الآية ٢٦ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٢٦ من سورة التوبة

ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًۭا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٢٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 86 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٦ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٦ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا قال تعالى : ( ثم أنزل الله سكينته على رسوله ) أي : طمأنينته وثباته على رسوله ، ( وعلى المؤمنين ) أي : الذين معه ، ( وأنزل جنودا لم تروها ) وهم الملائكة ، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير : [ حدثنا القاسم قال ] حدثني الحسن بن عرفة قال : حدثني المعتمر بن سليمان ، عن عوف - هو ابن أبي جميلة الأعرابي - قال : سمعت عبد الرحمن مولى ابن برثن ، حدثني رجل كان مع المشركين يوم حنين قال : لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين لم يقوموا لنا حلب شاة - قال : فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم في آثارهم ، حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء ، فإذا هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : فتلقانا عنده رجال بيض حسان الوجوه ، فقالوا لنا : شاهت الوجوه ، ارجعوا .

قال : فانهزمنا ، وركبوا أكتافنا ، فكانت إياها .

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثني محمد بن أحمد بن بالويه ، حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي حدثنا عفان بن مسلم ، حدثنا عبد الواحد بن زياد ، حدثنا الحارث بن حصيرة ، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن ، عن أبيه قال : قال ابن مسعود - رضي الله عنه - : كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين ، فولى عنه الناس ، وبقيت معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار ، قدمنا ولم نولهم الدبر ، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة .

قال : ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلته يمضي قدما ، فحادت بغلته ، فمال عن السرج ، فقلت : ارتفع رفعك الله .

قال : ناولني كفا من التراب .

فناولته ، قال : فضرب به وجوههم ، فامتلأت أعينهم ترابا ، قال : أين المهاجرون والأنصار ؟

قلت : هم هناك .

قال : اهتف بهم .

فهتفت بهم ، فجاءوا وسيوفهم بأيمانهم ، كأنها الشهب ، وولى المشركون أدبارهم .

ورواه الإمام أحمد في مسنده عن عفان ، به نحوه .

وقال الوليد بن مسلم : حدثني عبد الله بن المبارك ، عن أبي بكر الهذلي ، عن عكرمة مولى ابن عباس ، عن شيبة بن عثمان قال : لما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين قد عري ، ذكرت أبي وعمي وقتل علي وحمزة إياهما ، فقلت : اليوم أدرك ثأري منه - قال : فذهبت لأجيئه عن يمينه ، فإذا أنا بالعباس بن عبد المطلب قائما ، عليه درع بيضاء كأنها فضة ، يكشف عنها العجاج ، فقلت : عمه ولن يخذله - قال : فجئته عن يساره ، فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، فقلت : ابن عمه ولن يخذله .

فجئته من خلفه ، فلم يبق إلا أن أسوره سورة بالسيف ، إذ رفع لي شواظ من نار بيني وبينه كأنه برق ، فخفت أن تمحشني ، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى ، فالتفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال : يا شيب ، يا شيب ادن مني اللهم أذهب عنه الشيطان .

قال : فرفعت إليه بصري ، ولهو أحب إلي من سمعي وبصري ، فقال : يا شيب قاتل الكفار .

رواه البيهقي من حديث الوليد ، فذكره ثم روى من حديث أيوب بن جابر ، عن صدقة بن سعيد ، عن مصعب بن شيبة عن أبيه قال : خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين ، والله ما أخرجني إسلام ولا معرفة به ، ولكني أبيت أن تظهر هوازن على قريش ، فقلت وأنا واقف معه : يا رسول الله ، إني أرى خيلا بلقا ، فقال : يا شيبة ، إنه لا يراها إلا كافر .

فضرب بيده في صدري ، ثم قال : اللهم اهد شيبة ، ثم ضربها الثانية ، ثم قال : اللهم اهد شيبة ، ثم ضربها الثالثة ثم قال : اللهم اهد شيبة .

قال : فوالله ما رفع يده عن صدري في الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله أحب إلي منه ، وذكر تمام الحديث في التقاء الناس وانهزام المسلمين ونداء العباس واستنصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى هزم الله المشر .

قال محمد بن إسحاق : حدثني والدي إسحاق بن يسار ، عمن حدثه ، عن جبير بن مطعم - رضي الله عنه - قال : إنا لمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين ، والناس يقتتلون ، إذ نظرت إلى مثل البجاد الأسود يهوي من السماء ، حتى وقع بيننا وبين القوم ، فإذا نمل منثور قد ملأ الوادي ، فلم يكن إلا هزيمة القوم ، فما كنا نشك أنها الملائكة .

وقال سعيد بن السائب بن يسار ، عن أبيه قال : سمعت يزيد بن عامر السوائي - وكان شهد حنينا مع المشركين ثم أسلم بعد - فكنا نسأله عن الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين ، فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطست فيطن ، فيقول : كنا نجد في أجوافنا مثل هذا .

وقد تقدم له شاهد من حديث يزيد بن أبي أسيد فالله أعلم .

وفي صحيح مسلم ، عن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق أنبأنا معمر ، عن همام قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نصرت بالرعب ، وأوتيت جوامع الكلم .

ولهذا قال تعالى : ( ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم من بعد ما ضاقت عليكم الأرض بما رحبت، وتوليتكم الأعداءَ أدباركم, كشف الله نازل البلاء عنكم, بإنـزاله السكينة = وهي الأمنة والطمأنينة = عليكم.

* * * = وقد بينا أنها " فعيلة "، من " السكون "، فيما مضى من كتابنا هذا قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(46) * * * =(وأنـزل جنودًا لم تروها)، وهي الملائكة التي ذكرتُ في الأخبار التي قد مضى ذكرها =(وعذب الذين كفروا)، يقول: وعذب الله الذين جحدوا وحدانيّته ورسالةَ رسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم، بالقتل وسَبْي الأهلين والذراريّ، وسلب الأموال والذلة =(وذلك جزاء الكافرين)، يقول: هذا الذي فعلنا بهم من القتل والسبي =(جزاء الكافرين), يقول: هو ثواب أهل جحود وحدانيته ورسالة رسوله.

(47) 16588- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وعذب الذين كفروا)، يقول: قتلهم بالسيف.

16589- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو داود الحفري, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد: (وعذب الذين كفروا)، قال: بالهزيمة والقتل.

16590- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين)، قال: من بَقي منهم.

------------------------ الهوامش: (46) انظر تفسير " السكينة " فيما سلف 3 : 66 ، 70 /5 : 326 - 330 .

(47) انظر تفسير " الجزاء " فيما سلف من فهارس اللغة ( جزى ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين أي أنزل عليهم ما يسكنهم ويذهب خوفهم ، حتى اجترءوا على قتال المشركين بعد أن ولوا .وأنزل جنودا لم تروها وهم الملائكة ، يقوون المؤمنين بما يلقون في قلوبهم من الخواطر والتثبيت ، ويضعفون الكافرين بالتجبين لهم من حيث لا يرونهم ومن غير قتال ؛ لأن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر .

وروي أن رجلا من بني نصر قال للمؤمنين بعد القتال : أين الخيل البلق ، والرجال الذين كانوا عليها بيض ، ما كنا فيهم إلا كهيئة الشامة ، وما كان قتلنا إلا بأيديهم .

أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : تلك الملائكة .وعذب الذين كفروا أي بأسيافكموذلك جزاء الكافرين

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏{‏ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ والسكينة ما يجعله اللّه في القلوب وقت القلاقل والزلازل والمفظعات، مما يثبتها، ويسكنها ويجعلها مطمئنة، وهي من نعم اللّه العظيمة على العباد‏.‏ ‏{‏وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا‏}‏ وهم الملائكة، أنزلهم اللّه معونة للمسلمين يوم حنين، يثبتونهم، ويبشرونهم بالنصر‏.‏ ‏{‏وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ بالهزيمة والقتل، واستيلاء المسلمين على نسائهم وأولادهم وأموالهم‏.‏ ‏{‏وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ‏}‏ يعذبهم اللّه في الدنيا، ثم يردهم في الآخرة إلى عذاب غليظ‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ثم أنزل الله ) بعد الهزيمة ، ( سكينته ) يعني : الأمنة والطمأنينة ، وهي فعيلة من السكون ( على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها ) يعني : الملائكة .

قيل : لا للقتال ، ولكن لتجبين الكفار وتشجيع المسلمين ، لأنه يروى : أن الملائكة لم يقاتلوا إلا يوم بدر ، ( وعذب الذين كفروا ) بالقتل والأسر وسبي العيال وسلب الأموال ، ( وذلك جزاء الكافرين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ثم أنزل الله سكينته» طمأنينته «على رسوله وعلى المؤمنين» فردوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما ناداهم العباس بإذنه وقاتلوا «وأنزل جنودا لم تروها» ملائكة «وعذَّب الذين كفروا» بالقتل والأسر «وذلك جزاء الكافرين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ثم أنزل الله الطمأنينة على رسوله وعلى المؤمنين فثبتوا، وأمدَّهم بجنود من الملائكة لم يروها، فنصرهم على عدوهم، وعذَّب الذين كفروا.

وتلك عقوبة الله للصادِّين عن دينه، المكذِّبين لرسوله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا الخوف الشديد الذى أصاب المؤمنين فى مبدأ لقائهم بأعدائهم فى غزوة حنين ، يجئ نصر الله الذى عبر عنه - سبحانه - بقوله : ( ثُمَّ أَنَزلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين ) .والسكينة : الطمأنينة والرحمة والأمنة وهى فعلية من السكون : وهو ثبوت الشيئ بعد التحرك .

أو من السكن وهو كل ما سكنت إليه واطمأنت به من أهل وغيرهم .أى : ثم أنزل الله - تعالى - على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى المؤمنين رحمته التى تسكن إليها القلوب ، وتطمئن بها اطمئناناً يستتبع النصر القريب .وقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى حاجة إلى هذه السكينة؛ لأنه مع شجاعته وثباته ووقوفه فى وجه الأعداء كالطود الأشم .

أصابه الحزن والآسى لفرار هذا العدد الكبير من أصحابه عنه .وكان المؤمنون الذين ثتبوا من حوله فى حاجة إلى هذه السكينة؛ ليزدادوا ثباتاً على ثباتهم ، وإيماناً على إيمانهم .وكان الذين فروا فى حاجة إلى السكينة ، ليعود إليهم ثباتهم ، فيقبلوا على قتالهم أعدائهم بعد أن دعاهم رسولهم - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك .وقوله : ( وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ) بيان لنعمة أخرى سوى إنزال السكينة .أى : وأنزل مع هذه السكينة جنوداً من الملائكة لم تروها بأبصاركم ، ولكنكم وجدتم آثرها فى قلوبكم ، حيث عاد إليكم ثباتكم وإقدامكم .وقوله : ( وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ ) ، بيان لنعمة ثالثة سوى السابقتين .أى : أنزل سكينته وأنزل جنوداً لم تروها ، وعذب الذين كفروا بأن سلطكم عليهم فقتلتم منهم من قتلتم ، وأسرتم من أسرتم .وقوله : ( وذلك جَزَآءُ الكافرين ) أى وذلك الذى نزل بهؤلاء الكافرين من التعذيب جزاء لهم على كفرهم ، وصدهم عن سبيل الله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى ذكر في الآية المتقدمة أنه يجب الإعراض عن مخالطة الآباء والأبناء والإخوان والعشائر وعن الأموال والتجارات والمساكن، رعاية لمصالح الدين، ولما علم الله تعالى أن هذا يشق جداً على النفوس والقلوب، ذكر ما يدل على أن من ترك الدنيا لأجل الدين فإنه يوصله إلى مطلوبه من الدنيا أيضاً، وضرب تعالى لهذا مثلاً، وذلك أن عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في واقعة حنين كانوا في غاية الكثرة والقوة، فلما أعجبوا بكثرتهم صاروا منهزمين، ثم في حال الانهزام لما تضرعوا إلى الله قواهم حتى هزموا عسكر الكفار، وذلك يدل على أن الإنسان متى اعتمد على الدنيا فاته الدين والدنيا، ومتى أطاع الله ورجح الدين على الدنيا آتاه الله الدين والدنيا على أحسن الوجوه، فكان ذكر هذا تسلية لأولئك الذين أمرهم الله بمقاطعة الآباء والأبناء والأموال والمساكن، لأجل مصلحة الدين وتصبيراً لهم عليها، ووعداً لهم على سبيل الرمز بأنهم إن فعلوا ذلك فالله تعالى يوصلهم إلى أقاربهم وأموالهم ومساكنهم على أحسن الوجوه، هذا تقرير النظم وهو في غاية الحسن.

المسألة الثانية: قال الواحدي: النصر: المعونة على العدو خاصة، والمواطن جمع موطن، وهو كل موضع أقام به الإنسان لأمر، فعلى هذا: مواطن الحرب مقاماتها مواقفها وامتناعها من الصرف لأنه جمع على صيغة لم يأت عليها واحد، والمواطن الكثيرة غزوات رسول الله.

ويقال: إنها ثمانون موطناً، فأعلمهم الله تعالى بأنه هو الذي نصر المؤمنين، ومن نصره الله فلا غالب له.

ثم قال: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾ أي واذكروا يوم حنين من جملة تلك المواطن حال ما أعجبتكم كثرتكم.

المسألة الثالثة: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وقد بقيت أيام من شهر رمضان، خرج متوجهاً إلى حنين لقتال هوازن وثقيف.

واختلفوا في عدد عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عطاء عن ابن عباس: كانوا ستة عشر ألفاً، وقال قتادة: كانوا اثني عشر ألفاً عشرة آلاف الذين حضروا مكة، وألفان من الطلقاء.

وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف وبالجملة فكانوا عدداً كثيرين، وكان هوازن وثقيف أربعة آلاف، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة، فهذه الكلمة ساءت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي المراد من قوله: ﴿ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾ وقيل إنه قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل قالها أبو بكر.

وإسناد هذه الكلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيد، لأنه كان في أكثر الأحوال متوكلاً على الله منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً ﴾ ومعنى الإغناء إعطاء ما يدفع الحاجة فقوله: ﴿ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً ﴾ أي لم تعطكم شيئاً يدفع حاجتكم والمقصود من هذا الكلام أن الله تعالى أعلمهم أنهم لا يغلبون بكثرتهم، وإنما يغلبون بنصر الله، فلما أعجبوا بكثرتهم صاروا منهزمين، وقوله: ﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ ﴾ يقال رحب يرحب رحباً ورحابة، فقوله: ﴿ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ أي برحبها، ومعناه مع رحبها فما هاهنا مع الفعل بمنزلة المصدر، والمعنى: أنكم لشدة ما لحقكم من الخوف ضاقت عليكم الأرض فلم تجدوا فيها موضعاً يصلح لفراركم عن عدوكم.

قال البراء بن عازب: كانت هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا وكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام وانكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبق معه إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحارث قال البراء: والذي إله إلا هو ما ولَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم دبره قط، قال: ورأيته وأبو سفيان آخذ بالركاب، والعباس آخذ بلجام دابته وهو يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» وطفق يركض بغلته نحو الكفار لا يبالي، وكانت بغلته شهباء، ثم قال للعباس: ناد المهاجرين والأنصار، وكان العباس رجلاً صيتاً، فجعل ينادي يا عباد الله يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، فجاء المسلمون حين سمعوا صوته عنقاً واحداً، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده كفاً من الحصى فرماهم بها وقال: «شاهت الوجوه» فما زال أمرهم مدبراً، وحدهم كليلاً حتى هزمهم الله تعالى، ولم يبق منهم يومئذ أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب، فذلك قوله: ﴿ ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما بين أن الكثرة لا تنفع، وأن الذي أوجب النصر ما كان إلا من الله ذكر أموراً ثلاثة: أحدها: إنزال السكينة والسكينة ما يسكن إليه القلب والنفس، ويوجب الأمنة والطمأنينة، وأظن وجه الاستعارة فيه أن الإنسان إذا خاف فر وفؤاده متحرك، وإذا أمن سكن وثبت، فلما كان الأمن موجباً للسكون جعل لفظ السكينة كناية عن الأمن.

واعلم أن قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين ﴾ يدل على أن الفعل موقوف على حصول الداعي، ويدل على أن حصول الداعي ليس إلا من قبل الله تعالى.

أما بيان الأول: فهو أن حال انهزام القوم لم تحصل داعية السكون والثبات في قلوبهم، فلا جرم لم يحصل السكون والثبات، بل فر القوم وانهزموا ولما حصلت السكينة التي هي عبارة عن داعية السكون والثبات رجعوا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وثبتوا عنده وسكنوا فدل هذا على أن حصول الفعل موقوف على حصول الداعية.

وأما بيان الثاني: وهو أن حصول تلك الداعية من الله تعالى فهو صريح.

قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ ﴾ والعقل أيضاً دل عليه، وهو أنه لو كان حصول ذلك الداعي في القلب من جهة العبد، لتوقف على حصول داع آخر ولزم التسلسل، وهو محال.

ثم قال تعالى: ﴿ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ واعلم أن هذا هو الأمر الثاني الذي فعله الله في ذلك اليوم، ولا خلاف أن المراد إنزال الملائكة، وليس في الظاهر ما يدل على عدة الملائكة كما هو مذكور في قصة بدر، وقال سعيد بن جبير: أمد الله نبيه بخمسة آلاف من الملائكة ولعله إنما ذكر هذا العدد قياساً على يوم بدر، وقال سعيد بن المسيب: حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم، فلما انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء، تلقانا رجال بيض الوجوه حسان، فقالوا شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا فركبوا أكتافنا، وأيضاً اختلفوا أن الملائكة هل قاتلوا ذلك اليوم؟

والرواية التي نقلناها عن سعيد بن المسيب تدل على أنهم قاتلوا ومنهم من قال إن الملائكة ما قاتلوا إلا يوم بدر وأما فائدة نزولهم في هذا اليوم فهو إلقاء الخواطر الحسنة في قلوب المؤمنين.

ثم قال تعالى: ﴿ وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ ﴾ وهذا هو الأمر الثالث الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، والمراد من هذا التعذيب قتلهم وأسرهم وأخذ أموالهم وسبي ذراريهم.

واحتج أصحابنا بهذا على أن فعل العبد خلق الله، لأن المراد من التعذيب ليس إلا الأخذ والأسر وهو تعالى نسب تلك الأشياء إلى نفسه وقد بينا أن قوله: ﴿ ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ ﴾ يدل على ذلك فصار مجموع هذين الكلامين دليلاً بيناً ثابتاً، وفي هذه المسألة قالت المعتزلة: إنما نسب تعالى ذلك الفعل إلى نفسه لأنه حصل بأمره، وقد سبق جوابه غير مرة.

ثم قال: ﴿ وذلك جَزَاءُ الكافرين ﴾ والمراد أن ذلك التعذيب هو جزاء الكافرين، واعلم أن أهل الحقيقة تمسكوا في مسألة الجلد مع التعزيز بقوله: ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا  ﴾ قالوا الفاء تدل على كون الجلد جزاء، والجزاء اسم للكافي، وكون الجلد كافياً يمنع كون غيره مشروعاً معه.

فنقول: في الجواب عنه الجزاء ليس اسماً للكافي، وذلك باعتبار أنه تعالى سمى هذا التعذيب جزاء، مع أن المسلمين أجمعوا على أن العقوبة الدائمة في القيامة مدخرة لهم، فدلت هذه الآية على أن الجزاء ليس اسماً لما يقع به الكفاية.

ثم قال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَتُوبُ الله مِن بَعْدِ ذلك على مَن يَشَاءُ ﴾ يعني أن مع كل ما جرى عليهم من الخذلان فإن الله تعالى قد يتوب عليهم.

قال أصحابنا: إنه تعالى قد يتوب على بعضهم بأن يزيل عن قلبه الكفر ويخلق فيه الإسلام.

قال القاضي: معناه فإنهم بعد أن جرى عليهم ما جرى، إذا أسلموا وتابوا فإن الله تعالى يقبل توبتهم، وهذا ضعيف لأن قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَتُوبُ الله ﴾ ظاهره يدل على أن تلك التوبة إنما حصلت لهم من قبل الله تعالى وتمام الكلام في هذا المعنى مذكور في سورة البقرة في قوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْهِ  ﴾ ثم قال: ﴿ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ أي غفور لمن تاب، رحيم لمن آمن وعمل صالحاً، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

مواطن الحرب: مقاماتها ومواقفها قال: وَكَمْ مَوْطِنٍ لَوْلاَيَ طُحْتَ كَمَا هَوَى ** بِأَجْرَامِهِ مِنْ قُلَّةِ النِّيقِ مُنْهَوِي وامتناعه من الصرف لأنه جمع، وعلى صيغة لم يأت عليها واحد، والمواطن الكثيرة: وقعات بدر، وقريظة، والنضير، والحديبية، وخيبر، وفتح مكة.

فإن قلت: كيف عطف الزمان والمكان وهو ﴿ يَوْمٍ حُنَيْنٍ ﴾ على المواطن؟

قلت: معناه وموطن يوم حنين.

أو في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين.

ويجوز أن يراد بالموطن الوقت كمقتل الحسين، على أنّ الواجب أن يكون يوم حنين منصوباً بفعل مضمر لا بهذالظاهر.

وموجب ذلك أنّ قوله: ﴿ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ بدل من يوم حنين، فلو جعلت ناصبه هذا الظاهر لم يصحّ؛ لأنّ كثرتهم لم تعجبهم في جميع تلك المواطن ولم يكونوا كثيراً في جميعها، فبقي أن يكون ناصبه فعلاً خاصاً به، إلاّ إذا نصبت (إذ) بإضمار (اذكر) وحنين: وادٍ بين مكة والطائف، كانت فيه الوقعة بين المسلمين وهم اثنا عشر ألفاً الذين حضروا فتح مكة، منضماً إليهم ألفان من الطلقاء، وبين هوازن وثقيف وهم أربعة آلاف فيمن ضامّهم من إمداد سائر العرب فكانوا الجمّ الغفير، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة، فساءت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل قائلها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل: أبو بكر رضي الله عنه وذلك قوله: ﴿ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾ فاقتتلوا قتالاً شديداً وأدركت المسلمين كلمة الإعجاب بالكثرة، وزلّ عنهم أن الله هو الناصر لا كثرة الجنود فانهزموا حتى بلغ فلهم مكة، وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده وهو ثابت في مركزه لا يتحلحل، ليس معه إلاّ عمه العباس رضي الله تعالى عنه آخذ بلجام دابته وأبو سفيان بن الحرث ابن عمه، وناهيك بهذه الوحدة شهادة صدق على تناهي شجاعته ورباطة جأشه صلى الله عليه وسلم، وما هي إلاّ من آيات النبوة وقال: يا ربي ائتني بما وعدتني.

وقال صلى الله عليه وسلم للعباس- وكان صيتاً: صيح بالناس، فنادى الأنصار فخذاً فخذاً، ثم نادى: يا أصحاب الشجرة، با أصحاب البقرة، فكرّوا عنقاً واحداً وهم يقولون: لبيك لبيك، ونزلت الملائكة عليهم البياض على خيول بلق، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قتال المسلمين فقال: هذا حين حمي الوطيس، ثم أخذ كفاً من تراب فرماهم به ثم قال: انهزموا ورب الكعبة فانهزموا، قال العباس: لكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض.

خلفهم على بغلته ﴿ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ ما مصدرية، والباء بمعنى مع، أي مع رحبها وحقيقته ملتبسة برحبها، على أن الجارّ والمجرور في موضع الحال، كقولك: دخلت عليه بثياب السفر، أي ملتبساً بها لم أحلها، تعني مع ثياب السفر.

والمعنى: لا تجدون موضعاً تستصلحونه لهربكم إليه ونجاتكم لفرط الرعب، فكأنها ضاقت عليكم ﴿ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴾ ثم انهزمتم ﴿ سَكِينَتَهُ ﴾ رحمته التي سكنوا بها وآمنوا ﴿ وَعَلَى المؤمنين ﴾ الذين انهزموا.

وقيل: هم الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وقع الهرب ﴿ وَأَنزَلَ جُنُوداً ﴾ يعني الملائكة، وكانوا ثمانية آلاف، وقيل: خمسة آلاف، وقيل: ستة عشر ألفاً ﴿ وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ ﴾ بالقتل والأسر، وسبي النساء والذراري ﴿ ثُمَّ يَتُوبُ الله ﴾ أي يسلم بعد ذلك ناس منهم.

وروي: أنّ ناساً منهم جاؤوا فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام وقالوا: يا رسول الله، أنت خير الناس وأبرّ الناس وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا.

قيل: سبي يومئذ ستة آلاف نفس، وأخذ من الأبل والغنم ما لا يحصى، فقال: إنّ عندي ما تروون، إنّ خير القول أصدقه، اختاروا: إما ذراريكم ونساءكم، وإما أموالكم.

قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنّ هؤلاء جاؤوا مسلمين، وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئاً، فمن كان بيده شيء طابت نفسه أن يردّه فشأنه، ومن لا فليعطنا وليكن قرضاً علينا حتى نصيب شيئاً فنعطيه مكانه.

قالوا: رضينا وسلمنا، فقال: إني لا أدري لعل فيكم من لا يرضى، فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا، فرفعت إليه العرفاء أن قد رضوا» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ ﴾ رَحْمَتَهُ الَّتِي سَكَنُوا بِها وأمِنُوا.

﴿ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ الَّذِينَ انْهَزَمُوا وإعادَةُ الجارِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِلافِ حالَيْهِما.

وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يَفِرُّوا.

﴿ وَأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها ﴾ بِأعْيُنِكم أيِ المَلائِكَةُ وكانُوا خَمْسَةَ آلافٍ أوْ ثَمانِيَةً أوْ سِتَّةَ عَشَرَ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ.

﴿ وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ والسَّبْيِ.

﴿ وَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ ﴾ أيْ ما فَعَلَ بِهِمْ جَزاءَ كُفْرِهِمْ في الدُّنْيا.

﴿ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ ﴾ مِنهم بِالتَّوْفِيقِ لِلْإسْلامِ.

﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ يَتَجاوَزُ عَنْهم ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ.

رُوِيَ « (أنَّ ناسًا مِنهم جاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ  وأسْلَمُوا وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْتَ خَيْرُ النّاسِ وأبَرُّهم وقَدْ سُبِيَ أهْلُونا وأوْلادُنا وأُخِذَتْ أمْوالُنا.

وقَدْ سُبِيَ يَوْمَئِذٍ سِتَّةُ آلافِ نَفْسٍ وأُخِذَ مِنَ الإبِلِ والغَنَمِ ما لا يُحْصى.

فَقالَ  : اخْتارُوا إمّا سَباياكم وإمّا أمْوالَكم ؟

فَقالُوا ما كُنّا نَعْدِلُ بِالأحْسابِ شَيْئًا فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ  وقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ جاءُوا مُسْلِمِينَ وإنّا خَيَّرْناهم بَيْنَ الذَّرارِي والأمْوالِ فَلَمْ يَعْدِلُوا بِالأحْسابِ شَيْئًا فَمَن كانَ بِيَدِهِ سَبْيٌ وطابَتْ نَفْسُهُ أنْ يَرُدَّهُ فَشَأْنُهُ ومَن لا فَلْيُعْطِنا ولْيَكُنْ قَرْضًا عَلَيْنا حَتّى نُصِيبَ شَيْئًا فَنُعْطِيَهُ مَكانَهُ فَقالُوا: رَضِينا وسَلَّمْنا فَقالَ: إنِّي لا أدْرِي لَعَلَّ فِيكم مَن لا يَرْضى فَمُرُوا عَرْفاءَكم فَلْيَرْفَعُوا إلَيْنا فَرَفَعُوا أنَّهم قَدْ رَضُوا)» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ} رحمته التي سكنوا بها وأمنوا {على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} يعني الملائكة وكانوا ثمانية آلاف أو خمسة آلاف أو ستة عشر ألفاً {وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ} بالقتل والأسر وسبي النساء والذراري {وذلك جَزَاء الكافرين}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ ﴾ أيْ: رَحْمَتَهُ الَّتِي تَسْكُنُ بِها القُلُوبُ وتَطْمَئِنُّ اطْمِئْنانًا كُلِّيًّا مُسْتَتْبِعًا لِلنَّصْرِ القَرِيبِ، وأمّا مُطْلَقُ السَّكِينَةِ فَقَدْ كانَتْ حاصِلَةً لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ وعَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى رَسُولِهِ، وإعادَةُ الجارِّ لِلْإيذانِ بِالتَّفاوُتِ، والمُرادُ بِهِمُ الَّذِينَ انْهَزَمُوا، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكَبِيرَةَ لا تُنافِي الإيمانَ.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: المُرادُ ما يَعُمُّ الطّائِفَتَيْنِ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، ولا ضَيْرَ في تَحَقُّقِ أصْلِ السَّكِينَةِ في الثّابِتِينَ مِن قَبْلُ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ السَّكِينَةَ بِالأمانِ وهو لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمُعايَنَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولِمَن مَعَهُ بِظُهُورِ عَلاماتِ ذَلِكَ ولِلْمُنْهَزِمِينَ بِزَوالِ قَلَقِهِمْ واضْطِرابِهِمْ بِاسْتِحْضارِ إنَّ ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ ( ثُمَّ ) في مَحَلِّها لِلتَّراخِي بَيْنَ الِانْهِزامِ وإنْزالِ السَّكِينَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ.

وقِيلَ: إذا أُرِيدَ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُنْهَزِمُونَ فَهي عَلى مَحَلِّها، وإنَّ أُرِيدَ الثّابِتُونَ يَكُونُ التَّراخِي في الإخْبارِ أوْ بِاعْتِبارِ مَجْمُوعِ هَذا الإنْزالِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وجَعْلُها لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ بِعِيدٌ ﴿ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها ﴾ بِأبْصارِكم كَما يَرى بَعْضُكم بَعْضًا وهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى خُيُولٍ بُلْقٍ عَلَيْهِمُ البَياضُ، وكَوْنُ المُرادِ لَمْ تَرَوْا مِثْلَها قَبْلَ ذَلِكَ خِلافَ الظّاهِرِ ولَمْ نَرَ في الآثارِ ما يُساعِدُهُ، واخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ فَقِيلَ: ثَمانِيَةُ آلافٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكُمْ ﴾ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ بَعْدُ: ﴿ يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ ﴾ وقِيلَ: خَمْسَةُ آلافٍ لِلْآيَةِ الثّانِيَةِ والثَّلاثَةِ، الأُولى داخِلَةٌ في هَذِهِ الخَمْسَةِ، وقِيلَ: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا بِعَدَدِ العَسْكَرَيْنِ اثْنا عَشَرَ ألْفًا عَسْكَرُ المُسْلِمِينَ وأرْبَعَةُ آلافٍ عَسْكَرُ المُشْرِكِينَ، وكَذا اخْتَلَفُوا في أنَّهم قاتَلُوا في هَذِهِ الوَقْعَةِ أمْ لا، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ لَمْ يُقاتِلُوا إلّا يَوْمَ بَدْرٍ، وإنَّما نَزَلُوا لِتَقْوِيَةِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بِإلْقاءِ الخَواطِرِ الحَسَنَةِ وتَأْيِيدِهِمْ بِذَلِكَ وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، فَعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ كانَ في المُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قالَ: لَمّا كَشَفْنا المُسْلِمِينَ جَعَلْنا نَسُوقُهم فَلَمّا انْتَهَيْنا إلى صاحِبِ البَغْلَةِ الشَّهْباءِ تَلَقّانا رِجالٌ بِيضُ الوُجُوهِ فَقالُوا: شاهَتِ الوُجُوهُ ارْجِعُوا فَرَجَعْنا فَرَكِبُوا أكْنافَنا.

واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهم قاتَلُوا بِما رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ قالَ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ القِتالِ: أيْنَ الخَيْلُ البُلْقُ والرِّجالُ عَلَيْهِمْ ثِيابٌ بِيضٌ؟

ما كُنّا نَراهم فِيكم إلّا كَهَيْئَةِ الشّامَةِ وما كانَ قَتْلُنا إلّا بِأيْدِيهِمْ فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”تِلْكَ المَلائِكَةُ»“ ولَيْسَ لَهُ سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ﴿ وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ والسَّبْيِ ( ﴿ وذَلِكَ ﴾ ) أيْ: ما فَعَلَ بِهِمْ مِمّا ذَكَرَ ﴿ جَزاءُ الكافِرِينَ ﴾ لِكُفْرِهِمْ في الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ، يعني: رحمته وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً، يعني: خمسة آلاف من الملائكة لَمْ تَرَوْها وفي الآية دليل: أن المؤمن لا يخرج من الإيمان وإن عمل الكبيرة، لأنهم ارتكبوا الكبيرة حيث هربوا وكان عددهم أكثر من عدد المشركين، فسماهم الله تعالى مؤمنين.

وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: بالقتل والهزيمة.

وَذلِكَ يعني: ذلك العذاب جَزاءُ، عقاب الْكافِرِينَ.

قوله: ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ من أصحاب مالك بن عوف، من كان أَهْلاً للإسلام.

- وروي عن محمد بن كعب القرظي (١)  : إني أريد أن أسلم، فما تعطيني؟

فأرسل إليه النبيّ  : «إِنِّي أُعْطِيكَ مِائةً مِنَ الإِبِلِ وَرُعَاتَهَا» .

فجاء فأسلم، فأقام يومين أو ثلاثة، فلما رأى المسلمين ورقتهم وزهدهم واجتهادهم، رق لذلك فقال له رسول الله  : «يَا ابْنَ عَوْفٍ أَلاَ نَفِي لَكَ بِمَا أَعْطَيْنَاكَ مِنَ الشَّرْطِ؟» فقال: يا رسول الله، أمثلي يأخذ على الإسلام شيئاً؟

قال: فكان مالك بن عوف بعد ذلك ممن افتتح عامة الشام، ثم قال: وَاللَّهُ غَفُورٌ لما كان في الشرك، رَحِيمٌ بهم في الإسلام.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ، ظاهر هذه المخاطبة: أنها لجميع المؤمنين كافَّة، وهي باقيةُ الحُكْمِ إلى يوم القيامة، وروتْ فرقة أنها نزلَتْ في الحَضِّ على الهجرة، ورفضِ بلادِ الكفر.

وقوله سبحانه: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ ...

الآية: هذه الآيةُ تقوِّي مذهب مَنْ رأى أن هذه الآية والَّتي قبلها إنما مقصودُهُما الحَضِّ على الهجْرة، وفي ضمْن قوله: فَتَرَبَّصُوا: وعيدٌ بيِّن.

وقوله: بِأَمْرِهِ، قال الحَسَنُ: الإشارة إلى عذابٍ أو عقوبةٍ من الله تعالى «١» .

وقال مجاهدٌ: الإِشارة إِلى فتح مكَّة «٢» ، وذكر الأَبناء في هذه الآية دون التي قَبْلَها، لما جلبتْ ذِكرهم المَحَبَّة، والأبناء: صَدْرٌ في المحبة وليسوا كذلك، في أن تتبع آراؤهم كما في الآية المتقدمة، واقترفتموها: معناه: اكتسبتموها، ومساكِنُ: جَمْعُ مَسْكَنٍ- بفتح الكاف:، مَفْعَلٌ من السُّكْنَى، وما كان من هذا معتلَّ الفاءِ، فإِنما يأتي على مَفْعِلٍ (بكسر العين) كموعد وموطن.

وقوله سبحانه: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ، هذه مخاطبةٌ لجميع المؤمنين يعدِّد الله تعالى نِعَمَهُ عليهم، والمواطِنُ المُشَارُ إلَيْها بَدْرٌ والخَنْدَق والنَّضير وقُرَيْظة وخَيْبَر وغيرها، وحُنَيْنٌ وادٍ بين مكَّة والطائِف.

وقوله: إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ، روي أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال حين رأى جملته اثني عشر

أَلْفاً: «لَنْ تُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ» «١» ، وروي أَنَّ رجلاً من أصحابه قالها فأَراد الله تعالى إظهار العجز فظهر حين فَرَّ الناسُ.

ت: العجب جائزٌ في حقِّ غير النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وهو معصوم منه صلّى الله عليه وسلّم، والصوابُ في فَهْمِ الحديث، أَنه خَرَجَ مَخْرَجَ الإِخبار، لا على وجه العُجْب وعلى هذا فَهِمُه ابنُ رُشْدٍ وغيره، وأَنه إِذا بلغَ عَدَدُ المسلمين اثني عشر ألفاً حُرِمَ الفِرَارُ، وإن زاد عددُ المُشْرِكين على الضِّعْف وعليه عَوَّلَ في الفتوى، وقوله تعالى: وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ، معناه: بِرُحْبها كأنه قال: عَلَى ما هي عليه في نَفْسها رَحْبةً واسعة، لشدّة الحال وصعوبتها ف «ما» : مصدرية.

وقوله سبحانه: ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، أي: فرارا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم واختصار هذه القصّة: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمّا فتح مكّة، وكان في عشرة آلاف منْ أصحابه، وانضاف إِليهم ألفانِ من الطُّلَقَاءِ، فصار في اثني عشر ألفا، سمع بذلك كفَّار العرب، فشَقَّ عليهمِ، فجمعتْ له هوازنُ وألفافها، وعليهم مَالِكُ بن عوفٍ النصريُّ، وثقيفٌ، وعليهم عبْد يَالِيلَ بْنُ عَمْرُو/ وانضاف إِليهم أَخلاطٌ مِنَ الناس حتى كانوا ثلاثين ألفا، فخرج إليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين اجتمعوا بحُنَيْنٍ، فلما تصافَّ الناسُ، حمل المشركون من مَحَانِي الوادِي، وانهزم المُسْلِمون، قال قتادة: وكان يقال: إِن الطلقاء مِنْ أَهْل مكَّةَ فرُّوا، وقصدوا إِلقَاءَ الهَزيمة في المُسْلمين «٢» ، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عَلَى بغلته البَيْضَاء قد اكَتَنَفَهُ العَبَّاس عمُّه، وابنُ عَمِّه أبو سفيانَ بْنُ الحارثِ بنِ عبد المُطَّلبِ، وبَيْنَ يدَيْهِ أَيْمَنُ بْنُ أُمِّ أيمن، وثمّ قتل رحمه الله والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقولُ:

أَنَا النَّبيُّ لاَ كَذِبْ ...

أَنا ابن عبد المطّلب

فلما رأى نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم شدَّةَ الحالِ، نَزَلَ عن بَغْلَتِهِ إِلى الأرض قاله البَرَاءُ بنُ عازب «٣» ، واستنصر اللَّه عَزَّ وجلَّ، فأَخَذَ قبضةً مِنْ ترابٍ وحصًى، فرمَى بها في وُجُوه الكُفَّار، وقال: «شَاهَت الوُجُوه» ، ونادى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالأنصارِ، وأمَرَ العبَّاسَ أنْ ينادِيَ:

«أَيْنَ أَصْحَابُ الشَّجَرَةِ؟

أَيْنَ أَصْحَابُ سُورَةِ البَقَرةِ؟» فَرَجَعَ النّاسُ عَنَقاً واحداً للحَرْبِ، وتصافحوا بالسُّيوفِ والطَّعْنِ والضرب، وهناك قال عليه السلام: «الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ» «٤»

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ ﴾ أيْ: بَعْدَ الهَزِيمَةِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي فَعِيلَةٌ مِنَ السُّكُونِ، وأنْشَدَ: لِلَّهِ قَبْرُ غالَها ماذا يُجِنُّ لَقَدْ أجَنَّ سَكِينَةً ووَقارًا وَكَذَلِكَ قالَ المُفَسِّرُونَ: الأمْنُ والطُّمَأْنِينَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي المَلائِكَةَ.

وفي عَدَدِهِمْ يَوْمَئِذٍ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: خَمْسَةُ آَلافٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: ثَمانِيَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، يَعْنِي ثَمانِيَةُ آَلافٍ.

وهَلْ قاتَلَتِ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ، أمْ لا؟

فِيهِ قَوْلانِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: بِالقَتْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: بِالقَتْلِ والهَزِيمَةِ، قالَهُ ابْنُ أبْزى، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: بِالخَوْفِ والحَذَرِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

والرّابِعُ: بِالقَتْلِ، والأسْرِ، وسَبْيِ الأوْلادِ، وأخْذِ الأمْوالِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ ناقِلِي التَّفْسِيرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مِن يَشاءُ ﴾ أيْ: يُوَفِّقُهُ لَلتَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عنكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ أنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مِن يَشاءُ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، يُعَدِّدُ اللهُ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ، و"مَواطِنَ" جَمْعُ مَوْطِنٍ بِكَسْرِ الطاءِ، والمَوْطِنُ: مَوْضِعُ الإقامَةِ أوِ الحُلُولِ لِأنَّهُ أوَّلُ الإقامَةِ، والمَواطِنُ المُشارُ إلَيْها بَدْرٌ، والخَنْدَقُ، والنَضِيرُ، وقُرَيْظَةُ، ولَمْ يُصْرَفْ "مَواطِنُ" لِأنَّهُ جَمْعٌ وَنِهايَةُ جَمْعٍ.

و"يَوْمَ" عَطَفَ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "فِي مَواطِنَ" أو عَلى لَفْظَةٍ بِتَقْدِيرٍ: "وَفِي يَوْمِ"، فانْحَذَفَ حَرْفُ الخَفْضِ، و"حُنَيْنٍ" وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطائِفِ قَرِيبٌ مِن ذِي المَجازِ، وصُرِفَ حِينَ أُرِيدَ بِهِ المَوْضِعُ والمَكانُ، ولَوْ أُرِيدَ بِهِ البُقْعَةُ لَمْ يُصْرَفْ، كَما قالَ الشاعِرُ: نَصَرُوا نَبِيَّهم وشَدُّوا أزْرَهُ ∗∗∗ بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَواكُلِ الأبْطالِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ ﴾ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  ، قالَ حِينَ رَأى حَمْلَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا: "لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ"،» ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ قالَها فَأرادَ اللهُ إظْهارَ العَجْزِ فَظَهَرَ حِينَ فَرَّ الناسُ، ثُمَّ عَطَفَ القَدَرُ بِنَصْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ﴾ أيْ: بِقَدْرِ ما هي رَحْبَةٌ واسِعَةٌ لِشِدَّةِ الحالِ وصُعُوبَتِها، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ يُرِيدُ فِرارَ الناسِ عَنِ النَبِيِّ  .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واخْتِصارُ هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  ، لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ وكانَ في عَشَرَةِ آلافٍ مِن أصْحابِهِ وانْضافَ إلَيْهِ ألْفانِ مِنَ الطُلَقاءِ فَصارَ في اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا سَمِعَ بِذَلِكَ كُفّارُ العَرَبِ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَجَمَعَتْ لَهُ هَوازِنُ وألْفافُها وعَلَيْهِمْ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَصْرِيُّ، وثَقِيفٌ وعَلَيْهِمْ عَبْدُ يالِيلَ بْنِ عَمْرٍو، وانْضافَ إلَيْهِمْ أخْلاطٌ مِنَ الناسِ حَتّى كانُوا ثَلاثِينَ ألْفًا، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ  حَتّى اجْتَمَعُوا بِحُنَيْنٍ، فَلَمّا تَصافَّ الناسُ حَمَلَ المُشْرِكُونَ مِن جَوانِبِ الوادِي، فانْهَزَمَ المُسْلِمُونَ، قالَ قَتادَةُ: ويُقالُ: إنَّ الطُلَقاءَ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَرُّوا وقَصَدُوا إلْقاءَ الهَزِيمَةِ في المُسْلِمِينَ، وكانَ رَسُولُ اللهِ  عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ، «وَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ الفِهْرِيُّ: كُنْتُ مَعَ النَبِيِّ  يَوْمَئِذٍ، وكانَ عَلى فَرَسٍ قَدِ اكْتَنَفَهُ العَبّاسُ عَمُّهُ وابْنُ عَمِّهِ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وبَيْنَ يَدَيْهِ أيْمَنُ بْنُ أمِّ أيْمَنَ -وَثُمَّ قُتِلَ رَحِمَهُ اللهُ- فَلَمّا رَأى رَسُولُ اللهِ  شِدَّةَ الحالِ نَزَلَ عن بَغْلَتِهِ إلى الأرْضِ -قالَهُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ - واسْتَنْصَرَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ فَأخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ وحَصًى فَرَمى بِها وُجُوهَ الكُفّارِ، وقالَ: "شاهَتِ الوُجُوهُ"، وقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: تَطاوَلَ مِن فَرَسِهِ فَأخَذَ قَبْضَةَ التُرابِ ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ لِنَصْرِهِ ونادى رَسُولُ اللهِ  : "يا لَلْأنْصارِ"، وأمَرَ رَسُولُ اللهِ  العَبّاسَ أنْ يُنادِيَ: أيْنَ أصْحابُ الشَجَرَةِ؟

أيْنَ أصْحابُ سُورَةِ البَقَرَةِ؟

فَرَجَعَ الناسُ عُنُقًا واحِدًا وانْهَزَمَ المُشْرِكُونَ، قالَ يَعْلى بْنُ عَطاءٍ: فَحَدَّثَنِي أبْناؤُهم عن آبائِهِمْ قالُوا: لَمْ يَبْقَ مِنّا أحَدٌ إلّا دَخَلَ في عَيْنَيْهِ مِن ذَلِكَ التُرابِ،» واسْتِيعابُ هَذِهِ القِصَّةِ في كِتابِ السِيَرِ.

وظاهِرُ كَلامِ النَحّاسِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ في أرْبَعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وهَذا غَلَطٌ.

وقَوْلُهُ: "مُدْبِرِينَ" نَصْبٌ عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا  ﴾ ، والمُؤَكِّدَةُ هي الَّتِي يَدُلُّ ما قَبْلَها عَلَيْها كَدَلالَةِ التَوَلِّي عَلى الإدْبارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ ﴾ الآيَةُ، "ثُمَّ" هاهُنا عَلى بابِها مِنَ التَرْتِيبِ، والسَكِينَةُ: النَصْرُ الَّذِي سَكَنَتْ إلَيْهِ ومَعَهُ النُفُوسُ والحالُ، والإشارَةُ بِالمُؤْمِنِينَ إلى الأنْصارِ عَلى ما رُوِيَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  نادى في ذَلِكَ اليَوْمِ: "يا مَعْشَرَ الأنْصارِ"،» فانْصَرَفُوا وهم رَدُّوا الهَزِيمَةَ، والجُنُودُ: المَلائِكَةُ والرُعْبُ.

قالَ أبُو حاجِرٍ يَزِيدُ بْنُ عامِرٍ: "كانَ في أجْوافِنا مِثْلُ ضَرْبَةِ الحَجَرِ في الطَسْتِ مِنَ الرُعْبِ"، وعَذابُ الَّذِينَ كَفَرُوا هو القَتْلُ الَّذِي اسْتَحَرَّ فِيهِمْ والأسْرُ الَّذِي تَمَكَّنَ في ذَرارِيهِمْ، وكانَ مالِكُ ابْنُ عَوْفٍ النَصْرِيُّ قَدْ أخْرَجَ الناسَ بِالعِيالِ والذَرارِي لِيُقاتِلُوا عَلَيْها، فَخَطَّأهُ في ذَلِكَ دُرَيْدُ بْنُ الصِمَّةِ، وقالَ لِمالِكِ بْنِ عَوْفٍ: راعِي ضَأْنٍ، وهَلْ يَرُدُّ المُنْهَزِمَ شَيْءٌ؟

وفي ذَلِكَ اليَوْمِ قُتِلَ دُرَيْدُ بْنُ الصِمَّةِ القَتَلَةَ المَشْهُورَةَ، قَتَلَهُ رَبِيعُ بْنُ رَفِيعِ بْنِ أُهْبانِ السِلْمِيُّ، ويُقالُ ابْنُ الدُغُنَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مِن يَشاءُ ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ مَن أسْلَمَ وتابَ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ نَجَوْا ذَلِكَ اليَوْمَ فَإنَّهم مَقْبُولُونَ مُسْلِمُونَ مَوْعُودُونَ بِالغُفْرانِ والرَحْمَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ﴾ [التوبة: 25].

و ﴿ ثم ﴾ دالّة على التراخي الرتبي فإنّ نزول السكينة ونزول الملائكة أعظم من النصر الأول يوم حنين، على أنّ التراخي الزمني مراد؛ تنزيلاً لعظم الشدة وهول المصيبة منزلة طول مدّتها، فإن أزمان الشدّة تخيّل طويلة وإن قَصُرت.

والسكينة: الثبات واطمئنان النفس وقد تقدّم بيانها عند قوله تعالى: ﴿ أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم ﴾ في سورة البقرة (248)، وتعليقها بإنزال الله، وإضافتها إلى ضميره: تنويه بشأنها وبركتها، وإشارة إلى أنّها سكينة خارقة للعادة ليست لها أسباب ومقدّمات ظاهرة، وإنّما حصلت بمحض تقدير الله وتكوينه أُنُفاً كرامةً لنبيئه وإجابة لندائِه الناسَ، ولذلك قدّم ذكر الرسول قبل ذكر المؤمنين.

وإعادة حرف على} بعد حرف العطف: تنبيه على تجديد تعليق الفعل بالمجرور الثاني للإيماء إلى التفاوت بين السكينتين: فسكينة الرسول عليه الصلاة والسلام سكينة اطمئنان على المسلمين الذين معه وثقة بالنصر، وسكينة المؤمنين سكينة ثبات وشجاعة بعد الجزع والخوف.

والجنود جمع جند.

والجند اسم جَمع لا واحد له من لفظه، وهو الجماعة المهيّئة للحرب، وواحدهُ بياء النسب: جُندي، وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ فلما فصل طالوت بالجنود ﴾ في سورة البقرة (249).

وقد يطلق الجند على الأمّة العظيمة ذات القوة، كما في قوله تعالى: ﴿ هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود ﴾ في سورة البروج (17، 18) والمراد بالجنود هنا جماعات من الملائكة موكّلون بهزيمة المشركين كما دلّ عليه فعل أنزل، أي أرسلها الله لنصرة المؤمنين وإلقاء الرعب في قلوب المشركين، ولذلك قال: لم تروها } ولكون الملائكة ملائكةَ النصر أطلق عليها اسم الجنود.

وتعذيبه الذين كفروا: هو تعذيب القتل والأسر والسبي.

والإشارة ب ﴿ وذلك جزاء الكافرين ﴾ إلى العذاب المأخوذ من <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ ﴾ الآيَةَ، وفي السَّكِّينَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الرَّحْمَةُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

والثّانِي: أنَّها الأمْنُ والطُّمَأْنِينَةُ.

والثّالِثُ: أنَّها الوَقارُ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ وَأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المَلائِكَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ تَكْثِيرُهم في أعْيُنِ أعْدائِهِمْ، وهو مُحْتَمَلٌ.

﴿ وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالخَوْفِ والحَذَرِ.

والثّانِي: بِالقَتْلِ والسَّبْيِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ﴾ قال: هي أول ما أنزل الله تعالى من سورة براءة.

وأخرج ابن أبي شيبة وسنيد وابن حرب وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال أول ما نزل من براءة ﴿ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ﴾ يعرفهم نصره ويوطنهم لغزوة تبوك.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ﴾ قال: هذا مما يمن الله به عليهم من نصره إياهم في مواطن كثيرة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: ﴿ حنين ﴾ ماء بين مكة والطائف، قاتل النبي صلى الله عليه وسلم هوازن وثقيف، وعلى هوازن مالك بن عوف، وعلى ثقيف عبد ياليل بن عمرو الثقفي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام عام الفتح نصف شهر، ولم يزد على ذلك حتى جاءته هوازن وثقيف فنزلوا بحنين، وحنين واد إلى جنب ذي المجاز» .

وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه قال: «لما اجتمع أهل مكة وأهل المدينة قالوا: الآن والله نقاتل حين اجتمعنا، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوا وما أعجبهم من كثرتهم، فالتقوا فهزمهم الله حتى ما يقوم منهم أحد على أحد، حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي أحياء العرب إليَّ فوالله ما يعرج إليه أحد حتى أعرى موضعه، فالتفت إلى الأنصار وهم ناحية ناحية فناداهم: يا أنصار الله وأنصار رسوله إلى عباد الله أنا رسول الله، فعطفوا وقالوا: يا رسول الله ورب الكعبة إليك والله، فنكسوا رؤوسهم يبكون وقدموا أسيافهم يضربون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عليهم» .

وأخرج البيهقي في الدلائل عن الربيع رضي الله عنه «أن رجلاً قال يوم حنين: لن نغلب من قلة.

فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل ﴿ ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ﴾ قال الربيع: وكانوا اثني عشر ألفاً، منهم ألفان من أهل مكة» .

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد البغوي في معجمه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي عبد الرحمن الفهري رضي الله عنه قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حنين، فسرنا في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال الشجر، فلما زالت الشمس لبست لامتي وركبت فرسي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، قد حان الرواح يا رسول الله.

قال أجل، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بلال...

فثار من تحت سمرة كان ظله ظل طائر فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك.

ثم قال: أسرج لي فرسي.

فأتاه بدفتين من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر قال: فركب فرسه ثم سرنا يومنا فلقينا العدوّ وتشامت الخيلان فقاتلناهم، فولى المسلمون مدبرين كما قال الله عز وجل، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله، فاقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرسه، وحدثني من كان أقرب إليه مني: أنه أخذ حفنة من تراب فحثاها في وجوه القوم وقال: شاهت الوجوه...

!

قال يعلى بن عطاء رضي الله عنه: فأخبرنا أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: ما بقي منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه من التراب، وسمعنا صلصلة من السماء كمر الحديد على الطست الحديد، فهزمهم الله عز وجل» .

وأخرج الطبراني والحاكم وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فولى الناس عنه وبقيت معه في ثمانين رجلاً من المهاجرين والأنصار، فكنا على أقدامنا نحواً من ثمانين قدماً ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته، فمضى قدماً فقال «ناولني كفاً من تراب.

فناولته فضرب وجوههم، فامتلأت أعينهم تراباً وولى المشركون أدبارهم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس رضي الله عنه.

أن هوازن جاءت يوم حنين بالنساء والصبيان والإِبل والغنم، فجعلوهم صفوفاً ليكثروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالتقى المسلمون والمشركون، فولى المسلمون مدبرين كما قال الله عز وجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله، ثم قال: يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله، فهزم الله المشركين ولم يضرب بسيف ولم يطعن برمح» .

وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وأحمد ومسلم والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن العباس بن عبد المطلب قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب، فلزمنا رسول الله فلم نفارقه وهو على بغلته الشهباء التي أهداها له فروة بن معاوية الجذامي، فلما التقى المسلمون والمشركون ولي المسلمون مدبرين وطفق النبي صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار، وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة أن لا تسرع وهو لا يألو ما أسرع نحو المشركين، وأبو سفيان بن الحرث آخذ بغرز رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عباس نادي أصحاب السمرة يا أصحاب البقرة» ، فوالله لكأني عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقرة على أولادها ينادون يا لبيك يا لبيك، فأقبل المسلمون فاقتتلوا هم والكفار، وارتفعت الأصوات وهم يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار.

ثم قصرت الدعوة على بني الحرث بن الخزرج، فتطاول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته فقال: هذا حين حمي الوطيس، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: «انهزموا ورب الكعبة» .

فذهبت أنظر فإذا القتال على هينته فيما أرى، فما هو إلا أن رماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصيات، فما زلت أرى حدهم كليلاً وأمرهم مدبراً حتى هزمهم الله عز وجل.

وأخرج الحاكم وصححه عن جابر رضي الله عنه قال: ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين الأنصار فقال: يا معشر الأنصار.

فأجابوه لبيك- بأبينا أنت وأمنا- يا رسول الله.

قال «أقبلوا بوجوهكم إلى الله ورسوله يدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار.

فأقبلوا ولهم حنين حتى أحدقوا به كبكبة تحاك مناكبهم يقاتلون حتى هزم الله المشركين» .

وأخرج أبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: لما اجتمع يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة أعجبتهم كثرتهم، فقال القوم: اليوم والله نقاتل، فلما التقوا واشتد القتال ولوا مدبرين، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار، فقال: «يا معشر المسلمين إلي عباد الله، أنا رسول الله.

فقالوا: إليك- والله- جئنا، فنكسوا رؤوسهم ثم قاتلوا حتى فتح الله عليهم» .

وأخرج الحاكم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وبرة من بعير، ثم قال: أيها الناس إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه إلا الخمس والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط وإياكم والغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة، وعليكم بالجهاد في سبيل الله فإنه باب من أبواب الجنة يذهب الله به الهم والغم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الأنفال، ويقول: ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأيتنا يوم حنين وإن الفئتين لموليتان، وعن عكرمة قال: لما كان يوم حنين ولى المسلمون وولى المشركون، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «أنا محمد رسول الله ثلاث مرات- وإلى جنبه عمه العباس- فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمه: يا عباس أذن يا أهل الشجرة، فأجابوه من كل مكان لبيك لبيك حتى أظلوه برماحهم، ثم مضى فوهب الله له الظفر، فأنزل الله: ﴿ ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ﴾ الآية» .

وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن عبيد الله بن عمير الليثي رضي الله عنه قال: كان مع النبي صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف من الأنصار، وألف من جهينة، وألف من مزينة، وألف من أسلم، وألف من غفار، وألف من أشجع، وألف من المهاجرين وغيرهم، فكان معه عشرة آلاف.

وخرج بإثني عشر ألفاً، وفيها قال الله تعالى في كتابه ﴿ ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً ﴾ .

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن مردويه عن البراء بن عازب رضي الله عنه.

أنه قيل له: هل كنتم وليتم يوم حنين؟

قال: والله ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسراً ليس عليهم سلاح، فلقوا جمعاً رماة هوازن وبني النضر ما يكاد يسقط لهم سهم، فرشقوهم رشقاً ما كادوا يخطئون، فأقبلوا هنالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته البيضاء وابن عمه أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب يقود به، فنزل ودعا واستنصر ثم قال: أنا النبي لا كذب ** أنا ابن عبد المطلب ثم صف أصحابه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين كفروا ﴾ قال: قتلهم بالسيف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: في يوم حنين أمد الله رسوله صلى الله عليه وسلم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، ويومئذ سمى الله تعالى الأنصار مؤمنين قال: ﴿ ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ﴾ .

وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: رأيت قبل هزيمة القوم- والناس يقتتلون- مثل البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي، لم أشك أنها الملائكة عليهم السلام، ولم يكن إلا هزيمة القوم...

!.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وعذب الذين كفروا ﴾ قال: بالهزيمة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبزى رضي الله عنه في قوله: ﴿ وعذب الذين كفروا ﴾ قال: بالهزيمة والقتل.

وفي قوله: ﴿ ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء ﴾ قال: على الذين انهزموا عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين.

وأخرج ابن سعد والبخاري في التاريخ والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن عياض بن الحرث عن أبيه.

قال: إن رسول صلى الله عليه وسلم أتى هوازن في إثني عشر ألفاً، فقتل من الطائف يوم حنين مثل قتلى يوم بدر، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفا من حصباء فرمى بها وجوهنا فانهزمنا.

وأخرج أحمد ومسلم عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنيناً، فلما واجهنا العدو وتقدمت فأعلو ثنية، فاستقبلني رجل من العدو فأرميته بسهم فتوارى عني فما دريت ما صنع، فنظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وأصحاب والنبي صلى الله عليه وسلم وأنا متزر وأرجع منهزماً وعليَّ بردتان متزراً بأحدهما مرتدياً بالأخرى، فاستطلق إزاري فجمعتهما جميعاً ومررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهزماً وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقد رأى ابن الأكوع فزعاً، فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم فقال: شاهت الوجوه.

فما خلق الله منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله تعالى، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين» .

وأخرج البخاري في التاريخ والبيهقي في الدلائل عن عمرو بن سفيان الثقفي رضي الله عنه قال: «قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قبضة من الحصى فرمى بها في وجوهنا فانهزمنا، فما خيل إلينا إلا أن كل حجر أو شجر فارس يطلبنا» .

وأخرج البخاري في التاريخ وابن مردويه والبيهقي عن يزيد بن عامر السوائي- وكان شهد حنيناً مع المشركين ثم أسلم- قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قبضة من الأرض فرمى بها في وجوه المشركين وقال: ارجعوا شاهت الوجوه، فما أحد يلقاه أخوه إلا وهو يشكو قذى في عينيه ويمسح عينيه.

وأخرج مسدد في مسنده والبيهقي وابن عساكر عن عبد الرحمن مولى أم برثن قال: حدثني رجل كان من المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقوموا لنا حلب شاة إلا كفيناهم، فبينا نحن نسوقهم في أدبارهم إذ التقينا إلى صاحب البغلة البيضاء فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلقينا عنده رجال بيض حسان الوجوه قالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا.

فرجعنا وركبوا أكتافنا وكانت إياها.

وأخرج البيهقي من طريق ابن إسحق، حدثنا أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، أنه حدث أن مالك بن عوف رضي الله عنه بعث عيوناً فأتوه وقد تقطعت أوصالهم فقال: ويلكم ما شأنكم؟

فقالوا: أتانا رجال بيض على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي وابن عساكر عن مصعب بن شيبة بن عثمان الحجبي عن أبيه قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين، والله ما خرجت إسلاماً ولكن خرجت إتقاء أن تظهر هوازن على قريش، فوالله إني لواقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قلت: يا نبي الله إني لأرى خيراً بلقاً...

!

قال: يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر.

فضرب بيده عند صدري حتى ما أجد من خلق الله تعالى أحب إليَّ منه قال: فالتقى المسلمون فقتل من قتل، ثم أقبل النبي وعمر رضي الله عنه آخذ باللجام، والعباس آخذ بالغرز، فنادى العباس رضي الله عنه: أين المهاجرون، أين أصحاب سورة البقرة؟- بصوت عال- هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأقبل الناس والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنا النبي غير كذب ** أنا ابن عبد المطلب فأقبل المسلمون فاصطكّوا بالسيوف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن حمي الوطيس» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

فذلك قوله: ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ السكينة: ما يسكن إليه القلب والنفس، قال الليث: "السكينة: الوداعة والوقار" (١) (٢) (٣) ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ ﴾ : يريد رحمته"، يعني أن تلك السكينة إنما أنزلت عليهم من رحمة الله.

وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ﴾ قال (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) وقال الزجاج: "أنزل الله -عز وجل- عليهم السكينة حتى عادوا وظفروا، فأراهم الله في ذلك اليوم من آياته ما زادهم تثبيتًا بنبوة النبي -  " (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد بأسيافكم ورماحكم" (١٣) وقال غيره: "أي بالقتل والأسر، وسبي العيال، وسلب الأموال، مع الصَّغار والإذلال" (١٤) ﴿ وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾ .

(١) كتاب "العين" (سكن) 5/ 313.

(٢) في (ى): (وقال)، وأثبت ما في (ح) و (م) لعدم وجود هذا القول في كتاب العين.

(٣) هذا قول ابن جرير 10/ 104، والثعلبي 6/ 91 ب.

(٤) يعني ابن عباس، كما صرح بذلك في "الوسيط" 2/ 488، وذكره أيضًا ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 416.

(٥) رواه ابن أبي حاتم 6/ 1774، وذكره بغير سند الثعلبي 6/ 89 أ، وابن الجوزي 3/ 416.

(٦) لفظ: (كان) ساقط من (ح)، وهو موجود في مصادر التخريج التالية.

(٧) في (ى): (من)، وأثبت ما في (ح) و (م) لموافقته لمصادر التخريج التالية.

(٨) هكذا في جميع النسخ، وكذلك في "تفسير الثعلبي"، وفي "الوسيط": حتى إذا.

وفي "تفسير الرازي" وأبي حيان: فلما.

(٩) (إلى صاحب) مكرر في (ى).

(١٠) يعني رسول الله  انظر: "صحيح مسلم" (1775) كتاب: الجهاد والسير، باب في غزوة حنين، و"تفسير الثعلبي" 6/ 89 ب.

(١١) ذكره الثعلبي 6/ 89 ب، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 488، والرازي في "تفسيره" 16/ 22، وأبو حيان في "البحر" 5/ 25.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 440.

(١٣) لم أقف عليه إلا في "الوجيز" للمؤلف 6/ 450، وفي "تنوير المقباس" ص190: "وعذب الذين كفروا": بالقتل والهزيمة.

(١٤) هذا قول الثعلبي في "تفسيره" 6/ 91 ب دون قوله: مع الصغار والإذلال، وبلفظ الثعلبي ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 416، ونسبه للبعض دون تحديد، وقال ابن جرير 10/ 104 "بالقتل وسبي الأهلين والذراري، وسلب الأموال والذمة".

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ﴾ عطف على مواطن أو منصوب بفعل مضمر، وهذا أحسن لوجهين: أحدهما أن قوله: إذ أعجبتكم كثرتكم مختص بحنين، ولا يصح في غيره من المواطن فيضعف عطف يوم حنين على المواطن للاختلاف الذي بينهما في ذلك، والآخر أن مواطن ظرف مكان، ويوم حنين ظرف زمان، فيضعف عطف أحدهما على الآخر، إلا أن يريد بالمواطن الأوقات، وحنين: اسم علم لموضع عرف برجل اسمه حنين وانصرف لأنه مذكر ﴿ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾ كانوا يومئذ اثنا عشر ألفاً، فقال بعضهم: لن نغلب اليوم من قلة، فأراد الله إظهار عجزهم ففرَّ الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى بقي على بلغته في نفر قليل، ثم استنصر بالله، وأخذ قبضة من تراب فرمى بها وجوه الكفار وقال: شاهت الوجوه، ونادى بأصحابه فرجعوا إليه، وهزم الله الكفار وقصة حنين مذكورة في السِيَر ﴿ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ أي ضاقت على كثرة اتساعها وما هنا مصدرية ﴿ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ يعني: الملائكة ﴿ ثُمَّ يَتُوبُ الله ﴾ إشارة إلى إسلام هوازن الذين قاتلوا المسلمين بحنين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مسجد الله ﴾ ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون: على الجمع ﴿ يبشرهم ﴾ خفيفاً: حمزة ﴿ وعشيراتكم ﴾ على الجمع: أبو بكر وحماد وجبلة ﴿ وضاقت ﴾ ونحو ممالة: حمزة ﴿ رحبت ثم ﴾ مظهراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير وخلف ويعقوب وعاصم غير الأعشى.

الوقوف: ﴿ بالكفر ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ المهتدين ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه لئلا يشتبه بالوصف ﴿ وأنفسهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "الذين" ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ مقيم ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ على الإيمان ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ كثيرة ﴾ لا لعطف الظرف على الظرف ﴿ حنين ﴾ لا لأن "إذ" ظرف ﴿ نصركم ﴾ .

﴿ مدبرين ﴾ ه ج للآية والعطف.

﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ ج ﴿ إن شاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: إنه  بدأ السورة بذكر البراءة من المشركين وبالغ في إيجاب ذلك بتعداد فضائحهم وقبائحهم، ثم أراد يحكي شبهاتهم التي كانوا يحتجون في أن هذه البراءة غير جائزة مع الجواب عنها.

قال المفسرون: لما أسر العباس يوم بدر أقبل عليه المسلمون فعيروه بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ علي  له القول فقال العبّاس: ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا؟

فقال علي  ألكم محاسن؟

فقال: نعم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني فأنزل الله تعالى رداً عليهم ﴿ ما كان للمشركين ﴾ ما صح لهم وما استقام ﴿ أن يعمروا مسٰجد الله ﴾ يعني المسجد الحرام.

ومن قرأ على الجمع فإما أن يراد جميع المساجد فيشمل المسجد الحرام أيضاً الذي هو أشرفها وهذا آكد لأن طريقه طريق الكناية كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله كنت أنفي لقراءته القرآن من تصريحك بذلك، أو يراد المسجد الحرام وجمع لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها فعامره كعامر جميع المساجد، أو لأن بقعة منه مسجد.

قال الفراء: العرب قد تضع الواحد مكان الجمع كقولهم: فلان كثير الدرهم، وبالعكس كقولهم: فلان يجالس الملوك ولعله لم يجالس إلا ملكاً واحداً.

وعمارة المسجد إما لزومه وإما كثرة إتيانه للصلاة والاعتكاف، ولا شك أنه ليس للمشرك ذلك وإما مرمته وتعهده، وليس للمشرك هذا أيضاً لأنه يجري مجرى الإنعام على المسلمين ولا ينبغي أن يكون للكافر منه على أهل الإسلام، ولأن دخوله المسجد يؤدي إلى تلوث المسجد إما لكونه نجساً في الحكم، وإما لأنه قلما يحترز من النجاسات.

وما روي أنه صلى الله عليه وآله أنزل وفد ثقيف في المسجد وهم كفار وشدّ ثمامة بن أثال الحنفي على سارية من سواري المسجد محمول على تعظيم شأنه  كأنه أراد أن يكون ذلك بمحضر منه وهو في المسجد.

وقوله ﴿ شاهدين على أنفسهم ﴾ حال من الواو في ﴿ يعمروا ﴾ والمعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة معابد الله مع الكفر به.

وفي تفسير هذه الشهادة أقوال أصحها أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان وتكذيب النبي والقرآن ولهذا قال السدي: هي أن النصراني إذا قيل له ما أنت؟

قال: نصراني.

واليهودي يقول: يهودي، وعابد الوثن يقول: أنا عابد الوثن.

وقيل: هي قولهم في طوافهم "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك".

وعن ابن عباس أنه قال: المراد أنهم يشهدون على محمد بالكفر.

وإنما جاز هذا التفسير لقوله  ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم  ﴾ ثم بيّن  ما هو الحق في هذا الباب فقال ﴿ أولئك حبطت أعمالهم ﴾ الصادرة عنهم كإكرام الوالدين وبناء الربط وإطعام الجائع لأنه لا يفيد مع الكفر طاعة لأن الكفر يوجب عقاب الأبد ولهذا قال ﴿ وفي النار هم خالدون ﴾ ولإفادة هذا التركيب الحصر احتجت الأشاعرة به على خلاص صاحب الكبيرة.

ثم وصف من له استئهال عمارة المسجد فقال ﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ لأن المرء ما لم يعرف المبدأ والمعاد لا يصح منه التوجه إليه.

وإنما طوى ذكر الرسول تنبيهاً على أنه واسطة والتوجه الحقيقي من الله وإلى الله ولهذا ورد في الحديث: "المصلي يناجي ربه" .

وقيل: إن المشركين كانوا يقولون إن محمداً ادّعى رسالة الله طلباً للرياسة والملك فلنفي هذه التهمة ترك ذكره  .

وقيل: دل عليه بقوله ﴿ وأقام الصلاة وآتى الزكاة ﴾ لأنهما معلومتان من أفعاله  ولما في الصلاة من التشهد وقبلها الأذان والإقامة.

ثم إن إقامة الصلاة لا ريب أن فيها عمارة المسجد والحضور فيه، وأما إيتاء الزكاة فإنما كان سبباً للعمارة لأنه يحضر المسجد طوائف الفقراء والمساكين لأخذ الزكاة، ولأن إيتاء الزكاة واجب وبناء المسجد وإصلاحه نفل والإنسان ما لم يفرغ عن الواجب لم يشتغل بالنافلة، فلو لم يكن مؤدياً للزكاة فالظاهر أنه لم يشتغل بعمارة المسجد.

ثم قال ﴿ ولم يخش إلا الله ﴾ ليعلم أنه لو أتى المسجد وبناه رياء وسمعة لم يكن عامراً له.

فعلى المؤمن أن يختار في جميع الأحوال رضوان الله على غيره فإن ذلك لو ضره في العاجل فسينفعه في الآجل وفي إدخال كلمة "إنما" في صدر الآية تنبيه على أن من لم يكن موصوفاً بالصفات المذكورة لم يكن من أهل عمارة المسجد، وأن المسجد يجب صونه عن غير العبادة.

فقد روي عن النبي  أنه قال: "يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقاً ذكرهم الدنيا لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة" وعنه  : "الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش" وقال صلى الله عليه وآله: قال الله  : "إن بيوتي في أرضي المساجد وإن زوّاري فيها عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحقّ على المزور أن يكرم زائره" ومن عمارة المساجد تعظيمها والدرس فيها وقمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح.

فعن أنس عن النبي  : "من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه" .

وفي قوله ﴿ فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ﴾ حسم لأطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم فإن الموصوفين بالصفات المذكورة إذا كان اهتداؤهم المستعقب لصلاح حالهم في الدارين دائراً بين عسى ولعل فما ظنك باهتداء المشركين ومغبتهم؟

وفيه أن المؤمن يجب أن لا يغتر بالله عزّ وجلّ.

هذا وقد مر أن بعض الأئمة ذهبوا إلى أن "عسى" من الله الكريم واجب.

وقال بعضهم: إن الرجاء راجع إلى العباد.

ثم إنه قال ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ ومعناه هبوا أن عمارة المسجد وسقي الحجيج يوجب لكم نوعاً من الفضيلة إلا أن هذه الأعمال في مقابلة الإيمان بالله والجهاد شيء نزر.

قال المفسرون: إنها نزلت في مناظرة جرت بين فريقين إلا أنهم اختلفوا فقيل: "كافر" و "مؤمن" لقوله ﴿ كمن آمن ﴾ وقصة ما مر أن العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد فلقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج.

وروي أن المشركين قالوا لليهود: نحن سقاة الحجيج وعمار المسجد الحرام أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟

فقالت اليهود لهم: أنتم أفضل.

وقيل: إن كلا الفريقين مؤمن لقوله ﴿ أولئك أعظم درجة ﴾ وهذا يقتضي أن يكون للمفضول أيضاً درجة.

وقصته ما روى عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله  فقال رجل: لا أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أسقي الحاج.

وقال الآخر: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أعمر المسجد الحرام.

وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم: فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله  وذلك يوم الجمعة ولكني إذا صليت دخلت فاستفتيت رسول الله  فيما اختلفتم فيه ففعل فأنزل الله الآية.

ويروى عن الحسن والشعبي أن طلحة قال: أنا صاحب البيت بيدي مفاتحه ولو أشاء بت فيه.

وقال العباس: وذلك بعد إسلامه أنه صاحب السقاية والقائم عليها.

وقال عليّ  : ما أدري ما تقولان لقد صليت ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد فنزلت.

وعن ابن سيرين: قال عليّ  للعباس بعد إن كان أسلم: ألا تهاجر ألا تلحق بالنبي  ؟

فقال: ألست في أفضل من الهجرة، ألست أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام؟

فنزلت هذه الآية.

فقال العباس: ما أراني إلا ترك سقايتنا.

فقال النبي  : "أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيراً" .

والسقاية والعمارة مصدران من سقي وعمر، ولا بد من تقدير مضاف أي أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن، أو أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كخصال من آمن؟

ثم كان لسائل أن يسأل ما بال أحد الفريقين لا يشبه بالآخر فلا جرم قال مستأنفاً ﴿ لا يستوون عند الله ﴾ ثم صرح بالمفضول فقال ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ أي المشركين ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ وأي ظلم أشنع من وضع أخس الموجودات وهو الأصنام مقام أشرفها وهو الله  .

وإنما لم يهدهم الله لعدم قابلية وقع في استعدادهم الفطري.

وذلك لكونهم مظاهر القهر فافهم.

ثم صرح بالفريق الفاضل فقال ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية.

ثم من قال إن الفريقين المتناظرين كافر ومؤمن أورد عليه أن قوله: ﴿ أعظم درجة ﴾ وجب أن يكون للمفضول أيضاً درجة ولكنه ليس للكافر درجة.

وأجيب بأن هذا وارد على حسب ما كانوا يقدرونه لأنفسهم من الدرجة والفضيلة نظيره قوله: ﴿ أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ .

أو المراد أنهم أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفاً بالهجرة ولا الجهاد وإن كان مؤمناً فضلاً عن الكافر.

أو المراد ترجيح الإيمان والهجرة والجهاد على السقاية والعمارة.

ولا شك أنهما من أعمال والخير وموجبان للثواب لولا الكفر.

وفي قوله: ﴿ عند الله ﴾ تشريف عظيم لقوله ﴿ ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ﴾ وكذا في قوله ﴿ وأولئك هم الفائزون ﴾ لدلالته على انحصار الفوز فيهم.

ثم فسر الفوز بقوله ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات ﴾ التنكير فيها يفيد أنها وراء وصف الواصف، قال المتكلمون: الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فالتبشير بالرحمة والرضوان إشارة إلى غاية التعظيم ونهاية الإجلال والجنات إشارة إلى حصول المنافع العظيمة.

وقوله ﴿ لهم فيها نعيم ﴾ إشارة إلى خلوص تلك المنافع عن شوائب الكدورات.

ثم عبر عن دوامها بثلاثة ألفاظ مؤكدات أولها ﴿ مقيم ﴾ وثانيها ﴿ خالدين ﴾ وثالثها ﴿ أبداً ﴾ وقال أهل التحقيق: الفرح بالنعمة قد يكون من حيث إنها نعمة وقد يكون من حيث إن المنعم خصه بها كالسلطان إذا أعطى بعض الحاضرين تفاحة مثلاً، ثم النعمة قد تكون حسية وقد تكون عقلية فقوله ﴿ يبشرهم ربهم ﴾ إشارة إلى أعلى المراتب وهو مقام العارفين الذين نظرهم على مجرد سماع البشارة لا على المبشر به.

وقوله ﴿ برحمة منه ورضوان ﴾ إشارة إلى المرتبة الوسطى وهم العاكفون على عتبة اللذات الروحانية العقلية.

وقوله ﴿ جنات ﴾ إلى آخره إشارة إلى المرتبة السفلى وهم الواقفون عند ساحات مواقع اللذات الحسيات.

وفي تخصيص الرب بالمقام إشارة إلى أن الذي رباكم في الدنيا بالنعم التي لا حد لها يبشركم بخيرات دائمة وسعادات باقية لا حصر لها.

ويجوز أن تكون الرحمة إشارة إلى رضا العبد بقضائه فيسهل عليه الغموم والآفات، والرضوان إشارة إلى رضاه عن العبد فيكون كقوله ﴿ ارجعي إلى ربك راضية مرضية  ﴾ ثم أكد المعاني المذكورة بقوله ﴿ الله عنده أجر عظيم ﴾ وفي تصدير الجملة الاسمية بأن وفي لفظ "عند" وتقديمه وتنكير "أجر" ووصفه بالعظم مبالغات لا تخفى.

قال الكلبي: لما أمر رسول الله  الناس بالهجرة إلى المدينة جعل الرجل يقول لأبيه ولأخيه ولقرابته إنا قد أمرنا بالهجرة فمنهم من يسرع إلى ذلك ويعجبه، ومنهم من تتعلق به زوجته وعياله وولده فيقولون: ننشدك الله أن لا تدعنا إلى غير شيء فنضيع فيرق فيجلس معهم ويدع فنزل فيهم ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ﴾ الآيتين.

وذكروا في وجه النظم أن هذه الآية جواب عن شبهة أخرى قالوها وهي أنه كيف يمكن دعوى البراءة من الكفار وبينهم وبين المسلمين قرابات ومواصلات ومعاملات؟

فذكر الله  أن الانقطاع عن الآباء والأبناء والإخوان واجب بسبب الكفر.

ومعنى استحبوا اختاروا وهو في الأصل طلب المحبة.

ثم إن النهي كان يحتمل أن يكون نهي تنزيه لا تحريم فلإزالة الوهم ختم الآية بقوله ﴿ ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ﴾ قال ابن عباس: يريد أنه يكون مشركاً مثلهم لأن الرضا بالشرك شرك.

وعن النبي  : "لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحب في الله ويبغض في الله حتى يحب في الله أبعد الناس ويبغض في الله أقرب الناس" .

وعن ابن عباس: هي في المهاجرين خاصة كان قبل فتح مكة من آمن لم يتم إيمانه إلا بأن يهاجر ويصارم أقاربه الكفرة ويقطع موالاتهم..

فقالوا: يا رسول الله إن نحن اعتزلنا من يخالفنا في الدين قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا وذهبت تجارتنا وهلكت أموالنا وخربت ديارنا ضائعين فنزلت ﴿ قل إن كان آباؤكم ﴾ الآية.

فهاجروا فجعل الرجل يأتيه ابنه وأبوه وأخوه أو بعض أقاربه فلا يلتفت إليه ولا ينزله ولا ينفق عليه ثم رخص لهم بعد ذلك.

وقيل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا ولحقوا بمكة فنهى الله عزّ وجلّ عن موالاتهم.

قال الواحدي: عشيرة الرجل أهله الأدنون وهم الذين يعاشرونه.

ومن قرأ على الوحدة فلأن العشيرة اسم جمع.

ومن قرأ على الجمع فلأن كل واحد من المخاطبين له عشيرة.

قال الأخفش: لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات وإنما يجمعونها على عشائر القرآن حجة عليه.

والاقتراب الاكتساب والتركيب يدور على الدنو والكاسب يدني الشيء من نفسه ويدخله تحت ملكه.

والترتيب المذكور في الآية غاية الحسن لأن أعظم الأسباب الداعية إلى المخالطة القرابة القريبة ثم البعيدة، ثم إنه يتوسل بتلك المخالطة إلى إبقاء الأموال المكتسبة ثم إلى التجارات المثمرة، وفي آخر المراتب الرغبة في الأوطان التي بنيت للسكنى، فبيّن  أنه يجب تحمل هذه المضار في الدنيا ليبقى الدين سليماً، وذكر أنه إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية أولى عندهم من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله ﴿ فتربصوا ﴾ انتظروا بما تحبون ﴿ حتى يأتي الله بأمره ﴾ عن الحسن هو عقوبة عاجلة أو آجلة.

وقيل: يعني القتال.

وعن ابن عباس: هو فتح مكة وفيه بعد لما روي أن هذه السورة نزلت بعد فتح مكة ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الخارجين عن طاعة الله إلى معصيته ولا يخفى ما فيه من التهديد.

ثم لما أوجب ترك مصالح الدنيا لأجل الدين أراد أن يبين أن كل من أعرض عن الدنيا لأجل مصالح دينه فإن الله  يراعي مصالح دنياه فيفوز بسعادة الدارين وضرب لنا مثلاً فقال ﴿ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ﴾ قال الواحدي: النصر المعونة على الأعداء خاصة، والمواطن جمع موطن وهو كل موضع أقام به الإنسان لأمر.

ومواطن الحرب مقاماتها ومواقعها.

وامتناعها من الصرف لأنه على صيغة منتهى الجموع ولا هاء كمساجد.

والمواطن الكثيرة غزوات الرسول  وهي على ما في الصحاح تسع عشرة منها: غزوة بدر وقريظة والنضير وأحد وغزوة الخندق وذات الرقاع وغزوة بني المصطلق وغزوة أنمار وغزوة ذي قرد وخيبر والحديبية والفتح.

﴿ ويوم حنين ﴾ أي يوم حنين.

واستبعد صاحب الكشاف عطف الزمان على المكان فقال: معناه في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين، وجوّز أن يراد بالموطن الوقت كمقتل الحسين  قال علي: أن الواجب أن يكون يوم ﴿ حنين ﴾ منصوباً بالفعل مضمر لا بهذا الظاهر أي ونصركم يوم حنين لأن قوله ﴿ إذ أعجبتكم كثرتكم ﴾ بدل من ﴿ يوم حنين ﴾ فلو جعلت ناصبه هذا الظاهر لم يصح لأن كثرتهم لم تعجبهم في جميع المواطن ولم يكونوا كثيراً في جميعها، وجوّز أن يكون "إذ" منصوباً بإضمار "اذكر".

قلت: ولعله لا حاجة إلى هذه التكلفات فلا استبعاد في عطف الزمان والمكان، وما جعل بدلاً عن الزمان لا يلزم أن يكون بدلاً عن المكان حتى يكون الفعل الأوّل مقيداً بهما جميعاً.

وحنين وداً بين مكة والطائف.

قال المفسرون: لما فتح رسول الله  مكة وقد بقيت أيام من شهر رمضان خرج متوجهاً إلى حنين لقتال هوازن وثقيف.

واختلفوا في عدد عسكر رسول الله  حينئذ فعن عطاء عن ابن عباس كانوا ستة عشر ألفاً.

وقال قتادة: كانوا اثني عشر ألفاً وعشرة الآف من الذين حضروا مكة وألفان من الطلقاء الأسارى الذين أعتقهم رسول الله  .

وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف.

وبالجملة كانوا عدداً كثيرين وكانت هوازن وثقيف أربعة آلاف، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة.

فهذه الكلمة ساءت رسول الله  وهي المراد من قوله ﴿ إذ أعجبتكم ﴾ وقيل: قالها أبو بكر.

وقيل: رسول الله  وهو بعيد لأنه كان في جميع الأحوال متوكلاً على الله منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها.

ثم قال ﴿ فلم تغن عنكم شيئاً ﴾ والإغناء إعطاء ما يدفع الحاجة أي لم تعطكم الكثرة شيئاً يدفع حاجتكم ولم تفدكم ﴿ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ﴾ "ما" مصدرية والباء بمعنى "مع" والرحب السعة والجار والمجرور في موضع الحال أي متلبسة برحبها كقولك: دخلت عليه بثياب السفر، والمعنى أنكم لشدة ما لحقكم من الرعب لم تجدوا في الأرض ذات الطول والعرض موضعاً يصلح لهربكم إليه وكأنها ضاقت عليكم ﴿ ثم وليتم مدبرين ﴾ أي انهزمتم انهزاماً.

قال البراء بن عازب: كانت هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا وأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله  ولم يبق معه إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحرث، والذي لا إله إلا الله ما ولى رسول الله  دبره قط، ولقد رأيته وأبو سفيان أخذ بالركاب والعباس آخذ بلجام الدابة وهو يقول: أنا النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب *** وطفق يركض بغلته نحو الكفار لا يبالي وكانت بغلته شهباء ثم قال للعباس: ناد المهاجرين والأنصار وكان العباس رجلاً صيتاً فنادى يا أصحاب الشجرة فرجعوا ونزلت الملائكة عليهم ثياب بيض وهم على خيول بلق، وأخذ رسول الله  بيده كفاً من الحصباء فرماهم بها وقال: شاهت الوجوه، فما زال جدهم مدبراً وحدهم كليلاً ولم يبق منهم أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب فانهزموا وذلك قوله  ﴿ ثم أنزل الله سكينته ﴾ رحمته التي سكنوا بها وآمنوا ﴿ على رسوله وعلى المؤمنين ﴾ الذين كانوا انهزموا وعلى الذين ثبتوا مع رسول الله  حين وقع الهرب.

﴿ وأنزل الله جنوداً لم تروها ﴾ يعني الملائكة ستة عشر ألفاً أو ثمانية آلاف أو خمسة آلاف على اختلاف الروايات.

وعن سعيد بن المسيب قال: حدّثني رجل كان من المشركين يوم حنين: قال لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم فلما انتهينا إلى صاحب البلغة الشهباء تلقانا رجال بيض الوجوه حسان فقالوا: شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا وركبوا أكتافنا.

واختلفوا في قتال الملائكة فقيل: قاتلوا.

وقيل: ما قاتلوا إلا يوم بدر وإنما نزلوا في هذا اليوم لتكثير السواد ولإلقاء الخواطر الحسنة في قلوب المؤمنين.

ثم قال ﴿ وعذب الذين كفروا ﴾ أي بالقتل والأسر وأخذ الأموال وسبي الذراري.

واحتجت الأشاعرة بإنزال السكينة وهي داعية السكون والثبات وبقوله ﴿ وعذب ﴾ على أن الدواعي والأفعال كلها بخلق الله  .

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وذلك جزاء الكافرين ﴾ واعلم أن الحنفية تمسكوا في مسألة الجلد مع التغريب بقوله  ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا  ﴾ قالوا الفاء للجزاء اسم للكافي وكون الجلد كافياً يمنع أن يكون غيره مشروعاً معه.

وأجابت الشافعية بأنه قال  في هذه الآية ﴿ ذلك ﴾ أي الأخذ والأسر ﴿ جزاء الكافرين ﴾ سمي العذاب العاجل جزاءً مع أنه غير كافٍ لأن العذاب الآجل باقٍ.

أما قوله ﴿ ثم يتوب الله من بعد ذلك ﴾ أي يسلم ناس منهم.

"روي أن ناساً منهم جاؤا تائبين فأسلموا وقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبرهم وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا.

قيل سبي يومئذ ستة آلاف نفس وأخذ من الإبل والغنم ما لا يحصى.فقال: إن عندي ما ترون العساكر الفقراء وإن خير القول أصدقه، اختاروا وإما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم.

قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً.

فقام رسول الله  فقال: إن هؤلاء جاؤا مسلمين وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئاً.

فمن كان بيده شيء وطابت نفسه أن يرده فشأنه ومن لا فليعطنا وليكن قرضاً علينا حتى نصيب شيئاً فنعطيه مكانه.

قالوا: رضينا وسلمنا فقال: إني لا أدري لعل فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا.

فرفعت إليه  العرفاء أن قد رضوا" .

ثم إنه  أجاب عن شبهة أخرى لهم وذلك أن علياً  حين قرأ عليهم براءة فنبذ إليهم عهدهم قال أناس: يا أهل مكة ستعلمون ما تلقونه من الشدة لانقطاع السبل وفقد الحمولات فقال  ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ﴾ قال في الكشاف: هو مصدر كالقذر ومعناه ذوو ونجس.

وقال الليث: إنه صفة يستوي فيه الواحد وغيره: رجل نجس وقوم نجس وامرأة نجس.

قلت ويجوز أن يجعل المصدر نغتاً للمبالغة في الوصف.

واختلف في تفسير كون المشرك نجساً فعن ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير.

وعن الحسن من صافح مشركاً توضأ وهو قول الهادي من أئمة الزيدية.

وأما الفقهاء فقد اتفقوا على طهارة أبدانهم واحتج القاضي على ذلك بما روي أنه  شرب من أوانيهم وبأنه لو كان نجس العين لما تبدلت النجاسة بسبب الإسلام، وأوّلوا الآية بأن معناها أنهم لا يغتسلون عن الجنابة ولا يتوضؤون عن الحدث، أو أنهم بمنزلة الشيء النجس في وجوب الاجتناب والاحتراز عنهم، أو أن كفرهم الذي هو صفة لهم بمنزلة النجاسة الملتصقة بالشيء ﴿ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ وهي السنة التاسعة من الهجرة التي وقع النداء فيها بالبراءة من المشركين واختلفوا في هذا النهي فعن أبي حنيفة وأصحابه أن المراد أن لا يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلونه في الجاهلية، والدليل عليه قول علي  في النداء: ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك.

وقال الشافعي: المراد المنع من الدخول فيه وهو ظاهر النص.

وقاس مالك سائر المساجد على المسجد الحرام في المنع من الدخول فيه.

وقيل: المراد أن يمنعوا من تولي المسجد الحرام والقيام بمصالحه ويعزلوا عن ذلك.

وعن عطاء أن المراد بالمسجد الحرام والحرم وأن على المسلمين أن لا يمكنوهم من دخوله، ونهي المشركين أن يقربوهراجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم منه لقوله ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ أي فقراً بسبب منع المشركين وموضع التجارات ليس هو عين المسجد بل الحرم كله.

ومن قال إن المراد منعهم من الحج قال إنهم إذا لم يحضروا الموسم لم يحصل للمسلمين ما كان لهم في قدومهم عليهم من الأرفاق والمكاسب فلهذا خافوا الفقر، ثم وعدهم الله إزالة الفقر بقوله ﴿ فسوف يغنيكم الله من فضله ﴾ أي من تفضله بوجه آخر قال عكرمة: أنزل الله عليهم المطر فكثر خيرهم.

وعن الحسن: جعل الله لهم أخذ الجزية بدلاً عن ذلك.

وقيل:أغناهم من الفيء.

وعن مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعاء وجرش وحملوا الطعام إلى مكة فكان ذلك أعود عليهم.

واعلم أن هذا إخبار بالغيب وقد وقع فكان معجزاً.

ومعنى ﴿ إن شاء ﴾ تعليم وإرشاد وأن لا يغتر المسلمون بذلك فيتركوا التضرع إلى الله واللجأ إليه، وليعلم أن حصول ذلك لا يكون في كل الأوقات لأغراض ومقاصد لا يعلمها إلا ضابط الأمور ورابط الأسباب، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن الله عليم ﴾ أي بأحوالكم ﴿ حكيم ﴾ لا يعطي ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب.

التأويل: ما كان لمشركي النفوس الأمارة ﴿ أن يعمروا مساجد الله ﴾ وهي القلوب وهم مصرون على ما جبلوا عليه من التمرد وتعبد الهوى.

﴿ حبط أعمالهم ﴾ التي صدرت عنهم رياء وسمعة ﴿ إنما يعمر ﴾ القلوب ﴿ من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ صدق بأن المقصود والمعبود هو الله، وعمل لنيل السعادات الأخروية وأدام المناجاة مع الله بصدق الطلب، وزكى نفسه عن الأخلاق الذميمة ولم يخف فوات الخطوط الدنيوية وإنما يخاف فوات الحقوق الإلهية.

﴿ سقاية الحاج ﴾ خدمة هذه الطائفة للأغراض الفاسدة ﴿ وعمارة المسجد الحرام ﴾ الأعمال الموجبة لعمارة القلوب إذا كانت مشوبة بالرياء والهوى ﴿ لا يستوون عند الله ﴾ الطالبون والبطالون ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الذين يضعون الأعمال الصالحة في غير موضعها ﴿ الذين آمنوا ﴾ أي القلوب المؤمنة ﴿ وهاجروا ﴾ أي الأرواح المهاجرة إلى القوالب ﴿ وجاهدوا في سبيل الله ﴾ الجهاد الأكبر ﴿ بأموالهم وأنفسهم ﴾ ببذل الموجود والوجود جميعاً ﴿ يبشرهم ربهم ﴾ بعد الخلاص عن حبس الوجود بتجلي صفات لطفه وجنات الشواهد والكشوف ﴿ إن الله عنده أجر عظيم ﴾ أي من وصل إلى مقام العندية فالله يعظم أجره ﴿ لا تتخذوا آباءكم ﴾ الآيتان.

فيهما إشارة إلى أن آثر محبة المخلوق على محبة الخالق فقد أبطل الاستعداد الفطري لقبول الفيض الإلهي.

﴿ ويوم حنين ﴾ أي حين حنت قلوبكم شوقاً إلى لقاء ربها وحسبتم أنكم تبلغونه بكثرة الطاعات، وضاقت عليكم أرض الوجود ثم أعرضتم عن الطلب إذ احتجبتم بحجب العجب مدبرين إلى عالم الطبيعة الحيوانية ﴿ ثم أنزل الله سكينته ﴾ هي واردات ترد على الأرواح والقلوب فتسكن إلى ربها على رسول الروح وعلى القلوب المؤمنة ﴿ وأنزل جنوداً ﴾ من المواهب الربانية وعذب النفوس المتمردة باستعمالها في أحكام الشريعة وآداب الطريقة ﴿ ذلك جزاء الكافرين ﴾ أي علاج النفوس المتمردة ثم يتوب الله من بعد ذلكالعلاج بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ، ﴿ إنما المشركون ﴾ النفوس العابدة للدنيا والشيطان والهوى ﴿ فلا يقربوا ﴾ القلب ﴿ بعد عامهم هذا ﴾ وهو حالة البلوغ وجريان قلم التكليف على الإنسان، نهى القلوب حينئذ عن اتباع النفوس وأمرها بقتالها ومنعها عن طوافها لئلا تنجس كعبة القلب بنجاسة شرك النفس وأوصافها الذميمة ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ حظوظاً يستلذ بها عند اتباع النفس ﴿ فسوف يغنيكم الله ﴾ بعد انقطاع تصرفات النفس عن القلب بالواردات الربانية والكشوف الروحانية ﴿ إن الله عليم ﴾ بمستحقي فضله ﴿ حكيم ﴾ فيما دبر من قتال النفوس.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ﴾ .

أي: نصركم في مواضع كثيرة كان فزعكم إلى الله -  - ونصركم يوم حنين - أيضاً - بعد ما هزمكم العدو بإعجابكم بالكثرة فصرفكم الفزع إلى الله، ونصركم - أيضاً - يوم حنين.

﴿ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً ﴾ .

يعني: الكثرة.

يذكرهم - عز وجل - منته عليهم وفضله أن النصر والظفر متى كان إنما كان بالله، لا بكثرتهم وقوتهم؛ لأنه لو كان على الكثرة لوكلوا إليها.

فإن قيل: قد أمرنا بأخذ العدة والقوة ما استطعنا بقوله: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ...

﴾ الآية [الأنفال: 60]، فإنما أمرنا بما يعجبنا، فما معنى النهي عن الإعجاب بالكثرة والقوة؟

وكذلك نهانا عن التأسي على ما فاتنا، ونهانا أن نفرح بما يؤتينا، وقد كلفنا الشكر لما آتانا، والصبر على ما فات منا، فلو لم نفرح بما آتانا لم يلزمنا الشكر، ولا الصبر بما فاتنا، فما معناه؟

معناه - والله أعلم - أنه نهانا أن نفرح بما يؤتينا لنفس الإيتاء، ونتأسى لنفس ما يصيبنا ويفوتنا، إنما علينا أن نفرح بفضل الله ومنته الذي من علينا وخصنا به، وعلى ذلك نشكره، وعلى ذلك الصبر بما يصيبنا ويفوتنا؛ لما جعل لنا لذلك ثواباً في الآخرة وأجراً عظيماً، وكذلك الكثرة، أمرنا بها، فإذا آتانا ذلك يعجبنا فضل الله ومنته في تلك الكثرة، لا الكثرة لنفسها والقوة، والله أعلم.

فإن قيل: الإعجاب بالكثرة كان من بعضهم، لا من الكل، فكيف هزم الكل؟

وكذلك العصيان يوم حنين إنما كان من بعض، كيف عاقب الجميع؟

قيل: لأن له أن يتلف الكل ابتداء.

ألا ترى في أمر الواحد القيام لاثنين [ثم] في الأمر بالجهاد أمراً على غير وسع، ولا كذلك في سائر العبادات؛ لأنه أمر الواحد القيام لاثنين منهم، وليس في وسع أحد القيام لاثنين، فهو - والله أعلم - لما أن له أن يكلف قتل أنفسهم وإتلافها.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ...

 ﴾ الآية، ولو لم يجز له أن يكتب قتل أنفسهم لم يكن ليذكره، دل أن ذلك له، وأن له أن يميتهم ويهلكهم؛ فعلى ذلك [له] أن يأمر بقتل أنفسهم، فإذا كان له ذلك؛ إذ في وسعهم قتل أنفسهم؛ فعلى ذلك [له] أن يكلف الواحد القيام لاثنين ولعدد، وإن كان في ذلك تلف أنفسهم.

وكذلك أمرنا بمجاهدة الشيطان عدونا، وأخبر أنه يرانا ولا نراه نحن بقوله: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ  ﴾ والمحاربة مع عدو لا نراه وهو يرانا أمر صعب شديد، لكن الله علمنا أسباب ما نحارب معه ونجاهد فنغلبه، وقال في الشيطان: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ  ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ ﴾ الآية [الأعراف: 201] علمنا أسباباً نقاتل بها الشيطان فنغلبه ونقهره، وهي ما ذكر من ذكره لا يقوم هو لذلك، وكذلك قال في العدو الذي نراه من البشر؛ حيث قال: ﴿ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً  ﴾ وقال: ﴿ وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ  ﴾ قد علمنا أسباب الجهاد معه، وأعلمنا الحيل التي تجوز لواحد القيام لاثنين فصاعداً بالحيل، وإذا لم يكن له الوسع به بالقوة نفسها.

ثم الفرق بين الجهاد وغيره من العبادات؛ لما يحتمل أن جعل الله الجهاد آية من آيات الحق والرسالة؛ ليعلم الخلائق أن النصر والظفر كان بالله، لا بغيره؛ ليظهر الحق من الباطل، والمحق من المبطل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ .

هذا على التمثيل؛ يقال عند شدة الحزن والغضب وعند بلوغها [الغاية والنهاية]: ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، يقال [ذلك] لسعة الأرض في أوهام الخلق.

وقوله - عز جل -: ﴿ ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ قال بعضهم: السكينة: الملائكة؛ كقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ...

﴾ الآية [آل عمران: 126].

وقال بعضهم: ﴿ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ ﴾ ، أي: نصرته.

وقيل: وقاره.

وقيل: رحمته.

وقيل: طمأنينته.

وأصله: سكنت قلوبهم واطمأنت بعد شدة الخوف والحزن بأي وجه ما، تسكن بالملائكة أو بغيرها، فأسكن قلب رسول الله  لما اشتد عليه رجوع أصحابه ومفارقتهم إياه ﴿ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ : وهم الملائكة، ﴿ وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ : بالقتال والهزيمة، وذلك جزاءهم.

وفي قوله: ﴿ ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه سماهم مؤمنين بعد ما كان منهم التولي، والتولي لم يخرجهم من الإيمان على ما قالوا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ثم بعد فراركم من عدوكم أنزل الله الطمأنينة على رسوله، وأنزلها على المؤمنين، فثبتوا للقتال، وأنزل ملائكة لم تروهم، وعذَّب الذين كفروا بما حصل لهم من القتل والأسر وأخذ الأموال وسبي الذراري، وذلك الجزاء الذي جوزي به هؤلاء هو جزاء الكافرين المكذبين لرسولهم المعرضين عما جاء به.

من فوائد الآيات مراتب فضل المجاهدين كثيرة، فهم أعظم درجة عند الله من كل ذي درجة، فلهم المزية والمرتبة العلية، وهم الفائزون الظافرون الناجون، وهم الذين يبشرهم ربهم بالنعيم.

في الآيات أعظم دليل على وجوب محبة الله ورسوله، وتقديم هذه المحبة على محبة كل شيء.

تخصيص يوم حنين بالذكر من بين أيام الحروب؛ لما فيه من العبرة بحصول النصر عند امتثال أمر الله ورسوله  وحصول الهزيمة عند إيثار الحظوظ العاجلة على الامتثال.

فضل نزول السكينة، فسكينة الرسول  سكينة اطمئنان على المسلمين الذين معه وثقة بالنصر، وسكينة المؤمنين سكينة ثبات وشجاعة بعد الجَزَع والخوف.

<div class="verse-tafsir" id="91.nK3vk"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله