الإسلام > القرآن > سور > سورة 80 عبس > الآية ٤٢ من سورة عبس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 69 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٢ من سورة عبس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله ( أولئك هم الكفرة الفجرة ) أي الكفرة قلوبهم الفجرة في أعمالهم كما قال تعالى ( ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) نوح : 27 آخر تفسير سورة عبس ولله الحمد والمنة
وقوله: ( أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ) يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم يوم القيامة هم الكفرة بالله، كانوا في الدنيا الفجرة في دينهم، لا يبالون ما أتوا به من معاصي الله، وركبوا من محارمه، فجزاهم الله بسوء أعمالهم ما أخبر به عباده.
آخر تفسير سورة عبس.
أولئك هم الكفرة جمع كافر الفجرة جمع فاجر ، وهو الكاذب المفتري على الله تعالى .
وقيل : الفاسق ; [ يقال ] : فجر فجورا : أي فسق ، وفجر : أي كذب .
وأصله : الميل ، والفاجر : المائل .
وقد مضى بيانه والكلام فيه .
والحمد لله وحده .
{ أُولَئِكَ } الذين بهذا الوصف { هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ } أي: الذين كفروا بنعمة الله وكذبوا بآيات الله، وتجرأوا على محارمه.نسأل الله العفو والعافية إنه جواد كريم [والحمد لله رب العالمين].
"أولئك"، الذين يصنع بهم هذا، "هم الكفرة الفجرة"، جمع الكافر والفاجر.
«أولئك» أهل هذه الحال «هم الكفرة الفجرة» أي الجامعون بين الكفر والفجور.
وجوه أهل النعيم في ذلك اليوم مستنيرة، مسرورة فرحة، ووجوه أهل الجحيم مظلمة مسودَّة، تغشاها ذلَّة.
أولئك الموصوفون بهذا الوصف هم الذين كفروا بنعم الله وكذَّبوا بآياته، وتجرؤوا على محارمه بالفجور والطغيان.
( أولئك ) يعنى أصحاب تلك الوجوه التى يعلوها الغبار والسواد ( هُمُ الكفرة الفجرة ) أى : الجامعون بين الكفر الذى هو فساد الاعتقاد ، وبين الفجور الذى هو فساد القول والفعل .نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من أصحاب الوجه المسفرة ، الضاحكة المستبشرة .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
.
واعلم أن هذه المرتبة الثالثة مشتملة أيضاً على ثلاث مراتب، الإماتة، والإقبار، والإنشار، أما الإماتة فقد ذكرنا منافعها في هذا الكتاب، ولا شك أنها هي الواسطة بين حال التكليف والمجازاة، وأما الإقبار فقال الفراء: جعله الله مقبوراً ولم يجعله ممن يلقى للطير والسباع، لأن القبر مما أكرم به المسلم قال: ولم يقل فقبره، لأن القابر هو الدافن بيده.
والمقبر هو الله تعالى، يقال قبر الميت إذا دفنه وأقبر الميت، إذا أمر غيره بأن يجعله في القبر، والعرب تقول: بترت ذنب البعير، والله أبتره وعضبت قرن الثور، والله أعضبه، وطردت فلاناً عني، والله أطرده.
أي صيره طريداً، وقوله تعالى: ﴿ ثم إذا شاء أنشره ﴾ المراد منه الإحياء (و) البعث، وإنما قال: إذا شاء إشعاراً بأن وقته غير معلوم لنا، فتقديمه وتأخيره موكول إلى مشيئة الله تعالى، وأما سائر الأحوال المذكورة قبل ذلك فإنه يعلم أوقاتها من بعض الوجوه، إذا الموت وإن لم يعلم الإنسان وقته ففي الجملة يعلم أنه لا يتجاوز فيه إلا حداً معلوماً.
﴿ كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ ﴾ .
واعلم أن قوله: ﴿ كلا ﴾ ردع للإنسان عن تكبره وترفعه، أو عن كفره وإصراره على إنكار التوحيد، وعلى إنكاره البعث والحشر والنشر، وفي قوله: ﴿ لما يقض ما أمره ﴾ وجوه: أحدها: قال مجاهد لا يقضي أحد جميع ما كان مفروضاً عليه أبداً، وهو إشارة إلى أن الإنسان لا ينفك عن تقصير ألبتة، وهذا التفسير عندي فيه نظر، لأن قوله: ﴿ لما يقض ﴾ الضمير فيه عائد إلى المذكور السابق، وهو الإنسان في قوله: ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ وليس المراد من الإنسان هاهنا جميع الناس بل الإنسان الكافر فقوله: ﴿ لما يقض ﴾ كيف يمكن حمله على جميع الناس.
وثانيها: أن يكون المعنى أن الإنسان المترفع المتكبر لم يقض ما أمر به من ترك التكبر، إذ المعنى أن ذلك الإنسان الكافر لما يقض ما أمر به من التأمل في دلائل الله، والتدبر في عجائب خلقه وبينات حكمته.
وثالثها: قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: كلا لم يقض الله لهذا الكافر ما أمره به من الإيمان وترك التكبر بل أمره بما لم يقض له به.
واعلم أن عادة الله تعالى جارية في القرآن بأنه كلما ذكر الدلائل الموجودة في الأنفس، فإنه يذكر عقيبها الدلائل الموجودة في الآفاق فجرى هاهنا على تلك العادة وذكر دلائل الآفاق وبدأ بما يحتاج الإنسان إليه.
فقال: ﴿ فَلْيَنظُرِ الإنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾ .
الذي يعيش به كيف دبرنا أمره، ولا شك أنه موضع الاعتبار، فإن الطعام الذي يتناول الإنسان له حالتان إحداهما: متقدمة وهي الأمور التي لابد من وجودها حتى يدخل ذلك الطعام في الوجود والثانية: متأخرة، وهي الأمور التي لابد منها في بدن الإنسان حتى يحصل له الانتفاع بذلك الطعام المأكول، ولما كان النوع الأول أظهر للحسن وأبعد عن الشبهة، لا جرم اكتفى الله تعالى بذكره، لأن دلائل القرآن لابد وأن تكون بحيث ينتفع بها كل الخلق، فلابد وأن تكون أبعد عن اللبس والشبهة، وهذا هو المراد من قوله: ﴿ فلينظر الإنسان إلى طعامه ﴾ واعلم أن النبت إنما يحصل من القطر النازل من السماء الواقع في الأرض، فالسماء كالذكر، والأرض كالأنثى فذكر في بيان نزل القطر.
قوله: ﴿ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَآءَ صَبًّا ﴾ .
وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: ﴿ صببنا ﴾ المراد منه الغيث، ثم انظر في أنه كيف حدث المشتمل على هذه المياه العظيمة، وكيف بقي معلقاً في جو السماء مع غاية ثقله، وتأمل في أسبابه القريبة والبعيدة، حتى يلوح لك شيء من آثار نور الله وعدله وحكمته، وفي تدبير خلقة هذا العالم.
المسألة الثانية: قرئ (إنا) بالكسر، وهو على الاستئناف، وأنا بالفتح على البدل من الطعام والتقدير فلينظر الإنسان إلى أن كيف صببنا الماء قال أبو علي الفارسي: من قرأ بكسر إنا كان ذلك تفسيراً للنظر إلى طعامه كما أن قوله: ﴿ لهم مغفرة ﴾ تفسير للوعد، ومن فتح فعلى معنى البدل بدل الاشتمال، لأن هذه الأشياء تشتمل على كون الطعام وحدوثه، فهو كقوله: ﴿ يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه ﴾ وقوله: ﴿ قُتِلَ أَصْحَٰبُ ٱلْأُخْدُودِ ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ ﴾ .
قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا ﴾ .
والمراد شق الأرض بالنبات، ثم ذكر تعالى ثمانية أنواع من النبات: أولها: الحب: وهو المشار إليه بقوله: ﴿ فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ﴾ .
وهو كل ما حصد من نحو الحنطة وغيرهما، وإنما قدم ذلك لأن كالأصل في الأغذية.
﴿ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ﴾ .
وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وعنباً ﴾ وإنما ذكره بعد الحب لأنه غذاء من وجه وفاكهة من وجه.
وثالثها: قوله تعالى: ﴿ وقضباً ﴾ وفيه قولان: الأول: أنه الرطبة وهي التي إذا يبست سميت بالقت، وأهل مكة يسمونها بالقضب وأصله من القطع، وذلك لأنه يقضب مرة بعد أخرى، وكذلك القضيب لأنه يقضب أي يقطع.
وهذا قول ابن عباس والضحاك ومقاتل واختيار الفراء وأبي عبيدة والأصمعي.
والثاني: قال المبرد: القضب هو العلف بعينه، وأصله من أنه يقضب أي يقطع وهو قول الحسن.
والرابع والخامس: قوله تعالى: ﴿ وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً ﴾ ومنافعهما قد تقدمت في هذا الكتاب.
وسادسها: قوله تعالى: ﴿ وَحَدَآئِقَ غُلْبًا ﴾ الأصل في الوصف بالغلب الرقاب فالغلب الغلاظ الأعناق الواحد أغلب يقال أسد أغلب، ثم هاهنا قولان: الأول: أن يكون المراد وصف كل حديقة بأن أشجارها متكاثفة متقاربة، وهذا قول مجاهد ومقاتل قالا: الغلب الملتفة الشجر بعضه في بعض، يقال اغلوب العشب واغلولبت الأرض إذا التف عشبها.
والثاني: أن يكون المراد وصف كل واحد من الأشجار بالغلظ والعظم، قال عطاء عن ابن عباس: يريد الشجر العظام، وقال الفراء: الغلب ما غلظ من النخل.
﴿ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ﴾ .
﴿ مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ﴾ .
وسابعها: قوله: ﴿ وفاكهة ﴾ وقد استدل بعضهم بأن الله تعالى لما ذكر الفاكهة معطوفة على العنب والزيتون والنخل وجب أن لا تدخل هذه الأشياء في الفاكهة، وهذا قريب من جهة، الظاهرة، لأن المعطوف مغاير للمعطوف عليه.
وثامنها: قوله تعالى: ﴿ وأباً ﴾ والأب هو المرعى، قال صاحب الكشاف: لأنه يؤب أي يؤم وينتجع، والأب والأم أخوان قال الشاعر: جذمنا قيس ونجد دارنا *** لنا الأب به والمكرع وقيل الأب الفاكهة اليابسة لأنها تؤدب للشتاء أي تعد، ولما ذكر الله تعالى ما يغتذى به الناس والحيوان.
قال: ﴿ متاعاً لكم ولأنعامكم ﴾ .
قال الفراء: خلقناه منفعة ومتعة لكم ولأنعامكم، وقال الزجاج: هو منصوب لأنه مصدر مؤكد لقوله: ﴿ فأنبتنا ﴾ لأن إنباته هذه الأشياء إمتاع لجميع الحيوان.
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأشياء وكان المقصود منها أموراً ثلاثة: أولها: الدلائل الدالة على التوحيد.
وثانيها: الدلائل الدالة على القدرة على المعاد.
وثالثها: أن هذا الإله الذي أحسن إلى عبيده بهذه الأنواع العظيمة من الإحسان، لا يليق بالعاقل أن يتمرد عن طاعته وأن يتكبر على عبيده أتبع هذه الجملة بما يكون مؤكداً لهذه الأغراض وهو شرح أهوال القيامة، فإن الإنسان إذا سمعها خاف فيدعوه ذلك الخوف إلى التأمل في الدلائل والإيمان بها والإعراض عن الكفر، ويدعوه ذلك أيضاً إلى ترك التكبر على الناس، وإلى إظهار التواضع إلى كل أحد، فلا جرم ذكر القيامة: فقال: ﴿ فَإِذَا جَآءَتِ الصَّآخَّةُ ﴾ .
قال المفسرون يعني صيحة القيامة وهي النفخة الأخيرة، قال الزجاج: أصل الصخ في اللغة الطعن والصك، يقال صخ رأسه بحجر أي شدخه والغراب يصخ بمنقاره في دبر البعير أي يطعن، فمعنى الصاخة الصاكة بشدة صوتها للآذان، وذكر صاحب الكشاف وجهاً آخر فقال: يقال صخ لحديثه مثل أصاخ له، فوصفت النفخة بالصاخة مجازاً لأن الناس يصخون لها أي يستمعون.
ثم إنه تعالى وصف هول ذلك اليوم بقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴾ .
﴿ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴾ .
﴿ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴾ .
وفيه مسألتان: المسألة الأولى: يحتمل أن يكون المراد من الفرار ما يشعر به ظاهره وهو التباعد والاحتراز والسبب في ذلك الفرار الاحتراز عن المطالبة بالتبعات.
يقول الأخ: ما واسيتني بمالك، والأبوان يقولان قصرت في برنا، والصاحبة تقول أطعمتني الحرام، وفعلت وصنعت، والبنون يقولون: ما علمتنا وما أرشدتنا، وقيل: أول من يفر من أخيه هابيل، ومن أبويه إبراهيم، ومن صاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح، ويحتمل أن يكون المراد من الفرار ليس هو التباعد، بل المعنى أنه يوم يفر المرء من موالاة أخيه لاهتمامه بشأنه، وهو كقوله تعالى: ﴿ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ﴾ وأما الفرار من نصرته، وهو كقوله تعالى: ﴿ يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ﴾ وأما ترك السؤال وهو كقوله تعالى: ﴿ ولا يسأل حميم حميماً ﴾ .
المسألة الثانية: المراد أن الذين كان المرء في دار الدنيا يفر إليهم ويستجير بهم، فإنه يفر منهم في دار الآخرة، ذكروا في فائدة الترتيب كأنه قيل: ﴿ يوم يفر المرء من أخيه ﴾ بل من أبويه فإنهما أقرب من الأخوين بل من الصاحبة والولد، لأن تعلق القلب بهما أشد من تعلقه بالأبوين.
ثم إنه تعالى لما ذكر هذا الفرار أتبعه بذكر سببه فقال تعالى: ﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأَنٌ يُغْنِيهِ ﴾ .
وفي قوله: ﴿ يغنيه ﴾ وجهان الأول: قال ابن قتيبة: يغنيه أي يصرفه ويصده عن قرابته وأنشد: سيغنيك حرب بني مالك *** عن الفحش والجهل في المحفل أي سيشغلك، ويقال أغن عني وجهك أي أصرفه الثاني: قال أهل المعاني: يغنيه أي ذلك الهم الذي بسبب خاصة نفسه قد ملأ صدره، فلم يبق فيه متسع لهم آخر، فصارت شبيهاً بالغنى في أنه حصل عنده من ذلك المملوك شيء كثير.
واعلم أنه تعالى لما ذكر حال يوم القيامة في الهول، بين أن المكلفين فيه على قسمين منهم السعداء، ومنهم الأشقياء فوصف السعداء بقوله تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ﴾ .
﴿ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ﴾ .
مسفرة مضيئة متهللة، من أسفر الصبح إذا أضاء، وعن ابن عباس من قيام الليل لما روى من كثرت صلاته بالليل، حسن وجهه بالنهار، وعن الضحاك، من آثار الوضوء، وقيل: من طول ما أغبرت في سبيل الله، وعندي أنه بسبب الخلاص من علائق الدنيا والاتصال بعالم القدس ومنازل الرضوان والرحمة ضاحكة، قال الكلبي: يعني بالفراغ من الحساب مستبشرة فرحة بما نالت من كرامة الله ورضاه، واعلم أن قوله: مسفرة إشارة إلى الخلاص عن هذا العالم وتبعاته وأما الضاحكة والمستبشرة، فهما محمولتان على القوة النظرية والعملية، أو على وجدان المنفعة ووجدان التعظيم.
﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ﴾ .
﴿ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾ .
﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ﴾ .
قال المبرد: الغبرة ما يصيب الإنسان من الغبار، وقوله: ﴿ ترهقها ﴾ أي تدركها عن قرب، كقولك رهقت الجبل إذا لحقته بسرعة، والرهق عجلة الهلاك، والقترة سواد كالدخان، ولا يرى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه، كما ترى وجوه الزنوج إذا أغبرت، وكأن الله تعالى جمع في وجوههم بين السواد والغبرة، كما جمعوا بين الكفر والفجور، والله أعلم.
واعلم أن المرئجة والخوارج تمسكوا بهذه الآية، أما المرجئة فقالوا: إن هذه الآية دلت على أن أهل القيامة قسمان: أهل الثواب، وأهل العقاب، ودلت على أن أهل العقاب هم الكفرة، وثبت بالدليل أن الفساق من أهل الصلاة ليسوا بكفرة، وإذا لم يكونوا من الكفرة كانوا من أهل الثواب، وذلك يدل على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس له عقاب، وأما الخوارج فإنهم قالوا: دلت سائر الدلائل على أن صاحب الكبيرة يعاقب، ودلت هذه الآية على أن كل من يعاقب فإنه كافر، فيلزم أن كل مذنب فإنه كافر والجواب: أكثر ما في الباب أن المذكور هاهنا هو هذا الفريقان، وذلك لا يقتضي نفي الفريق الثالث، والله أعلم؛ والحمد لله رب العالمين وصلاته على سيد المرسلين محمد النبي وآله وصحبه أجمعين.
يقال: صخّ لحديثه، مثل: أصاخ له، فوصفت النفخة بالصاخة مجازاً؛ لأن الناس يصخون لها ﴿ يفرّ ﴾ منهم لاشتغاله بما هو مدفوع إليه، ولعلمه أنهم لا يغنون عنه شيئاً؛ وبدأ بالأخ، ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه، ثم بالصاحبة والبنين لأنهم أقرب وأحب؛ كأنه قال: يفرّ من أخيه، بل من أبويه، بل من صاحبته وبنيه.
وقيل: يفرّ منهم حذراً من مطالبتهم بالتبعات.
يقول الأخ: لم تواسني بمالك.
والأبوان: قصرت في برنا.
والصاحبة: أطعمتني الحرام وفعلت وصنعت.
والبنون: لم تعلمنا ولم ترشدنا، وقيل: أوّل من يفرّ من أخيه: هابيل؛ ومن أبويه: إبراهيم ومن صاحبته: نوح ولوط؛ ومن ابنه نوح ﴿ يُغْنِيهِ ﴾ يكفيه في الاهتمام به.
وقرئ ﴿ يعنيه ﴾ أي يهمه ﴿ مسفرة ﴾ مضيئة متهللة، من أسفر الصبح: إذا أضاء وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما: من قيام الليل؛ لما روي في الحديث: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» وعن الضحاك: من آثار الوضوء.
وقيل: من طول ما اغبرت في سبيل الله ﴿ غَبَرَةٌ ﴾ غبار يعلوها ﴿ فترة ﴾ سواد كالدخان؛ ولا ترى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه، كما ترى من وجوه الزنوج إذا اغبرت؛ وكأن الله عز وجل يجمع إلى سواد وجوههم الغبرة، كما جمعوا الفجور إلى الكفر.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة عبس وتولى جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر» .
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ﴾ مُضِيئَةٌ مِن إسْفارِ الصُّبْحِ.
﴿ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ﴾ لِما تَرى مِنَ النَّعِيمِ.
﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ ﴾ غُبارٌ وكُدُورَةٌ.
﴿ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ ﴾ يَغْشاها سَوادٌ وظُلْمَةٌ.
﴿ أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ ﴾ الَّذِينَ جَمَعُوا إلى الكُفْرِ الفُجُورَ، فَلِذَلِكَ يُجْمَعُ إلى سَوادِ وُجُوهِهِمُ الغَبَرَةُ.
قالَ النَّبِيُّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ عَبَسَ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ ووَجْهُهُ ضاحِكٌ مُسْتَبْشِرٌ» .
{أولئك} أهل هذه الحالة {هُمُ الْكَفَرَةُ} في حقوق الله {الفَجَرَةُ} في حقوق العباد ولما جمعوا الفجور إلى الكفر جمع إلى سواد وجوههم الغبرة والله أعلم
سورة التكوير مكية وهي تسع وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ ﴾ أيْ: غُبارٌ وكُدُورَةٌ ﴿ تَرْهَقُها ﴾ أيْ: تَعْلُوها وتَغْشاها ﴿ قَتَرَةٌ ﴾ أيْ: سَوادٌ وظُلْمَةٌ ولا تَرى أوْحَشَ مِنَ اجْتِماعِ الغُرَّةِ والسَّوادِ في الوَجْهِ، وسَوّى الفَيْرُوزْآبادِيُّ والجَوْهَرِيُّ بَيْنَ الغَبْرَةِ والقَتَرَةِ فَقِيلَ: المُرادُ بِالقَتَرَةِ الغُبارُ حَقِيقَةً، وبِالغَبَرَةِ ما يَغْشاهم مِنَ العُبُوسِ مِنَ الهَمِّ.
وقِيلَ: هُما عَلى حَقِيقَتِهِما والمَعْنى أنَّ عَلَيْها غُبارًا وكُدُورَةً فَوْقَ غُبارٍ وكُدُورَةٍ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ والقَتَرَةُ ما ارْتَفَعَ إلى السَّماءِ، والمُرادُ وُصُولُ الغُبارِ إلى وُجُوهِهِمْ مِن فَوْقُ ومِن تَحْتُ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «قَتْرَةٌ» بِسُكُونِ التّاءِ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى أصْحابِ تِلْكَ الوُجُوهِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبَعْدِ دَرَجَتِهِمْ في سُوءِ الحالِ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ ﴿ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ ﴾ أيِ الجامِعُونَ بَيْنَ الكُفْرِ والفُجُورِ فَلِذَلِكَ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى لَهم بَيْنَ الغَبَرَةِ والقَتَرَةِ وكَأنَّ الغَبَرَةَ لِلْفُجُورِ، والقَتَرَةَ لِلْكُفُورِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن ذَلِكَ.
ثم ذكر القيامة فقال: فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ يعني: الصيحة تصخ الأسماع أي: تصمها فلا يسمع إلا ما يدعا به ويقال الصاخة اسم من أسماء يوم القيامة وكذلك الطامة والقارعة والحاقة ثم وصف ذلك اليوم فقال: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وفراره أنه يعرض عنه بنفسه وقال شهر بن حوشب يوم يفر المرء من أخيه يعني: هو هابيل يفر من أخيه قابيل وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ يعني: محمدا من أمه وأبيه وإبراهيم من أبيه وَصاحِبَتِهِ يعني: لوط- - من امرأته وَبَنِيهِ يعني: نوح- - من ابنه، ويقال هذا في بعض أحوال يوم القيامة أن كل واحد منهم يشتغل بنفسه يعني: فلا ينظر المرء إلى أخيه وإلى أبيه وإلى ابنه ثم قال تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ يعني لكل إنسان شغل يشغله عن هؤلاء، وروي في الخبر أن عائشة- ا- قالت يا رسول الله كيف يحشر الناس قال: «حُفَاة عُرَاة» فقالت عائشة- ا- وا سوأتاه النساء مع الرجال حفاة عراة فقرأ رسول الله هذه الآية لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ يعني: لكل واحد منهم عمل يشغله بنفسه عن غيره ثم قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ يعني: من الوجوه ما يكون في ذلك اليوم مشرقة مضيئة ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ يعني: مفرحة بالثواب وهم المؤمنون المطيعون وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ يعني: من الوجوه ما يعلوها السواد كالدخان وأصل الغبرة يعني: الغبار ثم قال عز وجل: تَرْهَقُها قَتَرَةٌ يعني: تلحقها قترة يعني: يغشاها الكسوف والسواد أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ يعني: أن أهل هذه الصفة هم الكفرة بالله تعالى الكذبة على الله تعالى ويقال ترهقها قترة يعني: المذلة والكآبة والفجرة يعني: الظلمة.
والله الموفق بمنه وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
بالعبرةِ والنظرِ إلى طَعامِه والدليل فيهِ وكيفَ يسَّره له بهذهِ الوَسَائِط، والحَبُّ جمعُ حَبَّةٍ- بفتحِ الحاءِ-، وهو كل ما يتخذُهُ الناسُ ويربونه، والحِبَّةُ: بكسرِ الحاءِ كُلَّ مَا يَنْبُتُ من البزُور لا يُحْفَلُ به، ولا هو بمتَّخَذٍ، والقَضْبُ قِيلَ هي الفِصْفِصَة وهذا عندي ضعيف لأن الفِصْفِصَةَ للبهائِم وهي داخلةٌ في الأبِّ والذي أَقول به أن القضْبَ هنا هو كلُّ ما يقْضَبُ ليأكُلَه ابنُ آدم غَضَّا من النباتِ كالبقُولِ والهِلْيُونِ ونحوه فَإنَّه من المَطْعُوم جِزءٌ عظيمٌ ولاَ ذِكْرَ له في الآية إلاَّ في هذه اللفظةِ، والحديقةُ: الشجَرُ الذي قد أُحْدِقَ بجدار ونحوِه، والغُلْبُ: الغِلاظُ الناعِمَةُ، والأبُّ المَرْعَى والكلأ قاله ابن عباس وغيره «١» ، وقد توقَّفَ في تفسيرِه أبو بكر وعمر- رضي الله عنهما «٢» - ومَتاعاً: نصْبٌ على المصدرِ، والمعنى:
تَتَمَتَّعُونَ به أنتم وأنعامُكم فابن آدم في السَّبْعَةِ المذكورةِ، والأنْعَامُ في الأبّ، والصَّاخَّةُ: اسمٌ من أسماءِ يوم/ القيامة.
- ص-: قالَ الخليلُ: الصَّاخَّةُ صَيْحَةٌ تَصُخُّ الآذانَ صَخَّا، أي: تصمّها لشدة وقعتها، انتهى.
وقوله تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ الآية، قال جمهورُ الناس: إنما ذلكَ لشدةِ الهَوْلِ كلٌ يقولُ نَفْسِي نَفْسِي، وقيل: فرارُهم خوفا من المطالبات، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ عن اللقاءِ معَ غيرهِ، ثم ذكر تعالى اختلافَ الوجوهِ من المؤمنينَ الواثقين برحمةِ اللَّه حين بَدَتْ لهم تباشيرها، ومن الكفار حين علاها قترها، ومُسْفِرَةٌ معناه:
نَيِّرةٌ بادٍ ضَوْءُهَا وسرورُها، والغَبْرَة التي على الكفرة: هي من العُبُوسِ كما يُرَى على وجهِ المهمومِ والميِّتِ والمرِيض شبهُ الغُبَارِ، - ص-: والقَتَرُ سوادٌ كالدُّخَانِ، قال أبو عبيدةَ:
هو الغُبار، انتهى، ثم فسَّرَ سبحانَه أصحابَ هذه الوجوه المغبرّة بأنهم الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ ﴾ وهي الصَّيْحَةُ الثّانِيَةُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الصّاخَّةُ تَصُخُّ صَخًّا، أيْ: تُصِمُّ.
يُقالُ: رَجُلٌ أصَخُّ، وأصْلَخُ: إذا كانَ لا يَسْمَعُ.
والدّاهِيَةُ صاخَّةٌ أيْضًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: هي الصَّيْحَةُ الَّتِي تَكُونُ عَلَيْها القِيامَةُ، تَصُخُّ الأسْماعَ، أيْ: تُصِمُّها، فَلا تَسْمَعُ إلّا ما تُدْعى بِهِ لِإحْيائِها.
ثُمَّ فَسَّرَ في أيِّ وقْتٍ تَجِيءُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: لا يَلْتَفِتُ الإنْسانُ إلى أحَدٍ مِن أقارِبِهِ، لِعِظَمِ ما هو فِيهِ.
قالَ الحَسَنُ: أوَّلُ مَن يَفِرُّ مِن أخِيهِ هابِيلُ، ومِن أمِّهِ وأبِيهِ إبْراهِيمُ، ومِن صاحِبَتِهِ نُوحٌ ولُوطٌ، ومِنِ ابْنِهِ نُوحٌ.
وقالَ قَتادَةُ: يَفِرُّ هابِيلُ مِن قابِيلَ، والنَّبِيُّ مِن أمِّهِ، وإبْراهِيمُ مِن أبِيهِ، ولُوطٌ مِن صاحِبَتِهِ، ونُوحٌ مِنِ ابْنِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: يَشْغَلُهُ عَنْ قَرابَتِهِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَصْرِفُهُ ويَصُدُّهُ عَنْ قَرابَتِهِ، يُقالُ: اغْنِ عَنِّي وجْهَكَ، أيِ: اصْرِفْهُ، واغْنِ عَنِّي السَّفِيهَ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " يَعْنِيهِ " بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنُ غَيْرُ مُعْجَمَةٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: لَهُ شَأْنٌ لا يَقْدِرُ مَعَ الِاهْتِمامِ بِهِ عَلى الِاهْتِمامِ بِغَيْرِهِ.
وكَذَلِكَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: " يُغْنِيهِ " بِالغَيْنِ، مَعْناهُ: لَهُ شَأْنٌ لا يُهِمُّهُ مَعَهُ غَيْرُهُ.
وَقَدْ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: «قالَتْ عائِشَةُ لِلنَّبِيِّ : أنُحْشَرُ عُراةً؟
قالَ: نَعَمْ.
قالَتْ: واسَوْءَتاهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ » .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ﴾ أيْ: مُضِيئَةٌ قَدْ عَلِمَتْ ما لَها مِنَ الخَيْرِ ﴿ ضاحِكَةٌ ﴾ لِسُرُورِها ﴿ مُسْتَبْشِرَةٌ ﴾ أيْ: فَرِحَةٌ بِما نالَها مِن كَرامَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ ﴾ أيْ: غُبارٌ.
وقالَ مُقاتِلٌ: أيْ: سَوادٌ وكَآبَةٌ ﴿ تَرْهَقُها ﴾ أيْ: تَغْشاها ﴿ قَتَرَةٌ ﴾ أيْ: ظُلْمَةٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: يَعْلُوها سَوادٌ كالدُّخانِ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَن أهْلُ هَذِهِ الحالِ؟، فَقالَ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ ﴾ وهو جَمْعُ كافِرٍ وفاجِرٍ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإذا جاءَتِ الصاخَّةُ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ ﴾ ﴿ وَأُمِّهِ وأبِيهِ ﴾ ﴿ وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ ﴾ ﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ﴾ ﴿ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ﴾ ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ ﴾ ﴿ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ ﴾ "الصاخَّةُ": اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، واللَفْظَةُ في حَقِيقَتِها إنَّما هي لِنَفْخَةِ الصُوَرِ الَّتِي تَصُخُّ الآذانَ أيْ تَصِمُّها، ويُسْتَعْمَلُ هَذا اللَفْظُ في الداهِيَةِ الَّتِي يُصِمُّ نَبَؤُها الآذانُ لِصُعُوبَتِها، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ، وكَذَلِكَ في الصَيْحَةِ المُفْرِطَةِ الَّتِي يَصْعُبُ وقْعُها عَلى الأُذُنِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى فِرارَ المَرْءِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ مَعْهُودُهم ألّا يَفِرَّ عنهم في الشَدائِدِ، ثُمَّ رَتَّبَهم تَعالى الأوَّلُ فالأوَّلُ مَحَبَّةً وحَنُّوًا، وقَرَأ أبُو إياسٍ جَؤْيَةَ "مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ" بِضَمِّ الهاءِ في كُلِّها، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ: هَذا الفِرارُ هو خَوْفٌ مِن أنْ يَتْبَعَ بَعْضُهم بَعْضًا بِتَبِعاتٍ، إذِ المُلابَسَةُ تَعَلِّقُ المُطالَبَةَ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: إنَّما ذَلِكَ لِشِدَّةِ الهَوْلِ، عَلى نَحْوِ ما رُوِيَ أنَّ الرُسُلَ تَقُولُ يَوْمَئِذٍ: نَفْسِي نَفْسِي، لا أسْألُكَ غَيْرِي، و"الشَأْنُ الَّذِي يُغْنِيهِ": هو فِكْرَةٌ في سَيِّئاتِهِ وخَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ مِنَ التَخْلِيدِ في النارِ، والمَعْنى يُغْنِيهِ عَنِ اللِقاءِ مَعَ غَيْرِهِ، والفِكْرَةُ في أمْرِهِ، قالَ قَتادَةُ: أفْضى كُلُّ إنْسانٍ إلى ما يَشْغَلُهُ عن غَيْرِهِ.
«وَقالَ النَبِيُّ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: "لا يَضُرُّكَ في القِيامَةِ كانَ عَلَيْكَ ثِيابٌ أمْ لا"، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ نَحْوَهُ: لِسَوْدَةَ رَضِيَ اللهُ عنها وقَدْ قالَتْ: وا سَوْأتاهُ، يَنْظُرُ بَعْضُ الناسِ إلى بَعْضٍ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُغْنِيهِ" بالِغِينَ مَنقُوطَةً وضَمَّ الياءَ عَلى ما فَسَّرْناهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ والزُهْرِيُّ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "يَعَنِيهِ" بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، مِن قَوْلِكَ: عَنانِي الأمْرُ، أيْ قَصَدَنِي وأرادَنِي.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى اخْتِلاف الوُجُوهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الواثِقِينَ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى حِينَ بَدَتْ لَهم تَباشِيرُها، ومِنَ الكُفّارِ، و"مُسْفِرَةٌ" مَعْناهُ: نَيِّرَةٌ بادَ ضَوْؤُها وسُرُورُها.
و"تُرْهِقُها" مَعْناهُ: تَلِحُّ عَلَيْها، و: "القِتْرَةُ": الغُبارُ، والغَبَرَةُ الأُولى إنَّما هي العُبُوسُ والهَمُّ، كَما يُرى عَلى وجْهِ المَهْمُومِ والمَيِّتِ والمَرِيضِ شِبْهَ الغُبارِ، وأمّا القَتَرَةُ فَغُبارُ الأرْضِ، ويُقالُ: إنَّ ذَلِكَ يَغْشاهم مِنَ التُرابِ الَّذِي تَعُودُهُ البَهائِمُ، ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى أصْحابَ هَذِهِ الوُجُوهِ المُغَبَّرَةِ بِأنَّهُمُ الكَفَرَةُ، قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ ومَن جَرى مَجْراهم قَدِيمًا وحَدِيثًا.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [عَبَسَ] والحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
الفاء للتفريع على اللوْم والتوبيخ في قوله: ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ [عبس: 17] وما تبعه من الاستدلال على المشركين من قوله: ﴿ من أي شيء خلقه ﴾ إلى قوله ﴿ أنا صببنا الماء صباً ﴾ [عبس: 18 25]، ففُرع على ذلك إنذار بيوم الجزاء، مع مناسبة وقوع هذا الإِنذار عقب التعريض والتصريح بالامتنان في قوله: ﴿ إلى طعامه ﴾ [عبس: 24] وقوله: ﴿ متاعاً لكم ولأنعامكم ﴾ [عبس: 32] على نحو ما تقدم في قوله: ﴿ فإذا جاءت الطامة الكبرى ﴾ من سورة النازعات (34).
والصَّاخّة } : صيحة شديدة من صيحات الإِنسان تَصُخ الأسماع، أي تُصِمها.
يقال: صَخَّ يصخ قاصراً ومتعدياً، ومضارعه يصُخ بضم عينه في الحالين.
وقد اختلف أهل اللغة في اشتقاقها اختلافاً لا جدوَى له، وما ذكرناه هو خلاصة قول الخليل والراغب وهو أحسن وأجرى على قياس اسم الفاعل من الثلاثي، فالصاخّة صارت في القرآن عَلماً بالغَلبة على حادثةِ يوم القيامة وانتهاءِ هذا العالم، وتحصل صيحات منها أصوات تزلزل الأرض واصطدام بعض الكواكب بالأرض مثلاً، ونفخة الصُّور التي تبعث عندها الناس.
و(إذا) ظرف وهو متعلق ب ﴿ جاءت الصاخّة ﴾ وجوابه قوله: ﴿ وجوه يومئذ مسفرة ﴾ الآيات.
والمجيء مستعمل في الحصول مجازاً، شُبه حصول يوم الجزاء بشخص جاء من مكان آخر.
و ﴿ يوم يفر المرء من أخيه ﴾ بدل من ﴿ إذا جاءت الصاخة ﴾ بدلاً مطابقاً.
والفرار: الهروب للتخلص من مُخيف.
وحرف (من) هنا يجوز أن يكون بمعنى التعليل الذي يُعدّى به فعل الفرار إلى سبب الفرار حين يقال: فَرّ من الأسد، وفرّ من العدو، وفرّ من الموت، ويجوز أن يكون بمعنى المجاوزة مثل (عن).
وكون أقرب الناس للإِنسان يفرّ منهم يقتضي هولَ ذلك اليوم بحيث إذا رأى ما يحل من العذاب بأقرب الناس إليه توهم أن الفرار منه يُنْجِيه من الوقوع في مثله، إذ قد علم أنه كان مماثلاً لهم فيما ارتكبوه من الأعمال فذكرت هنا أصناف من القرابة، فإن القرابة آصرة تكون لها في النفس معزة وحرص على سلامة صاحبها وكرامته.
والألفَ يحدث في النفس حرصاً على الملازمة والمقارنة.
وكلا هذين الوجدانين يصد صاحبه عن المفارقة فما ظنك بهول يغْشَى على هذين الوجدانين فلا يَترك لهما مجالاً في النفس.
ورتبت أصناف القرابة في الآية حسب الصعود من الصنف إلى من هو أقوى منه تدرجاً في تهويل ذلك اليوم.
فابتدئ بالأخ لشدة اتصاله بأخيه من زمن الصبا فينشأ بذلك إلف بينهما يستمر طول الحياة، ثم ارتُقي من الأخ إلى الأبوين وهما أشد قرباً لابْنيهما، وقدمت الأم في الذكر لأن إلْفَ ابنها بها أقوى منه بأبيه وللرعي على الفاصلة، وانتقل إلى الزوجة والبنين وهما مُجتمع عائلة الإِنسان وأشد الناس قرباً به وملازمة.
وأطنب بتعداد هؤلاء الأقرباء دون أن يقال: يوم يفر المرء من أقرب قرابته مثلاً لإحضار صورة الهول في نفس السامع.
وكل من هؤلاء القرابة إذا قدرتَه هو الفارّ كان مَن ذُكر معه مفروراً منه إلا قولَه: ﴿ وصاحبته ﴾ لظهور أن معناه: والمرأةِ من صاحبها، ففيه اكتفاء، وإنما ذُكرتْ بوصف الصاحبة الدال على القرب والملازمة دون وصف الزوج لأن المرأة قد تكون غير حسنة العشرة لزوجها فلا يكون فراره منها كناية عن شدة الهول فذكر بوصف الصاحبة.
والأقرب أن هذا فرار المؤمن من قرابته المشركين خشية أن يؤاخذ بتبعتهم إذْ بَقُوا على الكفر.
وتعليق جار الأقرباء بفعل: ﴿ يفر المرء ﴾ يقتضي أنهم قد وقعوا في عذاب يخشون تعديه إلى من يتصل بهم.
وقد اجتمع في قوله: ﴿ يوم يفر المرء من أخيه ﴾ إلى آخره أبلغ ما يفيد هول ذلك اليوم بحيث لا يترك هوله للمرء بقية من رشده فإن نفس الفرار للخائف مسبة فيما تعارفوه لدلالته على جبن صاحبه وهم يتعيرون بالجبن وكونَه يترك أعز الأعزة عليه مسبة عظمى.
وجملة: ﴿ لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه ﴾ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً لزيادة تهويل اليوم، وتنوينُ ﴿ شأن ﴾ للتعظيم.
وحيث كان فرار المرء من الأقرباء الخمسة يقتضي فرار كل قريب من أولئك من مثله كان الاستئناف جامعاً للجميع تصريحاً بذلك المقتضَى، فقال: ﴿ لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه ﴾ أي عن الاشتغال بغيره من المذكورات بَلْهَ الاشتغال عمن هو دون أولئك في القرابة والصحبة.
والشأن: الحال المهم.
وتقديم الخبر في قوله: ﴿ لكل امرئ ﴾ على المبتدأ ليتأتى تنكير ﴿ شأن ﴾ الدال على التعظيم لأن العرب لا يبتدئون بالنكرة في جملتها إلا بمسوغ من مسوغاتتٍ عَدَّها النحاة بضعةَ عشر مسوغاً، ومنها تقديم الخبر على المبتدإ.
والإِغناء: جعل الغير غنياً، أي غير محتاج لشيء في غرضهِ.
وأصل الإِغناء والغنى: حصول النافع المحتاج إليه، قال تعالى: ﴿ وما أغنى عنكم من اللَّه من شيء ﴾ [يوسف: 67] وقال: ﴿ ما أغنى عني ماليه ﴾ [الحاقة: 28].
وقد استعمل هنا في معنى الإِشغال والإِشغال أعم.
فاستعمل الإغناء الذي هو نفع في معنى الإِشغال الأعم على وجه المجاز المرسل أو الاستعارة إيماء إلى أن المؤمنين يشغلهم عن قرابتهم المشركين فرط النعيم ورفع الدرجات كما دل عليه قوله عقبه: ﴿ وجوه يومئذٍ مسفرة ﴾ إلى آخر السورة.
وجملة: ﴿ وجوه يومئذٍ مسفرة ﴾ جواب (إذا)، أي إذا جاءت الصاخة كان الناس صنفين صنف وجوههم مسفرة وصنف وجوههم مغبرة.
وقدم هنا ذكر وجوه أهل النعيم على وجوه أهل الجحيم خلافَ قوله في سورة النازعات (37) ﴿ فأما من طغى ﴾ ثم قوله: ﴿ وأما من خاف مقام ربه ﴾ [النازعات: 40] إلى آخره لأن هذه السورة أقيمت على عماد التنويه بشأن رجل من أفاضل المؤمنين والتحقير لشأن عظيم من صناديد المشركين فكان حظ الفريقين مقصوداً مسوقاً إليه الكلام وكان حظ المؤمنين هو الملتفت إليه ابتداء، وذلك من قوله: ﴿ وما يدريك لعله يزكى ﴾ [عبس: 3] إلى آخره، ثم قوله: ﴿ أما من استغنى فأنت له تصدى ﴾ [عبس: 5، 6].
وأما سورة النازعات فقد بُنِيت على تهديد المنكرين للبعث ابتداء من قوله: ﴿ يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة ﴾ [النازعات: 6 8] فكان السياق للتهديد والوعيد وتهويل ما يلقونه يوم الحشر، وأما ذكر حظ المؤمنين يومئذ فقد دعا إلى ذكره الاستطراد على عادة القرآن من تعقيب الترهيب بالترغيب.
وتنكير ﴿ وجوه ﴾ الأول والثاني للتنويع، وذلك مسوغ وقوعهما مبتدأ.
وإعادة ﴿ يومئذ ﴾ لتأكيد الربط بين الشرط وجوابه ولطول الفصل بينهما والتقدير: وجوه مسفرة يوم يفرّ المرء من أخيه إلى آخره.
وقد أغنت إعادة ﴿ يومئذ ﴾ عن ربط الجواب بالفاء.
والمسفرة ذات الإسفار، والإِسفار النور والضياء، يقال: أسفر الصبح، إذا ظهر ضوء الشمس في أفق الفجر، أي وجوه متهللة فرحاً وعليها أثر النعيم.
و ﴿ ضاحكة ﴾ أي كناية عن السرور.
و ﴿ مستبشرة ﴾ معناه فَرِحة، والسين والتاء فيه للمبالغة مثل: استجاب، ويقال: بَشَر، أي فرِح وسُرَّ، قال تعالى: ﴿ قال يا بشراي هذا غلام ﴾ [يوسف: 19] أي يا فرحتي.
وإسناد الضحك والاستبشار إلى الوجوه مجاز عقلي لأن الوجوه محلّ ظهور الضحك والاستبشار، فهو من إسناد الفعل إلى مكانه، ولك أن تجعل الوجوه كناية عن الذوات كقوله تعالى: ﴿ ويبقى وجه ربك ﴾ [الرحمن: 27].
وهذه وجوه أهل الجنة المطمئنين بالاً المكرمين عَرْضاً وحُضوراً.
والغَبَرة بفتحتين الغُبار كلَّه، والمراد هنا أنها معفّرة بالغُبار إهانة ومن أثر الكَبوات.
و ﴿ ترهقها ﴾ تغلب عليها وتعلوها.
والقترة: بفتحتين شِبه دخان يغشى الوجه من الكرب والغم، كذا قال الراغب، وهو غير الغَبَرة كما تقتضيه الآية لئلا يكون من الإِعادة، وهي خلاف الأصل ولا داعي إليها.
وسوَّى بينهما الجوهري وتبعه ابن منظور وصاحب «القاموس».
وهذه وجوه أهل الكفر، يعلم ذلك من سياق هذا التنويع، وقد صرح بذلك بقوله: ﴿ أولئك هم الكفرة الفجرة ﴾ زيادة في تشهير حالهم الفظيع للسامعين.
وجيء باسم الإشارة لزيادة الإِيضاح تشهيراً بالحالة التي سببت لهم ذلك.
وضمير الفصل هنا لإفادة التقوي.
وأتبع وصف ﴿ الكفرة ﴾ بوصف ﴿ الفجرة ﴾ مع أن وصف الكُفر أعظم من وصف الفجور لما في معنى الفجور من خساسة العمل فذُكر وصفاهم الدالان على مجموع فساد الاعتقاد وفساد العمل.
وذكر وصف ﴿ الفجرة ﴾ بدون عاطف يفيد أنهم جمعوا بين الكفر والفجور.
﴿ فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي يُصِيخُ الخَلْقُ لِاسْتِماعِها، قالَهُ الحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يُصِيخُ لِلنَّبْأةِ أسْماعَهُ إصاخَةَ النّاشِدِ لِلْمُنْشِدِ الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ، لِإصاخَةِ الخَلْقِ إلَيْها مِنَ الفَزَعِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ ﴾ ﴿ وَأُمِّهِ وأبِيهِ ﴾ ﴿ وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ ﴾ وفي فِرارِهِ مِنهم ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: حَذَرًا مِن مُطالَبَتِهِمْ إيّاهُ لِلتَّبِعاتِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَهم.
الثّانِي: حَتّى لا يَرَوْا عَذابَهُ.
الثّالِثُ: لِاشْتِغالِهِ بِنَفْسِهِ، كَما قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ أيْ يَشْغَلُهُ عَنْ غَيْرِهِ.
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُشْرِقَةٌ.
الثّانِي: فَرِحَةٌ، حَكاهُ السُّدِّيُّ.
﴿ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ضاحِكَةٌ مِن مَسَرَّةِ القَلْبِ.
الثّانِي: ضاحِكَةٌ مِنَ الكُفّارِ شَماتَةً وغَيْظًا، مُسْتَبْشِرَةٌ بِأنْفُسِها مَسَرَّةً وفَرَحًا.
﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ غُبارٌ جُعِلَ شَيْنًا لَهم لِيَتَمَيَّزُوا بِهِ فَيُعْرَفُوا.
الثّانِي: أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ كَمَدِ وُجُوهِهِمْ بِالحُزْنِ حَتّى صارَتْ كالغَبَرَةِ.
﴿ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تَغْشاها ذِلَّةٌ وشِدَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: خِزْيٌ، قالَ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: سَوادٌ، قالَهُ عَطاءٌ.
الرّابِعُ: غُبارٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: القَتَرَةُ ما ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ والغَبَرَةِ: ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ.
الخامِسُ: كُسُوفُ الوَجْهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
﴿ أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ ﴾ يَحْتَمِلُ جَمْعَهُ بَيْنَهُما وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكَفَرَةُ في حُقُوقِ اللَّهِ، الفَجَرَةُ في حُقُوقِ العِبادِ.
الثّانِي: لِأنَّهُمُ الكَفَرَةُ في أدْيانِهِمْ، الفَجَرَةُ في أفْعالِهِمْ.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق عليّ عن ابن عباس قال: الصاخة من أسماء يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد والترمذي والحاكم وصححاه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تحشرون حفاة عراة غرلاً، فقالت زوجته: أينظر بعضنا إلى عورة بعض؟
فقال: يا فلانة ﴿ لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ﴾ » .
وأخرج الطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن سودة بنت زمعة قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يبعث الناس حفة عراة غرلاً قد ألجمهم العرق وبلغ شحوم الآذان، قلت يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟
قال: شغل الناس عن ذلك، وتلا ﴿ يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ﴾ » .
وأخرج الطبراني عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحشر الناس يوم القيامة مشاة حفاة غرلاً.
قيل يا رسول الله: ينظر الرجال إلى النساء؟
فقال: ﴿ لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ﴾ » .
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند صحيح عن أم سلمة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة، فقلت يا رسول الله: واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟
فقال: شغل الناس.
قلت: ما شغلهم؟
قال: نشر الصحائف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل» .
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً، قلت يا رسول الله: فكيف بالعورات؟
قال: ﴿ لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ﴾ » .
وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: إن أول من يفر يوم القيامة من أبيه إبراهيم، وأول من يفر من أمه إبراهيم، وأول من يفر من ابنه نوح، وأول من يفر من أخيه هابيل، وأول من يفر من صاحبته نوح، ولوط، وتلا هذه الآية ﴿ يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ﴾ فيرون أن هذه الآية نزلت فيهم.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن قتادة قال: ليس شيء أشد على الإِنسان يوم القيامة من أن يرى من يعرفه مخافة أن يكون يطلبه بمظلمة، ثم قرأ ﴿ يوم يفر المرء من أخيه ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر من طريق عليّ عن ابن عباس في قوله: ﴿ مسفرة ﴾ قال: مشرقة، وفي قوله: ﴿ ترهقها قترة ﴾ قال: تغشاها شدة وذلة.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس ﴿ قترة ﴾ قال: سواد الوجوه.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يلجم الكافر العرق، ثم تقع الغبرة على وجوههم فهو قوله: ﴿ ووجوه يومئذ عليها غبرة ﴾ » .
(ثم بين من أهل هذه الحال فقال: (قوله تعالى) (١) ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ﴾ (٢) (١) ما بين القوسين ساقط من (ع).
(٢) ما بين القوسين نقلاً عن الزجاج.
انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 287.
قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم يوم القيامة هم الكفرة بالله، كانوا في الدنيا الفجرة في دينهم لا يبالون ما أتوا به معاصي الله، وركبوا من محارمه، فجزاهم الله بسوء أعمالهم ما أخبر به عباده).
"جامع البيان" 30/ 63.
﴿ الصآخة ﴾ القيامة وهي مشتقة من قولك: صخ الأذن إذا أصمها بشدة صياحه، فكأنه إشارة إلى النفخة في الصور، أو إلى شدة الأمر حتى يصخ من يسمعه لصعوبته وقيل: هي من قولك: أصاخ للحديث إذا استمعه، والأول هو الموافق للاشتقاق ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ ﴾ الآية ذكر فرار الإنسان من أحبابه، ورتبهم على ترتيبهم في الحنو والشفقة فبدأ بالأقل وختم بالأكثر، لأن الإنسان أشد شفقة على بنيه من كل من تقدم ذكره؛ وإنما يفر منهم لاشتغاله بنفسه؛ وقيل: إن فراره منهم لئلا يطالبوه بالتبعات والأول أرجح وأظهر، لقوله: ﴿ لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ أي هو مشغول بشأنه من الحساب والثواب والعقاب، حتى لا يسعه ذكر غيره، وانظر قول الأنبياء عليهم السلام، يومئذ: نفسي نفسي ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ﴾ أي مضيئة من السرور، وهو من قولك: أسفر الصبح إذا أضاء ﴿ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ﴾ أي غبار، والقترة أيضاً الغبار.
قال ابن عطية: الغبرة من العبوس والكرب، كما يقتر وجه المهموم والمريض، والقترة هي غبار الأرض، وقال الزمخشري: الغبرة: غبار يعلوها، والقترة سواد، فيعظم قبحها باجتماع الغبار والسواد.
القراءات: كل آيات هذه السورة في الإمالة والتفخيم مثل سورة طه ﴿ فتنفعه ﴾ بالنصب على أنه جواب لعل: عاصم غير الأعشي ﴿ تصدّى ﴾ بتشديد الصاد للإدغام: أبو جعفر ونافع وابن كثير.
الآخرون: بتخفيفها بناء على حذف تاء تتفعل أو الخطاب عنه ﴿ تلهى ﴾ بإشباع ضمة الهاء وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ أنا ﴾ بالفتح على البدل من الطعام: عاصم وحمزة وخلف.
الوقوف: ﴿ وتولى ﴾ ه لا ﴿ الأعمى ﴾ ه ط ﴿ يزكى ﴾ ه لا ﴿ الذكرى ﴾ ه ط ﴿ استغنى ﴾ ه لا ﴿ تصدّى ﴾ ه ط ﴿ يزكى ﴾ ه ﴿ يسعى ﴾ ه لا ﴿ يخشى ﴾ ه ﴿ تلهى ﴾ ه ز لأن ﴿ كلا ﴾ للردع فلا يوقف أو بمعنى حقاً فيوقف ﴿ تذكرة ﴾ ه ج للشرط بعده مع الفاء ﴿ ذكره ﴾ ه م لأن الظرف لا يجوز أن يتعلق بما قبله ولكنه خبر مبتدأ محذوف أي هو في صحف ﴿ مكرمة ﴾ ه لا ﴿ مطهرة ﴾ ه لا ﴿ سفرة ﴾ ه ز ﴿ بررة ﴾ ط ﴿ أكفره ﴾ ه ط ﴿ خلقه ﴾ ه ز لأن الجواب محذوف أي خلقه من ﴿ نطفة ﴾ ط ﴿ فقدّره ﴾ ه لا ﴿ يسره ﴾ ه ز ﴿ فأقبره ﴾ ه لا ﴿ أنشره ﴾ ه ط بناء على أن ﴿ كلا ﴾ بمعنى حقاً ولا يصلح للردع وجه كما يجيء ﴿ أمره ﴾ ه ط ﴿ إلى طعامه ﴾ ه ز إلا لمن قرأ ﴿ أنا ﴾ بالفتح ﴿ صباً ﴾ ه لا ﴿ شقاً ﴾ ه لا ﴿ حباً ﴾ ه ز ﴿ وقضباً ﴾ ه ك ﴿ ونخلاً ﴾ ه ك ﴿ غلباً ﴾ ه ك ﴿ وأباً ﴾ ه لا ﴿ ولأنعامكم ﴾ ه ط ﴿ الصاخة ﴾ ه ز فإن الأوضح أن يكون ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ جاءت ﴾ وجوز أن يكون مفعول " اذكر " محذوفاً والعامل مقدّر أي فإذا جاءت الصاخة كان ما كان ﴿ أخيه ﴾ لا ﴿ وأبيه ﴾ ه ك ﴿ وبنيه ﴾ ه ط ﴿ يغنيه ﴾ ه ك ﴿ مسفرة ﴾ ه لا ﴿ مستبشرة ﴾ ه ج فصلاً بين حالتي الفئتين مع اتفاق الجملتين ﴿ غبرة ﴾ ه لا ﴿ قترة ﴾ ه ﴿ الفجرة ﴾ ه.
التفسير: أطبق المفسرون على أن الذي عبس هو الرسول والأعمى هو ابن أم مكتوم واسمه عبد الله بن شريخ بن مالك بن ربيعة الزهري.
وذلك أنه أتى رسول الله وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم.
فقال: يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله، وكرر ذلك وهو لا يعلم شغله بالقوم، فكره رسول الله قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه فنزلت، فكان رسول الله صلى هلله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه ويقول: إذا رآه: مرحباً بمن عاتبني فيه ربي ويقول له: هل لك من حاجة؟
واستخلفه على المدينة مرتين.
وقال أنس: رأيته يوم القادسية وعليه درع وله راية سوداء.
والجار محذوف على القياس متعلق بـ ﴿ عبس ﴾ أو بـ ﴿ تولى ﴾ على اختلاف في باب تنازع الفعلين للكوفيين والبصريين والتقدير: عبس لأن جاءه الأعمى وأعرض لذلك.
يروى أنه ما عبس بعدها في وجه فقير قط ولا تصدّى لغني.
قال أهل المعاني: في الالتفات من الغيبة إلى الخطاب دلالة على مزيد الإنكار كمن يشكو جانياً بطريق الغيبة وهو حاضر ثم يقبل على الجاني مواجهاً بالتوبيخ.
قالوا: وفي ذكر الأعمى نحو من الإنكار أيضاً لأن العمى يوجب العطف والرأفة عند ذوي الآداب غالباً لا التولي والعبوس، ولا يخفى أن نظر النبي كان على أمر كلي هو رجاء إسلام قريش فإنه في الظاهر أهم من إجابة رجل أعمى على الفور إلا أنه عدّ هذا الجزئي كلياً من جهة أخرى هي تطييب قلوب الفقراء والضعفاء وإهمال جانب أهل الغنى والثراء، فإن هذا أدخل في الإخلاص وابتغاء رضوان الله وذلك مظنة التهمة والرياء.
يحكى عن سفيان الثوري أن الفقراء كانوا في مجلسه أمراء.
وأيضاً فائدة الإرشاد والتعليم بالنسبة إلى هذا الأعمى أمر معلوم وبالنسبة إلى أولئك أمر موهوم لأنه جاء طالباً مسترشداً وأنهم جاءوا مستهزئين معاندين، وترك المعلوم للموهوم خارج عن طريق الاحتياط وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﴿ وما يدريك لعله ﴾ لعل الأعمى ﴿ يزكى ﴾ عما لا ينبغي ﴿ أو يذكر ﴾ يتعظ ﴿ فتنفعه الذكرى ﴾ فيفعل ما ينبغي.
وقيل: الضمير في ﴿ لعله ﴾ للكافر يعني أي شيء أدراك بحال كل من أولئك الكفرة حتى طمعت في تطهرهم من الأوزار وانتفاعهم بالاذكار.
ثم زاد تصريحاً لما فعل قائلاً ﴿ أما من استغنى ﴾ أي بالمال.
وقال عطاء: عن الإيمان.
وقال الكلبي: أي عن الله.
والأول أولى لأنهم كانوا أغنياء وما توجه الخطاب إلا من هذه الجهة وإن كان إسلامهم موهوماً ﴿ فأنت له تصدّى ﴾ تتعرض وأصله تتصدد من الصدد وهو ما استقبلك فصار قبالك ﴿ وما عليك ﴾ يحتمل أن تكون " ما " استفهامية ونافية يعني أي وبال يعود عليك أو ليس عليك بأس في أن لا يتزكى ذلك المستغني إن عليك إلا البلاغ فما الموجب للحرص والتهالك على إسلامه حتى تكسر قلوب الفقراء بالعبوس والإعراض، وهذا معنى قوله ﴿ وأما من جاءك يسعى ﴾ يسرع في طلب الخير ﴿ وهو يخشى ﴾ الله أو يخشى الكفار وأذاهم في إتيانك.
وقيل: يخشى الكيوة لأنه أعمى ما كان له قائد ﴿ فأنت عنه تلهى ﴾ أي تتشاغل.
قال أهل المعاني: بناء الكلامين على ضمير المخاطب تقوية إنكار التصدي والتهلي عليه أي مثلك خصوصاً لا ينبغي أن يتصدّى لغنى ويتلهى عن الفقير.
قوله ﴿ كلا ﴾ ردع عن المعاتب عليه وعن معاودة مثله أي لا تفعل مثل ذلك.
ثم قال ﴿ إنها ﴾ يعني آيات القرآن وهو قول مقاتل، أو هذه السورة وهو قول الكلبي واختاره الأخفش ﴿ تذكرة ﴾ وهي في معنى الذكر والوعظ فلذلك قال ﴿ فمن شاء ذكره ﴾ والمراد أن هذا القرآن أو هذا التأديب الذي عرفناكه في إجلال الفقراء وعدم الالتفات إلى أهل الدنيا ثبت في اللوح المحفوظ الذي قد وكل بحفظه أكابر الملائكة.
وفيه أن القرآن الذي بلغ في العظمة إلى هذا الحد أيّ حاجة له إلى أن يقبله هؤلاء الكفرة، فسواء قبلوه أو لا فلا تلتفت إليهم واجتهد في تطيب قلوب الفقراء الذين هم أهل الإخلاص وحزب الله.
ثم وصف الصحف بأنها مكرمة عند الله مرفوعة في السماء أو مرفوعة المقدار مطهرة عن أهل الخبائث لا يمسها إلا المطهرون من تلك الملائكة وتلك الصحف ﴿ بأيدي سفرة ﴾ قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل وقتادة: هم الكتبة من الملائكة واحدها سافر مثل كتبة وكاتب، وقد مرّ في أول التفسير أن التركيب يدل على الكشف فبالكتابة يتبين ما في الضمير ويتضح.
قال الفراء: اشتقاق السفرة من السفارة لأن الملائكة سفرة بين الله ورسوله ولا يخفى ما في السورة من معنى الكشف أيضاً ﴿ كرام ﴾ على ربهم.
وقال عطاء: أراد أنهم يكرمون من أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا مع زوجته للجماع وعند قضاء الحاجة ﴿ بررة ﴾ أتقياء واحدها بارّ.
وقيل: هي صحف الأنبياء فيكون كقوله ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى ﴾ وقيل: السفرة القراء.
وقيل: الصحابة ثم عجب من صناديد قريش وأضرابهم من أهل العجب والكفر المرتفعين على الفقراء مع أن أوّلهم نطفة مذرة وآخرهم جيفة قذرة وهم فيما بين الوقتين حملة عذرة فقال ﴿ قتل الإنسان ﴾ وهو دعاء عليه أشنع دعوة لأنه لا أفظع من القتل و ﴿ ما أكفره ﴾ تعجب من حال إفراطه في الكفران وتلقي نعم خالقه بالجحود والطغيان، وهذا قد ورد على أسلوب كلام العرب وأنه لا يمكن أن يحمل في حقه إلا على إرادة إيصال العقاب الشديد وليكون لطفاً للمعتبرين المتعجبين المتأملين في مراتب حدوثهم التي أوّلها نطفة وأشار إيلها بقوله ﴿ من أي شيء خلقه من نطفة ﴾ والاستفهام لزيادة التقرير في التحقير.
ثم قال ﴿ فقدّره ﴾ فحمله الفراء على أطواره بعد كونه نطفة إلى وقت إنشائه خلقاً آخر، وعلى أحواله من كونه ذكراً أو أنثى وشقياً أو سعيداً.
وقال الزجاج: قدره على الاستواء كقوله ﴿ ثم سوّاك رجلاً ﴾ ويحتمل أن يراد فقدر كل عضو في الكمية والكيفية على التقدير اللائق بمصلحته.
وأما المرتبة الوسطى فإليها الإشارة بقوله ﴿ ثم السبيل يسره ﴾ وهو نصب على شريطة التفسير فمن فسر التقدير بالأطوار فسر السبيل بمخرج الولد من بطن أمه.
يقال: إن رأس المولود في بطن أمه يكون من فوق ورجله من تحت، فإذا جاء وقت الخروج انقلب بإلهام الله إياه على أن نفس خروج الولد حياً من ذلك المنفذ الضيق من أعجب العجائب وعلى التفاسير الأخر فالمراد تسهيل سبيل الخير والشر كقوله ﴿ إنا هديناه السبيل ﴾ وأشار إلى المرتبة الأخيرة بقوله ﴿ ثم أماته فأقبره ﴾ أي جعله ذا قبر فيكون متعدياً إلى واحد، ويحتمل أن يكون الثاني محذوفاً أي فأقبره غيره.
يقال: قبر الميت إذا دفنه بنفسه، وأقبر غيره الميت إذا أمره بدفنه، فالمراد أن الله أمر بدفن الأموات الإنسية تكرمة لهم دون أن يطرحوا على وجه الأرض طعمة للسباع كسائر الحيوان ﴿ ثم ﴾ إن في كل هذه الانتقالات دلالات واضحة على أنه ﴿ إذا شاء ﴾ أن ينشر الإنسان ببعثه من قبره ﴿ أنشره ﴾ قوله ﴿ كلا ﴾ يجوز أن يكون ردعاً للإنسان عن تكبره وترفعه أو عن كفره وإنكاره المعاد.
وقال في الكشاف: وهذا هو ردع للإنسان عما هو عليه فهذا قول مجاهد إن إنساناً لم يخل من تقصير قط فلم يقض أحد من لدن آدم إلى هذه الغاية جميع ما كان مفروضاً عليه.
وقال آخرون: معناه أن الإنسان الكافر لم يقض بعد ما أمره الله من التأمل في دلائل التوحيد والبعث.
وقال الأستاذ أبو بكر بن فورك: القضاء بمعنى الحكم والضمير لله أي لم يقض الله لهذا الكافر ما أمره به من الإيمان وترك التكبر بل أمره بما لم يحكم له به.
وحين فرغ من دلائل الأنفس أردفها بدلائل الآفاق قائلاً ﴿ فلينظر الإنسان ﴾ نظر استدلال وتدبر ﴿ إلى طعامه ﴾ الذي يعيش به كيف دبرنا أمره من إنزال الماء من السماء، ثم شق الأرض بالنبات أو بالكراب على البقر فيكون إسناد الفعل إلى السبب.
والحب ما يصلح للقوت كالحنطة والشعير، والقضب العلف بعينه قاله الحسن.
وقال أكثر المفسرين: إنه القت لأنه يقضب مرة بعد أخرى أي يقطع.
والغلب الغلاظ الأعناق في الأصل يقال: أسد أغلب، ثم استعير للحدائق أنفسها لتكاثف أشجارها ولأشجارها لعظمها وغلظها.
ثم أجمل الفاكهة ليعم الكل وأجمل العلف بقوله ﴿ وأبا ﴾ للعموم وهو المرعى لأنه يؤب أي يؤم وينتجع.
والأب والأم إخوان قاله جار الله.
وقيل: الأب الفاكهة اليابسة المعدّة للبقاء.
والفاء في قوله ﴿ فإذا جاءت ﴾ مثل ما مر في " النازعات " ﴿ والصاخة ﴾ النفخة الأخيرة.
قال الزجاج: أصل الصخ الطعن والصك صخ رأسه بالحجر أي شدخه، والغراب يصخ بمنقاره في دبر البعير أي يطعن، والنفخة لشدّتها تصك الآذان.
وقال جار الله: يقال صخ لحديثه مثل أصاخ له فوصف النفخة بالصاخة مجاز لأن الناس يصخون لها أي يستمعون.
وفرار المرء من الجماعة المذكورين إما بالصورة وذلك للاحتراز عن المطالبة بالتبعات يقول الأخ: ما واسيتني بمالك.
ويقول الأبوان: قصرت في برنا.
وتقول الصاحبة: أطعمتني الحرام وفعت كذا وكذا، والبنون يقولون: لم تعلمنا ولم ترشدنا.
قال جار الله: إنما بدأ بالأخ ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه، والفرار إنما يقع من الأبعد ثم من الأقرب، وأخر الصاحبة والبنين لأن البنين أقرب وأحب فكأنه قيل: يفر من أخيه بل من أبيه بل من صاحبته وبنيه.
وأقول: هذا القول يستلزم أن تكون الصاحبة أقرب وأحب من الأبوين ولعله خلاف العقل والشرع، والأصوب أن يقال: أراد أن يذكر بعض من هو مطيف بالمرء في الدنيا من أقاربه في طرفي الصعود والنزول فبدأ بطرف الصعود لأن تقديم الأصل أولى من تقديم الفرع، وذكر أوّلاً في كل من الطرفين من هو معه في درجة واحدة وهو الأخ في الأول، والصاحبة في الثاني على أن وجود البنين موقوف على وجود الصاحبة فكانت بالتقديم أولى.
وقيل: أول من يفر من أخيه هابيل، ومن أبويه إبراهيم، ومن صاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح.
والأنسب عندي أن يكون الفار قابيل وقد جاء هكذا في بعض الروايات، والأظهر أن الفرار المعنيّ هو قلة الاهتمام بشأن هؤلاء بدليل قوله ﴿ لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه ﴾ أي يصرفه ويصدّه عن قرابته.
قال ابن قتيبة: ويقال أغن عني وجهك أي اصرفه.
وعندي أن اشتقاقه من الغنى وذلك أن من أغناك فقد صرفك عن نفسك أو عن طلب حاجته.
ثم ذكر أن الناس يومئذ فريقان وأن أهل الكمال تلوح على وجوههم أنوار الكمال من أسفر الصبح إذا أضاء يستبشرون بأنواع المسار، ويضحكون بدل ما كانوا يبكون في الدنيا خوفاً من عقاب الله تعالى، وأن أهل النقائص يظهر على وجوههم سواد مع غبرة كوجوه الزنوج مثلاً إذا أعبرت.
والقترة سواد كالدخان جمع الله في وجوههم ظلمة الضلال والكفر مع غبار الفجور والفسق ولهذا نعى عليهم بقوله ﴿ أولئك هم الكفرة الفجرة ﴾ أعاذنا الله في الدارين من مثل أحوالهم.
قوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ ﴾ قال الحسن: هي اسم القيامة يصخ لها كل شيء، وبه يقول أبو بكر: إنه يصخ لمجيئها كل شيء، أي: يخشغ لها ويطأطئ رأسه للداعي، كما قال [الله] : ﴿ مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ ﴾ .
وقال القتبي: الصاخة هي الداهية، فذكر القيامة بالأحوال التي تكون فيها، أو بالأفعال التي توجد فيها؛ على ما ذكرنا.
وقال الزجاج: الصاخة: المصمة، تصم لها الأسماع عن كل شيء إلا إلى ما يدعى إليها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴾ جائز أن يكون هذا على تحقيق الفرار.
وجائز ألا يكون على التحقيق، ولكن وصف بالفرار لما يوجد منه المعنى الذي يوجد من الفار، قال الله - -: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ \[المؤمنون: 101\] والوجه فيه أن الأقرباء من شأنهم أنهم إذا اجتمعوا استبشر بعضهم ببعض، وأنسوا بالاجتماع، وإذا غابوا سألوا عن أحوالهم، واهتموا لذلك.
ثم هم في ذلك اليوم يدعون السؤال عند الغيبة الاستبشار عند الحضرة حتى كأنه لا أنساب بينهم، لا أن يكون بينهم في الحقيقة نسب، ولكن ما يحل بكل واحد من الاهتمام يشغله عن السؤال بحاله والاستبشار برؤيته حتى يصير كالفرار؛ لوقوع المعنى الذي يوجد من الفار، لا على تحقيق الفرار؛ لأنه قال: ﴿ لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ فما يحل من الشأن يمنعه عن الفرار عن نفسه وعن أقربائه.
أو يكون على حقيقة الفرار، وذلك أن الأقرباء لا يوجد منهم القيام بوفاء جملة ما عليهم من الحقوق حتى لا يوجد منهم التقصير؛ فيخافون في ذلك اليوم أن يؤاخذوا بذلك فيحملهم على الفرار.
أو يفر كل واحد منهم عن تحمل ثقل الأقرباء، كما قال: ﴿ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ﴾ ، وقد كانوا يتعاونون في الدنيا في تحمل الأثقال، فيخبر أنهم لا يتعاونون في ذلك اليوم؛ بل يفرون.
ثم جائز أن يكون هذا في الكفرة، وأما أهل الإسلام فإنه يجوز أن تبقى بينهم حقوق القرابة كما أبقيت المودة فيما بين الأخلاء بقوله: ﴿ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .
وإن كان في المسلمين والكفرة جميعا فجائز أن يكون الفرار في بعض الأحوال، وذلك في الوقت الذي لم يتفرغ عن شغل نفسه، فأما إذا أمن وجاءته البشارة فهو يقوم بشفاعته، ويسأل عن أحواله، ولا يفر منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ قالوا: افضى إلى كل إنسان ما يشغله عن غيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ﴾ ، أي: مضيئة، أو ناضرة، ناعمة، مشرقة؛ فيكون فيه إخبار عما هم فيه من النعيم؛ حتى يظهر ذلك في وجوههم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ﴾ ، أي: مسرورة بنعيم الله - - الذي أنعم عليهم، مستبشرة برضاء الله - عنها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ﴾ قالوا: هذا أول تغير يظهر في وجوههم، كأنما علاها الغبار، ثم تسود، ثم تطمس، وترد على أدبارها، كما قال: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ ﴾ .
وقوله - عزو جل -: ﴿ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾ قال أبو بكر: ﴿ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾ ، أي: تغشاها الذلة، أو تعلوها، ثم تتلون بعد ذكل؛ فتكون كأنما علاها الغبار، ثم تسود على ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ ﴾ ، أي: الكفرة بأنعم الله ، الفجرة: المائلة عن الحقوق، والله الموفق، [وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصبحه أجمعين].
أولئك الموصوفون بتلك الحال هم الذين جمعوا بين الكفر والفجور.
نزلت هذه السورة في "ابن أم مكتوم"، وهو ابن خال خديجة رضي اللَّه عنها.
قيل اسمه عمرو بن قيس، وقيل عبد اللَّه بن عمرو، وقيل عبد اللَّه بن شريح بن مالك.
والأول أشهر، كما جاء في جامع الأصول.
وأم مكتوم لقب أمه، واسمها عاتكة بنت عبد اللَّه المخزومية.
وكان أعمى.
قيل ولد كذلك، وقيل عمي بعد بصر.
وهو من المهاجرين الأولين، واستخلفه على المدينة يصلي بالناس مرارًا، وكان يؤذن بعد بلال.
أتى إلى النبي وهو بمكة ومعه صناديد قريش: عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم، فقال ابن أم مكتوم: يا رسول اللَّه، أقرئني وعلمني مما علمك اللَّه.
وكرر ذلك وهو لا يعلم تشاغله بالقوم، فكره الرسول قطعه لكلامه، فظهرت الكراهة في وجهه فعبس وأعرض عنه، فنزلت الآيات.
يذكر اللَّه نبيه، في صورة عتاب، بأن ضعف ذلك الأعمى وفقره لا يصح أن يكون حاملًا على كراهة كلامه والإعراض عنه، فإنه حي القلب ذكي الفؤاد، إذا سمع الحكمة وعاها، فيتطهر بها من أوضار الآثام وتصفو بها نفسه من كدر الوساوس، أو يذكر بها ويتعظ فتنفعه العظة في مستقبل أمره، فلا يقع في مأثم.
أما أولئك الأغنياء الأقوياء فأكثرهم الجحدة الأغبياء، فلا ينبغي الانصراف إليهم، والتصدي لهم لمجرد الطمع في إقبالهم على الأمر يرجون فيه فيتبعهم غيرهم، فإن قوة الإنسان في حياة قلبه وذكاء لبه، والإذعان للحق إذا ظهر، والانقياد للدليل إذا بهر.
أما المال والنسب والعصبة والحسب والحشم والأعوان والأكاليل والتيجان فهي عواري تغدو وترتحل، وتقر حينًا ثم تنتقل، فكأنه يقول: يا أيها النبي، إن أقبلت فأقبل على العقل الذكي، والقلب النقي، وإياك أن تنصرف عنه إلى ذي الجاه القوي والمكان العلي فذلك إنسان بنفسه، حي بطبعه، وهذا غائب عن حسه، معدوم بذاته، موجود بجمعه.
وفي ذلك من تأديب اللَّه لأمة محمد ما لو تأدبوا به لكانوا اليوم أرشد الأمم.
هداهم اللَّه.
(العبوس) معروف المعنى.
(وتولى) أعرض (أن جاءه) أي لأجل أن جاءه، أي كان عبوسه وإعراضه لأجل أنَّ الأعمى جاءه وقطع كلامه.
(وما يدريك) أي وأي شيء يعرفك بحال هذا الأعمى، وأنه مستعد لأن يتطهر بما تعلمه من أحكام اللَّه (أو يذكر) منها ما غفل عنه، فيتعظ بوعظك (فتنفعه) هذه (الذكرى) وتلك الموعظة؟
وذكر خبر العبوس والتولي بالحكاية عن الغائب ليلفته إلى النظر في العمل في ذاته صادرًا من أي شخص نسب إليه، ثم أقبل عليه بالخطاب بعد هذا الاستدعاء تشديدًا في العتاب.
ثم بعد ذلك حصر شأنه في تلك الحادثة في أمرين ذكرهما بقوله: (أما من استغنى إلخ) أي أن ما صدر منك كان هكذا على التفصيل الذي سيذكر: (أما من استغنى) بماله وقوته عن سماع القرآن (فأنت له تصدى) أي تتعرض بالإقبال عليه، مع أنك رسول وما عليك إلا البلاغ.
فإن كان المغرور قد ظن في ماله غنى عن هداية اللَّه، ورضي لنفسه أن يبقى في دنس الكفر، فما عليك عيب في بقائه كذلك، وألا يتطهر من دون الغرور ووسخ الجهالة (وأما من جاءك يسعى) إليك طالبًا للهداية، (وهو يخشى) اللَّه ويخاف من الغواية، وما دفعه إليك إلا حبه لأن يتطهر من الجهل، ويستضيء بضياء العلم، وخوفه الوقوع في ظلمات الضلالة، فأنت تتلهى عنه وتتغافل عن إجابته إلى طلبته.
ثم أراد أن يبيّن أن الهداية التي يسوقها اللَّه إلى البشر على ألسن الرسل ليست مما يحتال لتقريره في النفوس وإيجاده في القلوب، وإنما هي تذكرة تنبه الغافل إلى ما غرز اللَّه في فطرته من الخير، وأودعه غريزته من وجدان معرفة الخالق في الخلقة، فمن صد عنها فإنما هو معاند مقاوم لما يدعوه إليه سره، وتنزع به إليه نفسه.
فما عليك إلا أن تبلغ ما عرفت عن ربك لتذكر به الناسي وتنبه الغافل.
أما أن تحابي القوي المعاند ظنًا منك أن مداجاته ترده من عناده، فذلك ليس من عملك، فذكر إن نفعت الذكرى.
(كلا) حرف ردع للزجر عن التصدي للمستغني والتلهي عن المستهدي.
وعلل للزجر بقوله (إنها) أي الهداية المودعة في الكتب الإلهية، وأجلها القرآن، والضمير في (من شاء ذكره) يعود إلى اللَّه تعالى، لأن أعظم الهداية أن يذكر وحده لا شريك له، ولظهور الدليل وشعور الوجدان لا يتوقف ذكره ومعرفته سبحانه إلا على مشيئة الذاكر بعد التذكير، فمتى وردت التذكرة نبهت وجدانه، ولا يمنعه عن الاهتداء إلا عدم المشيئة بالعناد.
ثم قال تلك الهداية (في صحف مكرمة)، وهي صحف الكتب الإلهية.
(مرفوعة) أي عالية شريفة (مطهرة) من النقص والضلالة (بأيدي سفرة) جمع سافر، وهو من يسفر بين الناس بالصلح والسلام، وهم الملائكة أو الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ومعنى كون الكتب بأيدي الملائكة، أن الملائكة هم الواسطة في حملها إلى الأنبياء.
ومعنى كونه بأيدي الأنبياء، أنها تنزل بالوحي عليهم وهم يبلغونها للناس، وكل من الملائكة والأنبياء يصح إطلاق اسم السفير عليه، كما صح إطلاق اسم الرسول على كل منهما.
و(البررة) جمع بار، وهو صانع البر والخير.
ثم أراد أن يزيدنا بيانًا، ويوضح لنا أن معرفة اللَّه وتوحيده ليسا من العقائد التي يلزم أن تنشأ في القلوب، بل هما مركوزتان في الجبلة ولا تحتاجان إلا إلى التذكير.
فإذا ذكرت النفس ذكرت، ولا يمنعها عن الاعتراف والإقرار إلا منازعة الهوى.
فإذا خالفت سلطانه لم يكن بينها وبين الإقرار إلا أن تشاءه فقال (قتل الإنسان ما أكفره) دعاء على الإنسان بأشنع دعواتهم، على ما هو المعروف في لسانهم، وهو كناية عن قبح حاله، وأنه قد بلغ منه مبلغًا لا يستحق معه أن يبقى حيًا.
ومنشأ الشناعة ومناطها نسيانه لما يتقلب فيه من النعم، وذهوله عن مسديها حتى إذا ذكر به فهو يعرض عن الذكر، فما أشد كفره بإحسان من غمره في نعمته من مبدأ إيجاده إلى ساعة معاده!!
انظر من أي شيء خلقه (من نطفة) أي ماء لا حياة فيه (فقدره) فقد أنشأ بدنه من ذلك الماء في أطوار مختلفة، كما بينه في آيات أخر، وقدره بمقداره، فأتم خلقه بأعضاء متناسبة تلائم حاجاته مدة بقائه، وأودع فيه من القوى ما يمكنه من استعمال تلك الأعضاء وتصريفها فيما خلقت له، وجعل كل ذلك بمقدار محدود على حسب ما يقتضيه كمال نوعه.
ثم بعد أن قدره هذا التقدير، وأكمل بدنه على هذا المقياس الخاص بنوعه، وهبه العقل الذي يقود تلك القوى عند تصريفها للأعضاء، وبالعقل قد يسره سبيل الخير، وأوضح له جادة الرشاد (ثم أماته) فلم يتركه كما يميت سائر الحيوان، لكنه قد تفضل عليه (فأقبره) أي جعل له قبرًا يوارى فيه تكرمة له، ولم يجعل في غريزة الإنسان أن يترك ميته مطرحًا على الأرض جزرًا للسباع.
هذا ما يراه الإنسان من نعم ربه عليه في نفسه..
ولا ريب أن سليم الفطرة لا يحتاج في الإذعان به إلا إلى مجرد التذكير.
ثم إن اللَّه سبحانه أتبع هذه النعم المرئية الدالة على قدرته ووحدانيته بأمر البعث والنشور، وجاء به كأنه من المشهودات التي ينبغي للإنسان أن يعتبر بها ليشير إلى أن الحياة الآخرة مما ركز الشعور به في الطباع كذلك، وإن لم يدرك كنهه ولم يوقف على تفصيل حقيقته.
وقوله (إذا شاء أنشره) أي إنه ينشره ويبعثه بعد موته وإقباره في الوقت الذي يريد أن يبثه فيه.
ثم أخذ يؤكد ما دل عليه قوله (قتل الإنسان ما أكفره) فقال (كلا) أي حقًا إن الإنسان قد بلغ في كفره بالنعمة الإلهية مبلغًا يقضي بالعجب، فإنه بعد ما رأى في نفسه مما عددناه من آيات ربه، وبعد أن مضى على نوعه تلك السنون الطوال في الأرض، وهو يتقلب في أدوار وأطوار يشاهد فيها من جلائل الآثار ما يحرك الأنظار، ويسير بها إلى الصواب من الآراء، والصحيح من الأفكار.
بعد هذا كله لا يزال إذا ذُكِّر لا يذكر، وإذا أنعم عليه لا يشكر، فهو إلى الآن لم يقض ما أمره اللَّه به: سواء كان الأمر بالإلهام وهداية الفطر بما أشهده في نفسه من دلائل القدرة وعلائم الإحسان والنعمة، أو كان بالوحي على ألسنة الأنبياء والمرسلين.
فإن اللَّه لم يدع الإنسان منذ زمان طويل سدى، ولم يهمله من إرسال الهداة إثر الهداة.
غير أن الإنسان -في ضلاله وانقياده للأهواء الفاسدة- لم يقض شيئًا مما أمره اللَّه به.
وكيف يكون قد قضى شيئًا من ذلك وهو لا يزال في غفلة منه، يدعو معه غيره، ويشرك فيه الاستعانة سواه، ويأبى من فظائع الأعمال ما لا يرضاه.
فإن زعم الإنسان أنه لم يشهد خلق نفسه، ورمى عينيه بالعمى عما في بدنه، وعقله بالغباوة عما في ذاته، وعما كان من أمرها في بدايتها ونهايتها، وعلل هواه في الغواية بأن شيئًا مما في خلقه لا يقوم دليلًا على وحدانية خالقه وانفراده بالإحسان إليه، لأنه لم يشهد تلك النشأة.
إن خطر ذلك ببال أحد من أفراد الإنسان (فلينظر) إلى ما بين يديه من أقرب الأشياء إليه: (إلى طعامه) الذي يقيم بنيته، ويجد لذته، ويحفظ به متنه ماذا صنعنا في إحداثه وتهيئته لأن يكون غذاء صالحًا؟
(أنا صببنا الماء) من المزن (صبًا) شديدًا ظاهرًا، (ثم) بعد أن كانت الأرض رتقًا متماسكة الأجزاء شققناها شقًا مرئيًا مشهودًا، كما تراه في الأرض بعد الري، أو شققناها بالكراب على البقر بأيدي الإنسان.
والكراب قلب الأرض للحرث وشق الأرض سواء كان بالحرث أو بغيره ليدخل الهواء والضياء في جوفها، فيحلل أجزاءها ويهيئها لتغذية النبات، فينبت فيها.
وقيل المراد شق الأرض بالنبات.
كأنه قال: ثم شققنا الأرض شقًا بالنبات.
ثم فضل النبات فقال (فأنبتنا فيها حبًا إلخ) ولا بأس به أيضًا.
ولما كان مرجع كل موجود إلى مصدر الوجود، وهو الذي سبب الأسباب، وقدر الأفعال، وأقدر عليها.
كان إسناد الصب والشق إليه صحيحًا على كل حال كإسناد الإنبات.
و(الحب) كل ما حصد من نحو الحنطة والشعير وغيرهما (والقضب) الرطبة وهو ما أكل من النبات غَضًّا.
وسمي قضبًا لأنه يقضب أي يقطع مرة بعد أخرى.
(والزيتون والنخل) معروفان لكل عربي.
(والحدائق) جمع حديقة، وهي البساتين ذات الأشجار المثمرة عليها حوائط تحيط بها و(غلبا) جمع غلباء بالمد أي ضخمة عظيمة.
وعظم الحدائق بكثرة أشجارها والتفاتها.
وقد يكون العظم في نفس الأشجار بأن تكون كل شجرة غليظة عظيمة.
وذكر الحدائق بوصفها ذلك لبيان أن النعمة فيها تشتمل عليه الحدائق برمته.
فالنعمة في الأشجار بجملتها لا في ثمرها خاصة.
فمن أخشابها ما ينفع للإحراق في تدبير الطعام، ومن أوراقها ما تأكله الحيوانات، ومن النعمة في الحدائق أنواع النبات مما يأكله الناس وترعاه الماشية.
وإنما تدخل ثمار الأشجار في الفاكهة تبعًا، ثم خصص الفاكهة بالذكر بعد ذلك لأنها مما يتمتع به الإنسان خاصة فقال (وفاكهة) ثم ذكر الأب لأنه مما ينفع الحيوان خاصة بقوله (وأبا).
والأب المرعى لأنه يؤب أي يؤم وينتجع.
روي أن أبا بكر الصديق سئل عن الأب فقال: "أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب اللَّه ما لا علم لي به".
وعن عمر أنه قرأ هذه الآية فقال: "كل هذا قد عرفنا فما الأب؟" ثم رفض عصا كانت بيده- أي كسرها غصبًا على نفسه وقال: "هذا لعمر اللَّه التكلف.
وما عليك يا ابن أم عمر أن لا تدري ما الأب".
ثم قال: "اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب، وما لا فدعوه".
إذا سمعت هذه الروايات فلا تظن أن سيدنا عمر بن الخطاب ينهى عن تتبع معاني القرآن والبحث عن مشكلاته، ولكنه يريد أن يعلمك أن الذي عليك من حيث أنت مؤمن إنما هو فهم جملة المعنى.
فالمطلوب منك في هذه الآيات هو أن تعلم أن اللَّه يمن عليك بنعم أسداها إليك في نفسك، وتقويم حياتك، وجعلها متاعًا لك ولأنعامك.
فإذا جاء في سردها لفظ لم تفهمه لم يكن من جد المؤمن أن ينقطع لطلب هذا المعنى بعد فهم المراد من ذكره، بل الواجب على أهل الجد والعزيمة أن يعتبروا بتعداد النعم، وأن يجعلوا معظم همهم الشكر والعمل.
هكذا كان شأن الصحابة ، ثم خلف من بعدهم خلف وقفوا عند الألفاظ وجعلوها شغلًا شاغلًا لا يهمهم إلا التشدق بتصريفها وتأويلها وتحميلها ما لا تحمله، وقد تركوا قلوبهم خالية من الفكر والذكر، وأعضاءهم معطلة عن العمل الصالح والشكر.
(متاعًا لكم): إما مفعول له، أي فعل ذلك تمتيعًا لكم، أو مصدر حذف فعله وجرد من الزوائد، أي متعكم بذلك متاعًا.
والمعنى على كل حال أن فيما عدده ما يأكله وينتفع به الإنسان، ومنه ما يأكله الحيوان.
والأنعام: الماشية، وكل ما ينتفع به الإنسان من الحيوان.
(الصخ): الضرب بالحديد على الحديد، والعصا الصلبة على شيء مصمت.
وصخ الصخرة وصخيخها صوتها إذا ضربتها بحجر أو غيره.
والصاخة ههنا -كالقارعة في سورتها- هي الحادثة العظمى التي عبر عنها بالطامة الكبرى، يكون نذيرها ذلك الصوت الهائل، الذي يحدث من تخريب الكون ووقع بعض أجرامه على بعض.
ولكون هذه الحادثة تأتي بذلك الصوت المفزع سميت صاخة وقارعة، أو إنها سميت صاخة لأنها بما تأتي به من ذلك الصوت تصخ الآذان أي تصمها.
يقال صخ الصوت الأذن يصخها صخًا فلا تسمع النفوس شيئًا في ذلك الوقت إلا ما تنادي به، وتدعى إلى الحياة والنشور.
وهذه الأسماء كلها أسماء للقيامة العظمى، يوم ينكشف للأرواح مشهد الجبروت الأعظم، فيشغل كل نفس ما يصيبها من هيبة الجلال الإلهي، وتود لو نجت بنفسها، فهي تفر من كل من تتوهم أنه يتعلق بها ويطلب معونتها على ما هو فيه، فيتوارى كل امرئ من أخيه، بل من أمه وأبيه، بل من صاحبته التي هي ألصق الناس به، وقد يبذل في الدفاع عنها حياته لو مكن من ذلك، ويفر من بنيه وكان في الدنيا يفديهم بماله وروحه- ذلك كله لأن لكل واحد مما يجد من الرعب، وما يرهب من الهول، وما يخشى من مناقشة الحساب شأنًا يغنيه، أي يكفي لصرف جميع قواه، فليس عنده فضل فكر وقوة يمد بها غيره.
وجواب إذا في قوله (فإذا جاءت الصاخة) محذوف، ليذهب الفكر فيه مذاهبه، ويستورد منه على النفس غرائبه.
كأنه يقول: قتل الإنسان ما أكفره بنعمة ربه: هذه نفسه لم يشرق عليها نور الوجود إلا من فيض الجود، وهذا طعامه وما يقيم حياته إلى الأجل المحدود، إنما يساق إليه بتدبير الشكور الودود.
ومع ذلك فقد ضربت الغفلة بينه وبين ربه حجابًا، فهو إذا ذكر لا يتذكر، وإذا عرض عليه الدليل لا يفكر، وربما جهل قدره فشمخ واستكبر، وظن أنه القوي فلا يغلب، والعزيز فلا يقهر.
فإذا ذهبت هذه الحياة الدنيا، وجاءت الطامة الكبرى في ذلك اليوم العظيم، فماذا يكون شأن ذلك الإنسان؟
هل يبقى في غفلته، وهل يجد في نفسه شيئًا من عظمته؟
أو فما أعظم أسفه، وما أشد ندمه، إن انجلت أوهامه، وبطلت ظنونه، أو ما يشبه ذلك مما فيه تهويل عليه أو تقريع له.
(الوجوه المسفرة) المضيئة المتهللة، الضاحكة (المستبشرة) التي يظهر عليها الفرح والسرور لما تجد من برد اليقين بأنها ستوفى ما وعدت به جزاء إيمانها، وما قدمت من صالح أعمال وشكر آلاء ونعم -تلك الوجوه هي وجوه الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
أما الوجوه الأخر- وهي التي (عليها غبرة) أي يعلوها الغبار و(ترهقها قترة) أي يغشاها سواد، وقد يكون الغبار والسواد على حقيقتهما تمييزًا لهم بأرْدَأ الحالات، وقد يكون الغبار غبار الذل، والسواد سواد الغم والحزن، وهو ما يقابل الإسفار والاستبشار- تلك الوجوه هي وجوه (الكفرة) الذين لا يؤمنون باللَّه وبما جاء به أنبياؤه.
(الفجرة) الذين قد خرجوا عن حدود شرائعه واقترفوا السيئات في حياتهم الدنيا.
نسأل اللَّه أن يعاملنا بلطفه ورحمته.
ويجنبنا التعرض لغضبه ونقمته.
وقوله: وجوه يومئذ إلخ ابتداء كلام لبيان حال الناس يوم يأتي اللَّه بذلك الحادث العظيم حادث الانقلاب في نظام الكون العام أو نظام الحياة الإنسانية فينشأ الناس نشأة أخرى ينكشف لهم فيها ما كان قد أنبهم عليهم في حياتهم الأولى، ويتبين لهم من الأمر ما كانوا فيه يختصمون، ويأتيهم اليقين بما كانوا فيه يمترون.
فمن كان في هذه الحياة الدنيا طلابًا للحق، نظارًا في الدليل، لا تحجبه عن الاعتبار غفلة، ولا تأخذه عن الحق إذا ذكر به أنفه.
ولا تنفره منه عادة، ولا تباعده عنه ألفة- فهو لا يعقد لنفسه عقيدة إلا بعد تقريرها على المقدمات الصحية المستمدة من حكم البديهة، ليس فيها رأي فلان، أو قيل سابق في زمان، إلا قول رسول كريم قامت على عصمته براهين يقبلها العقل السليم، ويؤيدها الذكر الحكيم.
ثم أخذ نفسه بالعمل على ما يطابق عقيدته، فهو كما يعتقد بالحق يعمل للحق.
من كان هذا شأنه في حياته هذه فما الذي يلاقيه إذا جاءت الصاخة، يوم ينكشف الحجاب ويزول الارتياب؟..
ما كان قد أيقن به في حياته الدنيا يشهد بالعيان أنه هو، فيطمئن إلى ما عرف، وتسكن نفسه إلى ما ألف، وما كان لا يزال في طلبه والبحث في الأدلة للوقوف عليه وأدركه الموت قبل الوصول إليه، ظهر ما كان يطلب منه حاضرًا بين يديه فيفرح به فرح المحب يلقى محبوبه، والراغب الحريص يصادف مرغوبه، وفي الحالين يتهلل وجهه ويسفر ويضحك ويستبشر.
وأما من احتقر عقله، ورضي جهله، وصرفه عن الدليل ما أخذه عن آبائه وتلقاه عن سلفه ورؤسائه، وشغل نفسه بالجدال والمراء في تصحيح الأهواء والتماس الحيل لتقرير الباطل وترويج الفاسد، كما كان يفعل أعداء الأنبياء، ولا يزال يأتيه السفهاء لينصروا به أهواء الأغبياء، ثم يتبع ذلك بأعمال تطابق ما يهوى وتخالف ما يزعم: يزعم الغيرة على الدين، ولا تجد عملًا من أعماله ينطبق على أصل قرره الدين.
الدين ينهي عن الفواحش وهو يقترفها.
الدين يأمر بصيانة مصالح العامة وهو يفتك بها.
الدين يطالب أهله ببذل المال في سبل الخير وهو يسلب المال ليكنزه، فإن أنفق منه شيئًا صرفه في سبيل الشر.
الدين يأمر بالعدل وهو أظلم الظالمين.
الدين يأمر بالصدق وهو يكذب ويحب الكاذبين.
من كان هذا شأنه فماذا يكون حاله يوم يتجلى الجبار؟
ويرتفع الستار؟
يجد كل شيء على خلاف ما كان يعرفه.
يجد الحق غير ما كان يعتقد.
يجد أن الباطل هو ما كان يعتمد، يتحقق أن ما كان يظنه من العمل خيرًا لنفسه صار وبالًا عليها.
يرى الخبث حشو أعماله، والخيبة حلف آماله، فيملك الهم نفسه لشر ما يتوقع.
ويظهر أثر ذلك على وجهه، فتعلوه الغبرة، وتغشاه القترة، لأنه من الكفرة الفجرة.