الاستثناء في اليمين

الإسلام > الأيمان والمواريث > الاستثناء في اليمين

مسائلُ فقهيةٌ في الاستثناء في اليمين على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

تعريف الاستثناء في اليمين وحكمها

وكذا إذا قالَ: «عليَّ يَمينٌ» أو «يَمينُ اللهِ عليَّ»: فهو حالِفٌ؛ لأنَّه صرَّحَ بإِيجابِ اليَمينِ على نَفسِه، واليَمينُ لا تَكونُ إلا باللهِ تَعالى (١).

وأما الشافِعيةُ فقالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: مَنْ قالَ: «عليَّ نَذرٌ» ولَم يُسمِّ شَيئًا فلا نَذرَ ولا كَفارةَ؛ لأنَّ النَّذرَ مَعناهُ مَعنى «عليَّ أنَّ أَبرَّ» وليسَ مَعناهُ مَعنى «أنِّي أَثمتُ» ولا «حَلفتُ فلَم أَفعلْ»، وإذا نَوى بالنَّذرِ شَيئًا مِنْ طاعةِ اللهِ فهو ما نَوى (قالَ الشافِعيُّ) فإنَّا نَقولُ فيمَنْ قالَ: «عليَّ نَذرٌ إنْ كلَّمتُ فُلانًا» أو «عليَّ نَذرٌ أنْ أُكلِّمَ فُلانًا» يُريدُ هِجرتَه أنَّ عليه كَفارةَ يَمينٍ وأنَّه إنْ قالَ: «عليَّ نَذرٌ أنْ أَهجُرَه» يُريدُ بذلك نَذرَ هِجرتِه نَفسِها لا يَعني قولَه: «أنْ أَهجُرَه» أو «لَم أَهجُرْه» فإنَّه لا كَفارةَ عليه وليُكلِّمَه؛ لأنَّه نَذرٌ في مَعصيةٍ (٢).

الاستِثناءُ في اليَمينِ:

أجمَعَ أَهلُ العِلمِ على صِحةِ الاستِثناءِ في اليَمينِ فمَن حلَفَ يَمينًا وقالَ: إنْ شاءَ اللهُ، مُتَّصلًا بيَمينهِ فلَا حِنثَ عليه؛ لقولِه : «مَنْ حلَفَ فقالَ: إنْ شاءَ اللهُ لَم يَحنَثْ» (٣).

(١) «المبسوط» (٧/ ٢٣)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ٧، ٨)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ١٩، ٢٠)، و «اللباب» (٢/ ٣٨٦)، و «المدونة الكبرى» (٣/ ١٠٥)، و «الاستذكار» (٥/ ١٩٦)، و «شرح الزرقاني» (٣/ ٨٥)، و «الكافي» (٤/ ٤١٨)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٥٠)، و «المبدع» (٩/ ٢٧٧)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣٠٦)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٤٠).
(٢) «الأم» (٢/ ٢٥٤).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الترمذي (١٥٣٢)، والنسائي (٣٨٢٨)، وابن ماجه (٢١٠٥).

وعَن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما مَرفوعًا: «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ، فقالَ: إنْ شاءَ اللهُ فلَا حِنثَ عليه» (١).

عن ابنِ عُمرَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «مَنْ حلَفَ فاستَثنَى فإنْ شاءَ رجَعَ وإنْ شاءَ ترَكَ غيرَ حَنثٍ» (٢).

وسَواءٌ كانَ الاستِثناءُ مُقدَّمًا أو مُؤخَّرًا بعدَ أنْ يَكونَ مَوصولًا؛ لأنَّه لا بدَّ مِنْ الاتِّصالِ، أيْ: اتِّصالُ الاستِثناءِ باليَمينِ؛ لأنَّ بعدَ الفَراغِ عن اليَمينِ رُجوعٌ، ولا رَجوعَ في اليَمينِ.

وكذا إذا قالَ: «إذا شاءَ اللهُ»، أو: «إلا أنْ يَشاءَ اللهُ»، أو: «بقَضاءِ اللهِ»، أو: «بقُدرةِ اللهِ»، أو: «بما أَحبَّ اللهُ»، أو: «أَرادَ اللهُ»، أو: «إنْ أَعاننِي اللهُ»، أو: «بمَعونةِ اللهِ»، يُريدُ الاستِثناءَ، فهو مُستَثنٍ فيما بينَه وبينَ اللهِ.

قالَ الإمامُ التِّرمذيُّ رحمة الله عليه: والعَملُ على هذا عندَ أَكثرِ أهلِ العِلمِ مِنْ أَصحابِ النَّبيِّ وغيرِهم أنَّ الاستِثناءَ إذا كانَ مَوصولًا باليَمينِ فلا حِنثَ عليه، وهو قولُ سُفيانَ الثَّوريِّ والأَوزاعِيِّ ومالكِ بنِ أَنسٍ وعبدِ اللهِ بنِ المُباركِ والشافِعيِّ وأَحمدَ وإِسحاقَ (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا أنَّ مَنْ حلَفَ باسمٍ مِنْ أَسماءِ اللهِ ﷿ … ثم قالَ بلِسانِه: «إِنْ شاءَ اللهُ» أو «إلا أنْ يَشاءَ اللهُ» أو نحوَ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٢٦١)، والنسائي (٣٨٢٨)، والحاكم (٤/ ٣٣٦)، والبيهقي (١٠/ ٤٦)، وابن الجارود ص (٢٣٣)، وابن حبان (١٠/ ١٨٢).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٢٦٢)، والنسائي (٣٧٩٣)، وأحمد (٦٤١٤).
(٣) «سنن الترمذي» (٤/ ١٠٨).

ذلك مُتصلًا بيَمينِه ونَوى في حينِ لفظِه باليَمينِ أنْ يَستثِنيَ قبلَ تَمامِ لفظِه باليَمينِ أنَّه لا كَفارةَ عليه ولا يَحنَثُ إنْ خالَفَ ما حلَفَ عليه مُتعَمدًا أو غيرَ مُتعَمدٍ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأَجمعَ العُلماءُ على أنَّ الحالِفَ إذا وصَلَ يَمينَه باللهِ بالاستِثناءِ وقالَ إنْ شاءَ اللهُ فقد ارتَفعَ الحِنثُ عليه ولا كَفارةَ عليه لو حنِثَ وأَجمَعوا أنَّ الاستِثناءَ جائِزٌ في اليَمينِ باللهِ (٢).

وقالَ الإمامُ البَغويُّ رحمة الله عليه: والعَملُ على هذا عندَ عامَّةِ أهلِ العِلمِ أنَّ الاستِثناءَ إذا كانَ مَوصولًا باليَمينِ، فلا حِنثَ عليه، ولا فَرقَ بينَ اليَمينِ باللهِ، أو بالطَّلاقِ والعِتاقِ عندَ أَكثرِ أهلِ العِلمِ.

وقالَ مالكٌ والأَوزاعِيُّ: إذا حلَفَ بطَلاقٍ أو عِتقٍ، فالاستِثناءُ لا يُغنِي عنه شَيئًا، ويَقعُ الطَّلاقُ والعِتاقُ، وقالَ أَصحابُ مالكٍ: الاستِثناءُ إنَّما يَعملُ في يَمينٍ يَدخلُها الكَفارةُ حتى قالَ مالِكٌ: إذا حلَفَ بالمَشيِ إلى بيتِ اللهِ، واستَثنى، فاستِثناؤُه ساقِطٌ، والحِنثُ له لَازمٌ.

واختَلفَ أهلُ العِلمِ في الاستِثناءِ إذا كانَ مُنفصِلًا عن اليَمينِ، فذهَبَ أَكثرُهم إلى أنَّه لا يَعملُ إلا أن يَكونَ بينَ اليَمينِ والاستِثناءِ سَكتةٌ بَسيرةٌ كسَكتةِ الرَّجلِ للتَّذكرِ، أو للعِيِّ، أو للتَّنفسِ، فإنْ طالَ الفَصلُ، أو اشتَغلَ بكَلامٍ آخرَ بينَهما، ثم استَثنى، فلا يَصحُ.

(١) «مراتب الإجماع» (١٥٩).
(٢) «الاستذكار» (٥/ ١٩٣)، وينظر: «المدونة الكبرى» (٣/ ١٠٩)، و «المُوطأ» برِوايةِ مُحمدِ بنِ الحَسنِ (٣/ ١٣٥)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٢٨٣، ٢٨٤).

وذهَبَ بعضُهم إلى أنَّ الاستِثناءَ جائِزٌ ما دامَ في المَجلسِ، رُويَ ذلك عن طَاووسٍ والحَسنِ، وقالَ قَتادةُ: له أنْ يَستَثنيَ ما لَم يَتكَلمْ، أو يَقمْ، وقالَ أَحمدُ: له أنْ يَستَثنيَ ما دامَ في ذلك الأَمرِ، وقالَ ابنُ عَباسٍ: له الاستِثناءُ بعدَ حينٍ، وقالَ مُجاهدٌ: بعدَ سِنينَ، وقالَ سَعيدُ بنُ جُبيرٍ: بعدَ أَربعةِ أَشهرٍ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ الجدُّ رحمة الله عليه: ويُسقِطُ الكَفارةَ -عمَّن حلَفَ بهذه اليَمينِ فحنِثَ فيها- الاستِثناءُ بمَشيةِ اللهِ تَعالى إذا وصَلَ ذلك بآخرِ كَلامِه وقصَدَ به حلَّ يَمينِه بإِجماعِ أهلِ العلمِ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالكِيُّ رحمة الله عليه: وأَجمعَت الأمةُ على أنَّ الرَّجلَ لو قالَ لرَجلٍ آخرَ له عليه حقٌّ: «واللهِ لأُعطِينَّك حقَّك غدًا إنْ شاءَ اللهُ» فجاءَ الغدُ ولَم يُعطِه شَيئًا أنَّه لا حِنثَ عليه في يَمينِه ولا يَلحقُه فيه كَذبٌ، والتَّأخيرُ مَعصيةٌ مِنْ الغَنيِّ القادِرِ (٣).

وقالَ أيضًا رحمة الله عليه: ولمَّا علِمَ اللهُ تَعالى أنَّ اليَمينَ يَرتبطُ، وأنَّ الخَلقَ يَتهافَتونَ إليها سِراعًا، جعَلَ منها مَخرجًا بالاستِثناءِ .... وإنْ كانَ جَرى بمَشيئةِ اللهِ تَعالى، انحَلَّت عندَ كافَّةِ الفُقهاءِ (٤).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: الحالِفُ إذا قالَ: «إنْ شاءَ اللهُ» معَ يَمينِه فهذا يُسمَّى استِثناءً فإنَّ ابنَ عُمرَ رَوى عن النَّبيِّ أنَّه قالَ: «مَنْ

(١) «شرح السنة» (١٠/ ٢٠).
(٢) «المقدمات الممهدات» (١/ ٥٧٥).
(٣) «أحكام القرآن» (٣/ ٢٣٠).
(٤) «القبس» (٢/ ٦٦٩).

مسائل الاستثناء في اليمين الفقهية

ارجع إلى الأيمان والمواريث للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده