الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجهاد
مسائلُ فقهيةٌ في أقسام الجهاد على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةأقسامُ الجِهادِ:
يَنقسِمُ الجِهادُ في الإسلامِ إلى قِسمَينِ، هما: جِهادُ الدَّفعِ، وجِهادُ الطَّلبِ.
القِسمُ الأولُ: جِهادُ الدَّفعِ:
وهو جِهادُ العَدوِّ الصائِلِ والمُعتَدي ومُقاوَمتُه -سَواءٌ كانَ فَردًا أو طائِفةً- ومَنعُه من الاستِيلاءِ على بِلادِ المُسلِمينَ ولو كانَ جُزءًا منها، ولو قليلًا، وكذا مَنعُه من الاعتِداءِ على الأنفُسِ والأعراضِ، ولو لمْ يَحتَلَّ أرضَهم بالفِعلِ، وكذا مَنعُه من فِتنةِ المُسلِمينَ في دِينِهم.
حُكمُ جِهادِ الدَّفعِ:
وهذا القِسمُ من الجِهادِ فَرضُ عَينٍ على كلِّ مُسلمٍ مُكلَّفٍ قادِرٍ ولو امرأةً؛ وذلك عندَما يُهاجِمُ الكُفارُ المُسلِمينَ في عُقرِ دارِهم، وهذا الجِهادُ يَجبُ على أهلِ البَلدِ الذي دَهمَه العَدوُّ أولًا، ثم بعدَ ذلك بصُورةٍ دائِريةٍ على ما حَولَه من بِلادِ المُسلِمينَ حتى يَتمكَّن المُسلِمونَ من رَدِّ هذا العَدوِّ الذي دهَمَ أرضَهم، لا يُشترطُ في ذلك أيُّ شَرطٍ من شُروطِ الجِهادِ التي هي مُتعلِّقةٌ بجِهادِ الطَّلبِ لا بجِهادِ الدَّفعِ، هذا باتِّفاقِ أهلِ العِلمِ لا يُخالِفُ في ذلك أحَدٌ إطلاقًا.
قالَ الإمامُ الجَصاصُ رحمة الله عليه: ومَعلومٌ في اعتِقادِ جَميعِ المُسلِمينَ أنَّه إذا خافَ أهلُ الثُّغورِ من العَدوِّ ولم تَكنْ فيهم مُقاوَمةٌ لهم، فخافُوا على بِلادِهم وأنفُسِهم وذَراريِّهم أنَّ الفَرضِ على جَميعِ الأُمةِ أنْ يَنفِرَ إليهم مَنْ يَكفُّ عاديَتَهم عن المُسلِمينَ، وهذا لا خِلافَ فيه بينَ الأُمةِ؛ إذْ ليسَ من
قَولِ أحَدٍ من المُسلِمينَ إباحةُ القُعودِ عنهم حتى يَستَبيحوا دِماءَ المُسلِمينَ وسَبيَ ذَراريِّهم (١).
وقالَ الكَمالُ بنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: فإنْ هجَموا على بَلدةٍ من بَلداتِ المُسلِمينَ يَصيرُ من فُروضِ الأعيانِ، سَواءٌ كانَ المُستنفِرُ عَدلًا أو فاسِقًا، فيَجبُ على جَميعِ أهلِ تلك البَلدةِ النَّفرُ، وكذا مَنْ يَقرُبُ منهم إنْ لم يَكنْ بأهلِها كِفايةٌ، وكذا مَنْ يَقرُبُ ممَّن يَقرُبُ إنْ لم يَكنْ بمَن يَقرُبُ كِفايةٌ أو تَكاسَلوا أو عصَوْا، وهَكذا إلى أنْ يَجبَ على جَميعِ أهلِ الإسلامِ شَرقًا وغَربًا كجِهازِ المَيِّتِ والصَّلاةِ عليه يَجبُ أوَّلًا على أهلِ مَحلَّتِه، فإنْ لم يَفعَلوا عَجزًا وجَبَ على مَنْ ببلَدِهم على ما ذكَرْنا (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: الجِهادُ يَنقسِمُ أيضًا إلى قِسمَينِ:
أحدُهما: فَرضٌ عامٌّ مُتعيِّنٌ على كلِّ أحَدٍ ممَّن يَستطيعُ المُدافَعةَ والقِتالَ وحَملَ السِّلاحِ من البالِغينَ الأحرارِ، وذلك أنْ يَحِلَّ العَدوُّ بدارِ الإسلامِ مُحارِبًا لهم، فإذا كانَ ذلك وجَبَ على جَميعِ أهلِ تلك الدارِ أنْ يَنفِروا ويَخرُجوا إليه خِفافًا وثِقالَا وشَبَابًا وشُيُوخًا، وألَّا يَتخلَّفَ أحَدٌ يَقدِرُ على الخُروجِ من مُقِلٍّ أو مُكثِرٍ، وإنْ عجَزَ أهلُ تلك البَلدةِ عن القيامِ بعَدوِّهم كانَ على مَنْ قارَبَهم وجاوَرَهم أنْ يَخرُجوا، قَلُّوا أو كَثُروا على حسَبِ ما لزِمَ أهلَ تلك البَلدةِ حتى يَعلَموا أنَّ فيهم طاقةً على القيامِ بهم
(١) «أحكام القرآن» (٤/ ٣١٢).
(٢) «شرح فتح القدير» (٥/ ٤٣٩).
ومُدافَعتِهم، وكذلك كلُّ مَنْ علِمَ بضَعفِهم عن عَدوِّهم، وعلِمَ أنَّه يُدرِكُهم ويُمكِنُه غِياثُهم لزِمَه أيضًا الخُروجُ إليهم، فالمُسلِمونَ كلُّهم يَدٌ على مَنْ سِواهم حتى إذا قامَ بدَفعِ العَدوِّ أهلُ الناحيةِ التي نزَلَ العَدوُّ عليها واحتَلَّ بها سقَطَ الفَرضُ عن الآخَرينَ، ولو قارَبَ العَدوُّ دارَ الإسلامِ ولمْ يَدخلُوها لزِمَهم أيضًا الخُروجُ إليه (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: إذا تَعيَّنَ الجِهادُ بغَلبةِ العَدوِّ على قُطرٍ من الأقطارِ … وجَبَ على جَميعِ أهلِ تلك الدارِ أنْ يَنفِروا، ويَخرُجوا إليه خِفافًا وثِقالَا، شَبابًا وشُيوخًا.
كلٌّ على قَدرِ طاقَتِه … ، فإنْ عجَزَ أهلُ تلك البَلدةِ عن القيامِ بعَدوِّهم كانَ على مَنْ قارَبَهم وجاورَهم أنْ يَخرُجوا على حسَبِ ما لزِمَ أهلَ تلك البَلدةِ حتى يَعلَموا أنَّ منهم طاقةً على القيامِ بهم ومُدافَعتِهم، وكذلك كلُّ من علِمَ بضَعفِهم عن عَدوِّهم وعلِمَ أنَّه يُدرِكُهم ويُمكِنُه غِياثُهم لزِمَه -أيضًا- الخُروجُ إليهم، فالمُسلِمونَ كلُّهم يَدٌ على مَنْ سِواهم حتى إذا قامَ بدَفعِ العَدوِّ أهلُ الناحيةِ التي نزَلَ العَدوُّ عليها واحتلَّ بها سقَطَ الفَرضُ عن الآخَرينَ، ولو قارَبَ العَدوُّ دارَ الإسلامِ ولم يَدخُلوها لزِمَهم أيضًا الخُروجُ إليه حتى يَظهَرَ دينُ اللهِ وتُحمَى البَيضةُ وتُحفَظَ الحَوزةُ ويُخزَى العَدوُّ، ولا خِلافَ في هذا (٢).
(١) «الكافي» ص (٢٠٥).
(٢) «تفسير القرطبي» (٨/ ١٥١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: وأمَّا قِتالُ الدَّفعِ فهو أشَدُّ أنواعِ دَفعِ الصائِلِ عن الحُرمةِ والدِّينِ، فواجِبٌ إجماعًا، فالعَدوُّ الصائِلُ الذي يُفسِدُ الدِّينَ والدُّنيا لا شَيءَ أوجَبَ من دَفعِه فلا يُشترطُ له شرَطٌ؛ بل يُدفَعُ بحسَبِ الإمكانِ، وقد نَصَّ على ذلك العُلماءُ أصحابُنا وغيرُهم، فيَجبُ التَّفريقُ بينَ دَفعِ الصائِلِ الظالِمِ الكافِرِ وبينَ طَلبِه في بِلادِه (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه أيضًا: وإذا دخَلَ العَدوُّ بلادَ الإسلامِ فلا رَيبَ أنَّه يَجبُ دَفعُه على الأقربِ فالأقربِ؛ إذْ بلادُ الإسلامِ كلُّها بمَنزِلةِ البَلدةِ الواحِدةِ ويَجبُ النَّفيرُ إليه بلا إذنِ والِدٍ ولا غَريمٍ، ونُصوصُ أحمدَ صَريحةٌ بهذا (٢).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه أيضًا: وقِتالُ الدَّفعِ مِثلُ أنْ يَكونَ العَدوُّ كَثيرًا لا طاقةَ للمُسلِمينَ به، لكنْ يُخافُ إنِ انصَرَفوا عن عَدوِّهم عطَفَ العَدوُّ على مَنْ يَخلُفون من المُسلِمينَ، فهنا قد صرَّحَ أصحابُنا بأنَّه يَجبُ أنْ يَبذُلوا مُهَجَهم ومُهَجَ من يُخافُ عليهم في الدَّفعِ حتى يَسلَموا.
ونَظيرُها أنْ يَهجُمَ العَدوُّ على بِلادِ المُسلِمينَ وتَكونَ المُقاتِلةُ أقَلَّ من النِّصفِ، فإنِ انصَرَفوا استَولَوْا على الحَريمِ، فهذا وأمثالُه قِتالُ دَفعٍ لا قِتالُ طَلبٍ، لا يَجوزُ الانصِرافُ عنه بحالٍ، ووَقعةُ أُحُدٍ من هذا البابِ (٣).
(١) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٦٠٨).
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٦٠٩).
(٣) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٦٠٩).
وقالَ: جِهادُ الدَّفعِ للكُفارِ يَتعيَّنُ على كلِّ أحَدٍ، ويَحرُمُ فيه الفِرارُ مِنْ مِثلَيْهم؛ لأنَّه جِهادُ ضَرورةٍ لا اختيارٍ، وثَبَتوا يَومَ أُحدٍ والأحزابِ وُجوبًا، وكذا لمَّا قدِمَ التَّتارُ دِمَشقَ (١).
وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: وجِهادُ الدَّفعِ أصعَبُ من جِهادِ الطَّلبِ؛ فإنَّ جِهادَ الدَّفعِ يُشبِهُ بابَ دَفعِ الصائِلِ، ولِهذا أُبيحَ للمَظلومِ أنْ يَدفعَ عن نَفسِه، كما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩].
وقالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ قُتلَ دُونَ مالِه فهو شَهيدٌ، ومَن قُتلَ دُونَ دَمِه فهو شَهيدٌ» (٢)؛ لأنَّ دَفعَ الصائِلِ على الدِّينِ جِهادٌ وقُربةٌ، ولأنَّ دَفعَ الصائِلِ على المالِ والنَّفسِ مُباحٌ ورُخصةٌ؛ فإنْ قُتلَ فيه فهو شَهيدٌ.
فقِتالُ الدَّفعِ أوسَعُ من قِتالِ الطَّلبِ وأعَمُّ وُجوبًا، ولِهذا يَتعيَّنُ على كلِّ أحَدٍ أنْ يَقومَ ويُجاهِدَ فيه، العبدُ بإذنِ سَيِّدِه وبدُونِ إذْنِه، والوَلدُ بدونِ إذنِ أبوَيْه، والغَريمُ بغيرِ إذنِ غَريمِه.
وهذا كجِهادِ المُسلِمينَ يَومَ أُحُدٍ والخَندَقِ.
ولا يُشترطُ في هذا النَّوعِ من الجِهادِ أنْ يَكونَ العَدوُّ ضِعفَيِ المُسلِمينَ فما دونَ؛ فإنَّهم كانُوا يَومَ أُحُدٍ والخَندَقِ أضعافَ المُسلِمينَ، فكانَ الجِهادُ واجِبًا عليهم؛ لأنَّه حينَئذٍ جِهادُ ضَرورةٍ ودَفعٍ لا جِهادُ اختيارٍ، ولِهذا تُباحُ فيه صَلاةُ الخَوفِ بحسَبِ الحالِ في هذا النَّوعِ.
(١) «الفروع» (٦/ ١٩٠).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: الترمذي (١٤٢١)، والنسائي (٤٠٩٤)، وأحمد (١٦٥٢).
ومَعلومٌ أنَّ الجِهادَ الذي يَكونُ فيه الإنسانُ طالِبًا مَطلوبًا أوجَبَ من هذا الجِهادِ الذي هو فيه طالِبٌ لا مَطلوبٌ، والنُّفوسُ فيه أرغَبُ من الوَجهَينِ.
وأمَّا جِهادُ الطَّلبِ الخالِصِ؛ فلا يَرغَبُ فيه إلا أحَدُ رَجلَينِ:
إمَّا عَظيمُ الإيمانِ يُقاتِلُ لتَكونَ كَلمةُ اللهِ هي العُليا، ويَكونَ الدِّينُ كلُّه للهِ.
وإمَّا راغِبٌ في المَغنَمِ والسَّبيِ، فجِهادُ الدَّفعِ يَقصِدُه كلُّ أحَدٍ، ولا يَرغَبُ عنه إلا الجَبانُ المَذمومُ شَرعًا وعَقلًا، وجِهادُ الطَّلبِ الخالِصُ للهِ يَقصِدُه ساداتُ المُؤمِنينَ.
وأمَّا الجِهادُ الذي يَكونُ فيه طالبًا مَطلوبًا فهذا يَقصِدُه خيارُ الناسِ؛ لإعلاءِ كَلِمةِ اللهِ ﷾ ودِينِه، ويَقصِدُه أوساطُهم للدَّفعِ ولمَحبةِ الظَّفرِ (١).
(١) «الفروسية» (١٨٧/ ١٨٨)
ارجع إلى الجنايات والحدود للاطلاع على جميع الأبواب.