الآية ٢٢ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٢٢ من سورة التوبة

خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ ٢٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 63 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال العوفي في تفسيره ، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية ، قال : إن المشركين قالوا : عمارة بيت الله ، وقيام على السقاية ، خير ممن آمن وجاهد ، وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره ، فذكر الله استكبارهم وإعراضهم ، فقال لأهل الحرم من المشركين : ( قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به سامرا تهجرون ) [ المؤمنون : 66 ، 67 ] يعني : أنهم كانوا يستكبرون بالحرم قال : ( به سامرا ) كانوا يسمرون به ، ويهجرون القرآن والنبي - صلى الله عليه وسلم - فخير الله الإيمان والجهاد مع نبي الله - صلى الله عليه وسلم - على عمارة المشركين البيت وقيامهم على السقاية ولم يكن ينفعهم عند الله مع الشرك به إن كانوا يعمرون بيته ويخدمونه .

قال الله : ( لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين ) يعني : الذين زعموا أنهم أهل العمارة ، فسماهم الله " ظالمين " بشركهم ، فلم تغن عنهم العمارة شيئا .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، في تفسير هذه الآية ، قال : نزلت في العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر قال : لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد ، لقد كنا نعمر المسجد الحرام ، ونسقي [ الحاج ] ونفك العاني ، قال الله - عز وجل - : ( أجعلتم سقاية الحاج ) إلى قوله : ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) يعني أن ذلك كان في الشرك ، ولا أقبل ما كان في الشرك .

وقال الضحاك بن مزاحم : أقبل المسلمون على العباس وأصحابه ، الذين أسروا يوم بدر ، يعيرونهم بالشرك ، فقال العباس : أما والله لقد كنا نعمر المسجد الحرام ، ونفك العاني ، ونحجب البيت ، ونسقي الحاج ، فأنزل الله : ( أجعلتم سقاية الحاج [ وعمارة المسجد الحرام ] ) الآية .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا ابن عيينة ، عن إسماعيل ، عن الشعبي قال : نزلت في علي ، والعباس - رضي الله عنهما - تكلما في ذلك .

وقال ابن جرير : حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرت عن أبي صخر قال : سمعت محمد بن كعب القرظي يقول : افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار ، وعباس بن عبد المطلب ، وعلي بن أبي طالب ، فقال طلحة : أنا صاحب البيت ، معي مفتاحه ، ولو أشاء بت فيه .

وقال العباس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها ، ولو أشاء بت في المسجد .

فقال علي - رضي الله عنه - : ما أدري ما تقولان ، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس ، وأنا صاحب الجهاد ، فأنزل الله - عز وجل - : ( أجعلتم سقاية الحاج ) الآية كلها .

وهكذا قال السدي ، إلا أنه قال : افتخر علي ، والعباس ، وشيبة بن عثمان ، وذكر نحوه .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن عمرو ، عن الحسن قال : نزلت في علي ، وعباس وعثمان ، وشيبة ، تكلموا في ذلك ، فقال العباس : ما أراني إلا تارك سقايتنا .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أقيموا على سقايتكم ، فإن لكم فيها خيرا .

ورواه محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن فذكر نحوه .

وقد ورد في تفسير هذه الآية حديث مرفوع ، فلا بد من ذكره هاهنا ، قال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن يحيى بن أبي كثير [ عن رجل ] عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - أن رجلا قال : ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام ، إلا أن أسقي الحاج .

وقال آخر : ما أبالي ألا أعمل بعد الإسلام ، إلا أن أعمر المسجد الحرام .

وقال آخر : الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم .

فزجرهم عمر - رضي الله عنه - وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك يوم الجمعة - ولكن إذا صلينا الجمعة دخلنا عليه .

فنزلت ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ) إلى قوله : ( لا يستوون عند الله ) طريق أخرى : قال الوليد بن مسلم : حدثني معاوية بن سلام ، عن جده أبي سلام الأسود ، عن النعمان بن بشير الأنصاري قال : كنت عند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفر من أصحابه ، فقال رجل منهم : ما أبالي ألا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج .

وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام .

وقال آخر : بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم .

فزجرهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك يوم الجمعة - ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستفتيته فيما اختلفتم فيه .

قال : ففعل ، فأنزل الله - عز وجل - : ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ) إلى قوله : ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) رواه مسلم في صحيحه ، وأبو داود - وابن جرير وهذا لفظه - وابن مردويه ، وابن أبي حاتم في تفاسيرهم وابن حبان في صحيحه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره =(خالدين فيها)، ماكثين فيها, يعنى في الجنات (6) =(أبدا)، لا نهاية لذلك ولا حدَّ (7) =(إن الله عنده أجر عظيم)، يقول: إن الله عنده لهؤلاء المؤمنين الذين نعتَهم جل ثناؤه النعتَ الذي ذكر في هذه الآية =(أجر)، ثواب على طاعتهم لربّهم، وأدائهم ما كلفهم من الأعمال (8) =(عظيم), وذلك النعيم الذي وعدَهم أن يعطيهم في الآخرة.

(9) ------------------- الهوامش : (6) انظر تفسير " الخلود " فيما سلف من فهارس اللغة ( خلد ) .

(7) انظر تفسير " أبدًا " فيما سلف 11 : 244 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(8) انظر تفسير " الأجر " فيما سلف من فهارس اللغة ( أجر ) .

(9) انظر تفسير " عظيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( عظم ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا( خالدين ) نصب على الحال .

والخلود الإقامة .إن الله عنده أجر عظيم أي أعد لهم في دار كرامته ذلك الثواب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏{‏خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا‏}‏ لا ينتقلون عنها، ولا يبغون عنها حِوَلًا، ‏{‏إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ‏}‏ لا تستغرب كثرته على فضل اللّه، ولا يتعجب من عظمه وحسنه على من يقول للشيء كن فيكون‏.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"خالدين فيها أبداً إن الله عنده أجر عظيم".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«خالدين» حال مقدرة «فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ماكثين في تلك الجنان لا نهاية لإقامتهم وتنعمهم، وذلك ثواب ما قدَّموه من الطاعات والعمل الصالح في حياتهم الدنيا.

إن الله تعالى عنده أجر عظيم لمن آمن وعمل صالحا بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ) أى : ماكثين فى تلك الجنات مكثاً أبدياً .( إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) لا يقادر قدره لهؤلاء الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله بأموارهم وأنفسهم .قال الآلوسى : ذكر أبو حيان أنه - تعالى - لما وصف المؤمنين بثلاث صفات الإِيمان والهجرة ، والجهد بالنفس والمال ، قابلهم على ذلك بالتبشير بثلاث : الرحمة والرضوان ، والجنة .وبدأ - سبحانه - بالرحمة فى مقابلة الإِيمان لتوقفها عليه ، ولأنها أعم النعم وأسبقها كما أن الإِيمان هو السابق .وثنى - سبحانه - بالرضوان الذى هو نهاية الإِحسان فى مقابلة الجهاد الذى هو بذل الأنفس والأموال .وثلث بالجنات فى مقابلة الهجرة وترك الأوطان ، إشارة إلى أنهم لما آثروا تركها - فى سبيله أعطاهم بدلها داراً عظيمة دائمة وهى الجنات .وفى الحديث الصحيح يقول الله - سبحانه - : " يا أهل الجنة هل رضيتم؟

فيقولون كيف لا نرضى وقد باعدتنا عن نارك وأودخلتنا جنتك؟

فيقول - سبحانه - لكم عندى أفضل من ذلك ، فيقولون : وما أفضل من ذلك؟

فيقول جل شأنه : أحل لكم رضائى فلا أسخط عليكم بعده أبداً " .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت أنه لا تصح المساواة بين المؤمنين الصادقين الذين هاجروا وجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ، وبين غيرهم ممن لم يفعل فعلهم ، ولم يجاهد جهادهم .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى ذكر ترجيح الإيمان والجهاد على السقاية وعمارة المسجد الحرام، على طريق الرمز ثم أتبعه بذكر هذا الترجيح على سبيل التصريح في هذه الآية، فقال: إن من كان موصوفاً بهذه الصفات الأربعة كان أعظم درجة عند الله ممن اتصف بالسقاية والعمارة.

وتلك الصفات الأربعة هي هذه: فأولها الإيمان.

وثانيها الهجرة.

وثالثها الجهاد في سبيل الله بالمال.

ورابعها الجهاد بالنفس، وإنما قلنا إن الموصوفين بهذه الصفات الأربعة في غاية الجلالة والرفعة لأن الإنسان ليس له إلا مجموع أمور ثلاثة: الروح، والبدن، والمال.

أما الروح فلما زال عنه الكفر وحصل فيه الإيمان، فقد وصل إلى مراتب السعادات اللائقة بها.

وأما البدن والمال فبسبب الهجرة وقعا في النقصان، وبسبب الاشتغال بالجهاد صارا معرضين للهلاك والبطلان.

ولا شك أن النفس والمال محبوب الإنسان، والإنسان لا يعرض عن محبوبه إلا للفوز بمحبوب أكمل من الأول، فلولا أن طلب الرضوان أتم عندهم من النفس والمال، وإلا لما رجحوا جانب الآخرة على جانب النفس والمال ولما رضوا بإهدار النفس والمال لطلب مرضاة الله تعالى فثبت أن عند حصول الصفات الأربعة صار الإنسان واصلاً إلى آخر درجات البشرية وأول مراتب درجات الملائكة، وأي مناسبة بين هذه الدرجة وبين الإقدام على السقاية والعمارة لمجرد الاقتداء بالآباء والأسلاف ولطلب الرياسة والسمعة؟

فثبت بهذا البرهان اليقين صحة قوله تعالى: ﴿ الذين ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله وأولئك هُمُ الفائزون ﴾ .

واعلم أنه تعالى لم يقل أعظم درجة من المشتغلين بالسقاية والعمارة لأنه لو عين ذكرهم لأوهم أن فضيلتهم إنما حصلت بالنسبة إليهم، ولما ترك ذكر المرجوح، دل ذلك على أنهم أفضل من كل من سواهم على الإطلاق، لأنه لا يعقل حصول سعادة وفضيلة للإنسان أعلى وأكمل من هذا الصفات.

واعلم أن قوله: ﴿ عَندَ الله ﴾ يدل على أن المراد من كون العبد عند الله الاستغراق في عبوديته وطاعته، وليس المراد منه العندية بحسب الجهة والمكان، وعند هذا يلوح أن الملائكة كما حصلت لهم منقبة العندية في قوله: ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ  ﴾ فكذلك الأرواح القدسية البشرية إذا تطهرت عن دنس الأوصاف البدنية والقاذورات الجسدانية، أشرقت بأنوار الجلالة وتجلى فيها أضواء عالم الكمال وترقت من العبدية إلى العندية، بل كأنه لا كمال في العبدية إلا مشاهدة حقيقة العندية، ولذلك قال: ﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً  ﴾ فإن قيل: لما أخبرتم أن هذه الصفات كانت بين المسلمين والكافرين، فكيف قال في وصفهم ﴿ أعظم درجة ﴾ مع أنه ليس للكفار درجة؟

قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن هذا ورد على حسب ما كانوا يقدرون لأنفسهم من الدرجة والفضيلة عند الله، ونظيره قوله: ﴿ قُلِ آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ أذلك خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزقوم  ﴾ الثاني: أن يكون المراد أن أولئك أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفاً بهذه الصفات، تنبيهاً على أنهم لما كانوا أفضل من المؤمنين الذين ما كانوا موصوفين بهذه الصفات فبأن لا يقاسوا إلى الكفار أولى.

الثالث: أن يكون المراد أن المؤمن المجاهد المهاجر أفضل ممن على السقاية والعمارة والمراد منه ترجيح تلك الأعمال على هذه الأعمال، ولا شك أن السقاية والعمارة من أعمال الخير، وإنما بطل إيجابهما للثواب في حق الكفار لأن قيام الكفر الذي هو أعظم الجنايات يمنع ظهور ذلك الأثر.

واعلم أنه تعالى لما بين أن الموصوفين بالإيمان والهجرة أعظم درجة عند الله بين تعالى أنهم هم الفائزون وهذا للحصر، والمعنى أنهم هم الفائزون بالدرجة العالية الشريفة المقدسة التي وقعت الإشارة إليها بقوله تعالى: ﴿ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ وهي درجة العندية، وذلك لأن من آمن بالله وعرفه فقل أن يبقى قلبه ملتفتاً إلى الدنيا، ثم عند هذا يحتال إلى إزالة هذه العقدة عن جوهر الروح، وإزالة حب الدنيا لا يتم له إلا بالتفريق بين النفس وبين لذات الدنيا، فإذا دام ذلك التفريق وانتقص تعلقه بحب الدنيا، فهذا التفريق والنقص يحصلان بالهجرة.

ثم إنه بعده لابد من استحقار الدنيا والوقوف على معايبها وصيرورتها في عين العاقل بحيث يوجب على نفسه تركها ورفضها، وذلك إنما يتم بالجهاد لأنه تعريض النفس والمال للهلاك والبوار، ولولا أنه استحقر الدنيا وإلا لما فعل ذلك، وعند هذا يتم ما قاله بعض المحققين وهو أن العرفان مبتدأ من تفريق ونقص وترك ورفض، ثم عند حصول هذه الحالة يصير القلب مشتغلاً بالنظر إلى صفات الجلال والإكرام، وفي مشاهدتها يحصل بذل النفس والمال، فيصير الإنسان شهيداً مشاهداً لعالم الجلال مكاشفاً بنور الجلالة مشهوداً له بقوله تعالى: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ورضوان وجنات لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خالدين فِيهَا أَبَداً ﴾ وعند هذا يحصل الانتهاء إلى حضرة الأحد الصمد، وهو المراد من قوله: ﴿ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ وهنا يحق الوقوف في الوصول.

ثم قال تعالى: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ورضوان وجنات لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خالدين فِيهَا أَبَداً إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ .

واعلم أن هذه الإشارة اشتملت على أنواع من الدرجات العالية وأنه تعالى ابتدأ فيها بالأشرف فالأشرف، نازلاً إلى الأدون فالأدون، ونحن نفسرها تارة على طريق المتكلمين وأخرى على طريقة العارفين.

أما الأول فنقول: فالمرتبة الأولى منها وهي أعلاها وأشرفها كون تلك البشارة حاصلة من ربهم بالرحمة والرضوان، وهذا هو التعظيم والإجلال من قبل الله.

وقوله: ﴿ وجنات لَّهُمْ ﴾ إشارة إلى حصول المنافع العظيمة وقوله: ﴿ فِيهَا نَعِيمٌ ﴾ إشارة إلى كون المنافع خالصة عن المكدرات لأن النعيم مبالغة في النعمة، ولا معنى للمبالغة في النعمة إلا خلوها عن ممازجة الكدورات وقوله: ﴿ مُّقِيمٌ ﴾ عبارة عن كونها دائمة غير منقطعة.

ثم إنه تعالى عبر عن دوامها بثلاث عبارات: أولها: ﴿ مُّقِيمٌ ﴾ .

وثانيها: قوله: ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ .

وثالثها: قوله: ﴿ أَبَدًا ﴾ فحصل من مجموع ما ذكرنا أنه تعالى يبشر هؤلاء المؤمنين المهاجرين المجاهدين بمنفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، وذلك هو حد الثواب.

وفائدة تخصيص هؤلاء المؤمنين بكون هذا الثواب كامل الدرجة عالي الرتبة بحسب كل واحد من هذه القيود الأربعة.

ومن المتكلمين من قال قوله: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ﴾ المراد منه خيرات الدنيا وقوله: ﴿ وَرِضْوَانٍ لَهُمْ ﴾ المراد منه كونه تعالى راضياً عنهم حال كونهم في الحياة الدنيا وقوله: ﴿ وجنات ﴾ المراد منه المنافع وقوله: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ ﴾ المراد منه كون تلك النعم خالصة عن المكدرات، لأن النعيم مبالغة في النعمة وقوله: ﴿ مُّقِيمٌ خالدين فِيهَا أَبَداً ﴾ المراد منه الإجلال والتعظيم الذي يجب حصوله في الثواب.

وأما تفسير هذه الآية على طريقة العارفين المحبين المشتاقين فنقول: المرتبة الأولى من الأمور المذكورة في هذه الآية قوله: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم ﴾ .

واعلم أن الفرح بالنعمة يقع على قسمين: أحدهما: أن يفرح بالنعمة لأنها نعمة.

والثاني: أن يفرح بها لا من حيث هي بل من حيث إن المنعم خصه بها وشرفه وإن عجز ذهنك عن الوصول إلى الفرق بين القسمين فتأمل فيما إذا كان العبد واقفاً في حضرة السلطان الأعظم وسائر العبيد كانوا واقفين في خدمته، فإذا رمى ذلك السلطان تفاحة إلى أحد أولئك العبيد عظم فرحه بها فذلك الفرح العظيم ما حصل بسبب حصول تلك التفاحة، بل بسبب أن ذلك السلطان خصه بذلك الإكرام، فكذلك هاهنا.

قوله: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ ورضوان ﴾ منهم من كان فرحهم بسبب الفوز بتلك الرحمة، ومنهم من لم يفرح بالفوز بتلك الرحمة، وإنما فرح لأن مولاه خصه بتلك الرحمة وحينئذ يكون فرحه لا بالرحمة بل بمن أعطى الرحمة، ثم إن هذا المقام يحصل فيه أيضاً درجات فمنهم من يكون فرحه بالراحم لأنه رحم، ومنهم من يتوغل في الخلوص فينسى الرحمة ولا يكون فرحه إلا بالمولى لأنه هو المقصد، وذلك لأن العبد ما دام مشغولاً بالحق من حيث إنه راحم فهو غير مستغرق في الحق، بل تارة مع الحق وتارة مع الخلق، فإذا تم الأمر انقطع عن الخلق وغرق في بحر نور الحق وغفل عن المحبة والمحنة، والنقمة والنعمة، والبلاء والآلاء، والمحققون وقفوا عند قوله: ﴿ يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم ﴾ فكان ابتهاجهم بهذا وسرورهم به وتعويلهم عليه ورجوعهم إليه ومنهم من لم يصل إلى تلك الدرجة العالية فلا تقنع نفسه إلا بمجموع قوله: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ﴾ فلا يعرف أن الاستبشار بسماع قول ربهم، بل إنما يستبشر بمجموع كونه مبشراً بالرحمة، والمرتبة الثانية هي أن يكون استبشاره بالرحمة وهذه المرتبة هي النازلة عند المحققين.

واللطيفة الثانية من لطائف هذه الآية هي أنه تعالى قال: ﴿ يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم ﴾ وهي مشتملة على أنواع من الرحمة والكرامة.

أولها: أن البشارة لا تكون إلا بالرحمة والإحسان.

والثاني: أن بشارة كل أحد يجب أن تكون لائقة بحاله، فلما كان المبشر هاهنا هو أكرم الأكرمين، وجب أن تكون البشارة بخيرات تعجز العقول عن وصفها وتتقاصر الأفهام عن نعتها.

والثالث: أنه تعالى سمى نفسه هاهنا بالرب وهو مشتق من التربية كأنه قال: الذي رباكم في الدنيا بالنعم التي لا حد لها ولا حصر لها يبشركم بخيرات عالية وسعادات كاملة.

والرابع: أنه تعالى قال: ﴿ رَّبُّهُمْ ﴾ فأضاف نفسه إليهم، وما أضافهم إلى نفسه.

والخامس: أنه تعالى قدم ذكرهم على ذكر نفسه فقال: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم ﴾ والسادس: أن البشارة هي الإخبار عن حدوث شيء ما كان معلوم الوقوع، أما لو كان معلوم الوقوع لم يكن بشارة، ألا ترى أن الفقهاء قالوا: لو أن رجلاً قال من يبشرني من عبيدي بقدوم ولدي فهو حر، فأول من أخبر بذلك الخبر يعتق، والذين يخبرون بعده لا يعتقون وإذا كان الأمر كذلك فقوله: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ ﴾ لابد أن يكون إخباراً عن حصول مرتبة من مراتب السعادات ما عرفوها قبل ذلك، وجميع لذات الجنة وخيراتها وطيباتها قد عرفوه في الدنيا من القرآن، والإخبار عن حصول بشارة فلابد وأن تكون هذه البشارة بشارة عن سعادات لا تصل العقول إلى وصفها ألبتة.

رزقنا الله تعالى الوصول إليها بفضله وكرمه.

واعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم ﴾ بين الشيء الذي به يبشرهم وهو أمور: أولها: قوله: ﴿ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ﴾ .

وثانيها: قوله: ﴿ وَرِضْوَانٍ ﴾ وأنا أظن والعلم عند الله أن المراد بهذين الأمرين ما ذكره في قوله: ﴿ ارجعى إلى رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً  ﴾ والرحمة كون العبد راضياً بقضاء الله وذلك لأن من حصلت له هذه الحالة كان نظره على المبلي والمنعم لا على النعمة والبلاء، ومن كان نظره على المبلي والمنعم لم يتغير حاله، لأن المبلي والمنعم منزه عن التغير.

فالحاصل أن حاله يجب أن يكون منزهاً عن التغير، أما من كان طالباً لمحض النفس كان أبداً في التغير من الفرح إلى الحزن، ومن السرور إلى الغم، ومن الصحة إلى الجراحة، ومن اللذة إلى الألم، فثبت أن الرحمة التامة لا تحصل إلا عندما يصير العبد راضياً بقضاء الله فقوله: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ﴾ هو أنه يزيل عن قلبه الالتفات إلى غير هذه الحالة، ويجعله راضياً بقضائه.

ثم إنه تعالى يصير راضياً وهو قوله: ﴿ وَرِضْوَانٍ ﴾ وعند هذا تصير هاتان الحالتان هما المذكورتان في قوله: ﴿ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ﴾ وهذه هي الجنة الروحانية النورانية العقلية القدسية الإلهية.

ثم إنه تعالى بعد أن ذكر هذه الجنة العالية المقدسة ذكر الجنة الجسمانية، وهي قوله: ﴿ وجنات لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خالدين فِيهَا أَبَداً ﴾ وقد سبق شرح هذه المراتب، ولما ذكر هذه الأحوال قال: ﴿ إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ والمقصود شرح تعظيم هذه الأحوال، ولنختم هذا الفصل ببيان أن أصحابنا يقولون إن الخلود يدل على طول المكث، ولا يدل على التأبيد، واحتجوا على قولهم في هذا الباب بهذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿ خالدين فِيهَا أَبَداً ﴾ ولو كان الخلود يفيد التأبيد، لكان ذكر التأبيد بعد ذكر الخلود تكراراً وأنه لا يجوز.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هم ﴿ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله ﴾ من أهل السقاية والعمارة عندكم ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفائزون ﴾ لا أنتم والمختصون بالفوز دونكم وقرئ: ﴿ يبشرهم ﴾ بالتخفيف والتثقيل، وتنكير المبشر به لوقوعه وراء صفة الواصف وتعريف المعرّف.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: هي في المهاجرين خاصة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أعْلى رُتْبَةً وأكْثَرُ كَرامَةً مِمَّنْ لَمْ تُسْتَجْمَعْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ أوْ مِن أهْلِ السِّقايَةِ والعِمارَةِ عِنْدَكم.

﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ ﴾ بِالثَّوابِ ونِيلِ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ دُونَكم.

﴿ يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها ﴾ في الجَنّاتِ.

﴿ نَعِيمٌ مُقِيمٌ ﴾ دائِمٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ ﴿ يُبَشِّرُهُمْ ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وتَنْكِيرُ المُبَشَّرِ بِهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ وراءَ التَّعْيِينِ والتَّعْرِيفِ.

﴿ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ﴾ أكَّدَ الخُلُودَ بِالتَّأْبِيدِ لِأنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُكْثِ الطَّوِيلِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ يُسْتَحْقَرُ دُونَهُ ما اسْتَوْجَبُوهُ لِأجْلِهِ أوْ نَعِيمُ الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{خالدين فِيهَا أَبَداً إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} لا ينقطع

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ أيِ: الجَنّاتِ ( أبَدًا ) تَأْكِيدٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الخُلُودُ ودَفْعُ احْتِمالِ أنْ يُرادَ مِنهُ المُكْثُ الطَّوِيلُ ﴿ إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ لا قَدْرَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لِأُجُورِ الدُّنْيا أوْ لِلْأعْمالِ الَّتِي في مُقابَلَتِهِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِما سَبَقَ، وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِثَلاثِ صِفاتٍ؛ الإيمانِ والهِجْرَةِ والجِهادِ بِالنَّفْسِ والمالِ قابَلَهم عَلى ذَلِكَ بِالتَّبْشِيرِ بِثَلاثَةٍ؛ الرَّحْمَةِ، والرِّضْوانِ، والجَنَّةِ، وبَدَأ سُبْحانَهُ بِالرَّحْمَةِ في مُقابَلَةِ الإيمانِ لِتَوَقُّفِها عَلَيْهِ ولِأنَّها أعَمُّ النِّعَمِ وأسْبَقُها كَما أنَّ الإيمانَ هو السّابِقُ، وثَنّى تَعالى بِالرِّضْوانِ الَّذِي هو نِهايَةُ الإحْسانِ في مُقابَلَةِ الجِهادِ الَّذِي فِيهِ بَذْلُ الأنْفُسِ والأمْوالِ، وثَلَّثَ عَزَّ وجَلَّ بِالجِنانِ في مُقابَلَةِ الهِجْرَةِ وتَرْكِ الأوْطانِ إشارَةً إلى أنَّهم لَمّا آثَرُوا تَرْكَها بَدَّلَهم بِدارِ الكُفْرِ الجِنانَ الدّارَ الَّتِي هي في جِوارِهِ.

وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقُولُ اللَّهُ سُبْحانَهُ: «يا أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ رَضِيتُمْ؟

فَيَقُولُونَ: كَيْفَ لا نَرْضى وقَدْ باعَدْتَنا عَنْ نارِكَ وأدْخَلْتَنا جَنَّتَكَ؟

فَيَقُولُ سُبْحانَهُ: لَكم عِنْدِي أفْضَلُ مِن ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: وما أفْضَلُ مِن ذَلِكَ؟

فَيَقُولُ جَلَّ شَأْنُهُ: أُحِلَّ لَكم رِضائِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم بَعْدَهُ أبَدًا» ولا يَخْفى أنَّ وصْفَ الجَنّاتِ بِأنَّ لَهم فِيها نَعِيمًا مُقِيمًا عَلى هَذا التَّوْزِيعِ في غايَةِ اللَّطافَةِ لِما أنَّ في الهِجْرَةِ السَّفَرَ الَّذِي هو قِطْعَةٌ مِنَ العَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا، يعني: صدقوا بوحدانية الله، وَهاجَرُوا إلى المدينة.

وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ، يعني: هؤلاء أفضل عند الله، وأفضل درجة في الجنة من الذين لم يهاجروا ولم يؤمنوا ولم يعمروا المسجد الحرام، ولم يسقوا الحاج.

وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ، يعني: الناجين من النار.

قوله تعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ، يعني: يفرحهم بِرَحْمَةٍ، يعني: بجنة مِنْهُ وَرِضْوانٍ رضي الله تعالى عنهم كما قال في آية أخرى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المجادلة: 22] بالثواب الذي أعطاهم.

ثم قال تعالى: وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ، يعني: دائماً لا ينقطع عنهم.

خالِدِينَ فِيها، يعني: مقيمين دائمين في الجنات أَبَداً، هو تأكيد للخلود.

إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ، وهي الجنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ت: زاد ابن الخَطِيبِ في روايته: «فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.

انتهى من ترجمة محمَّد بنِ عبدِ اللَّهِ، وفي الحديثِ عنه صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لِمَنْ كَانَتْ المَسَاجِدُ بَيْتَهُ الأَمْنَ، والأَمَانَ، وَالجَوَازَ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ القِيَامَةِ» خَرَّجه عليُّ بن عبد العزيز البَغَوِّيُّ في «المُسْنَد المُنْتَخَب» له، وروى البغويُّ أيضا في هذا «المسند» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَوْطَنَ الرَّجُلُ المَسَاجِدَ بِالصَّلاَةِ، وَالذِّكْرِ، تَبَشْبَش اللَّهُ لَهُ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الغَائِبِ لِغَائِبِهمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ» .

انتهى من «الكَوْكَب الدُّرِّيِّ» ، قيل: ومعنى «يَتَبَشْبَشُ» : أي يفرح به.

وقوله سبحانه: وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ، يريد: خشيةَ التعظيمِ والعبادةِ، وهذه مرتبةُ العَدْل من الناس، ولا محالة أَنَّ الإِنسان يخشَى غيره، ويخشَى المحاذيرَ الدنيويَّة، وينبغي أن يخشَى في ذلك كلّه قضاء الله وتصريفه.

أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)

وقوله سبحانه: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ ...

الآية: سِقايَةَ الْحاجِّ: كانَتْ في بني هَاشِمٍ، وكان العبَّاس يتولاَّها، قال الحسن: ولما نزلَتْ هذه الآيةُ، قال العبَّاس: ما أَراني إلاَّ أتركُ السقاية، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أُقِيمُوا عَلَيْهَا فَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ» «١» وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ: قيلَ: هي حِفْظه ممَّن يظلم فيه، أو يقول هُجْراً، وكان ذلك إِلى العبَّاس، وقيل:

هي السّدَانَة «٢» وَخِدْمَةِ البَيْت خَاصَّة، وكان ذلك في بني عَبْد الدَّار، وكان يتولاَّها عثمانُ بنُ طَلْحَة، وابنُ عمه شَيْبَةُ، وأقرَّها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لهما ثَانِيَ يَوْمِ الفتحِ، وقال: «خُذَاهَا خَالِدَةً تالدة

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: رَواهُ مُسْلِمٌ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَقالَ رَجُلٌ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ [الإسْلامِ إلّا] أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ الآَخَرُ: ما أُبالِيَ أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بِعْدَ [الإسْلامِ إلّا] أنْ أُعَمِّرَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وقالَ آَخَرُ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ، وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ  ، وهو يَوْمُ الجُمْعَةِ، ولَكِنِّي إذا صَلَّيْتُ الجُمْعَةَ، دَخَلْتُ فاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» والثّانِي: أنَّ العَبّاسَ بْنَ عَبَدِ المَطَّلِبِ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: لَئِنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونا بِالإسْلامِ والهِجْرَةِ والجِهادِ، لَقَدْ كُنّا نُعَمِّرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَسَقِيَ الحاجَّ ونَفُكُّ العانِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: عِمارَةُ بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، والقِيامُ عَلى السِّقايَةِ، خَيْرٌ مِمَّنْ آَمَنَ وجاهَدَ، وكانُوا يَفْتَخِرُونَ بِالحَرَمِ مِن أجْلِ أنَّهم أهْلُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّ عَلِيًّا والعَبّاسَ وطَلْحَةَ - يَعْنِي سادِنَ الكَعْبَةِ افْتَخَرُوا، فَقالَ طَلْحَةُ: أنا صاحِبُ البَيْتِ، بِيَدِي مِفْتاحُهُ، ولَوْ أشاءُ بِتُّ فِيهِ.

وقالَ العَبّاسُ: أنا صاحِبُ السِّقايَةِ، والقائِمُ عَلَيْها، ولَوْ أشاءُ بِتُّ في المَسْجِدِ.

وقالَ عَلَيٌّ: ما أدْرِي ما تَقُولُونَ، لَقَدْ صَلَّيْتُ سِتَّةَ أشْهُرٍ قَبْلَ النّاسِ، وأنا صاحِبُ الجِهادِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، والقُرَظِيُّ.

والخامِسُ: أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ قالَ العَبّاسُ: أنا أسْقِي الحاجَّ، وقالَ طَلْحَةُ: أنا صاحِبُ الكَعْبَةِ فَلا نُهاجِرُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

هَكَذا ذَكَرَ مُجاهِدٌ، وإنَّما الصَّوابُ عُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ، لِأنَّ طَلْحَةَ هَذا لَمْ يُسْلِمْ.

والسّادِسُ: أنَّ عَلِيًّا قالَ لَلْعَبّاسِ: ألا تَلْحَقُ بِالنَّبِيِّ  ؟

فَقالَ: ألَسْتُ في أفْضَلَ مِنَ الهِجْرَةِ، ألَسْتُ أسْقِيَ حاجَّ بَيْتِ اللَّهِ وأعْمُرَ المَسْجِدَ الحَرامَ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها، قالَهُ المُرَّةُ الهَمْدانِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآَيَةِ: أجَعَلْتُمْ أهْلَ سِقايَةِ الحاجِّ وأهْلَ عِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آَمَنَ بِاللَّهِ؟

فَحَذَفَ المُضافَ، وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ.

قالَ الحَسَنُ: كانَ يُنْبِذُ زَبِيبٌ، فَيَسْقُونَ الحاجَّ في المَوْسِمِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عِمارَةُ المَسْجِدِ: تَجْمِيرُهُ، وتَخْلِيقُهُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ أفْعالَهم تِلْكَ لا تَنْفَعُهم مَعَ الشِّرْكِ، وسَمّاهم ظالِمِينَ لَشِرْكِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعْظَمُ دَرَجَةً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.

والمَعْنى: أعْظَمُ مِن غَيْرِهِمْ دَرَجَةً.

والفائِزُ: الَّذِي يَظْفَرُ بِأُمْنِيَّتِهِ مِنَ الخَيْرِ.

فَأمّا النَّعِيمُ، فَهو لِينُ العَيْشِ، والمُقِيمُ: الدّائِمُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ ﴾ ﴿ يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ ﴾ ﴿ خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أولِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ ﴾ لَمّا حَكَمَ اللهُ تَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِأنَّ الصِنْفَيْنِ لا يَسْتَوُونَ بَيَّنَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ الأخِيرَةِ، وأوضَحَهُ، فَعَدَّدَ الإيمانَ والهِجْرَةَ، والجِهادَ بِالمالِ والنَفْسِ، وحَكَمَ أنَّ أهْلَ هَذِهِ الخِصالِ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ، ثُمَّ حَكَمَ لَهم بِالفَوْزِ بِرَحْمَتِهِ، ورِضْوانِهِ، والفَوْزُ: بُلُوغُ البُغْيَةِ، إمّا في نَيْلِ رَغْبَةٍ، أو نَجاةٍ مِن مَهْلَكَةٍ، ويَنْظُرُ إلى مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الحَدِيثُ الَّذِي جاءَ "دَعُوا لِي أصْحابِي، فَلَوْ أنَّ أحَدَكم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ أصْحابَ هَذِهِ الخِصالِ عَلى سُيُوفِهِمُ انْبَنى الإسْلامُ، وهم رَدُّوا الناسَ إلى الشَرْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ آيَةُ وعْدٍ، وقِراءَةُ الناسِ: "يُبَشِّرُهُمْ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الشِينِ المُشَدَّدَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ،، وحُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ: "يَبْشُرُهُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ خَفِيفَةً، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى جابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أعْطَيْتُكم أفْضَلَ مِن هَذا، فَيَقُولُونَ: رَبَّنا أيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن هَذا؟

قالَ: رِضْوانِي"»، وفي البُخارِيِّ في كِتابِ السُنَّةِ مِنهُ: « "فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا"».

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَرِضْوانٌ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وعَمْرٌو: "وَرُضْوانٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِضَمِّ الراءِ والضادِ جَمِيعًا، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ ﴾ الآيَةُ.

ظاهِرُ هَذِهِ المُخاطَبَةِ أنَّها لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ كافَّةً، وهي باقِيَةُ الحُكْمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في الحَضِّ عَلى الهِجْرَةِ ورَفْضِ بِلادِ الكُفْرِ، فالمُخاطَبَةُ -عَلى هَذا- إنَّما هي لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا في مَكَّةَ وغَيْرِها مِن بِلادِ العَرَبِ، خُوطِبُوا بِألا يُوالُوا الآباءَ والإخْوَةَ فَيَكُونُونَ لَهم تَبَعًا في سُكْنى بِلادِ الكُفْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ الأبْناءَ في هَذِهِ الآيَةِ إذِ الأغْلَبُ مِنَ البَشَرِ أنَّ الأبْناءَ هُمُ التَبَعُ لِلْآباءِ.

و"الإخْوانُ" في هَذِهِ الآيَةِ جَمْعُ أخِ النَسَبِ، وكَذَلِكَ هي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أو بُيُوتِ إخْوانِكُمْ  ﴾ .

وَقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "أنِ اسْتَحَبُّوا" بِفَتْحِ الألِفِ مِن "أنْ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ "إنْ" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى الشَرْطِ، و"اسْتَحَبُّوا" مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى: فَضَّلُوا وآثَرُوا، ولِذَلِكَ تَعَدَّتْ بِـ "عَلى".

ثُمَّ حَكَمَ اللهُ تَعالى بِأنَّ مَن والاهم واتَّبَعَهم في أغْراضِهِمْ فَإنَّهُ ظالِمٌ، أيْ واضِعٌ لِلشَّيْءِ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، وهَذا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ لا ظُلْمُ الكُفْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بيان للدرجة العظيمة التي في قوله: ﴿ أعظم درجة عند الله ﴾ [التوبة: 20] فتلك الدرجة هي عناية الله تعالى بهم بإدخال المسرّة عليهم، وتحقيق فوزهم، وتعريفهم برضوانه عليهم، ورحمته بهم، وبما أعد لهم من النعيم الدائم.

ومجموع هذه الأمور لم يمنحه غيرهم من أهل السقاية والعمارة، الذين وإن صلحوا لأن ينالوا بعض هذه المزايا فهم لم ينالوا جميعها.

والتبشير: الإخبار بخير يحصل للمخبَر لم يكن عالماً به.

فإسناد التبشير إلى اسم الجلالة بصيغة المضارع، المفيد للتجدّد، مؤذن بتعاقب الخيرات عليهم، وتجدّد إدخال السرور بذلك لهم، لأنّ تجدّد التبشير يؤذن بأن المبشّر به شيء لم يكن معلوماً للمبشَّر (بفتح الشين) وإلاّ لكان الإخبار به تحصيلاً للحاصل.

وكون المسند إليه لفظ الربّ، دون غيره ممّا يدلّ على الخالق سبحانه، إيماء إلى الرحمة بهم والعناية: لأنّ معنى الربوبية يَرجع إلى تدبير المربوب والرفق به واللطف به، ولتحصل به الإضافة إلى ضميرهم إضافة تشريف.

وتقدّمت الرحمة في قوله: ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ [الفاتحة: 1].

والرضوان بكسر الراء وبضمها: الرضا الكامل الشديد، لأنّ هذه الصيغة تشعر بالمبالغة مثل الغُفران والشُكران والعِصيان.

والجنّات تقدّم الكلام عليها في ذكر الجنة في سورة البقرة، وجمعها باعتبار مراتبها وأنواعها وأنواععِ النعيم فيها.

والنعيم: ما به التذاذ النفس باللذات المحسوسة، وهو أخصّ من النِعمة، قال تعالى: ﴿ إن الأبرار لفي نعيم ﴾ [الإنفطار: 13] وقال: ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ [التكاثر: 8].

والمقيم المستمرّ، استعيرت الإقامة للدوام والاستمرار.

والتنكير في ﴿ برحمة، ورضوان، وجنات، ونعيم ﴾ للتعظيم، بقرينة المقام، وقرينة قوله ﴿ منه ﴾ وقرينة كون تلك مبشرّاً بها.

وجملة ﴿ إن الله عنده أجر عظيم ﴾ تذييل وتنويه بشأن المؤمنين المهاجرين المجاهدين لأنّ مضمون هذه الجملة يعمّ مضمون ما قبلها وغيرَه، وفي هذا التذييل إفادة أنّ ما ذكر من عظيم درجات المؤمنين المهاجرين المجاهدين هو بعض ما عند الله من الخيرات فيحصل من ذلك الترغيب في الازدياد من الأعمال الصالحة ليزدادوا رفعة عند ربّهم، كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه «ما عَلى من دُعي من جميع تلك الأبواب من ضَرورة».

والأجرُ: العوض المعطى على عمل، وتقدّم في قوله: ﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ في سورة العقود (5).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ يَعْنِي بِعِمارَتِهِ السِّدانَةَ والقِيامَ بِهِ.

﴿ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ لِأنَّ قُرَيْشًا فَضَّلَتْ ذَلِكَ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وأعْلَمَهم أنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ، وأنَّ ذَلِكَ مَعَ الكُفْرِ مُحْبَطٌ.

وَحَكى مُقاتِلٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وهو صاحِبُ السِّقايَةِ، وفي شَيْبَةَ بْنِ عُثْمانَ وهو صاحِبُ السِّدانَةِ وحاجِبُ الكَعْبَةِ أُسِرا يَوْمَ بَدْرٍ فَعُيِّرا بِالمَقامِ عَلى الكُفْرِ بِمَكَّةَ وأغْلَظَ لَهُما المُهاجِرُونَ، فَقالا نَحْنُ أفْضَلُ مِنكم أجْرًا نُعَمِّرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَحْجُبُ الكَعْبَةَ ونَسْقِي الحاجَّ فَنَزَلَ هَذا فِيهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن طلحة بن مصرف رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ يبشرهم ربهم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مساجد الله ﴾ أي ليس لهم ذلك بالحق والواجب، وإن كانوا قد عمروها تغليباً وظلماً، ومن قرأ مساجد بالجمع أراد جميع المساجد، ومن قرأ بالتوحيد أراد المسجد الحرام ﴿ شاهدين على أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ أي أن أحوالهم وأقوالهم تقتضي الإقرار بالكفر، وقيل: الإشارة إلى قولهم في التلبية: لا شريك لك إلا شريكاً هو لك ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ الآية: سببها أن قوماً من قريش افتخروا بسقاية الحاج، وبعمارة المسجد الحرام؛ فبين الله أن الجهاد أفضل من ذلك، ونزلت الآية في علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وطلحة بن شيبة افتخروا فقال طلحة أنا صاحب البيت وعندي مفاتحه.

وقال العباس: أنا صاحب السقاية، وقال علي: لقد أسلمت قبل الناس، وجاهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مسجد الله ﴾ ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون: على الجمع ﴿ يبشرهم ﴾ خفيفاً: حمزة ﴿ وعشيراتكم ﴾ على الجمع: أبو بكر وحماد وجبلة ﴿ وضاقت ﴾ ونحو ممالة: حمزة ﴿ رحبت ثم ﴾ مظهراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير وخلف ويعقوب وعاصم غير الأعشى.

الوقوف: ﴿ بالكفر ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ المهتدين ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه لئلا يشتبه بالوصف ﴿ وأنفسهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "الذين" ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ مقيم ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ على الإيمان ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ كثيرة ﴾ لا لعطف الظرف على الظرف ﴿ حنين ﴾ لا لأن "إذ" ظرف ﴿ نصركم ﴾ .

﴿ مدبرين ﴾ ه ج للآية والعطف.

﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ ج ﴿ إن شاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: إنه  بدأ السورة بذكر البراءة من المشركين وبالغ في إيجاب ذلك بتعداد فضائحهم وقبائحهم، ثم أراد يحكي شبهاتهم التي كانوا يحتجون في أن هذه البراءة غير جائزة مع الجواب عنها.

قال المفسرون: لما أسر العباس يوم بدر أقبل عليه المسلمون فعيروه بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ علي  له القول فقال العبّاس: ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا؟

فقال علي  ألكم محاسن؟

فقال: نعم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني فأنزل الله تعالى رداً عليهم ﴿ ما كان للمشركين ﴾ ما صح لهم وما استقام ﴿ أن يعمروا مسٰجد الله ﴾ يعني المسجد الحرام.

ومن قرأ على الجمع فإما أن يراد جميع المساجد فيشمل المسجد الحرام أيضاً الذي هو أشرفها وهذا آكد لأن طريقه طريق الكناية كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله كنت أنفي لقراءته القرآن من تصريحك بذلك، أو يراد المسجد الحرام وجمع لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها فعامره كعامر جميع المساجد، أو لأن بقعة منه مسجد.

قال الفراء: العرب قد تضع الواحد مكان الجمع كقولهم: فلان كثير الدرهم، وبالعكس كقولهم: فلان يجالس الملوك ولعله لم يجالس إلا ملكاً واحداً.

وعمارة المسجد إما لزومه وإما كثرة إتيانه للصلاة والاعتكاف، ولا شك أنه ليس للمشرك ذلك وإما مرمته وتعهده، وليس للمشرك هذا أيضاً لأنه يجري مجرى الإنعام على المسلمين ولا ينبغي أن يكون للكافر منه على أهل الإسلام، ولأن دخوله المسجد يؤدي إلى تلوث المسجد إما لكونه نجساً في الحكم، وإما لأنه قلما يحترز من النجاسات.

وما روي أنه صلى الله عليه وآله أنزل وفد ثقيف في المسجد وهم كفار وشدّ ثمامة بن أثال الحنفي على سارية من سواري المسجد محمول على تعظيم شأنه  كأنه أراد أن يكون ذلك بمحضر منه وهو في المسجد.

وقوله ﴿ شاهدين على أنفسهم ﴾ حال من الواو في ﴿ يعمروا ﴾ والمعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة معابد الله مع الكفر به.

وفي تفسير هذه الشهادة أقوال أصحها أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان وتكذيب النبي والقرآن ولهذا قال السدي: هي أن النصراني إذا قيل له ما أنت؟

قال: نصراني.

واليهودي يقول: يهودي، وعابد الوثن يقول: أنا عابد الوثن.

وقيل: هي قولهم في طوافهم "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك".

وعن ابن عباس أنه قال: المراد أنهم يشهدون على محمد بالكفر.

وإنما جاز هذا التفسير لقوله  ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم  ﴾ ثم بيّن  ما هو الحق في هذا الباب فقال ﴿ أولئك حبطت أعمالهم ﴾ الصادرة عنهم كإكرام الوالدين وبناء الربط وإطعام الجائع لأنه لا يفيد مع الكفر طاعة لأن الكفر يوجب عقاب الأبد ولهذا قال ﴿ وفي النار هم خالدون ﴾ ولإفادة هذا التركيب الحصر احتجت الأشاعرة به على خلاص صاحب الكبيرة.

ثم وصف من له استئهال عمارة المسجد فقال ﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ لأن المرء ما لم يعرف المبدأ والمعاد لا يصح منه التوجه إليه.

وإنما طوى ذكر الرسول تنبيهاً على أنه واسطة والتوجه الحقيقي من الله وإلى الله ولهذا ورد في الحديث: "المصلي يناجي ربه" .

وقيل: إن المشركين كانوا يقولون إن محمداً ادّعى رسالة الله طلباً للرياسة والملك فلنفي هذه التهمة ترك ذكره  .

وقيل: دل عليه بقوله ﴿ وأقام الصلاة وآتى الزكاة ﴾ لأنهما معلومتان من أفعاله  ولما في الصلاة من التشهد وقبلها الأذان والإقامة.

ثم إن إقامة الصلاة لا ريب أن فيها عمارة المسجد والحضور فيه، وأما إيتاء الزكاة فإنما كان سبباً للعمارة لأنه يحضر المسجد طوائف الفقراء والمساكين لأخذ الزكاة، ولأن إيتاء الزكاة واجب وبناء المسجد وإصلاحه نفل والإنسان ما لم يفرغ عن الواجب لم يشتغل بالنافلة، فلو لم يكن مؤدياً للزكاة فالظاهر أنه لم يشتغل بعمارة المسجد.

ثم قال ﴿ ولم يخش إلا الله ﴾ ليعلم أنه لو أتى المسجد وبناه رياء وسمعة لم يكن عامراً له.

فعلى المؤمن أن يختار في جميع الأحوال رضوان الله على غيره فإن ذلك لو ضره في العاجل فسينفعه في الآجل وفي إدخال كلمة "إنما" في صدر الآية تنبيه على أن من لم يكن موصوفاً بالصفات المذكورة لم يكن من أهل عمارة المسجد، وأن المسجد يجب صونه عن غير العبادة.

فقد روي عن النبي  أنه قال: "يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقاً ذكرهم الدنيا لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة" وعنه  : "الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش" وقال صلى الله عليه وآله: قال الله  : "إن بيوتي في أرضي المساجد وإن زوّاري فيها عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحقّ على المزور أن يكرم زائره" ومن عمارة المساجد تعظيمها والدرس فيها وقمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح.

فعن أنس عن النبي  : "من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه" .

وفي قوله ﴿ فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ﴾ حسم لأطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم فإن الموصوفين بالصفات المذكورة إذا كان اهتداؤهم المستعقب لصلاح حالهم في الدارين دائراً بين عسى ولعل فما ظنك باهتداء المشركين ومغبتهم؟

وفيه أن المؤمن يجب أن لا يغتر بالله عزّ وجلّ.

هذا وقد مر أن بعض الأئمة ذهبوا إلى أن "عسى" من الله الكريم واجب.

وقال بعضهم: إن الرجاء راجع إلى العباد.

ثم إنه قال ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ ومعناه هبوا أن عمارة المسجد وسقي الحجيج يوجب لكم نوعاً من الفضيلة إلا أن هذه الأعمال في مقابلة الإيمان بالله والجهاد شيء نزر.

قال المفسرون: إنها نزلت في مناظرة جرت بين فريقين إلا أنهم اختلفوا فقيل: "كافر" و "مؤمن" لقوله ﴿ كمن آمن ﴾ وقصة ما مر أن العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد فلقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج.

وروي أن المشركين قالوا لليهود: نحن سقاة الحجيج وعمار المسجد الحرام أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟

فقالت اليهود لهم: أنتم أفضل.

وقيل: إن كلا الفريقين مؤمن لقوله ﴿ أولئك أعظم درجة ﴾ وهذا يقتضي أن يكون للمفضول أيضاً درجة.

وقصته ما روى عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله  فقال رجل: لا أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أسقي الحاج.

وقال الآخر: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أعمر المسجد الحرام.

وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم: فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله  وذلك يوم الجمعة ولكني إذا صليت دخلت فاستفتيت رسول الله  فيما اختلفتم فيه ففعل فأنزل الله الآية.

ويروى عن الحسن والشعبي أن طلحة قال: أنا صاحب البيت بيدي مفاتحه ولو أشاء بت فيه.

وقال العباس: وذلك بعد إسلامه أنه صاحب السقاية والقائم عليها.

وقال عليّ  : ما أدري ما تقولان لقد صليت ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد فنزلت.

وعن ابن سيرين: قال عليّ  للعباس بعد إن كان أسلم: ألا تهاجر ألا تلحق بالنبي  ؟

فقال: ألست في أفضل من الهجرة، ألست أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام؟

فنزلت هذه الآية.

فقال العباس: ما أراني إلا ترك سقايتنا.

فقال النبي  : "أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيراً" .

والسقاية والعمارة مصدران من سقي وعمر، ولا بد من تقدير مضاف أي أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن، أو أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كخصال من آمن؟

ثم كان لسائل أن يسأل ما بال أحد الفريقين لا يشبه بالآخر فلا جرم قال مستأنفاً ﴿ لا يستوون عند الله ﴾ ثم صرح بالمفضول فقال ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ أي المشركين ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ وأي ظلم أشنع من وضع أخس الموجودات وهو الأصنام مقام أشرفها وهو الله  .

وإنما لم يهدهم الله لعدم قابلية وقع في استعدادهم الفطري.

وذلك لكونهم مظاهر القهر فافهم.

ثم صرح بالفريق الفاضل فقال ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية.

ثم من قال إن الفريقين المتناظرين كافر ومؤمن أورد عليه أن قوله: ﴿ أعظم درجة ﴾ وجب أن يكون للمفضول أيضاً درجة ولكنه ليس للكافر درجة.

وأجيب بأن هذا وارد على حسب ما كانوا يقدرونه لأنفسهم من الدرجة والفضيلة نظيره قوله: ﴿ أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ .

أو المراد أنهم أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفاً بالهجرة ولا الجهاد وإن كان مؤمناً فضلاً عن الكافر.

أو المراد ترجيح الإيمان والهجرة والجهاد على السقاية والعمارة.

ولا شك أنهما من أعمال والخير وموجبان للثواب لولا الكفر.

وفي قوله: ﴿ عند الله ﴾ تشريف عظيم لقوله ﴿ ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ﴾ وكذا في قوله ﴿ وأولئك هم الفائزون ﴾ لدلالته على انحصار الفوز فيهم.

ثم فسر الفوز بقوله ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات ﴾ التنكير فيها يفيد أنها وراء وصف الواصف، قال المتكلمون: الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فالتبشير بالرحمة والرضوان إشارة إلى غاية التعظيم ونهاية الإجلال والجنات إشارة إلى حصول المنافع العظيمة.

وقوله ﴿ لهم فيها نعيم ﴾ إشارة إلى خلوص تلك المنافع عن شوائب الكدورات.

ثم عبر عن دوامها بثلاثة ألفاظ مؤكدات أولها ﴿ مقيم ﴾ وثانيها ﴿ خالدين ﴾ وثالثها ﴿ أبداً ﴾ وقال أهل التحقيق: الفرح بالنعمة قد يكون من حيث إنها نعمة وقد يكون من حيث إن المنعم خصه بها كالسلطان إذا أعطى بعض الحاضرين تفاحة مثلاً، ثم النعمة قد تكون حسية وقد تكون عقلية فقوله ﴿ يبشرهم ربهم ﴾ إشارة إلى أعلى المراتب وهو مقام العارفين الذين نظرهم على مجرد سماع البشارة لا على المبشر به.

وقوله ﴿ برحمة منه ورضوان ﴾ إشارة إلى المرتبة الوسطى وهم العاكفون على عتبة اللذات الروحانية العقلية.

وقوله ﴿ جنات ﴾ إلى آخره إشارة إلى المرتبة السفلى وهم الواقفون عند ساحات مواقع اللذات الحسيات.

وفي تخصيص الرب بالمقام إشارة إلى أن الذي رباكم في الدنيا بالنعم التي لا حد لها يبشركم بخيرات دائمة وسعادات باقية لا حصر لها.

ويجوز أن تكون الرحمة إشارة إلى رضا العبد بقضائه فيسهل عليه الغموم والآفات، والرضوان إشارة إلى رضاه عن العبد فيكون كقوله ﴿ ارجعي إلى ربك راضية مرضية  ﴾ ثم أكد المعاني المذكورة بقوله ﴿ الله عنده أجر عظيم ﴾ وفي تصدير الجملة الاسمية بأن وفي لفظ "عند" وتقديمه وتنكير "أجر" ووصفه بالعظم مبالغات لا تخفى.

قال الكلبي: لما أمر رسول الله  الناس بالهجرة إلى المدينة جعل الرجل يقول لأبيه ولأخيه ولقرابته إنا قد أمرنا بالهجرة فمنهم من يسرع إلى ذلك ويعجبه، ومنهم من تتعلق به زوجته وعياله وولده فيقولون: ننشدك الله أن لا تدعنا إلى غير شيء فنضيع فيرق فيجلس معهم ويدع فنزل فيهم ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ﴾ الآيتين.

وذكروا في وجه النظم أن هذه الآية جواب عن شبهة أخرى قالوها وهي أنه كيف يمكن دعوى البراءة من الكفار وبينهم وبين المسلمين قرابات ومواصلات ومعاملات؟

فذكر الله  أن الانقطاع عن الآباء والأبناء والإخوان واجب بسبب الكفر.

ومعنى استحبوا اختاروا وهو في الأصل طلب المحبة.

ثم إن النهي كان يحتمل أن يكون نهي تنزيه لا تحريم فلإزالة الوهم ختم الآية بقوله ﴿ ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ﴾ قال ابن عباس: يريد أنه يكون مشركاً مثلهم لأن الرضا بالشرك شرك.

وعن النبي  : "لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحب في الله ويبغض في الله حتى يحب في الله أبعد الناس ويبغض في الله أقرب الناس" .

وعن ابن عباس: هي في المهاجرين خاصة كان قبل فتح مكة من آمن لم يتم إيمانه إلا بأن يهاجر ويصارم أقاربه الكفرة ويقطع موالاتهم..

فقالوا: يا رسول الله إن نحن اعتزلنا من يخالفنا في الدين قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا وذهبت تجارتنا وهلكت أموالنا وخربت ديارنا ضائعين فنزلت ﴿ قل إن كان آباؤكم ﴾ الآية.

فهاجروا فجعل الرجل يأتيه ابنه وأبوه وأخوه أو بعض أقاربه فلا يلتفت إليه ولا ينزله ولا ينفق عليه ثم رخص لهم بعد ذلك.

وقيل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا ولحقوا بمكة فنهى الله عزّ وجلّ عن موالاتهم.

قال الواحدي: عشيرة الرجل أهله الأدنون وهم الذين يعاشرونه.

ومن قرأ على الوحدة فلأن العشيرة اسم جمع.

ومن قرأ على الجمع فلأن كل واحد من المخاطبين له عشيرة.

قال الأخفش: لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات وإنما يجمعونها على عشائر القرآن حجة عليه.

والاقتراب الاكتساب والتركيب يدور على الدنو والكاسب يدني الشيء من نفسه ويدخله تحت ملكه.

والترتيب المذكور في الآية غاية الحسن لأن أعظم الأسباب الداعية إلى المخالطة القرابة القريبة ثم البعيدة، ثم إنه يتوسل بتلك المخالطة إلى إبقاء الأموال المكتسبة ثم إلى التجارات المثمرة، وفي آخر المراتب الرغبة في الأوطان التي بنيت للسكنى، فبيّن  أنه يجب تحمل هذه المضار في الدنيا ليبقى الدين سليماً، وذكر أنه إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية أولى عندهم من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله ﴿ فتربصوا ﴾ انتظروا بما تحبون ﴿ حتى يأتي الله بأمره ﴾ عن الحسن هو عقوبة عاجلة أو آجلة.

وقيل: يعني القتال.

وعن ابن عباس: هو فتح مكة وفيه بعد لما روي أن هذه السورة نزلت بعد فتح مكة ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الخارجين عن طاعة الله إلى معصيته ولا يخفى ما فيه من التهديد.

ثم لما أوجب ترك مصالح الدنيا لأجل الدين أراد أن يبين أن كل من أعرض عن الدنيا لأجل مصالح دينه فإن الله  يراعي مصالح دنياه فيفوز بسعادة الدارين وضرب لنا مثلاً فقال ﴿ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ﴾ قال الواحدي: النصر المعونة على الأعداء خاصة، والمواطن جمع موطن وهو كل موضع أقام به الإنسان لأمر.

ومواطن الحرب مقاماتها ومواقعها.

وامتناعها من الصرف لأنه على صيغة منتهى الجموع ولا هاء كمساجد.

والمواطن الكثيرة غزوات الرسول  وهي على ما في الصحاح تسع عشرة منها: غزوة بدر وقريظة والنضير وأحد وغزوة الخندق وذات الرقاع وغزوة بني المصطلق وغزوة أنمار وغزوة ذي قرد وخيبر والحديبية والفتح.

﴿ ويوم حنين ﴾ أي يوم حنين.

واستبعد صاحب الكشاف عطف الزمان على المكان فقال: معناه في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين، وجوّز أن يراد بالموطن الوقت كمقتل الحسين  قال علي: أن الواجب أن يكون يوم ﴿ حنين ﴾ منصوباً بالفعل مضمر لا بهذا الظاهر أي ونصركم يوم حنين لأن قوله ﴿ إذ أعجبتكم كثرتكم ﴾ بدل من ﴿ يوم حنين ﴾ فلو جعلت ناصبه هذا الظاهر لم يصح لأن كثرتهم لم تعجبهم في جميع المواطن ولم يكونوا كثيراً في جميعها، وجوّز أن يكون "إذ" منصوباً بإضمار "اذكر".

قلت: ولعله لا حاجة إلى هذه التكلفات فلا استبعاد في عطف الزمان والمكان، وما جعل بدلاً عن الزمان لا يلزم أن يكون بدلاً عن المكان حتى يكون الفعل الأوّل مقيداً بهما جميعاً.

وحنين وداً بين مكة والطائف.

قال المفسرون: لما فتح رسول الله  مكة وقد بقيت أيام من شهر رمضان خرج متوجهاً إلى حنين لقتال هوازن وثقيف.

واختلفوا في عدد عسكر رسول الله  حينئذ فعن عطاء عن ابن عباس كانوا ستة عشر ألفاً.

وقال قتادة: كانوا اثني عشر ألفاً وعشرة الآف من الذين حضروا مكة وألفان من الطلقاء الأسارى الذين أعتقهم رسول الله  .

وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف.

وبالجملة كانوا عدداً كثيرين وكانت هوازن وثقيف أربعة آلاف، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة.

فهذه الكلمة ساءت رسول الله  وهي المراد من قوله ﴿ إذ أعجبتكم ﴾ وقيل: قالها أبو بكر.

وقيل: رسول الله  وهو بعيد لأنه كان في جميع الأحوال متوكلاً على الله منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها.

ثم قال ﴿ فلم تغن عنكم شيئاً ﴾ والإغناء إعطاء ما يدفع الحاجة أي لم تعطكم الكثرة شيئاً يدفع حاجتكم ولم تفدكم ﴿ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ﴾ "ما" مصدرية والباء بمعنى "مع" والرحب السعة والجار والمجرور في موضع الحال أي متلبسة برحبها كقولك: دخلت عليه بثياب السفر، والمعنى أنكم لشدة ما لحقكم من الرعب لم تجدوا في الأرض ذات الطول والعرض موضعاً يصلح لهربكم إليه وكأنها ضاقت عليكم ﴿ ثم وليتم مدبرين ﴾ أي انهزمتم انهزاماً.

قال البراء بن عازب: كانت هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا وأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله  ولم يبق معه إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحرث، والذي لا إله إلا الله ما ولى رسول الله  دبره قط، ولقد رأيته وأبو سفيان أخذ بالركاب والعباس آخذ بلجام الدابة وهو يقول: أنا النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب *** وطفق يركض بغلته نحو الكفار لا يبالي وكانت بغلته شهباء ثم قال للعباس: ناد المهاجرين والأنصار وكان العباس رجلاً صيتاً فنادى يا أصحاب الشجرة فرجعوا ونزلت الملائكة عليهم ثياب بيض وهم على خيول بلق، وأخذ رسول الله  بيده كفاً من الحصباء فرماهم بها وقال: شاهت الوجوه، فما زال جدهم مدبراً وحدهم كليلاً ولم يبق منهم أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب فانهزموا وذلك قوله  ﴿ ثم أنزل الله سكينته ﴾ رحمته التي سكنوا بها وآمنوا ﴿ على رسوله وعلى المؤمنين ﴾ الذين كانوا انهزموا وعلى الذين ثبتوا مع رسول الله  حين وقع الهرب.

﴿ وأنزل الله جنوداً لم تروها ﴾ يعني الملائكة ستة عشر ألفاً أو ثمانية آلاف أو خمسة آلاف على اختلاف الروايات.

وعن سعيد بن المسيب قال: حدّثني رجل كان من المشركين يوم حنين: قال لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم فلما انتهينا إلى صاحب البلغة الشهباء تلقانا رجال بيض الوجوه حسان فقالوا: شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا وركبوا أكتافنا.

واختلفوا في قتال الملائكة فقيل: قاتلوا.

وقيل: ما قاتلوا إلا يوم بدر وإنما نزلوا في هذا اليوم لتكثير السواد ولإلقاء الخواطر الحسنة في قلوب المؤمنين.

ثم قال ﴿ وعذب الذين كفروا ﴾ أي بالقتل والأسر وأخذ الأموال وسبي الذراري.

واحتجت الأشاعرة بإنزال السكينة وهي داعية السكون والثبات وبقوله ﴿ وعذب ﴾ على أن الدواعي والأفعال كلها بخلق الله  .

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وذلك جزاء الكافرين ﴾ واعلم أن الحنفية تمسكوا في مسألة الجلد مع التغريب بقوله  ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا  ﴾ قالوا الفاء للجزاء اسم للكافي وكون الجلد كافياً يمنع أن يكون غيره مشروعاً معه.

وأجابت الشافعية بأنه قال  في هذه الآية ﴿ ذلك ﴾ أي الأخذ والأسر ﴿ جزاء الكافرين ﴾ سمي العذاب العاجل جزاءً مع أنه غير كافٍ لأن العذاب الآجل باقٍ.

أما قوله ﴿ ثم يتوب الله من بعد ذلك ﴾ أي يسلم ناس منهم.

"روي أن ناساً منهم جاؤا تائبين فأسلموا وقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبرهم وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا.

قيل سبي يومئذ ستة آلاف نفس وأخذ من الإبل والغنم ما لا يحصى.فقال: إن عندي ما ترون العساكر الفقراء وإن خير القول أصدقه، اختاروا وإما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم.

قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً.

فقام رسول الله  فقال: إن هؤلاء جاؤا مسلمين وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئاً.

فمن كان بيده شيء وطابت نفسه أن يرده فشأنه ومن لا فليعطنا وليكن قرضاً علينا حتى نصيب شيئاً فنعطيه مكانه.

قالوا: رضينا وسلمنا فقال: إني لا أدري لعل فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا.

فرفعت إليه  العرفاء أن قد رضوا" .

ثم إنه  أجاب عن شبهة أخرى لهم وذلك أن علياً  حين قرأ عليهم براءة فنبذ إليهم عهدهم قال أناس: يا أهل مكة ستعلمون ما تلقونه من الشدة لانقطاع السبل وفقد الحمولات فقال  ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ﴾ قال في الكشاف: هو مصدر كالقذر ومعناه ذوو ونجس.

وقال الليث: إنه صفة يستوي فيه الواحد وغيره: رجل نجس وقوم نجس وامرأة نجس.

قلت ويجوز أن يجعل المصدر نغتاً للمبالغة في الوصف.

واختلف في تفسير كون المشرك نجساً فعن ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير.

وعن الحسن من صافح مشركاً توضأ وهو قول الهادي من أئمة الزيدية.

وأما الفقهاء فقد اتفقوا على طهارة أبدانهم واحتج القاضي على ذلك بما روي أنه  شرب من أوانيهم وبأنه لو كان نجس العين لما تبدلت النجاسة بسبب الإسلام، وأوّلوا الآية بأن معناها أنهم لا يغتسلون عن الجنابة ولا يتوضؤون عن الحدث، أو أنهم بمنزلة الشيء النجس في وجوب الاجتناب والاحتراز عنهم، أو أن كفرهم الذي هو صفة لهم بمنزلة النجاسة الملتصقة بالشيء ﴿ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ وهي السنة التاسعة من الهجرة التي وقع النداء فيها بالبراءة من المشركين واختلفوا في هذا النهي فعن أبي حنيفة وأصحابه أن المراد أن لا يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلونه في الجاهلية، والدليل عليه قول علي  في النداء: ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك.

وقال الشافعي: المراد المنع من الدخول فيه وهو ظاهر النص.

وقاس مالك سائر المساجد على المسجد الحرام في المنع من الدخول فيه.

وقيل: المراد أن يمنعوا من تولي المسجد الحرام والقيام بمصالحه ويعزلوا عن ذلك.

وعن عطاء أن المراد بالمسجد الحرام والحرم وأن على المسلمين أن لا يمكنوهم من دخوله، ونهي المشركين أن يقربوهراجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم منه لقوله ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ أي فقراً بسبب منع المشركين وموضع التجارات ليس هو عين المسجد بل الحرم كله.

ومن قال إن المراد منعهم من الحج قال إنهم إذا لم يحضروا الموسم لم يحصل للمسلمين ما كان لهم في قدومهم عليهم من الأرفاق والمكاسب فلهذا خافوا الفقر، ثم وعدهم الله إزالة الفقر بقوله ﴿ فسوف يغنيكم الله من فضله ﴾ أي من تفضله بوجه آخر قال عكرمة: أنزل الله عليهم المطر فكثر خيرهم.

وعن الحسن: جعل الله لهم أخذ الجزية بدلاً عن ذلك.

وقيل:أغناهم من الفيء.

وعن مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعاء وجرش وحملوا الطعام إلى مكة فكان ذلك أعود عليهم.

واعلم أن هذا إخبار بالغيب وقد وقع فكان معجزاً.

ومعنى ﴿ إن شاء ﴾ تعليم وإرشاد وأن لا يغتر المسلمون بذلك فيتركوا التضرع إلى الله واللجأ إليه، وليعلم أن حصول ذلك لا يكون في كل الأوقات لأغراض ومقاصد لا يعلمها إلا ضابط الأمور ورابط الأسباب، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن الله عليم ﴾ أي بأحوالكم ﴿ حكيم ﴾ لا يعطي ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب.

التأويل: ما كان لمشركي النفوس الأمارة ﴿ أن يعمروا مساجد الله ﴾ وهي القلوب وهم مصرون على ما جبلوا عليه من التمرد وتعبد الهوى.

﴿ حبط أعمالهم ﴾ التي صدرت عنهم رياء وسمعة ﴿ إنما يعمر ﴾ القلوب ﴿ من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ صدق بأن المقصود والمعبود هو الله، وعمل لنيل السعادات الأخروية وأدام المناجاة مع الله بصدق الطلب، وزكى نفسه عن الأخلاق الذميمة ولم يخف فوات الخطوط الدنيوية وإنما يخاف فوات الحقوق الإلهية.

﴿ سقاية الحاج ﴾ خدمة هذه الطائفة للأغراض الفاسدة ﴿ وعمارة المسجد الحرام ﴾ الأعمال الموجبة لعمارة القلوب إذا كانت مشوبة بالرياء والهوى ﴿ لا يستوون عند الله ﴾ الطالبون والبطالون ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الذين يضعون الأعمال الصالحة في غير موضعها ﴿ الذين آمنوا ﴾ أي القلوب المؤمنة ﴿ وهاجروا ﴾ أي الأرواح المهاجرة إلى القوالب ﴿ وجاهدوا في سبيل الله ﴾ الجهاد الأكبر ﴿ بأموالهم وأنفسهم ﴾ ببذل الموجود والوجود جميعاً ﴿ يبشرهم ربهم ﴾ بعد الخلاص عن حبس الوجود بتجلي صفات لطفه وجنات الشواهد والكشوف ﴿ إن الله عنده أجر عظيم ﴾ أي من وصل إلى مقام العندية فالله يعظم أجره ﴿ لا تتخذوا آباءكم ﴾ الآيتان.

فيهما إشارة إلى أن آثر محبة المخلوق على محبة الخالق فقد أبطل الاستعداد الفطري لقبول الفيض الإلهي.

﴿ ويوم حنين ﴾ أي حين حنت قلوبكم شوقاً إلى لقاء ربها وحسبتم أنكم تبلغونه بكثرة الطاعات، وضاقت عليكم أرض الوجود ثم أعرضتم عن الطلب إذ احتجبتم بحجب العجب مدبرين إلى عالم الطبيعة الحيوانية ﴿ ثم أنزل الله سكينته ﴾ هي واردات ترد على الأرواح والقلوب فتسكن إلى ربها على رسول الروح وعلى القلوب المؤمنة ﴿ وأنزل جنوداً ﴾ من المواهب الربانية وعذب النفوس المتمردة باستعمالها في أحكام الشريعة وآداب الطريقة ﴿ ذلك جزاء الكافرين ﴾ أي علاج النفوس المتمردة ثم يتوب الله من بعد ذلكالعلاج بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ، ﴿ إنما المشركون ﴾ النفوس العابدة للدنيا والشيطان والهوى ﴿ فلا يقربوا ﴾ القلب ﴿ بعد عامهم هذا ﴾ وهو حالة البلوغ وجريان قلم التكليف على الإنسان، نهى القلوب حينئذ عن اتباع النفوس وأمرها بقتالها ومنعها عن طوافها لئلا تنجس كعبة القلب بنجاسة شرك النفس وأوصافها الذميمة ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ حظوظاً يستلذ بها عند اتباع النفس ﴿ فسوف يغنيكم الله ﴾ بعد انقطاع تصرفات النفس عن القلب بالواردات الربانية والكشوف الروحانية ﴿ إن الله عليم ﴾ بمستحقي فضله ﴿ حكيم ﴾ فيما دبر من قتال النفوس.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .

في الآية إضمار فعل أو فاعل لكي تصح المقابلة؛ لأنه إنما يقابل فعل بفعل، أو فاعل بفاعل، لا يقابل فعل بفاعل، ولا فاعل بفعل، فهاهنا ذكر السقاية وعمارة المسجد مقابل من آمن بالله، فهو - والله أعلم -: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر؟!

أو أن يقال: أجعلتم القائم بإصلاح سقاية الحاج وعامر المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر؟!

ليكون مقابلة شخس بشخص، أو فعل بفعل.

ثم لا يصح أن يجمع بين الكافر والمؤمن، فيقال: لا يستويان عند الله، وإن كان الكافر قد أتى بالمحاسن، إلا أن يقال: ليس من فعل محاسن في حال كفره ثم آمن من بعده كمن [آمن و] فعل محاسن وهو مؤمن، هذا يجوز أن يجمع فيقال: لا يستوون عند الله، وأما الكافر الذي مات على الكفر وإن عمل خيرات، والمؤمن الذي عمل الصالحات فمات على ذلك، فيجمع فيقال: لا يستويان فلا.

أو أن يقابل بالجهاد الذي ذكر: لا يستوي من بذل نفسه للقتل والتلف كمن سقى الحاج وعمر المسجد الحرام ولم يبذل نفسه لذلك؛ فأما أن يقال: لا يستوي الكافر والمؤمن، فذلك محتمل؛ لأنه إنما يقابل الشيء بالشيء إذا قرب بعضه من بعض، وأما عند البعد منه فلا يقال ولا يقابل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

ما داموا في ظلمهم، وما داموا اختاروا الظلم، لا يهديهم وقت اختيارهم الظلم، أو لقوم مخصوصين، وقد ذكرنا معناه في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ قوله: ﴿ آمَنُواْ ﴾ ، أي: صدقوا رسول الله في جميع ما يخبر عن الله أنه صادق، وفي جميع ما دعا إليه وأمرهم به ونهاهم عنه أنه محق، وإلا كانوا مؤمنين بالله؛ كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ كانوا مؤمنين بالله، لكنهم يكذبون الرسل ورسالتهم.

أي: فارقوا آباءهم وإخوانهم وعشيرتهم وأموالهم ومنازلهم وبلدهم، وهجروا جميع ما تحبه أنفسهم وتهواه، وتميل إليه القلوب مما ذكر في الآية التي تتلو هذه الآية، وفارقوا ذلك الكل؛ إشفاقاً على دينهم؛ ليسلم ما لو أعطوا قبل الإسلام الدنيا وما فيها مما أوعدوا بكل وعيد وخوف، ما فارقوا آباءهم وإخوانهم وعشائرهم وأولادهم الذين ذكر في الآية، ثم إذا أسلموا فارقوهم وأجابوا رسول الله في ذلك ابتغاء مرضاة الله، وطلباً لرضوانه؛ ليعلم عظيم قدر الدين في قلوبهم، وخطير منزلته عندهم؛ ليعلم أن محن أصحاب رسول الله  أعظم وأشدّ من محننا؛ لأن محنهم كانت على خلاف عادتهم وخلاف ما طبعوا [عليه]؛ لأن الإنسان مطبوع على حب ما ذكرنا، مجبول عليه، فهم مع ذلك تركوا وفارقوا ذلك، وتحملوا كراهة ذلك؛ ابتغاء مرضاة ربهم.

وأما محننا: فإنها على سبق من العادة، فهي أهون وأيسر.

وقوله: ﴿ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾ .

أي: بذلوا لله ألذ الأشياء وأحبها وهي الأموال والأنفس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: من صدقوا بتوحيد الله، وهاجروا إلى المدينة، وجاهدوا العدو بأموالهم وأنفسهم - أعظم درجة عند الله من الذين افتخروا بعمران البيت وسقاية الحاج وهم كفار.

وكذلك قالوا في قوله: ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ولكن الوجه في ذلك عندنا ومعنى المقابلة: أولئك الذين ذكر أعظم درجة عند الله من الذين أسلموا [من بعد ولحقوا].

وقوله: ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ ﴾ .

الفوز: هو الظفر في اللغة، أي: أولئك هم الظافرون بنعيم الله وكرامته، والناجون من عذاب الله ونقمته ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ﴾ : بالنصر لهم في الدنيا، والظفر لهم على عدوهم؛ كقوله: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ  ﴾ إلى آخر ما ذكر، كله إنما كان برحمته.

ويحتمل [رحمة منه]: الثواب لهم في الآخرة والكرامة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرِضْوَانٍ ﴾ .

أي: يبشرهم - أيضاً - أن ربكم عنكم راض.

﴿ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ ﴾ .

أي: يبشرهم بجنات لهم فيها نعيم مقيم دائم، وكرامة ﴿ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ قال الحسن: ما سمى الله عظيماً فهو عظيم لا تدرك عظمته.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ماكثين في تلك الجنان مُكْثًا لا نهاية له، ثوابًا لهم على أعمالهم الصالحة التي كانوا يعملونها في الدنيا، إن الله عنده ثواب عظيم لمن امتثل أوامره، واجتنب نواهيه مخلصًا له الدين.

<div class="verse-tafsir" id="91.veNB6"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله