الإسلام > الأيمان والمواريث > حكم من حرم على نفسه شيئا
مسائلُ فقهيةٌ في حكم من حرم على نفسه شيئا على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةوذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا حلَفَ بكلِّ الأَيمانِ التي يَجوزُ الحَلفُ بها على شيءٍ واحدٍ فحنِثَ فعليه كَفارةٌ؛ لأنَّه حِنثٌ واحِدٌ أَوجبَ جِنسًا واحِدًا مِنْ الكَفاراتِ فلَم يَجبْ به أَكثرُ مِنْ كَفارةٍ كما لو قصَدَ التَّأكيدَ والتَّفهيمَ.
ولو حلَفَ على شيءٍ واحدٍ بيَمينَينِ مُختَلفي الكَفارةِ لزِمَته في كلِّ واحِدةٍ مِنْ اليَمينَينِ كَفارتُها، هذا مثلُ الحَلفِ باللهِ وبالظِّهارِ وبعِتقِ عبدِه فإذا حنِثَ فعليه كَفارةُ يَمينٍ وكَفارةُ ظِهارٍ ويَعتِقُ العَبدَ؛ لأنَّ تَداخُلَ الأَحكامِ إنَّما يَكونُ معَ اتِّحادِ الجِنسِ كالحُدودِ مِنْ جِنسِ والكَفاراتِ ههُنا أَجناسٌ وأَسبابُها مُختَلفةٌ فلَم تَتداخَلْ كحدِّ الزِّنا والسَّرقةِ والقَذفِ والشُّربِ (١).
حكمُ مَنْ حرَّمَ على نَفسِه شيئًا:
نصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ المُكلَّفَ إذا حرَّمَ على نَفسِه شَيئًا ممَّا أَباحَه اللهُ مِنْ طَعامٍ أو شَرابٍ أو لِباسٍ أو غيرِ ذلك سَواءٌ أَفردَ أو جمَعَ كقولِه: «إنْ فَعلتُ كذا فالحَلالُ عليَّ حَرامٌ» أو «الشيءُ الفُلانِيُّ عليَّ حَرامٌ» فإنَّه لا يَحرمُ عليه؛ لأنَّ المُحللَ والمُحرمَ هو اللهُ تَعالى، وله أنْ يَستَبيحَه بعدَ التَّحريمِ إلا أنَّهم اختَلَفوا هل يَلزمُه كَفارةُ يَمينٍ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ إلى أن مَنْ حرَّمَ على نَفسِه شَيئًا ممَّا يَملكُه لَم يَصرْ مُحرَّمًا عليه، وعليه إنِ استَباحهُ كَفارة يَمينٍ، بأنْ يَقولَ: «هذا الطَّعامُ عليَّ حَرامٌ»، أو: «حَرامٌ عليَّ أَكلُه»، فإنْ أكَلَه حنِثَ ولزِمَته الكَفارةُ، وصارَ كما إذا حرَّمَ أمَتَه أو زَوجتَه؛ لمَا رَواهُ الشَّيخانِ عن عُبيدِ بنِ عُميرٍ يَقولُ:
(١) «المغني» (٩/ ٤٠٥، ٤٠٧)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣١٠).
سَمعتُ عائِشَةَ رضي الله عنها تَزعمُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَمكثُ عندَ زَينبَ بِنتِ جَحشٍ ويَشربُ عندَها عَسلًا، فتَواصَيتُ أَنا وحَفصةُ أنَّ أيَّتَنا دخَلَ عليها النَّبيُّ ﷺ فلتَقلْ: إنِّي أَجدُ منك رِيحَ مَغافيرَ، أكَلتَ مَغافيرَ؟ فدخَلَ على إِحداهِما، فقالَت ذلك له، فقالَ: لا بَلْ شَربتُ عَسلًا عندَ زَينبَ بِنتِ جَحشٍ، ولَن أَعودَ له فنزَلَت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾ ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ لعائشةَ وحَفصةَ: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لقولِه بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا» (١). (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ مَنْ حرَّمَ على نَفسِه طَعامًا أو شَرابًا أو لِباسًا أو أَمةً أو شَيئًا مِنْ المُباحاتِ سِوى الزَّوجةِ، فلا حُكمَ لذلك ولا كَفارةَ يَمينٍ ولا غيرَها لقولِه تَعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، وقوله تَعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس: ٥٩]، فوصَفَ ذلك بأنَّه افتِراءٌ على وَجهِ الزَّجرِ عن فِعلِه، فدلَّ أنَّه لا كَفارةَ فيه، ولأنَّه حرَّمَ على نَفسِه مُباحًا له نَهيٌ عن تَحريمِه كاللِّباسِ والطِّيبِ، ولأنَّ كلَّ ذاتٍ لا يَصحُّ فيها الطَّلاقُ أو الإِعتاقُ فلا يَتعَلقُ بتَحريمُها حُكمٌ كاللِّباسِ، لا شيءَ عليه (٣).
(١) أخرجه البخاري (٦٦٩١)، ومسلم» (١٤٧٤).
(٢) «أحكام القرآن» (٢/ ٣٠٢)، و «الهداية» (٢/ ٧٥)، و «الاختيار» (٤/ ٦٤)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٢، ٣٤)، و «الكافي» (٤/ ٣٨٢)، و «الإنصاف» (١١/ ٣١)، و «الروض المربع» (٢/ ٦٠١)، و «منار السبيل» (٣/ ٤١٩، ٤٢٠).
(٣) «الإشراف على نكس مسائل الخلاف» (٤/ ٣٠٦، ٣٠٧)، و «شرح صحيح البخاري» (٦/ ١٥١)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٢٩٨)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٦٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤١٣)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٧٦)، و «الحاوي الكبير» (١٠/ ١٨٥)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٤٩١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واختَلَفوا فيمَن حرَّمَ على نَفسِه شَيئًا مِنْ المُباحاتِ فقالَ مالكٌ: لا يَلزمُ ما عدا الزَّوجةَ، وقالَ أهلُ الظاهرِ: ليسَ في ذلك شيءٌ، وقالَ أَبو حَنيفةَ: في ذلك كَفارةُ يَمينٍ.
وسَببُ اختِلافِهم مُعارضةُ مَفهومِ النَّظرِ لظاهِرِ قولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] وذلك أنَّ النَّذرَ ليسَ هو اعتِقادُ خِلافِ الحُكمِ الشَّرعيِّ أعنِي مِنْ تَحريمِ مُحللٍ أو تَحليلِ مُحرمٍ، وذلك أنَّ التَّصرفَ في هذا إنَّما هو للشَّارعِ فوجَبَ أنْ يَكونَ لمَكانِ هذا المَفهومِ أنَّ مَنْ حرَّمَ على نَفسِه شَيئًا أَباحَه اللهُ له بالشَّرعِ أنَّه لا يَلزمُه كما لا يَلزمُ إنْ نذَرَ تَحليلَ شيءٍ حرَّمَه الشُّرعُ وظاهرُ قولِه تَعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] أثرُ العتبِ على التَّحريمِ يُوجبُ أن تَكونَ الكَفارةُ تُحلُّ هذا العَقدَ وإذا كانَ ذلك كذلك فهو غيرُ لازمٍ، والفِرقةُ الأُولَى تَأولَت التَّحريمَ المَذكورَ في الآيةِ أنَّه كانَ العَقدُ بيَمينٍ.
وقد اختَلفَ في الشيءُ الذي نزَلَت فيه هذه الآيةُ.
وفي كِتابِ مُسلمٍ أنَّ ذلك كانَ في شَربةِ عَسلٍ، وفيه عن ابنِ عَباسٍ أنَّه قالَ: إذا حرَّمَ الرَّجلُ عليه امرَأتِه فهو يَمينٌ يُكفِّرُها، وقالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] (١).
(١) «بداية المجتهد» (١/ ٣١٠).
ارجع إلى الأيمان والمواريث للاطلاع على جميع الأبواب.