الآية ١٩ من سورة الجن

الإسلام > القرآن > سور > سورة 72 الجن > الآية ١٩ من سورة الجن

وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا۟ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًۭا ١٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 101 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩ من سورة الجن: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩ من سورة الجن عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ) قال العوفي عن ابن عباس يقول : لما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن كادوا يركبونه من الحرص لما سمعوه يتلو القرآن ، ودنوا منه فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول فجعل يقرئه : ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ) يستمعون القرآن .

هذا قول ، وهو مروي عن الزبير بن العوام رضي الله عنه .

وقال ابن جرير : حدثني محمد بن معمر ، حدثنا أبو مسلم ، عن أبي عوانة ، عن أبي بشر عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال الجن لقومهم : ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ) قال : لما رأوه يصلي وأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده ، قالوا : عجبوا من طواعية أصحابه له ، قال : فقالوا لقومهم : ( لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ) وهذا قول ثان ، وهو مروي عن سعيد بن جبير أيضا .

وقال الحسن : لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا إله إلا الله " ويدعو الناس إلى ربهم ، كادت العرب تلبد عليه جميعا .

وقال قتادة في قوله : ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ) قال : تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه ، فأبى الله إلا أن ينصره ويمضيه ويظهره على من ناوأه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) يقول: وأنه لما قام محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الله يقول: " لا إله إلا الله "( كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) يقول: كادوا يكونون على محمد جماعات بعضها فوق بعض، واحدها لبدة، وفيها لغتان: كسر اللام لِبدة، ومن كسرها جمعها لِبَد؛ وضم اللام لُبدة، ومن ضمها جمعها لُبَد بضم اللام، أو لابِد؛ ومن جمع لابد قال: لُبَّدًا، مثل راكع وركعا، وقراء الأمصار على كسر اللام من لِبَد، غير ابن مُحَيْصِن فإنه كان يضمها، وهما بمعنى واحد، غير أن القراءة التي عليها قرّاء الأمصار أحبّ إليّ، والعرب تدعو الجراد الكثير الذي قد ركب بعضه بعضًا لُبْدَةً؛ ومنه قول عبد مناف بن ربعيّ الهذلي: صَــابُوا بسِــتَّةِ أبْيــاتٍ وأرْبَعَـةٍ حـتى كـأنَّ عليهِـمْ جابِيًـا لُبَـدَا (2) والجابي: الجراد الذي يجبي كل شيء يأكله.

واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله: ( كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) فقال بعضهم: عني بذلك الجنّ أنهم كادوا يركبون رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعوا القرآن.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) يقول: لما سمعوا النبيّ صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن، ودنوا منه فلم يعلم حتى أتاه الرسول، فجعل يقرئه: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ .

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) كادوا يركبونه حرصا على ما سمعوا منه من القرآن.

قال أبو جعفر: ومن قال هذا القول جعل قوله: ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ ) مما أوحي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فيكون معناه: قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجنّ، وأنه لما قام عبد الله يدعوه.

وقال آخرون: بل هذا من قول النفر من الجن لمّا رجعوا إلى قومهم أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له، وائتمامهم به في الركوع والسجود.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن معمر، قال: ثنا أبو مسلم، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قول الجنّ لقومهم: ( لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده، قال: عجبوا من طواعية أصحابه له؛ قال: فقال لقومهم لما قام عبد الله يدعوه ( كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ).

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن زياد، عن سعيد بن جبير، في قوله: ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) قال: كان أصحاب نبيّ الله صلى الله عليه وسلم يأتمون به، فيركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده ، ومن قال هذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس وسعيد فتح الألف من قوله: " وأنه " عطف بها على قوله: وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مفتوحة، وجاز له كسرها على الابتداء.

وقال آخرون: بل ذلك من خبر الله الذي أوحاه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم لعلمه أن الإنس والجنّ تظاهروا عليه، ليُبطلوا الحقّ الذي جاءهم به، فأبى الله إلا إتمامه.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) قال: تلبدت الإنس والجنّ على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى الله إلا أن ينصره ويمضيه، ويظهره على من ناوأه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( لِبَدًا ) قال: لما قام النبيّ صلى الله عليه وسلم تلبَّدت الجنّ والإنس، فحرصوا على أن يطفئوا هذا النور الذي أنـزله الله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: ( كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) قال: تظاهروا عليه بعضهم على بعض، تظاهروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن قال هذا القول فتح الألف من قوله " وأنه ".

وأولى الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: ذلك خبر من الله عن أن رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم لما قام يدعوه كادت العرب تكون عليه جميعا في إطفاء نور الله.

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالصواب لأن قوله: ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ) عقيب قوله: ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ) وذلك من خبر الله فكذلك قوله: ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ) وأخرى أنه تعالى ذكره أتبع ذلك قوله: ( فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) فمعلوم أن الذي يتبع ذلك الخبر عما لقي المأمور بأن لا يدعو مع الله أحدا في ذلك، لا الخبر عن كثرة إجابة المدعوين وسرعتهم إلى الإجابة.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ) قال: لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا إله إلا الله " ويدعو الناس إلى ربهم كادت العرب تكون عليه جميعا.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن رجل، عن سعيد بن جُبير في قوله: ( كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) قال: تراكبوا عليه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سعيد بن جبير ( كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) قال: بعضهم على بعض.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) يقول: أعوانا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) قال: جميعًا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد ( كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) قال: جميعا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد ( كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) واللبد: الشيء الذي بعضه فوق بعض.

------------------------ الهوامش: (2) البيت في (ديوان الهذليين 2 : 40) في شعر عبد مناف بن ربع الهذلي، يذكر يوم أنف عاذ.

وفي (اللسان: صاب) وقول الهذلي: "صابوا.

." البيت.

صابوا بهم: أوقعوا بهم.

والجابي (بالياء) الجراد واللبد (بضم اللام) الكثير.

وقال في (جبأ) "والجابئ الجراد، يهمز ولا يهمز.

وجبأ الجراد: هجم على البلد.

قال الهذلي: صابوا..

جابئا لبدا" بهمز جابئ.

قال : وكل طالع فجأة جابئ.

وقال في (لبد) ومال لبد (بالضم): كثير لا يخاف فناؤه، كأنه التبد بعضه على بعض .

وفي التنزيل: ( يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً) أي : جما.

قال الفراء: اللبد: الكثير.

وقال بعضهم: واحدته: لبدة، ولبد: جماع.

قال: وجعله بعضهم على جهة قثم وحطم، واحدا، وهو في الوجهين جميعا: الكثير .

ا هـ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وأنه لما قام عبد الله يدعوه يجوز الفتح ; أي أوحى الله إليه أنه .

ويجوز الكسر على الاستئناف .

و ( عبد الله ) هنا محمد - صلى الله عليه وسلم - حين كان يصلي ببطن نخلة ويقرأ القرآن ، حسب ما تقدم أول السورة .

يدعوه أي يعبده .

وقال ابن جريج : يدعوه أي قام إليهم داعيا إلى الله تعالى .

كادوا يكونون عليه لبدا قال الزبير بن العوام : هم الجن حين استمعوا القرآن من النبي - صلى الله عليه وسلم - .

أي كاد يركب بعضهم بعضا ازدحاما ويسقطون ، حرصا على سماع القرآن .وقيل : كادوا يركبونه حرصا ; قاله الضحاك .

ابن عباس : رغبة في سماع الذكر .

وروى برد عن مكحول : أن الجن بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الليلة وكانوا سبعين ألفا ، وفرغوا من بيعته عند انشقاق الفجر .

وعن ابن عباس أيضا : إن هذا من قول الجن لما رجعوا إلى قومهم أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وائتمامهم به في الركوع والسجود .وقيل : المعنى كاد المشركون يركبون بعضهم بعضا ، حردا على النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وقال الحسن وقتادة وابن زيد : يعني لما قام عبد الله محمد بالدعوة تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه ، وأبى الله إلا أن ينصره ويتم نوره .

واختار الطبري أن يكون المعنى : كادت العرب يجتمعون على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويتظاهرون على إطفاء النور الذي جاء به .وقال مجاهد : قوله ( لبدا ) جماعات وهو من تلبد الشيء على الشيء أي تجمع ; ومنه اللبد الذي يفرش لتراكم صوفه ، وكل شيء ألصقته إلصاقا شديدا فقد لبدته ، وجمع اللبدة لبد مثل قربة وقرب .

ويقال للشعر الذي على ظهر الأسد لبدة وجمعها لبد ; قال زهير :لدى أسد شاكي السلاح مقذف له لبد أظفاره لم تقلمويقال للجراد الكثير لبد وفيه أربع لغات وقراءات : فتح الباء وكسر اللام ، وهي قراءة العامة .

وضم اللام وفتح الباء ، وهي قراءة مجاهد وابن محيصن وهشام عن أهل الشام ، واحدتها لبدة .

وبضم اللام والباء ، وهي قراءة أبي حيوة ومحمد بن السميقع وأبي الأشهب [ ص: 24 ] العقيلي والجحدري واحدها لبد مثل سقف وسقف ورهن ورهن .

وبضم اللام وشد الباء وفتحها ، وهي قراءة الحسن وأبي العالية والأعرج والجحدري أيضا واحدها لابد ; مثل راكع وركع ، وساجد وسجد .

وقيل : اللبد بضم اللام وفتح الباء الشيء الدائم ; ومنه قيل لنسر لقمان لبد لدوامه وبقائه ; قال النابغة :أخنى عليها الذي أخنى على لبدالقشيري : وقرئ ( لبدا ) بضم اللام والباء ، وهو جمع لبيد ، وهو الجولق الصغير .

وفي الصحاح : وقوله تعالى : أهلكت مالا لبدا أي جما .

ويقال أيضا : الناس لبد أي مجتمعون ، واللبد أيضا الذي لا يسافر ولا يبرح منزله .

قال الشاعر :من امرئ ذي سماح لا تزال له بزلاء يعيا بها الجثامة اللبدويروى : اللبد .

قال أبو عبيد : وهو أشبه .والبزلاء : الرأي الجيد .

وفلان نهاض ببزلاء : إذا كان ممن يقوم بالأمور العظام ; قال الشاعر :إني إذا شغلت قوما فروجهم رحب المسالك نهاض ببزلاءولبد : آخر نسور لقمان ، وهو ينصرف ; لأنه ليس بمعدول .

وتزعم العرب أن لقمان هو الذي بعثته عاد في وفدها إلى الحرم يستسقي لها ، فلما أهلكوا خير لقمان بين بقاء سبع بعرات سمر ، من أظب عفر ، في جبل وعر ، لا يمسها القطر ; أو بقاء سبعة أنسر كلما هلك نسر خلف بعده نسر ، فاختار النسور ، وكان آخر نسوره يسمى لبدا ، وقد ذكرته الشعراء ; قال النابغة :أضحت خلاء وأمسى أهلها احتملوا أخنى عليها الذي أخنى على لبدواللبيد : الجوالق الصغير ; يقال : ألبدت القربة جعلتها في لبيد .

ولبيد : اسم شاعر من بني عامر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ } أي: يسأله ويتعبد له ويقرأ القرآن كَاد الجن من تكاثرهم عليه أن يكونوا عليه لبدا، أي: متلبدين متراكمين حرصا على سماع ما جاء به من الهدى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وأنه لما قام عبد الله ) قرأ نافع وأبو بكر بكسر الهمزة ، وقرأ الباقون بفتحها " لما قام عبد الله " يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - ( يدعوه ) يعني يعبده ويقرأ القرآن ، ذلك حين كان يصلي ببطن نخلة ويقرأ القرآن ( كادوا ) يعني الجن ( يكونون عليه لبدا ) أي يركب بعضهم بعضا ويزدحمون حرصا على استماع القرآن .

هذا قول الضحاك ورواية عطية عن ابن عباس .

وقال سعيد بن جبير عنه : هذا من قول النفر الذين رجعوا إلى قومهم من الجن أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - واقتدائهم به في الصلاة .

وقال الحسن وقتادة وابن زيد يعني لما قام عبد الله بالدعوة تلبدت الإنس والجن ، وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذي جاءهم به ، ويطفئوا نور الله فأبى الله إلا أن يتم نوره ، ويتم هذا الأمر ، وينصره على من ناوأه .

وقرأ هشام عن ابن عامر : " لبدا " بضم اللام ، وأصل " اللبد " الجماعات بعضها فوق بعض ، ومنه سمي اللبد الذي يفرش لتراكمه ، وتلبد الشعر : إذا تراكم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأنه» بالفتح والكسر استئنافا والضمير للشأن «لما قام عبد الله» محمد النبي صلى الله عليه وسلم «يدعوه» يعبده ببطن نخل «كادوا» أي الجن المستمعون لقراءته «يكونون عليه لبدا» بكسر اللام وضمها جمع لبدة كاللبد في ركوب بعضهم بعضا ازدحاما حرصا على سماع القرآن.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأنه لما قام محمد صلى الله عليه وسلم، يعبد ربه، كاد الجن يكونون عليه جماعات متراكمة، بعضها فوق بعض؛ مِن شدة ازدحامهم لسماع القرآن منه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - حال الصالحين من الجن ، عندما استمعوا إلى النبى صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ، ويتقرب إلى الله - تعالى - بالعبادة فقال : ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً )أى : وأوحى الله - تعالى - فيما أوحى من شأن الجن ، ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله ) وهو محمد صلى الله عليه وسلم ( يَدْعُوه ) أى : يدعو الله - تعالى - ويعبده فى الصلاة ، ( كَادُواْ ) أى : الجن ( كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ) أى : كادوا من شدة التزاحم عليه ، والتكتل حوله ..

يكونون كاللبد ، أى : كالشئ الذى تلبد بعضه فوق بعض .

ولفظ " لِبَدا " جمع لِبْدَة ، وهى الجماعة المتزاحمة ، ومنه لبدة الأسد للشعر المتراكم فى رقبته .ووضع - سبحانه - الاسم الظاهر موضع المضمر ، إذ مقتضى الظاهر أن يقال : وأنه لما قمت تدعو الله .

.

أو لما قمتُ أدعو الله .

.

تكريما للنبى صلى الله عليه وسلم حيث وصفه بأنه " عبد الله " لما فى هذه الإِضافة من التشريف والتكريم .والجن : إنما ازدحموا حول الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يصلى ويقرأ القرآن .

.

تعجبا مما شاهدوه من صلاته ، ومن حسن قراءته ، ومن كمال اقتداء أصحابه ، قياما ، وركوعا ، وسجودا .

.

ومنهم من يرى أن الضمير فى " كادوا " يعود لكفار قريش ، فيكون المعنى : وأنه لما قام محمد صلى الله عليه وسلم يدعو ربه .

.

كادوا من تزاحمهم عليه ، يكونون كاللبد ، لا لكى ينتفعوا بما يسمعون ، ولكن لكى يطفئوا نور الله بأفواههم ، والحال أن الله - تعالى - قد رد كيدهم فى نحورهم ، وأبى إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون .قال صاحب الكشاف : " عبد الله " هو النبى صلى الله عليه وسلم ، فإن قلت : هلا قيل : رسول الله أو النبى؟

قلت : لأن تقديره وأوحى إلى أنه لما قام عبد الله ، فلما كان واقعا فى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه ، جئ به على ما يقتضيه التواضع والتذلل ، أو لأن المعنى أن عبادة عبد الله ، لله - تعالى - ليست بأمر مستبعد عن العقل ولا مستنكر ، حتى يكونوا عليه لبدا .ومعنى " قام يدعوه " : قام يعبده .

يريد : قيامه لصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن ، فاستمعوا لقراءته ، وتزاحموا عليه .وقيل معناه : لما قام رسول يعبد الله وحده ، مخالفا المشركين فى عبادتهم كاد المشركون لتظاهرهم عليه وتعاونهم على عداوته ، يزدحمون عليه متراكمين .

.ويبدو لنا أن عودة الضمير فى " كادوا " على مؤمنى الجن أرجح ، لأن هذا هو الموافق لإِعجابهم بالقرآن الذى سمعوه من النبى صلى الله عليه وسلم لأن هذا هو الظاهر من سياق الآيات ، حيث ن الحديث عنهم ، ولأن الآثار قد وردت فى أن الجن قد التفوا حول النبى صلى الله عليه وسلم حين سمعوا يقرأ القرآن .ومن هذه الآثار قول الزبير بن العوام : هم الجن حين استمعوا القرآن من النبى صلى الله عليه وسلم كادوا يركب بعضهم بعضا ازدحاما عليه .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن عبدالله هو النبي صلى الله عليه وسلم في قول الجميع، ثم قال الواحدي: إن هذا من كلام الجن لا من جملة الموحى، لأن الرسول لا يليق أن يحكي عن نفسه بلفظ المغايبة وهذا غير بعيد، كما في قوله: ﴿ يَوْمٍ يُحْشَرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً  ﴾ والأكثرون على أنه من جملة الموحى، إذ لو كان من كلام الجن لكان ما ليس من كلام الجن.

وفي خلل ما هو كلام الجن مختلاً بعيداً عن سلامة النظم وفائدة هذا الاختلاف أن من جعله من جملة الموحى فتح الهمزة في أن، ومن جعله من كلام الجن كسرها، ونحن نفسر الآية على القولين، أما على قول من قال: إنه من جملة الموحى فالضمير في قوله: ﴿ كَادُواْ ﴾ إلى من يعود؟

فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إلى الجن، ومعنى ﴿ قَامَ...

يَدْعُوهُ ﴾ أي قام يعبده يريد قيامه لصلاة الفجر حين أتاه الجن، فاستمعوا القراءة ﴿ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾ ، أي يزدحمون عليه متراكمين تعجباً مما رأوا من عبادته، واقتداء أصحابه به قائماً وراكعاً، وساجداً وإعجاباً بما تلا من القرآن، لأنهم رأوا مالم يروا مثله، وسمعوا ما لم يسمعوا مثله والثاني: لما قدم رسول الله يعبد الله وحده مخالفاً للمشركين في عبادتهم الأوثان، كاد المشركون لتظاهرهم عليه وتعاونهم على عداوته يزدحمون عليه والثالث: وهو قول قتادة: لما قام عبدالله تلبدت الإنس والجن، وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذي جاء به ويطفئوا نور الله، فأبى الله إلا أن ينصره ويظهره على من عاداه، وأما على قول من قال: إنه من كلام الجن، فالوجهان أيضاً عائدان فيه، وقوله: ﴿ لِبَداً ﴾ فهو جمع لبدة وهو ما تلبد بعضه على بعض وارتكم بعضه على بعض، وكل شيء ألصقته بشيء إلصاقاً شديداً فقد لبدته، ومنه اشتقاق هذه اللبود التي تفرش ويقال: لبدة الأسد لما يتلبد من الشعر بين كتفيه، ومنه قول زهير: (لدى أسد شاكي السلاح مقذف) *** له لبد أظفاره لم تقلم وقرئ: ﴿ لِبَداً ﴾ بضم اللام واللبدة في معنى اللبدة، وقرئ ﴿ لِبَداً ﴾ جمع لابد كسُجِّد وساجد.

وقرئ أيضاً: ﴿ لِبَداً ﴾ بضم اللام والباء جمع لبود كصبر جمع صبور، فإن قيل: لم سمي محمداً بعبدالله، وما ذكره برسول الله أو نبي الله؟

قلنا: لأنه إن كان هذا الكلام من جملة الموحى، فاللائق بتواضع الرسول أن يذكر نفسه بالعبودية، وإن كان من كلام الجن كان المعنى أن عبدالله لما اشتغل بعبودية الله، فهؤلاء الكفار لم اجتمعوا ولم حاولوا منعه منه، مع أن ذلك هو الموافق لقانون العقل؟.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ عَبْدُ الله ﴾ النبي صلى الله عليه وسلم.

فإن قلت: هلا قيل: رسول الله أو النبي؟

قلت: لأن تقديره: وأوحى إليَّ أنه لما قام عبد الله فلما كان واقعاً في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه: جيء به على ما يقتضيه التواضع والتذلل أو لأن المعنى أن عبادة عبد الله ليست بأمر مستبعد عن العقل ولا مستنكر، حتى يكونوا عليه لبداً.

ومعنى (قام يدعوه) قام يعبده، يريد: قيامه لصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن فاستمعوا لقراءته صلى الله عليه وسلم ﴿ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾ أي يزدحمون عليه متراكمين تعجباً مما رأوا ممن عبادته واقتداء أصحابه به قائماً وراكعاً وساجداً، وإعجاباً بما تلا من القرآن، لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وسمعوا بما لم يسمعوا بنظيره.

وقيل معناه: لما قام رسولاً يعبد الله وحده مخالفاً للمشركين في عبادتهم الآلهة من دونه: كاد المشركون لتظاهرهم عليه وتعاونهم على عداوته يزدحمون عليه متراكمين ﴿ لِبَداً ﴾ جمع لبدة وهو ما تلبد بعضه على بعض، ومنها (لبدة الأسد) وقرئ ﴿ لبدا ﴾ واللبدة في معنى اللبدة؛ ولبدا: جمع لابد، كساجد وسجد ولبدا بضمتين: جمع لبود، كصبور وصبر وعن قتادة: تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه فأبى الله إلا أن ينصره ويظهره على من ناوأه.

ومن قرأ ﴿ وإنه ﴾ بالكسر: جعله من كلام الجن: قالوه لقومهم حين رجعوا إليهم حاكين ما رأوا من صلاته وازدحام أصحابه عليه في ائتمامهم به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ ﴾ مُخْتَصَّةٌ بِهِ.

﴿ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا ﴾ فَلا تَعْبُدُوا فِيها غَيْرَهُ، ومَن جَعَلَ أنَّ مُقَدَّرَةٌ بِاللّامِ عِلَّةً لِلنَّهْيِ ألْغى فائِدَةَ الفاءِ، وقِيلَ: المُرادُ بِ المَساجِدَ الأرْضُ كُلُّها لِأنَّها جُعِلَتْ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَسْجِدًا.

وقِيلَ: المَسْجِدُ الحَرامُ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ ومَواضِعُ السُّجُودِ عَلى أنَّ المُرادَ النَّهْيُ عَنِ السُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وآرابُهُ السَّبْعَةُ أوِ السَّجَداتُ عَلى أنَّهُ جَمْعُ مَسْجِدٍ.

﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ ﴾ أيِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنَّما ذُكِرَ بِلَفْظِ العَبْدِ لِلتَّواضُعِ فَإنَّهُ واقِعٌ مَوْقِعَ كَلامِهِ عَنْ نَفْسِهِ، والإشْعارُ بِما هو المُقْتَضِي لِقِيامِهِ.

﴿ يَدْعُوهُ ﴾ يَعْبُدُهُ ﴿ كادُوا ﴾ كادَ الجِنُّ.

﴿ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ مُتَراكِمِينَ مِنِ ازْدِحامِهِمْ عَلَيْهِ تَعَجُّبًا مِمّا رَأوْا مِن عِبادَتِهِ وسَمِعُوا مِن قِراءَتِهِ، أوْ كادَ الإنْسُ والجِنُّ يَكُونُونَ عَلَيْهِ مُجْتَمِعِينَ لِإبْطالِ أمْرِهِ، وهو جَمْعُ لِبْدَةٍ وهي ما تَلَبَّدَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ كَلِبْدَةِ الأسَدِ، وعَنِ ابْنِ عامِرٍ «لُبَدًا» بِضَمِّ اللّامِ جَمْعُ لُبْدَةٍ وهي لُغَةٌ.

وقُرِئَ «لُبَّدًا» كَـ سُجَّدًا جَمْعُ لابِدٍ ولُبْدًا كَصُبْرٍ جَمْعُ لَبُودٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وأنه لما قام عبد الله} محمدعليه السلام إلى الصلاة وتقديره وأوحي إلى أنه لما قام عبد الله {يَدْعُوهُ} يعبده ويقرأ القرآن ولم يقل نبي الله أو رسوله لأنه من أحب الاسماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه لما كان واقعا في كلامه صلى الله عليه وسلم عن نفسه جئ به على ما يقتضيه التواضع أو لأن عبادة عبد الله لله ليست بمستبعد حتى يكونوا عليه لبداً {كَادُواْ} كاد الجن {يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} جماعات جمع لبدة تعجباً مما رأوا من عبادته واقتداء أصحابه به وإعجاباً بما تلاه من القرآن لأنهم رأوا ما لم يروا مثله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأنَّهُ ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ﴿ أنَّهُ اسْتَمَعَ ﴾ كالَّذِي قَبْلَهُ فَهو مِن كَلامِهِ تَعالى أيْ وأوْحى إلَيَّ أنَّ الشّانَّ ﴿ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ ﴾ أيِ النَّبِيُّ  وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ يَدْعُوهُ ﴾ حالٌ مِن ﴿ عَبْدُ ﴾ أيْ لَمّا قامَ عابِدًا لَهُ عَزَّ وجَلَّ وذَلِكَ قِيامُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِصَلاةِ الفَجْرِ بِنَخْلَةٍ كَما مَرَّ.

﴿ كادُوا ﴾ أيِ الجِنُّ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ ﴿ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ مُتَراكِمِينَ مِنَ ازْدِحامِهِمْ عَلَيْهِ تَعَجُّبًا مِمّا شاهَدُوا مِن عِبادَتِهِ وسَمِعُوا مِن قِراءَتِهِ واقْتِداءِ أصْحابِهِ بِهِ قِيامًا ورُكُوعًا وسُجُودًا لِأنَّهم رَأوْا ما لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ وسَمِعُوا ما لَمْ يَسْمَعُوا نَظِيرَهُ وهَذا كالظّاهِرِ في أنَّهم كانُوا كَثِيرِينَ لا تِسْعَةً ونَحْوَها وإيرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِلَفْظِ العَبْدِ دُونَ لَفْظِ النَّبِيِّ أوْ الرَّسُولِ أوِ الضَّمِيرِ إمّا لِأنَّهُ مَقُولٌ عَلى لِسانِهِ  لِأنَّهُ أمَرَ أنْ يَقُولَ أُوحِيَ كَذا فَجِيءَ بِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ مَقامُ العُبُودِيَّةِ والتَّواضُعِ، أوْ لِأنَّهُ تَعالى عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العِبادَةَ مِنَ العَبْدِ لا تُسْتَبْعَدُ، ونَقَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَلامَهُ سُبْحانَهُ كَما هو رَفْعًا لِنَفْسِهِ عَنِ البَيْنِ فَلا وُجُودَ لِلْأثَرِ بَعْدَ العَيْنِ وحَيْثُ كانَ هَذا العُدُولُ مِنهُ جَلَّ وعَلا إمّا لِكَذا أوْ لِكَذا لا أنَّهُ تَصَرُّفٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ  لَمْ يَمْتَنِعْ كَما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ الجَمْعُ بَيْنَ الحُسْنَيَيْنِ.

وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ضَمِيرُ ﴿ كادُوا ﴾ لِكَفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ فَيُرادُ بِالقِيامِ القِيامُ بِالرِّسالَةِ وبِالتَّلَبُّدِ التَّلَبُّدُ لِلْعَداوَةِ والمَعْنى وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ بِالرِّسالَةِ يَدْعُو لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ ويَذْرُ ما كانُوا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ كادُوا لِتَظاهُرِهِمْ عَلَيْهِ وتَعاوُنِهِمْ عَلى عَداوَتِهِ يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ مُتَراكِمِينَ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَلى هَذا لِلْجِنِّ والإنْسِ.

وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا ما يَقْتَضِيهِ قالَ: تَلَبَّدَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى هَذا الأمْرِ لِيُطْفِئُوهُ فَأبى اللَّهُ تَعالى إلّا أنْ يَنْصُرَهُ عَلى مَن ناوَأهُ وفي البَحْرِ أبْعَدُ مَن قالَ عَبْدُ اللَّهِ هَنا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ كادَ قَوْمُهُ يَقْتُلُونَهُ حَتّى اسْتَنْقَذَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهم قالَهُ الحَسَنُ وأبْعَدُ مِنهُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ اهـ ولَعَمْرِي إنَّهُ لا يَنْبَغِي القَوْلُ بِذَلِكَ ولا أظُنُّ لَهُ صِحَّةً بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ كَما قَدَّمْنا وابْنُ هُرْمُزٍ وطَلْحَةُ كَما في الحِبْرِ «وإنَّهُ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وحُمِلَ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافِيَّةٌ مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ الجِنِّ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ إنّا سَمِعْنا ﴾ حَكَوْا فِيها لِقَوْمِهِمْ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ ما رَأوْا مِن صِلاتِهِ  وازْدِحامِ أصْحابِهِ عَلَيْهِ في ائْتِمامِهِمْ بِهِ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وجَوَّزَ نَحْوَ هَذا عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ بِناءً عَلى ما سَمِعْتَ عَنْ أبِي حاتِمٍ أوْ بِتَقْدِيرِ ونُخْبِرُكم بِأنَّهُ أوْ نَحْوَهُ هَذا.

وفِي الكَشْفِ الوَجْهُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ﴿ وأنَّ المَساجِدَ ﴾ مِن جُمْلَةِ المُوحِي أنْ يَكُونَ ﴿ فَلا تَدْعُوا ﴾ خِطابًا لِلْجِنِّ مَحْكِيًّا إنَّ جُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى «وإنَّهُ لَمّا قامَ» عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ مِن مَقُولِ الجِنِّ لِئَلّا يَنْفَكَّ النَّظْمُ لَوْ جُعِلَ ابْتِداءَ قِصَّةٍ ووَحْيًا آخَرَ مُنْقَطِعًا عَنْ حِكايَةِ الجِنِّ وكَذَلِكَ لَوْ جُعِلَ ضَمِيرُ ﴿ كادُوا ﴾ لِلْجِنِّ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ أيْضًا والأصْلُ أنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا أيُّها الجِنُّ مَعَ اللَّهِ أحَدًا فَقِيلَ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿ أُوحِيَ إلَيَّ ﴾ كَذا وإذا كانَ كَذَلِكَ فَيَجِيءُ في ضِمْنِ الحِكايَةِ إثْباتُ هَذا الحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُخاطَبِينَ أيْضًا لِاتِّحادِ العِلَّةِ، وأمّا لَوْ جُعِلَ خِطابًا عامًّا فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿ كادُوا ﴾ راجِعًا إلى المُشْرِكِينَ أوْ إلى الجِنِّ والإنْسِ وأنْ يَكُونَ عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ جُمْلَةً اسْتِئْنافِيَّةً ابْتِداءَ قِصَّةٍ مِنهُ جَلَّ شَأْنُهُ في الإخْبارِ عَنْ حالِ رَسُولِ اللَّهِ  وهو تَمْهِيدٌ لِما يَأْتِي مِن بَعْدُ وتَوْكِيدٌ لِما ذُكِرَ مِن قَبْلُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ ما كانَ مِن حَدِيثِ الجِنِّ وإيمانِ بَعْضِهِمْ وكُفْرِ آخَرِينَ مِنهم لِيَكُونَ حِكايَةُ ذَلِكَ لُطْفًا لَهم في الِانْتِهاءِ عَمّا كانُوا فِيهِ وحَثًّا عَلى الإيمانِ ثُمَّ قِيلَ ﴿ وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ﴾ ويُوَحِّدُهُ كادَ الفَرِيقانِ مِن كَفَرَةِ الجِنِّ والإنْسِ ﴿ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ دَلالَةً عَلى عَدَمِ ارْتِداعِهِمْ مَعَ هَذِهِ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ والآياتِ النَّيِّرَةِ.

وما أحْسَنَ التَّقابُلَ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وأنَّ المَساجِدَ ﴾ وبَيْنَ هَذا القَوْلِ كَأنَّهم نُهُوا كُلُّهم عَنِ الإشْراكِ ودُعُوا إلى التَّوْحِيدِ فَقابَلُوا ذَلِكَ بِعَداوَةِ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ سُبْحانَهُ ويَدْعُوهُ ولَمْ يَرْضَوْا بِالإباءِ وحْدَهُ وهَذا مِن خَواصِّ الكِتابِ الكَرِيمِ وبَدِيعِ أُسْلُوبِهِ إذا أخَذَ في قِصَّةٍ غِبَّ قِصَّةٍ جَعَلَهُما مُتَناصِفَتَيْنِ فِيما سِيقَ لَهُ الكَلامُ وزادَ عَلَيْهِ التَّآخِي بَيْنَهُما.

فِي تَناسُبِ خاتِمَةِ الأُولى وفاتِحَةِ الثّانِيَةِ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ مِنَ الوَجاهَةِ بِمَكانٍ وأمّا لَوْ فُسِّرَ بِما حُكِيَ عَنِ الخَلِيلِ ولِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا إلَخِ فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ اسْتِطْرادًا ذُكِرَ عَقِيبَ وعِيدِ المَعْرَضِ والحَمْلُ عَلى هَذا عَلى الأعْضاءِ السَّبْعَةِ أظْهَرُ لِأنَّ فِيهِ تَذْكِيرًا لِكَوْنِهِ تَعالى المَنعَ بِها عَلَيْهِمْ وتَنَبُّهًا عَلى أنَّ الحِكْمَةَ في خَلْقِها خِدْمَةُ المَعْبُودِ مِن حَيْثُ العُدُولُ عَنْ لَفْظِ الأعْضاءِ وأسْمائِها الخاصَّةِ إلى المَساجِدِ ودَلالَةً عَلى أنَّ ذَلِكَ يُنافِي الإشْراكَ وحِينَئِذٍ لا يَبْقى إشْكالٌ في ارْتِباطِ ما بَعْدَهُ بِما قَبْلَهُ عَلى القِراءَتَيْنِ والأوْجَهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ اهـ فَتَأمَّلْ.

واللِّبَدُ بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ الباءِ كَما قَرَأ الجُمْهُورُ جَمْعُ لِبْدَةٍ بِالكَسْرِ نَحْوَ كِسْرَةٍ وكِسَرٍ وهي الجَماعاتُ شُبِّهَتْ بِالشَّيْءِ المُتَلَبِّدِ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ ويُقالُ لِلْجَرادِ ومِنهُ كَما قالَ الجِبائِيُّ قَوْلُ عَبْدِ مَنافِ بْنِ رُبْعِ الهُذَلِيِّ: صافُوا بِسِتَّةِ أبْياتٍ وأرْبَعَةٍ حَتّى كَأنَّ عَلَيْهِمْ جابِيًا لِبَدا وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ عامِرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ «لُبَدا» بِضَمِّ اللّامِ جَمْعُ لُبَدَةٍ كَزُبَرَةٍ وزُبَرٍ وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أيْضًا تَسْكِينُ الباءِ وضَمُّ اللّامِ وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ لُبَدٍ كَرُهُنٍ ورُهَنٍ أوْ جَمْعُ لُبُودٍ كَصُبُورٍ وصَبْرٍ وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ أيْضًا بِخِلافٍ عَنْهُما «( لُبَّدًا)» بِضَمِّ اللّامِ وتَشْدِيدِ الباءِ جَمْعُ لابِدٍ وأبُو رَجاءٍ بِكَسْرِها وشَدِّ الباءِ المَفْتُوحَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ.

قال الحسن: يعني: الصلاة لله تعالى وقال قتادة: كانت اليهود والنصارى يدخلون كنائسهم، ويشركون بالله تعالى.

فأمر الله تعالى نبيه  أن يخلص الدعوة له إذا دخل المسجد.

وقال القتبي: قوله: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ يعني: السجود لله.

ويقال: هي المساجد بعينها يعني: بنيت المساجد، ليعبدوا الله تعالى فيها.

فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً يعني: لا تعبدوا أحداً غير الله تعالى.

قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم يَسْلُكْهُ بالياء، والباقون بالنون، وكلاهما يرجع إلى معنى واحد.

يقال: سلكت الخيط في الإبرة وأسلكته، إذا أدخلته.

قوله عز وجل: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يعني: محمدا  لما قام إلى الصلاة ببطن نخلة.

يَدْعُوهُ يعني: يصلي لله تعالى، ويقرأ كتابه.

كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً يعني: يركب بعضهم بعضاً، ويقع بعضهم على بعض.

ثم قال عز وجل: قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي.

قرأ حمزة، وعاصم: قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي على معنى الأمر، يعني: قل يا محمد إنما أدعوا ربي، يعني: أعبده.

وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً.

قرأ الباقون على معنى الخبر عنهم.

قرأ ابن عامر في رواية هشام عَلَيْهِ لِبَداً بضم اللام، والباقون بكسرها ومعناهما واحد.

وقال القتبي: يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً أي: يتلبدون به رغبة في استماع القرآن.

يقال: لبدت به، أي: لصقت به، ومعناه: كادوا أن يلصقوا به.

قوله تعالى: قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً يعني: لا أقدر لكم خذلاناً ولا هداية.

قوله تعالى: قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ يعني: لن يمنعني من عذاب الله أحد إن عصيته، وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً يعني: ملجأ ولا مفراً.

إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ يعني: فذلك الذي يجيرني من عذاب الله ويقال في الآية تقديم، ومعناه قل: لا أملك لكم ضرا إلا أن أبلغكم رسالات ربي، يعني: ليس بيدي شيء من الضر والنفع والهداية، إلا بتبليغ الرسالة.

وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في التوحيد، ولم يؤمن به، فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً أي: مقيمين في النار أبداً، يعني: دائماً.

وقد تم الكلام.

ثم قال عز وجل: حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ من العذاب يعني: لما رأوا العذاب، ويقال: معناه أمهلهم حتى إذا رأوا ما يوعدون في الدنيا وفي الآخرة، فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً يعني: مانعاً من العذاب.

وَأَقَلُّ عَدَداً يعني: رجالاً.

فقالوا: متى هذا العذاب الذي تعدنا يا محمد؟

فنزل: قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ يعني: ما أدري أقريب ما توعدون من العذاب، أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً؟

يعني: أجلاً ينتهي إليه.

قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ يعني: هو عالم الغيب، فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً يعني: هو الذي يعلم وقت نزول العذاب، ولا يطلع على غيبه أحداً من خلقه.

قوله تعالى: إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ يعني: إلا من اختار لرسالته، فإنه يطلعه على ما يشاء من الغيب، ليكون دلالة لنبوته.

فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً يعني: من الملائكة بين يدي رسول الله  ومن خلفه، ليحفظوه من الشياطين لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ يعني: ليعلموا الرسول أن الذي أنزل إليه من رسالات الله وذلك أن الملائكة لو لم يرصدوهم، لما يستمعوا حين يقرأ جبريل، ثم يفشون ذلك قبل أن يخبرهم الرسول، فلا يكون بينهم وبين الأنبياء فرق، ولا يكون للأنبياء دلالة، ثم لا يقبل قولهم.

وروى أسباط، عن السدي في قوله: إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً إذا بعث إليه تعالى نبياً، جعل معه حفظة من الملائكة.

فإذا جاء الوحي من الله تعالى، قالت الملائكة: هذا من الله.

فإذا جاءه الشيطان، قالت الحفظة: هذا من الشيطان.

لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ يعني: ليعلم الجن أن الرسل قد أبلغوا الرسالة لأنهم تمازحوا من استراق السمع.

وقال سعيد بن جبير: لم يجيء جبريل قط بالقرآن، إلا ومعه أربعة من الحفظة.

ثم قال عز وجل: وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ يعني: الله تعالى عالم بما عند الأنبياء ويقال: عالم بهم.

وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً يعني: عدد الملائكة، وعلم نزول العذاب ووقته وغير ذلك والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يحتملُ: أنْ يكونَ خِطَاباً مِنَ اللَّهِ تعالى، ويحتملُ: أنْ يَكُونَ إخباراً عَنِ الجِنِّ، وَعَبْدُ الله هو محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والضميرُ في كادُوا يحتملُ: أنْ يكونَ لكفارِ قريشٍ، وغيرِهم في اجتماعهم على رَدِّ أمرِهِ صلّى الله عليه وسلّم، وقيلَ: الضميرُ للجِنِّ، والمعنى أنهم كادوا يَتَقَصَّفُونَ عليه «١» لاسْتِماعِ القرآن، وقال ابن جبير: معنى الآيةِ أنَّها قَوْلُ الجِنِّ لقومِهم يحكُون لَهُم، والعبد محمّد ع «٢» ، والضميرُ في كادُوا لأَصْحَابهِ الذينَ يُطِيعُونَ له ويَقْتَدُونَ بهِ في الصلاةِ فَهُمْ عليه لِبَدٌ، واللِبَدُ:

الجماعاتُ شُبِّهَتْ بالشَّيءِ المُتَلبِّدِ، وقال البخاريُّ: قال ابن عبّاس: لِبَداً أعوانا «٣» ، انتهى، ويَدْعُوهُ معناه: يَعْبُدُه، وقيل: عبدُ اللَّهِ في الآيةِ المرادُ به نوحٌ، وقرأ جمهور السبعة: «قَالَ إِنَّمَا أَدْعُواْ رَبِّي» وقرأ حمزةُ وعاصمٌ وأبو عمرو بخلافٍ عنه «٤» : «قُلْ» ، ثم أمَرَ اللَّهُ تعالى محمّدا ع بالتَّبَرِّي مِنَ القُدْرَةِ، وأنَّه لاَ يَمْلِكُ لأَحَدٍ ضَرًّا ولا نفعاً، والملتَحَدُ: المَلْجَأُ «٥» الذي يُمَال إليه، ومنه الإلحاد وهو الميل.

وقوله: إِلَّا بَلاغاً قال قتادة: التقدير: لا أمْلِكُ إلاَّ بَلاَغاً إلَيْكُمْ، فأمَّا الإيمانُ وَالكُفْرُ، فَلاَ أَمْلِكُهُ «٦» ، وقال الحسن: ما معناه أَنَّه استثناء منقطع، والمعنى: لن يجيرني من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَساجِدُ الَّتِي هي بُيُوتُ الصَّلَواتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ قَتادَةُ: كانَتِ اليَهُودُ والنَّصارى إذا دَخَلُوا كَنائِسَهم وبِيَعَهم أشْرَكُوا، فَأمَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ المُسْلِمِينَ أنْ يُخْلِصُوا لَهُ إذا دَخَلُوا مَساجِدَهم.

والثّانِي: الأعْضاءُ الَّتِي يَسْجُدُ عَلَيْها العَبْدُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وذَكَرَهُ الفَرّاءُ.

فَيَكُونُ المَعْنى، لا تَسْجُدُوا عَلَيْها لِغَيْرِهِ.

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالمَساجِدِ ها هُنا: البِقاعُ كُلُّها، قالَهُ الحَسَنُ.

فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّ الأرْضَ كُلَّها مَواضِعُ لِلسُّجُودِ، فَلا تَسْجُدُوا عَلَيْها لِغَيْرِ خالِقِها.

والرّابِعُ: أنَّ المَساجِدَ: السُّجُودُ، فَإنَّهُ جَمْعُ مَسْجِدٍ.

يُقالُ: سَجَدْتُ سُجُودًا، ومَسْجِدًا، كَما يُقالُ: ضَرَبْتُ في الأرْضِ ضَرْبًا، ومَضْرِبًا، ثُمَّ يُجْمَعُ، فَيُقالُ: المَساجِدُ، والمَضارِبُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ واحِدُها: مَسْجَدًا: بِفَتْحِ الجِيمِ.

والمَعْنى: أخْلِصُوا لَهُ، ولا تَسْجُدُوا لِغَيْرِهِ.

ثُمَّ رَجَعَ إلى ذِكْرِ الجِنِّ فَقالَ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا  "يَدْعُوهُ" أيْ: يَعْبُدُهُ.

وكانَ يُصَلِّي بِبَطْنِ نَخْلَةَ عَلى ما سَبَقَ بَيانُهُ في [الأحْقافِ: ٢٩] ﴿ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: "لِبَدًا" بِكَسْرِ اللّامِ، وفَتْحِ الباءِ.

وقَرَأ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ "لُبَدًا" بِضَمِّ اللّامِ، وفَتْحِ الباءِ مَعَ تَخْفِيفِها.

قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.

يُقالُ: لِبَدَةٌ، ولُبَدَةٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: كادَ يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا.

ومِنهُ اشْتِقاقُ اللِّبَدِ الَّذِي يُفْتَرَشُ.

وكُلُّ شَيْءٍ أضَفْتَهُ إلى شَيْءٍ فَقَدْ لَبَّدْتَهُ.

وقَرَأ قَوْمٌ مِنهُمُ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ: "لُبَّدًا" بِضَمِّ اللّامِ مَعَ تَشْدِيدِ الباءِ.

قالَ الفَرّاءُ: فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ صِفَةً لِلرِّجالِ، كَقَوْلِكَ: رُكَّعًا ورُكُوعًا، وسُجَّدًا وسُجُودًا.

قالَ الزَّجّاجُ: هو جَمْعُ لابِدٍ، مِثْلُ راكِعٍ، ورُكَّعٍ.

وفي مَعْنى الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنِ الجِنِّ يَحْكِي حالَهم.

والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا قامَ يُصَلِّي كادَ الجِنُّ لِازْدِحامِهِمْ عَلَيْهِ يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا، حِرْصًا عَلى سَماعِ القُرْآنِ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ الجِنِّ لِقَوْمِهِمْ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ، فَوَصَفُوا لَهم طاعَةَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ  وائْتِمامَهم بِهِ في الرُّكُوعِ، والسُّجُودِ فَكَأنَّهم قالُوا: لَمّا قامَ يُصَلِّي كادَ أصْحابُهُ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا.

وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: لَمّا قامَ رَسُولُ اللَّهِ  بِالدَّعْوَةِ تَلَبَّدَتِ الإنْسُ والجِنُّ، وتَظاهَرُوا عَلَيْهِ، لِيُبْطِلُوا الحَقَّ الَّذِي جاءَ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ "قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي" بِغَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ الباقُونَ "قالَ" عَلى الخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ  .

قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كُفّارَ مَكَّةَ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : إنَّكَ جِئْتَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ فارْجِعْ عَنْهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ﴾ أيْ: لا أدْفَعُهُ عَنْكم "وَلا" أسُوقُ إلَيْكم "رَشَدًا" أيْ: خَيْرًا، أيْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَمْلِكُ ذَلِكَ، لا أنا ﴿ قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ﴾ أيْ: إنْ عَصَيْتُهُ لَمْ يَمْنَعْنِي مِنهُ أحَدٌ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: اتْرُكْ ما تَدْعُو إلَيْهِ ونَحْنُ نُجِيرُكَ ﴿ وَلَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ وقَدْ بَيَّنّاهُ في [الكَهْفِ ٢٧] ﴿ إلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ ذَكَرَهُما الفَرّاءُ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا ﴾ إلّا أنْ أُبَلِّغَكم.

والثّانِي: لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ إنْ لَمْ أُبْلِغْ رِسالَتَهُ.

وبِالأوَّلِ قالَ ابْنُ السّائِبِ.

وَبِالثّانِي قالَ مُقاتِلٌ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى: لَنْ يُجِيرَنِي مِن عَذابِ اللَّهِ إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ ما أُرْسِلْتُ، فَذَلِكَ البَلاغُ هو الَّذِي يُجِيرُنِي ﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ بِتَرْكِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا رَأوْا ﴾ يَعْنِي: الكَفّارَ ﴿ ما يُوعَدُونَ ﴾ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا، وهو القَتْلُ، وفي الآخِرَةِ ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا ﴾ أيْ: جُنْدًا ونَصْرًا، أهُمْ، أمِ المُؤْمِنُونَ؟

﴿ قُلْ إنْ أدْرِي ﴾ أيْ: ما أدْرِي ﴿ أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا ﴾ أيْ: غايَةً وبُعْدًا.

وذَلِكَ لِأنَّ عِلْمَ الغَيْبِ لِلَّهِ وحْدَهُ ﴿ فَلا يُظْهِرُ ﴾ أيْ: فَلا يُطْلِعُ عَلى غَيْبِهِ الَّذِي يَعْلَمُهُ أحَدًا مِنَ النّاسِ ﴿ إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ ﴾ لِأنَّ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى صِدْقِ الرُّسُلِ إخْبارَهم بِالغَيْبِ.

والمَعْنى: أنَّ مَنِ ارْتَضاهُ لِلرِّسالَةِ أطْلَعَهُ عَلى ما شاءَ مِن غَيْبِهِ.

وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن زَعَمَ أنَّ النُّجُومَ تَدُلُّ عَلى الغَيْبِ فَهو كافِرٌ.

ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ يَحْفَظُ ذَلِكَ الَّذِي يُطْلِعُ عَلَيْهِ الرَّسُولَ فَقالَ تَعالى: ﴿ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ أيْ: مِن بَيْنِ يَدَيِ الرَّسُولِ ﴿ وَمِن خَلْفِهِ رَصَدًا ﴾ أيْ: يَجْعَلُ لَهُ حَفَظَةً مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَ الوَحْيَ مِن أنْ تَسْتَرِقَهُ الشَّياطِينُ، فَتُلْقِيَهُ إلى الكَهَنَةِ، فَيَتَكَلَّمُونَ بِهِ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَ النَّبِيُّ  النّاسَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيِ المَلَكِ ومِن خَلْفِهِ رَصْدًا.

وقِيلَ: يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيِ الوَحْيِ.

فالرَّصَدُ مِنَ المَلائِكَةِ يَدْفَعُونَ الشَّياطِينَ عَنْ أنْ تَسْتَمِعَ ما يَنْزِلُ مِنَ الوَحْيِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَعْلَمَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ  أنَّ جِبْرائِيلَ قَدْ بَلَّغَ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ  أنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ "قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ" وأنَّ اللَّهَ قَدْ حَفِظَها فَدَفَعَ عَنْها، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: لِيَعْلَمَ مُكَذِّبُو الرُّسُلِ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ مَوْجُودًا ظاهِرًا يَجِبُ بِهِ الثَّوابُ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ  ﴾ ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والخامِسُ: لِيَعْلَمَ النَّبِيُّ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أتَتْهُ، ولَمْ تَصِلْ إلى غَيْرِهِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

وَقَرَأ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ "لِيُعْلَمَ" بِضَمِّ الياءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ويُقْرَأُ "لِتَعْلَمَ" بِالتّاءَ، يُرِيدُ: لِتَعْلَمَ الجِنُّ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْ عَنْ إلِاهِهِمْ بِما رَجَوْا مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ "وَأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ" أيْ: عَلِمَ اللَّهُ ما عِنْدَ الرُّسُلِ "وَأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا" فَلَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ حَتّى الذَّرُّ والخَرْدَلُ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَرِيقَةِ لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا ﴾ ﴿ لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا ﴾ ﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أحَدًا ﴾ ﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ ﴿ قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أحَدٌ ولَنْ أجِدَ مِنَ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "اسْتَقامُوا".

قالَ أبُو مِجْلَزٍ، والفَرّاءُ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والضَحّاكُ -بِخِلافٍ عنهُ-: هو عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "مَن أسْلَمَ"، "الطَرِيقَةُ" طَرِيقَةُ الكُفْرِ، لَوْ كَفَرَ مَن أسْلَمَ مِنَ الناسِ لَأسْقَيْناهم ماءً إمْلاءً لَهم واسْتِدْراجًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "القاسِطِينَ"، والمَعْنى: عَلى طَرِيقَةِ الإسْلامِ والحَقِّ، وهَذا المَعْنى نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عنهم سَيِّئاتِهِمْ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ  ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ أبْيَنُ، لِأنَّ اسْتِعارَةَ الِاسْتِقامَةِ لِلْكُفْرِ قَلِقَةٌ.

وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا" بِضَمِّ الواوِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا تَشْبِيهٌ بِواوِ الجَماعَةِ ﴿ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى  ﴾ ، والماءُ الغَدَقُ هو الماءُ الكَثِيرُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "غَدَقًا" بِفَتْحِ الدالِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ الأعْمَشِ عنهُ- بِكَسْرِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِنَفْتِنَهم فِيهِ" إنْ كانَ المُسْلِمُونَ فَمَعْناهُ: لِنَخْتَبِرَهُمْ، وإنْ كانَ القاسِطُونَ فَمَعْناهُ: لِنَمْتَحِنَهم ونَسْتَدْرِجَهُمْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "حَيْثُ يَكُونُ الماءُ فَثَمَّ المالُ، وحَيْثُ المالُ فَثَمَّ الفِتْنَةُ"، ونَزَعَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وجَماعَةٌ مِنَ التابِعِينَ: كانَتِ الصَحابَةُ مُطِيعِينَ سامِعِينَ، فَلَمّا فَتُحِتْ كُنُوزُ كِسْرى وقَيْصَرَ وثَبَ بِعُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَقَتَلَ وثارَتِ الفِتَنُ.

و"يَسْلُكْهُ" مَعْناهُ: يَدْخُلْهُ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَسْلُكْهُ" بِفَتْحِ الياءِ أيْ: يَسْلُكُهُ اللهُ، وقَرَأ بَعْضُ التابِعِينَ "يُسْلِكُهُ" بِضَمِّ الياءِ، مِن أسْلَكَ، وهُما بِمَعْنًى، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ: "نَسْلُكُهُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: "نَسْلُكُهُ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ ولامٍ مَكْسُورَةٍ، و"صَعَدًا" مَعْناهُ: شاقًّا، تَقُولُ: "فُلانٌ في صَعَدٍ مِن أمْرِهِ" أيْ في مَشَقَّةٍ، و"هَذا أمْرٌ يَتَصَعَّدُنِي"، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ "ما تَصَعَّدَنِي شَيْءُ كَما تَتَصَعَّدَنِي خُطْبَةُ النِكاحِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: صَعِدَ: جَبَلٌ في النارِ، وقَرَأ قَوْمٌ: "صُعُدًا" بِضَمِّ الصادِ والعَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الصادِ والعَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بِضَمِّ الصادِ وفَتْحِ العَيْنِ، قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: لا راحَةَ فِيهِ.

ومَن فَتَحَ الألِفَ مِن "وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ" جَعَلَها عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ  ﴾ ، ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، و"المَساجِدَ" قِيلَ: أرادَ بِها البُيُوتَ الَّتِي هي لِلْعِبادَةِ والصَلاةِ في كُلِّ مِلَّةٍ، وقالَ الحَسَنُ: أرادَ كُلَّ مَوْضِعِ سَجَدَ فِيهِ، كانَ مَخْصُوصًا لِذَلِكَ أو لَمْ يَكُنْ؛ إذِ الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ تَغَلُّبِ قُرَيْشٍ عَلى الكَعْبَةِ حِينَئِذٍ، فَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ  : المَواضِعُ كُلُّها لِلَّهِ تَعالى فاعْبُدْهُ حَيْثُ كانَ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: المَساجِدُ: الآرابُ الَّتِي يُسْجَدُ عَلَيْها، واحِدُها مَسْجَدٌ -بِفَتْحِ الجِيمِ-، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتِ الآيَةُ لِأنَّ الجِنَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نَشْهَدُ الصَلاةَ مَعَكَ عَلى نَأْيِنا عنكَ؟

فَنَزَلَتِ الآيَةُ يُخاطِبُهم بِها عَلى مَعْنى: أنَّ عِبادَتَكم حَيْثُ كُنْتُمْ مَقْبُولَةٌ، وقالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: مَعْنى الآيَةِ: ولِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا -أيْ لِهَذا السَبَبِ-، وكَذَلِكَ عِنْدَهُ "لِإيلافِ قُرَيْشٍ...

فَلْيَعْبُدُوا"، وكَذَلِكَ عِنْدَهُ ﴿ إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً  ﴾ والمَساجِدُ المَخْصُوصَةُ بَيِّنَةُ التَمَكُّنِ في كَوْنِها لِلَّهِ تَعالى فَيَصِحُّ أنَّ تُفْرَدَ لِلصَّلاةِ والدُعاءِ وقِراءَةِ العِلْمِ وكُلِّ ما هو خالِصٌ لِلَّهِ تَعالى، وألّا يَتَحَدَّثَ فِيها في أُمُورِ الدُنْيا، ولا يَتَّجِرُ، وتُتَّخَذُ طُرُقًا، ولا يُجْعَلُ فِيها لِغَيْرِ اللهِ نَصِيبٌ، ولَقَدْ قَعَدْتُ لِلْقَضاءِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في المَسْجِدِ الجامِعِ بِالمِرْيَةِ ثُمَّ رَأيْتُ فِيهِ مِن سُوءِ خُلُقِ المُتَخاصِمِينَ وصِياحِهِمْ وأيْمانِهِمْ وفُجُورِ الخِصامِ وغائِلَتِهِ ودُخُولِ النِسْوانِ ما رَأيْتُ تَنْزِيهَ البَيْتِ عنهُ فَقَطَعَتِ القُعُودُ لِلْأحْكامِ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ اللهِ تَعالى ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنِ الجِنِّ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ -عَلى ما تَقَدَّمَ-: "وَأنَّهُ" بِفَتْحِ الألِفِ، وهَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "أنَّهُ اسْتَمَعَ"، و"العَبْدُ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، قالَ قَوْمٌ: هو نُوحٌ والضَمِيرُ في "كادُوا" لِلْجِنِّ، والمَعْنى أنَّهم كادُوا يَتَقَصَّفُونَ عَلَيْهِ لِاسْتِماعِ القُرْآنِ، وقَرَأ آخَرُونَ: "وَإنَّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، و"العَبْدُ" مُحَمَّدٌ  ، والضَمِيرُ في "كادُوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْجِنِّ عَلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِكُفّارِ قَوْمِهِ ولِلْعَرَبِ في اجْتِماعِهِمْ عَلى رَدِّ أمْرِهِ، ولا يَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ "العَبْدُ" نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ إلّا عَلى تَحامُلٍ في تَأْوِيلِ نَسَّقَ الآيَةُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مَعْنى الآيَةِ إنَّها قَوْلُ الجِنِّ لِقَوْمِهِمْ يَحْكُونَ، و"العَبْد" مُحَمَّد  ، والضَمِيرُ في "كادُوا" لِأصْحابِهِ الَّذِينَ يُطَوِّعُونَ لَهُ وَيَقْتَدُونَ بِهِ في الصَلاةِ، فَهم عَلَيْهِ لِبَدُ، واللُبَدُ الجَماعاتُ، شُبِّهَتْ بِالشَيْءِ المُتَلَبِّدِ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ بْنِ مَنافِ بْنِ رُبْعٍ: صابُوا بِسِتَّةِ أبْياتٍ وأرْبَعَةٍ....

حَتّى كَأنَّ عَلَيْهِمْ جانِيًا لَبَدا يُرِيدُ الجَرادَ، سَمّاهُ جانِيًا لِأنَّهُ يَجْنِي كُلَّ الأشْياءِ بِأكْمَلِهِ، [وَيُرْوى جابِيًا بِالباءِ لِأنَّهُ يَجْبِي الأشْياءَ بِأكْلِهِ].

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ السَبْعَةِ: "لَبَدا" بِكَسْرِ اللامِ، جَمْعُ لُبْدَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْوانًا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ -بِخِلافٍ عنهُ- ومُجاهِدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "لَبَدا" بِضَمِّ اللامِ وتَخْفِيفِ الباءِ المَفْتُوحَةِ، وهو جَمْعٌ أيْضًا، ورُوِيَ عَنِ الجَحْدَرِيِّ "لُبُدًا" بِضَمِّ اللامِ والباءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "لِبَّدا" بِكَسْرِ اللامِ وشَدِّ الباءِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عنهُما-: "لُبَّدًا" بِضَمِّ اللامِ وشَدِّ الباءِ، وهو جَمْعُ "لابُدَ"، فَإنَّ قَدَّرْنا الضَمِيرَ لِلْجِنِّ فَبِتَقَصُّفِهِمْ عَلَيْهِ لِاسْتِماعِ الذِكْرِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضَحّاكِ، وإنْ قَدَّرْناهُ لِلْكَفّارِ فَبِتَمالُئِهِمْ عَلَيْهِ وإقْبالِهِمْ عَلى أمْرِهِ بِالتَكْذِيبِ والرَدِّ، وهَذا تَأْوِيلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ.

و"يَدْعُوهُ" مَعْناهُ: يَعْبُدُهُ.

وقَرَأ عَلِيُّ بِنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "قالَ إنَّما أدْعُوا رَبِّي"، وهي قِراءَةُ جُمْهُورِ السَبْعَةِ، هو جَمْعٌ لا بُدَّ فَإنَّ قَدَّرْنا الضَمِيرَ لِلْجِنِّ فَتَقْصِفُهم عَلَيْهِ لِاسْتِماعِ الذِكْرِ، وهَذا تَأْوِيلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ وأدْعُوا مَعْناهُ أعْبُدُهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ تُؤَيِّدُ أنَّ "العَبْدَ" هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وأيُّوبُ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "قالَ إنَّما أدْعُوا"، وهَذِهِ تُؤَيِّدُ أنَّهُ مُحَمَّدٌ  ، وإنْ كانَ الِاحْتِمالُ باقِيًا مِن كِلَيْهِما، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في فَتْحِ الياءِ مِن "رَبِّي" وفي سُكُونِها.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى مُحَمَّدًا  بِالتَبَرِّي مِنَ القُدْرَةِ، وأنَّهُ لا يَمْلِكُ لِأحَدٍ ضَرًّا ولا رَشَدًا، بَلِ الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ تَعالى وقَرَأ الأعْرَجُ "رُشُدا" بِضَمِّ الراءِ والشِينِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "لا أمْلِكُ لَكم غَيًّا ولا رُشْدًا"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ سِواهُ.

و"المُلْتَحَدُ": المَلْجَأُ الَّذِي يُمالُ إلَيْهِ ويَرْكَنُ، ومِنهُ الإلْحادُ والمَيْلُ، ومِنهُ اللَحْدُ الَّذِي يُمالُ بِهِ إلى أحَدِ شِقَّيِ القَبْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

قرأ نافع وحده وأبو بكر عن عاصم بكسر الهمزة.

وقرأه بقية العشرة في رواياتهم المشهورة بالفتح.

ومآل القراءتين سواء في كون هذا خارجاً عما صدر عن الجن وفي كونه مما أوحى الله به.

فكَسْر الهمزة على عطف الجملة على جملة ﴿ أُوحي إليَّ ﴾ [الجن: 1]، والتقدير: وقل إِنه لما قام عبد الله يدعوه لأن همزة (إِنَّ) إذا وقعت في محكي بالقول تكسر، ولا يليق أن يجعل من حكاية مقالة الجن لأن ذلك قد انقضى وتباعد ونُقَل الكلام إلى أغراض أخرى ابتداء من قوله: ﴿ وأن المساجد لله ﴾ [الجن: 18].

وأما الفتح فعلى اعتباره معطوفاً على جملة ﴿ أنه استمع نفر ﴾ [الجن: 1]، أيْ وأوحي إلي أنه لما قام عبد الله، أي أوحى الله إليَّ اقتراب المشركين من أن يكونوا لُبَداً على عبد الله لما قام يدعو ربَّه.

وضمير ﴿ إنه ﴾ ضمير الشأن وجملة ﴿ لما قام عبد الله ﴾ إلى آخرها خبره.

وضمير ﴿ كادوا يكونون ﴾ عائدان إلى المشركين المنبئ عنهم المقام غيبة وخطاباً ابتداء من قوله: ﴿ وأن لو استقاموا على الطريقة ﴾ [الجن: 16] إلى قوله: ﴿ فلا تدعوا مع الله أحداً ﴾ [الجن: 18].

و ﴿ عبد الله ﴾ هو محمد صلى الله عليه وسلم وضع الاسم الظاهر موضع المضمر إذ مقتضى الظاهر أن يقال: وأنه لما قمتَ تدعو الله كادوا يكونون عليك، أو لما قمتُ أدعو الله، كادوا يكونون عليَّ.

ولكن عدل إلى الاسم الظاهر لقصد تكريم النبي صلى الله عليه وسلم بوصف ﴿ عبد الله ﴾ لما في هذه الإِضافة من التشريف مع وصف ﴿ عبدِ ﴾ كما تقدم غير مرة منها عند قوله: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ [الإسراء: 1].

﴿ ولِبَداً ﴾ بكسر اللام وفتح الموحدة اسم جمع: لِبْدة، وهي ما تلبد بعضه على بعض، ومنه لِبْدَة الأسد للشعر المتراكم في رقبته.

والكلام على التشبيه، أي كاد المشركون يكونون مثل اللَبد متراصين مقتربين منه يستمعون قراءته ودعوته إلى توحيد الله.

وهو التفاف غيظ وغضب وهممٍ بالأذى كما يقال: تأَلبوا عليه.

ومعنى ﴿ قام ﴾ : اجتهد في الدعوة إلى الله، كقوله تعالى: ﴿ إذ قاموا فقالوا ربّنا ربّ السماوات والأرض ﴾ في سورة الكهف (14)، وقال النابغة: بأن حِصنا وحيّاً من بني أسد *** قَاموا فقالوا حمانا غير مقروب وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ويقيمون الصلاة ﴾ في أول سورة البقرة (3).

ومعنى قيام النبي إعلانه بالدعوة وظهور دعوته قال جَزْءٌ بنُ كليب الفقعسي: فلا تبغينها يا بنَ كُوز فإنه *** غذَا الناسُ مُذ قام النبي الجواريا أي قام يعبدُ الله وحده، كما دل عليه بيانه بقوله بعده: قال إنما أدعو ربّي ولا أشرك به أحداً}، فهم لما لم يعتادوا دعاء غير الأصنام تجمعوا لهذا الحدث العظيم عليهم وهو دعاء محمد صلى الله عليه وسلم لله تعالى.

وجملة ﴿ قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحداً ﴾ بيان لجملة ﴿ يدعوه ﴾ .

وقرأ الجمهور ﴿ قال ﴾ بصيغة الماضي.

وقرأه حمزة وعاصم وأبو جعفر ﴿ قل ﴾ بدون ألف على صيغة الأمر، فتكون الجملة استئنافاً.

والتقدير: أوحي إلي أنه لما قام عبد الله إلى آخره قل إنما أدعو ربي، فهو من تمام ما أوحي به إليه.

و ﴿ إنما أدعو ربي ﴾ ، يفيد قصراً، أي لا أدعو غيره، أي لا أعبد غيره دونه.

وعطف عليه ﴿ ولا أشرك به أحداً ﴾ تأكيداً لمفهوم القصر، وأصله أن لا يعطف فعطفه لمجرد التشريك للعناية باستقلاله بالإِبلاغ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي الصَّلَواتِ لِلَّهِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّانِي: أنَّها الأعْضاءُ الَّتِي يَسْجُدُ عَلَيْها لِلَّهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ.

الثّالِثُ: أنَّها المَساجِدُ الَّتِي هي بُيُوتُ اللَّهِ لِلصَّلَواتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ كُلُّ مَوْضِعٍ صَلّى فِيهِ الإنْسانُ، فَإنَّهُ لِأجْلِ السُّجُودِ فِيهِ يُسَمّى مَسْجِدًا.

﴿ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا ﴾ أيْ فَلا تَعْبُدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ، وفي سَبَبِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما حَكاهُ الأعْمَشُ أنَّ الجِنَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لَنا نَشْهَدْ مَعَكَ الصَّلاةَ في مَسْجِدِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

الثّانِي: ما حَكاهُ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أنَّ الحُمْسَ مِن مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ وهم كِنانَةُ وعامِرٌ وقُرَيْشٌ كانُوا يُلَبُّونَ حَوْلَ البَيْتِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ نَهْيًا أنْ يَجْعَلَ لِلَّهِ شَرِيكًا، ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ النَّبِيَّ  كانَ إذا دَخَلَ المَسْجِدَ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُمْنى وقالَ: ﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا ﴾ اللَّهُمَّ أنا عَبْدُكَ وزائِرُكَ، وعَلى كُلِّ مَزُورٍ حَقٌّ وأنْتَ خَيْرُ مَزُورٍ فَأسْألُكَ بِرَحْمَتِكَ أنْ تَفُكَّ رَقَبَتِي مِنَ النّارِ وإذا خَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرى وقالَ: اللَّهُمَّ صُبَّ الخَيْرَ صَبًّا ولا تَنْزِعْ عَنِّي صالِحَ ما أعْطَيْتَنِي أبَدًا ولا تَجْعَلْ مَعِيشَتِي كَدًّا واجْعَلْ لِيَ في الخَيْرِ جِدًّا» ( .

﴿ وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قامَ إلى الصَّلاةِ يَدْعُو رَبَّهُ فِيها، وقامَ أصْحابُهُ خَلْفَهُ مُؤْتَمِّينَ، فَعَجِبَتِ الجِنُّ مِن طَواعِيَةِ أصْحابِهِ لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ قامَ إلى اليَهُودِ داعِيًا لَهم إلى اللَّهِ، رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

﴿ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أعْوانًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: جَماعاتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ، ومِنهُ اللَّبَدُ لِاجْتِماعِ الصُّوفِ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وقالَ ذُو الرُّمَّةِ ومَنهَلٍ آجِنٍ قَفْرٍ مَوارِدُهُ خُضْرٍ كَواكِبُهُ مِن عَرْمَصٍ لَبِدِ.

وَفِي كَوْنِهِمْ عَلَيْهِ لِبَدًا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ في اجْتِماعِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الجِنُّ حِينَ اسْتَمَعُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ قِراءَتَهُ، قالَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ الجِنُّ والإنْسُ في تَعاوُنِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ في الشِّرْكِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا ﴾ يَعْنِي ضَرًّا لِمَن آمَنَ ولا رَشَدًا لِمَن كَفَرَ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَذابًا ولا نَعِيمًا.

الثّانِي: مَوْتًا ولا حَياةً.

الثّالِثُ: ضَلالًا ولا هُدًى.

﴿ قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ﴾ رَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «انْطَلَقْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  لَيْلَةَ الجِنِّ حَتّى أتى الحَجُونَ فَخَطَّ خَطًّا ثُمَّ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ فازْدَحَمُوا عَلَيْهِ، فَقالَ سَيِّدٌ لَهم يُقالُ لَهُ ورْدانُ: أنا أزْجُلُهم عَنْكَ، فَقالَ: (إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ)» ويَحْتَمِلَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَنْ يُجِيرَنِي مَعَ إجارَةِ اللَّهِ لِي أحَدٌ.

الثّانِي: لَنْ يُجِيرَنِي مِمّا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ أحَدٌ.

﴿ وَلَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي مَلْجَأً ولا حِرْزًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: ولِيًّا ولا مَوْلًى، رَواهُ أبُو سَعِيدٍ.

الثّالِثُ: مَذْهَبًا ولا مَسْلَكًا، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يا لَهَفَ نَفْسِي ولَهْفِي غَيْرَ مُجْدِيَةٍ ∗∗∗ عَنِّي وما مِن قَضاءِ اللَّهِ مُلْتَحَدُ.

﴿ إلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا أمْلِكُ ضَرًّا ولا رَشَدًا إلّا أنْ أُبْلِغَكم رِسالاتِ اللَّهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ إنْ لَمْ أُبْلِغْ رِسالاتِ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

رَوى مَكْحُولٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «أنَّ الجِنَّ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ  في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وكانُوا سَبْعِينَ ألْفًا، وفَرَغُوا مِن بَيْعَتِهِ عِنْدَ انْشِقاقِ الفَجْرِ» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة إلى نواحي مكة فخط لي خطاً وقال: لا تحدثن شيئاً حتى آتيك» ، ثم قال: «لا يهولنك شيء تراه» .

فتقدم شيئاً ثم جلس فإذا رجال سود كأنهم رجال الزطّ، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿ كادوا يكونون عليه لبداً ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأنه لما قدم عبد الله كادوا يكونون عليه لبداً ﴾ قال: لما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يتلوا القرآن كادوا يركبونه من الحرص لما سمعوه يتلو القرآن، ودنوا منه فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول فجعل يقرئه ﴿ قل أوحي إليَّ أنه استمع نفر من الجن ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الزبير بن العوام مثله.

وأخرج عبد بن حميد والترمذي والحاكم وصححاه وابن جرير وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً ﴾ قال: لما أتى الجن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده فعجبوا من طواعية أصحابه له، فقالوا لقومهم: ﴿ لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأنه لما قام عبد الله يدعوه ﴾ أي يدعو إليه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً ﴾ قال: لما قام نبي الله صلى الله عليه وسلم تلبدت الإِنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه فأبى الله إلا أن ينصره ويظهره على من ناوأه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن ﴿ وأنه لما قام عبد الله يدعوه ﴾ قال: لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا إله إلا الله، ويدعو الناس إلى ربهم كادت العرب تلبد عليه جميعاً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كادوا يكونون عليه لبداً ﴾ قال: أعواناً.

وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي بكر عن أبي عاصم أنه قرأ ﴿ يكونون عليه لبداً ﴾ بكسر اللام ونصب الباء وفي ﴿ لا أقسم بهذا البلد ﴾ ﴿ مالاً لبداً ﴾ [ البلد: 6] برفع اللام ونصب الباء، وفسرها أبو بكر فقال: ﴿ لبداً ﴾ كثيراً و ﴿ لبداً ﴾ بعضها على بعض.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ قل إنما أدعو ربي ﴾ بغير ألف.

وأخرج ابن جرير عن حضرمي.

قال: ذكر لنا أن جنياً من الجن من أشرافهم ذا تبع قال: إنما يريد محمد أن نجيره وأنا أجيره فأنزل الله: ﴿ قل إني لن يجيرني من الله أحد ﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: انطلقت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن حتى أتى الحجون فخط علي خطاً ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه فقال سيدهم، يقال له وردان: الا أرجلهم عنك يا رسول الله؟

قال: ﴿ إني لن يجيرني من الله أحد ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله: ﴿ ولن أجد من دونه ملتحداً ﴾ قال: ملجأ.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ولن أجد من دونه ملتحداً ﴾ قال: ملجأ ولا نصيراً إلا بلاغاً من الله ورسالاته.

قال: هذا الذي يملك بلاغاً من الله ورسالاته، وفي قوله: ﴿ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول ﴾ قال: فإنه إذا ارتضى الرسول اصطفاه، وأطلعه على ما شاء من غيبه وانتخبه.

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول ﴾ قال: أعلم الله الرسل من الغيب الوحي وأظهرهم عليه فيما أوحي إليهم من غيبه وما يحكم الله فإنه لا يعلم ذلك غيره.

وأخرج ابن حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ﴾ قال: هي معقبات من الملائكة يحفظونه من الشيطان حتى يبين الذي أرسل إليهم به، وذلك حين يقول أهل الشرك قد أبلغوا رسالات ربهم.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ إلا من ارتضى من رسول ﴾ قال: جبريل.

وأخرج ابن مردويه عن عباس قال: ما أنزل الله على نبيه آية من القرآن إلا ومعها أربعة من الأملاك يحفظونها حتى يؤدوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم قرأ ﴿ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ﴾ يعني الملائكة الأربعة ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا من ارتضى من رسول ﴾ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يلقى الشيطان في أمنيته يدنون منه فلما ألقى الشيطان في أمنيته أمرهم أن يتنحوا عنه قليلاً ليعلم أن الوحي إذا نزل من عند الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ﴾ قال: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل ليعلم محمد ﴿ أن قد أبلغوا رسالات ربهم ﴾ قال: وما جاء جبريل إلا ومعه أربعة من الملائكة حفظة.

وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿ فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ﴾ قال: الملائكة يحفظونه من الجن.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿ إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ﴾ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث إليه الملك بالوحي بعث معه نفراً من الملائكة يحرسونه من بين يديه ومن خلفه أن يتشبه الشيطان على صورة الملك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إلا من ارتضى من رسول ﴾ قال: يظهره من الغيب على ما شاء إذا ارتضاه وفي قوله: ﴿ فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ﴾ قال: من الملائكة وفي قوله: ﴿ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ﴾ قال: ليعلم نبي الله أن الرسل قد بلغت عن الله وأن الله حفظها ودفع عنها.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ ليعلم ﴾ قال: ليعلم ذلك من كذب الرسل ﴿ أن قد أبلغوا رسالات ربهم ﴾ .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ ﴾ عبد الله هنا محمد صلى الله عليه وسلم ووصفه بالعبودية اختصاصاً له وتقريباً وتشريفاً، وقال الزمخشري: أنه سماه هنا عبد الله ولم يقل الرسول أو النبي؛ لأن هذا واقع في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، لأنه مما أوحي إليه فذكر صلى الله عليه وسلم نفسه على ما يقتضيه التواضع والتذلل، وهذا الذي قاله بعيد مع أنه إنما يمكن على قراءة أنه لما قام بفتح الهمزة فيكون عطفاً على أوحي إلي أنه استمع، وأما على القراءة بالكسر على الاستئناف فيكون إخباراً من الله، أو من جملة كلام الجن فيبطل ما قاله ﴿ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾ اللبد الجماعات واحدها لبدة، والضمير في كادوا يحتمل أن يكون للكفار من الناس، أي كادوا يجتمعون على الردّ عليه وإبطال أمره، أو يكون للجن الذين استمعوا، أي كادوا يجتمعون عليه لاستماع القرآن، والبركة به.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات {وأنه  } إلى قوله ﴿ وأنا منا المسلمون ﴾ بالفتح: يزيد وابن عامر وحمزة وعلي وخلف وحفص.

والمشهور عن أبي جعفر أنه كان يفتح الألف في سبعة مواضع ﴿ أنه ﴾ ﴿ وأنه ﴾ في خمسة مواضع، واثنين في قوله ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ ﴿ وأن المساجد ﴾ وهما بالفتح لا غير بالإتفاق.

﴿ تقول الإنس ﴾ بالتشديد من التفعل: يعقوب ﴿ يسلكه ﴾ على الغيبة: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب الباقون: بالنون ﴿ وإنه لما قام ﴾ بالكسر: نافع وأبو بكر وحماد ﴿ لبداً ﴾ بالضم: هشام.

﴿ قل إنما أدعو ﴾ على الأمر: عاصم وحمزة ويزيد الآخرون ﴿ قال ﴾ على صيغة الماضي والضمير لعبد الله ﴿ ربي أمداً ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ليعلم ﴾ مبنياً للمفعول: يعقوب.

الوقوف: ﴿ عجباً ﴾ ه لا ﴿ فآمنا به ﴾ ط للعدول عن الماضي المثبت إلى ضدهما.

ثم الوقف على الآيات التي بعد أن جائز ضرورة انقطاع النفس والوقف في قراءة الكسر أجوز ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ ولا ولداً ﴾ ه ﴿ شططاً ﴾ ه لا ﴿ رهقاً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ وشهباً ﴾ ه ﴿ للسمع ﴾ ط ﴿ رصداً ﴾ ه ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط ﴿ قدداً ﴾ ه ﴿ هرباً ﴾ ه ﴿ آمنا به ﴾ ط ﴿ رهقاً ﴾ ه ﴿ ومنا القاسطون ﴾ ه ط للابتداء بالشرط ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ حطباً ﴾ ه لا ﴿ غدقاً ﴾ ه لا ﴿ فيه ﴾ ج ﴿ صعداً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه لمن قرأ ﴿ وأنه ﴾ بالفتح ﴿ لبداً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ ملتحداً ﴾ ه ﴿ ورسالاته ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ه لا لأن حتى للابتداء بما بعدها ﴿ عدداً ﴾ ه لا ﴿ أمداً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه لا ﴿ رصداً ﴾ ه ﴿ عدداً ﴾ ه.

التفسير: روى يونس وهارون عن أبي عمرو ﴿ وحي ﴾ بضم الواو من غير ألف.

والوحي والإيحاء بمعنى وهو إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء وسرعة كالإلهام وإنزال الملك وقد مر مراراً.

وقرىء ﴿ أحي ﴾ بقلب الواو همزة.

والكلام في الجنِّ اسماً وحقيقته قد سلف في الاستعاذة وكذا بيان اختلاف الروايات أنه  هل رأى الجن أم لا، وذلك في آخر سورة " حم الأحقاف ".

والذي أزيده ههنا ما ذكره بعض حكماء الإسلام أنه لا يبعد أن تكون الجن أرواحاً مجردة كالنفوس الناطقة، ثم يكون لكل واحد منهم تعلق بجزء من أجزاء الهواء كما أن أول متعلق النفس الناطقة هو الروح الحيوني في القلب، ثم بواسطة سريان ذلك الهواء في جسم آخر كثيف يحصل التدبير والتصرف فيه كما للنفس الناطقة في البدن، ومنهم من جوز أن يكون الجن عبارة عن النفوس الناطقة التي فارقت أبدان الإنسان فتتصرف فيما يناسبها من الأرواح البشرية التي لم تفارق بعد فتعينها بالإلهام إن كانت خيرة، وبالوسوسة إن كانت بالضد.

أما الذاهبون إلى أن الجن أجسام فمنهم الأشاعرة القائلون بأن البنية ليست شرطاً في الحياة وأنه لا يبعد أن يخلق الله  في الجوهر الفرد علماً بأمور كثيرة وقدرة على أعمال شاقة، فعند هذا ظهر القول بإمكان وجود الجن سواء كانت أجسامهم لطيفة أو كثيفة وسواء كان أجزاؤهم صغاراً أو كباراً.

ثم الأمر بالخروج إليهم وقراءة القرآن عليهم لا أنه رآهم وعرف جوابهم.

والله  أوحى في هذه السورة.

ومنهم من قال: البنية شرط وأنه لا بد من صلابة في البنية حتى يكون قادراً على الأفعال الشاقة.

ومن الأولين من جوز أن يكون المرئي حاضراً والشرائط حاصلة والموانع مرتفعة، ثم أنا لا نراه.

وأعلم أن ما ذكرنا في تفسير الأحقاف عن ابن عباس أنه  ما رأة الجن.

وعن ابن مسعود أنه رآهم.

فالجمع بين القولين أن ما ذكره ابن عباس لعله وقع أولاً فأوحى الله إليه في هذه السورة أنهم قالوا كذا وكذا، أو رآهم وسمع كلامهم وآمنوا به، ثم رجعوا إلى قومهم وذكروا لقومهم على سبيل الحكاية ﴿ أنا سمعنا قرآناً عجباً ﴾ إلى آخره كقوله في " الأحقاف " ﴿ فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين  ﴾ أوحى الله  إلى نبيه محمد  ما جري بينهم وبين قومهم.

والفائدة فيه أن يعلم أنه مبعوث إلى الثقلين وأن الجن مكلفون كالأنس وأنهم يسمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا، وأن المؤمن منهم يدعو سائرهم إلى الإيمان.

وأجمع القراء على فتح ﴿ أنه استمع ﴾ لأنه فاعل ﴿ أوحي ﴾ وكذا على فتح ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ ﴿ وأن المساجد ﴾ لأنه يعلم بالوحي فهما معطوفان على ﴿ أنه استمع ﴾ وأجمعوا على كسر ﴿ إنا ﴾ في قوله ﴿ إنا سمعنا ﴾ لأنه وقع بعد القول.

وفي البواقي خلاف، فمن كسر فمحمول على مقول القول وأنه صريح من كلام الجن، ومن فتح فعلى أنه فاعل ﴿ أوحى ﴾ ولا بد من تقدير ما في الحكاية ليكون حكاية كلام الجن كأنه قيل: وحكوا أنه  جد ربنا إلى آخره إلا في قوله ﴿ وأنه لما قام عبد الله ﴾ فإنه كاللذين تقدماه يصح وقوعه فاعل ﴿ أوحي ﴾ من غير تقدير، وجوز صاحب الكشاف فيمن قرأ بفتح الكل في قوله {وأنه  جد ربنا} ﴿ وأنه كان يقول سفيهنا ﴾ وكذلك البواقي أن يكون معنا صدقنا.

قلت: وفيه نظر لنبوه عن الطبع في أكثر المواضع إذ لا معنى لقول القائل مثلا: صدقنا أنا لمسنا السماء وصدقنا أنا لما سمعنا الهدى آمنا به.

وبالجملة فكلامه في هذا المقام غير واضح ولا لائق بفضله.قوله  ﴿ عجباً ﴾ مصدر وضع موضع الوصف للمبالغة أي قرآناً عجباً بديعاً خارجاً عن حد أشكاله بحسن مبانيه وصحة معانية ﴿ يهدي إلى الرشد ﴾ أي الصواب أو التوحيد والإيمان ﴿ فآمنا به ﴾ لأن الإيمان بالقرآن إيمان بكل ما فيه من التوحيد والنبوة والمعاد، ويجوز أن يكون الضمير لله لأن قوله ﴿ ولن نشرك بربنا ﴾ يدل عليه بعد دلالة الحال ولن نعود إلى ما كنا عليه من الشرك.

ذكر الحسن أن فيهم يهود ونصارى ومجوساً ومشركين.

قلت: ومما يدل على أن فيهم نصارى قوله  {وأنه  جد ربنا} أي عظمته مكن قولهم " جد فلان في عيني " أي عظم.

وفي حديث عمر كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا.

ويحتمل أن يراد ملكه وسلطانه أو غناه استعارة من الجد الذي هو الدولة والبخت لأن الملوك والأغنياء المجودون.

وفي الحديث " "لا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ " قال أبو عبيدة: لا ينفع ذا الغنى منك غناه.

وفي حديث آخر " قمت على باب الجنة فإذا غلقه من يدخلها من الفقراء وإذا أصحاب الجد محبوسون " يعني أصحاب الغنى في الدنيا أي ارتفع غنى ربنا عن الاحتياج إلى الصاحبة والاستئناس بالولد كأنهم بسماع القرآن تنبهوا على خطا أهل الشرك من أهل الكتاب وغيرهم.

فقوله ﴿ ما اتخذ ﴾ بيان للأول.

وقيل: الجد أبو الأب وإن علا فهو مجاز عن الأصل أي  أصل ربنا وهو حقيقته المخصوصة عن جميع جهات التعلق بالغير قاله الإمام في التفسير الكبير.

النوع الثالث مما ذكره الجن قوله ﴿ وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططاً ﴾ السفه خفة العقل، والشطط مجاوزة الحد في الظلم وغيره ومنه أشط في السوم إذا أبعد فيه أي يقول قولاً هو في نفسه شطط، وصف بالمصدر للمبالغة.

والسفيه إبليس أو غيره من مردة الجن الذين جاوزا الحد في طرف النفي إلى أن أفضى إلى التعطيل، أو في طرف الإثبات إلى أن أدى إلى الشريك والصاحبة والولد.

الرابع ﴿ وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً ﴾ أي إنما أخذنا قول الغير لأنا ظننا أن لا يفتري الكذب على الله أحد، فلما سمعنا القرآن عرفنا أنهم قد يكذبون.

وقال جار الله ﴿ كذباً ﴾ صفة أي قولاً مكذوباً فيه، أو مصدر لأن الكذب نوع من القول.

ومن قرأ بالتشديد وضع ﴿ كذباً ﴾ موضع تقولا ولم يجعله صفة لأن التقول لا يكون إلا كذباً.

قال بعض العلماء: فيه ذم لطريقة أهل الطريق وحث على الاستدلال والنظر.

الخامس ﴿ وأنه كان رجال من الإنس ﴾ الآية.

قال جمهور المفسرين: كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في واد قفر خاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه يريد الجن وكبيرهم فيبيت في جوار منهم حتى يصبح.

وقال آخرون: إذا قحطوا بعثوا رائدهم فإذا وجد مكاناً فيه كلأ وماء رجع إلى أهله فسار بهم، فإذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا نعوذ برب هذا الوادي أن يصيبنا آفة يعنون الجن فإن لم يفزعهم أحد نزلوا وربما أفزعهم الجن فهربوا.

وقيل: المراد أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الإنس أيضاً لكن من شر الجن كأن يقول مثلاً: أعوذ برسول الله  من شر جن هذا الوادي.

وإنما ذهبوا إلى هذا التأويل ظناً منهم بأن الرجل اسم الإنس لا اسم الجن، وضعف بأنه لم يقم دليل على أن الذكر من الجن لا يسمى رجلاً.

أما قوله ﴿ فزادوهم رهقاً ﴾ فمعناه أن الإنس لاستعاذتهم بهم زادوهم إثماً وجراءة وطغياناً وكبراً لأنهم إذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الجن والإنس.

وقيل: ضمير الفاعل للجن أي فزاد الجن الإنس خوفاً وغشيان شر بإغوائهم وإضلالهم فإنهم لما تعوذوا بهم ولم يتعوذوا بالله استولوا واجترؤا عليهم.

السادس ﴿ وأنهم ﴾ أي الإنس ﴿ ظنوا كما ظننتم ﴾ أيها الجن قاله بعضهم لبعض.

وقيل: هذه الآية والتي قبلها من جملة الوحي بلا تقدير الحكاية.

والضمير في ﴿ وأنهم ﴾ للجن، والخطاب في ﴿ ظننتم ﴾ لأهل مكة.

والأولى أن يكون الكلام من كلام الجن لئلا يقع كلام أجنبي في البين.

السابع ﴿ وأنا لمسنا السماء ﴾ قال أهل البيان: اللمس المس فاستعير للطلب لأن الماس طالب التعرف، والمعنى طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها.

والحرس إسم مفرد في معنى الحراس كالخدم بمعنى الخدام ولها لم يقل شداد.

الثامن ﴿ وأنا كنا نقعد منها مقاعد ﴾ إلى آخره وفي قوله ﴿ شهاباً رصداً ﴾ وجوه: قال مقاتل: يعني رمياً بالشهب ورصداً من الملائكة وهو اسم جمع كما قلنا في حرس.

فقوله ﴿ رصداً ﴾ كالخبر بعد الخبر وقال الفراء: هو فعل بمعنى مفعول أي شهاباً قد رصد ليرجم به.

وقيل: بمعنى فاعل أي شهاباً راصداً لأجله.

واعلم أنا قد بينا في هذا الكتاب أن هذه الشهب كانت موجودة قبل مبعث نبينا  وقد جاء ذكرها في الجاهلية وفي كتب الفلاسفة، وإنما غلظت وشدد أمرها عند البعث لئلا يتشوش أمر الوحي بسبب تخليط الكهنة.

وفي قوله ﴿ كنا نقعد منها مقاعد ﴾ إشارة إلى أن الجنّ كانوا يجدون بعض المقاعد خالية عن الشهب والحرس والآن ملئت المقاعد كلها.

التاسع ﴿ وأنا لا ندري ﴾ الآية.

وفيه قولان: أحدهما لا ندري أن المقصود من منع الإستراق شر أريد بمن في الأرض أم خير وصلاح.

وثانيهما لا نعلم أن المقصود من إرسال محمد الذي وقع المنع من الإستراق لأجله هو أن يكذبوه فيهلكوا كما هلك المكذبون من الأمم السالفة، أو أن يؤمنوا فيهتدوا، وفيه اعتراف من الجن بأنهم لا يعلمون الغيب على الإطلاق.

العاشر ﴿ وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ﴾ أي قوم أدون حالاً في الصلاح من المذكورين حذف الموصوف واكتفى بالصفة كما في قوله ﴿ وما منا الإله مقام معلوم  ﴾ وهذا القسم يشمل المقتصدين والصالحين.

وقوله ﴿ كنا طرائق قدداً ﴾ بيان للقسمة المذكورة، فالطرائق جمع الطريقة بمعنى السيرة والمذهب، والقدد جمع قدة من قد كالقطعة من قطع أي كنا قبل الإسلام ذوي مذاهب متفرقة مختلفة أوعلى حذف المضاف أي كانت طرائقنا طرائق قدد، أو كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة.

الحادي عشر ﴿ وأنا ظننا ﴾ أي تيقنا وقد استعمل الظن الغالب مكان اليقين ﴿ أن لن نعجز الله في الأرض ﴾ إن أراد بنا أمر ﴿ ولن نعجزه هرباً ﴾ أي هاربين أو بسبب الهرب إن طلبنا وفيه إقرار منهم بأن الله غالب على كل شيء.

الثاني عشر ﴿ وأنا لما سمعنا الهدى ﴾ الآية.

عنوا سماعهم القرآن وإيمانهم به.

وقوله ﴿ فلا يخاف ﴾ في تقدير مبتدأ أو خبر أي فهو لا يخاف وإلا قيل بالجزم وبدون الفاء، والفائدة في هذا المساق تحقيق أن المؤمن ناجٍ لا محالة كأنه وقع فأخبر أنه لا يخاف ودلالة على أنه هو المختص بذلك دون غيره إذ يعلم من بناء الكلام على الضمير أن غيره خائف.

وقوله ﴿ بخساً ولا رهقاً ﴾ على حذف المضاف أي جزاء بخس ولا رهق لأنه لم يبخس أحداً حقاً ولا رهق ظلم أحد، وفيه أن المؤمن ينبغي أن يكون غير باخس ولا ظالماً.

ويجوز أن يراد لا يخاف البخس من الله لأنه يجزي الجزاء الأحسن الأوفر ولا ترهقه ذلة.

الثالث عشر ﴿ وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ﴾ أي الجائرون عن طريق الحق بالكفر والعدوان وهو قريب من العاشر إلا أن في هذا النوع تفصيل جزاء الفريقين فذكر الإيعاد صريحاً وفي الوعد اقتصر على ذكر سببه وهو تحري الرشد أي طلب الصواب المستتبع للثواب.

قال المبرد: أصل التحري من قولهم ذلك أحرى وأحق وأقرب.

وقال أبو عبيدة: تحروا توخوا.

وفي العدول عن الحقيقة إلى المجاز في جانب الوعد بشارة وإشارة إلى تحقيق الثواب لما عرفت مراراً أن المجاز أبلغ من الحقيقة.

قوله ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ معطوف على ﴿ إنه استمع ﴾ كما مر ومعناه أوحى إليّ أن الشأن والحديث لو استقام الجن على الطريق المثلى.

وجوز جمع من المفسرين أن يعود الضمير في ﴿ استقاموا ﴾ إلى الأنس لأن الترغيب في الانتفاع بالماء الغدق إنما يليق بهم لا بالجن، ولأن الآية روي أنها نزلت بعدما حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين.

وزعم القاضي أن الثقلين.

يدخلون في الآية لأنه أثبت حكماً معللاً بعلة وهو الاستقامة فوجب أن يعم الحكم بعموم العلة.

وأما قول من يقول إن الضمير عائد إلى الجن فله معنيان: أحدهما لو ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله ولم يستكبر عن السجود لآدم وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم.

وذكر الماء الغدق وهو الكثير كناية عن طيب العيش وكثرة المنافع لأنه أصل البركات، فتكون الآية نظير قوله ﴿ ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم  ﴾ وثانيهما لو استقام الجن الذين استمعوا القرآن على طريقتهم التي كانوا عليها قبل الإستماع ولو ينتقلوا عنها إلى الإسلام لو سعنا عليهم الرزق في الدنيا ليذهبوا بطيباتهم في الحياة الفانية ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا  ﴾ إلى آخره.

وأما الذين قالوا: الضمير عائد إلى الإنس فالوجهان جاريان فيه بعينهما.

وعن أبي مسلم: إن المراد بالماء الغدق جنات تجري من تحتها الأنهار يعني في الجنة.

واحتجاج الأشاعرة بقوله ﴿ لنفتنهم ﴾ على أنه  هو الذي يضل عباده ويوقعهم في الفتن والمحن.

والمعتزلة أجابوا بأن الفتنة هنا بمعنى الاختبار كقوله ﴿ ليبلوكم  ﴾ ثم بين وعيد المعرضين عن عبادة الله ووحيه.

وانتصب ﴿ عذاباً صعداً ﴾ على حذف الجار أي في عذاب صعد كقوله ﴿ ما سلككم في سقر  ﴾ أو على تضمين معنى الإدخال.

الصعد مصدر بمعنى الصعود، ووصف به العذاب لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه.

وقد روى عكرمة عن ابن عباس أن ﴿ صعداً ﴾ جبل في جهنم من صخرة ملساء يكلف الكافر صعودها ثم يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها في أربعين سنة، وإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسلفها ثم يكلف الصعود مرة أخرى، وهكذا أبداً ومن جملة الوحي قوله ﴿ وأن المساجد لله ﴾ ذهب الخليل أن الجار محذوف ومتعلقه ما بعده أي ولأجل أن المساجد لله خاصة ﴿ فلا تدعوا مع الله أحداً ﴾ فيها عن الحسن عني بالمساجد الأرض كلها لأنها جعلت للنبي  مسجداً وهو مناسب لمدح النبي  في هذا المقام أي كما أنه مفضل على الأنبياء ببعثه إلى الثقلين فكذلك خص بهذا المعجز الآخر.

وقال جمع كثير من المفسرين: إنها كل موضع بني للصلاة ويشمل مساجدنا والبيع والكنائس أيضاً.

قال قتادة: كان اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بالله فأمرنا بالإخلاص والتوحيد وعن الحسن أيضاً أن المساجد جمع مسجد بالفتح فيكون مصدراً بمعنى السجود.

وعلى هذا قال سعيد بن جبير: المضاف محذوف أي مواضع السجود من الجسد لله وهي الآراب السبعة: الوجه والكفان والركبتان والقدمان.

وقال عطاء عن ابن عباس: هي مكة بجميع ما فيها من المساجد، وأنها قبة الدنيا فكل أحد يسجد إليها.

قال الحسن: من السنة أن الرجل إذا دخل المسجد أن يقول " لا إله إلا الله " لأن قوله ﴿ لا تدعوا مع الله أحداً ﴾ في ضمنه أمر بذكر الله بدعائه.

قوله ﴿ وأنه لما قام عبد الله ﴾ هو النبي باتفاق المفسرين.

ثم قال الواحدي: هذا من كلام الجن لأن الرسول لا يليق به أن يحكي عن نفسه بلفظ المغايبة.

ولا يخفى ضعفه فإنه وارد على طريق التواضع والأدب في الإفتخار بالانتساب إلى عبودية المعبود الحق، وهذا طريق مسلوك في المحاورات والمكاتبات.

يقولون: عبدك كذا وكذا دون أن يقال " فعلت كذا ".

وفي تخصيص هذا اللفظ بالمقام دون الرسول والنبي نكتة أخرى لطيفة هي أن ما قبله النهي عن عبادة غير الله وما بعده ذكر عبادة النبي إياه.

فإن كان هذا من جملة الوحي فلا إشكال في النسق، وإن كان من كلام الجن وفرض أن ما قبل قوله ﴿ وأن لو استقاموا ﴾ أيضاً من كلامهم كانت الآيتان المتوسطتان كالاعتراض بين طائفتي كلام الجن.

ومناسبة الاستقامة على الطريقة وتخصيص المساجد بعبادة الله وحده لما قبلها ظاهرة فلا اعتراض على هذا الاعتراض.

وفي قوله ﴿ كادوا ﴾ ثلاثة أوجه أظهرها أن الضمير للجن، والقيام قيام النبي  بصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن فاستمعوا لقراءته متزاحمين عليه متراكمين تعجباً مما رأوا من عبادته واقتداء أصحابه.

والثاني بأن الضمير للمشركين والمعنى لما قام رسولاً يعبد الله وحده مخالفاً للمشركين كاد المشركون لتظاهرهم عليه يزدحمون على عداوته ودفعه.

والثالث قول قتادة أي لما قام عبد الله تلبدت الإنس والجن وتظاهروا عليه ليطفئوا نور الله فأبى الله إلا أن يتم نوره.

و ﴿ لبداً ﴾ جمع لبدة وهي ما تلبد بعضه على بعض كلبدة الأسد.

والتركيب يدور على الإجتماع ومنه اللبد.

ومن قرأ ﴿ قل إنما أدعو ﴾ فظاهر وهو أمر من الله  لنبيه  بأن يقول لأمته المتظاهرين أو للجن عند ازدحامهم: ليس ما ترون من عبادتي ربي بأمر بديع وإنما يتعجب ممن يدعو غير الله وجوز في الكشاف أن يكون هذا من كلام الجن لقومهم حكاية عن رسول الله  .

ثم أمر أن يخبر أمته بكلمات قاطعة للأسباب والوسائل سوى الإيمان والعمل الصالح.

والرشد بمعنى النفع، والضر بمعن الغي، وكل منها إمارة على ضده.

ثم من ههنا إلى قوله ﴿ إلا بلاغاً ﴾ اعتراض أكد به نفي الاستطاعة وإثبات العجز على معنى أن الله إن أراد به سوأ لن يخلصه منه أحد ولن يجد من غير الله ملاذاً ينحرف إليه.

والمقصود أني لا أملك شيئاً إلا البلاغ الكائن من الله ورسالاته، فالجار صفة لا صلة لأن التبليغ إنما يعدى بـ " عن " قال  " بلغوا عني ولو آية " قال الزجاج: انتصب ﴿ بلاغاً ﴾ على البدل أي لن أجد من دونه منجى إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به.

قلت: على هذا جاز أن يكون استثناء منقطعاً.

وقيل: أن لا أبلغ بلاغاً لم أجد ملتحداً كقولك " أن لا قياماً فقعوداً ".

استدل جمهور المعتزلة بقوله ﴿ ومن يعص الله ﴾ الآية.

على أن الفساق من أهل القبلة مخلدون في النار، ولا يمكن حمل الخلود على المكث الطويل لاقترانه بقوله ﴿ أبداً ﴾ وأجيب بأن الحديث في التبليغ عن الله فلم لا يجوز أن تكون هذه القرينة مخصصة؟

أي ومن يعص الله في تبليغ رسالته وأداء وحيه، ومما يقوي هذه القرينة أن سائر عمومات الوعيد لم يقرن بها لفظ ﴿ أبداً ﴾ فلا بد لتخصيص المقام بها من فائدة وما هي إلا أن التقصير في التبيلغ أعظم الذنوب.

وقد يجاب أيضاً بأن قوله ﴿ ومن يعص الله ﴾ لا يحتمل أن يجري على عمومه كأن يراد ومن يعص الله بجميع أنواع المعاصي.

فمن المحال أن يقول شخص واحد بالتجسيم وبالتعطيل، وإذا صار هذا العام مخصصاً بدليل العقل فلم لا يجوز أن يتطرق إليه تخصيص آخر كأن يقال: ومن يعص اله بالكفر.

وحينئذ لا يبقى للخصم شبهة بل نقول: لا حاجة إلى التزام تخصيص آخر، فإن الآتي بالكفر آت بجميع المعاصي الممكنة الجمع.

قال جار الله: ﴿ حتى إذا ﴾ متعلق بقوله ﴿ يكونون عليه لبداً ﴾ أي يتظاهرون عليه بالعداوة إلى يوم بدر أو إلى يوم القيامة حين يعلم يقيناً أن الكافر أضعف الفريقين.

وجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال من استضعاف الكفار واستقلالهم لعدده كأنه قال: لا يزالون على ما هم عليه حتى إذا رأوا.

ثم أمره بأن يفوّض علم تعيين الساعة إلى الله لأنه عالم الغيب ﴿ ومن رسول ﴾ بيان ﴿ لمن ارتضى ﴾ وفيه أن الإنسان المرتضى للنبوة قد يطلعه الله  على بعض غيوبه، وعلم الكهنة والمنجمين ظن وتخمين فلا يدخل فيه، وعلم الأولياء إلهامي لا يقوى قوة علوم الأنبياء كنور القمر بالنسبة إلى ضياء الشمس.

وههنا أسرار لا أحب إظهارها فلنرجع إلى التفسير.

قوله ﴿ فإنه يسلكه ﴾ الأكثرون على أن الضمير لله  .

وسلك بمعنى أسلك.

﴿ رصداً ﴾ مفعول أي يدخل الله من أمام المرتضى ووزائه حفظة يحرسونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك.

وفي الكلام إضمار التقدير.

إلا من ارتضى من رسول فإنه يطلعه على غيبه بطريق الوحي ثم يسلك.

وقيل: الضمير للمرتضى وسلك بمعنى سار وفاعله الملائكة ﴿ ورصداً ﴾ حال.

قال في الكواشي: ثم بين غاية الإظهار والسلك فقال ﴿ ليعلم ﴾ أي ليظهر معلوم الله كما هو الواقع من غير زيادة ولا نقص، ومثل هذا التركيب قد مر مراراً.

قال قتادة ومقاتل: أي ليعلم محمد أن قد أبلغ جبرائيل ومن معه من الملائكة الوحي بلا تحريف وتغيير.

وقوله ﴿ من بين يديه ﴾ مع قوله ﴿ أن قد أبلغوا ﴾ كقوله ﴿ فإن له نار جهنم خالدين ﴾ من الحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى.

ثم ما ذكرنا وهو أن المراد بالعلم هو الظهور بقوله ﴿ وأحاط بما لديهم ﴾ من الحكم والشرائع أي وقد أحاط قبل به.

ثم عمم العلم فقال ﴿ وأحصى كل شيء ﴾ من ورق الأشجار وزبد البحار وقطر الأمطار.

و ﴿ عدداً ﴾ مصدر في معنى الإحصاء أو حال أي ضبط كل شيء معدوداً محصوراً أو تمييز والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ ٱلصَّالِحُونَ ﴾ هم المؤمنون و ﴿ دُونَ ذَلِكَ ﴾ هم الكافرون.

ويشبه أن يكون ﴿ ٱلصَّالِحُونَ ﴾ ، و ﴿ دُونَ ذَلِكَ ﴾ ليس على الإيمان والكفر؛ لأن هذا قد ذكر فيما تقدم من الآيات بقوله: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ ﴾ ، ولو كان التأويل على ما ذكروا، لكان يقع موقع التكرار؛ ولكن تأويله عندنا: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ ﴾ ، أي: منا من عرف بالصلاح والستر، ﴿ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ﴾ وهم الفسقة؛ فيكون فيه إبانة أن كل أهل دين فيهم الصالح المرضي، وفيهم الفاسق المفسد في دينه؛ قال الله  : ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ  ﴾ ، ولو لم يكن منا غير صالح، لم يكن لاشتراط الصالحين معنى، وكقوله  : ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ  ﴾ ، فلو لم يكن منا أهل فسق، لما قال هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً ﴾ .

أي: أهواء متفرقة، ولم يذكروا في الأهواء المتفرقة الأصلح والأدون، وذكروا ذلك عند ذكر الفاسق والصالح؛ لأن أهل الأهواء كلٌّ [يظن] في نفسه: أنه هو المحق، وغيره على الباطل، وأما الفاسق فهو يعرف أنه يتعاطى بفسقه ما لا يحل له، ويرتكب ما نهي عنه، وكذلك كل من شاهد فسقه يعرف أنه على الباطل؛ وإن كان كذلك، ظهر الدون فيه، وظهر الصالح، ولم يظهر ذلك في اعتقاد المذاهب؛ فلم يتكلم فيه بالدون والصلاح.

ثم الطرائق هي المذاهب والأهواء، والقدد: القطع، يقال: قَدَّه، أي: قطعه، فمعناه: أنا كنا على مذاهب متفرقة، وأهواء متشتتة، ففي الآية أن في الجن أهواء متفرقة، كما [أن] ذلك في الإنس، والأصل فيه أن طريق معرفة المذهب والدين الفكر والاجتهاد [ليتوصل به] إلى الحق، والمجتهد قد يصيب الطريق مرة، ويزيغ عنه أخرى؛ فلهذا ما أصاب البعض من الخلائق الطريق المستقيم، ومنهم من زاغ عنه.

ويعلم بهذا أن سبيل الجن في التوحيد وسبيل الإنس واحد، وهو الفكر، وله الاجتهاد، وأن فيهم آيات متشابهة كما في الإنس؛ إذ عن المتشابه يتولد الزيغ؛ لذلك تفرقوا على أهواء [متفرقة] مختلفة، وأما أسباب الفسق مجتمعة، فتعرف بالمعاينة، فيظهر الأدون والأرفع في الدين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً ﴾ : ذكر أبو بكر الأصم أنه على كفرهم ظنوا ألا يعجزوا الله  .

ولكن أكثر أهل التأويل ذكروا أن الظن هاهنا في موضع العلم، ويؤيد تأويلهم قراءة حفصة -  ا - فإنها كانت تقرأ: ﴿ وأنا علمنا أن لن نعجز الله في الأرض فَرَرَةً ولن نسبقه هربا ﴾ .

فقوله: ﴿ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: لن نفوته، ولا يتهيأ لنا أن نعجز الله بأهل الأرض عن إيصال نقمته وعذابه إلينا.

ويخرج قوله: ﴿ فَرَرَةً ﴾ على ذلك، أي: لو فررنا من عذابه، لن نعجزه ألا يعذبنا.

والفرار قد يكون بدون الطلب؛ قال الله - عز وجل -: ﴿ فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ  ﴾ ، ولم يرد به الفرار من الطلب، وأما الهرب فإنه لا يكون إلا عن طلب؛ فكأنهم قالوا: لا يتهيأ لنا الفرار عن عذاب الله  ؛ لكثرة الأعوان والأنصار، ولا يعجزه هربنا عن طلب.

أو أن يكون قوله عز وجل: ﴿ لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ وإن دخلنا تحت تخوم الأرضين، ولن نعجزه بالهرب على وجه الأرض، فيكون فيه إقرار بأنا لا نقدر بالحيل والأسباب أن نحترز من عذاب الله  ، كما يتهيأ الاحتراز عن ملوك الأرض بالحيل والأسباب.

ثم مثل هذا الكلام يصدر عن أهل الإسلام؛ لأن مثل هذا الكلام إنما يتكلم به من يخاف حلول نقم الله  عليه، والذي أيقن بالبعث، ويذكر مقامه بين يدي ربه، وأما أهل الكفر: فلم يؤمنوا بالبعث حتى يحملهم خوف العاقبة على النظر في مثل هذا؛ فثبت أن هذه المقالة صدرت عن أهل الإسلام، ليس عن أهل الكفر؛ كما ذكره أبو بكر الأصم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ ﴾ .

فالهدى هو الدعاء إلى الحق، فيحتمل أن يكون لما دعينا إلى الحق - وهو القرآن - آمنا به؛ ألا ترى إلى قوله - عز وجل -: ﴿ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ  ﴾ ، أي: يدعو إليه، وقال [الله  ] في أول السورة: ﴿ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ  ﴾ .

ويجوز أن يكون الهدى هو الاهتداء، أي: لما سمعنا ما به اهتدينا.

وظن أبو بكر الأصم أنهم كانوا كفرة إلى أن سمعوا الهدى فآمنوا به؛ لأنه لو كانوا على الهدى من قبل لكان الإيمان منهم سابقا؛ فلا يكون قوله: ﴿ آمَنَّا بِهِ ﴾ وقد آمنوا من قبل - معنى، وليس يثبت كفرهم بما ذكر؛ لأنه قد يجوز أن يكونوا على الإيمان فلما سمعوا الهدى، أحدثوا إيمانا بهذا الهدى على ما سبق منهم من الإيمان بالجملة؛ ألا ترى إلى قوله - عز وجل -: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً  ﴾ ، وقال: ﴿ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ  ﴾ ، أي: زادوا إيمانا؛ [بالتفسير على] ما سبق منهم من الإيمان بالجملة لأنهم لم يكونوا من قبل مؤمنين، فأحدثوه للحال، وكذلك قال: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  ﴾ ، وقد هدوا الصراط المستقيم، ولكنهم يريدون بهذا الدعاء أن اهدنا بالإشارة والتعيين إليه الصراط [المستقيم] على ما هديتنا في الجملة؛ فكذلك إحداثهم الإيمان بما سمعوا من الهدى لا ينفي عنهم الإيمان فيما سبق من الأوقات، بل يجوز أن يكونوا مؤمنين من قبل، ثم يحدثوا الإيمان بكل أمر يجيئهم من عند الله - عز وجل -، ولا يدل إيمانهم [به] على أنهم لم يكونوا من قبل مسلمين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً ﴾ .

قال - رحمه الله -: إنه لا أحد من أهل الإيمان من جني ولا إنسي يخاف البخس والرهق من الله  إلا المعتزلة؛ فإنهم يخافون ذلك؛ لأنهم ليسوا يخرجون مرتكبي الكبائر من الإيمان، ثم يطلقون القول فيهم: إنهم يخلدون في النار، وفي التخليد خوف البخس والرهق، بل فيه ما يزيد على البخس؛ لأن البخس هو النقصان، وفي التخليد ذهاب منفعة الإيمان ومنفعة الخيرات التي سبقت منهم.

وقال  : ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا  ﴾ ، والمعتزلة تزعم أنه [لو] آخذهم بالخطأ والنسيان، كان جائراً.

وقال: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا  ﴾ وهم يزعمون أنه لو أزاغ قلوبهم بعد الهدى، كان ذلك منه جورا وظلما، فهم أبدا على خوف من جور ربهم.

ونحن نقول بأنه لو آخذهم به، كان يكون ذلك منه عدلا، وإذا عفا عنهم، كان ذلك منه إنعاما وإفضالا، فنحن ندعو الله  ، ونتضرع إليه ألا يعاملنا بعدله فنهلك، بل يعاملنا بالإفضال والإنعام.

وعلى قول المعتزلة من ارتكب كبيرة، ردت عليه حسناته، وصار عدوّاً لله  ، وخلد في النار أبد الآبدين، والله يقول: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا  ﴾ ، وأولى الحسنات التي يستوجب عليها المضاعفة هو الإيمان بالله  ، فلا يجوز أن يخلد في النار، ويذهب عنه منفعة الإيمان،  الله عما يقولون علوّاً كبيرا.

ثم قوله: ﴿ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: البخس: النقصان، أي: لا ينقص من حسناته، والرهق: الظلم؛ كقوله  : ﴿ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً  ﴾ ، وأن يحمل عليه من سيئات ارتكبها غيره.

والثاني: ﴿ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً ﴾ ، أي: ألا تقبل حسناته إذا تاب، ﴿ وَلاَ رَهَقاً ﴾ أي: ظلم؛ فلا يحسب له من حسناته شيئاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ ﴾ .

القاسط: الجائر والمقسط: العادل.

ثم في العدل ثلاث لغات؛ يقال عدل عنه: إذا مال وجار.

وعدل به: إذا جعل له شريكا وعديلا.

وعدل فيه: إذا حكم بالعدل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً ﴾ : التحري والتوخي هو القصد؛ فكأنه يقول: قصد الرشد بالإسلام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: دلت الآية على أن للجن لحما ودما كما للإنس؛ [لأنه] قال في الإنس: ﴿ وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ  ﴾ ، فلو لم يكونوا لحما ودما، لم يصيروا لجهنم حطبا.

ولكن هذا لا يدل؛ لأن اللحم من شأنه أن يحترق وينضج، ولا يصلح أن يكون وقودا، ولكن الله  باللطف، صير لحمان الإنس وقودا، ليس أن صار حطبا بما كان لحما، فليس في الآية دلالة ما ذكر.

بل فيها أن الجن قد امتحنوا بالعبادة كما امتحن بها الإنس، وأنهم إذا عصوا ربهم استوجبوا العقاب مثل ما يستوجبه الإنس.

ثم ذكر عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه قال: ليس للجن ثواب، وعليهم العقاب إذا عصوا.

ومعنى قوله: ليس لهم ثواب عندنا، ليس يريد به أن الله  لا يرضى عنهم إذا عبدوه، ولا تعظم منزلتهم عنده، ولكنه يريد به أن الذي وعد للإنس من المآكل والمشارب والأزواج الحسان والحور في الجنة على الخلود - ليس لهم فيها؛ لأن الوعد من الله  بها جرى للإنس، ولم يجر الوعد للجن، ولا ذكر ذلك في شيء من القرآن، والذي وعد به الإنس طريقه الإفضال والإنعام، لا أن يكون ذلك حقّاً للإنس قِبَلَه، فإذا لم يجر لهم الوعد بذلك، لم يجب القول لهم بالموعود.

وأما العقاب فإن الحكمة توجب التعذيب لمن كفر به؛ فلا يجوز أن تكون الحكمة توجب تعذيب الكفرة، ثم لا يعذب الجن إذا كفروا؛ فلذلك وجب القول بعقابهم، ولم يجب القول بالثواب، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً ﴾ ، اختلف فيه: فمنهم من قال: طريقة الهدى.

ومنهم من قال: طريقة الكفر.

فمن قال: المراد: هو طريقة الهدى، قالوا: إن الطريقة المعروفة المعهودة هي طريق الله  ، فعند الإطلاق، تنصرف إليه؛ كالدين متى ذكر مطلقا ينصرف إلى دين الحق، وكذلك: السبيل المطلق؛ قال الله  : ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  ﴾ ، وهو الإسلام.

ثم يخرج هذا على وجوه: أحدها: ينصرف إلى الكفرة أنهم: ﴿ وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ ﴾ ، أي: لو أجابوا إلى ما يدعون إليه من الهدى، ﴿ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً ﴾ ، أي: وسعنا عليهم العيش، وكثرنا أموالهم، ويكون ذكر الماء هاهنا كناية عن السعة؛ لأن سعة الدنيا كلها تتصل بالماء، والماء أصلها؛ قال الله  : ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ  ﴾ ، فأخبر أن رزق الخلق في السماء، والذي ينزل من السماء الماء، وهو المطر، وجعل ذلك رزقا، إذ هو أصل رزق الخلق؛ فكذلك ذكر [الماء] هاهنا كناية عن السعة من الوجه الذي ذكرنا.

فإن كان على هذا؛ فيكون الخطاب راجعا إلى الوقت الذي كانوا ابتلوا فيه بالقحط والسنين؛ فوعد لهم أنهم لو أجابوا إلى ما دعوا إليه يرفع عنهم القحط والسنين، ويوسع عليهم في الرزق، وهو كقول نوح وهود وغيرهما، ووعدهم قومهم بإرسال الأمطار، وتكثير الأنزال والأموال والأولاد ونحوه.

ويجوز أن يكون هذا في أصحاب رسول الله  ؛ فإنهم كانوا في أول الإسلام في ضيق الحال، وشدة من العيش، وكانوا يتفرقون في الشعاب والأودية؛ لشدة ما حل بهم من الجوع؛ ليصيبوا من عشبها، وعند اشتداد الحال تخاف النفس من إهلاكها والتبديل، فوعدوا السعة في العيش ﴿ وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ ﴾ التي كانوا عليها، أي: داموا عليها ولم يبدلوا الدين بالهوى والحق بالباطل، كما وعد لهم النصر والظفر على الأعداء، مع قلة أنصارهم إن داموا على الإسلام.

ويحتمل ما قال بعضهم: أن تأويل قوله: ﴿ وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ ﴾ أي: لو أسلم أهل الأرض كلهم جميعا، لوسعنا عليهم الدنيا، وكثرنا أموالهم وأولادهم؛ حتى يفتنوا فيها ويمتحنوا بمحن شديدة، فيحتمل البعث منهم فيبقوا مؤمنين، ولا يتحمل البعض فيبغون ويعودون إلى ما كانوا عليه من الكفر؛ حتى لا يقع الخلف في وعدنا؛ فإن الله  وعد أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولا يجوز أن يقع في وعيده خلف، وهم لو استقاموا على الطريقة، ولم يبغوا، أدى ذلك إلى خلف الوعيد؛ لأنه لا يملؤه إذا داموا على الطريقة ولم يبغوا، وتكون الحكمة في بغيهم أن يعرف الخلق أن الله -  - لم يخلقهم لمنافع تحصل له، ولكن خلقهم لأنفسهم: إن أحسنوا [أحسنوا] لأنفسهم، وإن أساءوا فعليهم، ولو أبقاهم على الطريقة المستقيمة، وظهرت الموالاة في الجملة، لكان يسبق إلى الأوهام: أنه إنما خلقهم لمنافع نفسه.

وهذا من الله  بيان علمه بما لا يكون أن لو كان كيف يكون؛ إذ الله  علم الإيمان من البعض، والكفر من البعض؛ للحكمة التي ذكرنا، وغيرها مما يقف على بعضها الخلق دون البعض، وحكم بذلك، ثم أخبر أنه لو حكم بأن يستقيم الكل على طريقة الحق، ويؤمنوا، لم يحكم على طريق الأبد في حق الكل، بل حكمه أن يستقيم عليها البعض إلى مدة، ثم يترك، ويبدل الحق بالباطل ويدوم البعض عليها؛ تحقيقا لما ذكرنا من الحكمة؛ وهو كقوله  : ﴿ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ  ﴾ ، أي: لو لم نفرض عليهم الجهاد والخروج إلى القتال، لبرز الذين [منتهى آجالهم القتل] إلى حوائج أنفسهم، فيقتلون، بيانا منه لحكمه الذي يحكم أنه لو حكم كيف كان؛ فكذا هذا.

وأما من قال: معناه: طريقة الكفر، فهو أن يكون المراد من الاستقامة هاهنا: الإقامة، ولفظة "الإقامة" يعبر بها عن الإقامة على الكفر والإسلام جميعا، وتكون ﴿ ٱلطَّرِيقَةِ ﴾ هاهنا إشارة إلى الطريقة التي كانوا عرفوها قبل الإسلام وهي الكفر، وإن كانت الطريقة إذا أطلق ذكرها، أريد بها طريقة الهدى؛ لأن طريقة الكفر هي التي كانت معروفة فيما بينهم، وكذلك ذكر أهل التأويل: أن الطريقة [هاهنا طريقة الكفر] فقوله: ﴿ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً ﴾ ، أي: وسعنا عليهم، وكثرنا أموالهم؛ ليعلموا جود ربهم؛ حيث بسط عليهم الرزق مع اختيارهم عداوته؛ كما بسط الرزق على أوليائه، وليعلموا أن حلمه يجاوز الحد حيث لم يؤاخذهم بذنوبهم ولم يعجل بإنزال النقمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ فالفتنة: المحنة التي فيها الشدة، فإن كان هذا في أهل الكفر، ففي بسط الرزق عليهم محنة شديدة؛ لأن ذلك يمنعهم عن الخضوع والانقياد لرسول الله  ؛ لما يروا من الفضل على من دونهم في المال والسعة؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ  ﴾ وكذلك قال: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا  ﴾ .

وإن كان التأويل منصرفا إلى أهل الإسلام، ففي التوسيع عليهم محنة شديدة؛ وكذلك جميع ما امتحنا به فيه شدة، قال الله  : ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً  ﴾ فما من حال تعترض الإنسان إلا وله فيها شدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ ﴾ : جائز أن يكون: ومن يعرض عن طاعة ربه وعبادته، أو يعرض عن توحيده، أو يعرض عن القرآن؛ إذ هو ذكر.

والإعراض هاهنا عبارة عن الإيثار والاختيار، أي: من يختار ذكر غير الله  على ذكره، أو طاعة غيره على طاعته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً  ﴾ فجائز أن يكون الصعد، والصعود على التحقيق؛ كما ذكره أهل التفسير: أنهم يكلفون الصعود على جبل من نار، فلا يقدرون إلا بعد شدة عظيمة، ثم إذا بلغوا أعلاها يهوون فيها، فيكون ذلك دأبهم.

وجائز أن يكون على التمثيل؛ وذلك لأن الصعود أشد من الهبود؛ فيكون الصعود عبارة عن المشقة هاهنا: أنه يستقبله ما يشق عليه.

وقيل: المشقة التي عليهم هي ما يحل بهم من العذاب متتابعا عذابا بعد عذاب.

وقال القتبي: الصعود: المشقة، يقال: صعد عليَّ هذا الأمر: يشق عليَّ.

وروي عن عمر -  - أنه قال: "ما يصعدني أمر ما يصعدني خطبة النكاح"، أي: ما يشق عليَّ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً ﴾ : أي: ما يسجد فيه، وما يسجد به، فما يسجد فيه هو البقاع، وما يسجد به هو الجوارح؛ فكأنه يقول بأن البقاع التي يسجد فيها والأعضاء التي يسجد بها لله  ؛ لأنه هو الذي خلقها وأنشأها، والمساجد التي بنيت فإنما تبنى لعبادة الله  ، وليدعى فيها فلا يشركوا غيره في العبادة والدعاء.

وقال بعضهم: أراد بالمساجد المسجد الحرام؛ روي ذلك عن الضحاك وغيره؛ فكأنه إنما صرف التأويل إلى المسجد الحرام؛ لأن هذه السورة مكية ولم يكن في غيرها من البقاع مساجد.

وقال بعضهم: المساجد هاهنا البيع والكنائس؛ لأن البيع والكنائس بنيت؛ ليعبد الله  فيها، فنهاهم أن يعبدوا فيها غير الله  ، فيخرج هذا مخرج الاحتجاج أنكم قد علمتم أن المساجد بنيت لتعبدوا الله فيها فلا تعبدوا فيها غيره، وإذا كان الله منشئها وخالقها دون غيره، فكيف تشركون معه غيره في العبادة والدعاء وليس هو بمنشئ لها؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً ﴾ .

جائز أن يكون على الدعاء نفسه، فيكون معناه: ألا تدعوا مع الله أحدا؛ لأن الإله اسم المعبود، [و] كان القوم إذا عبدوا شيئا سموه: إلها؛ فيقول: لا تدعوا مع الله أحداً [إلها؛ فإنه هو الإله، وهو المستحق للعبادة] من كل أحد.

وجائز أن يكون أريد بالدعاء العبادة؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: "الدعاء مخ العبادة" ، وقال  : ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ  ﴾ ؛ فجعل دعاءهم إياه عبادة منهم له؛ فيكون قوله: ﴿ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً ﴾ ، أي: لا تشركوا غيره معه في العبادة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾ : [منهم من يقول: إنهم ﴿ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾ ] على جهة الرغبة فيه [والموالاة] له؛ فقوله ﴿ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾ ، أي: كاد يلتصق بعضهم إلى بعض مثل اللبد ليتصلوا برسول الله  [أو ﴿ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ ﴾ ، أي: على رسول الله  ]، كادوا يلتصقون برسول الله؛ حبا لما سمعوا من رسول الله  أو حرصا على حفظ ما سمعوا أو تعجباً مما سمعوا؛ فكانوا يحرصون على حفظ ما سمعوا؛ لأنهم كانوا من منذري الجن؛ فحرصوا على حفظه ووعيه؛ لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم؛ وتعجبوا مما سمعوا؛ لأنهم سمعوه من مكان لم يكن مكان قراءة الكتب، وسمعوا من الأمي الذي لم يقرأ كتابا قط، ولا عرف المكتوب؛ فتعجبوا منه أشد التعجب.

والتلبد: التصاق الشيء بالشيء التصاقا لا يفصل بعضه عن بعض، وسمي اللبد: لبدا من هذا؛ لأن الصوف يلتصق بعضه ببعض حتى لا يميز.

ومنهم من زعم أنهم فعلوا [هذا؛ لشدة] معاداتهم لرسول الله  ؛ فيكون على هذا منصرفا إلى الكفرة؛ الإنس منهم والجن، فيخبر أنهم اجتمعوا وتظاهروا؛ ليطفئوا نور الله، فأبى الله  إلا أن يتم نوره، فإن كان منصرفاً إلى الكفرة، فقوله: ﴿ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ ﴾ معناه: [أي]: لما قام محمد  [يدعو إلى الله ويوحده]، ويدعو الخلق إلى عبادته وطاعته - هَمَّ المشركون من [الإنس والجن]، وتلبدوا على هذا الأمر أن يطفئوه؛ فأبى الله  إلا أن ينصره ويمضيه.

وإن كان هذا من أهل الإسلام من الجن، والدعاء راجع إلى العبادة؛ فكأنه يقول: لما قام بعبادة الله  وهي الصلاة، كادوا يكونون عليه لبدا؛ لشدة حرصهم في تحفظ ما سمعوا، وشدة حبهم لرسول الله  ، ولما سمعوا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأنه لما قام عبد الله محمد  يعبد ربه ببطن نَخْلة، كاد الجن يكونون مُتَراكِمين عليه من شدة الزحام عند سماعهم قراءته للقرآن.

<div class="verse-tafsir" id="91.m0PAX"

مزيد من التفاسير لسورة الجن

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله