الآية ٦ من سورة الطور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 52 الطور > الآية ٦ من سورة الطور

وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ ٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 87 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦ من سورة الطور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦ من سورة الطور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( والبحر المسجور ) : قال الربيع بن أنس : هو الماء الذي تحت العرش ، الذي ينزل [ الله ] منه المطر الذي يحيي به الأجساد في قبورها يوم معادها .

وقال الجمهور : هو هذا البحر .

واختلف في معنى قوله : ( المسجور ) ، فقال بعضهم : المراد أنه يوقد يوم القيامة نارا كقوله : ( وإذا البحار سجرت ) [ التكوير : 6 ] أي : أضرمت فتصير نارا تتأجج ، محيطة بأهل الموقف .

رواه سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب ، وروي عن ابن عباس .

وبه يقول سعيد بن جبير ، ومجاهد ، وعبد الله بن عبيد بن عمير وغيرهم .

وقال العلاء بن بدر : إنما سمي البحر المسجور لأنه لا يشرب منه ماء ، ولا يسقى به زرع ، وكذلك البحار يوم القيامة .

كذا رواه عنه ابن أبي حاتم .

وعن سعيد بن جبير : ( والبحر المسجور ) يعني : المرسل .

وقال قتادة : ( [ والبحر ] المسجور ) المملوء .

واختاره ابن جرير ووجهه بأنه ليس موقدا اليوم فهو مملوء .

وقيل : المراد به الفارغ ، قال الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء ، عن ذي الرمة ، عن ابن عباس في قوله : ( والبحر المسجور ) قال : الفارغ ; خرجت أمة تستسقي فرجعت فقالت : " إن الحوض مسجور " ، تعني : فارغا .

رواه ابن مردويه في مسانيد الشعراء .

وقيل : المراد بالمسجور : الممنوع المكفوف عن الأرض ; لئلا يغمرها فيغرق أهلها .

قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ، وبه يقول السدي وغيره ، وعليه يدل الحديث الذي رواه الإمام أحمد ، رحمه الله ، في مسنده ، فإنه قال : حدثنا يزيد ، حدثنا العوام ، حدثني شيخ كان مرابطا بالساحل قال : لقيت أبا صالح مولى عمر بن الخطاب فقال : حدثنا عمر بن الخطاب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات ، يستأذن الله أن ينفضخ عليهم ، فيكفه الله عز وجل " .

وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي : حدثنا الحسن بن سفيان ، عن إسحاق بن راهويه ، عن يزيد - وهو ابن هارون - عن العوام بن حوشب ، حدثني شيخ مرابط قال : خرجت ليلة لحرسي لم يخرج أحد من الحرس غيري ، فأتيت الميناء فصعدت ، فجعل يخيل إلي أن البحر يشرف يحاذي رءوس الجبال ، فعل ذلك مرارا وأنا مستيقظ ، فلقيت أبا صالح فقال : حدثنا عمر بن الخطاب : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات ، يستأذن الله أن ينفضخ عليهم ، فيكفه الله عز وجل " .

فيه رجل مبهم لم يسم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) اختلف أهل التأويل في معنى البحر المسجور, فقال بعضهم: الموقد.

وتأويل ذلك: والبحر الموقد المحميّ.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, عن داود, عن سعيد بن المسيب, قال: قال عليّ رضي الله عنه لرجل من اليهود: أين جهنم؟

فقال: البحر, فقال: ما أراه إلا صادقا,( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ مخففة.

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا يعقوب, عن حفص بن حُميد, عن شمر بن عطية, في قوله: ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) قال: بمنـزلة التنُّور المسجور.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث.

قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) قال: الموقد.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) قال: الموقد, وقرأ قول الله تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ قال: أوقدت.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وإذا البحار مُلئت, وقال: المسجور: المملوء.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) الممتلئ.

وقال آخرون: بل المسجور: الذي قد ذهب ماؤه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي عن أبيه, عن ابن عباس في قوله: ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) قال: سجره حين يذهب ماؤه ويفجر.

وقال آخرون: المسجور: المحبوس.

* ذكر من قال ذلك: حدثني علي, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس في قوله: ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) يقول: المحبوس.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معناه: والبحر المملوء المجموع ماؤه بعضه في بعض, وذلك أن الأغلب من معاني السجر: الإيقاد, كما يقال: سجرت التنور, بمعنى: أوقدت, أو الامتلاء على ما وصفت, كما قال لبيد: فتوسـطا عُـرْضَ السَّـريِّ وصدعـا مســـجورةً متجــاورًا قُلامُهــا (7) وكما قال النمر بن تولب العكلي: إذَا شـــاءَ طـــالَعَ مَسْـــجورةً تَــرَى حَوْلَهَــا النَّبْــعَ والسَّاسـمّا سَــقَتْها رَوَاعِــدُ مِــنْ صَيّــفٍ وَإنْ مِــنْ خَــريفٍ فَلَــنْ يَعدمَـا (8) فإذا كان ذلك الأغلب من معاني السَّجْر, وكان البحر غير مُوقَد اليوم, وكان الله تعالى ذكره قد وصفه بأنه مسجور, فبطل عنه إحدى الصفتين, وهو الإيقاد صحّت الصفة الأخرى التي هي له اليوم, وهو الامتلاء, لأنه كلّ وقت ممتلئ.

وقيل: إن هذا البحر المسجور الذي أقسم به ربنا تبارك وتعالى بحر في السماء تحت العرش.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح, عن عليّ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) قال: بحر في السماء تحت العرش.

قال: ثنا مهران, قال: وسمعته أنا من إسماعيل, قال: ثنا مهران عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد, عن عبد الله بن عمرو ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) قال: بحر تحت العرش.

حدثني محمد بن عمارة, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح في قوله: ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) قال: بحر تحت العرش.

-------------------------- الهوامش : (7) البيت للبيد من معلقته المشهورة .

وقد مر الاستشهاد به عند قوله تعالى في سورة مريم " قد جعل ربك تحتك سريا " ( 16 : 71 ) فراجعه ثمة .

(8) البيتان للنمر بن تولب العكلي ، كما في خزانة الأدب الكبرى للبغدادي ( 4 : 434 - 42 ) وهما من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن ( الورقة 228 ب ) عند قوله تعالى " والبحر المسجور " .

والشاعر يصف وعلا .

وقوله مسجورة : يريد عينا كثيرة الماء ، أي مملوءة .

والنبع : شجر يتخذ منه القسي .

والساسم : قيل هو الآبنوس .

وقيل شجر يشبهه ، ومنابتهما أعالي الجبال .

سقتها : أي العين .

والرواعد : جمع راعدة ، وهي السحابة الماطرة ، وفيها صوت الرعد غالبا .

والصيف بتشديد الياء المكسورة : المطر الذي يجيء في الصيف ، والخريف الفصل بين الصيف والشتاء ، يريد مطر الخريف .

يريد الشاعر أن هذا الوعل يشرب من هذه العين المسجورة المملوءة إما من مطر الصيف وإما من مطر الخريف ، فهو لن يعدم الماء على كل حال .

والشاهد في قوله مسجورة : أي مملوءة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

والبحر المسجور قال مجاهد : الموقد ; وقد جاء في الخبر : ( إن البحر يسجر يوم القيامة فيكون نارا ) .

وقال قتادة : المملوء .

وأنشد النحويون للنمر بن تولب :إذا شاء طالع مسجورة ترى حولها النبع والساسمايريد وعلا يطالع عينا مسجورة مملوءة .

فيجوز أن يكون المملوء نارا فيكون كالقول المتقدم .

وكذا قال الضحاك وشمر بن عطية ومحمد بن كعب والأخفش بأنه الموقد المحمي بمنزلة التنور المسجور .

ومنه قيل : للمسعر مسجر ; ودليل هذا التأويل قوله تعالى : وإذا البحار سجرت أي أوقدت ; سجرت التنور أسجره سجرا أي أحميته .

وقال سعيد بن المسيب : قال علي رضي الله عنه لرجل من اليهود : أين جهنم ؟

قال : البحر .

قال : ما أراك إلا صادقا ، وتلا : والبحر المسجور .

" وإذا البحار سجرت " مخففة .

وقال عبد الله بن عمرو : لا يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم .

وقال كعب : يسجر البحر غدا فيزاد في نار جهنم ; فهذا قول ، وقال ابن عباس : المسجور الذي ذهب ماؤه .

وقاله أبو العالية .

وروى عطية وذو الرمة الشاعر عن ابن عباس قال : خرجت أمة لتستقي فقالت : إن الحوض مسجور أي فارغ ، قال ابن أبي داود : ليس لذي الرمة حديث إلا هذا .

وقيل : المسجور أي : المفجور ; دليله : وإذا البحار فجرت أي تنشفها الأرض فلا يبقى فيها ماء .

وقول ثالث قاله علي رضي الله عنه وعكرمة .

قال أبو مكين : سألت عكرمة عن البحر المسجور فقال : هو بحر دون العرش .

وقال علي : تحت العرش فيه ماء غليظ .

ويقال له بحر الحيوان يمطر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحا فينبتون في قبورهم .

وقال الربيع بن أنس : المسجور المختلط العذب بالملح .قلت : إليه يرجع معنى فجرت في أحد التأويلين ; أي فجر عذبها في مالحها ، والله أعلم ؛ وسيأتي .

وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : المسجور المحبوس .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ } أي: المملوء ماء، قد سجره الله، ومنعه من أن يفيض على وجه الأرض، مع أن مقتضى الطبيعة، أن يغمر وجه الأرض، ولكن حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان، ليعيش من على وجه الأرض، من أنواع الحيوان وقيل: إن المراد بالمسجور، الموقد الذي يوقد [نارا] يوم القيامة، فيصير نارا تلظى، ممتلئا على عظمته وسعته من أصناف العذاب.هذه الأشياء التي أقسم الله بها، مما يدل على أنها من آيات الله وأدلة توحيده، وبراهين قدرته، وبعثه الأموات

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( والبحر المسجور ) قال محمد بن كعب القرظي والضحاك : يعني الموقد المحمى بمنزلة التنور المسجور ، وهو قول ابن عباس ، وذلك ما روي أن الله تعالى يجعل البحار كلها يوم القيامة نارا فيزاد بها في نار جهنم ، كما قال الله تعالى : " وإذا البحار سجرت " ، ( التكوير - 6 ) وجاء في الحديث عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يركبن رجل بحرا إلا غازيا أو معتمرا أو حاجا ، فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا " .

وقال مجاهد والكلبي : " المسجور " : المملوء ، يقال : سجرت الإناء إذا ملأته .

وقال الحسن ، وقتادة ، وأبو العالية : هو اليابس الذي قد ذهب ماؤه ونضب وقال الربيع بن أنس : المختلط العذب بالمالح .

وروى الضحاك عن النزال بن سبرة عن علي أنه قال في البحر المسجور : هو بحر تحت العرش ، غمره كما بين سبع سموات إلى سبع أرضين ، فيه ماء غليظ يقال له : بحر الحيوان .

يمطر العباد بعد النفخة الأولى منه أربعين صباحا فينبتون في قبورهم .

هذا قول مقاتل : أقسم الله بهذه الأشياء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والبحر المسجور» أي المملوء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أقسم الله بالطور، وهو الجبل الذي كلَّم الله سبحانه وتعالى موسى عليه، وبكتاب مكتوب، وهو القرآن في صحف منشورة، وبالبيت المعمور في السماء بالملائكة الكرام الذين يطوفون به دائمًا، وبالسقف المرفوع وهو السماء الدنيا، وبالبحر المسجور المملوء بالمياه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( والبحر المسجور ) أى : المملوء بالماء ، يقال ، سجر فلان الحوض إذا ملأه بالماء .أو المسجور : بمعنى : المملوء بالنار من السَّجْر ، وهو إيقاد النار فى التنور ، ومنه قوله - تعالى - : ( .

.

.

فِي الحميم ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ ) والمراد بالبحر هنا : جنسه .

قال ابن عباس : تملأ البحار كلها يوم القيامة بالنار ، فيزاد بها فى نار جهنم .وبهذا نرى أن الله - تعالى - قد أقسم بخمسة أشياء من مخلوقاته ، للدلالة على وحدانيته ، وعلى شمول قدرته ، وعلى بديع صنعته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

هذه السورة مناسبة للسورة المتقدمة من حيث الافتتاح بالقسم وبيان الحشر فيهما، وأول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها، لأن في آخرها قوله تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ وهذه السورة في أولها ﴿ فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ  ﴾ وفي آخر تلك السورة قال: ﴿ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً  ﴾ إشارة إلى العذاب وقال هنا ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ لَوَاقِعٌ  ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما الطور، وما الكتاب المسطور؟

نقول فيه وجوه: الأول: الطور هو جبل معروف كلم الله تعالى موسى عليه السلام الثاني: هو الجبل الذي قال الله تعالى: ﴿ وَطُورِ سِينِينَ  ﴾ الثالث: هو اسم الجنس والمراد القسم بالجبل غير أن الطور الجبل العظيم كالطود، وأما الكتاب ففيه أيضاً وجوه: أحدها: كتاب موسى عليه السلام ثانيها: الكتاب الذي في السماء ثالثها: صحائف أعمال الخلق رابعها: القرآن وكيفما كان فهي في رقوق، وسنبين فائدة قوله تعالى: ﴿ فِى رَقّ مَّنْشُورٍ ﴾ وأما البيت المعمور ففيه وجوه: الأول: هو بيت في السماء العليا عند العرش ووصفه بالعمارة لكثرة الطائفين به من الملائكة الثاني: هو بيت الله الحرام وهو معمور بالحاج الطائفين به العاكفين الثالث: البيت المعمور اللام فيه لتعريف الجنس كأنه يقسم بالبيوت المعمورة والعمائر المشهورة، ﴿ والسقف المرفوع ﴾ السماء، ﴿ والبحر المسجور ﴾ ، قيل الموقد يقال سجرت التنور، وقيل هو البحر المملوء ماء المتموج، وقيل هو بحر معروف في السماء يسمى بحر الحيوان.

المسألة الثانية: ما الحكمة في اختيار هذه الأشياء؟

نقول هي تحتمل وجوهاً: أحدها: إن الأماكن الثلاثة وهي: الطور، والبيت المعمور، والبحر المسجور، أماكن كانت لثلاثة أنبياء ينفردون فيها للخلوة بربهم والخلاص من الخلق والخطاب مع الله، أما الطور فانتقل إليه موسى عليه السلام، والبيت محمد صلى الله عليه وسلم، والبحر المسجور يونس عليه السلام، والكل خاطبوا الله هناك فقال موسى: ﴿ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِى مَن تَشَاء  ﴾ وقال: ﴿ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ  ﴾ وأما محمد صلى الله عليه وسلم فقال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لا أحصي ثناء عليك كما أثنيت على نفسك وأما يونس فقال: ﴿ لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين  ﴾ فصارت الأماكن شريفة بهذه الأسباب، فحلف الله تعالى بها، وأما ذكر الكتاب فإن الأنبياء كان لهم في هذه الأماكن مع الله تعالى كلام والكلام في الكتاب واقترانه بالطور أدل على ذلك، لأن موسى عليه السلام كان له مكتوب ينزل عليه وهو بالطور، وأما ذكر السقف المرفوع ومعه البيت المعمور ليعلم عظمة شأن محمد صلى الله عليه وسلم ثانيها: وهو أن القسم لما كان على وقوع العذاب وعلى أنه لا دافع له، وذلك لأن لا مهرب من عذاب الله لأن من يريد دفع العذاب عن نفسه، ففي بعض الأوقات يتحصن بمثل الجبال الشاهقة التي ليس لها طرف وهي متضايقة بين أنه لا ينفع التحصن بها من أمر الله تعالى كما قال ابن نوح عليه السلام: ﴿ سآوِى إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الماء قَالَ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ  ﴾ حكاية عن نوح عليه السلام.

المسألة الثالثة: ما الحكمة في تنكير الكتاب وتعريف باقي الأشياء؟

نقول ما يحتمل الخفاء من الأمور الملتبسة بأمثالها من الأجناس يعرف باللام، فيقال رأيت الأمير ودخلت على الوزير، فإذا بلغ الأمير الشهرة بحيث يؤمن الالتباس مع شهرته، ويريد الواصف وصفه بالعظمة، يقول: اليوم رأيت أميراً ما له نظير جالساً وعليه سيما الملوك وأنت تريد ذلك الأمير المعلوم، والسبب فيه أنك بالتنكير تشير إلى أنه خرج عن أن يعلم ويعرف بكنه عظمته، فيكون كقوله تعالى: ﴿ ٱلْحَآقَّةُ  مَا ٱلْحَآقَّةُ  وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْحَآقَّةُ  ﴾ فاللام وإن كانت معرفة لكن أخرجها عن المعرفة كون شدة هولها غير معروف، فكذلك هاهنا الطور ليس في الشهرة بحيث يؤمن اللبس عند التنكير، وكذلك البيت المعمور، وأما الكتاب الكريم فقد تميز عن سائر الكتب، بحيث لا يسبق إلى أفهام السامعين من النبي صلى الله عليه وسلم لفظ الكتاب إلا ذلك، فلما أمن اللبس وحصلت فائدة التعريف سواء ذكر باللام أو لم يذكر قصداً للفائدة الأخرى وهي في الذكر بالتنكير، وفي تلك الأشياء لما لم تحصل فائدة التعريف إلا بآلة التعريف استعملها، وهذا يؤيد كون المراد منه القرآن وكذلك اللوح المحفوظ مشهور.

المسألة الرابعة: ما الفائدة في قوله تعالى: ﴿ فِى رَقّ مَّنْشُورٍ ﴾ وعظمة الكتاب بلفظه ومعناه لا بخطه ورقه؟

نقول هو إشارة إلى الوضوح، وذلك لأن الكتاب المطوي لا يعلم ما فيه فقال هو في رق منشور وليس كالكتب المطوية وعلى هذا المراد اللوح المحفوظ فمعناه هو منشور لكم لا يمنعكم أحد من مطالعته، وإن قلنا بأن المراد كتاب أعمال كل أحد فالتنكير لعدم المعرفة بعينه وفي رق منشور لبيان وصفه كما قال تعالى: ﴿ كِتَابًا يلقاه مَنْشُوراً  ﴾ وذلك لأن غير المعروف إذا وصف كان إلى المعرفة أقرب شبهاً.

المسألة الخامسة: في بعض السور أقسم بجموع كما في قوله تعالى: ﴿ والذريات ﴾ وقوله: ﴿ والمرسلات ﴾ وقوله: ﴿ والنازعات ﴾ وفي بعضها بأفراد كما في هذه السورة حيث قال: ﴿ والطور ﴾ ولم يقل والأطوار والبحار، ولا سيما إذا قلنا المراد من الطور الجبل العظيم كالطود، كما في قوله تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور  ﴾ أي الجبل فما الحكمة فيه؟

نقول في الجموع في أكثرها أقسم بالمتحركات والريح الواحدة ليست بثابتة مستمرة حتى يقع القسم بها، بل هي متبدلة بأفرادها مستمرة بأنواعها والمقصود منها لا يحصل إلا بالتبدل والتغير فقال: ﴿ والذريات ﴾ إشارة إلى النوع المستمر إلى الفرد المعين المستقر، وأما الجبل فهو ثابت قليل التغير والواحد من الجبال دائم زماناً ودهراً، فأقسم في ذلك بالواحد وكذلك قوله: ﴿ والنجم ﴾ والريح ما علم القسم به وفي الطور علم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ والطور ﴾ : الجبل الذي كلم الله عليه موسى وهو بمدين.

والكتاب المسطور في الرق المنشور، والرق: الصحيفة.

وقيل: الجلد الذي يكتب فيه الكتاب الذي يكتب فيه الأعمال.

قال الله تعالى: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَابًا يلقاه مَنْشُوراً ﴾ [الإسراء: 13] وقيل: هو ما كتبه الله لموسى وهو يسمع صرير القلم.

وقيل: اللوح المحفوظ.

وقيل القرآن، ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب، كقوله تعالى: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾ [الشمس: 7] .

﴿ والبيت المعمور ﴾ الضراح في السماء الرابعة.

وعمرانه: كثرة غاشيته من الملائكة.

وقيل: الكعبة لكونها معمورة بالحجاج والعمار والمجاورين ﴿ والسقف المرفوع ﴾ السماء ﴿ والبحر المسجور ﴾ المملوء.

وقيل: الموقد، من قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا البحار سُجّرَتْ ﴾ [التكوير: 6] وروى أن الله تعالى يجعل يوم القيامة البحار كلها ناراً تسجر بها نار جهنم.

وعن علي رضي الله عنه أنه سأل يهودياً: أين موضع النار في كتابكم؟

قال: في البحر.

قال علي: ما أراه إلا صادقاً، لقوله تعالى ﴿ والبحر المسجور ﴾ .

﴿ لَوَاقِعٌ ﴾ لنازل.

قال جبير بن مطعم: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلمه في الأسارى فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة الطور، فلما بلغ ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ لَوَاقِعٌ ﴾ أسلمت خوفاً من أن ينزل العذاب ﴿ تَمُورُ السماء ﴾ تضطرب وتجيء وتذهب.

وقيل: المور تحرك في تموّج، وهو الشيء يتردد في عرض كالداغصة في الركبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والبَيْتِ المَعْمُورِ ﴾ يَعْنِي الكَعْبَةَ وعِمارَتَها بِالحُجّاجِ والمُجاوِرِينَ، أوِ الضِّراحُ وهو في السَّماءِ الرّابِعَةِ وعُمْرانُهُ كَثْرَةُ غاشِيَتِهِ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ قَلْبُ المُؤْمِنِ وعِمارَتُهُ بِالمَعْرِفَةِ والإخْلاصِ.

﴿ والسَّقْفِ المَرْفُوعِ ﴾ يَعْنِي السَّماءَ.

﴿ والبَحْرِ المَسْجُورِ ﴾ أيِ المَمْلُوءِ وهو المُحِيطُ، أوِ المُوقَدِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ ﴾ رُوِيَ أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ يَوْمَ القِيامَةِ البِحارَ نارًا يُسْجَرُ بِها نارُ جَهَنَّمَ، أوِ المُخْتَلِطُ مِنَ السَّجِيرِ وهو الخَلِيطُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والبحر المسجور} المملوء أو الموقد والواو الأولى للقسم والبواقي للعطف وجواب القسم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والبَحْرِ المَسْجُورِ ﴾ أيِ المَوْقِدِ نارًا.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ.

وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: قالَ عَلِيُّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لِرَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ: أيْنَ مَوْضِعُ النّارِ في كِتابِكم ؟

قالَ: البَحْرُ فَقالَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: ما أراهُ إلّا صادَقا، وقَرَأ ﴿ والبَحْرِ المَسْجُورِ ﴾ ﴿ وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ  ﴾ وبِذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ وشَمِرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعَّبٍ والأخْفَشُ، وقالَ قَتادَةُ: المَسْجُورُ المَمْلُوءُ يُقالُ: سَجَرَهُ أيْ مَلَأهُ، والمُرادُ بِهِ عِنْدَ جَمْعِ البَحْرِ المُحِيطُ، وقِيلَ: بَحْرٌ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَلِيِّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وفي البَحْرِ أنَّهُما قالا فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ، ويُقالُ لَهُ: بَحْرُ الحَياةِ يَمْطِرُ العِبادَ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّهُ المَلَأُ الأعْلى الَّذِي تَحْتَ العَرْشِ وكَأنَّهُ أرادَ بِهِ القَضاءَ الواسِعَ المَمْلُوءَ مَلائِكَةً، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «المَسْجُورُ» الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ، ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، ولَيْسَ لَهُ كَما قِيلَ حَدِيثٌ غَيْرُ هَذا عَنِ الحَبْرِ قالَ: خَرَجَتْ أُمَّةٌ لِتَسْتَقِيَ فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ أيْ فارِغٌ فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ، وحُمِلَ كَلامُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى إرادَةِ البَحْرِ المَعْرُوفِ، وأنَّ ذَهابَ مائِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِالمَحْبُوسِ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ وهي القِلادَةُ الَّتِي تُمْسِكُهُ وكَأنَّهُ عَنى المَحْبُوسَ مِن أنْ يَفِيضَ فَيُغْرِقُ جَمِيعَ الأرْضِ، أوْ يَغِيضَ فَتَبْقى الأرْضُ خالِيَةً مِنهُ، وقِيلَ ﴿ المَسْجُورِ ﴾ المُخْتَلِطِ، وهو نَحْوَ قَوْلِهِمْ لِلْخَلِيلِ المُخالِطِ: سَجِيرٍ، وجَعَلَهُ الرّاغِبُ مِن سُجِرَتِ التَّنُّورُ لِأنَّهُ سَجِيرٌ في مَوَدَّةِ صاحِبِهِ، والمُرادُ بِهَذا الِاخْتِلاطِ تَلاقِي البِحارِ بِمِياهِها واخْتِلاطُ بَعْضِها بِبَعْضٍ، وعَنِ الرَّبِيعِ اخْتِلاطُ عَذْبِها بِمِلْحِها، وقِيلَ: اخْتِلاطُها بِحَيَواناتِ الماءِ، وقِيلَ: المَفْجُورُ أخْذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ  ﴾ ويَحْتَمِلُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن تَفْسِيرِهِ بِالمُرْسَلِ، وإذا اعْتُبِرَ هَذا مَعَ ما تَقَدَّمَ عَنْهُ آنِفًا مِن تَفْسِيرِهِ بِالمَحْبُوسِ يَكُونُ مِنَ الأضْدادِ أيْضًا، وقالَ مُنَبِّهُ بْنُ سَعِيدٍ، هو جَهَنَّمُ سُمِّيَتْ بَحْرًا لِسِعَتِها وتَمَوُّئِها، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ بَحْرُ الدُّنْيا - وبِهِ أقُولُ - وبِأنَّ المَسْجُورَ بِمَعْنى المَوْقَدِ، ووَجْهُ التَّناسُبِ بَيْنَ القَرائِنِ بَعْدَ تَعَيُّنِ ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ لائِحٌ، وهو ها هُنا إثْباتُ تَأْكِيدِ عَذابِ الآخِرَةِ وتَحْقِيقُ كَيْنُونَتِهِ ووُقُوعِهِ، فَأقْسَمَ سُبْحانَهُ لَهُ بِأُمُورٍ كُلِّها دالَّةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ كَوْنِها مُتَعَلِّقَةً بِالمَبْدَأِ والمَعادِ، فالطَّوْرُ لِأنَّهُ مَحَلُّ مُكالَمَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَهْبِطَ آياتِ البَدْءِ والمَعادِ يُناسِبُ حَدِيثَ إثْباتِ المَعادِ وكِتابَ الأعْمالِ كَذَلِكَ مَعَ الإيماءِ إلى أنَّ إيقاعَ العَذابِ عَدْلٌ مِنهُ تَعالى فَقَدْ تَحَقَّقَ، ودُونَ في الكِتابِ ما يُجَرُّ إلَيْهِ قَبْلُ، ﴿ والبَيْتِ المَعْمُورِ ﴾ لِأنَّهُ مَطافُ الرُّسُلِ السَّماوِيَّةِ، ومَظْهَرٌ لِعَظْمَتِهِ تَعالى، ومَحَلٌّ لِتَقْدِيسِهِمْ وتَسْبِيحِهِمْ إيّاهُ جَلَّ وعَلا، ﴿ والسَّقْفِ المَرْفُوعِ ﴾ لِأنَّهُ مُسْتَقَرُّهم ومِنهُ تُنَزَّلُ الآياتُ، وفِيهِ الجَنَّةُ: ﴿ والبَحْرِ المَسْجُورِ ﴾ لِأنَّهُ مَحَلُّ النّارِ، وإذا حُمِلَ الكِتابُ عَلى التَّوْراةِ كانَ التَّناسُبُ مَعَ ما قَبْلَهُ حَسْبَ النَّظَرِ الجَلِيلِ أظْهَرَ ولَمْ يَحْمِلْهُ عَلَيْها كَثِيرٌ لِزَعْمٍ أنَّ - الرِّقَّ المَنشُورَ - لا يُناسِبُها لِأنَّها كانَتْ في الألْواحِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ شُيُوعَ الرِّقِّ فِيما يَكْتُبُ فِيهِ الكُتّابُ مُطْلَقًا يَضْعُفُ هَذا الزَّعْمَ في الجُمْلَةِ، ثُمَّ إنَّ المَعْرُوفَ أنَّ التَّوْراةَ لا يَكْتُبُها اليَهُودُ اليَوْمَ إلّا في - رِقٍّ - وكَأنَّهم أخَذُوا ذَلِكَ مِن أسْلافِهِمْ، وقالَ الإمامُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الحِكْمَةُ في القَسَمِ - بِالطَّوْرِ والبَيْتِ المَعْمُورِ والبَحْرِ المَسْجُورِ - أنَّها أماكِنُ خَلْوَةٍ لِثَلاثَةِ أنْبِياءَ مَعَ رَبِّهِمْ سُبْحانَهُ، أمّا الطَّوْرُ فَلِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ خاطَبَ عِنْدَهُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِما خاطَبَ، وأمّا البَيْتُ المَعْمُورُ فَلِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ قالَ عِنْدَهُ: ««سَلامٌ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ»» وأُمًّا البَحْرُ فَلِيُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ فِيهِ: ﴿ لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ  ﴾ فَلِشَرَفِها بِذَلِكَ أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِها، وأمّا ذِكْرُ الكِتابِ فَلِأنَّ الأنْبِياءَ كانَ لَهم في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ والكَلامُ في الكِتابِ، وأمّا ذِكْرُ السَّقْفِ المَرْفُوعِ فَلِبَيانِ رَفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ لِيُعْلَمَ عَظَمَةَ شَأْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ وجْهًا آخَرَ، ولَعَمْرِي إنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ فِيهِما، والواوُ الأُولى لِلْقَسَمِ وما بَعْدَها عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ لِلْعَطْفِ، والجُمْلَةُ المُقْسِمُ عَلَيْها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي أربعون وتسع آيات مكية قوله تعالى: وَالطُّورِ أقسم الله تعالى بالجبل وكل جبل فهو طور بلغة النبط.

ويقال: بلغة السريانية.

ولكن عني به الجبل الذي كلم الله عليه موسى-  - بمدين.

ثم قال: وَكِتابٍ مَسْطُورٍ يعني: في اللوح المحفوظ.

ويقال: أعمال بني آدم فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ يعني: في صحيفة منشورة، كما قال: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً [الإسراء: 13] يعني: مفتوحا يقرءونه.

ويقال: كِتابٍ مَسْطُورٍ يعني: القرآن.

فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ يعني: المصاحف.

ويقال: في اللوح المحفوظ.

ثم قال: وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وهو في السماء السابعة.

ويقال: في السماء السادسة ويقال: في السماء الرابعة.

وروى وكيع بإسناده عن علي، وابن عباس في قوله: وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ قالا: هو بيت في السماء حيال الكعبة، يزوره كل يوم سبعون ألف ملك، ولا يعودون إليه إلى يَوْمِ القيامة.

قال بعضهم: بناه الملائكة قبل أن يخلق آدم-  - وقال بعضهم: هو البيت الذي بناه آدم بمكة، فرفعه الله تعالى في أيام الطوفان إلى السماء بحيال الكعبة.

وقال بعضهم: أنزل الله بيتاً من ياقوتة في زمان آدم-  - ووضع بمكة، فكان آدم يطوف به وذريته من بعده إلى زمن الطوفان، فرفع إلى السماء، وهو الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ طوله كما بين السماء والأرض.

ثم قال: وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ يعني: السماء المرتفعة من الأرض مقدار خمسمائة عام وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ يعني: البحر الممتلئ تحت العرش، وهو بحر مكفوف.

يقال له: الحيوان يحمي الله به الموتى يوم القيامة، فأقسم الله تعالى بهذه الأشياء.

ويقال: أقسم بخالق هذه الأشياء إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ يعني: العذاب الذي أوقع الكفار فهو كائن مَّا لَهُ مِنْ دافِعٍ يعني: لا يقدر أحد أن يرفع عنهم العذاب.

ثم بيّن أن ذلك العذاب في أي يوم يكون فقال: يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً يعني: تدور السماء بأهلها دوراً، وتموج بعضهم في بعض من الخوف.

صار اليوم نصباً لنزع الخافض.

ومعناه: أن عذاب ربك لواقع في يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً يعني: في يوم القيامة وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً يعني: تَسِيرُ على وجه الأرض سَيْراً مثل السحاب حتى تستوي بالأرض فَوَيْلٌ الشدة من العذاب يَوْمَئِذٍ يعني: يوم القيامة لِلْمُكَذِّبِينَ بيوم القيامة.

ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ يعني: في باطل يلهون، ويستهزئون.

قوله عز وجل: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا يعني: تدفعهم خزنة جهنم.

ويقال: يُدَعُّونَ يعني: يزعجون إليها إزعاجاً شديداً، ويدفعون دفعاً عنيفاً.

ومنه قوله تعالى: يَدُعُّ الْيَتِيمَ [الماعون: 2] أي: يدفع عما يجب.

ويقال: دعاً يعني: دفعاً على وجوههم يجرون، فإذا دنوا منها، قالت لهم الخزنة: هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ يعني: لم تصدقوا بها، ولم تأمنوا بها في الدنيا.

أَفَسِحْرٌ هذا العذاب الذي ترون لأنفسكم، لأنكم قلتم في الدنيا للرسول ساحراً، ومجنون.

أَمْ أَنْتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ النار.

ويقال: بل أنتم لا تعقلون.

ثم قال لهم: اصْلَوْها يعني: ادخلوا فيها فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا يعني: فإن صبرتم، أو لم تصبروا، فهو سَواءٌ عَلَيْكُمْ اللفظ لفظ الأمر، المراد به الخبر.

يعني: إن صبرتم أو لم تصبروا، فلا تنجون منها أبداً إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدنيا من الكفر والتكذيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لَواقِعٌ يريد: عذاب الآخرة واقع للكافرين قاله قتادة «١» ، قال الشيخ عبد الحق في «العاقبة» : وَيُرْوَى أَنَّ عمر بن الخطاب- رضي اللَّه عنه- سَمِعَ قارئاً يقرأ:

وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ قال: هذا قسم حقّ، فلمّا بلغ القارئ إلى قوله- عز وجل-: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ظنَّ أَنَّ العذاب قد وقع به فغشي عليه، انتهى، وتَمُورُ معناه: تذهب وتجيء بالرياح متقطعةً مُتَفَتِّتَةً، وسير الجبال: هو في أَوَّلِ الأمر، ثم تتفتَّتُ حتى تصير آخرا كالعهن المنفوش، ويُدَعُّونَ قال ابن عباس وغيره «٢» : معناه:

يُدْفَعُونَ في أعناقهم بشدة وإهانة وتَعْتَعَةٍ، ومنه: يَدُعُّ الْيَتِيمَ [الماعون: ٢] ، وفي الكلام محذوف، تقديره: يقال لهم: هذه النار التي كنتم بها تكذبون توبيخاً وتقريعاً لهم، ثم وقفهم سبحانه بقوله: أَفَسِحْرٌ هذا ...

الآية: ثم قيل لهم على جهة قطع رجائهم:

اصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا سواء عليكم، أي: عذابكم حتم، فسواء جَزَعُكُمِ/ وَصَبْرُكُمْ، لا بدّ من جزاء أعمالكم.

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)

وقوله سبحانه: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ...

الآية: يحتمل أَنْ يكونَ من خطاب أهل النار، فيكون إخبارُهم بذلك زيادةً في غَمِّهِمْ وسُوءِ حالهم، نعوذ باللَّه من سخطه!

ويحتمل، وهو الأظهر، أن يكون إخبارا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومعاصريه، لما فَرَغَ من ذكر عذاب الكفار عَقَّبَ بذكر نعيم المتقين- جعلنا اللَّه منهم بفضله- ليبين الفرقَ، ويقعَ التحريضُ على الإيمان، والمتقون هنا: مُتَّقُو الشرك لأَنَّهم لا بُدَّ من مصيرهم إلى الجنات، وكلما زادت الدرجة في التقوى قَوِيَ الحصولُ في حكم الآية، حتّى إنّ المتقين

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الطُّورِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والطُّورِ ﴾ هَذا قَسَمٌ بِالجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو بِأرْضِ مَدْيَنَ [واسْمُهُ زُبَيْرٌ] .

﴿ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ﴾ أيْ: مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقْوال.

أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: كُتُبُ أعْمالِ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: التَّوْراةُ.

والرّابِعُ: "القُرْآنُ" حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فِي رَقٍّ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّقُّ: الوَرَقُ.

فَأمّا المَنشُورُ فَهو المَبْسُوطُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والبَيْتِ المَعْمُورِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ.

وفي أيِّ سَماءٍ هُوَ؟

[فِيهِ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: « [أنَّهُ] في السَّماءِ السّابِعَةِ،» رَواهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ  .

وحَدِيثُ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ الَّذِي أُخْرِجَ في "الصَّحِيحَيْنِ" يَدُلُّ عَلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ في السَّماءِ الدُّنْيا، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو حِيالَ الكَعْبَةِ يَحُجُّهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، يُسَمّى "الضُّراحَ" .

وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ البَيْتُ المَعْمُورُ مَكانَ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ نُوحٍ أمَرَ النّاسَ بِحَجِّهِ، فَعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذاءِ البَيْتِ في السَّماءِ الدُّنْيا.

والثّانِي: أنَّهُ البَيْتُ الحَرامُ، قالَهُ الحَسَنُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى "المَعْمُورِ": الكَثِيرُ الغاشِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّقْفِ المَرْفُوعِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والجُمْهُورُ.

والثّانِي: العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والبَحْرِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ ماؤُهُ غَلِيظٌ يُمْطَرُ العِبادُ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

والثّانِي: أنَّهُ بَحْرُ الأرْضِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي ﴿ المَسْجُورِ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَمْلُوءُ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ السّائِبِ، وجَمِيعُ اللُّغَوِيِّينَ.

والثّانِي: أنَّهُ المُوقَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

وقالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو بِمَنزِلَةِ التَّنُّورِ المَسْجُورِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اليابِسُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ونَضَبَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: تُسْجَرُ، يَعْنِي البَحّارَ، حَتّى يَذْهَبَ ماؤُها، فَلا يَبْقى فِيها قَطْرَةٌ.

وقَوْلُ هَذَيْنِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

وقَدْ نَقَلَ في الحَدِيثِ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ البِحارَ كُلَّها نارًا، فَتُزادُ في نارِ جَهَنَّمَ.» والرّابِعُ: أنَّ ﴿ المَسْجُورِ ﴾ المُخْتَلِطُ عَذْبُهُ بِمِلْحِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأشْياءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَ المُشْرِكِينَ حَقٌّ، فَقالَ: ﴿ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ﴾ أيْ: لَكائِنٌ في الآخِرَةِ.

ثُمَّ بَيَّنَ مَتى يَقَعُ، فَقالَ: ﴿ يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَدُورُ دَوْرًا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجِ.

والثّانِي: تَحَرَّكُ تَحَرُّكًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ "تَمُورُ" أيْ: تَكَفَّأُ وقالَ الأعْشى: كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ والثّالِثُ: يَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ٨٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ﴾ أيْ: يَخُوضُونَ في حَدِيثِ مُحَمَّدٍ  بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَلْهُونَ بِذِكْرِهِ، فالوَيْلُ لَهم.

وَ ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يُدْفَعُونَ، يُقالُ: دَعَعْتُهُ أدُعُّهُ، أيْ: دَفَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿ يَدُعُّ اليَتِيمَ  ﴾ .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُدْفَعُ في أعْناقِهِمْ حَتّى يَرِدُوا النّارَ.

وقالَ مُقاتِلٌ: تُغَلُّ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعُ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ، ثُمَّ يُدْفَعُونَ إلى جَهَنَّمَ عَلى وُجُوهِهِمْ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها قالَتْ لَهم خَزَنَتُها: ﴿ هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ﴾ في الدُّنْيا ﴿ أفَسِحْرٌ هَذا ﴾ العَذابُ الَّذِي تَرَوْنَ؟

فَإنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ الرُّسُلَ سَحَرَةٌ ﴿ أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ﴾ النّارَ؟

فَلَمّا أُلْقُوا فِيها قالَ لَهم خَزَنَتُها: ﴿ اصْلَوْها ﴾ .

وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا نَسَبُوا مُحَمَّدًا  إلى أنَّهُ ساحِرٌ يُغَطِّي عَلى الأبْصارِ بِالسِّحْرِ، وُبِّخُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ النّارِ بِهَذا التَّوْبِيخِ، وقِيلَ: ﴿ اصْلَوْها ﴾ أيْ: قاسُوا شِدَّتَها ﴿ فاصْبِرُوا ﴾ عَلى العَذابِ ﴿ أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ ﴾ الصَّبْرُ والجَزَعُ ﴿ إنَّما تُجْزَوْنَ ﴾ جَزاءَ ﴿ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الطُورِ هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ والرُواةِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والطُورِ ﴾ ﴿ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ﴾ ﴿ فِي رَقٍّ مَنشُورٍ ﴾ ﴿ والبَيْتِ المَعْمُورِ ﴾ ﴿ والسَقْفِ المَرْفُوعِ ﴾ ﴿ والبَحْرِ المَسْجُورِ ﴾ ﴿ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ﴾ ﴿ ما لَهُ مِن دافِعٍ ﴾ ﴿ يَوْمَ تَمُورُ السَماءُ مَوْرًا ﴾ ﴿ وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا ﴾ ﴿ فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ﴾ ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ ﴿ هَذِهِ النارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ﴾ هَذِهِ مَخْلُوقاتٌ أقْسَمَ اللهُ بِها تَنْبِيهًا مِنها وتَشْرِيفًا، ولِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ النَظَرِ فِيها والِاعْتِبارَ بِها، وذَلِكَ يُؤَوَّلُ إلى التَوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ بِحُقُوقِ اللهِ تَعالى.

و"الطُورِ"، قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: كُلُّ جَبَلٍ طُورٌ، فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى أقْسَمَ بِالجِبالِ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ آخَرُونَ: الطُورُ: كُلُّ جَبَلٍ أجْرَدَ لا يُنْبِتُ شَجَرًا، وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: الطُورُ: الجَبَلُ بِالسِرْيانِيَّةِ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ ما حَكاهُ في العَرَبِيَّةِ يَقْضِي عَلى هَذا، ولا خِلافَ أنْ في الشامِ جَبَلًا يُسَمّى بِالطُورِ، وهو طُورُ سَيْناءَ، فَقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ، إذْ قَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى الجِبالِ أنِّي مُهْبِطٌ عَلى أحَدِكم أمْرِي - يُرِيدُ رِسالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَتَطاوَلَتْ كُلُّها إلّا الطَوْرَ فَإنَّهُ اسْتَكانَ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وقالَ: حَسْبِيَ اللهُ، فَأهْبَطَ اللهُ تَعالى الأمْرَ عَلَيْهِ، ويُقالُ: إنَّهُ بِمَدْيَنَ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هُما طَوْرانِ.

و"الكِتاب المَسْطُورُ" مَعْناهُ بِإجْماعٍ: المَكْتُوبُ أسْطارًا، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الكِتابِ المُقْسَمِ بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو الكِتابُ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ لِلْمَلائِكَةِ لِتَعْرِفَ مِنهُ جَمِيعَ ما يَفْعَلُهُ وتَصْرِفُهُ في العالَمِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالقُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ كانَ عَلِمَ أنَّهُ يَتَّخِذُ في رَقٍّ مَنشُورٍ، وقالَ آخَرُونَ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالكُتُبِ القَدِيمَةِ المُنَزَّلَةِ، التَوْراةِ والإنْجِيلِ والزَبُورِ، وقالَ الفَرّاءُ -فِيما حَكى الرُمّانِيُّ -: أقْسَمَ بِالصُحُفِ الَّتِي تُعْطى وتُؤْخَذُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ، وقالَ قَوْمٌ: أقْسَمَ بِالكِتابِ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وهو الَّذِي لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها، وكَتَبَ بَعْضُ الناسِ "مَصْطُورٍ" بِالصادِّ، والقَصْدُ بِذَلِكَ تَشابُهُ النُطْقِ بِالحُرُوفِ، والجُمْهُورُ عَلى السِينِ.

و"الرِقُّ": الوَرَقُ المُعَدَّةُ لِلْكُتُبِ، وهي مُرَقَّقَةٌ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ رِقًّا، وقَدْ غَلَبَ الِاسْتِعْمالُ عَلى هَذا الَّذِي هو مِن جُلُودِ الحَيَوانِ، و"المَنشُورِ" خِلافُ المَطْوِيِّ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَشْرُهُ بِمَعْنى بِشْرِهِ وتَرْقِيقِهِ وصَنْعَتِهِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فِي رِقٍّ" بِكَسْرِ الراءِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "البَيْتِ المَعْمُورِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: هي الكَعْبَةُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو بَيْتٌ في السَماءِ يُقالُ لَهُ الضِراحُ، وهو بِحِيالِ الكَعْبَةِ، ويُقالُ: الضَرِيحُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، «قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ  "هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلُّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ، آخِرَ ما عَلَيْهِمْ"،» وبِهَذا عِمارَتُهُ، ويُرْوى أنَّهُ في السَماءِ السابِعَةِ، وقِيلَ: السادِسَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُقابِلُ الكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ لَسَقَطَ عَلَيْها، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ، وهي كُلُّها عَلى خَطٍّ مَعَ الكَعْبَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

و"السَقْفُ المَرْفُوعُ": السَماءُ، و"السَقْفُ" طُولٌ في انْحِناءٍ، ومِنهُ أُسْقُفُ النَصارى، ومِنهُ السَقْفُ، لِأنَّ الجِدارَ وسَقْفُهُ فِيهِما طُولٌ في انْحِناءٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "المَسْجُورِ"، فَقالَ مُجاهِدٌ وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ: المَوْقِدُ نارًا، ورُوِيَ « "أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"» وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِيَهُودِيٍّ: أيْنَ جَهَنَّمَ؟

فَقالَ هي البَحْرُ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أظُنُّهُ إلّا صادِقًا، وقَرَأ: "والبَحْرِ المَسْجُورِ"، [وَمِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  : « "إنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"،]» قالَ الثَعْلَبِيُّ: ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "لا يَرْكَبَنَّ البَحْرَ إلّا حاجٌّ أو مُعْتَمِرٌ أو مُجاهِدٌ، فَإنَّ تَحْتَ البَحْرِ نارًا، وتَحْتَ النارِ بَحْرًا» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ: « "البَحْرُ نارٌ في نارٍ".» وقالَ قَتادَةُ: المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُغَةِ.

ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ لِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولِهَذا يَعُودُ القَوْلُ الأوَّلُ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: "سَجَّرْتُ التَنُّورَ" مَعْناهُ: مَلَأتُها بِما يَحْتَرِقُ ويَتَّقِدُ، والبَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَكَذا هو مُعَرَّضٌ لِلْعِبْرَةِ، ومِن قَوْلِ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: إذا شاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ∗∗∗ تَرى حَوْلَها النَبْعَ والسَماسِما سَقَتْها رَواعِدُ مِن صَيِّفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ مِن خَرِيفٍ فَلَنْ يَعْدَما يَصِفُ ثَوْرًا أو عَيْنًا مَمْلُوءَةً ماءً.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَسْجُورُ هو الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ، فالمَسْجُورُ: الفارِغُ، ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُغَةِ، فَهو مِنَ الأضْدادِ، وقِيلَ: يُوقِدُ البَحْرَ نارًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَذَلِكَ السَجْرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ، وهى القِلادَةُ مِن عُودٍ أو حَدِيدٍ الَّتِي تُمْسِكُهُ، وكَذَلِكَ لَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسِكُ لَفاضَ عَلى الأرْضِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: البَحْرُ المُقْسَمُ بِهِ هو في السَماءِ تَحْتَ العَرْشِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ بَحْرُ الدُنْيا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ  ﴾ ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: المَعْنى هو القَسَمُ بِجَهَنَّمَ، وسَمّاها بَحْرًا لِسِعَتِها وتَمَوُّجِها، كَما قالَ  في الفَرَسِ: « "وَإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا".» والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ﴾ ويُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، قالَ قَتادَةُ، والعامِلُ في "يَوْمَ" هُوَ"واقِعٌ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "دافِعٍ"، والأوَّلُ أبْيَنُ، قالَ مَكِّيٌّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ "دافِعٍ"، قَوْلُهُ تَعالى: "تَمُورُ" مَعْناهُ: تَذْهَبُ وتَجِيءُ بِالرِياحِ مُتَقَطِّعَةً مُتَفَتِّتَةً، والغُبارُ المَوّارُ: الَّذِي يَجْتَمِعُ ويَذْهَبُ ويَجِيءُ بِالرِيحِ، ثُمَّ هو كُلُّهُ إلى الذَهابِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَغادَرَتِ التُرابَ مَوْرًا" يَصِفُ سَنَةَ قَحْطٍ، وأنْشَدَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: ..............

∗∗∗ مَوْرُ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ أرادَ مُضِيَّها.

وقالَ الضَحّاكُ: "تَمُورُ"؛ تَمُوجُ، وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ تَشَقَّقُ، وهَذِهِ كُلُّها تَفاسِيرُ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ السَماءَ العالِيَةَ يَعْتَرِيها هَذا كُلُّهُ.

وسَيْرُ الجِبالِ هو في أوَّلِ الأمْرِ ثُمَّ تَتَفَتَّتْ أثْناءَ السَيْرِ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا كالعِهْنِ المَنفُوشِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَوَيْلٌ" عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وهي تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ وإثْباتَ الوَيْلِ لِلْمُكَذِّبِينَ، و"الوَيْلُ": السُوءُ والمَشَقَّةُ والهَمُّ الأطْوَلُ، ويُرْوى أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى: ويْلًا و"الخَوْضُ": التَخَبُّطُ في الأباطِيلِ، يُشَبَّهُ بِخَوْضِ الماءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهُمْ  ﴾ ، و"يَوْمَ" الثانِي بَدَلٌ مِن "يَوْمَئِذٍ"، و"يُدَعُّونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ في أعْناقِهِمْ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ وتَعْتَعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ  ﴾ ، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ مُخْتَصَرٌ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ"، وإخْبارُهم بِهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ،: "يَوْمَ يَدْعُونَ" مِنَ الدُعاءِ، بِسُكُونِ الدالِ وفَتْحِ العَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

القَسَم للتأكيد وتحقيق الوعيد.

ومناسبة الأمور المقسم بها للمقسم عليه أن هذه الأشياء المقسم بها من شؤون بعثه موسى عليه السلام إلى فرعون وكان هلاك فرعون ومن معه من جراء تكذيبهم موسى عليه السلام.

و ﴿ الطور ﴾ : الجبل باللغة السريانيّة قاله مجاهد.

وأدخل في العربية وهو من الألفاظ المعربة الواقعة في القرآن.

وغلب علَماً على طور سينا الذي ناجى فيه موسى عليه السلام، وأنزل عليه فيه الألواح المشتملة على أصول شريعة التوراة.

فالقسم به باعتبار شرفه بنزول كلام الله فيه ونزول الألواح على موسى وفي ذكر الطور إشارة إلى تلك الألواح لأنها اشتهرت بذلك الجبل فسميت طور المعرّب بتوراة.

وأما الجبل الذي خوطب فيه موسى من جانب الله فهو جبل حُوريب واسمه في العربية (الزّبير) ولعله بجانب الطور كما في قوله تعالى: ﴿ آنس من جانب الطور ناراً ﴾ وتقدم بيانه في سورة القصص (29)، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ورفعنا فوقكم الطور ﴾ في سورة البقرة (63).

والقَسَم بالطور توطئة للقسم بالتوراة التي أنزل أولها على موسى في جبل الطور.

والمراد ﴿ بكتاب مسطور في رَقّ منشور ﴾ التوراةُ كلها التي كتبها موسى عليه السلام بعد نزول الألواح، وضمَّنها كل ما أوحَى الله إليه مما أمر بتبليغه في مدة حياته إلى ساعات قليلة قبل وفاته.

وهي الأسفار الأربعة المعروفة عند اليهود: سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر العَدد، وسفر التثنية، وهي التي قال الله تعالى في شأنها: ﴿ ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون ﴾ في سورة الأعراف (154).

وتنكير كتاب } للتعظيم.

وإجراء الوصفين عليه لتمييزه بأنه كتاب مشرف مراد بقاؤه مأمور بقراءته إذ المسطور هو المكتوب.

والسطر: الكتابة الطويلة لأنها تجعل سطوراً، أي صفوفاً من الكتاب قال تعالى: ﴿ وما يسطرون ﴾ [القلم: 1]، أي يكتبون.

والرَّق (بفتح الراء بعدها قاف مشددة) الصحيفة تُتّخذ من جلد مرقق أبيض ليكتب عليه.

وقد جمعها المتلمِس في قوله: فكأنما هِي مِن تقادُممِ عهدها *** رَقّ أُتيح كتابُها مسطور والمنشور: المبسوط غير المطوي قال يزيد بن الطثرية: صحائف عندي للعتاب طويتُها *** ستنشر يوماً مَا والعتاب يطول أي: أقسم بحال نشره لقراءته وهي أشرف أحواله لأنها حالة حصول الاهتداء به للقارئ والسامع.

وكان اليهود يكتبون التوراة في رقوق ملصق بعضها ببعض أو مخيط بعضها ببعض، فتصير قطعة واحدة ويطوونها طيّاً اسطوانياً لتحفظ فإذا أرادوا قراءتها نشروا مطويها، ومنه ما في حديث الرجم «فنشروا التوراة».

وليس المراد بكتاب مسطور القرآن لأن القرآن لم يكن يومئذٍ مكتوباً سطوراً ولا هو مكتوباً في رَق.

ومناسبة القسم بالتوراة أنها الكتاب الموجود الذي فيه ذكر الجزاء وإبطال الشرك وللإِشارة إلى أن القرآن الذي أنكروا أنه من عند الله ليس بدعاً فقد نزلت قبله التوراة وذلك لأن المقْسَم عليه وقوع العذاب بهم وإنما هو جزاء على تكذيبهم القرآن ومن جاء به بدليل قوله بعد ذكر العذاب ﴿ فويل يومئذٍ للمكذبين الذين هم في خوض يلعبون ﴾ [الطور: 11، 12].

والقسم بالتوراة يقتضي أن التوراة يومئذٍ لم يكن فيها تبديل لما كتبه موسى: فإمّا أن يكون تأويل ذلك على قول ابن عباس في تفسير معنى قوله تعالى: ﴿ يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ [المائدة: 13] أنه تحريف بسوء فهم وليس تبديلاً لألفاظ التوراة، وإمّا أن يكون تأويله أن التحريف وقع بعد نزول هذه السورة حين ظهرت الدعوة المحمدية وجَبَهت اليهودَ دلالةُ مواضع من التوراة على صفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم أو يكون تأويله بأن القسم بما فيه من الوحي الصحيح.

والبيت المعمور: عن الحسن أنه الكعبة وهذا الأنسب بعطفه على الطور، ووصفه ب ﴿ المعمور ﴾ لأنه لا يخلو من طائف به، وعمران الكعبة هو عمرانها بالطائفين قال تعالى: ﴿ إنما يعمر مساجد اللَّه من آمن باللَّه واليوم الآخر ﴾ [التوبة: 18] الآية.

ومُناسبة القسم سبق القسم بكتاب التوراة فعقب ذلك بالقسم بمواطن نزول القرآن فإن ما نزل به من القرآن أنزل بمكة وما حولها مثل جبل حِراء.

وكان نزوله شريعة ناسخة لشريعة التوراة، على أن الوحي كان ينزل حَول الكعبة.

وفي حديث الإِسراء " بينا أنا نائم عند المسجد الحرام إذ جاءني الملكان " الخ، فيكون توسيط القسم بالكعبة في أثناء ما أقسم به من شؤون شريعة موسى عليه السلام إدماجاً.

وفي «الطبري»: أن علياً سئل: ما البيت المعمور؟

فقال: «بيت في السماء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبداً، يقال: له الضُراح» (بضم الضاد المعجمة وتخفيف الراء وحاء مهملة)، وأن مجاهداً والضحاك وابن زيد قالُوا مثل ذلك.

وعن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " هل تدرون ما البيت المعمور؟

قال: فإنه مسجد في السماء تحته الكعبة " إلى آخر الخبر.

وثمة أخبار كثيرة متفاوتة في أن في السماء موضعاً يقال له: البيت المعمور، لكن الروايات في كونه المرادَ من هذه الآية ليست صريحة.

وأما السقف المرفوع: ففسروه بالسماء لقوله تعالى: ﴿ وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً ﴾ [الأنبياء: 32] وقوله: ﴿ والسماء رفعها ﴾ [الرحمن: 7] فالرفع حقيقي ومناسبة القسَم بها أنها مصدر الوحي كله التوراة والقرآن.

وتسمية السماء على طريقة التشبيه البليغ.

والبحر: يجوز أن يراد به البحر المحيط بالكرة الأرضية.

وعندي: أن المراد بحر القلزم، وهو البحر الأحمر ومناسبة القَسَم به أنه به أُهلك فرعون وقومه حين دخله موسى وبنو إسرائيل فلحق بهم فرعون.

و ﴿ المَسجور ﴾ : قيل المملوءُ، مشتقاً من السَّجر، وهم الملء والإِمداد.

فهو صفة كاشفة قصد منها التذكير بحال خلق الله إياه مملوءاً ماء دون أن تملأه أودية أو سيول، أو هي للاحتراز عن إرادة الوادي إذ الوادي ينقص فلا يبقى على ملئه وذلك دال على عظم القدرة.

والظاهر عندي: أن وصفه بالمسجور للإِيماء إلى الحالة التي كان بها هلاك فرعون بعد أن فَرق الله البحر لموسى وبني إسرائيل ثم أسجره، أي أفاضه على فرعون وملئه.

وعذاب الله المُقْسَم على وقوعه هو عذاب الآخرة لقوله: ﴿ يوم تمور السماء موراً إلى قوله: تكذبون ﴾ [الطور: 9 14].

وأما عذاب المكذبين في الدنيا فسيجيء في قوله تعالى: ﴿ وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك ﴾ [الطور: 47].

وتحقيق وقوع عذاب الله يوم القيامة إثبات للبعث بطريق الكناية القريبة، وتهديد للمشركين بطريق الكناية التعريضية.

والواوات التي في هذه الآية كلها واوات قسم لأن شأن القسم أن يعاد ويكرر، ولذلك كثيراً ما يُعيدون المقسم به نحو قول النابغة: والله والله لنعم الفتى *** وإنما يعطفون بالفاء إذا أرادُوا صفات المقسم به.

ويجوز صرف الواو الأولى للقسم واللاتي بعدها عاطفات على القسم، والمعطوف على القسم قسم.

والوقوع: أصله النزول من علوّ واستعمل مجازاً للتحقق وشاع ذلك، فالمعنى: أن عذاب ربك لمتحقق.

وحذف متعلق ﴿ لواقع ﴾ ، وتقديره: على المكذبين، أو بالمكذبين، كما دل عليه قوله بعدُ ﴿ فويل يومئذ للمكذبين ﴾ [الطور: 11]، أي المكذبين بك بقرينة إضافة رب إلى ضمير المخاطب المشعر بأنه معذبهم لأنه ربك وهم كذّبُوك فقد كذبوا رسالة الرب.

وتضمن قوله: ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ إثبات البعث بعد كون الكلام وعيداً لهم على إنكار البعث وإنكارهم أن يكونوا معذبين.

وأتبع قوله: ﴿ لواقع ﴾ بقوله: ﴿ ما له من دافع ﴾ ، وهو خبر ثان عن ﴿ عذاب ﴾ أو حال منه، أي: ما للعذاب دافع يدفعه عنهم.

والدفع: إبعاد الشيء عن شيء باليد وأطلق هنا على الوقاية مجازاً بعلاقة الإِطلاق ألا يقيهم من عذاب الله أحد بشفاعة أو معارضة.

وزيدت ﴿ من ﴾ في النفي لتحقيق عموم النفي وشموله، أي نفي جنس الدافع.

روى أحمد بن حنبل عن جبير بن مطعم قال: «قدمت المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأُكلمه في أُسارى بدر فدُفعت إليه وهو يصلِّي بأصحابه صلاة المغرب فسمعته يقرأ ﴿ والطور ﴾ إلى ﴿ إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع ﴾ فكأنما صُدع قلبي»، وفي رواية «فأسلمت خوفاً من نزول العذاب وما كنت أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الطُّورِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والطُّورِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ لِلْجَبَلِ بِالسُّرْيانِيَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ مُقاتِلٌ: يُسَمّى هَذا الطُّورُ زَبِيرَ.

الثّانِي: أنَّ الطُّورَ ما أنْبَتَ، وما لا يُنْبِتُ فَلَيْسَ بِطُورٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ الشّاعِرُ لَوْ مَرَّ بِالطُّورِ بَعْضُ ناعِقَةٍ ما أنْبَتَ الطُّورُ فَوْقَهُ ورَقَةً ثُمَّ في هَذا الطُّورِ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ طُورُ سَيْناءَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ الطُّورُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ جَبَلٌ مُبْهَمٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَأقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَذْكِيرًا بِما فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ.

وَقالَ بَعْضُ المُتَعَمِّقَةِ: إنَّ الطُّورَ ما يُطْوى عَلى قُلُوبِ الخائِفِينَ.

﴿ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ﴾ أيْ مَكْتُوبٍ، وفِيهِ أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الكِتابُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لِمَلائِكَتِهِ في السَّماءِ يَقْرَؤُونَ فِيهِ ما كانَ وما يَكُونُ.

الثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

الثّالِثُ: هي صَحائِفُ الأعْمالِ فَمَن آخِذٌ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، ومَن آخِذٌ كِتابَهُ بِشِمالِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الرّابِعُ: التَّوْراةُ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ فِي رَقٍّ مَنشُورٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الصَّحِيفَةُ المَبْسُوطَةُ وهي الَّتِي تُخْرِجُ لِلنّاسِ أعْمالَهم، وكُلُّ صَحِيفَةٍ فَهي رَقٌّ لِرِقَّةِ حَواشِيها، قالَ المُتَلَمِّسُ فَكَأنَّما هي مِن تَقادُمِ عَهْدِها ∗∗∗ رَقٌّ أُتِيحَ كِتابُها مَسْطُورُ الثّانِي: هو ورَقٌ مَكْتُوبٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الثّالِثُ: هو ما بَيْنَ الَمَشْرِقِ والمَغْرِبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ والبَيْتِ المَعْمُورِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ما رَوى قَتادَةُ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنْ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (أُتِيَ بِي إلى السَّماءِ فَرُفِعَ لَنا البَيْتُ المَعْمُورُ، فَإذا هو حِيالَ الكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ خَّرَّ عَلَيْها، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، إذا خَرَجُوا مِنهُ لَمْ يَعُودُوا إلَيْهِ» قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ما قالَهُ السُّدِّيُّ: أنَّ البَيْتَ المَعْمُورَ، هو بَيْتٌ فَوْقَ سِتِّ سَمَواتٍ، ودُونَ السّابِعَةِ، يُدْعى الضُّراحَ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ مِن قَبِيلَةِ إبْلِيسَ لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ أبَدًا، وهو بِحِذاءِ البَيْتِ العَتِيقِ.

الثّالِثُ: ما قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، أنَّ البَيْتَ المَعْمُورَ كانَ في الأرْضِ في مَوْضِعِ الكَعْبَةِ في زَمانِ آدَمَ، حَتّى إذا كانَ زَمانُ نُوحٍ أمَرَهم أنْ يَحُجُّوا، فَأبَوْا عَلَيْهِ وعَصَوْهُ، فَلَمّا طَغى الماءُ رُفِعَ فَجُعِلَ بِحِذائِهِ في السَّماءِ الدُّنْيا، فَيُعَمِّرُهُ، فَبَوَّأ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ حَيْثُ كانَ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وَإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ ﴾ الآيَةَ.

الرّابِعُ: ما قالَهُ الحَسَنُ أنَّ البَيْتَ المَعْمُورَ هو البَيْتُ الحَرامُ.

وَفِي ﴿ المَعْمُورِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَعْمُورٌ بِالقَصْدِ إلَيْهِ.

الثّانِي: بِالمُقامِ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ عَمَّرَ البَيْتَ عامِرٌ ∗∗∗ إذْ أتَتْهُ جَآذِرُ ∗∗∗ مِن ظِباءٍ رَوائِحُ ∗∗∗ وظِباءٌ تُباكِرُ وَتَأوَّلَ سَهْلٌ أنَّهُ القَلْبُ، عِمارَتُهُ إخْلاصُهُ، وهو بَعِيدٌ.

﴿ والسَّقْفِ المَرْفُوعِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السَّماءُ، قالَهُ عَلِيٌّ.

الثّانِي: أنَّهُ العَرْشُ، قالَهُ الرَّبِيعُ.

﴿ والبَحْرِ المَسْجُورِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ جَهَنَّمُ، رَواهُ صَفْوانُ بْنُ يَعْلى عَنِ النَّبِيِّ  .

الثّانِي: هو بَحْرٌ تَحْتَ العَرْشِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الثّالِثُ: هو بَحْرُ الأرْضِ، وهو الظّاهِرُ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ المَسْجُورِ ﴾ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: المَحْبُوسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ المُرْسَلُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: المُوقَدُ نارًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّهُ المُمْتَلِئُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الخامِسُ: أنَّهُ المُخْتَلِطُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

السّادِسُ: أنَّهُ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ ماؤُهُ ويَبُسَ، رَواهُ ابْنُ أبِي وحْشِيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

السّابِعُ: هو الَّذِي لا يُشْرَبُ مِن مائِهِ ولا يُسْقى بِهِ زَرْعٌ، قالَهُ العَلاءُ بْنُ زَيْدٍ.

هَذا آخِرُ القَسَمِ، وجَوابُهُ: ﴿ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ﴾ رَوى الكَلْبِيُّ: «أنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعَمٍ قَدِمَ المَدِينَةَ لِيَفْدِي حِرِّيفًا لَهُ يُقالُ لَهُ مالِكٌ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَوَجَدَ رَسُولَ اللَّهِ  في صَلاةِ [المَغْرِبِ] يَقْرَأُ ﴿ والطُّورِ ﴾ فَجَلَسَ مُسْتَمِعًا، حَتّى بَلَغَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ﴾ فَأسْلَمَ جُبَيْرٌ خَوْفًا مِنَ العَذابِ، وجَعَلَ يَقُولُ: ما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي، حَتّى يَقَعَ بِي العَذابُ.

» ﴿ يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ أحَدُها: مَعْناهُ تَدُورُ دَوْرًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ طَرْفَةُ بْنُ العَبْدِ صُهابِيَّةُ العُثْنُونِ مُوجَدَةُ القَرا ∗∗∗ بَعِيدَةُ وخْدِ الرِّجْلِ مَوّارَةُ اليَدِ.

الثّانِي: تَمُوجُ مَوْجًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: تَشَقَّقُ السَّماءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ لِقَوْلِهِ تَعالى فَإذا بُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا الآيَةَ.

الرّابِعُ: تَجْرِي السَّماءُ جَرْيًا، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ وما زالَتِ القَتْلى تَمُورُ دِماؤُها ∗∗∗ بِدِجْلَةَ حَتّى ماءُ دِجْلَةَ أُشْكِلَ الخامِسُ: تَتَكَفَّأُ بِأهْلِها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْشَدَ بَيْتَ الأعْشى: كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ السّادِسُ: تَنْقَلِبُ انْقِلابًا.

السّابِعُ: أنَّ السَّماءَ هاهُنا الفَلَكُ، ومَوْرُهُ اضْطِرابُ نَظْمِهِ واخْتِلافُ سَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُدْفَعُونَ دَفْعًا عَنِيفًا ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ يَدَعُهُ بِصَفْحَتِي حَيْزُومِهِ ∗∗∗ دَعِ الوَصِيَّ جانِبَيْ يَتِيمِهِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: يُزْعَجُونَ إزْعاجًا، قالَهُ قَتادَةُ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَدْعُهم زَبانِيَتُها بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والطور ﴾ قال: جبل.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطور من جبال الجنة» .

وأخرج ابن مردويه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطور جبل من جبال الجنة» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ والطور ﴾ قال: هو الجبل بالسريانية ﴿ وكتاب مسطور ﴾ قال: صحف ﴿ في رق منشور ﴾ قال: الصحيفة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وكتاب ﴾ قال: الذكر ﴿ مسطور ﴾ قال: مكتوب.

وأخرج عبد الرزاق والبخاري في خلق أفعال العباد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والطور وكتاب مسطور ﴾ قال: مكتوب ﴿ في رق منشور ﴾ قال: هو الكتاب.

وأخرج آدم بن أبي اياس والبخاري في خلق أفعال العباد وابن جرير والبيهقي عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وكتاب مسطور ﴾ قال: صحف مكتوبة ﴿ في رق منشور ﴾ قال: في صحف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ في رق منشور ﴾ قال: في الكتاب.

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البيت المعمور في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة» .

وأخرج ابن المنذر والعقيلي وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في السماء بيت يقال له المعمور بحيال الكعبة، وفي السماء الرابعة نهر يقال له الحيوان يدخله جبريل كل يوم فيغمس انغماسة ثم يخرج، فينتفض انتفاضة يخر عنه سبعون ألف قطرة يخلق الله من كل قطرة ملكاً يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور فيصلون فيفعلون، ثم يخرجون فلا يعودون إليه أبداً، ويولي عليهم أحدهم يؤمر أن يقف بهم في السماء موقفاً يسبحون الله فيه إلى أن تقوم الساعة» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البيت المعمور في السماء يقال له الضراح على مثل البيت الحرام بحياله، لو سقط لسقط عليه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لم يردوه قط، وإن له في السماء حرمة على قدر حرمة مكة» .

وأخرجه عبد الرزاق في المصنف عن كريب مولى ابن عباس رضي الله عنهما مرسلاً.

وأخرج اسحق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن خالد بن عرعرة أن رجلاً قال لعليّ رضي الله عنه: ما البيت المعمور؟

قال: بيت في السماء يقال له الضراح، وهو بحيال مكة من فوقها حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لا يعودون إليه أبداً.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن أبي الطفيل أن ابن الكوّا سأل عليّاً رضي الله عنه عن البيت المعمور ما هو؟

قال: ذلك الضراح بيت فوق سبع سموات تحت العرش يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والبيت المعمور ﴾ قال: هو بيت حذاء العرش يعمره الملائكة يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة ثم لا يعودون إليه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ والبيت المعمور ﴾ قال: أنزل من الجنة فكان يعمر بمكة، فلما كان الغرق رفعه الله فهو في السماء السادسة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك من قبيلة إبليس ثم لا يرجع إليه أحد يوماً واحداً أبداً.

وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن عمرو رفعه قال: إن البيت المعمور بحيال الكعبة لو سقط شيء منه لسقط عليها يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك والحرم حرم بحياله إلى العرش، وما من السماء موضع إهاب إلا وعليه ملك ساجد أو قائم.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن في السماء بيتاً يقال له الضراح، وهو فوق البيت من حياله حرمته في السماء كحرمة هذا في الأرض يلجه كل ليلة سبعون ألف ملك يصلون فيه لا يعودون إليه أبداً غير تلك الليلة.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة فأرادت عائشة أن تدخل البيت فقال لها بنو شيبة: إن أحداً لا يدخله ليلاً ولكن نخليه لك نهاراً، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فشكت إليه أنهم منعوها أن تدخل البيت، فقال: «إنه ليس لأحد أن يدخل البيت ليلاً إن هذه الكعبة بحيال البيت المعمور الذي في السماء يدخل ذلك المعمور سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى يوم القيامة لو وقع حجر منه لوقع على ظهر الكعبة» .

وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ والبيت المعمور ﴾ قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً لأصحابه: «هل تدرون ما البيت المعمور؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: فإنه مسجد في السماء بحيال الكعبة لو خرَّ خرَّ عليها يصلي كل يوم فيه سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم» .

وأخرج ابن جرير عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما عرج بي الملك إلى السماء السابعة انتهيت إلى بناء فقلت للملك ما هذا؟

قال: هذا بناء بناه الله للملائكة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يسبحون الله ويقدسونه لا يعودون إليه» .

وأخرج ابن راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه البيهقي في شعب الإِيمان عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ والسقف المرفوع ﴾ قال: السماء.

وأخرج أبو الشيخ عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ والسقف المرفوع ﴾ قال: العرش ﴿ والبحر المسجور ﴾ قال: هو الماء الأعلى الذي تحت العرش.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ والسقف ﴾ قال: السماء.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ والبحر المسجور ﴾ قال: بحر في السماء تحت العرش.

وأخرج ابن جرير عن ابن عمرو مثله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والبحر المسجور ﴾ قال: المحبوس.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والبحر المسجور ﴾ قال: المرسل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن سعيد بن المسيب قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لرجل من اليهود: أين جهنم؟

قال: هي البحر، فقال عليّ: ما أراه إلا صادقاً وقرأ ﴿ والبحر المسجور ﴾ ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ [ التكوير: 6] .

وأخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي في البعث والنشور عن علي بن أبي طالب قال: ما رأيت يهودياً أصدق من فلان زعم أن نار الله الكبرى هي البحر، فإذا كان يوم القيامة جمع الله فيه الشمس والقمر والنجوم ثم بعث عليه الدبور فسعرته.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ والبحر المسجور ﴾ قال: الموقد.

وأخرج أبو الشيخ عن كعب في قوله: ﴿ والبحر المسجور ﴾ قال: البحر يسجر فيصير جهنم.

وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ والبحر المسجور ﴾ قال: المملوء.

وأخرج الشيرازي في الألقاب من طريق الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء عن ذي الرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ والبحر المسجور ﴾ قال: الفارغ، خرجت أمة تستقي فرأت الحوض فارغاً فقالت: الحوض مسجور.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ﴾ قال الفراء: المسجور في كلام العرب المملوء (١) فَتَوَسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ وَصَدَّعَا ...

مَسْجُورَةً مُتَجَاوِرًا قُلاَّمُهَا (٢) وقال المبرد: البحر المسجور المملوء عند العرب، وأنشد هو وأبو عبيدة للنمر بن تَوْلَبْ يصف وعلاً: إذا شَاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ...

تَرَى حَوْلَهَا النَّبْعَ والسَّاسَمَا (٣) يريد: به عينًا مملوءة.

وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، ومقاتل قالوا: الممتلئ.

وقال قتادة: المملوء (٤) روى النزَّال بن سَبْرة عن علي  قال: هو بحر تحت العرش فيه ماء غليظ، يقال له: بحر الحيوان، يمطر العباد بعد النفخة الأولى منه أربعين صباحًا، فينبتون في قبورهم (٥) (٦) وقال مجاهد ﴿ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ﴾ الموقد (٧) (٨) (٩) وقد روي هذا في الحديث: أن الله تعالى يجعل البحار كلها نارًا فتجعل نار جهنم (١٠) (١١)  يقول: مسجور بالنار.

أي مملوء (١٢) وقال ابن عباس في رواية عطية: البحر المسجور هو اليابس الذي قد نضب ماؤه وذهب.

وهو قول أبي العالية، ورواية ذي الرمة الشاعر، عن ابن عباس (١٣) (١٤) قال أبو زيد: المسجور يكون المملوء، ويكون الذي ليس فيه شيء (١٥) ﴿ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ﴾ وما بعدها من الواوات للعطف على المُقْسَم به، ولا يجوزأن يكون للقسم؛ لأن جواب القسم الأول وهو قوله: ﴿ وَالطُّورِ ﴾ لم يأت بعد، وإذا لم يأت جواب الأول، لم يجز أن يستأنف قسم آخر، وقد ذكرنا هذا الفصل في ابتداء سورة (ص) [[عند تفسيره لآية (2،1) من سورة ص.

وتقدمه [ص:69].]].

(١) انظر: "معاني القرآن" 3/ 91.

(٢) البيت ورد في "ديوانه" ص 10، وفي "شرح المعلقات السبع" (معلقة لبيد) للزوزني ص 82، "جمهرة أشعار العرب" ص 68، "المُحتسب" 2/ 371، وقوله: (قُلاَّمُهَا) ضرب من شجر الحمض، ويروى (أقلامها) وهو قصب اليراع.

والسَّرِيُّ: النهر الصغير والجمع الأسرية.

والبيت في وصف العير والأتان، وقد توسطا جانب النهر الصغير وشقا عينًا مملوءة ماء، قد كثر نبتها.

(٣) في (ك): (والساسماير) والصواب ما أثبته.

والبيت في "ديوانه" ص 165، "الخزانة" 11/ 95، "مجاز القرآن" 2/ 230، "تفسير غريب القرآن" ص 424 والنبع: شجر أصفر العود رزينة ثقيلة في اليد، إذا تقادم احمر.

والساسم: قيل هو جمع سِمْسِم، وقد يكون من الخشب يشبه الأبنوس.

"اللسان" 1/ 569 (نبع) 2/ 142 (سسم).

(٤) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 281، "تفسير مقاتل" 128 أ، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 247، "جامع البيان" 27/ 11.

(٥) انظر: "الكشف البيان" 11/ 195 أ، "الوسيط" 4/ 185، "معالم التنزيل" 4/ 237، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 62.

(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ، "الوسيط" 4/ 185.

(٧) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 624.

(٨) انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 575 (سجر).

(٩) انظر: "جامع البيان" 27/ 11، "معالم التنزيل" 4/ 237، "الدر" 6/ 11 "ونسب إخراجه لأبي الشيخ عن كعب.

(١٠) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 48، وقال محققه: لم نقف على هذا الحديث سندًا فيما بين أيدينا من المصادر، وقد أورده بعض المفسرين كالمصنف بلا سند.

(١١) انظر: "اللسان" 2/ 99 (سجر).

(١٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 91.

(١٣) انظر: "جامع البيان" 27/ 12، "الكشف البيان" 11/ 195 أ، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 240.

(١٤) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 61، وقال: قاله ابن أبي داود.

(١٥) انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 577، "اللسان" 2/ 100 (سجر).

وفي "النوادر" لأبي زيد 58 قال: التسجير الامتلاء.

يقال: بحر مسجور ومسجر.

أي مملوء غاية الامتلاء.

واختار ابن جرير قول من قال: البحر المملوء المجموع ماؤه بعضه في بعض، ووجهه بأنه ليس موقدًا اليوم فهو مملوء.

"جامع البيان" 27/ 11.

وقال ابن الأنباري في "أضداده" ص 44: والمسجور من الأضداد، يقال المسجور للمملوء والمسجور للفارغ ....

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والطور ﴾ هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام، وقيل: الطور كل جبل فكأنه أقسم بجنس الجبال ﴿ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ ﴾ قيل: هو اللوح المحفوظ، وقيل: القرآن، وقيل: صحائف الأعمال ﴿ فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ ﴾ الرق في اللغة: الصحيفة، وخُصصت في العُرف بما كان من جلد، والمنشور خلاف المطوي ﴿ والبيت المعمور ﴾ هو بيت في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ولا يعودون إليه أبداً وبهذا عمرانه، وهو حيال الكعبة، وقيل: البيت المعمور: الكعبة وعمرانها بالحجاج والطائفين، والأول أظهر، وهو قول علي وابن عباس ﴿ والسقف المرفوع ﴾ يعني السماء ﴿ والبحر المسجور ﴾ هو بحر الدنيا، وقيل: بحر في السماء تحت العرش: والأول أظهر وأشهر، ومعنى المسجور: المملوء ماء، وقيل: الفارغ من الماء، ويُروى أن البحار يذهب ماؤها يوم القيامة، واللغة تقتضي الوجهين: لأن اللفظ من الأضداد، وقيل: معناه الموقد ناراً من قولك: سجرتُ التنور، واللغة أيضاً تقتضي هذا، ورُوي أن جهنم في الحبر ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ﴾ هذا جواب القسم، ويعني عذاب الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فكهين ﴾ مقصوراً: يزيد ﴿ وأتبعناهم ﴾ من باب الأفعال: أبو عمرو ﴿ وذريتهم ﴾ على التوحيد مرفوعاً ﴿ ذرياتهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.

وقرأ أبو عمرو على الجمع فيهما منصوباً.

وقرأ ﴿ ذريتهم ﴾ ابن عامر وسهل ويعقوب على الجمع أيضاً ولكن برفع الأول.

الباقون: على التوحيد فيهما الأول مرفوعاً والثاني منصوباً ﴿ ألتناهم ﴾ بكسر اللام ثلاثياً.

ابن كثير ﴿ لؤلؤ ﴾ بتليين الهمزة الأولى: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد وحمزة في الوقف كما مر في الحج ﴿ أنه هو البر ﴾ بفتح الهمزة: أبو جعفر ونافع وعلي ﴿ أنا كنا ندعوه ﴾ ﴿ لأنه ﴾ ﴿ المسيطرون ﴾ بالسين: ابن كثير في رواية.

وابن عامر والآخرون: بالصاد.

وقرأ حمزة في رواية بإشمام الراء ﴿ يصعقون ﴾ مبنياً للمفعول: ابن عامر وعاصم ﴿ وإدبار النجوم ﴾ بالفتح: زيد عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ والطور ﴾ ه لا ﴿ مسطور ﴾ ه لا ﴿ منشور ﴾ ه لا ﴿ المعمور ﴾ ه لا ﴿ المرفوع ﴾ ه لا ﴿ المسجور ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه لا ﴿ من دافع ﴾ ه لا ﴿ موراً ﴾ ه لا ﴿ سيراً ﴾ ط ﴿ للمكذبين ﴾ ه لا ﴿ يلعبون ﴾ ه م ﴿ دعا ﴾ ط لأن التقدير يقال لهم هذه النار ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ لا تبصرون ﴾ ه ﴿ تصبروا ﴾ ه لاختلاف الجملتين مع اتفاق المعنى ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ ونعيم ﴾ ه لا ﴿ آتاهم ربهم ﴾ ج لاحتمال العطف واتضاح وجه الحال أي وقد وقاهم ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه لا ﴿ مصفوفة ﴾ ج ﴿ عين ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ه ﴿ رهين ﴾ ه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ ولا تأثيم ﴾ ه ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ مشفقين ﴾ ه ﴿ السموم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ إنه ﴾ بالكسر ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه لأن "أم" ابتداء استفهام وتوبيخ ﴿ المنون ﴾ ه ﴿ المتربصين ﴾ ه ط لما قلنا ﴿ طاغون ﴾ ه ج لاحتمال ابتداء الاستفهام والجواب بقوله بل ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ صادقين ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ط ﴿ والأرض ﴾ ج لأن "بل" للإضراب مع العطف ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ المسيطرون ﴾ ه ط ﴿ فيه ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع فاء التعقيب ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ البنون ﴾ ه ط ﴿ مثقلون ﴾ ه ﴿ يكتبون ﴾ ط ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ المكيدون ﴾ ه ط والضابط فيما تقدم أن كلما وصل "أم" فهو للجواب وما قطع فهو بمعنى ألف الاستفهام ﴿ غير الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مركوم ﴾ ه ﴿ يصعقون ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ بدل ما تقدمه ﴿ ينصرون ﴾ ه ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ النجوم ﴾ ه.

التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بوقوع اليوم الموعود أقسم على ذلك بالطور وهو الجبل الذي مر ذكره مراراً في قصة موسى.

والكتاب المسطور التوراة ظاهراً لأنه هو المناسب للطور.

وقيل: اللوح المحفوظ.

وقيل: صحيفة الأعمال.

والرق الصحيفة أو الجلد الذي يكتب عليه.

والمنشور خلاف المطوي كقوله ﴿ ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً  ﴾ وقيل: هو القرآن ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب ﴿ والبيت المعمور ﴾ الكعبة أو الضراح في السماء السابعة سمي معموراً لكثرة زواره من الحجاج أو الملائكة ﴿ والسقف المرفوع ﴾ السماء ﴿ والبحر المسجور ﴾ المملوء أو الموقد من قوله ﴿ وإذا البحار سجرت  ﴾ وقد سبق في "المؤمن" في قوله ﴿ ثم في النار يسجرون  ﴾ عن جبير بن مطعم أتيت رسول الله  أكلمه في الأساري فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة ﴿ والطور ﴾ فلما بلغ ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ أسلمت خوفاً من أن ينزل العذاب ﴿ يوم تمور ﴾ تضطرب وتجيء وتذهب وقد يقال: المور تحرك في تموج كحركة الزئبق ونحوه.

قلت: لأهل التأويل أن يقولوا: الطور القوة العقلية، وكتاب مسطور هي الجلايا القدسية والمعارف الإلهية الثابتة فيها كالحرف في الرق، والبيت المعمور بيت القلب، والسقف المرفوع الرأس، والبحر المسجور الدماغ المملوء من الخيالات والأوهام.

﴿ إن عذاب ربك ﴾ بالحرمان عن الإكرام لازدحام ظلم الآثام لواقع يوم القيامة الصغرى إذ تمور سماء الأرواح حين قطع العلائق وحيلولة العوائق موراً، وتسير جبال النفوس الحيوانية الأمارة التي أثقلت ظهر صاحبها لانتهاء سيرانها وانقضاء سلطانها سيراً.

والدع الدفع العنيف.

قال المفسرون: إن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ويدفعونهم إلى النار دفعاً على وجوههم وزجاً في أقفيتهم.

والاستفهام في قوله ﴿ أفسحر ﴾ للتقريع والتهكم، والفاء مؤكد له أي كنتم تقولون للوحي إنه سحر فهذا أيضاً سحر ﴿ أم أنتم لا تبصرون ﴾ هذا المخبر عنه في الآخرة كما كنتم لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.

وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله {سواء علينا لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.

وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا  ﴾ ثم علل الاستواء بقوله ﴿ إنما تجزون ﴾ يعني أن الجزاء لا بد من حصوله فلا مزية للصبر على عدمه.

قوله ﴿ ووقاهم ﴾ معطوف على متعلق قوله ﴿ في جنات ﴾ أي استقروا في جنات ونعيم ووقاهم العذاب.

وجوز أن يعطف على ﴿ آتاهم ﴾ على أن "ما" مصدرية أي فاكهين بالإيتاء والوقاية ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول أي يقال لهم كلوا ﴿ واشربوا ﴾ أكلاً وشرباً ﴿ هنيئاً ﴾ أو طعاماً وشراباً هنيئاً لا تنغيص فيه.

وقد مر في أول "النساء".

وجوز جار الله أن يكون صفة في معنى المصدر القائم مقام الفعل أي هنأكم الأكل والشرب بسبب ما عملتم، أو الباء مزيدة أي هنأكم جزاء ما عملتم.

قوله ﴿ والذين آمنوا ﴾ ظاهره أنه مبتدأ خبره ﴿ ألحقنا ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ﴿ حور عين ﴾ أي قرناهم بحور عين والذين آمنوا من رفقائهم وجلسائهم وأتبعناهم ذرياتهم كي يجتمع لهم أنواع السرور بملاعبة الحور وبمؤانسة الإخوان المؤمنين وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم.

وقوله ﴿ بإيمان ﴾ أي بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء.

﴿ ألحقنا ﴾ بدرجاتهم ﴿ ذريتهم ﴾ ويجوز أن يراد إيمان الذرية الداني المحل كما جاء في الحديث " إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه ثم تلا هذه الآية" ﴿ وما ألتناهم ﴾ أي وما نقصنا من ثوابهم شيئاً بعطية الأبناء ولا بسبب غيرها ولكن وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا تفضلاً وإحساناً.

ثم بين أن الجزاء بمقدار العمل فقال ﴿ كل امرىء بما كسب رهين ﴾ أي مرهون.

قال جار الله: كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين عليه.

فإن عمل صالحاً فكها وخلصها وإلا أوبقها.

وقيل: هذا يعود إلى الكفار.

والرهين المرهون المأخوذ المحبس على أمر يؤدي عنه.

وقيل: بمعنى راهن وهو المقيم أي كل إنسان مقيم في جزاء ما يقدم.

﴿ وأمددناهم ﴾ وزدناهم وقتاً بعد وقت ﴿ يتنازعون ﴾ يتعاطون هم وقرناؤهم ﴿ لا لغو فيها ﴾ أي لا حديث باطل في أثناء شربها.

ونفى اللغو لانتفاء الغول الذي هو من تعاكسيه ﴿ ولا تأثيم ﴾ أي لا يفعلون ما ينسب صاحبه إلى الإثم لو فعله في دار التكليف، وإنما يتكلمون بالكلام الحسن المفيد وذلك أنهم حكماء علماء.

والغلمان الخدام المختصمون بهم، واللؤلؤ المكنون المستور في الصدف أو في الدرج وذلك أنه أصفى وأرطب وأثمن.

وقيل لقتادة: هذا هو الخادم فكيف المخدوم؟

فقال: قال رسول الله  "والذي نفس بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" وعنه  " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيب ألف ببابه لبيك لبيك" ﴿ يتساءلون ﴾ يتحادثون ﴿ مشفقين ﴾ أرقاء القلوب من خشية الله وعذاب السموم عذاب النار لأنها تدخل المسام ومنه الريح السموم ﴿ من قبل ﴾ أي في الدنيا ﴿ فذكر ﴾ فأثبت على ما أنت عليه من التذكير والدعوة العامة ﴿ فما أنت بنعمة ربك ﴾ أي بسبب حمد الله وإنعامه عليك ﴿ بكاهن ﴾ كما يزعمون ﴿ ولا مجنون ﴾ فلعله كان لهم في رسول الله  أقوال، فبعضهم ينسبونه إلى الكهانة نظراً إلى إخباره عن المغيبات، وبعضهم يرمونه بالجنون حيث لا يسمعون منه ما يوافق هواهم ويطابق مغزاهم، وبعضهم يرون أن تأثير كلامه فيهم من باب التخييل لا الإعجاز كما قال ﴿ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ﴾ وهو ما يقلق النفوس ويزعجها من حوادث الدهر، وقيل: المنون الموت "فعول" من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع ولذلك سمي شعوب.

وقد قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك الشعراء قبله.

والأحلام العقول وكانت قريش يدعون أنهم أهل النهي والأحلام.

وكون الأحلام أمرتهم مجاز لأدائها إلى تلك الأقوال الفاسدة، وفيه تقريع وتوبيخ إذ لو كان لهم عقل لميزوا بين الحق والباطل والمعجز وغيره ﴿ تقوَّله ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه ﴿ بل لا يؤمنون ﴾ جحوداً وعناداً وقد صح عندهم إعجاز القرآن وإلا ﴿ فليأتوا بحديث مثله ﴾ .

ثم وبخهم على إنكار الصانع بقوله ﴿ أم خلقوا من غير شيء ﴾ من غير خالق ﴿ أم هم الخالقون ﴾ أنفسهم.

وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء وحساب.

والأول أقوى لقوله ﴿ أم خلقوا السموات والأرض ﴾ ثم احتج عليهم بالأنفس ثم بالآفاق ثم قال ﴿ بل لا يوقنون ﴾ وذلك أنه حكى عنهم ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله  ﴾ فتبين أنهم في هذا الاعتراف شاكون إذ لو عرفوه حق معرفته لم يثبتوا له نداً ولم يحسدوا من اختاره للرسالة كما وبخهم عليه بقوله ﴿ أم عندهم خزائن ربك ﴾ حتى يختاروا للنبوة من أرادوه ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ المسلطون الغالبون حتى يدبروا أمر العالم على حسب مشيئتهم ﴿ أم لهم سلم يستمعون ﴾ الوحي صاعدين ﴿ فيه ﴾ إلى السماء عالمين بالمحق والمبطل ومن له العاقبة.

والمغرم أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه ﴿ أم عندهم الغيب ﴾ المحفوظ في اللوح ﴿ فهم يكتبون ﴾ ما فيه من أحوال المبدأ والنبوة والمعاد فيحكمون بحسبها ﴿ أم يريدون كيداً ﴾ وهو كيدهم لرسول الله  في دار الندوة وفي غيرها ﴿ فالذين كفروا ﴾ اللام لهؤلاء أو للجنس فيشملهم ﴿ هم المكيدون ﴾ المغلوبون الذين يعود وبال الكيد عليهم فقتلوا ببدر وأظهر الله دين الإسلام.

ثم صرح بالمقصود الكلي فوبخهم على إشراكهم ونزه نفسه عن ذلك بقوله ﴿ سبحان الله ﴾ ثم أجاب عن بعض مقترحهم وهو قولهم ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ﴾ والمراد أنهم لفرط عنادهم لا يفيد معهم شيء من الدلائل فلو أسقطنا عليهم قطعة من السماء لقالوا هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض.

ومعنى يصعقون يموتون وذلك عند النفخة الأولى.

قوله ﴿ عذاباً دون ذلك ﴾ أي قبل يوم القيامة وهو القتل ببدر القحط سبع سنين وعذاب القبر ﴿ فأصبر لحكم ربك ﴾ بإمهالهم وتبليغ الرسالة ﴿ فإنك ﴾ محفوظ ﴿ بأعيننا ﴾ وهو مجاز عن الكلاءة التامة والجمع للتعظيم والمبالغة و ﴿ حين تقوم ﴾ أي من أي مكان قمت أو من منامك.

وإدبار النجوم بالكسر غروبها آخر الليل وهو بالحقيقة تلاشي نورها في ضوء الصبح، وبالفتح أعقابها.

والمعنى مثل ما قلنا.

وقيل: التسبيح التهجد.

ومن الليل صلاة العشاءين، وإدبار النجوم صلاة الفجر.

أمره بالإقبال على طاعته بعد الفراغ عن دعوة الأمة فليس له شأن إلا هذين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ...

﴾ الآية.

ثم اختلف بالقسم بالطور وما ذكر، قال قائلون: القسم إنما هو بمنشئ هذه الأشياء الذي ذكر، لا بهذه الأشياء أنفسها، إذ الله  نهى الخلق أن يقسموا بغايره، فكيف يقسم بنفسه.

وقال قائلون: يجوز أن يقسم - جل وعلا - بما شاء وممن شاء، بالذي عظم قدره عندهم.

وقد ذكرنا: أن الأقسام إنما تكون بالأشياء التي عظمت أقدارها ومحلها عند الخلق، يقسم بها لدفع الشبه التي تمنع وقوع العلم لهم بذلك والمعرفة بالذي اشتبه عليهم والتبس؛ ليعرفوا أن ذلك كائن لا محالة، وأنه بالذي اشتبه عليهم والتبس، وأنه حق، بما لو تفكروا في تلك الأشياء وأمعنوا النظر فيها على غير قسم، لوقع لهم العلم بذلك وتحقق، والله أعلم.

ثم الله  أقسم بأشياء سواه، وليس للخلق ذلك؛ لأ، قسم الخلق يخرج مخرج الزع إليه والتضرع، ولا يجوز الفزع إلا من سواه والاستعانة به، فأما القسم من الله  حقيقة فهو على التذكير والتنبيه للخلق، وتأكيد ما وعد لهم من الجزاء؛ فيجوز له القسم بكل ما يكون لهم التذكير والتنبيه والتأكيد، وإن كان بغيره وسواه مما لذلك خطر ومحل عند الناس وعند الله  ، والله أعلم.

ولأن القسم المذكور في القرآن لإثبات صدق أخبار الرسل إليهم، وأنهم رسله، وأنهم إذا فعلوا كذا ينزل عليهم من العذاب كذا؛ لأن أولئك الكفرة لم يكذبوا الله  في خبر حتى يكون قسمه لإثبات صدق خبره، وإنما يتحقق صدق خبرهم بما أقاموا من المعجزات والبراهين، لكن يتأكد بالقسم فيحصل ذلك بذكر ما له خطر ومحل عندهم، فأما قسم الخلق لإثبات أصل الصدق؛ فيجب أن يقسموا بذكر مما هو النهاية في العظمة والقدر في القلوب، وهو أ سماء الله  وصفاته، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون القسم بهذه الأشياء من الرسل - عليهم السلام - فإن كان كذلك فهو على الإضمار؛ كأنهم قالوا: بمنشئ الطور، وكتاب مسطور وما ذكر إ لى أخره؛ إذ القسم من البشر يكون بالله -  وتعالى - وصفاته، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلطُّورِ ﴾ جائز أن يكون القسم واقعا بالجبال كلها؛ لما أن الله  أنشأ الأرض خلقاً تميد بأهلها، وأرسى فيها هذه الجبال ووتدها حتى استقرت وسكنت، حتى وصل الخلائق إلى الانتفاع بهذه الأرض والقرار عليها، وصارت مهادا لهم، وفراشا له؛ على ماذكر؛ يتقلبون فيها، ويتصرفون كيف شاءوا وإن أرادوا ذا، أرادوا حيث أحبوا، ثم إذا عرفوا ذلك، لزمهم أن يعرفوا أن عليهم شكر ما أنعم عليهم، فإذا تركوا ذلك لزمهم عقوبة الكفران وجزاؤه، وأوعد لهم ذلك؛ فيؤكد ماذكر من القسم وقوع ما ذكر من العذاب بهم؛ حيث قال: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَّا لَهُ مِن دَافِع ﴾ .

ويحتمل أن يكون المراد بالطور: هو جبل خاص، وهو الجبل الذي كلم الله -  وتعالى - موسى عليه، وأنزل عليه التوراة، وهو طور سيناء، وذلك جبل مما عظم قدره عند بني إسرائيل حتى عرفوا قدره وفضله، فأقسم بذلك الجبل ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ﴾ .

ويحتمل أن يكون المراد بالطور: هو جبال خاصة، وهي الجبال التي أوحى عليها إلى رسله - عليهم الصلاة والسلام - على ما روي في الخبر: "أوحى الله  إلى موسى -  - في جبل ساعور، وإلى محمد  في جبل فاران"، قأقسم بها أن ما وعد من العذاب واقع بهم، والله أعلم.

وفي الآية دلالة إثبات الرسالة؛ فإنه أخبر - عليه الصلاة والسلام - عن أمكنة الوحي، وفضل تلك الجبال ومعرفة ذلك إنماه و من الكتب المتقدمة، وهم قد أحاطوا العلم بأنه لم يكن اختلف إلى أحد ممن له معرفة بتلك الكتب حتى يعلم منه؛ فدل أنه بالله - عز وجل - عرف أمكنة الوحي، وفضل تلك الجبال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ...

﴾ الآية.

يحتمل القسم بجميع الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - إذ بها يوصل إلى معرفة آيات الرسل - عليهم السلام - وإلى معرفة ما يؤتى ويتقى، وإلى أخبار السماء، ومعرفة الأحكام والحدود، وغير ذلك من أحكام من وجوه الحكمة، أقسم بها أن العذاب واقع بهم، والله أعلم.

ويحتمل أن القسم يرجع إلى عدد من الكتب: كالتوراة، والإنجيل، والزبور - المعروفة التي عرف أهل الإيمان بها حقها ونزولها من السماء.

ويحتمل أنه راجع إلى خاص من الكتب، وهو القرآن بما عظم قدره عندهم، لما يعجز البشر عن إتيان مثله؛ على ما ذكرنا في الطور، والله أعلم.

ويحتمل ما ذكره أهل التأويل: أنها الكتب التي يكتب فيها أعمال بني آدم، ولم يذكروا جهة السم بها، ولست أعرف وجهه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ ﴾ أي: غير مطوي.

وقال أبو عبيدة: الرق: الورق.

وقال أبو عوسجة: الرق: الكتاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ ﴾ .

يحتمل البيوت كلها جملة، وهي البيوت التي جعل الله  للخلق، يسكنون فيها، ويتقون بها من الحر والبرد، ويأمنون فيها، وهو ما قال الله  : ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً...

﴾ الآية [النحل: 80].

ما عرف كل منافعها، وعظم نعمة الله  عليهم في ذلك؛ ليستأدي بذلك شكرا، فأقسم بما ذكر أن [من] لم يقم بوفاء الشكر، استوجب العذاب والعقوبة، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون القسم بالبيت المعمور هو الكعبة، وهو معمور، قد عظم الله شأنه وأمره في قلوب الناس كافة، في قلوب الكفار والمؤمنين جميعاً، حتى كانت قريش وسائر العرب يحجونه ويزورونه، ويعظمونه، فأقسم به؛ على ما ذكر، والله أعلم.

وقال أبو عبيدة: البيت المعمور: الكثير الأهل.

وأهل التأويل يقولون: البيت المعمور هو في السماء، يزوره أهل السماء، ويطوفونه، لكن القسم به يبعد؛ لما لم يسبق لهم المعرفة والمشاهدة به، فكيف أقسم بشيء لم يعرفوه، ولا وقع لهم العلم بالمشاهدة؛ إلا أن يقال: إن القسم به لأهل الكتاب، وذلك في كتبهم يعرفونه، فأما من لم يسبق له الخبر والمعرفة بذلك مشاهدة فيعبد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ ﴾ هو السماء التي رفعها بلا عمد يرونها من أسفل، ولا تعليق من الأعلى، على بعدما من الأررض وسعتها وعرضها وشدتها وغلظها؛ ليعلم أن من فعل هذا، لا يفعله لغير شيء؛ بل ليمتحن، ويأمر، وينهى، وليستأذى شكره، فمن خالف أمره ونهيه، وكفر نعمه، وانتهك محارمه، استوجب ما ذكر، والله أعلم.

وليعلم أن من قدر على ما ذكرنا قادر على كل شيء، لا يعجزه شيء، يذكر سلطانه وقدرته وعظمته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ ﴾ .

قال أهل الادب: هو البحر الملآن الحار؛ لأنه - جل وعلا - منذ أنشأه، أنشأه حارّاً ممتلئاً، عميقاً، لم يتغير في وقت من الأوقات، ولا في حال من الأحوال، بل كان على حالة واحدة حارّاً، مالحاً ممتلئاً عميقا عريضا، ليس كسائر الأنهار التي ربما تتغير عن جهتها من قلة الماء وسكونه وغورها في الأرض وامتلائها من الطين، وحاجتها إلى الجفر، وغير ذلك من التغير الذي يكون بها، فأما البحر على حالة واحدة في الأحوال كلها، فأقسم به: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً * وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً ﴾ .

بين القوت الذي ينزل بهم العذاب الموعود حين قال: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ﴾ ، ودل أن وقت تعذيب هذه الأمة يوم القيامة، وهو ما قال - عزو جل -: ﴿ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ  ﴾ .

وفيه وصف ذلك اليوم بالأهوال والشدة؛ لأنه  ذكر أن السماء تمور موراً، أي: تستدير استدارة، وتتحرك تحركاً، وذكر سير الجبال وما ذكر، وهذه الأشياء من أشد الخلائق وأصلبها، فهول ذلك اليوم وشدته عمل فيها ذكر من التحرك والسير والتغير و غير ذلك.

وفيه أن هذا العالم كله أنشأه بحيث يفنيه وينشئ عالماً آخر؛؛ لأنه ذكر فيه التغير من حال إلى حال، لأنه ذكر مرة سيرها وتحركها حيث قال: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ  ﴾ ، وذكر السماء وتحركها ومورها، وذكر للأرض انشقاقها، حيث قال: ﴿ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ  ﴾ ، وقال ي آية أخرى: ﴿ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ  ﴾ ، وقال: ﴿ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً  ﴾ ، وقال هاهنا: ﴿ وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً ﴾ ، وكذلك قال في السماء والأرض اختلاف الأحوال، فقال: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ  ﴾ ؛ فدل إثبات التغير في هذه الآشياء على هلاكها، كما دل أنواع الأمراض التغير من حال إ لى حال في أهلها على هلاكها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ...

﴾ الآية، أي: المكذبين لرسلهم، عليهم السلام.

ويحتمل: لتوحيده، أو لحججه، أو للبعث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ﴾ .

نعتهم ووصف أمرهم، حيث قال: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ ، والخوض: هو البحث عن الشيء، إلا أن الخوض المطلق ذكروه واستعملوه في الباطل خاصة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ .

أي: يدفعون في النار على وجوههم.

وقال أبو عبيدة: يدفعون دفعاً في القفا خاصة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ .

هو على الإضمار؛ كأنه يقال له: هذه النار التي كنتم بها تكذبون في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ﴾ .

يقال لهم في الآخرة لما ألقوا في النار: أفسحر هذا؟!

مقابل ما قالوا هم للحجج والبراهين في الدنيا إنها سحر.

﴿ أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقال لهم لما أدخلوا النار: لعل ما أنتم فيه ليس بعذاب، وأنها ليست بنار، وأنتم لا تبصرون لذلك؛ كما أخبر عنهم في الدنيا: أنهم يقولون لحججه؛ حيث قال: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا...

﴾ الآية [الحجر: 14-15]، فقال مقابل ذلك ﴿ فَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ﴾ أي: لعلكم لا تبصرون.

والثاني: يقول: ﴿ فَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ﴾ في الدنيا: أن هذا ينزل بكم في الأخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ ﴾ هذا كما قال إبليس: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ  ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أصبرتم أو جزعتم؛ فلا ينفعكم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: ذلك استوجبتم بأعمالكم، لا أن أوجبت عليكم شيئاً لم تستوجبوه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأقسم بالبحر المملوء ماء.

<div class="verse-tafsir" id="91.2olLA"

مزيد من التفاسير لسورة الطور

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر