الإسلام > الجنايات والحدود > حكم عقد الهدنة هل يلزم الوفاء به أو يجوز للإمام فسخه متى شاء؟
مسائلُ فقهيةٌ في حكم عقد الهدنة هل يلزم الوفاء به أو يجوز للإمام فسخه متى شاء؟ على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةوقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: الصَّحيحُ عندي صِحةُ الشَّرطِ في الرِّجالِ دونَ النِّساءِ؛ لأنَّ الأبضاعَ يُحتاطُ لها (١).
حُكمُ عَقدِ الهُدنةِ هل يَلزمُ الوَفاءُ به أو يَجوزُ للإمامِ فَسخُه متى شاءَ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ عَقدِ الهُدنةِ هل هو عَقدٌ لازِمٌ إذا وقَعَ يَلزمُ الوَفاءُ به أو عَقدٌ جائِزٌ يَجوزُ للإمامِ أنْ يَفسَخَه متى شاءَ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ عَقدَ المُوادَعةِ غيرُ لازِمٍ، مُحتمِلٌ للنَّقضِ فلِلإمامِ أنْ يَنبِذَ إليهم إذا رأى القِتالَ أصلَحَ، وذلك بأنْ يُعلِمَهم أنَّه رجَعَ وفسَخ العَهدَ الذي بينَهم وبينَه؛ لأنَّ المُعتبَرَ المَصلَحةُ على ما بيَّنَّا، فإذا تَبدَّلت يَصيرُ النَّبذُ جِهادًا، وتَركُ النَّبذِ وإيفاءُ العَهدِ تَركُ الجِهادِ صُورةً ومَعنًى، ولا بدَّ من النَّبذِ تَحرُّزًا عن الغَدرِ المَنهيِّ عنه، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]، وقد قالَ ﷺ في العُهودِ: «وَفاءٌ لا غَدرٌ» (٢) فإذا وصَلَ النَّبذُ إلى مَلِكِهم فلا بأسَ للمُسلِمينَ أنْ يَغزوا عليهم؛ لأنَّ المَلِكَ يُبلِغُ قَومَه ظاهِرًا إلا إذا استَيقَنَ المُسلِمونَ أنَّ خبَرَ النَّبذِ لم يَبلُغْ قَومَه ولم يَعلَموا به فلا أُحبُّ أنْ يَغزوا عليهم؛ لأنَّ الخبَرَ إذا لم يَبلُغْهم فهم على حُكمِ الأمانِ الأولِ، فكانَ قِتالُهم منَّا غَدرًا وتَغريرًا.
(١) «روضة الطالبين» (٧/ ٦٥، ٦٥)، و «مغني المحتاج» (٦/ ١٠١، ١٠٢)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٤٤٩، ٤٥٠)، و «كنز الراغبين» (٤/ ٥٨٨).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٧٥٩)، والإمام أحمد (١٧٠٥٦)، والترمذي (١٥٨٠)، والنسائي في «الكبرى» (٨٧٣٢).
وكذلك إذا كانَ النَّبذُ من جِهَتِهم بأنْ أرسَلوا إلينا رَسولًا بالنَّبذِ وأخبَروا الإمامَ بذلك فلا بأسَ للمُسلِمينَ أنْ يَغزوا عليهم لما قُلنا إلا إذا استَيقَن المُسلِمونَ أنَّ أهلَ ناحيةٍ منهم لم يَعلَموا بذلك لما بيَّنَّا.
ولو وادَعَ الإمامُ على جُعلٍ أخَذَه منهم ثم بَدا له أنْ يَنقُضَ فلا بأسَ به لما بيَّنَّا أنَّه عَقدٌ غيرُ لازِمٍ فكانَ مُحتمِلًا للنَّقضِ ولكنْ يَبعَثَ إليهم بحِصةِ ما بَقيَ من المُدةِ من الجُعلِ الذي أخَذَه؛ لأنَّهم إنَّما أعطَوْه ذلك بمُقابَلةِ الأمانِ في كلِّ المُدةِ فإذا فاتَ بَعضُها لزِمَ الرَّدُّ بقَدْرِ الفائِتِ.
هذا إذا وقَعَ الصُّلحُ على أنْ يَكونوا مُستَبقِينَ أحكامَ الكُفرِ، فأمَّا إذا وقَعَ الصُّلحُ على أنَّه يَجري عليهم أحكامُ الإسلامِ فهو لازِمٌ لا يَحتمِلُ النقضَ؛ لأنَّ الصُّلحَ الواقِعَ على هذا الوَجهِ عَقدُ ذِمةٍ فلا يَجوزُ للإمامِ أنْ يَنبِذَ إليهم (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا تمَّ عَقدُ الهُدنةِ ولم يَنبِذْه الكُفارُ ولم يُشترطْ فيه شَرطٌ مُبطِلٌ له أنَّه يَلزمُ إمامَ المُسلِمينَ أنْ يُوَفِّيَ لهم بعَهدِهم إلى انقِضاءِ مُدَّتِها.
لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ولقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤]، وقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧].
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ١٠٩)، و «المبسوط» (١٠/ ٨٦)، و «الهداية» (٢/ ١٣٨)، و «شرح فتح القدير» (٥/ ٤٥٧)، و «الاختيار» (٤/ ١٤٦)، و «البحر الرائق» (٥/ ٨٦)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٤١٧)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٣٥٠)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٢٦٤، ٢٦٥).
وعن سُلَيمِ بنِ عامِرٍ قالَ: كانَ بينَ مُعاويةَ وبينَ الرُّومِ عَهدٌ، وكانَ يَسيرُ نَحوَ بِلادِهم حتى إذا انقَضى العَهدُ غَزاهم، فجاءَ رَجلٌ على فَرسٍ أو بِرذَونٍ وهو يَقولُ: اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ، وَفاءٌ لا غَدرٌ. فنظَروا فإذا عَمرُو بنُ عَبَسةَ. فأرسَلَ إليه مُعاويةُ فسَألَه، فقالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ كانَ بَينَه وبَينَ قَومٍ عَهدٌ فلا يَشُدَّ عُقدةً ولا يَحُلَّها حتى يَنقَضيَ أمَدُها أو يَنبِذَ إليهم على سَواءٍ» فرجَعَ مُعاويةُ (١).
وإذا عَقَد الإمامُ الهُدنةَ، ثم ماتَ أو عُزِل، ثم وَلي إمامٌ بعدَه وجَبَ عليه الوَفاءُ بما عقَده الإمامُ قَبلَه؛ لما رُوِيَ: أنَّ نَصارى نَجرانَ قالُوا لعَليٍّ رضي الله عنه: إنَّ الكِتابَ بيَدَيْك، والشَّفاعةَ إليكَ، وإنَّ عُمرَ قد أجْلَانا من أرضِنا، فرُدَّنا إليها، فقالَ علِيٌّ: «إنَّ عُمرَ كانَ رَشيدًا في أمرِه، وإنِّي لا أُغيِّرُ أمرًا فعَلَه عُمرُ».
ولأنَّ الأولَ فعَلَه باجتِهادِه، فلم يَجزْ لمَن بعدَه نَقضُه باجتِهادِه كما لا يَنقُضُ حاكِمٌ حُكمَ غيرِه باجتِهادِه لكنْ إذا رأى الإمامُ الثانِي العَقدَ فاسِدًا؛ فإنْ كانَ فَسادُه بطَريقِ الاجتِهادِ لم يَفسَخْه، وإنْ كانَ بنَصٍّ أو إجماعٍ فسَخَه (٢).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٧٥٩)، والإمام أحمد (١٧٠٥٦)، والترمذي (١٥٨٠)، والنسائي في «الكبرى» (٨٧٣٢).
(٢) «الشرح الكبير» (٢/ ٥٢٨)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٥١)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥١٧)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٤٥٩)، و «البيان» (١٢/ ٣١٢، ٣١٣)، و «روضة الطالبين» (٧/ ٥٤)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٩٧)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٤٤٢)، و «كنز الراغبين» (٤/ ٥٨٥)، و «المغني» (٩/ ٢٣٩)، و «المبدع» (٣/ ٤٠٠)، و «الإنصاف» (٤/ ٢١٢)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٢٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٨٥)، و «مطالب أولي النهى» (٢/ ٥٨٧).
ارجع إلى الجنايات والحدود للاطلاع على جميع الأبواب.