القصاص في الأطراف والجراحات

الإسلام > الجنايات والحدود > القصاص في الأطراف والجراحات

مسائلُ فقهيةٌ في القصاص في الأطراف والجراحات على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

تعريف القصاص في الأطراف والجراحات وحكمها

فصل في القِصاصِ فِي الأطرافِ والجِراحاتِ

حُكمُ القِصاصِ في الأطرافِ:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَريانِ القِصاصِ في الأطرافِ في اليدِ والرِّجلِ والأنفِ والعَينِ والأُذنِ، والدَّليلُ عليهِ الكِتابُ والسُّنةُ والإجماعُ:

أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تعالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] الآيَة، أي ذاتُ قِصاصٍ.

وأمَّا السُّنةُ: فعَن أنسٍ رضي الله عنه قالَ: «كَسرَتِ الرُّبيِّعُ -وهي عمَّةُ أنسِ بنِ مالكٍ- ثَنيَّةَ جاريةٍ مِنْ الأنصارِ، فطلَبَ القَومُ القِصاصَ، فأَتَوا النبيَّ فأمَرَ النبيُّ بالقِصاصِ، فقالَ أنسُ بنُ النَّضْرِ عَمُّ أنسِ بنِ مالكٍ: لا واللهِ، لا تُكسَرُ سِنُّها يا رَسولَ اللهِ، فقالَ رَسولُ اللهِ : يا أنَسُ كِتابُ اللهِ القِصاصُ، فرَضِيَ القَومُ وقَبلُوا الأرشَ، فقالَ رَسولُ اللهِ : إنَّ مِنْ عِبادِ اللهِ مَنْ لو أقسَمَ على اللهِ لَأبَرَّهُ» (١).

(١) أخرجه البخاري (٤٣٣٥).

وأمَّا الإجماعُ:

فقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: أما اليَدُ والذِّراعُ والرِّجلُ والساقُ فإذا قُطِعتِ اليدُ أو الرِّجلُ مِنْ المَفصلِ عَمدًا فلا خِلافَ بينَ العُلماءِ في أنَّ القِصاصَ واجِبٌ في ذلكَ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَريانِ القِصاصِ في الأطرافِ (٢).

وقالَ شَمسُ الدِّينِ المَقدسيُّ رحمة الله عليه: وأجمَعَ المُسلمونَ على جَريانِ القِصاصِ فيما دُونَ النَّفسِ إذا أمكَنَ، ولأنَّ ما دُونَ النفسِ كالنفسِ في الحاجةِ إلى حِفظِه بالقِصاصِ، فكانَ كالنَّفسِ في وُجوبِه (٣).

وقالَ أيضًا: تُؤخَذُ العَينُ بالعَينِ، والأنفُ بالأنفِ، والأذنُ بالأذنِ، والسِّنُّ بالسِّنِّ، والجَفنُ بالجَفنِ، والشِّفةُ بالشِّفةِ، واليَدُ باليَدِ، والرِّجلُ بالرِّجلِ، أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَريانِ القِصاصِ في الأطرافِ (٤).

وقالَ الزَّركشيُّ رحمة الله عليه: لا نِزاعَ في جَريانِ القِصاصِ في الأطرافِ (٥).

ولأنَّ القِصاصَ في النَّفسِ إنما جُعلَ لحِفظِ النَّفسِ، وهذا مَوجودٌ فيما دونَ النفسِ (٦).

(١) «الاستذكار» (٨/ ١٨٣).
(٢) «المغني» (٨/ ٢٥٤).
(٣) «الشرح الكبير» (٩/ ٤٢٧).
(٤) «الشرح الكبير» (٩/ ٤٢٨).
(٥) «شرح الزركشي» (٣/ ٢٢).
(٦) «البيان» (١١/ ٣٥٨).

وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: وتُقطعُ اليَدُ باليَدِ، والرِّجلُ بالرِّجلِ، والأصابعُ بالأصابعِ، والأنامِلُ بالأنامِلِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنَّ لها مَفاصِلَ يُمكنُ القِصاصُ فيها مِنْ غيرِ حَيفٍ.

إذا ثبَتَ هذا فإنْ قطَعَ أصابعَه مِنْ مَفاصلِها .. فله أنْ يَقتصَّ، وإنْ قطَعَ يَدَه مِنْ وَسطِ الكفِّ .. فليسَ له أنْ يَقتصَّ مِنْ وَسطِ الكفِّ؛ لأنَّ كسْرَ العَظمِ لا يَثبتُ فيه القِصاصُ بإجماعِ الأمَّةِ.

وإنْ أرادَ أنْ يَقتصَّ مِنْ الأصابعِ مِنْ أصولِها .. كانَ له ذلكَ؛ لأنَّ الأصابعَ يُمكنُ القِصاصُ فيها (١).

وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: فإنْ قيلَ: ليسَ في كِتابِ اللهِ تبارك وتعالى بَيانُ حُكمِ ما دُونَ النَّفسِ إلا في هذهِ الآيةِ الشَّريفةِ، وأنه إخبارٌ عن حُكمِ التَّوراةِ، فيَكونُ شَريعةَ مَنْ قَبلَنا، وشَريعةُ مَنْ قبلَنا لا تَلزمُنا.

فالجَوابُ أنَّ مِنْ القُرَّاءِ المَعروفينَ مَنْ ابتَدأَ الكَلامَ مِنْ قَولِه عزَّ شَأنُه: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] بالرَّفعِ إلى قَولِه تبارك وتعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾ على ابتِداءِ الإيجابِ لا على الإخبارِ عمَّا في التَّوراةِ، فكانَ هذا شَريعتَنا لا شَريعةَ مَنْ قبلَنا، على أنَّ هذا إنْ كانَ إخبارًا عن شَريعةِ التَّوراةِ لكنْ لم يَثبتْ نَسخُه بكِتابِنا ولا بسُنةِ رَسولِنا، فيَصيرُ شَريعةً لنَبيِّنَا مُبتدأةً، فيَلزمُنا العَملُ به على أنه شَريعةُ رَسولِنا لا على أنه شَريعةُ مَنْ قبلَه مِنْ الرُّسلِ على ما عُرِفَ في أصولِ الفقهِ، إلا أنه لم يَذكرْ وُجوبَ القِصاصِ

(١) «البيان» (١١/ ٣٧٦).

في اليَدِ والرِّجلِ نَصًّا، لكنَّ الإيجابَ في العَينِ والأنفِ والأذنِ والسنِّ إيجابٌ في اليَدِ والرِّجلِ دَلالةً؛ لأنه لا يَنتفعُ بالمَذكورِ مِنْ السَّمعِ والبَصرِ والشمِّ والسنِّ إلا صاحبُه، ويَجوزُ أنْ يَنتفعَ باليَدِ والرِّجلِ غيرُ صاحبِهما، فكانَ الإيجابُ في العُضوِ المُنتفَعِ به في حقِّه على الخُصوصِ إيجابًا فيما هو مُنتفعٌ به في حقِّه وفي حَقِّ غيرِه مِنْ طَريقِ الأَولى، فكانَ ذِكرُ هذهِ الأعضاءِ ذِكرًا لليَدِ والرِّجلِ بطَريقِ الدَّلالةِ له كما في التأفُّفِ مع الضَّربِ في الشَّتمِ، على أنَّ في كِتابِنا حُكمَ ما دُونَ النفسِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].

قالَ اللهُ تعالَى عزَّ شَأنُه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وأحَقُّ ما يُعملُ فيه بهاتينِ الآيتَينِ ما دُونَ النفسِ.

وقالَ تبارك وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [غافر: ٤٠]، ونَحو ذلكَ مِنْ الآياتِ.

وأمَّا المَعقولُ فهو إنَّ ما دونَ النفسِ له حُكمُ الأموالِ؛ لأنه خُلقَ وِقايةً للنفسِ كالأموالِ، ألَا تَرى أنه يُستوفَى في الحِلِّ والحَرمِ كما يُستوفَى المالُ.

وكذا الوَصيُّ يَلي استِيفاءَ ما دُونَ النفسِ للصَّغيرِ كما يَلي استِيفاءَ مالِه، فتُعتبَرُ فيه المُماثَلةُ كما تُعتبَرُ في إتلافِ الأموالِ (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٩٧).

مسائل القصاص في الأطراف والجراحات الفقهية

ارجع إلى الجنايات والحدود للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.6 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله