وتأكيد ما وعد لهم من الجزاء؛ فيجوز له القسم بكل ما يكون لهم التذكير والتنبيه والتأكيد، وإن كان بغيره وسواه مما لذلك خطر ومحل عند الناس وعند الله ، والله أعلم.
ولأن القسم المذكور في القرآن لإثبات صدق أخبار الرسل إليهم، وأنهم رسله، وأنهم إذا فعلوا كذا ينزل عليهم من العذاب كذا؛ لأن أولئك الكفرة لم يكذبوا الله في خبر حتى يكون قسمه لإثبات صدق خبره، وإنما يتحقق صدق خبرهم بما أقاموا من المعجزات والبراهين، لكن يتأكد بالقسم فيحصل ذلك بذكر ما له خطر ومحل عندهم، فأما قسم الخلق لإثبات أصل الصدق؛ فيجب أن يقسموا بذكر مما هو النهاية في العظمة والقدر في القلوب، وهو أ سماء الله وصفاته، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون القسم بهذه الأشياء من الرسل - عليهم السلام - فإن كان كذلك فهو على الإضمار؛ كأنهم قالوا: بمنشئ الطور، وكتاب مسطور وما ذكر إ لى أخره؛ إذ القسم من البشر يكون بالله - وتعالى - وصفاته، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلطُّورِ ﴾ جائز أن يكون القسم واقعا بالجبال كلها؛ لما أن الله أنشأ الأرض خلقاً تميد بأهلها، وأرسى فيها هذه الجبال ووتدها حتى استقرت وسكنت، حتى وصل الخلائق إلى الانتفاع بهذه الأرض والقرار عليها، وصارت مهادا لهم، وفراشا له؛ على ماذكر؛ يتقلبون فيها، ويتصرفون كيف شاءوا وإن أرادوا ذا، أرادوا حيث أحبوا، ثم إذا عرفوا ذلك، لزمهم أن يعرفوا أن عليهم شكر ما أنعم عليهم، فإذا تركوا ذلك لزمهم عقوبة الكفران وجزاؤه، وأوعد لهم ذلك؛ فيؤكد ماذكر من القسم وقوع ما ذكر من العذاب بهم؛ حيث قال: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَّا لَهُ مِن دَافِع ﴾ .
ويحتمل أن يكون المراد بالطور: هو جبل خاص، وهو الجبل الذي كلم الله - وتعالى - موسى عليه، وأنزل عليه التوراة، وهو طور سيناء، وذلك جبل مما عظم قدره عند بني إسرائيل حتى عرفوا قدره وفضله، فأقسم بذلك الجبل ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ﴾ .
ويحتمل أن يكون المراد بالطور: هو جبال خاصة، وهي الجبال التي أوحى عليها إلى رسله - عليهم الصلاة والسلام - على ما روي في الخبر: "أوحى الله إلى موسى - - في جبل ساعور، وإلى محمد في جبل فاران"، قأقسم بها أن ما وعد من العذاب واقع بهم، والله أعلم.
وفي الآية دلالة إثبات الرسالة؛ فإنه أخبر - عليه الصلاة والسلام - عن أمكنة الوحي، وفضل تلك الجبال ومعرفة ذلك إنماه و من الكتب المتقدمة، وهم قد أحاطوا العلم بأنه لم يكن اختلف إلى أحد ممن له معرفة بتلك الكتب حتى يعلم منه؛ فدل أنه بالله - عز وجل - عرف أمكنة الوحي، وفضل تلك الجبال، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ...
﴾ الآية.
يحتمل القسم بجميع الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - إذ بها يوصل إلى معرفة آيات الرسل - عليهم السلام - وإلى معرفة ما يؤتى ويتقى، وإلى أخبار السماء، ومعرفة الأحكام والحدود، وغير ذلك من أحكام من وجوه الحكمة، أقسم بها أن العذاب واقع بهم، والله أعلم.
ويحتمل أن القسم يرجع إلى عدد من الكتب: كالتوراة، والإنجيل، والزبور - المعروفة التي عرف أهل الإيمان بها حقها ونزولها من السماء.
ويحتمل أنه راجع إلى خاص من الكتب، وهو القرآن بما عظم قدره عندهم، لما يعجز البشر عن إتيان مثله؛ على ما ذكرنا في الطور، والله أعلم.
ويحتمل ما ذكره أهل التأويل: أنها الكتب التي يكتب فيها أعمال بني آدم، ولم يذكروا جهة السم بها، ولست أعرف وجهه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ ﴾ أي: غير مطوي.
وقال أبو عبيدة: الرق: الورق.
وقال أبو عوسجة: الرق: الكتاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ ﴾ .
يحتمل البيوت كلها جملة، وهي البيوت التي جعل الله للخلق، يسكنون فيها، ويتقون بها من الحر والبرد، ويأمنون فيها، وهو ما قال الله : ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً...
﴾ الآية [النحل: 80].
ما عرف كل منافعها، وعظم نعمة الله عليهم في ذلك؛ ليستأدي بذلك شكرا، فأقسم بما ذكر أن [من] لم يقم بوفاء الشكر، استوجب العذاب والعقوبة، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون القسم بالبيت المعمور هو الكعبة، وهو معمور، قد عظم الله شأنه وأمره في قلوب الناس كافة، في قلوب الكفار والمؤمنين جميعاً، حتى كانت قريش وسائر العرب يحجونه ويزورونه، ويعظمونه، فأقسم به؛ على ما ذكر، والله أعلم.
وقال أبو عبيدة: البيت المعمور: الكثير الأهل.
وأهل التأويل يقولون: البيت المعمور هو في السماء، يزوره أهل السماء، ويطوفونه، لكن القسم به يبعد؛ لما لم يسبق لهم المعرفة والمشاهدة به، فكيف أقسم بشيء لم يعرفوه، ولا وقع لهم العلم بالمشاهدة؛ إلا أن يقال: إن القسم به لأهل الكتاب، وذلك في كتبهم يعرفونه، فأما من لم يسبق له الخبر والمعرفة بذلك مشاهدة فيعبد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ ﴾ هو السماء التي رفعها بلا عمد يرونها من أسفل، ولا تعليق من الأعلى، على بعدما من الأررض وسعتها وعرضها وشدتها وغلظها؛ ليعلم أن من فعل هذا، لا يفعله لغير شيء؛ بل ليمتحن، ويأمر، وينهى، وليستأذى شكره، فمن خالف أمره ونهيه، وكفر نعمه، وانتهك محارمه، استوجب ما ذكر، والله أعلم.
وليعلم أن من قدر على ما ذكرنا قادر على كل شيء، لا يعجزه شيء، يذكر سلطانه وقدرته وعظمته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ ﴾ .
قال أهل الادب: هو البحر الملآن الحار؛ لأنه - جل وعلا - منذ أنشأه، أنشأه حارّاً ممتلئاً، عميقاً، لم يتغير في وقت من الأوقات، ولا في حال من الأحوال، بل كان على حالة واحدة حارّاً، مالحاً ممتلئاً عميقا عريضا، ليس كسائر الأنهار التي ربما تتغير عن جهتها من قلة الماء وسكونه وغورها في الأرض وامتلائها من الطين، وحاجتها إلى الجفر، وغير ذلك من التغير الذي يكون بها، فأما البحر على حالة واحدة في الأحوال كلها، فأقسم به: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً * وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً ﴾ .
بين القوت الذي ينزل بهم العذاب الموعود حين قال: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ﴾ ، ودل أن وقت تعذيب هذه الأمة يوم القيامة، وهو ما قال - عزو جل -: ﴿ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ ﴾ .
وفيه وصف ذلك اليوم بالأهوال والشدة؛ لأنه ذكر أن السماء تمور موراً، أي: تستدير استدارة، وتتحرك تحركاً، وذكر سير الجبال وما ذكر، وهذه الأشياء من أشد الخلائق وأصلبها، فهول ذلك اليوم وشدته عمل فيها ذكر من التحرك والسير والتغير و غير ذلك.
وفيه أن هذا العالم كله أنشأه بحيث يفنيه وينشئ عالماً آخر؛؛ لأنه ذكر فيه التغير من حال إلى حال، لأنه ذكر مرة سيرها وتحركها حيث قال: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ ﴾ ، وذكر السماء وتحركها ومورها، وذكر للأرض انشقاقها، حيث قال: ﴿ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ ﴾ ، وقال ي آية أخرى: ﴿ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ ﴾ ، وقال: ﴿ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ﴾ ، وقال هاهنا: ﴿ وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً ﴾ ، وكذلك قال في السماء والأرض اختلاف الأحوال، فقال: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ ؛ فدل إثبات التغير في هذه الآشياء على هلاكها، كما دل أنواع الأمراض التغير من حال إ لى حال في أهلها على هلاكها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ...
﴾ الآية، أي: المكذبين لرسلهم، عليهم السلام.
ويحتمل: لتوحيده، أو لحججه، أو للبعث.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ﴾ .
نعتهم ووصف أمرهم، حيث قال: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ ، والخوض: هو البحث عن الشيء، إلا أن الخوض المطلق ذكروه واستعملوه في الباطل خاصة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ .
أي: يدفعون في النار على وجوههم.
وقال أبو عبيدة: يدفعون دفعاً في القفا خاصة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ .
هو على الإضمار؛ كأنه يقال له: هذه النار التي كنتم بها تكذبون في الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ﴾ .
يقال لهم في الآخرة لما ألقوا في النار: أفسحر هذا؟!
مقابل ما قالوا هم للحجج والبراهين في الدنيا إنها سحر.
﴿ أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقال لهم لما أدخلوا النار: لعل ما أنتم فيه ليس بعذاب، وأنها ليست بنار، وأنتم لا تبصرون لذلك؛ كما أخبر عنهم في الدنيا: أنهم يقولون لحججه؛ حيث قال: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا...
﴾ الآية [الحجر: 14-15]، فقال مقابل ذلك ﴿ فَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ﴾ أي: لعلكم لا تبصرون.
والثاني: يقول: ﴿ فَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ﴾ في الدنيا: أن هذا ينزل بكم في الأخرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ ﴾ هذا كما قال إبليس: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أصبرتم أو جزعتم؛ فلا ينفعكم ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: ذلك استوجبتم بأعمالكم، لا أن أوجبت عليكم شيئاً لم تستوجبوه.
<div class="verse-tafsir"
أفسحر هذا الذي عاينتموه من العذاب؟!
أم أنتم لا تعاينونه؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.KzGjp"