الإسلام > القرآن > سور > سورة 52 الطور > الآية ٤٤ من سورة الطور
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 56 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٤ من سورة الطور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن المشركين بالعناد والمكابرة للمحسوس : ( وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا ) أي : عليهم يعذبون به ، لما صدقوا ولما أيقنوا ، بل يقولون : هذا ( سحاب مركوم ) أي : متراكم .
وهذه كقوله تعالى : ( ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ) [ الحجر : 14 ، 15 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (44) يقول تعالى ذكره: وإن ير هؤلاء المشركون قطعا من السماء ساقطا, والكِسْف: جمع كِسفة, مثل التمر جمع تمرة, والسِّدر جمع سِدْرة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( كِسَفًا ) يقول: قِطعا.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا ) يقول: وإن يروا قطعا( مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ ) يقول جلّ ثناؤه: يقولوا لذلك الكِسْف من السماء الساقط: هذا سحاب مركوم, يعني بقوله مركوم: بعضه على بعض.
وإنما عنى بذلك جلّ ثناؤه المشركين من قريش الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات, فقالوا له: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا ...إلى قوله عَلَيْنَا كِسَفًا فقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإن ير هؤلاء المشركون ما سألوا من الآيات, فعاينوا كِسَفا من السماء ساقطا, لم ينتقلوا عما هم عليه من التكذيب, ولقالوا.
إنما هذا سحاب بعضه فوق بعض, لأن الله قد حتم عليهم أنهم لا يؤمنون.
كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة يقولوا( سَحَابٌ مَرْكُومٌ ) يقول: لا يصدّقوا بحديث, ولا يؤمنوا بآية.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ ) قال: حين سألوا الكِسْف قالوا: أسقط علينا كِسْفا من السماء إن كنت من الصادقين; قال: يقول: لو أنا فعلنا لقالوا: سحاب مركوم.
قوله تعالى : وإن يروا كسفا من السماء ساقطا قال ذلك جوابا لقولهم : فأسقط علينا كسفا من السماء ، وقولهم : أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا فأعلم أنه لو فعل ذلك لقالوا سحاب مركوم أي بعضه فوق بعض سقط علينا وليس سماء ; وهذا فعل المعاند أو فعل من استولى عليه التقليد ، وكان في المشركين القسمان .
والكسف جمع كسفة وهي القطعة من الشيء ; يقال : أعطني كسفة من ثوبك ، ويقال في جمعها أيضا : كسف .
ويقال : الكسف والكسفة واحد .
وقال الأخفش : من قرأ " كسفا " جعله واحدا ، ومن قرأ " كسفا " جعله جمعا .
وقد تقدم القول في هذا في " سبحان " وغيرها والحمد لله .
يقول تعالى في [ذكر] بيان أن المشركين المكذبين بالحق الواضح، قد عتوا [عن الحق] وعسوا على الباطل، وأنه لو قام على الحق كل دليل لما اتبعوه، ولخالفوه وعاندوه، { وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا } أي: لو سقط عليهم من السماء من الآيات الباهرة كسف أي: قطع كبار من العذاب { يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ } أي: هذا سحاب متراكم على العادة أي: فلا يبالون بما رأوا من الآيات ولا يعتبرون بها، وهؤلاء لا دواء لهم إلا العذاب والنكال
( وإن يروا كسفا ) قطعة ( من السماء ساقطا ) هذا جواب لقولهم : " فأسقط علينا كسفا من السماء " ، يقول : لو عذبناهم بسقوط بعض من السماء عليهم لم ينتهوا عن كفرهم ( يقولوا ) لمعاندتهم هذا ( سحاب مركوم ) بعضه على بعض يسقينا .
(وإن يروا كسفا) بعضا (من السماء ساقطا) عليهم كما قالوا: "" فأسقط علينا كسفا من السماء "" أي تعذيبا لهم (يقولوا) هذا (سحاب مركوم) متراكب نروى به ولا يؤمنون.
وإن ير هؤلاء المشركون قطعًا من السماء ساقطًا عليهم عذابًا لهم لم ينتقلوا عما هم عليه من التكذيب، ولقالوا: هذا سحاب متراكم بعضه فوق بعض.
( وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ السمآء سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ ) والكِسْف جمع كِسْفة وهى القطعة من الشىء ، والمركوم : المتراكم الذى تجمع بعضه فوق بعض .أى : وإذا رأى هؤلاء الجاهلون قطعة عظيمة من العذاب نازلة عليهم لتهديدهم وزجرهم .
قالوا : هذا النازل علينا سحاب متراكم ، قد اجتمع بعضه فوق بعض ليسقينا ، ولم يصدقوا أنه نذير عذاب شديد لهم .
وهذا شأن الطغاة المعاندين ، وقد سبقهم إلى ذلك قوم عاد ، فإنهم حين رأوا العذاب مقبلا نحوهم قالوا ( هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ) فرد الله - تعالى - عليهم بقوله ( بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) هذا : والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة : يراها قد حملت على المشركين حملة شديدة ، حيث وبختهم على جهالاتهم ، وتحدتهم بأسلوب تعجيزي أن يأتوا بمثل القرآن الكريم ، وتهكمت بهم وبعقولهم الفارغة التى انقادوا لها بدون تفكر أو تدبر ، وبينت أنهم قوم متناقضون مع أنفسهم ، لأنهم يقرون أن الله - تعالى - هو الخالق لهم ولغيرهم ، ومع ذلك فهم يعبدون غيره .
وينسبون البنات إليه دون البنين .وقد ذكر بعض المفسرين أن ما أصابهم من هزيمة يوم بدر ، كان فى السنة الخامسة عشرة من بعثته - صلى الله عليه وسلم - وأن هذه الآيات قد تكرر فيها لفظ " أم " خمس عشرة مرة ، بعدد هذه السنين ، ولذا قالوا : إن ذلك فيه إشارة إلى إعجاز القرآن الكريم .
وجه الترتيب فيه هو أنه تعالى لما بيّن فساد أقوالهم وسقوطها عن درجة الاعتبار أشار إلى أنه لم يبق لهم شيء من وجه الاعتذار، فإن الآيات ظهرت والحجج تميزت ولم يؤمنوا، وبعد ذلك ﴿ يَرَوْاْ كِسْفاً مّنَ السماء ساقطا يَقُولُواْ سحاب ﴾ أي ينكرون الآية لكن الآية إذا أظهرت في أظهر الأشياء كانت أظهر، وبيانه هو أن من يأتي بجسم من الأجسام من بيته وادعى فيه أنه فعل به كذا فربما يخطر ببال السامع أنه في بيته ولما يبدعه، فإذا قال للناس هاتوا جسماً تريدون حتى أجعل لكم منه كذا يزول ذلك الوهم، لكن أظهر الأشياء عند الإنسان الأرض التي هي مهده وفرشه، والسماء التي هي سقفه وعرشه، وكانت العرب على مذهب الفلاسفة في أصل المذهب، ولا يلتفت إلى قول الفلسفي نحن ننزه غاية التنزيه حتى لا نجوز رؤيته واتصافه بوصف زائد على ذاته ليكون واحداً في الحقيقة، فكيف يكون مذهبنا مذهب من يشرك بالله صنماً منحوتاً؟
نقول أنتم لما نسبتم الحوادث إلى الكواكب وشرعتم في دعوة الكواكب أخذ الجهال عنكم ذلك واتخذوه مذهباً وإذا ثبت أن العرب في الجاهلية كانت في الأصل على مذهب الفلاسفة وهم يقولون بالطبائع فيقولون الأرض طبعها التكوين والسماء طبعها يمنع الانفصل والانفكاك، فقال الله تعالى رداً عليهم في مواضع ﴿ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مّنَ السماء ﴾ إبطالاً للطبائع وإيثاراً للاختيار في الوقائع، فقال هاهنا إن أتينا بشيء غريب في غاية الغرابة في أظهر الأشياء وهو السماء التي يرونها أبداً ويعلمون أن أحداً لا يصل إليها ليعدد بالأدوية وغيرها ما يجب سقوطها لأنكروا ذلك، فكيف فيما دون ذلك من الأمور، والذي يؤيد ما ذكرناه وأنهم كانوا على مذهب الفلاسفة في أمر السماء أنهم قالوا: ﴿ أَوْ تُسْقِطَ السماء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا ﴾ أي ذلك في زعمك ممكن، فأما عندنا فلا، والكسفة القطعة يقال كسفة من ثوب أي قطعة، وفيه مباحث: البحث الأول: استعمل في السماء لفظة الكسف، واللغويون ذكروا استعمالها في الثوب لأن الله تعالى شبه السماء بالثوب المنشور، ولهذا ذكره فيما مضى فقال: ﴿ والسماوات مطويات ﴾ وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ نَطْوِى السماء ﴾ .
البحث الثاني: استعمل الكسف في السماء والخسف في الأرض فقال تعالى: ﴿ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض ﴾ وهو يدل على قول من قال يقال في القمر خسوف، وفي الشمس كسوف ووجهه أن مخرج الخاء دون مخرج الكاف ومخرج الكاف فوقه متصل به فاستعمل وصف الأسفل للأسفل والأعلى للأعلى، فقالوا في الشمس والسماء الكسوف والكسف، وفي القمر والأرض الخسوف والخسف، وهذا من قبيل قولهم في الماتح والمايح إن ما نقطه فوق لمن فوق البئر وما نقطه من أسفل عند من يجوز نقطه من أسفل لمن تحت في أسفل البئر.
البحث الثالث: قال في السحاب ﴿ ويجعله كسفاً ﴾ مع أنه تحت القمر، وقال في القمر ﴿ وانشق القمر ﴾ وذلك لأن القمر عند الخسوف له نظير فوقه وهو الشمس عند الكسوف والسحاب اعتبر فيه نسبته إلى أهل الأرض حيث ينظرون إليه، فلم يقل في القمر خسف بالنسبة إلى السحاب وإنما قيل ذلك بالنسبة إلى الشمس وفي السحاب قيل بالنسبة إلى الأرض.
المسألة الثانية: ساقطاً يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مفعولاً ثانياً يقال رأيت زيداً عالماً وثانيهما: أن يكون حالاً كما يقال ضربته قائماً، والثاني أولاً لأن الرؤية عند التعدي إلى مفعولين في أكثر الأمر تكون بمعنى العلم، تقول أرى هذا المذهب صحيحاً وهذا الوجه ظاهراً وعند التعدي إلى واحد تكون بمعنى رأي العين في الأكثر تقول رأيت زيداً وقال تعالى: ﴿ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ﴾ ، وقال: ﴿ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً ﴾ والمراد في الآية رؤية العين.
المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ ساقطا ﴾ فائدة لا تحصل في غير السقوط، وذلك لأن عندهم لا يجوز الانفصال على السموات ولا يمكن نزولها وهبوطها، فقال ساقطاً ليكون مخالفاً لما يعتقدونه من وجهين: أحدهما: الانفصال والآخر: السقوط ولو قال وإن يروا كسفاً منفصلاً أو معلقاً لما حصلت هذه الفائدة.
المسألة الرابعة: في قوله: ﴿ يَقُولُواْ ﴾ فائدة أخرى، وذلك لأنه يفيد بيان العناد الذي هو مقصود سرد الآية، وذلك لأنهم في ذلك الوقت يستخرجون وجوهاً حتى لا يلزمهم التسليم فيقولون سحاب قولاً من غير عقيدة، وعلى هذا يحتمل أن يقال: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ ﴾ المراد العلم ليكون أدخل في العناد، أي إذا علموا وتيقنوا أن السماء ساقطة غيروا وعاندوا، وقالوا هذا سحاب مركوم.
المسألة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ يَقُولُواْ سحاب مَّرْكُومٌ ﴾ إشارة إلى أنهم حين يعجزون عن التكذيب ولا يمكنهم أن يقولوا لم يقع شيء على الأرض يرجعون إلى التأويل والتخييل وقوله: ﴿ مَّرْكُومٌ ﴾ أي مركب بعضه على بعض كأنهم يدفعون عن أنفسهم ما يورد عليهم بأن السحاب كالهواء لا يمنع نفوذ الجسم فيه، وهذا أقوى مانع فيقولون إنه ركام فصار صلباً قوياً.
المسألة السادسة: في إسقاط كلمة الإشارة حيث لم يقل: يقولوا هذا، إشارة إلى وضوح الأمر وظهور العناد فلا يستحسنون أن يأتوا بما لا يبقى معه مراء فيقولون ﴿ سحاب مَّرْكُومٌ ﴾ مع حذف المبتدأ ليبقى للقائل فيه مجال فيقول عند تكذيب الخلق إياهم، قلنا ﴿ سحاب مَّرْكُومٌ ﴾ شبهه ومثله، وأن يتمشى الأمر مع عوامهم استمروا، وهذا مجال من يخاف من كلام ولا يعلم أنه يقبل منه أو لا يقبل، فيجعله ذا وجهين، فإن رأى النكر على أحدهما فسّره بالآخرون وإن رأى القبول خرج بمراده.
<div class="verse-tafsir"
الكسف: القطعة، وهو جواب قولهم: ﴿ أَوْ تُسْقِطَ السماء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا ﴾ [الإسراء: 92] يريد: أنهم لشدّة طغيانهم وعنادهم لو أسقطناه عليهم لقالوا: هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض يمطرنا، ولم يصدقوا أنه كسف ساقط للعذاب.
وقرئ: ﴿ حتى يلقوا ﴾ ويلقوا ﴿ يُصْعَقُونَ ﴾ يموتون.
وقرئ: ﴿ يصعقون ﴾ .
يقال.
صعقه فصعق، وذلك عند النفخة الأولى نفخة الصعق ﴿ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ وإن.
لهؤلاء الظلمة ﴿ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ ﴾ دون يوم القيامة: وهو القتل ببدر، والقحط سبع سنين، وعذاب القبر.
وفي مصحف عبد الله: دون ذلك تقريباً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا ﴾ قِطْعَةً.
﴿ مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا ﴾ مِن فَرْطِ طُغْيانِهِمْ وعِنادِهِمْ.
﴿ سَحابٌ مَرْكُومٌ ﴾ هَذا سَحابٌ تَراكَمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وهو جَوابُ قَوْلِهِمْ فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ.
﴿ فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾ وهو عِنْدُ النَّفْخَةِ الأوْلى، وقُرِئَ.
«يَلْقَوْا» وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ يُصْعَقُونَ عَلى المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ مِن صَعَقَهُ أوْ أصْعَقَهُ.
﴿ يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ في رَدِّ العَذابِ.
﴿ وَلا هم يُنْصَرُونَ ﴾ يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ.
﴿ وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ يَحْتَمِلُ العُمُومَ والخُصُوصَ.
﴿ عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ﴾ أيْ دُونَ عَذابِ الآخِرَةِ وهو عَذابُ القَبْرِ أوِ المُؤاخَذَةُ في الدُّنْيا كَقَتْلِهِمْ بِبَدْرٍ والقَحْطِ سَبْعَ سِنِينَ.
﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مّنَ السماء ساقطا يَقُولُواْ سحاب} والكسف القطعة وهو جواب قولهم أَوْ تسقط السماء كما زعمت علينا كفار يريد أنهم لشدة طغيانهم وعنادهم لو أسقطناه عليهم لقالوا هذا سحاب {مركوم}
سورة النجم
بسم الله الرحمن الرحيم
{والنجم إذا هوى} {ما ضل صاحبكم وما غوى} {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى} {إِنْ هُوَ إِلاَّ وحي يوحى}
قدركم أي جمع بعضه على بعض يمطرنا ولم يصدقوا أنه كسف ساقط للعذاب
﴿ أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ ﴾ يُعِينُهم ويَحْرُسُهم مِن عَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ أيْ عَنْ إشْراكِهِمْ عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ عَنْ شَرِكَةِ الَّذِي يُشْرِكُونَهُ عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ وقَبْلَها مُضافٌ مُقَدَّرٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ ﴿ وإنْ يَرَوْا كِسْفًا ﴾ قِطْعَةً فَهو مُفْرَدٌ وقَدْ قُرِئَ في جَمِيعِ القُرْآنِ كِسْفًا وكِسَفا جَمْعًا وإفْرادًا إلّا هُنا فَإنَّهُ عَلى الإفْرادِ وحْدَهُ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ وإنْ يَرَوْا كِسْفًا عَظِيمًا ﴿ مِنَ السَّماءِ ساقِطًا ﴾ لِتَعْذِيبِهِمْ ﴿ يَقُولُوا ﴾ مِن فَرْطِ طُغْيانِهِمْ وعِنادِهِمْ ﴿ سَحابٌ ﴾ أيْ هو سَحابٌ ﴿ مَرْكُومٌ ﴾ مُتَراكِمٌ مُلْقى بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ أيْ هم في الطُّغْيانِ بِحَيْثُ لَوْ أسْقَطْنا عَلَيْهِمْ حَسْبَما قالُوا، أوْ تُسْقِطُ السَّماءُ كَما زُعِمَتْ عَلَيْنا كِسْفًا لَقالُوا هو سَحابٌ مُتَراكِمٌ يُمْطِرُنا ولَمْ يُصَدِّقُوا أنَّهُ كِسْفٌ ساقِطٌ لِعَذابِهِمْ <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ.
ثم بيّن جهلهم، وقلة أحلامهم، أنهم يجعلون لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ لأنفسهم.
قال عز وجل: أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً ومعناه: أن الحجة واجبة عليهم من كل وجه، لأنك قد أتيتهم بالبيان والبرهان، ولم تسألهم على ذلك أجرا.
فقال: أَمْ تَسْأَلُهُمْ يعني: أتطلب منهم أَجْراً بما تعلمهم من الأحكام، والشرائع.
فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ يعني: من أجل المغرم، يمتنعون عن الإيمان.
يعني: لا حجة لهم في الامتناع، لأنك لا تسأل منهم أجراً، فيثقل عليهم لأجل الأجر.
قوله عز وجل: أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ يعني: عندهم الغيب بأن الله لا يبعثهم فَهُمْ يَكْتُبُونَ يعني: أمعهم كتاب يكتبون بما شاؤوا؟
يعني: ما في اللوح المحفوظ، فهذا كله لفظ الاستفهام، والمراد به: الزجر.
ثم قال عز وجل: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً بل يريدون وعيدا بالنبي فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ يعني: بل هم المعذبون، الهالكون.
قوله عز وجل: أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يعني: ألهم خالق غير الله يخلق، ويرزق، ويمنعهم من عذابنا سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ يعني: تنزيها لله تعالى عما يصفون من الشريك، والولد.
ثم ذكر قسوة قلوبهم فقال: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يعني: جانباً من السماء ساقطاً عليهم يَقُولُوا يعني: لقالوا من تكذيبهم سَحابٌ مَرْكُومٌ يعني: متراكماً بعضه على بعض، لأنهم كانوا يقولون: لا نؤمن بك حتى تسقط علينا كسفاً.
ثم قال الله تعالى: لو فعلنا ذلك، لم يؤمنوا، ولا ينفعهم من قسوة قلوبهم.
ثم قال: فَذَرْهُمْ يعني: فتخل عنهم يا محمد حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ يعني: يعاينوا يومهم الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ يعني: يموتون.
ويقال: يعذبون.
قرأ عاصم، وابن عامر، يُصْعَقُونَ بضم الياء والباقون.
يُصْعَقُونَ بنصب الياء، وكلاهما واحد، وهما لغتان.
ثم وصف حالهم في ذلك اليوم فقال: يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً يعني: لا ينفعهم صنيعهم شيئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يعني: لا يمنعون مما نزل بهم من العذاب.
ثم قال عز وجل: وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ يعني: من قبل عذاب النار قد روى عبد الله بن عباس ما قال: عذاب القبر وقال معمر عن قتادة: قال: عذاب القبر في القرآن.
ثم قرأ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ ويقال عَذاباً دُونَ ذلِكَ يعني: القتل.
ويقال: الشدائد، والعقوبات في الدنيا.
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: لا يصدقون بالعذاب.
ثم عزى نبيه ليصبر على أذاهم فقال: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ يعني: لما أمرك ربك، ونهاك عنه.
ويقال: واصبر على تكذيبهم، وأذاهم.
فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا يعني: فإنك بمنظر منا، والله تعالى يرى أحوالك، ولا يخفى عليه شيء.
وقال الزجاج: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا بمعنى فإنك بحيث نراك، ونحفظك، ولا يصلون إلى مكرك.
ويقال: نرى ما يصنع بك.
وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ يعني: صل بأمر ربك قبل طلوع الشمس.
يعني: صلاة الفجر وقبل الغروب.
يعني: صلاة العصر.
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ يعني: صل صلاة المغرب والعشاء ويقال: حين تقوم صلاة الفجر، والظهر، والعصر.
ومعناه: صل صلاة النهار، وصلاة الليل.
ويقال: سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ يعني: قل سبحانك اللهم وبحمدك إذا قمت إلى الصلاة وهذا قول ربيع بن أنس.
وَإِدْبارَ النُّجُومِ يعني: ركعتي الفجر.
وروى سعيد بن جبير، عن زاذان، عن عمر : لا صلاة بعد طلوع الفجر، إلا ركعتي الفجر، وهما إدبار النجوم.
وروى أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: أَدْبارَ السُّجُودِ الركعتان بعد المغرب، وَإِدْبارَ النُّجُومِ الركعتان قبل الفجر.
وروى وكيع عن ابن عباس أنه قال: بت ذات ليلة عند رسول الله ، فصلى ركعتي الفجر، ثم خرج إلى الصلاة.
فقال ابن عباس: الركعتان اللتان قبل الفجر، إِدْبارَ النُّجُومِ واللاتي بعد المغرب أَدْبارَ السُّجُودِ وفي الآية، دليل على أن تأخير صلاة الفجر أفضل، لأنه أمر بركعتي الفجر بعد ما أدبرت النجوم، وإنما أدبرت النجوم بعد ما أسفر، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقوله سبحانه: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ بمنزلة قوله: أم عندهم الاستغناء في جميع الأمور؟
والمصيطر: القاهر، وبذلك فسر ابن عباس «١» الآية، والسُّلَّمُ: السبب الذي يُصْعَدُ به، كان ما كان من خشب، أو بناء، أو حبال، أو غير ذلك، والمعنى: ألهم سُلَّمٌ إِلى السماء يستمعون فيه، أي: عليه أو منه، وهذه حروف يَسُدُّ بعضُها مَسَدَّ بعض، والمعنى:
يستمعون الخبر بِصِحَّةِ ما يدعونه، فليأتوا بالحُجَّةِ المبينة في ذلك.
وقوله سبحانه: أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ الآية، قال ابن عباس «٢» : يعني أَمْ عندهم اللوحُ المحفوظ، فَهُمْ يَكْتُبُونَ: ما فيه، ويخبرون به، ثم قال: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً: بك وبالشرع، ثم جزم الخبر بأنَّهم هُمُ الْمَكِيدُونَ أي: هم المغلوبون، فَسَمَّى غَلَبَتَهُمْ كيداً إذ كانت عقوبةُ الكَيْدِ، ثم قال سبحانه: أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ: يعصمهم ويمنعهم من الهلاك، قال الثعلبيُّ: قال الخليل: ما في سورة الطور كُلِّها من ذكر «أم» كُلُّه استفهام لهم، انتهى.
ثم نَزَّهَ تعالى نفسه: عَمَّا يُشْرِكُونَ به.
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)
وقوله: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً أي: قطعةً يقولون لشدة معاندتهم هذا سَحابٌ مَرْكُومٌ:
بعضُه على بعض، وهذا جوابٌ لقولهم: فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ [الشعراء: ١٨٧] وقولهم: أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً [الإسراء: ٩٢] يقول: لو فعلنا هذا بهم لما/ آمنوا، ولقالوا: سحاب مركوم.
وقوله تعالى: فَذَرْهُمْ، وما جرى مَجْرَاهُ من الموادعة- منسوخ بآية السيف،
والجمهورُ أَنَّ يومهم الذي فيه يُصْعَقُونَ، هو يوم القيامة، وقيل: هو موتهم واحداً واحداً، ويحتمل أن يكون يوم بدر لأَنَّهُمْ عُذِّبُوا فيه، والصعق: التعذيب في الجملة، وإنْ كان الاستعمالُ قد كَثُرَ فيما يصيب الإنسانَ من الصَّيْحَةِ المُفْرِطَةِ ونحوه، ثُمَّ أخبر تعالى بِأَنَّ لهم دُونَ هذا اليوم، أي: قبله عَذاباً واخْتُلِفَ في تعيينه، فقال ابن عباس وغيره «١» : هو بدر ونحوه، وقال مجاهد «٢» : هو الجُوعُ الذي أصابهم، وقال البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وابن عباس أيضاً «٣» : هو عذاب القبر، وقال ابن زيد «٤» : هي مصائب الدنيا، إذْ هي لهم عذاب.
ت: ويحتمل أَنْ يكونَ المراد الجميع قال الفخر «٥» : إنْ قلنا إنَّ العذابَ هو بدر فالذين ظلموا هم أهل مَكَّةَ، وإنْ قلنا: العذابُ هو عذابُ القبر، فالذين ظلموا عامٌّ في كل ظالم، انتهى.
ثم قال تعالى لنبيِّهِ: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا أي: بمرأى ومنظر، نرى ونَسْمَعُ ما تقول، وأَنَّك في حفظنا وحيطتنا كما تقول: فلان يرعاه المَلِكُ بعين، وهذه الآية ينبغي أَنْ يُقَرِّرَهَا كُلُّ مؤمن في نفسه فإنها تُفَسِّحُ مضايق الدنيا.
وقوله سبحانه: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قال أبو الأحوص «٦» : هو التسبيح المعروف، يقول في كل قيام: سبحان اللَّهِ وبحمدِهِ، وقال عطاء «٧» : المعنى حين تقومُ من كُلِّ مجلس.
ت: وفي تفسير أحمدَ بن نصر الداوديّ قال: وعن ابن المُسَيِّبِ قال: حَقٌّ على كل مسلم أنْ يقول حين يقومُ إِلى الصلاة: سبحان اللَّهِ وبحمده لقولِ اللَّه سبحانه لِنَبِيِّهِ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ، انتهى، / وقال ابن زيد «٨» : هي صلاة النوافل، وقال
الضَّحَّاكُ «١» : هي الصلوات المفروضة، وَمَنْ قال هي النوافل جعلَ أدبار النجوم رَكْعَتَيِ الفجر، وعلى هذا القول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، وقد رُوِيَ مرفوعاً، ومَنْ جعله التسبيحَ المعروفَ جعل قوله: حِينَ تَقُومُ مثالاً، أي: حين تقومُ وحينَ تَقْعُدُ، وفي كل تَصَرُّفِكَ، وحكى منذر عن الضَّحَّاكِ أَنَّ المعنى: حين تقومُ في الصلاة [بعد] تكبيرة الإحرام، فقل: «سُبْحَانَكَ اللهمّ، وبحمدك، وتبارك اسمك» «٢» الحديث.
ثُمَّ ذَكَرَ عِنادَهم فَقالَ: ﴿ وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا ﴾ والمَعْنى: لَوْ سَقَطَ بَعْضُ السَّماءِ عَلَيْهِمْ لَما انْتَهَوْا عَنْ كُفْرِهِمْ، ولَقالُوا: هَذِهِ قِطْعَةٌ مِنَ السَّحابِ قَدْ رُكِمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
﴿ فَذَرْهُمْ ﴾ أيْ: خَلٍّ عَنْهم ﴿ حَتّى يُلاقُوا ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "يَلْقَوْا" بِفَتْحِ الياءِ والقافِ وسُكُونِ اللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ ﴿ يَوْمَهُمُ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوال.
أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ مَوْتِهِمْ.
والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ.
والثّالِثُ: يَوْمُ النَّفْخَةِ الأُولى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُصْعَقُونَ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يُصْعَقُونَ" بِرَفْعِ الياءِ، مِن أصْعَقَهم غَيْرُهُمْ؛ والباقُونَ بِفَتْحِها، مِن صَعَقُوهم.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ يُصْعَقُونَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَمُوتُونَ.
والثّانِي: يُغْشى عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا ﴾ ، وهَذا يُخَرَّجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هو يَوْمَ القِيامَةِ، فَإنَّهم يُغْشى عَلَيْهِمْ مِنَ الأهْوالِ.
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ الوَعِيدُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ﴾ هَذا اليَوْمُ الأوَّلُ؛ والمَعْنى: لا يَنْفَعُهم مَكْرُهم ولا يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ ﴿ وَلا هم يُنْصَرُونَ ﴾ أيْ: يُمْنَعُونَ مِنَ العَذابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أيْ: أشْرَكُوا ﴿ عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ﴾ أيْ، قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ، قالَهُ البَراءُ، وابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: عَذابُ القَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: مَصائِبُهم في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: عَذابُ الجُوعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُونَ ما هو نازِلٌ بِهِمْ.
﴿ واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ أيْ: لِما يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْكَ ﴿ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: فَإنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ، فَلا يَصِلُونَ إلى مَكْرُوهِكَ.
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ مَعْنى الصَّبْرِ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّهُ لا تَضادَّ.
﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: قُلْ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ" حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ، قالَهُ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ.
والثّالِثُ: قُلْ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ" حِينَ تَقُومُ في الصَّلاةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: سَبِّحِ اللَّهَ إذا قُمْتَ مِن نَوْمِكَ، قالَهُ حَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ.
والخامِسُ: صَلِّ صَلاةَ الظُّهْرِ إذا قُمْتَ مِن نَوْمِ القائِلَةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والسّادِسُ: اذْكُرِ اللَّهَ بِلِسانِكَ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: صَلِّ المَغْرِبَ وصَلِّ العِشاءَ ﴿ وَإدْبارَ النُّجُومِ ﴾ قَرَأ زَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والجُعْفِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ: "وَأدْبارَ النُّجُومِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ [وَقَرَأ] الباقُونَ بِكَسْرِها.
وقَدْ شَرَحْناها في (ق: ٤٠)؛ والمَعْنى: صَلِّ لَهُ في إدْبارِ النُّجُومِ، أيْ: حِينَ تُدْبِرُ، أيْ: تَغِيبُ بِضَوْءِ الصُّبْحِ.
وفي هَذِهِ الصَّلاةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، رَواهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّها صَلاةُ الغَداةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ ﴾ ﴿ أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ ﴾ ﴿ أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ﴾ ﴿ أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ ﴾ ﴿ أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ ﴾ ﴿ أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: "أمْ عِنْدَهُمُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ اللهِ في جَمِيعِ الأُمُورِ"؟
لِأنَّ المالَ والصِحَّةَ والقُوَّةَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ كُلُّها مِن خَزائِنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
قالَ الزَهْراوِيُّ: وقِيلَ: يُرِيدُ بِالخَزائِنِ العِلْمَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ إذا تُؤَمِّلَ وبُسِطَ، قالَ الرُمّانِيُّ: خَزائِنُهُ تَعالى: مَقْدُوراتِهِ.
و: "المُصَيْطِرُ": المُسَلِّطُ القاهِرُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأصْلُهُ السِينُ، ولَكِنْ كَتَبَهُ بَعْضُ الناسِ وقَرَأهُ بِالصادِّ مُراعاةً لِلطّاءِ لِيَتَناسَبَ النُطْقُ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: "تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ" إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا.
و"السُلَّمُ": السَبَبُ الَّذِي يَصْعَدُ بِهِ، كانَ ما كانَ، مِن خَشَبٍ أو بِناءٍ أو حِبالٍ أو غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: لا تُحْرِزُ المَرْءُ أحْجاءَ البِلادِ ولا تُبْنى لَهُ في السَماواتِ السَلالِيمُ وحَكى الرُمّانِيُّ قالَ: لا يُقالُ "سُلَّمٌ" لِما بُنِي مِنَ الأدْراجِ وإنَّما السُلَّمُ المُشَبَّكُ، وبَيْتُ الشِعْرِ يَرُدُّ عَلَيْهِ، والمَعْنى: ألْهم سُلَّمٌ إلى السَماءِ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ؟
أيْ: عَلَيْهِ ومِنهُ، وهَذِهِ حُرُوفُ يَسُدُّ بَعْضُها مَسَدَّ بَعْضٍ، والمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ الخَبَرَ بِصِحَّةِ ما يَدْعُونَ، فَلْيَأْتُوا بِالحُجَّةِ المُبَيِّنَةِ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ لَهُ البَناتُ ﴾ الآيَةُ...
مَعْناهُ: أمْ هم أهْلُ الفَضِيلَةِ عَلَيْنا فَيَلْزَمُ لِذَلِكَ انْتِحاؤُهم وتَكْبُرُهُمْ؟
ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ تَسْألُهم يا مُحَمَّدُ عَلى الإيمانِ بِاللهِ تَعالى وشَرْعِهِ أُجْرَةً يُثْقِلُهم غُرْمُها فَهم لِذَلِكَ يَكْرَهُونَ الدُخُولَ فِيما يُوجِبُ غَرامَتَهُمْ؟
ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ عِنْدَهُمُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهم يُبَيِّنُونَ ذَلِكَ لِلنّاسِ سُنَنًا وشَرْعًا يَكْتُبُونَهُ، وذَلِكَ عِبادَةُ الأوثانِ وتَسْيِيبُ السَوائِبِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن شَرِّهِمْ؟
وقِيلَ: المَعْنى: فَهم يَعْلَمُونَ مَتى يَمُوتُ مُحَمَّدٌ الَّذِي يَتَرَبَّصُونَ بِهِ؟
و"يَكْتُبُونَ" بِمَعْنى يَحْكُمُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَعْنِي أمْ عِنْدَهُمُ اللَوْحُ المَحْفُوظُ فَهم يَكْتُبُونَ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ؟
ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا بِكَ وبِالشَرْعِ؟
ثُمَّ جَزَمَ الخَبَرَ بِأنَّهم هُمُ المَكِيدُونَ، أيْ المَغْلُوبُونَ، فَسَمّى تَعالى غَلَبَتَهم كَيْدًا إذْ كانَتْ عُقُوبَةَ الكَيْدِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَعْصِمُهم ويَمْنَعُهم مِنهم ويَدْفَعُ في صَدْرِ إهْلاكِهِمْ، ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ والأوثانِ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي وقَّفَهم تَعالى عَلَيْها حَصَرَتْ جَمِيعَ المَعانِي الَّتِي تُوجِبُ الِانْتِخاءَ والتَكَبُّرَ والبُعْدَ مِنَ الِائْتِمارِ، فَوَقَّفَهم تَعالى عَلَيْها، أيْ لَيْسَتْ لَهُمْ، ولا بَقِيَ شَيْءٌ يُوجِبُ ذَلِكَ إلّا أنَّهم قَوْمٌ طاغُونَ، وهَذِهِ صِفَةٌ فِيها تَكَسُّبُهم وإيثارُهُمْ، فَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ عِقابُهم.
ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِأنَّهم عَلى الغايَةِ مِنَ العُتُوِّ والتَمَسُّكِ بِالأقْوالِ الباطِلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا ﴾ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا كانَ في جُمْلَةِ ما اقْتَرَحَتْ "أنْ تُسْقِطَ السَماءَ عَلَيْنا كِسَفًا" وهي القِطَعُ، واحِدُها كِسْفَةٌ، وتُجْمَعُ أيْضًا عَلى "كِسْفٌ" كَتَمْرَةٌ وتَمْرٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: هي الَّتِي تَكُونُ بِقَدْرِ ما يَكْسِفُ ضَوْءَ الشَمْسِ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ رَأوا كِسْفًا ساقِطًا حَسَبَ اقْتِراحِهِمْ لَبَلَغَ بِهِمُ العُتُوُّ والجَهْلُ والبُعْدُ عَنِ الحَقِّ أنْ يُغالِطُوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم ويَقُولُوا: "سَحابٌ مَرْكُومٌ"، أيّ كَثِيفٍ قَدْ تَراكم بَعْضه فَوْقَ بَعْض، ولِهَذِهِ الآيَةِ نَظائِر في آياتٍ أخَّرَ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ أم يقولون شاعر ﴾ [الطور: 30] وما بعدها من الجمل الحالية لأقوالهم بمناسبة اشتراك معانيها مع ما في هذه الجملة في تصوير بهتانهم ومكابرتهم الدالة على أنهم أهل البهتان فلو أُرُوا كسفاً ساقطاً من السماء وقيل لهم: هذا كسف نازل كابروا وقالوا هو سحاب مركوم.
فيجوز أن يكون ﴿ كِسْفاً ﴾ تلويحاً إلى ما حكاه الله عنهم في سورة الإِسراء (90 92) ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ إلى قوله: ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ﴾ وظاهر ما حكاه الطبري عن ابن زيد أن هذه الآية نزلت بسبب قولهم ذلك، وإذ قد كان الكلام على سبيل الغرض فلا توقف على ذلك.
والمعنى: إن يروا كسفاً من السماء مما سألوا أن يكون آية على صدقك لا يذعنوا ولا يؤمنوا ولا يتركوا البهتان بل يقولوا: هذا سحاب، وهذا المعنى مروي عن قتادة.
وهو من قبيل قوله تعالى: ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ﴾ [الحجر: 14، 15].
والكِسف بكسر الكاف: القطعة، ويقال: كسفة.
وقد تقدم في سورة الإِسراء.
و ﴿ من السماء ﴾ صفة ل ﴿ كسفاً ﴾ ، و ﴿ من ﴾ تبعيضية، أي قطعة من أجزاء السماء مثل القطع التي تسقط من الشهب.
والمركوم: المجموع بعضه فوق بعض يقال: ركمه ركماً، وهو السحاب الممطر قال تعالى: ﴿ ثم يجعله ركاماً ﴾ [النور: 43].
/ والمعنى: أن يقع ذلك في المستقبل يقولوا سحاب، وهذا لا يتقضي أنه يقع لأن أداة الشرط إنما تقتضي تعليق وقوع جوابها على وقوع فعلها لو وقع.
ووقع ﴿ سحاب مركوم ﴾ خبراً عن مبتدأ محذوف، وتقديره: هو سحاب وهذا سحاب.
والمقصود: أنهم يقولون ذلك عناداً مع تحققهم أنه ليس سحاباً.
ولكون المقصود أن العناد شيمتهم فرع عليه أن أمر الله رسول صلى الله عليه وسلم بأن يتركهم، أي يترك عرض الآيات عليهم، أي أن لا يسأل الله إظهار ما اقترحوه من الآيات لأنهم لا يقترحون ذلك طلباً للحجة ولكنهم يكابرون، قال تعالى: ﴿ إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ﴾ [يونس: 96، 97].
وليس المراد ترك دعوتهم وعرض القرآن عليهم.
ويجوز أن يكون الأمر في قوله: ﴿ فذرهم ﴾ مستعملاً في تهديدهم لأنهم يسمعونه حين يقرأُ عليهم القرآن كما يقال للذي لا يرعوي عن غيه: دعه فإنه لا يقلع.
وأفادت الغاية أنه يتركهم إلى الأبد لأنهم بعد أن يصعقوا لا تُعاد محاجتهم بالأدلة والآيات.
وقرأ الجمهور ﴿ يلاقوا ﴾ .
وقرأه أبو جعفر ﴿ يَلْقوا ﴾ بدون ألف بعد اللام.
و «اليوم الذي فيه يصعقون» هو يوم البعث الذي يصعق عنده من في السماوات ومن في الأرض.
وإضافة اليوم إلى ضميرهم لأنهم اشتهروا بإنكاره وعرفوا بالذين لا يؤمنون بالآخرة.
وهذا نظير النسب في قول أهل أصول الدين: فلان قدري، يريدون أنه لا يؤمن بالقدر.
فالمعنى بنسبته إلى القدر أنه يخوض في شأنه، أو لأنه اليوم الذي أوعدوه، فالإِضافة لأدنى ملابسة.
ونظيره قوله تعالى: ﴿ وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ [الأنبياء: 103].
والصعق: الإِغماء من خوف أو هلع قال تعالى: ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ [الأعراف: 143]، وأصله مشتق من الصاعقة لأن المصاب بها يُغمى عليه أو يموت، يقال: صَعِق، بفتح فكسر، وصُعِق بضم وكسر.
وقرأه الجمهور ﴿ يصعقون ﴾ بفتح المثناة التحتية، وقرأه ابن عامر وعاصم بضم المثناة.
وذلك هو يوم الحشر قال تعالى: ﴿ ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللَّه ﴾ [الزمر: 68]، وملاقاتهم لليوم مستعارة لوقوعه، شُبه اليوم وهو الزمان بشخص غائب على طريقة المكنية وإثباتُ الملاقاة إليه تخييل.
والملاقاة مستعارة أيضاً للحلول فيه، والإتيان بالموصول للتنبيه على خطئهم في إنكاره.
و ﴿ يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئاً ﴾ بدل من ﴿ يومهم ﴾ [الطور: 45] وفتحته فتحة إعراب لأنه أضيف إلى مُعرب.
والإِغناء: جعل الغير غنياً، أي غير محتاج إلى ما تقوم به حاجياته، وإذا قيل: أغنى عنه.
كان معناه: أنه قام مقامه في دفع حاجة كان حقه أن يقوم بها، ويتوسع فيه بحذف مفعوله لظهوره من المقام.
والمراد هنا لا يغني عنهم شيئاً عن العذاب المفهوم من إضافة ﴿ يوم ﴾ إلى ضميرهم ومن الصلة في قوله: ﴿ الذي فيه يصعقون ﴾ .
و ﴿ كيدهم ﴾ من إضافة المصدر إلى فاعله، أي ما يكيدون به وهو المشار إليه بقوله: ﴿ أم يريدون كيداً ﴾ [الطور: 42]، أي لا يستطيعون كيداً يومئذٍ كما كانوا في الدنيا.
فالمعنى: لا كيد لهم فيغني عنهم على طريقة قول امرئ القيس: على لاَحِببٍ لا يُهتدَى بمناره *** أي لا منار له فيهتدي به.
وهذا ينفي عنهم التخلص بوسائل من فعلهم، وعطف عليه ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ لنفي أن يتخلصوا من العذاب بفعل من يخلصهم وينصرهم فانتفى نوعا الوسائل المنجية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي قِطَعًا مِنَ السَّماءِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: جانِبًا مِنَ السَّماءِ.
الثّالِثُ: عَذابًا مِنَ السَّماءِ، قالَهُ المُفَضَّلُ.
وَسُمِّيَ كِسْفًا لِتَغْطِيَتِهِ، والكِسْفُ: التَّغْطِيَةُ، ومِنهُ أخْذُ كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ.
﴿ يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ ﴾ في مَرْكُومٍ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الغَلِيظُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الكَثِيرُ المُتَراكِبُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهم لَوْ رَأوْا سُقُوطَ كِسْفٍ مِنَ السَّماءِ عَلَيْهِمْ عِقابًا لَهم لَمْ يُؤْمِنُوا ولَقالُوا إنَّهُ سَحابٌ مَرْكُومٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضِهِ.
﴿ فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَوْمَ يَمُوتُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: النَّفْخَةُ الأُولى، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: يَوْمَ القِيامَةِ يَغْشى عَلَيْهِمْ مِن هَوْلِ ما يُشاهِدُونَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا ﴾ أيْ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ.
﴿ وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: عَذابُ القَبْرِ، قالَهُ عَلِيٌّ.
الثّانِي: الجُوعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: مُصابُهم في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفي المُرادِ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الصَّغائِرِ مِنَ المُسْلِمِينَ.
الثّانِي: أنَّهم مُرْتَكِبُو الحُدُودِ مِنهم.
﴿ واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِقَضائِهِ فِيما حَمَّلَكَ مِن رِسالَتِهِ.
الثّانِي: لِبَلائِهِ فِيما ابْتَلاكَ بِهِ مِن قَوْمِكَ.
﴿ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِعِلْمِنا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: بِمَرْأى مِنّا، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: بِحِفْظِنا وحِراسَتِنا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى لِمُوسى ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ﴾ بِحِفْظِي وحِراسَتِي، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ إذا قامَ مِن مَجْلِسِهِ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ، لِيَكُونَ تَكْفِيرًا لِما أجْرى في يَوْمِهِ.
الثّانِي: حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، لِيَكُونَ مُفْتَتَحًا لِعَمَلِهِ بِذِكْرِ اللَّهِ، قالَهُ حَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ.
الثّالِثُ: حِينَ تَقُومُ مِن نَوْمِ القائِلَةِ لِصَلاةِ الظُّهْرِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ التَّسْبِيحُ في الصَّلاةِ، إذا قامَ إلَيْها.
وَفي هَذا التَّسْبِيحُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو قَوْلُ: سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ، في الرُّكُوعِ، وسُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، في السُّجُودِ.
الثّانِي: التَّوَجُّهُ في الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ [وَتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ]، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها صَلاةُ اللَّيْلِ.
الثّانِي: التَّسْبِيحُ فِيها.
الثّالِثُ: أنَّهُ التَّسْبِيحُ في صَلاةٍ وغَيْرِ صَلاةٍ.
وَأمّا ﴿ وَإدْبارَ النُّجُومِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها رَكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (رَكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ، إدْبارَ النُّجُومِ، ورَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ إدْبارَ السُّجُودِ)» .
الثّانِي: أنَّها رَكْعَتا الفَجْرِ قَبْلَ الغَداةِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ التَّسْبِيحُ بَعْدَ الصَّلاةِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لا صَلاةَ بَعْدَ الفَجْرِ إلّا رَكْعَتَيِ الفَجْرِ.
أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس أن قريشاً لما اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم قال قائل منهم: احبسوه في وثاق، وتربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم فأنزل الله في ذلك من قولهم ﴿ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ريب المنون ﴾ قال: الموت.
وأخرج ابن الأنباري في الوقت والابتداء عن ابن عباس قال: ريب: شك، إلا مكاناً واحداً في الطور ﴿ ريب المنون ﴾ يعني حوادث الأمور، قال الشاعر: تربص بها ريب المنون لعلها ** تطلق يوماً أو يموت حليلها وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ريب المنون ﴾ قال: حوادث الدهر، وفي قوله: ﴿ أم هم قوم طاغون ﴾ قال: بل هم قوم طاغون.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم تأمرهم أحلامهم ﴾ قال: العقول.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فليأتوا بحديث مثله ﴾ قال: مثل القرآن، وفي قوله: ﴿ فليأت مستمعهم ﴾ قال: صاحبهم، وفي قوله: ﴿ أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون ﴾ يقول: أسألت هؤلاء القوم على الإِسلام أجراً فمنعهم من أن يسلموا الجعل، وفي قوله: ﴿ أم عندهم الغيب ﴾ قال: القرآن.
وأخرج البخاري والبيهقي في الأسماء والصفات عن جبير بن مطعم رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية ﴿ أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ﴾ الآيات، كاد قلبي أن يطير.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ قال: المسلطون.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ قال: أم هم المنزلون والله تعالى أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ثم ذكر عنادهم وقساوة قلوبهم فقال: قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا ﴾ قال مقاتل: يعني: جانبًا من السماء يسقط عليهم لعذابهم لقالوا من تكذيبهم: هذا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ بعضه على بعض (١) (٢) قال أبو إسحاق: أعلم الله -عز وجل- هؤلاء لا يعتبرون ولا يوقنون ولا يؤمنون بأبهر ما يكون من الآيات (٣) (١) انظر: المرجع السابق.
(٢) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 289، "معالم التنزيل" 4/ 242.
(٣) انظر: "معاني القرآن" 5/ 68.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ السمآء سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ ﴾ كانوا قد طلبوا أن ينزل عليهم كسفاً من السماء، فالمعنى أنهم لو رأوا الكسف ساقطاً عليهم لبلغ بهم الطغيان والجهل والعناد أن يقولوا: ليس بكسف وإنماهو سحاب مركوم: أي كثيف بعضه فوق بعض.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فكهين ﴾ مقصوراً: يزيد ﴿ وأتبعناهم ﴾ من باب الأفعال: أبو عمرو ﴿ وذريتهم ﴾ على التوحيد مرفوعاً ﴿ ذرياتهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.
وقرأ أبو عمرو على الجمع فيهما منصوباً.
وقرأ ﴿ ذريتهم ﴾ ابن عامر وسهل ويعقوب على الجمع أيضاً ولكن برفع الأول.
الباقون: على التوحيد فيهما الأول مرفوعاً والثاني منصوباً ﴿ ألتناهم ﴾ بكسر اللام ثلاثياً.
ابن كثير ﴿ لؤلؤ ﴾ بتليين الهمزة الأولى: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد وحمزة في الوقف كما مر في الحج ﴿ أنه هو البر ﴾ بفتح الهمزة: أبو جعفر ونافع وعلي ﴿ أنا كنا ندعوه ﴾ ﴿ لأنه ﴾ ﴿ المسيطرون ﴾ بالسين: ابن كثير في رواية.
وابن عامر والآخرون: بالصاد.
وقرأ حمزة في رواية بإشمام الراء ﴿ يصعقون ﴾ مبنياً للمفعول: ابن عامر وعاصم ﴿ وإدبار النجوم ﴾ بالفتح: زيد عن يعقوب.
الوقوف: ﴿ والطور ﴾ ه لا ﴿ مسطور ﴾ ه لا ﴿ منشور ﴾ ه لا ﴿ المعمور ﴾ ه لا ﴿ المرفوع ﴾ ه لا ﴿ المسجور ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه لا ﴿ من دافع ﴾ ه لا ﴿ موراً ﴾ ه لا ﴿ سيراً ﴾ ط ﴿ للمكذبين ﴾ ه لا ﴿ يلعبون ﴾ ه م ﴿ دعا ﴾ ط لأن التقدير يقال لهم هذه النار ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ لا تبصرون ﴾ ه ﴿ تصبروا ﴾ ه لاختلاف الجملتين مع اتفاق المعنى ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ ونعيم ﴾ ه لا ﴿ آتاهم ربهم ﴾ ج لاحتمال العطف واتضاح وجه الحال أي وقد وقاهم ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه لا ﴿ مصفوفة ﴾ ج ﴿ عين ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ه ﴿ رهين ﴾ ه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ ولا تأثيم ﴾ ه ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ مشفقين ﴾ ه ﴿ السموم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ إنه ﴾ بالكسر ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه لأن "أم" ابتداء استفهام وتوبيخ ﴿ المنون ﴾ ه ﴿ المتربصين ﴾ ه ط لما قلنا ﴿ طاغون ﴾ ه ج لاحتمال ابتداء الاستفهام والجواب بقوله بل ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ صادقين ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ط ﴿ والأرض ﴾ ج لأن "بل" للإضراب مع العطف ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ المسيطرون ﴾ ه ط ﴿ فيه ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع فاء التعقيب ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ البنون ﴾ ه ط ﴿ مثقلون ﴾ ه ﴿ يكتبون ﴾ ط ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ المكيدون ﴾ ه ط والضابط فيما تقدم أن كلما وصل "أم" فهو للجواب وما قطع فهو بمعنى ألف الاستفهام ﴿ غير الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مركوم ﴾ ه ﴿ يصعقون ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ بدل ما تقدمه ﴿ ينصرون ﴾ ه ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ النجوم ﴾ ه.
التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بوقوع اليوم الموعود أقسم على ذلك بالطور وهو الجبل الذي مر ذكره مراراً في قصة موسى.
والكتاب المسطور التوراة ظاهراً لأنه هو المناسب للطور.
وقيل: اللوح المحفوظ.
وقيل: صحيفة الأعمال.
والرق الصحيفة أو الجلد الذي يكتب عليه.
والمنشور خلاف المطوي كقوله ﴿ ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً ﴾ وقيل: هو القرآن ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب ﴿ والبيت المعمور ﴾ الكعبة أو الضراح في السماء السابعة سمي معموراً لكثرة زواره من الحجاج أو الملائكة ﴿ والسقف المرفوع ﴾ السماء ﴿ والبحر المسجور ﴾ المملوء أو الموقد من قوله ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ وقد سبق في "المؤمن" في قوله ﴿ ثم في النار يسجرون ﴾ عن جبير بن مطعم أتيت رسول الله أكلمه في الأساري فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة ﴿ والطور ﴾ فلما بلغ ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ أسلمت خوفاً من أن ينزل العذاب ﴿ يوم تمور ﴾ تضطرب وتجيء وتذهب وقد يقال: المور تحرك في تموج كحركة الزئبق ونحوه.
قلت: لأهل التأويل أن يقولوا: الطور القوة العقلية، وكتاب مسطور هي الجلايا القدسية والمعارف الإلهية الثابتة فيها كالحرف في الرق، والبيت المعمور بيت القلب، والسقف المرفوع الرأس، والبحر المسجور الدماغ المملوء من الخيالات والأوهام.
﴿ إن عذاب ربك ﴾ بالحرمان عن الإكرام لازدحام ظلم الآثام لواقع يوم القيامة الصغرى إذ تمور سماء الأرواح حين قطع العلائق وحيلولة العوائق موراً، وتسير جبال النفوس الحيوانية الأمارة التي أثقلت ظهر صاحبها لانتهاء سيرانها وانقضاء سلطانها سيراً.
والدع الدفع العنيف.
قال المفسرون: إن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ويدفعونهم إلى النار دفعاً على وجوههم وزجاً في أقفيتهم.
والاستفهام في قوله ﴿ أفسحر ﴾ للتقريع والتهكم، والفاء مؤكد له أي كنتم تقولون للوحي إنه سحر فهذا أيضاً سحر ﴿ أم أنتم لا تبصرون ﴾ هذا المخبر عنه في الآخرة كما كنتم لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.
وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله {سواء علينا لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.
وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ﴾ ثم علل الاستواء بقوله ﴿ إنما تجزون ﴾ يعني أن الجزاء لا بد من حصوله فلا مزية للصبر على عدمه.
قوله ﴿ ووقاهم ﴾ معطوف على متعلق قوله ﴿ في جنات ﴾ أي استقروا في جنات ونعيم ووقاهم العذاب.
وجوز أن يعطف على ﴿ آتاهم ﴾ على أن "ما" مصدرية أي فاكهين بالإيتاء والوقاية ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول أي يقال لهم كلوا ﴿ واشربوا ﴾ أكلاً وشرباً ﴿ هنيئاً ﴾ أو طعاماً وشراباً هنيئاً لا تنغيص فيه.
وقد مر في أول "النساء".
وجوز جار الله أن يكون صفة في معنى المصدر القائم مقام الفعل أي هنأكم الأكل والشرب بسبب ما عملتم، أو الباء مزيدة أي هنأكم جزاء ما عملتم.
قوله ﴿ والذين آمنوا ﴾ ظاهره أنه مبتدأ خبره ﴿ ألحقنا ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ﴿ حور عين ﴾ أي قرناهم بحور عين والذين آمنوا من رفقائهم وجلسائهم وأتبعناهم ذرياتهم كي يجتمع لهم أنواع السرور بملاعبة الحور وبمؤانسة الإخوان المؤمنين وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم.
وقوله ﴿ بإيمان ﴾ أي بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء.
﴿ ألحقنا ﴾ بدرجاتهم ﴿ ذريتهم ﴾ ويجوز أن يراد إيمان الذرية الداني المحل كما جاء في الحديث " إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه ثم تلا هذه الآية" ﴿ وما ألتناهم ﴾ أي وما نقصنا من ثوابهم شيئاً بعطية الأبناء ولا بسبب غيرها ولكن وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا تفضلاً وإحساناً.
ثم بين أن الجزاء بمقدار العمل فقال ﴿ كل امرىء بما كسب رهين ﴾ أي مرهون.
قال جار الله: كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين عليه.
فإن عمل صالحاً فكها وخلصها وإلا أوبقها.
وقيل: هذا يعود إلى الكفار.
والرهين المرهون المأخوذ المحبس على أمر يؤدي عنه.
وقيل: بمعنى راهن وهو المقيم أي كل إنسان مقيم في جزاء ما يقدم.
﴿ وأمددناهم ﴾ وزدناهم وقتاً بعد وقت ﴿ يتنازعون ﴾ يتعاطون هم وقرناؤهم ﴿ لا لغو فيها ﴾ أي لا حديث باطل في أثناء شربها.
ونفى اللغو لانتفاء الغول الذي هو من تعاكسيه ﴿ ولا تأثيم ﴾ أي لا يفعلون ما ينسب صاحبه إلى الإثم لو فعله في دار التكليف، وإنما يتكلمون بالكلام الحسن المفيد وذلك أنهم حكماء علماء.
والغلمان الخدام المختصمون بهم، واللؤلؤ المكنون المستور في الصدف أو في الدرج وذلك أنه أصفى وأرطب وأثمن.
وقيل لقتادة: هذا هو الخادم فكيف المخدوم؟
فقال: قال رسول الله "والذي نفس بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" وعنه " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيب ألف ببابه لبيك لبيك" ﴿ يتساءلون ﴾ يتحادثون ﴿ مشفقين ﴾ أرقاء القلوب من خشية الله وعذاب السموم عذاب النار لأنها تدخل المسام ومنه الريح السموم ﴿ من قبل ﴾ أي في الدنيا ﴿ فذكر ﴾ فأثبت على ما أنت عليه من التذكير والدعوة العامة ﴿ فما أنت بنعمة ربك ﴾ أي بسبب حمد الله وإنعامه عليك ﴿ بكاهن ﴾ كما يزعمون ﴿ ولا مجنون ﴾ فلعله كان لهم في رسول الله أقوال، فبعضهم ينسبونه إلى الكهانة نظراً إلى إخباره عن المغيبات، وبعضهم يرمونه بالجنون حيث لا يسمعون منه ما يوافق هواهم ويطابق مغزاهم، وبعضهم يرون أن تأثير كلامه فيهم من باب التخييل لا الإعجاز كما قال ﴿ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ﴾ وهو ما يقلق النفوس ويزعجها من حوادث الدهر، وقيل: المنون الموت "فعول" من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع ولذلك سمي شعوب.
وقد قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك الشعراء قبله.
والأحلام العقول وكانت قريش يدعون أنهم أهل النهي والأحلام.
وكون الأحلام أمرتهم مجاز لأدائها إلى تلك الأقوال الفاسدة، وفيه تقريع وتوبيخ إذ لو كان لهم عقل لميزوا بين الحق والباطل والمعجز وغيره ﴿ تقوَّله ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه ﴿ بل لا يؤمنون ﴾ جحوداً وعناداً وقد صح عندهم إعجاز القرآن وإلا ﴿ فليأتوا بحديث مثله ﴾ .
ثم وبخهم على إنكار الصانع بقوله ﴿ أم خلقوا من غير شيء ﴾ من غير خالق ﴿ أم هم الخالقون ﴾ أنفسهم.
وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء وحساب.
والأول أقوى لقوله ﴿ أم خلقوا السموات والأرض ﴾ ثم احتج عليهم بالأنفس ثم بالآفاق ثم قال ﴿ بل لا يوقنون ﴾ وذلك أنه حكى عنهم ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ﴾ فتبين أنهم في هذا الاعتراف شاكون إذ لو عرفوه حق معرفته لم يثبتوا له نداً ولم يحسدوا من اختاره للرسالة كما وبخهم عليه بقوله ﴿ أم عندهم خزائن ربك ﴾ حتى يختاروا للنبوة من أرادوه ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ المسلطون الغالبون حتى يدبروا أمر العالم على حسب مشيئتهم ﴿ أم لهم سلم يستمعون ﴾ الوحي صاعدين ﴿ فيه ﴾ إلى السماء عالمين بالمحق والمبطل ومن له العاقبة.
والمغرم أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه ﴿ أم عندهم الغيب ﴾ المحفوظ في اللوح ﴿ فهم يكتبون ﴾ ما فيه من أحوال المبدأ والنبوة والمعاد فيحكمون بحسبها ﴿ أم يريدون كيداً ﴾ وهو كيدهم لرسول الله في دار الندوة وفي غيرها ﴿ فالذين كفروا ﴾ اللام لهؤلاء أو للجنس فيشملهم ﴿ هم المكيدون ﴾ المغلوبون الذين يعود وبال الكيد عليهم فقتلوا ببدر وأظهر الله دين الإسلام.
ثم صرح بالمقصود الكلي فوبخهم على إشراكهم ونزه نفسه عن ذلك بقوله ﴿ سبحان الله ﴾ ثم أجاب عن بعض مقترحهم وهو قولهم ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ﴾ والمراد أنهم لفرط عنادهم لا يفيد معهم شيء من الدلائل فلو أسقطنا عليهم قطعة من السماء لقالوا هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض.
ومعنى يصعقون يموتون وذلك عند النفخة الأولى.
قوله ﴿ عذاباً دون ذلك ﴾ أي قبل يوم القيامة وهو القتل ببدر القحط سبع سنين وعذاب القبر ﴿ فأصبر لحكم ربك ﴾ بإمهالهم وتبليغ الرسالة ﴿ فإنك ﴾ محفوظ ﴿ بأعيننا ﴾ وهو مجاز عن الكلاءة التامة والجمع للتعظيم والمبالغة و ﴿ حين تقوم ﴾ أي من أي مكان قمت أو من منامك.
وإدبار النجوم بالكسر غروبها آخر الليل وهو بالحقيقة تلاشي نورها في ضوء الصبح، وبالفتح أعقابها.
والمعنى مثل ما قلنا.
وقيل: التسبيح التهجد.
ومن الليل صلاة العشاءين، وإدبار النجوم صلاة الفجر.
أمره بالإقبال على طاعته بعد الفراغ عن دعوة الأمة فليس له شأن إلا هذين.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ ﴾ .
يخبر عن عناد أولئك الرؤساء ومكابرتهم، وإنما قالوا ما قالوا على التعنت، لا على الاسترشاد، وأن هذه الآيات من قوله: ﴿ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ...
﴾ إلى قوله: - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ ﴾ كلها محاجة مع أولئك الرؤساء المعاندين؛ يبين ذلك قوله : ﴿ وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ ﴾ يقول: إنهم وإن يروا ما توعدوهم من عذاب ينزل بهم يقولوا - لتعنتهم ومكابرتهم -: إنه سحاب، ليس بعذاب، وهو كما قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ ﴾ ، يخبر عن عنادهم، وكقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ لا يؤمنون، ويقولون: ما ذكر إنه سحاب مركوم؛ تعنتا ومكابرة.
ثم أمر رسوله بأن يعرض عنهم وألا يشتغل بهم؛ لما علم الله أنهم لا يؤمنون، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾ يؤيس رسوله عن إيمانهم، ويأمره بالصبر على أذاهم، وترك المكافأة لهم، ويخبر أنهم لا يؤمنون إلا في اليوم الذي فيه يصعقون، أي: يموتون.
ثم قرئ قوله: ﴿ يُصْعَقُونَ ﴾ بفتشح الياء وضمه؛ فمن قال بالنصب، احتج بقوله: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، ولم قل فَصُعِق.
ثم يحتمل الصعقة التي ذكر: ما ذكرنا، أي: يموتون.
ويحتمل: أي: تنزل بهم الشدائد والأوجاع، ولكن لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت؛ لأنه إيمان دفع العذاب عن أنفسهم.
وقوله - عزو جل -: ﴿ يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ ﴾ .
برسول الله عما ينزل بهم يومئذ؛ جزاء على كيدهم برسول الله .
ويحتمل ألا يغنيهم من عذاب الله الأصنام التي عبدوها؛ رجاء أن تشفع لهم، أو تقربهم إلى الله زلفى؛ كما أخبر - عز وجل -، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ ﴾ .
قال أهل التأويل: أي: لمشركي أهل مكة عذاب دون عذاب النار، وهو القتل بالسيف يوم بدر.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ ، أي: للكفرة عذاب في الدنيا دون الذي ذكر في يوم القيامة؛ حيث قال: ﴿ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾ ، ثم قال: ﴿ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ ﴾ ، وهم ما داما كفارا فهم في عذاب، يكونون في خوف وذل وخزي؛ فذلك كله عذاب الله ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
أي: لا ينتفعون بعلمهم، أو لا يعلمون حقيقة؛ لما لم ينظروا في أسباب العلم، ولم يتفكروا فيها؛ حتى يمنعهم ويزجرهم عن صنيعهم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ .
دل هذا الحرف أن النبي قد كلف أمرا شديداً شاقّاً عليه حتى قال: ﴿ وَٱصْبِرْ ﴾ ؛ أذ الأمر بالصبر لا يكون إلا في أمور شاقة شديدة؛ ولذلك قال له: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ أمره بالصبر على ما كلفه، كما صبر إخوانه على ما لحقهم من الأمور الشاقة، وما قال ﴿ وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ ﴾ أخبر أنه لو صبر إنما يصبر بتوفيق الله إياه، أو فيه، أنه إذا صبر يكون صبره لله ؛ حتى يسهل عليه احتمال ذلك، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ ، يحتمل وجوها: أحدها: ما أمر من تبليغ الرسالة إلى الفراعنة الذين كانت همتهم القتل لمن خالفهم، فذلك أمر شديد؛ فأمره بالصبر على ذلك، والتبليغ إلى أولئك.
والثاني: أمره بالصبر على أذاهم واستهزائهم به، وترك المكافأة لهم.
ويحتمل أن يكون الأمر بالصبر على الأمور التي كانت عليه في خالص نهيه من احتمال غصة التكذيب، وحزنه على تركهم التوحيد والإيمان، وإنما ذلك كله حكم الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ .
أي: بمنظر وعلم منا، فإن كان الأمر بالصبر على القيام بتبليغ الرسالة إلى من ذكرنا؛ فيخرج قوله: ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ مخرج وعد النصر والمعونة؛ كقوله : ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .
وإن كان الأمر بالصبر على ترك مكافأتهم، أو على القيام بالأمور التي فيما بينه وبين ربه ؛ فيصير كأنه قال: على علم منا بما يكون منهم من التكذيب والاستهزاء والأذى، كفلناك، لا عن جهل منا بذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ .
أي: نزهه عن معاني الخلق، وعما لا يليق، واذكر الثناء عليه بما هو أهله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حِينَ تَقُومُ ﴾ .
يحتمل: ح ين تقوم من مجلسك، أو من منامك، أو حين تقوم للتعيش والانتشار.
فإن كان المراد: حين تقوم من مجلسك؛ فيكون التسبيح ما ذكر في الخبر عن رسول الله أنه قال: "من جلس مجلساً كثر فيه لغطه، فليقل قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك، غفر له ما كان في مجلسه ذلك" ولم يذكر الآية.
وإن كان المراد: حين تقم من منامك، فجائز أن يكون المراد منه: الصلاة.
وإن كان حين تقوم للانتشار والتعيش؛ فيصير كأنه أمر بالتسبيح بالنهار في وقت الانتشار؛ وعلى هذا قوله: ﴿ وَمِنَ ٱللَّيْلِ ﴾ أي: سبح بالليل في وقت الراحة، فيصير كأنه قال: وسبح بحمد ربك في الأوقات كلها، بالليل والنهار، في وقت الراحة، وفي وقت الانتشار.
وروى الضحاك عن عمر - - أنه قال: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ \[تقول\] في الصلاة المفروضة قبل أن تكبر: "سبحانك اللهم وبحمدك..." إلى آخر.
وورى الضحاك: أن النبي كان إذا دخل في الصلاة، قال ذلك؛ وذلك قوله : ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ .
وروى أبو سعيد وعائشة - ما - عن النبي أنه [كان] إذا افتتح الصلاة قال: "سبحانك الله وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك" ].
وروي عن مجاهد أنه قال: حين تقوم من كل مجلس، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ ﴾ : قال أهل التأويل: هو ركعتا الفجر [كما] روي عن جماعة من الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين.
وعن ابن عباس - ما - مرفوعاً: أنه أراد بإدبار النجوم: الركعتين قبل الفجر، وأدبار السجود: الركعتين بعد المغرب، فإن ثبت فهو التأويل، فإن كان على هذا فهو يدل على تأخير صلاة الفجر؛ لأن إدبار النجوم إنما يكون ذهابها وانقضاءها، وذلك لا يكون بأول وقت طلوع الفجر، وإنما يكون وقت الإسفار؛ فيكون حجة لنا، والله أعلم.
وإن يروا قطعًا من السماء ساقطة يقولوا عنه: هذا سحاب متراكم بعضه على بعض كالعادة، فلا يتعظون، ولا يؤمنون.
<div class="verse-tafsir" id="91.9l9qm"