الآية ١٩ من سورة الانشقاق

الإسلام > القرآن > سور > سورة 84 الانشقاق > الآية ١٩ من سورة الانشقاق

لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍۢ ١٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 116 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩ من سورة الانشقاق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ١٩ من سورة الانشقاق عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله ( لتركبن طبقا عن طبق ) قال البخاري أخبرنا سعيد بن النضر أخبرنا هشيم أخبرنا أبو بشر عن مجاهد قال : قال ابن عباس ( لتركبن طبقا عن طبق ) حالا بعد حال قال هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم هكذا رواه البخاري بهذا اللفظ ، وهو محتمل أن يكون ابن عباس أسند هذا التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم كأنه قال سمعت هذا من نبيكم صلى الله عليه وسلم فيكون قوله : نبيكم مرفوعا على الفاعلية من قال وهو الأظهر والله أعلم كما قال أنس لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم وقال ابن جرير حدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم أخبرنا أبو بشر عن مجاهد أن ابن عباس كان يقول ( لتركبن طبقا عن طبق ) قال يعني نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول حالا بعد حال وهذا لفظه .

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ( طبقا عن طبق ) حالا بعد حال وكذا قال عكرمة ومرة الطيب ومجاهد والحسن والضحاك ومسروق وأبو صالح .

ويحتمل أن يكون المراد ( لتركبن طبقا عن طبق ) حالا بعد حال قال : هذا يعني : المراد بهذا نبيكم صلى الله عليه وسلم فيكون مرفوعا على أن هذا و " نبيكم يكونان مبتدأ وخبرا والله أعلم ولعل هذا قد يكون هو المتبادر إلى كثير من الرواة كما قال أبو داود الطيالسي وغندر حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ( لتركبن طبقا عن طبق ) قال : محمد صلى الله عليه وسلم ويؤيد هذا المعنى قراءة عمر وابن مسعود وابن عباس وعامة أهل مكة والكوفة لتركبن بفتح التاء والباء قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة عن إسماعيل عن الشعبي ( لتركبن طبقا عن طبق ) قال لتركبن يا محمد سماء بعد سماء وهكذا روي عن ابن مسعود ومسروق وأبي العالية ( طبقا عن طبق ) سماء بعد سماء قلت يعنون ليلة الإسراء وقال أبو إسحاق والسدي عن رجل عن ابن عباس ( طبقا عن طبق ) منزلا على منزل وكذا رواه العوفي عن ابن عباس مثله وزاد ويقال أمرا بعد أمر وحالا بعد حال وقال السدي نفسه ( لتركبن طبقا عن طبق ) أعمال من قبلكم منزلا بعد منزل قلت كأنه أراد معنى الحديث الصحيح لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال : فمن وهذا محتمل وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عمار حدثنا صدقة حدثنا ابن جابر أنه سمع مكحولا يقول في قول الله ( لتركبن طبقا عن طبق ) قال في كل عشرين سنة تحدثون أمرا لم تكونوا عليه وقال الأعمش حدثني إبراهيم قال : قال عبد الله ( لتركبن طبقا عن طبق ) قال السماء تنشق ثم تحمر ثم تكون لونا بعد لون وقال الثوري عن قيس بن وهب عن مرة عن ابن مسعود ( طبقا عن طبق ) قال السماء مرة كالدهان ومرة تنشق وروى البزار من طريق جابر الجعفي عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود ( لتركبن طبقا عن طبق ) يا محمد يعني حالا بعد حال ثم قال ورواه جابر عن مجاهد عن ابن عباس وقال سعيد بن جبير ( لتركبن طبقا عن طبق ) قال قوم كانوا في الدنيا خسيس أمرهم فارتفعوا في الآخرة وآخرون كانوا أشرافا في الدنيا فاتضعوا في الآخرة وقال عكرمة ( طبقا عن طبق ) حالا بعد حال فطيما بعدما كان رضيعا وشيخا بعدما كان شابا وقال الحسن البصري ( طبقا عن طبق ) يقول حالا بعد حال رخاء بعد شدة وشدة بعد رخاء وغنى بعد فقر وفقرا بعد غنى وصحة بعد سقم وسقما بعد صحة وقال ابن أبي حاتم ذكر عن عبد الله بن زاهر حدثني أبي ، عن عمرو بن شمر عن جابر هو الجعفي عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقول إن ابن آدم لفي غفلة مما خلق له إن الله إذا أراد خلقه قال للملك اكتب رزقه اكتب أجله اكتب أثره اكتب شقيا أو سعيدا ثم يرتفع ذلك الملك ويبعث الله إليه ملكا آخر فيحفظه حتى يدرك ثم يرتفع ذلك الملك ثم يوكل الله به ملكين يكتبان حسناته وسيئاته فإذا حضره الموت ارتفع ذانك الملكان وجاءه ملك الموت فقبض روحه فإذا دخل قبره رد الروح في جسده ثم ارتفع ملك الموت وجاءه ملكا القبر فامتحناه ثم يرتفعان فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات فانتشطا كتابا معقودا في عنقه ثم حضرا معه واحد سائقا وآخر شهيدا ثم قال الله عز وجل ( لقد كنت في غفلة من هذا ) [ ق : 22 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لتركبن طبقا عن طبق ) قال حالا بعد حال ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم إن قدامكم لأمرا عظيما لا تقدرونه فاستعينوا بالله العظيم .

هذا حديث منكر وإسناده فيه ضعفاء ولكن معناه صحيح ، والله سبحانه وتعالى أعلم ثم قال ابن جرير بعدما حكى أقوال الناس في هذه الآية من القراء والمفسرين والصواب من التأويل قول من قال لتركبن أنت - يا محمد حالا بعد حال وأمرا بعد أمر من الشدائد والمراد بذلك وإن كان الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم موجها جميع الناس وأنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأهواله أحوالا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) اختلفت القرّاء في قراءته، فقرأه عمر بن الخطاب وابن مسعود وأصحابه وابن عباس وعامة قرّاء مكة والكوفة ( لَتَرْكَبَنَّ ) بفتح التاء والباء.

واختلف قارئو ذلك كذلك في معناه، فقال بعضهم: لَتَرْكَبنَ يا محمد أنت حالا بعد حال، وأمرًا بعد أمر من الشدائد.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد، أن ابن عباس كان يقرأ: ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) يعني نبيكم صلى الله عليه وسلم حالا بعد حال .

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عُلَيَة، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن رجل حدّثه، عن ابن عباس في ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) قال: منـزلا بعد منـزل .

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) يقول: حالا بعد حال .

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) يعني: منـزلا بعد منـزل، ويقال: أمرًا بعد أمر، وحالا بعد حال .

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، قال: سمعت مجاهدًا، عن ابن عباس ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) قال: محمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرِمة في قوله ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) قال: حالا بعد حال .

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هَوْذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) قال: حالا بعد حال .

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سأل حفص الحسن عن قوله ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) قال: منـزلا عن منـزل، وحالا بعد حال .

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شريك، عن موسى بن أبي عائشة، قال: سألت مرّة عن قوله ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) قال: حالا بعد حال .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) قال: حالا بعد حال .

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) قال: حالا بعد حال .

قال ثنا وكيع، عن نصر، عن عكرِمة، قال: حالا بعد حال.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) قال: لَتَرْكَبُنَّ الأمور حالا بعد حال .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) يقول: حالا بعد حال، ومنـزلا عن منـزل .

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) منـزلا بعد منـزل، وحالا بعد حال .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عمرو، عن منصور، عن مجاهد ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) قال: أمرًا بعد أمر .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) قال: أمرًا بعد أمر .

وقال آخرون ممن قرأ هذه المقالة، وقرأ هذه القراءة عُنِي بذلك: لتركبنّ أنت يا محمد سماء بعد سماء.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن وأبو العالية ( لَتَرْكَبَنَّ ) يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم ( طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) السموات .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن أبي الضحى، عن مسروق ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) قال: أنت يا محمد سماء عن سماء .

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل، عن الشعبيّ، قال: سماء بعد سماء .

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله، قال: سماء فوق سماء .

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لتركَبَنّ الآخرة بعد الأولى.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) قال: الآخرة بعد الأولى .

وقال آخرون ممن قرأ هذه القراءة: إنما عُنِي بذلك أنها تتغير ضروبًا من التغيير، وتُشَقَّقُ بالغمام مرّة وتحمرّ أخرى، فتصير وردة كالدهان، وتكون أخرى كالمهل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن قيس بن وهب، عن مرّة، عن ابن مسعود ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) قال: السماء مرّة كالدِّهان، ومرّة تَشَقَّق .

حدثنا ابن المثني، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: سمعت أبا الزرقاء الهَمْداني، وليس بأبي الزرقاء الذي يحدث في المسح على الجوربين، قال: سمعت مُرّة الهمداني، قال: سمعت عبد الله يقول في هذه الآية ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) قال: السماء .

حدثني عليّ بن سعيد الكنديّ، قال: ثنا عليّ بن غراب، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله في قوله ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) قال: هي السماء تغبرّ وتحمرّ وتَشَقَّق.

حدثنا أبو السائب، قال: ثني أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله، في قوله: ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) قال: هي السماء تَشَقَّق، ثم تحمرّ، ثم تنفطر؛ قال: وقال ابن عباس: حالا بعد حال .

حدثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: قرأ عبد الله هذا الحرف ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) قال: السماء حالا بعد حال، ومنـزلة بعد منـزلة .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) قال: هي السماء .

حدثنا مهران، عن سفيان، عن أبي فروة، عن مرّة، عن ابن مسعود أنه قرأها نصبًا، قال: هي السماء .

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال: هي السماء تغير لونًا بعد لون .

وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة وبعض الكوفيين ( لَتَرْكَبُنَّ ) بالتاء، وبضم الباء على وجه الخطاب للناس كافة أنهم يركبون أحوال الشدّة حالا بعد حال.

وقد ذكر بعضهم أنه قرأ ذلك بالياء وبضم الباء، على وجه الخبر عن الناس كافة، أنهم يفعلون ذلك.

وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب: قراءة من قرأ بالتاء وبفتح الباء، لأن تأويل أهل التأويل من جميعهم بذلك ورد وإن كان للقراءات الأخَر وجوه مفهومة.

وإذا كان الصواب من القراءة في ذلك ما ذكرنا فالصواب من التأويل قول من قال ( لَتَرْكَبَنَّ ) أنت يا محمد حالا بعد حال، وأمرًا بعد أمر من الشدائد.

والمراد بذلك -وإن كان الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم موجهًا- جميع الناس، أنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأهواله أحوالا.

وإنما قلنا: عُنِي بذلك ما ذكرنا أن الكلام قبل قوله ( لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) جرى بخطاب الجميع، وكذلك بعده، فكان أشبه أن يكون ذلك نظير ما قبله وما بعده.

وقوله: ( طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) من قول العرب: وقع فلان في بنات طبق: إذا وقع في أمر شديد.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

لتركبن طبقا عن طبق قرأ أبو عمر وابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومسروق وأبو وائل ومجاهد والنخعي وابن كثير وحمزة والكسائي ( لتركبن ) بفتح الباء خطابا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، أي لتركبن يا محمد حالا بعد حال ، قاله ابن عباس .

الشعبي : لتركبن يا محمد سماء بعد سماء ، ودرجة بعد درجة ، ورتبة بعد رتبة ، في القربة من الله تعالى .ابن مسعود : لتركبن السماء حالا بعد حال ، يعني حالاتها التي وصفها الله تعالى بها من الانشقاق والطي وكونها مرة كالمهل ومرة كالدهان .

وعن إبراهيم عن عبد الأعلى : طبقا عن طبق قال : السماء تقلب حالا بعد حال .

قال : تكون وردة كالدهان ، وتكون كالمهل ; وقيل : أي لتركبن أيها الإنسان حالا بعد حال ، من كونك نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم حيا وميتا وغنيا وفقيرا .

فالخطاب للإنسان المذكور في قوله : يا أيها الإنسان إنك كادح هو اسم للجنس ، ومعناه الناس .

وقرأ الباقون لتركبن بضم الباء ، خطابا للناس ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ، قال : لأن المعنى بالناس أشبه منه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، لما ذكر قبل هذه الآية فمن أوتي كتابه بيمينه ومن أوتي كتابه بشماله .

أي لتركبن حالا بعد حال من شدائد القيامة ، أو لتركبن سنة من كان قبلكم في التكذيب واختلاق على الأنبياء .قلت : وكله مراد ، وقد جاءت بذلك أحاديث ، فروى أبو نعيم الحافظ عن جعفر بن [ ص: 240 ] محمد بن علي عن جابر - رضي الله عنه - ، قال سمعت رسول - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن ابن آدم لفي غفلة عما خلقه الله - عز وجل - ; إن الله لا إله غيره إذا أراد خلقه قال للملك اكتب رزقه وأثره وأجله ، واكتب شقيا أو سعيدا ، ثم يرتفع ذلك الملك ، ويبعث الله ملكا آخر فيحفظه حتى يدرك ، ثم يبعث الله ملكين يكتبان حسناته وسيئاته ، فإذا جاءه الموت ارتفع ذانك الملكان ، ثم جاءه ملك الموت - عليه السلام - فيقبض روحه ، فإذا أدخل حفرته رد الروح في جسده ، ثم يرتفع ملك الموت ، ثم جاءه ملكا القبر فامتحناه ، ثم يرتفعان ، فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات ، فأنشطا كتابا معقودا في عنقه ، ثم حضرا معه ، واحد سائق والآخر شهيد ثم قال الله - عز وجل - لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد .

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لتركبن طبقا عن طبق قال : " حالا بعد حال " ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن قدامكم أمرا عظيما فاستعينوا بالله العظيم " فقد اشتمل هذا الحديث على أحوال تعتري الإنسان ، من حين يخلق إلى حين يبعث ، وكله شدة بعد شدة ، حياة ثم موت ، ثم بعث ثم جزاء ، وفي كل حال من هذه شدائد .

وقال - صلى الله عليه وسلم - : لتركبن سنن من قبلكم شبرا بشبر ، وذراعا بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ، قالوا : يا رسول الله ،اليهود والنصارى ؟

قال : فمن ؟

خرجه البخاري : وأما أقوال المفسرين ، فقال عكرمة : حالا بعد حال ، فطيما بعد رضيع ، وشيخا بعد شباب ، قال الشاعر :كذلك المرء إن ينسأ له أجل يركب على طبق من بعده طبقوعن مكحول : كل عشرين عاما تجدون أمرا لم تكونوا عليه : وقال الحسن : أمرا بعد أمر ، رخاء بعد شدة ، وشدة بعد رخاء ، وغنى بعد فقر ، وفقرا بعد غنى ، وصحة بعد سقم ، وسقما بعد صحة : سعيد بن جبير : منزلة بعد منزلة ، قوم كانوا في الدنيا متضعين فارتفعوا في الآخرة ، وقوم كانوا في الدنيا مرتفعين فاتضعوا في الآخرة : وقيل : منزلة عن منزلة ، وطبقا عن طبق ، وذلك أن من كان على صلاح دعاه إلى صلاح فوقه ، ومن كان على فساد دعاه إلى [ ص: 241 ] فساد فوقه ; لأن كل شيء يجري إلى شكله : ابن زيد : ولتصيرن من طبق الدنيا إلى طبق الآخرة : وقال ابن عباس : الشدائد والأهوال : الموت ، ثم البعث ، ثم العرض ، والعرب تقول لمن وقع في أمر شديد : وقع في بنات طبق ، وإحدى بنات طبق ، ومنه قيل للداهية الشديدة : أم طبق ، وإحدى بنات طبق : وأصلها من الحيات ، إذ يقال : للحية أم طبق لتحويها : والطبق في اللغة : الحال كما وصفنا ، قال الأقرع بن حابس التميمي :إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره وساقني طبق منه إلى طبقوهذا أدل دليل على حدوث العالم ، وإثبات الصانع ، قالت الحكماء : من كان اليوم على حالة ، وغدا على حالة أخرى فليعلم أن تدبيره إلى سواه : وقيل لأبي بكر الوراق : ما الدليل على أن لهذا العالم صانعا ؟

فقال : تحويل الحالات ، وعجز القوة ، وضعف الأركان ، وقهر النية ، ونسخ العزيمة : ويقال : أتانا طبق من الناس وطبق من الجراد : أي جماعة : وقول العباس في مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - :تنقل من صالب إلى رحم إذا مضى عالم بدا طبقأي قرن من الناس .

يكون طباق الأرض أي ملأها .

والطبق أيضا : عظم رقيق يفصل بين الفقارين ويقال : مضى طبق من الليل ، وطبق من النهار : أي معظم منه .

والطبق : واحد الأطباق ، فهو مشترك .

وقرئ ( لتركبن ) بكسر الباء ، على خطاب النفس و ( ليركبن ) بالياء على ليركبن الإنسان .

و ( عن طبق ) في محل نصب على أنه صفة ل " طبقا " أي طبقا مجاوزا لطبق .

أو حال من الضمير في لتركبن أي لتركبن طبقا مجاوزين لطبق ، أو مجاوزا أو مجاوزة على حسب القراءة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

والمقسم عليه قوله: { لَتَرْكَبُنَّ } [أي:] أيها الناس { طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ } أي: أطوارا متعددة وأحوالا متباينة، من النطفة إلى العلقة، إلى المضغة، إلى نفخ الروح، ثم يكون وليدًا وطفلًا، ثم مميزًا، ثم يجري عليه قلم التكليف، والأمر والنهي، ثم يموت بعد ذلك، ثم يبعث ويجازى بأعماله، فهذه الطبقات المختلفة الجارية على العبد، دالة على أن الله وحده هو المعبود، الموحد، المدبر لعباده بحكمته ورحمته، وأن العبد فقير عاجز، تحت تدبير العزيز الرحيم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لتركبن ) قرأ أهل مكة وحمزة والكسائي : " لتركبن " بفتح الباء يعني لتركبن يا محمد ( طبقا عن طبق ) قال الشعبي ومجاهد : سماء بعد سماء .

قال الكلبي : يعني تصعد فيها .

ويجوز أن يكون درجة بعد درجة ورتبة بعد رتبة في القرب من الله تعالى والرفعة .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا سعيد بن النضر ، أخبرنا هشيم ، أخبرنا أبو بشر عن مجاهد قال قال ابن عباس : " لتركبن طبقا عن طبق " حالا بعد حال ، قال هذا نبيكم - صلى الله عليه وسلم - .

وقيل : أراد به السماء تتغير لونا بعد لون ، فتصير تارة كالدهان وتارة كالمهل ، وتنشق بالغمام مرة وتطوى أخرى .

وقرأ الآخرون بضم الباء ، لأن المعنى بالناس أشبه ، لأنه ذكر من قبل : " فأما من أوتي كتابه بيمينه " " وشماله " وذكر من بعد : " فما لهم لا يؤمنون " وأراد : لتركبن حالا بعد حال ، وأمرا بعد أمر في موقف القيامة ، يعني : الأحوال تنقلب بهم ، فيصيرون في الآخرة على غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا .

و " عن " بمعنى بعد .

وقال مقاتل : يعني الموت ثم الحياة [ ثم الموت ثم الحياة ] .

وقال عطاء : مرة فقيرا ومرة غنيا .

وقال عمرو بن دينار عن ابن عباس : يعني الشدائد وأهوال الموت ، ثم البعث ثم العرض .

وقال عكرمة : حالا بعد حال ، رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم شيخ .

وقال أبو عبيدة : لتركبن سنن من كان قبلكم وأحوالهم .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن عبد العزيز ، أخبرنا أبو عمرو الصنعاني من اليمن عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لتتبعن سنن من [ كان ] قبلكم شبرا شبرا وذراعا ذراعا ، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم " قلنا : يا رسول الله آليهود والنصارى ؟

قال : فمن ؟

.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لتركبن» أيها الناس أصله تركبونن حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال والواو لالتقاء الساكنين «طبقا عن طبق» حالا بعد حال، وهو الموت ثم الحياة وما بعدها من أحوال القيامة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أقسم الله تعالى باحمرار الأفق عند الغروب، وبالليل وما جمع من الدواب والحشرات والهوام وغير ذلك، وبالقمر إذا تكامل نوره، لتركبُنَّ- أيها الناس- أطوارا متعددة وأحوالا متباينة: من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى نفخ الروح إلى الموت إلى البعث والنشور.

ولا يجوز للمخلوق أن يقسم بغير الله، ولو فعل ذلك لأشرك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - ( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ ) جواب القسم - كما سبق أن أشرنا - .والمراد بالركوب : الملاقاة والمعاناة ، والخطاب للناس ، والطبق جمع طبقة ، وهى الشئ المساوى لشئ آخر ، والمراد بها هنا : الحالة أو المرتبة ، وعن بمعنى بعد .أى : وحق الشفق ، والمراد بها هنا : الحالة أو المرتبة ، وعن بمعنى بعد .أى : وحق الشفق ، والليل وما وسق ، والقمر إذا اتسق .

.

لتلاقن - أيها الناس - أحوالا بعد أحوال ، هى طبقات ومراتب فى الشدة ، بعضها أصعب من بعض ، وهى الموت ، وما يكون بعده من حساب وجزاء يوم القيامة .قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ ) خطاب لجنس الإِنسان المنادى أولا ، باعتبار شموله لأفراده ، والمراد بالركوب : الملاقاة ، والطبق فى الأصل ما طابق غيره مطلقا .وخص فى العرف بالحال المطابقة لغيرها .

.

و " عن " للمجاوزة ، أو بمعنى " بعد " والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة أو حالا من فاعل لتركبن ، والظاهر أن " طبقا " منصوب على المفعولية ، أى : لتلاقن حالا كائنة بعد حال ، كل واحدة مطابقة لأختها فى الشدة والهول .

.

منها ما هو فى الدنيا ، ومنها ما هو فى الآخرة .وقرأ الأخوان - حمزة الكسوائى - وابن كثير ( لتركبن ) بفتح الباء - على أنه خطاب للإِنسان - أيضا - ، ولكن باعتبار اللفظ ، لا باعتبار الشمول .وأخرج البخارى عن ابن عباس أنه خطاب للنبى صلى الله عليه وسلم ، أى : لتركبن - أيها الرسول الكريم - أحوال شريفة بعد أخرى من مراتب القرب .

أو مراتب من الشدة بعد مراتب من الشدة ، ثم تكون العاقبة لك .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله تعالى: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بالشفق ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: أن هذا قسم، وأما حرف لا فقد تكلمنا فيه في قوله تعالى: ﴿ لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة  ﴾ ومن جملة الوجوه المذكورة هناك أن لا نفي ورد لكلام قبل القسم وتوجيه هذا الوجه هاهنا ظاهر، لأنه تعالى حكى هاهنا عن المشرك أنه ظن أن لن يحور فقوله لا رد لذلك القول وإبطال لذلك الظن ثم قال بعده أقسم بالشفق.

المسألة الثانية: قد عرفت اختلاف العلماء في أن القسم واقع بهذه الأشياء أو يخالفها، وعرفت أن المتكلمين زعموا أن القسم واقع برب الشفق وإن كان محذوفاً، لأن ذلك معلوم من حيث ورد الحظر بأن يقسم الإنسان بغير الله تعالى.

المسألة الثالثة: تركيب لفظ الشفق في أصل اللغة لرقة الشيء، ومنه يقال: ثوب شفق كأنه لا تماسك لرقته، ويقال: للرديء من الأشياء شفق، وأشفق عليه إذا رق قلبه عليه والشفقة رقة القلب ثم اتفق العلماء على أنه اسم للأثر الباقي من الشمس في الأفق بعد غروبها إلا ما يحكى عن مجاهد أنه قال: الشفق هو النهار، ولعله إنما ذهب إلى هذا لأنه تعالى عطف عليه الليل فيجب أن يكون المذكور أولاً هو النهار فالقسم على هذا الوجه واقع بالليل والنهار اللذين أحدهما معاش والثاني سكن وبهما قوام أمور العالم، ثم اختلفوا بعد ذلك فذهب عامة العلماء إلى أنه هو الحمرة وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل، ومن أهل اللغة قول الليث والفراء والزجاج.

قال صاحب الكشاف: وهو قول عامة العلماء إلا ما يروى عن أبي حنيفة في إحدى الروايتين عنه أنه البياض وروى أسد بن عمرو أنه رجع عنه.

واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول عليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق وكان أحمر، قال: فدل ذلك على أن الشفق هو الحمرة.

وثانيها: أنه جعل الشفق وقتاً للعشاء الأخيرة فوجب أن يكون المعتبر هو الحمرة لا البياض لأن البياض يمتد وقته ويطول لبثه، والحمرة لما كانت بقية ضوء الشمس ثم بعدت الشمس عن الأفق ذهبت الحمرة.

وثالثها: أن اشتقاق الشفق لما كان من الرقة، ولا شك أن الضوء يأخذ في الرقة والضعف من عند غيبة الشمس فتكون الحمرة شفقاً.

أما قوله: ﴿ واليل وَمَا وَسَقَ ﴾ فقال أهل اللغة: وسق أي جمع ومنه الوسق وهو الطعام المجتمع الذي يكال ويوزن ثم صار اسماً للحمل واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت والراعي يسقها أي يجمعها قال صاحب الكشاف: يقال وسقه فاتسق واستوسق ونظيره في وقوع افتعل واستفعل مطاوعين اتسع واستوسع.

وأما المعنى فقال القفال: مجموع أقاويل المفسرين يدل على أنهم فسروا قوله تعالى: ﴿ وَمَا وَسَقَ ﴾ على جميع ما يجمعه الليل من النجوم ورجوع الحيوان عن الانتشار وتحرك ما يتحرك فيه الهوام، ثم هذا يحتمل أن يكون إشارة إلى الأشياء كلها لاشتمال الليل عليها فكأنه تعالى أقسم بجميع المخلوقات كما قال: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ  ﴾ وقال سعيد بن جبير ما عمل فيه، قال القفال: يحتمل أن يكون ذلك هو تهجد العباد فقد مدح الله تعالى بها المستغفرين بالأسحار فيجوز أن يحلف بهم وإنما قلنا: إن الليل جمع هذه الأشياء كلها لأن ظلمته كأنها تجلل الجبال والبحار والشجر والحيوانات، فلا جرم صح أن يقال: وسق جميع هذه الأشياء، أما قوله: ﴿ والقمر إِذَا اتسق ﴾ فاعلم أن أصل الكلمة من الاجتماع يقال: وسقته فاتسق كما يقال: وصلته فاتصل، أي جمعته فاجتمع ويقال: أمور فلان متسقة أي مجتمعة على الصلاح كما يقال: منتظمة، وأما أهل المعاني فقال ابن عباس إذا اتسق أي استوى واجتمع وتكامل وتم واستدار وذلك ليلة ثلاثة عشر إلى ستة عشر، ثم إنه سبحانه وتعالى بعد أن ذكر ما به أقسم أتبعه بذكر ما عليه أقسم فقال: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عن طَبقٍ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ ﴾ على خطاب الإنسان في يا أيها الإنسان: ﴿ ولتركبن ﴾ بالضم على خطاب الجنس لأن النداء في قوله: ﴿ يأَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ  ﴾ للجنس ﴿ ولتركبن ﴾ بالكسر على خطاب النفس، وليركبن بالياء على المغايبة أي ليركبن الإنسان.

المسألة الثانية: الطبق ما طابق غيره يقال: ما هذا يطبق كذا أي لا يطابقه، ومنه قيل: للغطاء الطبق وطباق الثرى ما يطابق منه، قيل: للحال المطابقة لغيرها طبق، ومنه قوله تعالى: ﴿ طَبَقاً عَن طَبقٍ ﴾ أي حالاً بعد حال كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول، ويجوز أن يكون جمع طبقة وهي المرتبة من قولهم هو على طبقات والمعنى لتركبن أحوالاً بعد أحوال هي طبقات في الشدة بعضها أرفع من بعض وهي الموت وما بعده من أهوال القيامة، ولنذكر الآن وجوه المفسرين فنقول: أما القراءة برفع الياء وهو خطاب الجمع فتحتمل وجوهاً: أحدها: أن يكون المعنى لتركبن أيها الإنسان أموراً وأحوالاً أمراً بعد أمر وحالاً بعد حال ومنزلاً بعد منزل إلى أن يستقر الأمر على ما يقضي به على الإنسان أول من جنة أو نار فحينئذ يحصل الدوام والخلود، إما في دار الثواب أو في دار العقاب ويدخل في هذه الجملة أحوال الإنسان من يكون نطفة إلى أن يصير شخصاً ثم يموت فيكون في البرزخ، ثم يحشر ثم ينقل، إما إلى جنة وإما إلى نار.

وثانيها: أن معنى الآية أن الناس يلقون يوم القيامة أحوالاً وشدائد حالاً بعد حال وشدة بعد شدة كأنهم لما أنكروا البعث أقسم الله أن البعث كائن وأن الناس يلقون فيها الشدائد والأهوال إلى أن يفرغ من حسابهم فيصير كل أحد إلى أعدله من جنة أو نار وهو نحو قوله: ﴿ بَلى وَرَبّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ  ﴾ وقوله: ﴿ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً  ﴾ .

وثالثها: أن يكون المعنى أن الناس تنتقل أحوالهم يوم القيامة عما كانوا عليه في الدنيا فمن وضيع في الدنيا يصير رفيعاً في الآخرة، ومن رفيع يتضع، ومن متنعم يشقى، ومن شقي يتنعم، وهو كقوله: ﴿ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ  ﴾ وهذا التأويل مناسب لما قبل هذه الآية لأنه تعالى لما ذكر حال من يؤتى كتابه وراء ظهره، أنه كان في أهله مسروراً، وكان يظن أن لن يحور أخبر الله أنه يحور، ثم أقسم على الناس أنهم يركبون في الآخرة طبقاً عن طبق أي حالاً بعد حالهم في الدنيا.

ورابعها: أن يكون المعنى لتركبن سنة الأولين ممن كان قبلكم في التكذيب بالنبوة والقيامة، وأما القراءة بنصب الياء ففيها قولان: الأول: قول من قال: إنه خطاب مع محمد صلى الله عليه وسلم وعلى هذا التقدير ذكروا وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم بالظفر والغلبة على المشركين المكذبين بالبعث، كأنه يقول: أقسم يا محمد لنركبن حالاً بعد حال حتى يختم لك بجميل العافية فلا يحزنك تكذيبهم وتماديهم في كفرهم.

وفي هذا الوجه احتمال آخر يقرب مما ذكرنا، وهو أن يكون المعنى أنه يركب حال ظفر وغلبة بعد حال خوف وشدة.

واحتمال ثالث: وهو يكون المعنى أن الله تعالى يبدله بالمشركين أنصاراً من المسلمين، ويكون مجاز ذلك من قولهم طبقات الناس، وقد يصلح هذا التأويل على قراءة من قرأ بضم الباء، كأنه خطاب للمسلمين بتعريف تنقل الأحوال بهم وتصييرهم إلى الظفر بعدوهم بعد الشدة التي يلقونها منهم، كما قال: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أموالكم وَأَنفُسِكُمْ  ﴾ الآية وثانيهما: أن يكون ذلك بشارة لمحمد صلى الله عليه وسلم بصعوده إلى السماء لمشاهدة ملكوتها، وإجلال الملائكة إياه فيها، والمعنى لتركبن يا محمد السموات طبقاً عن طبق، وقد قال تعالى: ﴿ سَبْعَ سموات طِبَاقاً  ﴾ وقد فعل الله ذلك ليلة الإسراء، وهذا الوجه مروي عن ابن عباس وابن مسعود.

وثالثها: لتركبن يا محمد درجة ورتبة بعد رتبة في القرب من الله تعالى.

القول الثاني: في هذه القراءة، أن هذه الآية في السماء وتغيرها من حال إلى حال، والمعنى لتركبن السماء يوم القيامة حالة بعد حالة، وذلك لأنها أولاً تنشق كما قال: ﴿ إِذَا السماء انشقت  ﴾ ثم تنفطر كما قال: ﴿ إِذَا السماء انفطرت  ﴾ ثم تصير: ﴿ وَرْدَةً كالدهان  ﴾ وتارة: ﴿ كالمهل  ﴾ على ما ذكر الله تعالى هذه الأشياء في آيات من القرآن فكأنه تعالى لما ذكر في أول السورة أنها تنشق أقسم في آخر السورة أنها تنتقل من أحوال إلى أحوال، وهذا الوجه مروي عن ابن مسعود.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ عَن طَبقٍ ﴾ أي بعد طبق كقول الشاعر: ما زلت أقطع منهلا عن منهل *** حتى أنخت بباب عبدالواحد ووجه هذا أن الإنسان إذا صار من شيء إلى شيء آخر فقد صار إلى الثاني بعد الأول فصلحت بعد وعن معاقبة، وأيضاً فلفظة عن تفيد البعد والمجاوزة فكانت مشابهة للفظة بعد.

أما قوله تعالى: ﴿ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: الأقرب أن المراد ﴿ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ بصحة البعث والقيامة لأنه تعالى حكى عن الكافر: ﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ  ﴾ ثم أفتى سبحانه بأنه يحور فلما قال بعد ذلك: ﴿ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ دل على أن المراد: ﴿ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ بالبعث والقيامة، ثم اعلم أن قوله: ﴿ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ استفهام بمعنى الإنكار، وهذا إنما يحسن عند ظهور الحجة وزوال الشبهات، الأمر هاهنا كذلك، وذلك لأنه سبحانه أقسم بتغييرات واقعة في الأفلاك والعناصر، فإن الشفق حالة مخالفة لما قبلها وهو ضوء النهار، ولما بعدها وهو ظلمة الليل، وكذا قوله: ﴿ واليل وَمَا وَسَقَ ﴾ فإنه يدل على حدوث ظلمة بعد نور، وعلى تغير أحوال الحيوانات من اليقظة إلى النوم، وكذا قوله: ﴿ والقمر إِذَا اتسق ﴾ فأنه يدل على حصول كمال القمر بعد أن كان ناقصاً، إنه تعالى أقسم بهذه الأحوال المتغيرة على تغير أحوال الخلق، وهذا يدل قطعاً على صحة القول بالبعث، لأن القادر على تغيير الأجرام العلوية والسفلية من حال إلى حال وصفة إلى صفة بحسب المصالح، لابد وأن يكون في نفسه قادراً على جميع الممكنات عالماً بجميع المعلومات.

ومن كان كذلك كان لا محالة قادراً على البعث والقيامة، فلما كان ما قبل هذه الآية كالدلالة العقلية القاطعة على صحة البعث والقيامة لا جرم قال على سبيل الاستبعاد: ﴿ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

المسألة الثانية: قال القاضي: لا يجوز أن يقول الحكيم فيمن كان عاجزاً عن الإيمان ﴿ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ فلما قال ذلك دل على كونهم قادرين، وهذا يقتضي أن تكون الاستطاعة قبل الفعل، وأن يكونوا موجدين لأفعالهم، وأن لا يكون تعالى خالقاً للكفر فيهم.

فهذه الآية من المحكمات التي لا احتمال فيها البتة، وجوابه قد مر غير مرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الشفق: الحمرة التي ترى في المغرب بعد سقوط الشمس، وبسقوطه يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العتمة عند عامة العلماء، إلا ما يروى عن أبي حنيفة رضي الله عنه في إحدى الروايتين: أنه البياض.

وروى أسد بن عمرو: أنه رجع عنه، سمي لرقته.

ومنه الشفقة على الإنسان: رقة القلب عليه ﴿ وَمَا وَسَقَ ﴾ وما جمع وضم، يقال: وسقه فاتسق واستوسق.

قال: مُسْتَوْسِقَاتٌ لَوْ يَجِدْنَ سَائِقَا ونظيره في وقوع افتعل واستفعل مطاوعين: اتسع واستوسع.

ومعناه: وما جمعه وستره وآوى إليه من الدواب وغيرها ﴿ إِذَا اتسق ﴾ إذا اجتمع واستوى ليلة أربع عشرة.

قرئ: ﴿ لتركبن ﴾ على خطاب الإنسان في ﴿ ياأيها الإنسان ﴾ ولنركبن، بالضم على خطاب الجنس، لأن النداء للجنس؛ ولتركبن بالكسر على خطاب النفس، وليركبن بالياء على: ليركبن الإنسان.

والطبق: ما طابق غيره.

يقال: ما هذا بطبق لذا، أي: لا يطابقه.

ومنه قيل للغطاء الطبق.

وإطباق الثرى: ما تطابق منه، ثم قيل للحال المطابقة لغيرها: طبق.

ومنه قوله عز وعلا ﴿ طَبَقاً عَن طَبقٍ ﴾ أي حالاً بعد حال: كل واحدة مطابقة لأختها في الشدّة والهول: ويجوز أن يكون جمع طبقة وهي المرتبة، من قولهم: هو على طبقات.

ومنه: طبق الظهر لفقاره الواحدة: طبقة، على معنى: لتركبنّ أحوالا بعد أحوال هي طبقات في الشدّة بعضها أرفع من بعض وهي الموت وما بعده من مواطن القيامة وأهوالها.

فإن قلت: ما محل عن طبق؟

قلت: النصب على أنه صفة لطبقاً، أي: طبقا مجاوزاً لطبق.

أو حال من الضمير في لتركبنّ، أي: لتركبن طبقاً مجاوزين لطبق.

أو مجاوزاً أو مجاوزة، على حسب القراءة: وعن مكحول: كل عشرين عاماً تجدون أمراً لم تكونوا عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ﴾ الحُمْرَةِ الَّتِي تُرى في أُفُقِ المَغْرِبِ بَعْدَ الغُرُوبِ.

وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: أنَّهُ البَياضُ الَّذِي يَلِيها، سُمِّيَ بِهِ لِرِقَّتِهِ مِنَ الشَّفَقَةِ.

﴿ واللَّيْلِ وما وسَقَ ﴾ وما جَمَعَهُ وسَتَرَهُ مِنَ الدَّوابِّ وغَيْرِها يُقالُ: وسَقَهُ فاتَّسَقَ واسْتَوْسَقَ، قالَ: مُسْتَوْسِقاتٍ لَوْ يَجِدْنَ سائِقًا.

أوْ طَرَدَهُ إلى أماكِنِهِ مِنَ الوَسِيقَةِ.

﴿ والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ ﴾ اجْتَمَعَ وتَمَّ بَدْرًا.

﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ﴾ حالًا بَعْدَ حالٍ مُطابِقَةً لِأُخْتِها في الشِّدَّةِ، وهو لَمّا طابَقَ غَيْرَهُ فَقِيلَ: لِلْحالِ المُطابِقَةِ، أوْ مَراتِبَ مِنَ الشِّدَّةِ بَعْدَ المَراتِبِ هي المَوْتُ ومَواطِنُ القِيامَةِ وأهْوالُها، أوْ هي وما قَبْلَها مِنَ الدَّواهِي عَلى أنَّهُ جَمْعُ طَبَقَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ لَتَرْكَبَنَّ بِالفَتْحِ عَلى خِطابِ الإنْسانِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، أوِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى مَعْنى لَتَرْكَبَنَّ حالًا شَرِيفَةً ومَرْتَبَةً عالِيَةً بَعْدَ حالٍ ومَرْتَبَةٍ، أوْ طَبَقًا مِن أطْباقِ السَّماءِ بَعْدَ طَبَقِ لَيْلَةِ المِعْراجِ وبِالكَسْرِ عَلى خِطابِ النَّفْسِ، وبِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ وعَنْ طَبَقٍ صِفَةٌ لِ طَبَقًا أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ بِمَعْنى مُجاوِزِ ال طَبَقٍ أوْ مُجاوِزِينَ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَتَرْكَبُنَّ} أيها الإنسان على إرادة الجنس {طَبَقاً عَن طَبقٍ} حالاً بعد حال كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول والطبق ما طابق غيره يقال ما هذا بطبق لذا أي لا يطابقه ومنه قيل للغطاء الطبق ويجوز أن يكون جمع طبقة وهي المرتبة من قولهم هو على طبقات أي لتركبن أحوالاً بعد أحوال هي طبقات في الشدة بعضها أرفع من بعض وهي الموت وما بعدها من مواطن القيامة وأهوالها ومحل عَن طَبقٍ نصب على انه صفة لطبقا أي طبقاً مجاوزاً لطبق أو حال من الضمير في لَتَرْكَبُنَّ أي لتركبن طبقاً مجاوزين لطبق وقال مكحول في كل عشرين عاماً تجدون أمرا لم تكونوا عليه بفتح الياء مكي وعلي وحمزة والخطاب له عليه السلام أي طبقاً من طباق السماء بعد طبق أي في المعراج

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ ﴾ أيِ اجْتَمَعَ نُورُهُ وصارَ بَدْرًا.

﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ﴾ خِطابٌ لِجِنْسِ الإنْسانِ المُنادى أوَّلًا بِاعْتِبارَ شُمُولِهِ لِأفْرادِهِ، والمُرادُ بِالرُّكُوبِ المُلاقاةُ، والطَّبَقُ في الأصْلِ ما طابَقَ غَيْرَهُ مُطْلَقًا، وخُصَّ في العُرْفِ بِالحالِ المُطابِقَةِ لِغَيْرِها، ومِنهُ قَوْلُ الأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ: إنِّي امْرُؤٌ قَدْ حَلَبْتُ الدَّهْرَ أشْطُرَهُ وساقَنِي طَبَقٌ مِنهُ إلى طَبَقِ و«عِنْ» لِلْمُجاوَزَةِ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي بِمَعْنى بَعْدَ، كَما في قَوْلِهِما: سادُوكَ كابِرًا عَنْ كابِرٍ، وقَوْلِهِ: ما زِلْتُ أقْطَعُ مَنهَلًا عَنْ مَنهَلٍ ∗∗∗ حَتّى أنَخْتُ بِبابِ عَبْدِ الواحِدِ والمُجاوَزَةُ والبَعْدِيَّةُ مُتَقارِبانِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ «طَبَقًا» أوْ حالًا مِن فاعِلِ: (تَرْكَبُنَّ) والظّاهِرُ أنَّ نَصْبَ ﴿ طَبَقًا ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ؛ أيْ: لَتُلاقُنَّ حالًا مُجاوِزَةً لِحالٍ أوْ كائِنَةً بَعْدَ حالٍ أوْ مُجاوَزِينَ لِحالٍ أوْ كائِنِينَ بَعْدَ حالٍ، كُلُّ واحِدَةٍ مُطابِقَةٌ لِأُخْتِها في الشِّدَّةِ والهَوْلِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الرُّكُوبِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وتُجْعَلُ الحالُ مَرْكُوبَةً مَجازًا.

وقِيلَ: نَصْبُ ﴿ طَبَقًا ﴾ عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ أوِ الحالِيَّةِ، وقالَ جَمْعٌ: الطَّبَقُ جَمْعُ طَبَقَةٍ كَتُخَمٍ وتُخَمَةٍ وهي المَرْتَبَةُ، ويُقالُ: إنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ واحِدُهُ ذَلِكَ، والمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ أحْوالًا بَعْدَ أحْوالٍ هي طَبَقاتٌ في الشِّدَّةِ بَعْضُها أرْفَعُ مِن بَعْضٍ وهي المَوْتُ وما بَعْدَهُ مِن مُواطِنِ القِيامَةِ وأهْوالِها، ورَجَّحَهُ الطِّيبِيُّ فَقالَ: هَذا الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ وتَرَتُّبُ الفاءِ في ﴿ فَلا أُقْسِمُ ﴾ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا ﴾ وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الأحْوالَ بِما يَكُونُ في الدُّنْيا مِن كَوْنِهِمْ نُطْفَةً إلى المَوْتِ وما يَكُونُ في الآخِرَةِ مِنَ البَعْثِ إلى حِينِ المُسْتَقَرِّ في إحْدى الدّارَيْنِ.

وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِ «طَبَقًا» عَنْ طَبَقِ المَوْتِ المُطابِقِ لِلْعَدَمِ الأصْلِيِّ والإحْياءِ المُطابِقِ لِلْإحْياءِ السّابِقِ، فَيَكُونُ الكَلامُ قَسَمًا عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ ويَجْرِي فِيهِ ما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.

وأخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ مَكْحُولٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: تَكُونُونَ في كُلِّ عِشْرِينَ سَنَةً عَلى حالٍ لَمْ تَكُونُوا عَلى مِثْلِها.

وفي رِوايَةِ ابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: في كُلِّ عِشْرِينَ عامًا تُحْدِثُونَ أمْرًا لَمْ تَكُونُوا عَلَيْهِ، فالطَّبَقُ بِمَعْنى عِشْرِينَ عامًا، وقَدْ عَدَّ ذَلِكَ في القامُوسِ مِن جُمْلَةِ مَعانِيهِ، وما ذُكِرَ بَيانٌ لِلْمَعْنى المُرادِ.

وقِيلَ: الطَّبَقُ هُنا القَرْنُ مِنَ النّاسِ مِثْلُهُ في قَوْلِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: وأنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الأرْ ∗∗∗ ضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ تَنَقَّلَ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ وإنَّ المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن مَضى قَبْلَكم قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وكِلا القَوْلَيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ.

وقَرَأ عُمَرُ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والأسْوَدُ وابْنُ جُبَيْرٍ ومَسْرُوقٌ والشَّعْبِيُّ وأبُو العالِيَةِ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ وعِيسى والأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ: «لَتَرْكَبُنَّ» بِتاءِ الخِطابِ وفَتْحِ الباءِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُما أيْضًا كَسَرا تاءَ المُضارَعَةِ وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْإنْسانِ أيْضًا لَكِنْ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ لا بِاعْتِبارِ الشُّمُولِ.

وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ، وكَأنَّ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو المُرادُ بِالإنْسانِ فِيما تَقَدَّمَ يَذْهَبُ إلَيْهِ وعَلَيْهِ يُرادُ ﴿ لَتَرْكَبُنَّ ﴾ أحْوالًا شَرِيفَةً بَعْدَ أُخْرى مِن مَراتِبِ القُرْبِ أوْ مَراتِبَ مِنَ الشِّدَّةِ في الدُّنْيا بِاعْتِبارِ ما يُقاسِيهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الكَفَرَةِ ويُعانِيهِ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ أوِ الكَلامِ عِدَةٌ بِالنَّصْرِ؛ أيْ: لَتُلاقُنَّ فَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ، ونَصْرًا بَعْدَ نَصْرٍ، وتَبْشِيرًا بِالمِعْراجِ؛ أيْ: لَتَرْكَبُنَّ سَماءً بَعْدَ سَماءٍ، كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وأُيِّدَ بِالتَّوْكِيدِ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ والتَّعْقِيبِ بِالإنْكارِيَّةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ يَعْنِي السَّماءُ تَنْفَطِرُ ثُمَّ تَنْشَقُّ ثُمَّ تَحْمَرُّ، وفي رِوايَةٍ السَّماءُ تَكُونُ كالمُهْلِ وتَكُونُ ورْدَةُ كالدِّهانِ وتَكُونُ واهِيَةً وتَشَقَّقُ فَتَكُونُ حالًا بَعْدَ حالٍ فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ والضَّمِيرُ الفاعِلُ عائِدٌ عَلى السَّماءِ.

وقَرَأ عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: «لَيَرْكَبُنَّ» بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ وفَتْحِ الباءِ عَلى الِالتِفاتِ مِن خِطابِ الإنْسانِ إلى الغَيْبَةِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَعْنِي نَبِيَّكم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَجَعَلَ الضَّمِيرَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمَعْنى عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ.

وقِيلَ: الضَّمِيرُ الغائِبُ يَعُودُ عَلى القَمَرِ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا مِن سِرارٍ واسْتِهْلالٍ وإبْدارٍ.

وقَرَأ عُمَرُ أيْضًا: «لَيُرْكَبُنَّ» بِياءِ الغَيْبَةِ وضَمِّ الباءِ عَلى أنَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ لِلْإنْسانِ بِاعْتِبارِ الشُّمُولِ.

وقُرِئَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ الباءِ عَلى تَأْنِيثِ الإنْسانِ المُخاطَبِ بِاعْتِبارِ النَّفْسِ.

وأمْرُ التَّقْدِيرِ الحالِيَّةُ المُشارُ إلَيْها فِيما مَرَّ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ قال مقاتل: ظن أن لن يرجع إلى الله تعالى في الآخرة، وهي لغة الحبشة، وقال قتادة: يعني: ظن أن لن يبعثه الله تعالى.

وقال عكرمة: ألم تسمع إلى قول الحبشي، إذا قيل له حر يعني: أرجع إلى أهلك.

ثم قال: بَلى يعني: ليرجعنّ إلى ربه في الآخرة إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً يعني: كان عالماً به، من يوم خلقه إلى يوم بعثه.

قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ يعني: أقسم بالشفق، والشفق الحمرة، والبياض الذي بعد غروب الشمس.

وهذا التفسير، يوافق قول أبي حنيفة رحمه الله.

وروي عن مجاهد، أنه قال: الشفق هو ضوء النهار.

وروي عنه أنه قال: الشفق النهار كله، وروي عن ابن عمر أنه قال: الشفق الحمرة، وهذا يوافق قول أبي يوسف، ومحمد، رحمهما الله.

ثم قال: وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ يعني: ساق وجمع وضم.

وقال القتبي أي: حمل وجمع منه الوسق، وهو الحمل، وقال الزجاج أي: ضم وجمع وقال مقاتل: وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ يعني: ما يساق معه من الظلمة والكواكب، وقال الكلبي يعني: ما دخل فيه وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ يعني: إذا استوى، وتم إلى ثلاثة عشرة ليلة، ويقال: إذا اتسق يعني: تم وتكامل.

لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي لتركبن بنصب التاء، والباقون بالضم، فمن قرأ بالنصب، فمعناه لتركبن يا محمد من سماء إلى سماء، ومن قرأ بالضم فالخطاب لأمته أجمعين، يعني: لتركبن حالاً بعد حال، حتى يصيروا إلى الله تعالى من إحياء، وإماتة، وبعث.

ويقال: يعني: مرة نطفة ومرة علقة، ويقال: حالاً بعد حال، مرة تعرفون ومرة لا تعرفون، يعني: يوم القيامة.

ويقال: يعني: السماء لتحولن حالاً بعد حال، مرة تتشقق بالغمام، ومرة تكون كالدهان.

قرأ بعضهم ليركبن بالياء، يعني: ليركبن هذا المكذب طبقاً عن طبق، يعني: حالاً بعد حال، يعني: الموت ثم الحياة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ يريدُ في الدنيا، مَسْرُوراً أي: تَمَلَّكَهُ ذلكَ لاَ يدرِي إلا السرورَ بأهلهِ دونَ معرفةِ ربه.

وقوله تعالى: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ معناه: أن لن يرجِعَ إلى اللَّه مبعوثاً محشُوراً، قال ابن عباس: لم أعلم ما معنى يَحُورَ حتى سَمِعْتُ امرأة أَعْرَابِيَّةً تَقُولُ لِبُنَيَّةٍ لَهَا:

حُورِي أي: ارجعي «١» ، - ص-: بَلى إيجابٌ بَعْدَ النفي، أي: بلى لَيَحُورَنَّ أي:

ليرجعنّ، انتهى.

فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠)

وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)

وقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ «لا» / زائِدةٌ وقيل: «لا» ردّ على أقوال الكفار، وبِالشَّفَقِ الحُمْرَةُ التي تَعْقُبُ غَيْبُوبَةَ الشمسِ مع البياضِ التابع لها في الأغلب، ووَسَقَ معناه: جُمِعَ وَضُمَّ ومنه الوَسْقُ أي: الأَصْوُعُ المجموعةُ، والليل يَسِق الحيوانَ جملة أي:

يجمَعَها وَيَضُمُّها، وكذلك جميعُ المخلوقاتِ التي في الأرض والهواء من البحار والجبال والرياح وغير ذلك، واتساقُ القمر كمالُه وتمامُه بدراً، والمعنى امتلأَ من النور، وقرأ نافع وأبو عَمْرٍو وابن عامر: «لَتَرْكَبُنَّ» - بضم الباءِ «٢» - والمعنى: لتركبُنَّ الشدائِدَ: الموتَ والبعثَ والحسابَ حالاً بعد حالٍ، و «عن» تجيءُ بمعنى «بعد» كما يقال: ورثَ المجدَ كَابِراً عن كابرٍ، وقيلَ: غير هذا، وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير: «لَتَرْكَبَنَّ» «٣» - بفَتْحِ الباءِ- على معنى أنتَ يا محمد، فقيلَ: المعنى حالاً بعد حالٍ من معالَجةِ الكفارِ، وقال ابن عبّاس:

سماءً بعد سماءٍ في الإسراء «١» ، وقيل: هي عِدَةٌ بالنَّصْرِ أي لتركبَنَّ أمْرَ العربِ قَبِيلاً بعد قَبِيل كما كان، وفي البخاري عن ابن عبَّاس: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ حَالاً بعد حال هكذا قال نبيّكم صلّى الله عليه وسلّم «٢» ، انتهى، ثم قال تعالى: فَما لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ، أي: ما حجتُهم مع هذهِ البراهين الساطعة، ويُوعُونَ معناه: يَجْمَعُونَ من الأعمالِ والتكذيبِ كأنهم يجعلونَها أوعية، تقول وعيت العلم، وأوعيت المتاع، ومَمْنُونٍ معناه: مقطوع.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلى ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: بَلى لَيَحُورَنَّ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: بَصِيرًا عَلى جَمِيعِ أحْوالِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا أُقْسِمُ ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ.

فَأمّا " الشَّفَقُ " فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هُما شَفَقانِ: الأحْمَرُ، والأبْيَضُ، فالأحْمَرُ: مِن لَدُنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى وقْتِ صَلاةِ العِشاءِ ثُمَّ يَغِيبُ، ويَبْقى الشَّفَقُ الأبْيَضُ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ " بِالشَّفَقِ " هاهُنا سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الحُمْرَةُ الَّتِي تَبْقى في الأُفُقِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.

وقَدْ رَوى ابْنُ عُمَرَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " الشَّفَقُ: الحُمْرَةُ "»، وهَذا قَوْلُ عُمَرَ، وابْنِهِ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وعُبادَةَ، وأبِي قَتادَةَ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأنَسٍ، وابْنِ المُسَيَّبِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وطاوُوسٍ، ومَكْحُولٍ، ومالِكٍ، والأوْزاعِيِّ، وأبِي يُوسُفَ، والشّافِعِيِّ، وأبِي عُبَيْدٍ، وأحْمَدَ، وإسْحاقَ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ.

قالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ وعَلَيْهِ ثَوْبٌ مَصْبُوغٌ: كَأنَّهُ الشَّفَقُ، وكانَ أحْمَرَ.

والثّانِي: أنَّهُ النَّهارُ.

والثّالِثُ: الشَّمْسُ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنْ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: ما بَقِيَ مِنَ النَّهارِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: السَّوادُ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ ذَهابِ البَياضِ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ.

والسّادِسُ: أنَّهُ البَياضُ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّيْلِ وما وسَقَ ﴾ أيْ: وما جَمَعَ وضَمَّ.

وأنْشَدُوا: إنَّ لَنا قَلائِصًا حَقائِقًا مُسْتَوْسِقاتٍ لَوْ يَجِدْنَ سائِقًا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿ وَما وسَقَ ﴾ ما عَلا فَلَمْ يَمْنَعْ مِنهُ شَيْءٌ، فَإذا جَلَّلَ اللَّيْلُ الجِبالَ، والأشْجارَ، والبِحارَ، والأرْضَ، فاجْتَمَعَتْ لَهُ، فَقَدْ وسَقَها.

وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنى: " ما وسَقَ ": ما جَمَعَ مِمّا كانَ مُنْتَشِرًا بِالنَّهارِ في تَصَرُّفِهِ إلى مَأْواهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: اتِّساقُهُ: اجْتِماعُهُ واسْتِواؤُهُ لَيْلَةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ، وأرْبَعَ عَشْرَةَ، إلى سِتَّ عَشْرَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ والباءِ، وفي مَعْناهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  .

ثُمَّ في مَعْناهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَتَرْكَبَنَّ سَماءً بَعْدَ سَماءٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: لَتَرْكَبَنَّ حالًا بَعْدَ حالٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ: هو نَبِيُّكم.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الإشارَةَ إلى السَّماءِ.

والمَعْنى: أنَّها تَتَغَيَّرُ ضُرُوبًا مِنَ التَّغْيِيرِ، فَتارَةً كالمُهْلِ، وتارَةً كالدِّهانِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا.

وَقَرَأ عاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " لَتَرْكَبُنَّ " بِفَتْحِ التّاءِ، وضَمِّ الباءِ، وهو خِطابٌ لِسائِرِ النّاسِ.

ومَعْناهُ: لَتَرْكَبُنَّ حالًا بَعْدَ حالٍ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو الأشْهَبِ " لَيَرْكَبَنَّ " بِالياءِ، ونَصْبِ الباءِ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ يَعْمَرَ " لَيَرْكَبُنَّ " بِالياءِ، وضَمِّ الباءِ.

و " عَنْ " بِمَعْنى " بَعْدَ " .

وهَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ واللُّغَوِيِّينَ، وأنْشَدُوا لِلْأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ.

إنِّي امْرُؤٌ قَدْ حَلَبْتُ الدَّهْرَ أشْطُرَهُ ∗∗∗ وساقَنِي طَبَقٌ مِنهُ إلى طَبَقِ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الشَّدائِدُ، والأهْوالُ، ثُمَّ المَوْتُ، ثُمَّ البَعْثُ، ثُمَّ العَرْضُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الرَّخاءُ بَعْدَ الشِّدَّةِ، والشِّدَّةُ بَعْدَ الرَّخاءِ، والغِنى بَعْدَ الفَقْرِ، والفَقْرُ بَعْدَ الغِنى، والصِّحَّةُ بَعْدَ السَّقَمِ، والسَّقَمُ بَعْدَ الصِّحَّةِ، [قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ كَوْنُ الإنْسانِ رَضِيعًا ثُمَّ فَطِيمًا ثُمَّ غُلامًا شابًّا ثُمَّ شَيْخًا]، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ تَغَيُّرُ حالِ الإنْسانِ في الآخِرَةِ بَعْدَ الدُّنْيا، فَيَرْتَفِعُ مَن كانَ وضِيعًا، ويَتَّضِعُ مَن كانَ مُرْتَفِعًا، وهَذا مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ رُكُوبُ سَنَنِ مَن كانَ قَبْلَهم مِنَ الأوَّلِينَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

وَكانَ بَعْضُ الحُكَماءِ يَقُولُ: مَن كانَ اليَوْمَ عَلى حالَةٍ، وغَدًا عَلى حالَةٍ أُخْرى، فَلْيَعْلَمْ أنَّ تَدْبِيرَهُ إلى سِواهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَهُمْ ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ، وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ ﴿ وَإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يُصَلُّونَ، قالَهُ عَطاءٌ، وابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: لا يَخْضَعُونَ لَهُ، ويَسْتَكِينُونَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، واخْتارَهُ القاضِي أبُو يُعْلى.

قالَ: وقَدِ احْتَجَّ بِها قَوْمٌ عَلى وُجُوبِ سُجُودِ التِّلاوَةِ، ولَيْسَ فِيها دَلالَةٌ عَلى ذَلِكَ، وإنَّما المَعْنى: لا يَخْشَعُونَ، ألا تَرى أنَّهُ أضافَ السُّجُودَ إلى جَمِيعِ القُرْآنِ، والسُّجُودُ يَخْتَصُّ بِمَواضِعَ مِنهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ﴾ بِالقُرْآنِ، والبَعْثِ، والجَزاءِ ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ ﴾ في صُدُورِهِمْ ويُضْمِرُونَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ التَّكْذِيبِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " يُوعُونَ ": يَجْمَعُونَ في قُلُوبِهِمْ.

وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: أوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ، ووَعَيْتُ العِلْمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ أيْ: أخْبِرْهم بِذَلِكَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: اجْعَلْ لِلْكَفّارِ بَدَلَ البِشارَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ والرَّحْمَةِ، العَذابَ الألِيمَ.

و " المَمْنُونُ " عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: المَقْطُوعُ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِالشَفَقِ ﴾ ﴿ واللَيْلِ وما وسَقَ ﴾ ﴿ والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ ﴾ ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عن طَبَقٍ ﴾ ﴿ فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ ﴾ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ﴾ ﴿ واللهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ ﴾ ﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ "لا" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: فَأُقْسِمُ، وقِيلَ: "لا" رادَّ عَلى أقْوالِ الكُفّارِ، وابْتَدَأ القَوْلَ: أُقْسِمُ، وقَسَمُ اللهِ تَعالى بِمَخْلُوقاتِهِ هو عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لَها وتَعْرِيضُها لِلْعِبْرَةِ، إذِ القَسَمُ بِها مُنَبِّهٌ مِنها.

و"الشَفَقُ": الحُمْرَةُ الَّتِي تَعْقُبُ غَيْبُوبَةَ الشَمْسِ مَعَ البَياضِ التابِعِ لَها في الأغْلَبِ، وقِيلَ الشَفَقُ هُنا النَهارُ كُلُّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: الشَفَقُ البَياضُ الَّذِي تَتْلُوهُ الحُمْرَةُ.

و"وَسَقَ" مَعْناهُ: جَمَعَ وضَمَّ، ومِنهُ الوَسْقُ، أيِ الأصْوُعُ المَجْمُوعَةُ، واللَيْلُ يَسِقُ الحَيَوانَ جُمْلَةً، أيْ يَجْمَعُها في نَفْسِهِ ويَضُمُّها، وكَذَلِكَ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ الَّتِي في الأرْضِ والهَواءِ مِنَ البِحارِ والجِبالِ والرِياحِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

و"اتِّساقُ القَمَرِ" كَمالُهُ وتَمامُهُ بَدْرًا، فالمَعْنى: امْتَلَأ مِنَ النُورِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عَبّاسٍ -بِخِلافٍ عنهُما- وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ "لَتَرْكَبُنَّ" بِضَمِّ الباءِ، عَلى مُخاطَبَةِ الناسِ، والمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الشَدائِدَ، المَوْتَ والبَعْثَ والحِسابَ حالًا بَعْدَ حالٍ، أو تَكُونُ الأحْوالُ مِنَ النُطْفَةِ إلى الهَرَمِ، كَما تَقُولُ: طَبَقَةٌ بَعْدَ طَبَقَةٍ، و"عن" تَجِيءُ بِمَعْنى "بَعْدُ"، كَما تَقُولُ: "وَرِثَ المَجْدَ كابِرًا عن كابِرٍ" وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبَدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في النَبِيِّ  : وأنْتَ لَمّا بُعِثْتَ أشْرَقَتِ الأرْ ضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الطُرُقُ تُنْقَلُ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ أيْ قَرْنٌ مِنَ الناسِ؛ لِأنَّهُ طَبَقُ الأرْضِ، قالَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ: إنِّي امْرُؤٌ قَدْ حَلَبْتُ الدَهْرَ أشْطُرَهُ ∗∗∗ وساقَنِي طَبَقٌ مِنهُ إلى طَبَقِ أيْ حالٌ بَعْدَ حالٍ، وقِيلَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى أنَّهم غَيْبٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَن قَبْلَكم.

/ ٥٠ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَما في الحَدِيثِ: « "شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذِراعًا بِذِراعٍ"،» فَهَذا هو طَبَقٌ عن طَبَقٍ، ويَلْتَئِمُ هَذا المَعْنى مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ الَّتِي ذَكَرْنا عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويَحْسُنُ مَعَ القِراءَةِ الأُولى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعَمْرُو بْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأُسُودُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومَعْرُوفٌ والشَعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: "لَتَرْكَبَنَّ" بِفَتْحِ الباءِ، عَلى مَعْنى: أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقِيلَ: المَعْنى: حالًا بَعْدَ حالٍ مِن مُعالَجَةِ الكُفّارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ في الإسْراءِ، وقِيلَ: هي عِدَةٌ بِالنَصْرِ، أيْ لَتَرْكَبَنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ كَما كانَ ووُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المَعْنى: لَتَرْكَبَنَّ السَماءَ في أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ حالًا بَعْدَ حالٍ، تَكُونُ كالمَهْلِ وكالدِهانِ وتَنْفَطِرُ وتَتَشَقَّقُ، فالسَماءُ هي الفاعِلَةُ، وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "لَيَرْكَبُنَّ" عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، فَإمّا أنْ يُرادَ مُحَمَّدٌ  عَلى المَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي: نَبِيُّكم  ، إمامًا، قالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ النَقّاشِ مِن أنَّ المُرادَ القَمَرُ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا وأسْرارًا واسْتِهْلالًا.

ثُمَّ وقَفَ تَعالى نَبِيَّهُ  ، -والمُرادُ أُولَئِكَ الكُفّارُ- بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ، أيْ: مَن حُجَّتُهم مَعَ هَذِهِ البَراهِينِ الساطِعَةِ؟

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُكَذِّبُونَ" بِضَمِّ الياءِ وشَدِّ الذالِ، وقَرَأ الضَحّاكُ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الذالِ وإسْكانِ الكافِ.

و"يُوعُونَ" مَعْناهُ: يَجْمَعُونَ مِنَ الأعْمالِ والتَكْذِيبِ والكُفْرِ، كَأنَّهم يَجْعَلُونَها في أوعِيَةٍ، تَقُولُ: وعَيْتُ العِلْمَ وأوعَيْتُ المَتاعَ، وجَعَلَ تَعالى البِشارَةَ في العَذابِ لَمّا صَرَّحَ بِهِ، وإذا جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما هي مِنَ الخَيرِ.

ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا سَبَقَ لَهُمُ الإيمانُ في قَضائِهِ.

و"مَمْنُونٍ" مَعْناهُ: مَقْطُوعٌ، مِن قَوْلِهِمْ: حَبْلٌ مَنِينٌ، أيْ مَقْطُوعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِي: فَتَرى خَلْفَهُنَّ مِنَ الرَجْعِ والوَقْـ ∗∗∗ ـعِ مَنِينًا كَأنَّهُ أهْباءُ يُرِيدُ غُبارًا مُتَقَطِّعًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَمْنُونٍ" مُعَدَّدٌ عَلَيْهِمْ مَحْسُوبٌ مُنَغَّصٌ بِالمَنِّ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الِانْشِقاقِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء لتفريع القسم وجوابه، على التفصيل الذي في قوله: ﴿ فأما من أوتى كتابه بيمينه ﴾ [الانشقاق: 7] إلى هنا: فإنه اقتضى أن ثمة حساباً وجزاء بخير وشر فكان هذا التفريع فذلكة وحوصلة لما فصل من الأحوال وكان أيضاً جمعاً إجمالياً لما يعترض في ذلك من الأهوال.

وتقدم أن: «لا أقسم» يراد منه أُقسم، وتقدم وجه القسم بهذه الأحوال والمخلوقات عند قوله: ﴿ فلا أقسم بالخنس ﴾ في سورة التكوير (15).

ومناسبة الأمور المقسم بها هنا للمقسَم عليه لأنّ الشفق والليل والقمر تخالط أحوالاً بين الظلمة وظهور النور معها، أو في خلالها، وذلك مناسب لما في قوله: ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ من تفاوت الأحوال التي يختبط فيها الناس يومَ القيامة أو في حياتهم الدنيا، أو من ظهور أحوال خير من خلال أحوال شَرّ أو انتظار تغير الأحوال إلى ما يرضيهم إن كان الخطاب للمسلمين خاصة كما سيأتي.

ولعل ذِكر الشفق إيماء إلى أنه يشبه حالة انتهاء الدنيا لأن غروب الشمس مِثْل حالة الموت، وأن ذكر الليل إيماء إلى شدة الهول يوم الحساب وذكر القمر إيماء إلى حصول الرحمة للمؤمنين.

والشفق: اسم للحمرة التي تظهر في أفق مغرب الشمس أثر غروبها وهو ضياء من شعاع الشمس إذا حجبها عن عيون الناس بعضُ جرم الأرض، واختلف في تسمية البياض الذي يكون عقب الاحمرار شفقاً.

و ﴿ ما وَسَق ﴾ (مَا) فيه مصدرية، ويجوز أن يكون موصولة على طريقة حذف العائد المنصوب.

والوسْق: جمع الأشياء بعضها إلى بعض فيجوز أن يكون المعنى وما جمع مما كان منتشراً في النهار من ناس وحيوان فإنها تأوي في الليل إلى مآويها وذلك مما جعل الله في الجبلة من طلب الأحياء السكون في الليل قال تعالى: ﴿ ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ﴾ [القصص: 73]، وذلك من بديع التكوين فلذلك أقْسم به قسماً أدمجت فيه منّة.

وقيل: ما وسقه الليل: النجوم، لأنها تظهر في الليل، فشبه ظهورها فيه بوسق الواسِق أشياء متفرقة.

وهذا أنسب بعطف القمر عليه.

واتساق القمر: اجتماع ضيائه وهو افتعال من الوَسْق بمعنى الجمع كما تقدم آنفاً وذلك في ليلة البدر، وتقييد القسم به بتلك الحالة لأنها مظهر نعمة الله على الناس بضيائه.

وأصل فعل اتّسق: اوِتَسَق قلبت الواو تاء فوقية طلباً لإِدغامها في تاء الافتعال وهو قلب مطرد.

وجملة: ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ نسج نظمها نسجاً مجملاً لتوفير المعاني التي تذهب إليْها أفهام السامعين، فجاءت على أبدع ما يُنسج عليه الكلام الذي يُرسل إرسال الأمثال من الكلام الجامع البديع النسْج الوافر المعنى ولذلك كثرت تأويلات المفسرين لها.

فلمعاني الركوب المجازية، ولمعاني الطبَق من حقيقي ومجازي، مُتَّسَع لما تفيده الآية من المعاني، وذلك ما جعَل لإِيثار هذين اللفظين في هذه الآية خصوصية من أفنان الإِعجاز القرآني.

فأما فعل ﴿ لتركبن ﴾ فحقيقته متعذرة هنا وله من المعاني المجازية المستعملة في الكلام أو التي يصح أن تراد في الآية عدةٌ، منها الغلَب والمتابعة، والسلوك، والاقتحام، والملازمة، والرفعة.

وأصل تلك المعاني إما استعارة وإما تمثيل يقال: رَكب أمراً صعباً وارتكب خطَأ.

وأما كلمة ﴿ طبق ﴾ فحقيقتها أنها اسم مفرد للشيء المساوي شيئاً آخر في حجمه وقدره، وظاهر كلام «الأساس» و«الصحاح» أن المساواة بقيد كون الطبق أعلى من الشّيء لمُسَاويه فهو حقيقة في الغِطاء فيكون من الألفاظ الموضوعة لمعنى مقيَّد كالخِوان والكأس، وظاهر «الكشاف» أن حقيقته مطلق المساواة فيكون قَيد الاعتلاء عارضاً بغلبة الاستعمال، يقال: طابَق النعل النعل.

وأيّامَّا كان فهو اسم على وزن فَعَل إما مشتق من المطابقة كاشتقاق الصفة المشبهة ثم عومل معاملة الأسماء وتنوسي منه الاشتقاق.

وإما أن يكون أصله اسمَ الطبَق وهو الغطاء لُوحظ فيه التشبيه ثم تنوسي ذلك فجاءت منه مادة المطابقة بمعنى المُساواة فيكون من المشتقات من الأسماء الجامدة.

ويطلق اسماً مفرداً للغطاء الذي يغطى به، ومنه قولهم في المثل: «وافَقَ شنّ طبَقه» أي غِطآءَه وهذا من الحقيقة لأن الغطاء مساوٍ لما يغطّيه.

ويطلق الطبق على الحالة لأنها ملابسة لصاحبها كملابسة الطبق لما طُبق عليه.

ويطلق اسماً مفرداً أيضاً على شيء متخذ من أدم أوْ عود ويؤكل عليه وتوضع فيه الفواكه ونحوها، وكأنه سمي طبقاً لأن أصله أن يستعمل غِطَاءَ الآنية فتوضع فيه أشياء.

ويطلق اسمَ جمععٍ لطبقة: وهي مكان فوق مكان آخر معتبر مثلَه في المقدار إلا أنه مرتفع عليه.

وهذا من المجاز يقال: أتانا طَبق من الناس، أي جماعة.

ويقارن اختلاف معاني اللفظين اختلاف معنى ﴿ عن ﴾ من مجاوزة وهي معنى حقيقي، أو من مرادفةِ كلمة (بعد) وهو معنى مجازي.

وكذلك اختلاف وجه النصب للفظ طبقاً بين المفعول به والحال، وتزداد هذه المحامل إذا لم تُقْصَر الجمل على ما له مناسبة بسياق الكلام من موقع الجملة عقب آية: ﴿ يا أيها الإنسان إنك كادح ﴾ [الانشقاق: 6] الآيات.

ومن وقوعها بعد القسم المشعر بالتأكيد، ومن اقتضاء فعل المضارعة بعد القسم أنه للمستقبل.

فتتركب من هذه المحامل معاننٍ كثيرة صالحة لتأويل الآية.

فقيل المعنى: لتركُبن حالاً بعد حال، رواه البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم والأظهرُ أنه تهديد بأهوال القيامة فتنوين «طبق» في الموضعين للتعظيم والتهويل و ﴿ عن ﴾ بمعنى (بعد) والبعدية اعتبارية، وهي بعدية ارتقاء، أي لَتُلاقُنَّ هَوْلاً أعظم من هول، كقوله تعالى: ﴿ زدناهم عذاباً فوق العذاب ﴾ [النحل: 88].

وإطلاق الطبق على الحالة على هذا التأويل لأن الحالة مطابقة لعمل صاحبها.

وروى أبو نعيم عن جابر بن عبد الله تفسير الأحوال بأنها أحوال موت وإحياء، وحشر، وسعادة أو شقاوة، ونعيم أو جحيم، كما كتب الله لكل أحد عند تكوينه رواه جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن كثير هو حديث مُنْكَر وفي إسناده ضعفاء، أو حالاً بعد حال من شدائد القيامة وروي هذا عن ابن عباس وعكرمة والحسن مع اختلاف في تعيين الحال.

وقيل: ﴿ لتركبن ﴾ منزلة بعد منزلة على أن طبقاً اسم للمنزلة، وروي عن ابن زيد وسعيد بن جبير أي لتَصِيرُنَّ من طبق الدنيا إلى طبق الآخرة، أو إن قوماً كانوا في الدنيا متضعين فارتفعوا في الآخرة، فالتنوين فيهما للتنويع.

وقيل: من كان على صلاح دعاه إلى صلاح آخر ومن كان على فساد دعاه إلى فساد فَوقه، لأن كل شيء يجرُّ إلى شكله، أي فتكون الجملة اعتراضاً بالموعظة وتكون ﴿ عن ﴾ على هذا على حقيقتها للمجاوزة، والتنوين للتعظيم.

ويحتمل أن يكون الركوب مجازاً في السير بعلاقة الإِطلاق، أي لتحضُرن للحساب جماعات بعد جماعات على معنى قوله تعالى: ﴿ إلى ربك يومئذ المساق ﴾ [القيامة: 30] وهذا تهديد لمنكريه، وأن يكون الركوب مستعملاً في المتابعة، أي لتَتَّبِعُنَّ.

وحذف مفعول: «تركبن» بتقدير: ليَتبعن بعضُكم بعضاً، أي في تصميمكم على إنكار البعث.

ودليل المحذوف هو قوله: ﴿ طبقاً عن طبق ﴾ ويَكون ﴿ طبقاً ﴾ مفعولاً به وانتصاب ﴿ طبقاً ﴾ إما على الحال من ضمير ﴿ تركبُنّ ﴾ .

وإما على المفعولية به على حسب ما يليق بمعاني ألفاظ الآية.

وموقع ﴿ عن طبق ﴾ موقع النعت ل ﴿ طبقاً ﴾ .

ومعنى ﴿ عن ﴾ إما المجاوزة، وإما مرادفة معنى (بعد) وهو مجاز ناشئ عن معنى المجاوزة، ولذلك لما ضمَّن النابغة معنى قولهم: «ورثوا المجد كابراً عن كابر» غيَّر حرف (عن) إلى كلمة (بعد) فقال: لآللِ الجُلاَححِ كَابِراً بعدَ كابِر *** وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وأبو جعفر ﴿ لتركبن ﴾ بضم الموحدة على خطاب الناس.

وقرأه الباقون بفتح الموحدة على أنه خطاب للإنسان من قوله تعالى: ﴿ يا أيها الإنسان إنك كادح ﴾ [الانشقاق: 6].

وحُمل أيضاً على أن التاء الفوقية تاء المؤنثة الغائبة وأن الضمير عائد إلى السماء، أي تعتريها أحوال متعاقبة من الانشقاق والطيّ وكونها مرة كالدِّهان ومرة كالمُهل.

وقيل: خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم قال ابن عطية: قيل: هي عِدة بالنَّصر، أي لتركبن أمر العرب قبيلاً بعد قبيل وفتحاً بعد فتح كما وجد بعد ذلك (أي بعد نزول الآية حين قويَ جانبُ المسلمين) فيكون بشارة للمسلمين، وتكون الجملة معترضة بالفاء بين جملة: ﴿ إنه ظن أن لن يحور ﴾ [الانشقاق: 14] وجملة: ﴿ فما لهم لا يؤمنون ﴾ [الانشقاق: 20].

وهذا الوجه يجري على كلتا القراءتين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ شَفَقُ اللَّيْلِ وهو الحُمْرَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ بَقِيَّةُ ضَوْءِ الشَّمْسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ ما بَقِيَ مِنَ النَّهارِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ النَّهارُ، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.

﴿ واللَّيْلِ وما وسَقَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وما جَمَعَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ الرّاجِزُ إنَّ لَنا قَلائِصًا حَقائِقًا مُسْتَوْسِقاتٍ أوْ يَجِدْنَ سائِقًا الثّانِي: وما جَنَّ وسَتَرَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: وما ساقَ، لِأنَّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ تَسُوقُ كُلَّ شَيْءٍ إلى مَأْواهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الرّابِعُ: وما عَمِلَ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقالَ الشّاعِرُ ويَوْمًا تَرانا صالِحِينَ وتارَةً ∗∗∗ تَقُومُ بِنا كالواسِقِ المُتَلَبِّبِ ايْ كالعامِلِ.

﴿ والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إذا اسْتَوى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَوْلُهُمُ اتَّسَقَ الأمْرُ إذا انْتَظَمَ واسْتَوى.

قالَ الضَّحّاكُ: لَيْلَةُ أرْبَعَ عَشْرَةَ هي لَيْلَةُ السَّواءُ.

الثّانِي: والقَمَرُ إذا اسْتَدارَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: إذا اجْتَمَعَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومَعانِيها مُتَقارِبَةٌ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: إذا طَلَعَ مُضِيئًا.

﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: سَماءٌ بَعْدَ سَماءٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيُّ.

الثّانِي: حالًا بَعْدَ حالٍ، فَطِيمًا بَعْدَ رَضِيعٍ وشَيْخًا بَعْدَ شابٍّ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ كَذَلِكَ المَرْءُ إنْ يُنْسَأْ لَهُ أجَلٌ ∗∗∗ يَرْكَبْ عَلى طَبَقٍ مِن بَعْدِهِ طَبَقٌ الثّالِثُ: أمْرًا بَعْدَ أمْرٍ، رَخاءً بَعْدَ شِدَّةٍ، وشِدَّةً بَعْدَ رَخاءٍ، وغِنًى بَعْدَ فَقْرٍ، وفَقْرًا بَعْدَ غِنًى، وصِحَّةً بَعْدَ سَقَمٍ، وسَقَمًا بَعْدَ صِحَّةٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: مَنزِلَةٌ بَعْدَ مَنزِلَةٍ، قَوْمٌ كانُوا في الدُّنْيا مُتَّضِعِينَ فارْتَفَعُوا في الآخِرَةِ، وقَوْمٌ كانُوا مُرْتَفِعِينَ في الدُّنْيا فاتَّضَعُوا في الآخِرَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الخامِسُ: عَمَلًا بَعْدَ عَمَلٍ، يَعْمَلُ الآخَرُ عَمَلَ الأوَّلِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

السّادِسُ: الآخِرَةَ بَعْدَ الأُولى، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

السّابِعُ: شِدَّةٌ بَعْدَ شِدَّةٍ، حَياةٌ ثُمَّ مَوْتٌ ثُمَّ بَعْثٌ ثُمَّ جَزاءٌ، وفي كُلِّ حالٍ مِن هَذِهِ شِدَّةٌ، وقَدْ رَوى مَعْناهُ جابِرٌ مَرْفُوعًا.

﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بِما يُسِرُّونَ في قُلُوبِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: بِما يَكْتُمُونَ مِن أفْعالِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: بِما يَجْمَعُونَ مِن سَيِّئاتِهِمْ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوِعاءِ الَّذِي يَجْمَعُ ما فِيهِ وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.

﴿ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: غَيْرُ مَحْسُوبٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: غَيْرُ مَنقُوصٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: غَيْرُ مُكَدَّرٍ بِالمَنِّ والأذى، وهو مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ بمكة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ فسجد، فقلت له، فقال: سجدت خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه.

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردوية عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ و ﴿ اقرأ باسم ربك ﴾ [ العلق: 1] .

وأخرج البغوي في معجمه والطبراني عن صفون بن عسال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ .

وأخرج ابن خزيمة والروياني في مسنده والضياء المقدسي في المختارة عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ ونحوها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عليّ قال: تنشق السماء من المجرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأذنت ﴾ قال: أطاعت ﴿ وحقت ﴾ قال: حققت بالطاعة.

وأخرج ابن المنذر عن السدي ﴿ وأذنت لربها وحقت ﴾ قال: أطاعت وحق لها أن تطيع.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وأذنت لربها ﴾ سمعت حيث كلمها.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأذنت لربها وحقت ﴾ قال: سمعت وأطاعت ﴿ وإذا الأرض مدت ﴾ قال: يوم القيامة ﴿ وألقت ما فيها ﴾ أخرجت ما فيها من الموتى ﴿ وتخلت ﴾ عنهم.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وألقت ما فيها ﴾ قال: سواري الذهب.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن عمرو قال: كان البيت قبل الأرض بألفي سنة، وذلك قول الله: ﴿ وإذا الأرض مدت ﴾ قال: مدت من تحته مداً.

وأخرج الحاكم عن ابن عمرو قال: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وحشر الله الخلائق الإِنس والجن والدواب والوحوش، فإذا كان ذلك اليوم جعل الله القصاص بين الدواب حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء بنطحتها، فإذا فرغ الله من القصاص بين الدواب قال لها: كوني تراباً، فيراها الكافر فيقول: ﴿ يا ليتني كنت تراباً ﴾ .

وأخرج الحاكم بسند جيد عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تمد الأرض يوم القيامة مد الأديم ثم لا يكون لابن آدم منها إلا موضع قدميه» .

وأخرج أبو القاسم الختلي في الديباج عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ الآية قال: «أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة فأجلس جالساً في قبري وإن الأرض تحركت بي، فقلت لها: ما لك؟

فقالت: إن ربي أمرني أن ألقي ما في جوفي، وأن أتخلى فأكون كما كنت إذ لا شيء فيّ، فذلك قوله: ﴿ وألقت ما فيها وتخلت ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وأذنت لربها وحقت ﴾ قال: سمعت وأطاعت.

وفي قوله: ﴿ وألقت ما فيها وتخلت ﴾ قال: أخرجت أثقالها وما فيها من الكنوز والناس، وفي قوله: ﴿ يا أيها الإِنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً ﴾ قال: عامل له عملاً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك ﴿ يا أيها الإِنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً ﴾ قال: عامل إلى ربك عملاً.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنك كادح إلى ربك كدحاً ﴾ قال: عامل عملاً ﴿ فملاقيه ﴾ قال: ملاق عملك.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن مردويه عن عاشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس أحد يحاسب إلا هلك، فقلت: أليس الله يقول: ﴿ فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً ﴾ قال: ليس ذلك بالحساب، ولكن ذلك العرض، ومن نوقش الحساب هلك» .

وأخرج أحمد وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه عن عاشة: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته: اللهم حاسبني حساباً يسيراً، فلما انصرف قلت يا رسول الله: ما الحساب اليسير؟

قال: أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه، إنه من نوقش الحساب هلك» .

وأخرج ابن المنذر عن عائشة في قوله: ﴿ فسوف يحاسب حساباً يسيراً ﴾ قال: يعرف ذنوبه ثم يتجاوز له عنها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عائشة قالت: من حوسب يوم القيامة أدخل الجنة، وقالت: ﴿ فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً ﴾ ثم تلت ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام ﴾ [ الرحمن: 41] .

وأخرج البزار والطبراني والحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً: «ثلاث من كن فيه حاسبه الله حساباً يسيراً وأدخله الجنة برحمته: تعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك» .

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد ﴿ وينقلب إلى أهله مسروراً ﴾ قال: إلى أهل له في الجنة، وفي قوله: ﴿ وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ﴾ قال: تخلع يده فتجعل من وراء ظهره.

وأخرج ابن المنذر عن حميد بن هلال قال: ذكر لنا أن الرجل يدعى إلى الحساب يوم القيامة فيقال: يا فلان هلم إلى الحساب.

قال: حتى يقول أما يراد غيري مما يحضر به من الحساب.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ يدعوا ثبوراً ﴾ قال: الويل.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ إنه كان في أهله مسروراً ﴾ قال: في الدنيا.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في البعث عن مجاهد في قوله: ﴿ وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ﴾ قال: تجعل شماله وراء ظهره فيأخذ بها كتابه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنه ظن أن لن يحور ﴾ قال: لن يبعث.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس ﴿ أن لن يحور ﴾ قال: أن لن يرجع.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ أن لن يحور ﴾ أن لن يرجع إلينا.

وأخرج الطستي في مسائله والطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ أن لن يحور ﴾ قال: أن لن يرجع بلغة الحبشة.

يقول: أن لن يرجع إلى الله في الآخرة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول لبيد: وما المرء إلا كالشهاب وضوءه ** يحور رماداً بعد إذ هو ساطع وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ إنه ظن أن لن يحور ﴾ قال: ألم تسمع الحبشي إذا قيل له حر إلى أهلك، أي اذهب؟.

وأخرج ابن أبي شيبة عن العوام بن حوشب قال: قلت لمجاهد: الشفق قال: إن الشفق من الشمس.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن المنذر وعبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عمر قال: الشفق الحمرة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ والليل ما وسق ﴾ قال: وما دخل فيه.

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ والليل وما وسق ﴾ قال: وما جمع.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ والليل وما وسق ﴾ يقول: ما أوى فيه وما جمع من حياته وعقاربه ودوابه.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ وما وسق ﴾ قال: ما عمل فيه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ والقمر إذا اتسق ﴾ قال: إذا استوى.

وأخرج الطستي في مسائله والطبراني وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ والقمر إذا اتسق ﴾ قال: اتساقه اجتماعه.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول ابن صرمة: إن لنا قلائصاً نقانقا ** مستوسقات لو يجدن سائقاً وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ والقمر إذا اتسق ﴾ قال: إذا استدار.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري من طرق عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿ والليل وما وسق ﴾ قال: وما جمع أما سمعت قوله: إن لنا قلائصاً نقانقا ** مستوسقات لو يجدن سائقاً وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ والقمر إذا اتسق ﴾ قال: ليلة ثلاث عشرة.

وأخرج عبد بن حميد عن عمر بن الخطاب في قوله: ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: حالاً بعد حال.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: أمراً بعد أمر.

وأخرج البخاري عن ابن عباس ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ حالاً بعد حال.

قال: هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أبي عبيد في القراءات وسعيد بن منصور وابن منيع وابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ يعني بفتح الباء قال: هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم حالاً بعد حال.

وأخرج أبو عبيد في القراءات وسعيد بن منصور وابن منيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ يعني بفتح الباء قال: يعني نبيكم صلى الله عليه وسلم حالاً بعد حال.

وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: يا محمد السماء طبقاً بعد طبق.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والحاكم في الكنى وابن منده في غرائب شعبة وابن مردويه والطبراني عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: لتركبن بالنصب يا محمد سماء بعد سماء.

وأخرج البزار عن ابن مسعود ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ يا محمد حالاً بعد حال.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الشعبي ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ يا محمد حالاً بعد حال.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والحاكم والبيهقي في البعث عن ابن مسعود في قوله: ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: يعني السماء تنفطر ثم تنشق ثم تحمر.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود في الآية قال: السماء تكون ألواناً كالمهل، وتكون وردة كالدهان، وتكون واهية، وتشقق فتكون حالاً بعد حال.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن مكحول في قوله: ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: في كل عشرين عاماً تحدثون أمراً لم تكونوا عليه.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: قوم كانوا في الدنيا خسيساً أمرهم فارتفعوا في الآخرة، وقوم كانوا في الدنيا أشرافاً فاتضعوا في الآخرة.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: حالاً بعد حال، بينما صاحب الدنيا في رخاء إذ صار في بلاء، وبينما هو في بلاء إذ صار في رخاء.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مكحول في قوله: ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ قال: تكونون في كل عشرين سنة على حال لم تكونوا على مثلها.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية أنه قرأ ﴿ لتركبن طبقاً ﴾ بالنصب.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي عمرو بن العلاء عن مجاهد أنه قرأ ﴿ لتركبن طبقاً ﴾ بالنصب.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ لتركبن ﴾ بالتاء ورفع الباء على الجماع.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ والله أعلم بما يوعون ﴾ قال: يسرون.

وأخرج عبد الرزاق عن قتادة ﴿ بما يوعون ﴾ قال: يكتمون، وفي قوله: ﴿ لهم أجر غير ممنون ﴾ قال: غير محسوب.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ لهم أجر غير ممنون ﴾ قال: غير منقوص.

وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت قول زهير: فضل الجواد على الخيل البطاء فلا ** يعطي بذلك ممنوناً ولا ترفا

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ﴾ فيه قراءتان (١)  -.

والمراد بالطبق: السماء.

وهو قول مسروق (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) ويجوز أن يريد درجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة في القربة من الله تعالى، ورفعة المنزلة (٧) ويجوز أن يكون المعنى: لتركبن السماء حالاً بعد حَال من تغير حَالاتها التي وصفها الله من الانشقاق، والطي، وكونها مرة كالدهَان، ومرة كالمهل، وهو قول عبد الله (٨) وروى الفراء بإسناده عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: لتركبن، بفتح (٩) (١٠) ويجوز أيضًا أن يكون الخطاب للإنسان المتقدم في قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ ﴾ والمعنى: لتركبن أيها الإنسان حَالاً بعد حَال من كونه نطفة، وعلقة، وَمُضغة، وحياً، وميتاً، وحياً بعد الموت، وغنياً، وفقيراً، وجميع الأحوال المختلفة على الإنسان في دنياهُ وآخرته.

وهو قول مقاتل (١١)  - لما ذُكر قبل الآية (من يؤتى كتابه بيمينه، ثم فسر هذه الآية) (١٢) ﴿ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ ، وذكر ركوبهم طبقاً بعد طبق (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) قال (٢٢) (٢٣) وقال أبو عبيدة: لَتَركَبُنَّ سنة الأولين، وسنة من كان قبلكم (٢٤)  -.

والطبق في اللغة: يكون بهذه المعاني التي ذكرهَا المفسرون.

قال الليث: السموات طباق، وكل واحد من الطباق طبقة، وقد يُذَكر طبق -قال- والطبقة: [الحال] (٢٥) (٢٦) وقال ابن الأعرابي: الطبق [الحال] (٢٧) (٢٨) وقد يكون الطبق بمعنى الشدة، قال الفراء: العرب تقول: وقع في بنات طبق (٢٩) (٣٠) وقال الأصمعي: يقال: جَاء بإحدى بنات طبق، وهي الداهية، وأصلها من الحيّات (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) وقوله: ﴿ عَنْ طَبَقٍ ﴾ "عن" بمعنى: بعد (٣٦) قال أبو علي: ومثل ما فسروا من "أن" بمعنى "عن" بمعنى "بعد" قول الأعشى: سادوا (٣٧) (٣٨) فـ"عن" متعلق بسادوك، ولا يكون متعلقاً بكابر، وقد تبين ذلك في قول النابغة: بَقِيَّةُ قِدْرٍ من قُدورٍ تُوُرِّثت ...

لاَلِ الجلاحِ كَابِرًا بَعْدَ كابرِ (٣٩) وقالوا عن الحمى أي عَرِقَ بعدها (٤٠) وتم الكلام عندها لتمام جواب القسم (٤١) ثم قال: ﴿ فَمَا لَهُمْ ﴾ يعني كفار مكة ﴿ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ بمحمد، والقرآن.

والمعنى: أي شيء لهم غير مؤمنين، وهو استفهام (٤٢) ويجوز أن يكون استفهامًا معناه التعجب، أي: اعجبوا منهم لم يؤمنوا بعد البيان ووضوح البرهان.

(قوله (عَزَّ وَجَلَّ) (٤٣) ﴿ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ ﴾ قال عطاء (٤٤) (٤٥) وقال غيرهم (٤٦) (١) قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ ﴾ بفتح الباء، ووافقهم ابن محيصن والأعمش.

وقرأ أبو جعفر، ونافع، وابن عامر، وعا صم، وأبو عمرو، ويعقوب: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ ﴾ بضم الباء.

انظر: "كتاب السبعة" 677، "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 761، "الحجة" 6/ 391، "حجة القراءات" 756، "الكشف" عن وجوه القراءات: 2/ 367 ، "كتاب التبصرة" 723، "المبسوط" 400، النشر: 2/ 399.

(٢) "تفسير مجاهد" 716، "جامع البيان" 30/ 124.

(٣) "جامع البيان" 30/ 124، "النكت والعيون" 6/ 238، "معالم التنزيل" 4/ 465 ، "زاد المسير" 8/ 212، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 276، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 523.

(٤) ساقط من (أ).

(٥) المراجع السابقة عدا النكت، و"الجامع لأحكام القرآن"، كما ورد أيضًا قوله في: "المحرر الوجيز" 5/ 459، "البحر المحيط" 8/ 447، "الجامع الصحيح" للبخاري: 3/ 322: ح: 4940: كتاب التفسير: باب: 2.

(٦) "معالم التنزيل" 4/ 465.

(٧) وهو قول عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي العالية، والشعبي.

انظر: "الكشف والبيان" ج: 13: 60/ أ، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 276.

(٨) "تفسير مجاهد" 716، "الحجة" 6/ 391، "حجة القراءات" 756، "جامع البيان" 30/ 124، "الكشف" عن وجوه القراءات السبع: 367، "النكت والعيون" 6/ 238، "المحرر الوجيز" 5/ 459، "زاد المسير" 8/ 212، "التفسير الكبير" 31/ 111، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 276، "البحر المحيط" 8/ 447، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 523، "الدار المنثور" 8/ 460، وعزاه إلى ابن المنذر، وعبد بن حميد، والبيهقي، وانظر: "كشف الأستار عن زوائد البزار" 3/ 89: ح: 2282.

(٩) في (أ): بالفتح.

(١٠) "معاني القرآن" 3/ 252، كشمف الأستار عن زوائد البزار: 3/ 89.

(١١) "تفسير مقاتل" 234/ ب، "الكشف والبيان" ج: 13: 61/ ب، معالم النزيل: 4/ 465، وبمعنى قوله ذهب عطاء، والحسن وعكرمة.

انظر: "النكت والعيون" 6/ 238، "معالم التنزيل" 4/ 4650، "زاد المسير" 8/ 213، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 523.

(١٢) ما بين القوسين ساقط: أ.

(١٣) ورد بنحو قوله في: "الكثسف والبيان" ج 13: 60/ أ.

وفيه: ثم قال بعدها ﴿ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ وذكر ركوبهم طبقًا بعد طبق.

(١٤) "جامع البيان" 30/ 123، "النكت والعيون" 6/ 238، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 523، "تفسير الحسن البصري": 2/ 407.

(١٥) "جامع البيان" 30/ 123.

(١٦) "تفسير مجاهد" 715، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 523.

(١٧) "جامع البيان" 23/ 123 - 124، "النكت والعيون" 6/ 238، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 253.

(١٨) المراجع السابقة عدا تفسير ابن كثير، وانظر أيضًا: "البحر المحيط" 8/ 448.

(١٩) ورد معنى قوله في: "النكت والعيون" 6/ 238، "زاد المسير" 8/ 213، تفسير سعيد بن جبير: 370 (٢٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٢١) في كلا النسختين: قالا، وأثبت ما يستقيم الكلام به.

(٢٢) في (أ): فقال.

(٢٣) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمعنى قوله عن ابن عباس انظر: "الكشف والبيان" ح: 13: 61/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 465، "زاد المسير" 8/ 213.

(٢٤) "مجاز القرآن" 2/ 292 بنصه (٢٥) في كلا النسختين: الجبال، وأثبت ما جاء في: "تهذيب اللغة" 9/ 10: مادة: (طبق) لصحته، ولأنه مصدر قول الليث.

(٢٦) "تهذيب اللغة".

مراجع السابقة مختصرًا، وانظر، "لسان العرب" 10/ 210 طبق.

(٢٧) ساقط من النسخين، ومثبت من مصدر قول ابن الأعرابي، وبه يستقيم الكلام.

انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 11: مادة: (طبق).

(٢٨) "تهذيب اللغة" المرجع السابق (٢٩) بنات طبق: بياض في: ع.

ويراد ببنت طبق سُلحفاة تزعم العرب أنها تبيض تسعة وتسعين بيضة كلها سلاحف، وتبيض بيضة تنقف عن أسود.

يُضرب للرجل يأتي بالأمر العظيم.

"مجمع الأمثال" 1/ 293، رقم: 865.

(٣٠) "معاني القرآن" 3/ 252 بنصه (٣١) "تهذيب اللغة" 9/ 5.

(٣٢) غير مقروءة في النسختين.

(٣٣) في (أ): لتوحيها.

(٣٤) تحويها: الحَوِيُّ استدارة كل شيء كحوى الحيَّة وكحوى بعض النجوم إذا رأيتها في نسق واحد مستدير.

"تهذيب اللغة" 5/ 292: مادة: (حوى).

(٣٥) ما بين القوسين نقل عن "تهذيب اللغة" 9/ 6: مادة: (طبق) بزيادة لحسها.

(٣٦) انظر كتاب معاني الحروف: للرماني: 95 (٣٧) في (أ): ساد.

(٣٨) ورد البيت في "ديوانه" دار صادر: 93، برواية: "وألفى قومه" بدلاً من: "رهطه".

(٣٩) ورد البيت في ديوانه: 75، دار بيروت: 75 (٤٠) نقلاً عن "الحجة" 6/ 391 - 392.

وفيه: وقالوا عرق الرجل عن الحمى أي بعدها.

(٤١) انظر: علل الوقوف: لابن طيفور: 3/ 1112، والوقف والابتداء: للنحاس: 2/ 797، المكتفى لأبي عمرو الداني: 614، منار الهدى: للأشموني: 423 (٤٢) في (أ): هذا.

(٤٣) ما بين القوسين ساقط من (ع).

(٤٤) " الكشف والبيان" ج: 13: 62/ أ، "معالم التنزيل" 4/ 465، "زاد المسير" 8/ 213، "التفسير الكبير" 31/ 112 (٤٥) المراجع السابقة عدا زاد المسير.

(٤٦) قال بذلك الطبري في: "جامع البيان"، والثعلبي في: "الكشف والبيان" ج: 13: 62/ أ، وعزاه القرطبي إلى مالك في: "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 278 - 279.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَلاَ أُقْسِمُ ﴾ ذكر في نظائره ﴿ بالشفق ﴾ هي الحمرة التي تبقى بعد غروب الشمس، وقال أبو حنيفة: هو البياض، وقيل: هو النهار كله.

وهذا ضعيف والأول هو المعروف عند الفقهاء وعند أهل اللغة ﴿ والليل وَمَا وَسَقَ ﴾ أي جمع وضم، ومنه الوسق وذلك الليل يضم الأشياء ويسترها بظلامه ﴿ والقمر إِذَا اتسق ﴾ أي إذا كمل ليلة أربعة عشر، ووزن اتسق افتعل وهو مشتق من الوسق، فكأنه امتلأ نوراً.

وفي الآية من أدوات البيان لزوم ما لا يلزم، لالتزام السين قبل القاف في وسق واتسق.

﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ ﴾ الطبق في اللغة له معنيان: أحدهما: ما طابق غيره.

يقال: هذا طِبق لهذا إذا طابقه، والآخر: جمع طبقة.

فعلى الأول يكون المعنى لتركبن حالاً بعد حال كل واحدة منها مطابقة للأخرى، وعلى الثاني يكون المعنى لتركبن أحوالاً بعد أحوال هي طبقات بعضها فوق بعض، ثم اختلف في تفسير هذه الأحوال، وفي قراءة تركَبن فأما من قرأ بضم الباء فهو خطاب لجنس الإنسان، وفي تفسير الأحوال على هذا ثلاثة أقوال أحدها أنها شدائد الموت ثم البعث ثم الحساب ثم الجزاء، والآخر: أنها كون الإنسان نطفة ثم علقة إلى أن يخرج إلى الدنيا ثم إلى أن يهرم ثم يموت، والثالث لتركبن سَنَنَ من كان قبلكم.

وأما من قرأ تركبَنَّ بفتح الباء فهو خطاب للإنسان على المعاني الثلاثة التي ذكرنا، وقيل: هي خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم اختلف القائلون بهذا على ثلاثة أقوال أحدها: لتركبن مكابدة الكفار حالاً بعد حال، والآخر: لتركبن فتح البلاد شيئاً بعد شيء، والثالث لتركبن السموات في الإسراء بعد سماء، وقوله: ﴿ عَن طَبقٍ ﴾ في موضع الصفة لطبقاً أو في موضع حال من الضمير في تركبن، قاله الزمخشري.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ ويصلى ﴾ ثلاثياً مفتوح العين مبنياً للفاعل: أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد وحمزة وعاصم وخلف.

الباقون ﴿ يصلى ﴾ بالتشديد مبنياً للمفعول ﴿ لتركبن ﴾ بفتح الباء للتوحيد والخطاب للإنسان: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون: بالضم على خطاب أفراد الجنس.

الوقوف ﴿ انشقت ﴾ ه لا ﴿ وحقت ﴾ ه ك ﴿ مدّت ﴾ ه ك ﴿ وتخلت ﴾ ه ك ﴿ وحقت ﴾ ه ط لأن الجواب محذوف أي إذا كانت هذه الأمارات ظهر ما ظهر ﴿ فملاقيه ﴾ ه ط وقد يقال عامل " إذا " ﴿ فملاقيه ﴾ أي إذا السماء انشقت لاقى كدحه فلا وقف إلى قوله ﴿ فملاقيه ﴾ وقيل: قوله ﴿ فأما من أوتي ﴾ الشرط مع جوابه جواب للشرط الأول، وقوله ﴿ يأيها الإنسان ﴾ إلى قوله ﴿ فملاقيه ﴾ اعترض ولا وقف على ﴿ بيمينه ﴾ ﴿ يسيراً ﴾ ه ك ﴿ مسروراً ﴾ ه ط ﴿ ظهره ﴾ ه لا ﴿ ثبوراً ﴾ ه لا ﴿ سعيراً ﴾ ه ط ﴿ مسروراً ﴾ ه ﴿ يحور ﴾ ه لا ﴿ بلى ﴾ ج لجواز تعلق بلى بما قبله وبما بعده ﴿ بصيراً ﴾ ه ط للإبتداء بالقسم ﴿ بالشفق ﴾ ه لا ﴿ وسق ﴾ ه لا ﴿ اتسق ﴾ ه لا ﴿ طبق ﴾ ه ك ﴿ لا يؤمون ﴾ ه ك ﴿ لا يسجدون ﴾ ه ط ﴿ يكذبون ﴾ ه ز للآية والوصل أوجب لأن الواو للحال ﴿ يوعون ﴾ ه ز لفاء التعقيب ﴿ أليم ﴾ ه لا ﴿ ممنون ﴾ ه.

التفسير: عن علي  أن السماء تنشق من المجرّة.

ومعنى ﴿ أذنت لربها ﴾ استمعت له ومنه قوله  " "ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن " والمراد أنها لم تمتنع عن قبول ما أريد بها من الإنشقاق والانفطار فعل المأمور والمطواع الذي أصغى لحديث آمره ﴿ وحقت ﴾ بذلك لأن الممكن لا بدّ له أن يقع تحت قدرة الواجب لذاته.

ومدّ الأرض تسوية جبالها وآكامها بحيث لا يبقى فيها عوج.

عن ابن عباس: مدّت مدّ الأديم العكاظي لأن الأديم إذا مدّ زال ما فيه من الانثناء واستوى.

وقيل: من مدّه بمعنى أمدّه أي زيد في سعتها أو بسطتها ليمكن وقوف الخلائق الأوّلين والآخرين عليها ﴿ وألقت ما فيها ﴾ أي رمت بما في جوفها من الكنوز والأموات ﴿ وتخلت ﴾ أي خلت غاية الخلو كأنها تكلفت أقصى ما يمكنها من الفراغ.

وقوله ﴿ وأذنت لربها وحقت ﴾ ليس بمكرر لأن الأوّل في السماء وهذا في الأرض وحذف جواب " إذا " ليذهب الوهم كل مذهب، أو اكتفاء بما مر في سورتي " التكوير " و " الانفطار ".وقيل: في الكلام تقديم وتأخير.

والمعنى ﴿ يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه ﴾ إذا السماء انشقت، والأقرب أن الإنسان للجنس بدليل التفصيل بعده.

وقيل: هو رجل بعينه إما محمد  والمعنى إنك تكدح في تبليغ رسالات الله فأبشر فإنك تلقى الله بهذا العمل، وأما أمية بن خلف وإنه يجتهد في إيذاء النبي  قاله ابن عباس.

والكدح جهد النفس في العمل حتى تأثرت من كدحت جلده إذا خدشته أي جاهد إلى وقت لقاء ربك وهو الموت وما بعده.

وفيه أن الدنيا دار عناء وتعب ولا راحة ولا فرح فيها.

والضمير في قوله ﴿ فملاقيه ﴾ للرب أي فملاق له ألبتة فهو كالتأكيد للمذكور، ويجوز أن يكون للكدح أي لجزائه يؤيده التفصيل الذي بعده.

عن عائشة أن الحساب اليسير هو أن يعرّف ذنوبه ثم يتجاوز عنه.

وعن النبي  أنه قال " من يحاسب يعذب فقيل: يا رسول الله ﴿ فسوف يحاسب حساباً يسيراً ﴾ قال: ذلكم العرض من نوقش في الحساب عذب" أقول ﴿ سوف ﴾ من الكريم إطماع فيمكن أن تكون الفائدة في إيراده أن يكون المؤمن على ثقة واطمئنان بالوعد، ويمكن أن يكون إشارة إلى طول الامتداد بين مواقف ذلك اليوم ﴿ وينقلب إلى اهله ﴾ من الحور العين في الجنة أو إلى قرنائه من المؤمنين أو إلى عشيرته كقوله ﴿ جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرّياتهم  ﴾ ومعنى ﴿ وراء ظهره ﴾ أن تغل يمناه إلى عنقه ويجعل شماله وراء ظهره ويؤتى كتابه بشماله ومن وراء ظهره.

وقيل: تخلع يده اليسرى من وراء ظهره.

وقيل: تجعل وجوههم إلى خلف فيكون الكتاب قد أوتي من جانب ظهره ولكن بشماله كما في " الحاقة ".

والوراء ههنا بمعنى مجرد الجانب، أو معنى قدام.

والثبور الهلاك ودعاؤه أن يقول: واثبوراه ".

وسمي المواطأة على الشيء مثابرة على الشيء مثابرة لأنه كأنه يريد أن يهلك نفسه في طلبه والنفس تمنعه عن ذلك أنه كان أي في الدنيا مسروراً في أهله كقوله ﴿ وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين  ﴾ وفيه أن الفرح في الدنيا يعقب الغم في الآخرة لقوله ﴿ فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً  ﴾ ومن كان في الدنيا حزيناً متفكراً في أمر الآخرة كان حاله في الآخرة بالعكس.

والفرح المنهي عنه ما يتولد من البطر والترفه لا الذي يكون من الرضا بالقضاء ومن حصول بعض الكمالات والفضائل النفسية لقوله ﴿ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا  ﴾ ثم بين أن سروره إنما كان لأجل أن البعث والنشور لم يكن محققاً عنده فقال ﴿ إنه ظنّ أن لن يحور ﴾ أي أن يرجع إلى الله أو إلى خلاف حاله من السرور والتنعم.

عن ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى يحور حتى سمعت أعرابية تقول لبنت لها: حوري أي ارجعي.

ثم نفى منطوقه بقوله ﴿ بلى ﴾ أي بلى يحور.

وفي قوله ﴿ إن ربه كان بصيراً ﴾ إشارة إلى أن العلم التام بأحوال المكلفين يوجب إيصال الجزاء إليهم، فلا بد من دار سوى دار التكليف وإلا كان قدحاً في القدرة والحكمة.

قال الكلبي: ﴿ كان به بصيراً ﴾ من يوم خلقه إلى أن بعثه.

وقال عطاء: بصيراً بما سبق عليه في أم الكتاب من الشقاء ثم أكد وقوع القيامة وما يتبعها من الأهوال بقوله ﴿ فلا أقسم بالشفق ﴾ وهو الحمرة الباقية من آثار الشمس في الأفق الغربي قاله ابن عباس والكلبي ومقاتل.

وعن الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق وكان أحمر.

وعن أبي حنيفة في إحدى الروايتين أنه البياض، وأنه روى أنه رجع عنه لأن البياض يمتد وقته فلا يصلح للتوقيت، ولأن التركيب يدل على الرقة ومنه الشفقة لرقة القلب.

ثم إن الضوء يأخذ من عند غيبة الشمس في الرقة والضعف.

وعن مجاهد أن الشفق ههنا النهار لما في النور من الرقة واللطافة كما أن في الظلمات الغلظ والكثافة، لأن القسم بالنهار يناسب القسم بالليل في قوله ﴿ والليل وما وسق ﴾ والتركيب يدل على الاجتماع والضم ومنه الوسق لأنه جامع لستين صاعاً.

واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت، وقد وسقها الراعي أي جمعها ونظيره في وقوع " افتعل " و " استفعل " مطاوعين لفعل " اتسع " و " استوسع ".

أقسم الله  بجميع ما ضمه الليل وآواه وستره من النجوم والدواب وغيرها.

ويمكن أن يكون من جملته أعمال العباد الصالحين.

ثم أقسم بالقمر إذا اتسق أي اجتمع نوره وتكامل كما يقال " أمور فلان متسقة " أي مجتمعة على الصلاح كما يقال منتظمة.

والطبق ما يطابق غيره ومنه قيل للغطاء " الطبق ".

ثم قيل للحال المطابقة لغيرها طبق.

وقوله ﴿ عن طبق ﴾ حال من فاعل ﴿ لتركبن ﴾ أو صفة أي طبقاً مجاوزاً لطبق، فـ " عن " تفيد البعد والمجاوزة أي حالاً بعد حال، كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول.

وجوز أن يكون جمع طبقة أي أحوالاً بعد أحوال هي طبقات في الشدّة، فبعضها أرفع من بعض وهي الموت وما بعده من أهوال القيامة كأنهم لما انكروا البعث أقسم الله  أن ذلك كائن وأن الناس يلقون بعدالموت شدائد متنوّعة وأحوالاً مترتبة حتى يتبين السعيد من الشقي والمحسن من المسيء.

وقيل: لتركبن سنة الأولين من المكذبين المهلكين.

عن مكحول: كل عشرين عاماً تجدون أمراً لم تكونوا عليه.

والركوب على هذه التفاسير مجاز عن الحصول على تلك الحالة.

وقد يقال على قراءة فتح الباء: إنها صيغة الغائبة والضمير للسماء وأحوالها المختلفة انشقاقها ثم انفطارها، ولعل هذا كمال الانحراف ثم صيرورتها وردة كالدهان أو كالمهل وهذا القول مناسب لأول السورة وهو مرويّ عن ابن مسعود.

وقيل: الخطاب للنبي  والمراد أعباء الرسالة وأنه يجب عليه أن يتلقاه بالصبر والتحمل إلى أوان الظفر والغلبة كقوله ﴿ لتبلوّن في أموالكم وأنفسكم  ﴾ وعن ابن عباس وابن مسعود أن المراد حديث الإسراء وأن النبي  ركب أطباق السماء.

وبين القسم والمقسم عليه مناسبة لأنه أقسم بتغيرات واقعة في الأفلاك والعناصر على صحة إيجاد سائر التغايير من أحوال القيامة وغيرها، ولا شك أن القادر على بعض التغايير المعتبرة قادر على أمثالها فلا جرم قال على سبيل الاستبعاد ﴿ فما لهم لا يؤمنون ﴾ وتأويل الآية أن النفس إذا استغرقت في بعض المجهولات التصورية والتصديقية كان المناسبة شبيهة بالشمس الغاربة، فإذا أقبلت على تحصيل قضية من تلك القضايا المجهولة مثلاً تجلى عليها نور من النفس يترجح به عندها أحد طرفي النقيض على الآخر، لكن ما لم تكن جازمة فذلك النور كالشفق بالنسبة إلى ضياء الشمس، ثم إذا سبحت في لجة المعلومات لها طالبة للحد الأوسط عرضت هناك شبهة شبيهة بالليل وما وسقه، فإذا حصل الحدّ الأوسط بالتحقيق وانتقل الذهن منه إلى النتيجة الحقة صارت المسألة كالبدر التم وهو المستفاد ضوءه من النفس الناطقة القدسية التي يكاد زيتها يضيء ولو ولو لم تمسسه نار.

و ﴿ طبقاً عن طبق ﴾ هي مراتب العلوم النظرية من أوّل بدايتها وهي كونها عقلاً هيولانياً إلى نهايتها وهي كونها عقلاً مستفاداً فكأنه  اقسم بأحوال المعلومات المستخلصة على إمكان حصول العلم بها.

ثم وبخهم على أنهم لا ينظرون في الدلائل حتى يورثهم الإيمان والسجود عند تلاوة القرآن.

وقوله ﴿ لا يؤمنون ﴾ و ﴿ لا يسجدون ﴾ في موضع الحال والعامل معنى الفعل في ﴿ فما لهم ﴾ عن ابن عباس، عباس والحسن وعطاء والكسائي ومقاتل: المراد من السجود ههنا الصلاة.

وقال أبو مسلم وغيره: أراد به الخضوع والاستكانة.

والأكثرون على أنه السجود نفسه.

ثم اختلفوا فعن أبي حنيفة وجوبه لأنه ذمهم على الترك.

وعن الحسن وهو قول الشافعي أنه ستة كسائر سجدات التلاوة عنده.

ثم بين بقوله ﴿ بل الذين كفروا يكذبون ﴾ أن الدلائل الموجبة للإيمان وتوابعه وإن كانت جلية ظاهرة لكن الكفار يكذبون بها تقليداً للأسلاف أو عناداً.

ثم أجمل وعيدهم بقوله ﴿ والله أعلم بما يوعون ﴾ أي يجمعون ويضمرون في صدورهم من الشرك والعناد وسائر العقائد الفاسدة والنيات الخبيثة فهو يجازيهم على ذلك.

وقيل: بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء.

ثم صرح بالوعيد قائلاً ﴿ فبشرهم ﴾ وقوله ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ استثناء منقطع عند الزمخشري ولا بأس بكونه متصلاً كأنه قال: إلا من آمن منهم فله أجر غير مقطوع أو هز من المنة، بني الكلام ههنا على الاستئناف فلم يحتج إلى الفاء، وعلى التعقيب في التين فأورد الفاء والاستئناف أجمع مقدّمة.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله -  -: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ ﴾ منهم من حمل قوله: ﴿ فَلاَ ﴾ على دفع منازعة وقعت فيما بين القوم؛ على ما نذكر في سورة ﴿ لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ  ﴾ [إن شاء الله]، وإنما القسم قوله - عز وجل -: ﴿ أُقْسِمُ ﴾ .

ومنهم من جعل "لا" بحق الصلة.

فإن كان على الوجه الأول، لم يجز حذف "لا" من الكلام؛ بل حقه أن يقرأ ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ ﴾ .

وإن كان بحق الصلة استقام حذفه، كما قرأ بعض القراء: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ ﴾ .

ثم الشفق هو أثر النهار، فجائز أن يكون القسم واقعا على النهار كله، وإن كان ذكر طرفا منه.

والثاني: أن الشفق يجتمع فيه أثر النهار - وهو النور الذي فيه - وأثر الشمس - وهو الحمرة التي تكون فيه - فيكون القسم واقعا على النهار بما فيه، كما كان واقعا على الليل بما فيه؛ لقوله: ﴿ ٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ﴾ ؛ فيكون فيه حجة لقول أبي حنيفة [- رضي الله عنه -]: إن وقت العشاء لا يدخل حتى يغيب البياض؛ لأن وقتها يدخل بغيبوبة الشفق، والشفق وجدناه مشتملا على البياض والحمرة، فما لم يتم الغيبوبة لم يهجم وقتها؛ ألا ترى أن الصلاة التي تلي الغروب لا يدخل وقتها حتى يتم غروب الشمس، فعلى ذلك الصلاة التي تلي غروب الشفق لا يدخل وقتها حتى يتم الغيبوبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ﴾ قال بعضهم: ﴿ وَسَقَ ﴾ ، أي: وما وسق وحمل معه من الظلمة والنجم والدابة، وغير ذلك.

والوسق: الحمل، يقال: وسق بعير، أي: حمل بعير.

وقال بعضهم: وسق، أي: جمع وساق كل شيء إلى مأواه من الطير والسباع، فذكر النهار والليل؛ لما فيهما من المنافع.

وقوله: ﴿ وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ ﴾ فالاتساق: الاجتماع، ومعناه: استوى، وكمل؛ إذ ذلك اجتماعه، وذلك في ليالي البيض.

وقال أبو بكر الأصم: معناه: أنه جُمع وسوي بعد أن كان كالعرجون القديم فيذكرهم قوته؛ ليعلما أنه قادر على بعثهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ ﴾ قرئ بنصب الباء ورفعها، وكلا القراءتين في المعنى واحد، وإن كان في الظاهر إحداهما للجمع والأخرى للوحدان، وإحدى القراءتين بحرف الجمع ليذكر بالرفع، فإن قوله: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ ﴾ منصرف إلى كل إنسان في نفسه خاصة لا على الاقتصار على شخص واحد؛ لما ليس في قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ  ﴾ إشارة إلى شخص بعينه، ولكن المراد منه الجملة؛ فثبت أن الخطاب منصرف إلى الجملة.

ثم قوله: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ ﴾ قيل: حالا بعد حال.

ثم جائز أن يصرف إلى دار الآخرة، فكأنه قال: لتركبن حال الآخرة بعد حال الدنيا؛ فيكون فيه تصريح القول على إيجاب البعث.

ويحتمل أن يكون ذلك في الدنيا، فينتقل إلى حال المضغة بعد كونه مضغة، وإلى حال العلقة، وإلى حال الطفولة، إلى أن يبلغ أشده، فلا يزال يركب حالة بعد حالة؛ فيكون في تنقله من حال إلى حال إبانة أنه لم يرد من إنشائه أن تتغير عليه الأحوال فقط، بل أريد به العاقبة التي بها صار إنشاء الخلق حكمة لا عبثا؛ فيكون قوله: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ ﴾ منصرفا إلى كل إنسان في نفسه خاصة، لا على الاقتصار على شخص واحد؛ لما ذكرنا.

ومنهم من قال: إنما أراد بهذا الخطاب رسول الله  ؛ ذكر عن ابن مسعود وابن عباس -  ما - لكن قال ابن مسعود -  -: لتركبن يا محمد.

وقال ابن عباس: لتركبن السماء حالا بعد حال.

فإن التأويل على ما ذكره ابن مسعود، ففيه بشارة له بإسلام قومه، وإجابتهم له؛ فيقول: إنهم سيطيعونك ويصيرون لك أنصارا بعد صدهم الناس عن الإيمان وجفوتهم إياك.

ومن قال: لتركبن سما ء بعد سماء، فيقول: ذلك ليلة أسري به.

والتأويل الأول أقرب؛ لأن موقع القسم في قوله: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ ﴾ ، والإسراء لم يكن يعرفه قومه حتى يكون في ذكره دفع الاشتباه عن أولئك القوم، فأما ظهور الإسلام وعلو النبي على أعدائه فمما يشاهده الناس؛ فيتحقق في الآخرة ما أخبر النبي -  - عن الغيب؛ فيكون تأكيدا لرسالته؛ فلذلك قلنا: إن الحمل على المعنى الأول أحق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ الأصل أن كل من اعتقد مذهبا فإنما يعتقده لحجة تقررت عنده، أو شبهة اعترضت له، ظنها حجة، فأما أن يعتقده حراما، فليس يفعله، فقال الله  في هؤلاء: ﴿ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، أي: أي حجة لهم تمنعهم عن الإيمان بالله -  - وبرسوله، وتدعوهم إلى الشرك والتدين به.

ثم قد ذكرنا أن ما خرج مخرج الاستفهام من الله -  - فحقه أن ينظر ما يقتضي ذلك الكلام من الجواب أن لو كان من مستفهم؛ فيحمل الأمر عليه، وحق جواب هذه الكلام أن نقول: لا شيء يمنعه عن ذلك؛ فقوله: ﴿ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، أي: لا حجة لهم فيما اختاروا من الشرك، وإنما يتدينون به تشهيا وتمنيا؛ فيكون هذا على النفي في أن لا حجة لهم.

أو كأنه يخاطب رسوله -  - فيقول: سلهم لماذا لا يؤمنون؟

وإذا سألهم لم يجدوا لأنفسهم حجة في الإعراض عن الإيمان؛ فيرجع الأمر إلى ابتغاء الحجة أيضا.

ثم المعتزلة احتجت علينا بهذه الآية في تثبيتهم القدرة قبل الفعل، وزعمت أنه لو لم يكن أعطي قوة الإيمان، لم يكن يعاتب على تركه؛ لأن لا عذر للعبد أعظم من أن يقول إذا قيل له: لم لا تؤمن؟

فيقول: لأني لم أقدر عليه.

ولأن قوله -  -: ﴿ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ حرف تعجيب، ولو كانت القوة ممنوعة قبل الفعل، لكان له أن يقول: إنما لم نؤمن؛ لأن يمنعت عنه؛ فيترفع عنه التعجيب؛ فدل أنه أعطي القوة؛ فلم يبق له في التخلف عن الإيمان عذر.

والجواب عن الفصل الأول: أن الكافر إنما لحقته كلفة الإيمان؛ لأنه هو الذي ضيع القوة باختياره فعل الكفر، وإنما ترتفع الكفة إذا منعت عنه الطاقة، فأما إذا كان هو الذي ضيعها، فالكلفة عليه قائمة.

والأصل أن القدرة في الصحيح السليم تحديث تباعا على قدر حرصه على العبادة وميله إليها.

ثم العبد متى اشتغل بفعل صار مضيعا لضده من الأفعال، لا أن كان ممنوعا من الفعل الذي هو ضد هذا؛ فلذلك إذا آثر الكفر، وأتى به، فقد صار باختياره الكفر مضيعا لقوة الإيمان، لا أن صار ممنوعا عنها؛ لذلك لحقته كلفة الإيمان.

وأما ما ذكر من أمر التعجيب فقد وصفنا وجه التعجيب في ذلك، وهو أنه لم يلزموا الكفر بحجة دعتهم إلى القول به، والمرء إذا قلد مذهبا - قلده لا عن حجة وبرهان - تعجب الخلق باختيارهم الكفر لا عن حجة.

ثم لو كان الأمر على ما ظنت المعتزلة: أن الله -  - قد أعطاهم جميع أسباب الهداية، ولم يُبْقِ في خزانته شيئا منعه عنهم، لكنه التعجب راجعا إليه، لا إلى الذين لم يؤمنوا، فيقول: ما لي لا أصل إلى هدايتهم، ولم يَبْق عندي شيء به هدايتهم إلا وقد أعطيتهم، لا أن يعجب الخلق من صنعهم؛ فليس الذي اختاروه في القول سوى وصفهم رب العالمين بالعجز، والعاجز لا يصلح أن يكون ربّاً، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ ﴾ منهم منصرف التأويل إلى سجود الصلاة، والمراد منه عندنا: سجود التلاوة، وهو سجود الاستسلام والخضوع على الشكر؛ لما أكرم المرء [به] من الإيمان وهدى الله؛ لأن سجود الصلاة يكون عند فعل الصلاة، لا عند ذكر التلاوة.

ثم في الآية وجوب السجدة على السامع؛ لأنهم عوتبوا بتركهم السجود عندما يتلى عليهم، وقرعوا به، والتقريع يجري في ترك اللازم، لا في ترك ما ليس عليه.

ولأن المعنى الذي له وجب السجود على التالي قائم في السامع؛ إذ التالي إنما لزمه السجود؛ لما ذكر من آيات الله -  - وقامت عليه من الحجج؛ فلزمه أن ينقاد لها ويخضع، والسامع قد قامت عليه الحجج؛ فيلزمه أن يخضع لها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم يكذبون رسوله محمدا عليه الصلاة واالسلام؛ فيحملهم ذلك على التكذيب بالقرآن؛ لأنهم إذا كذبوا رسالته لم يصدقوه فيما يأتي من الأخبار، لا أن يكون في الأخبار معنى يحملهم على التكذيب؛ بل القرآن يحملهم على التصديق والإيمان لو أنعموا النتظر فيه، وبذلوا من أنفسهم الإنصاف.

أو يكون معناه: أن الذين كفروا هم المكذبون؛ فيكون الكفر منهم تكذيبا، والتكذيب منهم كفرا.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ﴾ يحتمل أوجها: أحدها: ما يضمرون من الكيد والمكر برسول الله  ، فالله أعلم بكيدهم، لا يتهيأ لهم أن ينفذوا كيدهم فيه إلا ما كتب الله عليه؛ فيكون فيه بشارة له بالنصر والتأييد.

والثاني: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ﴾ في قلوبهم من التصديق، ويظهرون من التكذيب بألسنتهم، وإنما يوعون من التكذيب بألسنتهم وقلوبهم معا، وذلك أن البعض منهم كان قد أيقن برسالته؛ فكان يصدقه بقلبه، ويكذبه بلسانه على العناد منه والتمرد.

ومنهم من لم يكن عرف صدقه بقلبه؛ لما ترك الإنصاف من نفسه بإعراضه عن النظر في حجج الله -  - فكان يكذبه بقلبه ولسانه جميعا.

وقوله - عزو جل -: ﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ البشارة إذا فسرت، استقام حملها على الحزن والسرور جميعا، وأما البشارة المطلقة إنما تستعمل في موضع إدخال الفرح والسرور في القلب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ﴾ جائز أن يكون هذا منصرفا إلى كل من آمن.

وجائز أن يصرف إلى من آمن من الذين كانوا يوعون ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ نذكره في سورة "وَالِتّينِ وَالزَّيْتُونِ"، إن شاء الله  .

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لتركبّن -أيها الناس- حالًا بعد حال من نُطْفة فَعَلَقة فَمُضْغة، فحياة فموت فبعث.

<div class="verse-tafsir" id="91.p3wZD"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

انشقاق السماء: مثل انفطارها الذي مر تفسيره في سورة الانفطار ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ  ﴾ ، وهو فساد تركيبها واختلال نظامها عندما يريد الله خراب هذا العالم الذي نحن فيه، وهو يكون بحادثة من الحوادث التي قد ينجر إليها سير العالم، كأن يمر كوكب في سيره بالقرب من آخر فيتجاذبا فيتصادما فيضرب نظام الشمس بأسره، ويحدث من ذلك غمام وأي غمام، يظهر في مواضع متفرقة من الجو والفضاء الواسع، فتكون السماء قد تشققت بالغمام، واختل نظامها حال ظهوره.

﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا  ﴾ أي استمعت لأمر ربها، وفعلت -حين أراد انشقاقها- فعل المطواع الذي إذا أورد عليه الأمر من جهة آمره أنصت له وأذعن، فكأن قال: امتثلت له.

(وحقت) أي حق لها أن تمتثل، أي يجدر بها ذلك، وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع لأنها مخلوقة له وهي في قبضته، وهو الذي يمسكها أن تزول، فإذا أراد تبديد نظامها بدده، وما يكون لها أن تعصى إرادته.

ومتى فسد نظام السماء، فتساقط من كواكبها بعض على بعض، أصاب الأرض من ذلك أشد ما يصيبها من الاضطراب فتدك جبالها، وتنقطع أوصالها، وتفقد التماسك بينها فلا يبقى لها هذا الاندماج الذي هي عليه الآن، فتمد مد الأديم العكاظي كما روي عن ابن عباس ولا تكون إلا كتلة مائرة تتساوى أعاليها وأسافلها، وعظمت بهذا الانتفاش، وزادت أقطار حجمها، فهذا قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ  ﴾ .

ولا ريب أن هذا المد يتبعه أن جميع ما في جوف الأرض ينقذف إلى خارج، وربما قذفته الحركة العنيفة إلى ما يبعد عن سطحها فتخلو الأرض منه حتى لا يبقى له أثر في باطنها، وهذا هو قوله تعالى: ﴿ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ  ﴾ .

وهي في ذلك كله تحت سلطان الجلال الإلهي وقهره، خاضعه لأوامره، منقادة، لمشيئته كما قال: ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ  ﴾ .

ولا يخفى أن الاستماع والطاعة من السماء والأرض تمثيل لكونهما في قبضة القدرة الإلهية تصرفهما في الفناء كما تصرفت فيهما بالابتداء، كما قال: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ ، أي أنه خلقهما على الوجه الذي أراد دون أن يكون منه جهد أو كد، أو يصيبه عناء أو نصب، كما يتوهم ضعفاء العقول إذا سمعوا بأن واحدًا وحده يخلق هذا الخلق العظيم، أو يدمر هذا الكون الجسيم، وكما زعم اليهود أن اللَّه ابتدأ الخلق يوم الأحد، واستراح يوم السب، واستلقى على العرش.

قال اللَّه في آية أخرى لإفادة المعنى على الحقيقة دون تمثيل: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ  ﴾ وكل قول أو فعل ينسب إلى من لايصدر عنه في المعروف، فنسبته إليه على طريق التمثيل، إلا أن يكون هناك سبب يسوغ النسبة في عرف الخطاب.

جاء في هذه السورة بشرطين: أحدهما يتعلق بالسماء، والآخر يتعلق بالأرض، وفي ضمن كل منهما ما هو من لوازمه، ولم يأت بجواب للشرطين، بل أعقب قوله: ﴿ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ  ﴾ إلخ، بقوله ﴿ يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ  ﴾ .

وهو من عجائب إيجاز القرآن حيث يظن لزوم الاطناب فيأتي الايجاز بما لا يأتي به الإطناب.

فإن اللَّه تعالى قد بيّن في سور أخر كثيرًا مما يكون يوم القيامة من الأهوال والشدائد، وحضور الأعمال، وشهود الجزاء، والوقوع في ورطة الحساب، وما يأتي بعد ذلك من شقاء ونعيم، فذكر اللَّه بداية ذلك اليوم في هذين الشرطين: انشقاق السماء، وتصدع الأرض وانتفاشها وقذفها لما في جوفها - وترك الجواب يذهب فيه السامع ما شاء من المذاهب، حتى يمر بذهنه جميع ما ورد من حوادث ذلك اليوم، وفي هذا من التهويل ما ربما لا يفيده التطويل.

وقد يقال إن الجواب محذوف يدل عليه ما يفهم من قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ  ﴾ إلخ، كأنه قال: ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ  ﴾ إلخ، ﴿ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ  ﴾ إلخ، لاقى الإنسان ربه فوفاه حسابه.

(كادح) من الكدح، وهو العمل والسعي والكسب والخدش.

والكدح عمل الإنسان لنفسه من خير أو شر، ووصل الوصف (بالي) إذ قال ﴿ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ  ﴾ ولم يقل (لربك) ليدل على أنه أراد من الكدح معنى فيه سير وانتهاء، كأنه يقول -والله أعلم- يا أيها الإنسان السادر في غلوائه، الصادر في عمله عن أهوائه، الغافل عن مصيره، الجائر عن جادة الحق في مسيره .

.

لا تظن أنك خالد، وأنك مقيم فيما أنت جاهد له، وأنك إن آذيت الخلق، وازدريت الحق، واغتررت بالحول والقوة، وسلمت عنانك للشهوة، ضمنت لنفسك التمتع بما تكسب، والبقاء فيما فيه تتعب وتنصب.

كلا.

إنك مجد في السير إلى ربك وإن كنت لا تشعر بجدك، أو إن شعرت به لهوت عنه، وكل خطوة في عملك فهي في الحقيقة خطوة إلى أجلك، فكل جهد وتعب يحدث في القوي أثر ضعف، ولا يزال الضعف يتبع بعضه بعضًا حتى ينتهي إلى الموت الذي لا محيد عنه، وهناك لقاء اللَّه، فإن الموت يكشف عن الروح غطاء الغفلة، ويجلو لها وجه الحق، فتعرف من اللَّه ما كانت تنكره، فقد لقيته كما يلاقي الغائب من يقدم هو عليه.

وما بعد الموت من رجعة إلا يوم البعث، يوم يقوم الناس للعرض على ملك يوم الدين، كما قال: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ  ﴾ .

وهناك يرتفع الالتباس، ويعرف كل عامل ما جر إليه عمله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ  فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا  ﴾ والذين يؤتون كتبهم بأيمانهم هم الصالحون، أهل البر وفعلة الخير ممن ذكر اللَّه أوصافهم وأعمالهم في الآيات الأخر.

﴿ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا  ﴾ أي يرجع إلى من هم من قبيله من المؤمنين الصادقين العاملين مسرورًا بما لاقاه من سهولة الحساب والنجاة من العقاب، أما الذي يؤتى كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورًا، أي يقول: واثبوراه!

أي واهلاكاه!

فهو يتمنى أن يهلك بأن يموت ويفقد الشعور بما يلقاه كقوله يا ليتني كنت ترابًا، ﴿ وَيَصْلَى سَعِيرًا  ﴾ يقاسى حر نار شديدة اللذع والاحراق.

﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ  ﴾ وقبيله من أمثاله ﴿ مَسْرُورًا  ﴾ بما كان فيه من الترف والنعيم ومعاقرة اللذات ومداعبة الشهوات، فاليوم ينعكس عليه حاله، ويسوء مآله، ويجد حزنًا بدل سرور، وألمًا مكان لذة.

والحساب اليسير السهل أن تعرض عليه أعماله فيعرف منها ما يسر نسبته إليه، وما قد يؤاخذ عليه، ثم لا يناقش ولا يعترض بما يسوءه ويشق عليه.

أما الكلام في إيتاء الكتاب باليمين أو وراء الظهر فإليك ما يليق منه بكتاب اللَّه وحكمته الباهرة.

اليمين تذكر في كتاب اللَّه عبارة عن القوة أو اليمن والخير، قال اللَّه تعالى في سورة الصافات: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ  قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ  قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ  ﴾ .

قال صاحب الكشاف، بعد أن ذكر شرف اليمين وما يناط بها من الأعمال، واستعيرت لجهة الخير وجانبه، فقيل أتاه عن اليمين -أي من قبل الخير وناحيته- فصده عن وأضله .

وقال البيضاوي: عن أقوى الوجوه وأيمنها، أو عن الدين أو الخير.

وجاء في الكشاف أيضًا: وجاء في بعض التفاسير: من أتاه الشيطان من جهة اليمين أتاه من قبل الدين فلبس عليه الحق، ومن أتاه من جهة الشمال أتاه من قبل الشهوات، ومن أتاه من بين يديه أتاه من قبل التكذيب بالقيامة وبالثواب والعقاب، ومن أتاه خلفه خوفه الفقر على نفسه وعلى من يخلف بعده فلم يصل رحمًا ولم يود زكاة.

وقال في سورة الحاقة: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ  لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ  ﴾ أي لو أدعى علينا شيئًا لم نقله لقتلناه صبرًا.

قال البيضاوي: وهو تصدير لإهلاكه بأفظع ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه، وقيل اليمين بمعنى القوة.

وقال البيضاوي في تفسير قوله ﴿ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ  ﴾ .

تقييده باليمين للدلالة على قوته، لأن قوة الآلة تستدعي قوة الفعل.

فاذا استعملت اليمين لتمثيل القوة قابلتها اليسار أو الشمال في تصوير الضعف، وكذلك يقال في الخير أو الشر وما يقابلهما.

ثم مما لا يحتاج إلى بيان أن اليمين هنا آلة الأخذ لا آلة الإعطاء، لأنها مضافة إلى ضمير العبد، فيكون المعنى: فأما من أوتي كتابه فأخذه أو تناوله بيمينه، فكأنه يقول: فأما من عرض عليه كتابه، وقدم إليه سجل أعماله، فتناوله بيمينه فأمره كيت وكيت.

ومن يتناول شيئًا بيمينه يكون قد توجه إليه بعزمه، واندفع نحوه بقوة نفسه -بخلاف من يتناول ما يعطاه ويأخذ بيساره، فإن مد اليسار إليه دليل كراهته له.

وأظهر في الدلالة على الكراهة النفور مما يعرض عليه أن يستدبره ويعرض عنه فيكون وراء ظهره.

فمعنى آية الحاقة والآية التي نحن بصددها: فأما من عرض عليه كتابه، وقدم إليه ليأخذه، فاندفع إليه بعزيمة نفسه لشعوره بأنه مستودع الصالحات وسجل البر والمكرمات فشأنه كذا، وأما من قدم إليه كتابه، وعرض عليه عمله، فخزيت نفسه، وخارت عزيمته، فمد إليه يساره لعله لا يستطيع ضبطه فيسقط منه فلا يرى ما فيه، أو يعرض عنه فيوليه ظهره لشعوره بأنه ديوان السيئات وسجِّين المخازي، فأمره كيت وكيت.

ويرشد إلى ذلك ما رد من التفصيل في سورة الحاقة فإنه قال: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ  إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ  ﴾ .

ودعوة الناس إلى القراءة دليل الفرح والنشاط وقوة العزيمة.

﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ  وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ  يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ  مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ  هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ  ﴾ ، وهذا قول المخذول الكاره لما عرض عليه.

فإيتاء الكتاب باليمين أو اليسار أو وراء الظهر تمثيل وتصوير لحالة المطلع على أعماله في ذلك اليوم، فمن الناس من إذا كشف له عمله ابتهج واستبشر-وهو التناول باليمين- ومنهم من إذا تكشفت له سوابق أعماله عبس وبسر، وأعرض عنها وأدبر، وتمنى لو لم تكشف له -وهذا هو التناول باليسار أو وراء الظهر-، وبهذا اتفق المعنيان في الآيتين، ولم تبق حاجة إلى الجمع بين الشمال ووراء الظهر باختراع معنى لا يليق بكتاب اللَّه كما جرى عليه كثير من المفسرين.

﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ  ﴾ أي رجح في حكمه أن لن يرجع إلى ربه فيحاسبه على ما يقترف من ذنبه، أو يثيبه على الأفضل من كسبه.

وفي الآية شهادة بأن المسخرين لشهواتهم وأهوائهم في أعمالهم لا يمكن أن يكونوا ظانين، فضلًا من كونهم موقنين بأنهم يرجعون إلى اللَّه ليحاسبهم، بل الراجح عندهم أن لا يحاسبون، أو أن اللَّه مخلف وعده، وهذا هو الذي ينسيهم ذكره عند كل جرم يجرمونه، فهم -وإن كانوا يزعمون الإيمان باللَّه وبوعده ووعيده- يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ويبتلون دائمًا بسوء الخاتمة والعياذ باللَّه (بلى) إيجاب لما بعد النفي في لنيحور، أي بلى ليحورن وليرجعن إلى ربه، وليحاسبن على عمله، فيجزى عليه: الخير بالخير، والشر بالشر.

ثم علل ذلك بقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا  ﴾ والبصر بالشيء تمام العلم به نشأة وغاية، والذي يخلق الإنسان مستعدًا لما لا يتناهى من الكمال بما وهبه من العقل الذي لا يقف عند حد في العلم، وإرسال أشعة الفهم إلى أسرار الكائنات ودقائق الموجودات، لا ينشئه هذه النشأة الرفيعة لتكون غايته غاية سائر الحيوان، ممن لم يعط استعداده، ولم يمد إمداده، بل تقضي حكمته في هذا الخلق العظيم أن يجعل له حياة بعد هذه الحياة، يستثمر فيها أعماله ويوافي فيها كماله.

ولو أنه أسدى إلى الإنسان من المواهب ما أسدى، ثم تركه بعد ذلك سدى، لم يكن ذلك إلا من عمل الجزاف، الخالي من البصر والحكمة، بل من العدل والانصاف.

وهذا الذي فسرنا به هو الأليق بنسق الكلام، دون الذي سبقنا إليه بعض قصار الأفهام.

ولتأكيد ذلك أقسم اللَّه بآيات له في الكائنات، ظاهرات باهرات، ليدل على عظم شأنه في وضع الكون عليها، وقد تقدم أن ﴿ فَلَا أُقْسِمُ  ﴾ عبارة من عبارات القسم.

والشفق النهار في رأي الزجَّاج، وبقية ضوء الشمس والحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة عند غيره، والنهار زمان يسعى فيه الكاسبون لتحصيل أرزاقهم، والأبرار يشغلونه بإصلاح أحوالهم وأحوال غيرهم، وتكميل عقولهم وأخلاقهم.

ففيه الشفق، وهو الخوف من الإخفاق، فيجدر أن يسمى شفقًا، وما يبقى في الأفق من الحمرة وقليل من البياض ينذرك بليل لا تدرى ما يكون فيه، فله من مسمى الشفق -وهو الخوف- نصيب.

و(وسق)، أي ضم وجمع، ولا يخفى عليك أن ما انتشر بالنهار يجتمع بالليل حتى أن جناحيك اللذين تمدها إلى العمل بياض النهار تضمها إلى جنبيك للراحة سواد الليل.

والغادون في النهار يروحون بالليل، والليل يضم الأمهات إلى أفراخها، ويرد السائمات إلى مناخها، وبالجملة كل ما نشره النهار بالحركة يضمه الليل ويجمعه بالسكون.

﴿ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا  ﴾ .

واتساق القمر تمامه واجتماع نوره ليلة أربع عشرة أو ليلة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة.

ولا يخفى ما للناس من المنافع في هذه الأمور الثلاثة التي أقسم اللَّه بها، وما فيها من الآيات الناطقة بحكمة واضع نظامها، فهي جديرة أن يقسم اللَّه بها لينبه الغافلين إلى ما أودع فيها.

﴿ لَتَرْكَبُنَّ  ﴾ قرئ بفتح الباء خطاب للإنسان، وبضمها خطاب للناس.

( والطبق) عند ابن الأعرابي الحال على اختلافها.

وقال الزجَّاج في معنى الآية: لتركبن حالًا بعد حال حتى تصيروا إلى اللَّه، والأحوال هي: الإحياء الأول، ثم الإماتة، ثم البعث، وقد قارب الزجَّاج في تفسيره، وأصل المادة طبق فيها المطابقة والمساواة.

والمعنى الذي يعول عليه لتركبن حالة بعد حالة، على أن الحالة الثانية تطابق الحالة الأولى، أي لتكونن في حياة أُخرى تماثل هذه الحياة التي أنتم فيها وتطابقها من حيث الحس والإدراك والألم واللذة على الإطلاق، أي أنها حياة حقيقية وإن خالفت في بعض شؤونها هذه الحياة الأولى.

فإذا كان اللَّه قد خلق الإنسان على أن تكون له حياتان -وقد أقام الدليل على ذلك من طريقة تكوينه، ثم أقسم عليه في صادق كلامه- ﴿ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ  وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ  ﴾ وهو المنبه لسماع حديث الفطرة، الصارف إلى داعي الغريزة ﴿ لَا يَسْجُدُونَ  ﴾ لا يستكينون ولا يخضعون، لا تظن أن قرع القرآن لم يكسر أغلاق قلوبهم، ولم يبلغ صوته أعماق ضمائرهم، بلى قد بلغ، وأقنع فيما بَلَّغ، ولكن العناد هو الذي يمنعهم عن الإيمان، ويصدهم عن الإذعان فليس منشأ التكذيب قصور الدليل، وإنما هو تقصير المستدل وإعراضه عن هدايته.

فالإضراب في قوله ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ  ﴾ يرمي إلى محذوف من القول يدل عليه السابق واللاحق.

﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ  ﴾ أي بما يجمعون في صدورهم من الإعراض والجحود والحسد والبغي.

﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ جزاء لهم على إعراضهم عن الأدلة القائمة لهم من أنفسهم ومن بين أيديهم، وإصرارهم على سيء العمل وفاسد الاعتقاد، أما الذين أصلحوا اعتقادهم بالإيمان الصادق القائم على الدليل الصحيح المستمد من الوجدان الفطري، واستقاموا في عملهم على النهج الواضح في العمل الصالح، فلهم أجر لا ينقطع، فالاستثناء في ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا  ﴾ منقطع، كأنه قال لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر إلخ.

ولهذا جاء قوله: ﴿ لَهُمْ أَجْرٌ  ﴾ بغير فاء، و ﴿ غَيْر مَمْنُونٍ  ﴾ أي غير مقطوع.

واللَّه أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله