أنواع الوكالة

الإسلام > الشركات والإجارات > أنواع الوكالة

مسائلُ فقهيةٌ في أنواع الوكالة على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 43 دقيقة قراءة

تعريف أنواع الوكالة وحكمها

فصل في أنواعِ الوَكالةِ

الوَكالةُ إمَّا أنْ تَكونَ عامَّةً وإمَّا أنْ تَكونَ خاصَّةً، وقَدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الوَكالةِ العامَّةِ، فأمَّا الوَكالةُ الخاصَّةُ فمُتفَقٌ على جَوازِها في الجُملةِ على ما سَيَأتي بَيانُه.

أوَّلاً: الوَكالةُ العامَّةُ:

الوَكالةُ العامَّةُ قَدْ تَكونُ عامَّةً في كلِّ شَيءٍ، كَأنْ يَقولَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ: أنتَ وَكيلي في كلِّ شَيءٍ، أو يَقولَ له: أنتَ وَكيلي في كلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ.

قالَ السُّيوطيُّ رحمة الله عليه: وصُورة الوَكالةِ المُطلَقةِ: وكَّل فُلانٌ فُلانًا في المُطالَبةِ بحُقوقِه كلِّها، ودُيونِه بأسرِها، وواجِباتِه بأجمَعِها، ممَّن هي عليه، وعندَه، وفي ذِمَّتِه، وفي جِهَتِه، وتَحتَ يَدِه، كائِنًا مَنْ كانَ، وحيثُ كانَ مِنْ سائِرِ النَّواحي والأماكِنِ والبُلدانِ مِنْ غَريمٍ وخَصمٍ وأميرٍ ومُتكلِّمٍ ومَأذونٍ ووَكيلٍ وشَريكٍ ومُودِعٍ ومُعامِلٍ ومُضارِبٍ ووَصِيٍّ ووارِثٍ، وغيرِ ذلك،

وفي المُرافَعةِ والدَّعوَى على غُرَمائِه وخُصومِه في مَجالِسِ السَّادةِ القُضاةِ والحُكَّامِ وخُلَفائِهم، ووُلاةِ أُمورِ الإسلامِ ونُوَّابِهم، وفي الحَبسِ والتَّرسيمِ والإفراجِ والإعادةِ والمُلازَمةِ والإطلاقِ، وأخْذِ الضُّمَناءِ والكُفَلاءِ وقَبولِ الحَوالاتِ على الأملياءِ والمُعاوَضةِ والمُصارَفةِ وقَبضِ مالِ العِوَضِ والصَّرفِ والمُحاسَبةِ والمُحاقَقَةِ والمُحاكَمةِ والمُخاصَمةِ وسَماعِ الدَّعوَى عليه، ورَدِّ الأجوِبةِ بما يَسوغُ شَرعًا، وإقامةِ بيِّناتِه، وإثباتِ حُجَجِه ومَساطِيرِه، واستِيفاءِ الأيمانِ ورَدِّها، والعَفوِ عَنها، وقَبولِ ما يُفتَدَى به.

وفي المُعامَلةِ والمُفاسَخةِ والتَّوليةِ والإشراكِ والمُرابَحةِ والرَّدِّ بالعَيبِ، ومُقاسَمةِ كلِّ ما كانَ بينَه وبَين شَريكٍ له في شَيءٍ مِنْ الأشياءِ ممَّا يَجوزُ قِسمَتُه، وأخْذِ ما تُقَرِّرُه له القِسمةُ الجاريةُ بينَهما في ذلك بكُلِّ نَوعٍ مِنْ أنواعِ القِسمةِ الشَّرعيةِ، وأخْذِ فَضلةِ قِيمَتِه إنْ وجَب له في ذلك شَيءٌ مِنْ ذلك، وإعطاءِ قِيمةِ ذلك عندَ وُجوبِها، وإبراءِ مَنْ يَرَى إبراءَه مِنْ كلِّ حَقٍّ يَجِبُ له، ومِن كلِّ جُزءٍ مِنه، وأخْذِ كلِّ ما يَجوزُ له أخْذُه بالشُّفعةِ، وطَلَبِها، والقيامِ بها، وإعطاءِ ثَمَنِ ذلك مِنْ مالِ مُوكِّلِه المَذكورِ لِمُستَحقِّه عندَ وُجوبِه بطَريقِه الشَّرعيِّ، وفي بَيعِ ما يَرَى بَيعَه، وإيجارِ ما يَرَى إيجارَه مِنْ أملاكِه الجاريةِ في يَدِه، واستِحقاقِه الشَّائِعِ مِنها، والمَقسومِ ممَّن يَرغَبُ في ابتياعِها، أو شَيءٍ مِنها، أو استِئجارِها أو شَيءٍ مِنها بثَمَنِ المِثلِ وأُجرةِ المِثلِ، فما فَوقَ ذلك، على حُكمِ الحُلولِ أو التَّأجيلِ على ما يَراه، وتَسليمِ المَبيعِ والمَأجورِ لِمُبتاعِه ومُستأجِرِه، وقَبضِ الثَّمَنِ والأُجرةِ عن ذلك.

وفي عِمارةِ كلِّ ما يَرَى عِمارَتَه مِنْ ذلك، وإصلاحِ ما يَرَى إصلاحَه مِنه، وتَرميمِه وإزالةِ شَعَثِه، وقَطعِ عُيوبِه، والإنفاقِ على ذلك مِنْ مُوكِّلِه، وتَوَلي القيامِ به بنَفْسِه وبِمَن يَستَعينُ به على ما يَرَى له فيه الحَظَّ والمَصلَحةَ، وفي مُصالَحةِ مَنْ رَأى مُصالَحَتَه ممَّن لِموكِّلِه عليه حَقٌّ على ما يَصحُّ ويَجوزُ، وقَبضِ مالِ الصُّلحِ، وفي ابتِياعِ ما يَرَى ابتياعَه له مِنْ الأصنافِ والعَقاراتِ على اختِلافِها، ودَفْعِ الثَّمَنِ مِنْ مالِه، وفي المُناقَلةِ عنه بأملاكِه إلى ما يَرَى مِنْ العَقارِ.

وفي التَسلُّمِ والتَّسليمِ والمُكاتَبةِ والإشهادِ على الرَّسمِ المُعتادِ، وإبداءِ الدَّافِعِ ونَفْيِه، وطَلَبِ الحُكمِ مِنْ الحُكَّامِ بإلزامِ الخُصومِ بما يَلزَمُهم له، وطَلَبِ الثُّبوتِ والحُكمِ بما يَثبُتُ لَدَيهم شَرعًا، وفي المُقابَلةِ في العَقارِ وغيرِه، وفَسخِ ما يَرَى فَسْخَه مِنْ البُيوعِ بطَريقِه، إذا رَأى ذلك مَصلَحةً.

وفي طَلَبِ ما جَرَّ إليه الإرْثُ الشَّرعيُّ مِنْ فُلانٍ المُتوَفَّى ببَلَدِ كذا ممَّن هو في يَدِه وتَحتَ نَظَرِه وحَوْطَتِه، وقَبْضِ جَميعِ ما يَتعيَّنُ له قَبضُه واستِخلاصُه واستيفاؤُه بكُلِّ طَريقٍ مُمكِنٍ شَرعيٍّ.

وفي تَسليم مَغلاتِ أملاكِه ومُستأجَراتِه وإقطاعاتِه بالمَكانِ الفُلانيِّ، وضَبطِها وتَحريرِها وبَيعِ ما يَرَى بَيعَه مِنها، وخَزْنِ ما يَرَى خَزْنَه مِنْ مَجموعِها، وتَقويةِ فَلَّاحيه، وصَرفِ ما يَرَى صَرفَه في ذلك مِنْ ثَمَنِ أدَواتٍ وآلاتٍ وعُدَدٍ وفِلَاحةٍ والتَّقاوي وغيرِها، ممَّا تَدعو الحاجةُ إلى صَرفِه في تعَلُّقاتِه وجِهاتِ أملاكِه ومُستأجَراتِه مِنْ المَصاريفِ الشَّرعيةِ والعُرفيَّةِ

والعاديَّةِ الشَّاهِدِ بها ضَرائِبُ إقطاعاتِه الدِّيوانيَّةِ، وفي وَفاءِ ما عَساه يَكونُ على المُوكِّلِ المَذكورِ مِنْ دُيونٍ شَرعيَّةٍ وجامكيَّةٍ وغيرِ ذلك.

وَفِعلِ ما تَقتَضيه المَصلَحةُ له مِنْ حَملِ ما يَتحَصَّلُ تَحتَ يَدِه مِنْ الأموالِ إلى المَكانِ الفُلانيِّ، وفي السَّفَرِ به صُحبةَ الرُّفقةِ الثِّقاتِ في الطُّرُقِ المَأمونةِ المَسلوكةِ وتَجهيزِه له صُحبةً مَوثوقًا بها إنْ شاءَ، وإبقائِه تَحتَ يَدِه إذا شاءَ تَوكيلًا صَحيحًا شرعيًّا عامًّا مُطلَقًا مُفوَّضًا مُوَسَّعًا مَرضِيًّا يَندَرِجُ تَحتَ عُمومِه البَيعُ والشِّراءُ والأخْذُ والعَطاءُ والقَبضُ والإقباضُ وسائِرُ التَّصرُّفاتِ الشَّرعيةِ في جَميعِ التَعلُّقاتِ الماليَّةِ ممَّا يَصحُّ به التَّوكيلُ شَرعًا، لَم يُستَثْنَ عليه فَصلٌ مِنْ فُصولِ التَّوكيلِ الجائِزِ شَرعًا، ولا نَوعٌ مِنْ أنواعِه، سِوَى حَلِّ العِصَمِ وعَقدِها، وإشغالِ الذِّمةِ بالدَّيْنِ، وإتلافِ التَّملُّكاتِ بغيرِ عِوَضٍ يُساويها مِثْلًا، أو قِيمةً، وما عَدَا ذلك فقَد فوَّضه إليه، وأطلَقَ تَصرُّفَه فيه، وأقامَه في ذلك كلِّه ما عَدا المُستَثنَى أعلاه مَقامَ نَفْسِه، ورَضيَ بقَوله وفِعلِه، وجعَل له أنْ يُوكِّلَ في ذلك وفيما شاءَ مِنه مَنْ شاءَ مِنْ الوُكَلاءِ، ويَعزِلَه متى شاءَ، ويُعيدَه إذا شاءَ، وأنْ يَستَبدِلَ وَكيلًا بعدَ وَكيلٍ، قبلَ ذلك مِنه قَبولًا شَرعيًّا ورَضيَ كُلٌّ مِنهُما به الرِّضَا الشَّرعيَّ ويَكمُلُ (١).

وَقَدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ هذه الوَكالةِ، هَلْ هي جائِزةٌ أو لا؟

فَذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ وهو رِوايةٌ لِلحَنابِلةِ -في الجُملةِ- إلى صِحَّةِ الوَكالةِ العامَّةِ على تَفصيلٍ بينَهم في هذا.

(١) «جواهر العقود» (١/ ١٦٢، ١٦٤).

قالَ الحَنفيَّةُ: إذا قالَ: أنتَ وَكيلي في كلِّ شَيءٍ، أو قالَ: أنتَ وَكيلي بكُلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ، يَكونُ وَكِيلًا بحِفظِ ذلك الشَّيءِ، لا غيرُ، على الصَّحيحِ.

ولو قالَ: أنتَ وَكيلي، وفي كلِّ شَيءٍ أمرُكَ جائِزٌ، يَصيرُ وَكيلًا في جَميعِ التَصرُّفاتِ الماليةِ؛ كالبَيعِ والشِّراءِ وسائِرِ المُعاوَضاتِ.

قالَ في «الفَتاوَى الصُّغرَى»: لو زادَ: جائِزٌ أمرُكَ، فهو وَكيلٌ في الحِفظِ والبَيعِ والشِّراءِ وتَقاضي دُيونِه وحُقوقِه والهِبةِ والصَّدَقةِ، وغيرِ ذلك؛ لأنَّه فوَّض إليه التَصرُّفَ عامًّا، فصارَ كما لو قالَ: ما صَنَعتَ مِنْ شَيءٍ فهو جائِزٌ، ويَملِكُ جَميعَ أنواعِ التَصرُّفاتِ، حتى لو أنفَقَ على نَفْسِه جازَ؛ لأنَّه أجازَ صَنيعَه، وهذا مِنْ صَنيعِه، ثم قالَ: وهذا التَّعليلُ يَقتَضي أنَّه إذا طَلَّق امرَأتَه جازَ، فيُفتَى بهذا حتى يَتبيَّنَ خِلافُه. اه.

واختَلَفوا في الطَّلاقِ والعَتاقِ والوَقفِ والهِبةِ والصَّدَقةِ. فقيلَ: يَملِكُ ذلك لِإطلاقِ تَعميمِ اللَّفظِ.

وقيلَ: لا يَملِكُ ذلك إلَّا إذا دَلَّ دَليلُ سابِقةِ الكَلامِ، ونَحوُه، وهو قَولُ الإمامِ أبي حَنيفةَ، وعليه الفَتوَى، وكذا لو قالَ: طَلَّقتُ امرَأتَكَ ووَهَبتُ ووَقَفتُ أرضَكَ، في الأصَحِّ لا يَجوزُ.

والحاصِلُ أنَّ الوَكيلَ وَكالةً عامَّةً يَملِكُ كلَّ شَيءٍ إلَّا الطَّلاقَ والعَتاقَ والوَقفَ والهِبةَ والصَّدَقةَ على المُفتَى به، ويَنبَغي ألَّا يَملِكَ الإبراءَ والحَطَّ على المَديونِ؛ لأنَّهما مِنْ قَبيلِ التَبرُّعِ.

وَهَل له الإقراضُ والهِبةُ بشَرطِ العِوَضِ؛ فَأنَّهما بالنَّظرِ إلى الابتداءِ

تَبرُّعٌ؛ فإنَّ القَرضَ عاريةٌ ابتِداءً، مُعاوَضةٌ انتِهاءً، والهِبةُ بشَرطِ العِوَضِ هِبةٌ ابتِداءً، مُعاوَضةٌ انتِهاءً، قالَ ابنُ نُجَيْمٍ: ويَنبَغي ألَّا يَملِكَهُما الوَكيلُ بالتَّوكيلِ العامِّ؛ لأنَّه لا يَملِكُهُما إلَّا مَنْ يَملِكُ التَبرُّعاتِ، ولِذا لا يَجوزُ إقراضُ الوَصِيِّ مالَ اليَتيمِ، ولا هِبَتُه بشَرطِ العِوَضِ، وإنْ كانَتْ مُعاوَضةً في الِانتِهاءِ، وظاهِرُ العُمومِ أنَّه يَملِكُ قَبضَ الدَّيْنِ واقتِضاءَه وإيفاءَه، والدَّعوَى بحُقوقِ المُوكِّلِ، ويَمْلِكُ سَماعَ الدَّعوَى بحُقوقٍ على المُوكِّلِ، ويَمْلِكُ الإقراراتِ على المُوكِّلِ بالدُّيونِ، ولا يَختَصُّ بمَجلِسِ القاضي؛ لأنَّ ذلك في الوَكيلِ بالخُصومةِ، لا في العامِّ.

فَإنْ قُلتَ: لو وكَّله بصِيغةِ: وَكَّلتُكَ وَكالةً مُطلَقةً عامَّةً، فهَل يَتناوَلُ الطَّلاقَ والعَتاقَ والتَبرُّعاتِ؟ قُلتُ: لَم أَرَهُ صَريحًا، والظَّاهِرُ أنَّه لا يَملِكُها، على المُفتَى بهِ؛ لأنَّ مِنْ الألفاظِ ما صرَّح قاضيخانُ وغيرُه بأنَّه تَوكيلٌ عامٌّ، ومَع ذلك قالوا بعَدمِه. اه.

وفي فتاوَى الفَقيهِ أبي جَعفَرٍ رحمة الله عليه: رَجُلٌ قالَ لِغيرِهِ: وَكَّلتُكَ في جَميعِ أُموري، وأقَمتُكَ مَقامَ نَفْسِي، لا تَكونُ الوَكالةُ عامَّةً، ولو قالَ: وَكَّلتُكَ في جَميعِ أُموري التي يَجوزُ بها التَّوكيلُ، كانَتِ الوَكالةُ عامَّةً، تَتَناوَلُ البِياعاتِ والأنكِحةَ، وفي الوَجهِ الأوَل إذا لَم تَكُنْ عامَّةً يُنظَرُ إنْ كانَ الرَّجلُ يَختلِفُ ليسَ له صِناعةٌ مَعروفةٌ، فالوَكالةُ باطِلةٌ، وإنْ كانَ الرَّجلُ تاجِرًا تِجارةً مَعروفةً تَنصَرِفُ إليها. اه (١).

(١) «البحر الرائق» (٧/ ١٣٩، ١٤٠)، و «غمز عيون البصائر» (٣/ ٢٥، ٢٦)، و «حاشية ابن عابدين» (٥/ ٥١٠، ٥١١)، و «درر الحكام» (٧/ ٣١٠، ٣١٤)، و «الهندية» (٣/ ٥٦٥).

وقالَ الكمالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: عن المَحبوبيِّ: أنتَ وَكيلي في كلِّ شَيءٍ، يَكونُ بالحِفظِ، قالوا: فلَو زادَ فقالَ: أنتَ وَكيلي، في كلِّ شَيءٍ صُنعُكَ جائِزٌ، أو أمرُكَ، فعندَ مُحمَّدٍ يَصيرُ وَكيلًا في البِياعاتِ والإجاراتِ والهِباتِ والطَّلاقِ والعَتاقِ، حتى ملَك أنْ يُنفِقَ على نَفْسِه مِنْ مالِه، وعندَ أبي حَنيفةَ في المُعاوَضاتِ فَقط، ولا يَلي العِتقَ والتَبرُّعَ، وفي فَتاوَى بعضِ المُتَأخِّرينَ عليه الفَتوَى، وكذا لو قالَ: طَلَّقتُ امرَأتَكَ ووَقَفتُ أرضَكَ، الأصَحُّ أنَّه لا يَجوزُ، ومِثلُه إذا قالَ: وَكَّلتُكَ في جَميعِ أُموري، ولو قالَ: فَوَّضتُ أمْرَ مالي إلَيكَ، يَصيرُ وَكيلًا بالحِفظِ فَقط، وكذا فَوَّضتُ أمْري إلَيكَ، الصَّحيحُ أنَّه مِثلُه.

وفي «المَبسوطِ»: إذا وكَّله بكُلِّ قَليلٍ أو كَثيرٍ فهو وَكيلٌ بالحِفظِ، لا بتَقاضي بَيعٍ ولا شِراءٍ، وفَوَّضتُ لكَ أمرَ مُستغَلَّاتي، وكانَ أجْرُها لَكَ، ملَك تَقاضِيَ الأُجرةَ وقَبْضَها، وكذا فَوَّضتُ لكَ أمْرَ دُيوني، ملَك التَّقاضِيَ، وأمْرَ دَوابِّي، ملَك الحِفظَ والرَّعْيَ والتَّعليفَ، وأمْرَ ممالِيكِي، ملَك الحِفظَ والنَّفَقةَ، وفَوَّضتُ إلَيكَ أمْرَ امرَأتِي، ملَك طَلاقَها، واقتَصَرَ على المَجلِسِ، بخِلافِ ما لو قالَ: وَكَّلتُكَ، والوِصايةُ حالةَ الحَياةِ وَكالةٌ، كالوَكالةِ بعدَ مَوتِه، وِصايةٌ؛ لأنَّ المَنظورَ إليه المَعاني، وَكَّلتُكَ في كلِّ أُموري، وأقَمتُكَ مَقامَ نَفْسِي ليسَ تَوكيلًا عامًّا؛ فإنْ كانَ له صِناعةٌ مَعلومةٌ، كالتِّجارةِ مثلًا، يَنصَرِفُ إلى ذلك، وإنْ لَم يَكُنْ له صِناعةٌ مَعلومةٌ، وكانَتْ مُعامَلاتُه مُختَلِفةً، فالوَكالةُ باطِلةً.

ولو قالَ: وَكَّلتُكَ في جَميعِ الأُمورِ التي يَجوزُ التَّوكيلُ فيها، فتَوكيلٌ عامٌّ، يَتناوَلُ البِياعاتِ والأنكِحةَ (١).

وقالَ المالِكيَّةُ: لا تَنعَقِدُ الوَكالةُ، وتَكونُ باطِلةً؛ إذا قالَ المُوكِّلُ لِوَكيلِه: وَكَّلتُكَ، أو فُلانٌ وَكيلي، بَلْ حتى يَقولَ: فَوَّضتُ إلَيكَ أُموري في كلِّ شَيءٍ، أو أقَمتُكَ مَقامي، أو نحوَ ذلك.

إذا وقَعتِ الوَكالةُ مُطلَقةً مُفَوَّضةً؛ فإنَّه يَمضي مِنْ فِعلِ الوَكيلِ ما كانَ على وَجْهِ السَّدادِ والنَّظرِ، وهو ما فيه تَنميةُ المالِ؛ إذِ الوَكيلُ إنَّما يَتصرَّفُ بما فيه الحَظُّ والمَصلَحةُ، وأمَّا الذي لا مَصلَحةَ في فِعلِه؛ فإنَّ الوَكيلَ مَعزولٌ عنه شَرعًا، فلا يَمضي فِعلُه فيه، ولا يَحِلُّ له الإقدامُ عليه ابتِداءً، إلَّا أنْ يَقولَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ: أمضَيتُ ما كانَ نَظَرًا، أي: صَوابًا، وما كانَ غيرَ نَظَرٍ؛ فإنَّ ذلك يَمضي، وليسَ لِلمُوكِّلِ رَدُّه وتَضمينُ الوَكيلِ.

والمُرادُ بغيرِ النَّظرِ: ما ليسَ بمَعصيةٍ؛ لأنَّ الوَكالةَ على المَعصيةِ باطِلةُ، وما ليس بتَبذيرٍ، كَأنْ يَبيعَ ما يُساوي مِئةً بخَمسينَ.

لكنْ يُستَثنَى أربَعةُ أشياءَ، فلا يَصحُّ له التَصرُّفُ فيها إلَّا أنْ يَنُصَّ له عليها، وهي طَلاقُ زَوجَتِه، وإنكاحُ بِكْرِه، وبَيعُ دارِ سُكناه، وعَبدِه، فهذا مُستَثْنًى؛ فإنَّ فِعلَه لا يَمضي فيها، ولو قالَ له: وَكَّلتُكَ وَكالَةً مُفَوَّضةً، وأمضَيتُ فِعلكَ النَّظرَ، وغيرَ النَّظرِ، فلا يَمضي شَيءٌ مِنْ هذه الأربَعةِ إلَّا إذا نَصَّ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ عليها بخُصوصِها (٢).

(١) «شرح فتح القدير» (٧/ ٥٠٠، ٥٠١).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٧، ٥٨)، و «التاج والإكليل» (٤/ ١٩٨، ١٩٩)، و «مواهب الجليل» (٧/ ١٤٦، ١٤٧)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٨١، ٢٨٢)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٧٠، ٧١)، و «حاشية الصاوي» (٨/ ٧٠)، و «منح الجليل» (٦/ ٦٣٨).

وذهَب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ العامُّ.

قالَ الشَّافِعيَّةُ: يُشترَطُ أنْ يَكونَ المُوكَّلُ فيه مَعلومًا مِنْ بعضِ الوُجوهِ، حيثُ يَقِلُّ مَعه الغَرَرُ، سَواءٌ أكانَتِ الوَكالةُ عامَّةً أم خاصَّةً، ولا يُشترَطُ عِلمُه مِنْ كلِّ وَجهٍ؛ لأنَّ تَجويزَ الوَكالةِ لِلحاجةِ يَقتَضي المُسامَحةَ فيه، فيَكفي أنْ يَكونَ مَعلومًا مِنْ وَجهٍ يَقِلُّ مَعه الغَرَرُ لِلوَكيلِ، بخِلافِ ما إذا كَثُرَ.

فَلَو قالَ: وَكَّلتُكَ في كلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ لي، أو مِنْ أُموري، أو في كلِّ أُموري، أو فَوَّضتُ إلَيكَ كلَّ شَيءٍ، أو أنتَ وَكيلي؛ فتَصَرَفْ كَيفَ شِئتَ، أو نحوَ ذلك، لَم يَصحَّ التَّوكيلُ؛ لأنَّه يَدخُلُ فيه ما يُطيقُ وما لا يُطيقُ، فيَعظُمُ الضَّرَرُ، ويَكثُرُ فيه الغَرَرُ.

قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: تَنبيهٌ: قَضيةُ كَلامِهم عَدمُ الصِّحَّةِ في ذلك، وإنْ كانَ تابِعًا لِمُعيَّنٍ، وهو كَذلك، وإنْ خالَفَ في ذلك بعضُ المُتَأخِّرينَ؛ إذ يَدخُلُ في هذا أُمورٌ لو عُرِضَ تَفصيلُها على المُوكِّلِ كَطَلاقِ زَوجاتِه وعِتقِ أرِقَّائِه والتَّصَدُّقِ بجَميعِ مالِه، لَاستَنكَرَه، وقَد مَنعَ الشَّارِعُ بَيعَ الغَرَرِ، وهو أخَفُّ خَطَرًا مِنْ هذا، وقَد عُلِمَ بذلك الفَرقُ بينَ هذا وبينَ ما مَرَّ، فيما يَصحُّ تَبَعًا.

وإنْ قالَ: وَكَّلتُكَ في بَيعِ أموالي وقَبضِ دُيوني واستِيفائِها وعِتقِ أرِقَّائي

وَرَدِّ وَدائِعي ومُخاصَمةِ خُصَمائِي، ونحوَ ذلك، صَحَّ، وإنْ جَهِلَ الأموالَ والدُّيونَ، ومَن هي عليه، والأرِقَّاءَ والوَدائِعَ، ومَن هي عندَه، والخُصومَ، وما فيه الخُصومةُ؛ لأنَّ الغَرَرَ فيه قَليلٌ؛ لأنَّه يَعرِفُ مالَه ودَيْنَه، بخِلافِ ما لو قالَ: بِعْ بعضَ مالي، أو طائِفةً، أو سَهمًا مِنه، أو بِعْ هذا أو هذا؛ فإنَّه لا يَصحُّ؛ لِكَثرةِ الغَرَرِ.

ولو قالَ: بِعْ أو هَبْ مِنْ مالي، أوِ اقْضِ مِنْ دُيوني ما شِئتَ، أو أعتِقْ أو بِعْ مِنْ عَبيدي مَنْ شِئتَ، صَحَّ في بَعضٍ، لا في الجَميعِ، فلا يَأتي الوَكيلُ بالجَميعِ؛ لأنَّ (مِنْ) لِلتَّبعيضِ.

فَإنْ قيلَ: لو قالَ لِلوَكيلِ: طَلِّقْ مِنْ نِسائي مَنْ شاءَتْ، فله أنْ يُطَلِّقَ كلَّ مَنْ شاءَتِ الطَّلاقَ، فهَلَّا كانَ هُنا كَذلك؟ أُجيبَ بأنَّ المَشيئةَ في هذه مُستَنِدةٌ إلى كُلٍّ مِنهُنَّ، فلا تَصدُقُ مَشيئةُ واحِدةٍ بمَشيئةِ غيرِها، فكانَ ذلك في معنَى: أيُّ امرَأةٍ شاءَتْ مِنهُنَّ الطَّلاقَ فطَلِّقْها، بخِلافِها فيما مَرَّ؛ فإنَّها مُستَنِدةٌ إلى الوَكيلِ، فصَدقَتْ مَشيئَتُه فيما لا يَستَوعِبُ الجَميعَ، فلا يَتمكَّنُ مِنْ مَشيئَتِه فيما يَستَوعِبُه احتياطًا.

ولو قالَ: تَزوَّجْ لي مَنْ شِئتَ، صَحَّ، كما لو قالَ: بِعْ مِنْ مالي ما شِئتَ، ولو قالَ: أَبْرِئْ فُلانًا عَمَّا شِئتَ مِنْ مالي، صَحَّ، ولْيُبقِ مِنه شَيئًا، أو عن الجَميعِ، فأبرَأه عنه، أو عن بعضِه، صَحَّ، أو قالَ: أَبْرِئْه عن شَيءٍ مِنه، أبرَأَه عن أقَلِّ ما يُطلَقُ عليه الِاسمُ، كما قالَه المُتَوَلي.

وَيَكفي في صِحَّةِ الوَكالةِ بالإبراءِ عِلمُ المُوكِّلِ بقَدْرِ الدَّيْنِ، وإنْ جَهِلَه الوَكيلُ والمَدِينُ.

وإنْ وكَّله في شِراءِ عَبدٍ وجَب بَيانُ نَوعِه، كَتُركيٍّ أو هِنديٍّ، ولا يَكفي ذِكرُ الجِنسِ، كَعَبدٍ؛ لِاختِلافِ الأغراضِ بذلك، وإنْ تَبايَنَتْ أوصافُ نَوعٍ، وجَب بَيانُ الصِّنفِ، كَخَطَابِيٍّ وقَفْجَاقيٍّ.

ولا يُشترَطُ استِيفاءُ أوصافِ السَّلَمِ، ولا ما يَقرُبُ مِنها اتِّفاقًا.

وإنْ وكَّله في شِراءِ رَقيقٍ وجَب -مَع بَيانِ النَّوعِ- ذِكْرُ الذُّكورةِ والأُنوثةِ، تَقليلًا لِلغَرَرِ؛ فإنَّ الأغراضَ تَختلِفُ بذلك، ولو قالَ: اشتَرِ لي عَبدًا كما تَشاءُ، لَم تَصِحَّ؛ لِكَثرةِ الغَرَرِ.

وإنْ وكَّله في شِراءِ دارٍ، وجَب بَيانُ المَحلَّةِ -أي: الحارةِ- وبَيانُ السِّكةِ -أي: الزُّقاقِ- والعِلمُ بالبَلَدِ وبنحوِ ذلك مِنْ ضَرورةِ ذلك.

وفي شِراءِ الحانوتِ يُبيِّنُ السُّوقَ؛ لِيَقِلَّ الغَرَرُ، وقِسْ على ذلك.

ولو وكَّله أنْ يُزوِّجَه امرَأةً ولَم يُعيِّنْها، لَم يَصحَّ التَّوكيلُ، بخِلافِ ما لو قالَ: زوِّجْني مَنْ شِئتَ؛ فإنَّه يَصحُّ، كما في الوَكالةِ، بشِراءِ عَبدٍ لَم يَصِفْه، بخِلافِ الأوَل؛ فإنَّه مُطلَقٌ، ودَلالةُ العامِّ على إفرادِه ظاهِرةٌ، بخِلافِ المُطلَقِ، لا دِلالةَ له على فَردٍ.

ولا يَجِبُ بَيانُ قَدْرِ الثَّمَنِ في الأصَحِّ فيما ذُكِرَ؛ لأنَّ غَرَضَه قَدْ يَتعلَّقُ بواحِدٍ مِنْ ذلك النَّوعِ، نَفِيسًا كانَ أو خَسيسًا.

ويَجِبُ بَيانُ قَدْرِه، كَمِئةٍ، أو بَيانُ غايَتِه، كَأنْ يَقولَ: مِنْ مِئةٍ إلى ألْفٍ؛ لِظُهورِ التَّفاوُتِ.

هذا كلُّه إذا قصَد القِنيةَ، أمَّا إذا كانَ لِلتِّجارةِ فلا يَجِبُ فيه ذِكرُ نَوعٍ ولا غيرِه، بَلْ يَكفي: اشتَرِ ما شِئتَ مِنْ العُروضِ، أو ما فيه حَظٌّ ومَصلَحةٌ.

ولو قالَ: اشتَرِ لي عَبدًا تُركيًّا صِفَتُه كذا، بما شِئتَ، يَنبَغي تَقييدُه بثَمَنِ المِثلِ؛ لأنَّ تَجويزَ الزِّيادةِ على ذلك غَرَرٌ، كالوَكالةِ العامَّةِ، وكذا لو قالَ: بما شِئتَ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ، وأكثَرَ، لا يُسمَعُ مِنه.

وَيَنبَغي التَّنَبُّهُ لِذلك؛ فإنَّه يَقَعُ كَثيرًا في الوَكالةِ، ويُثْبِتُها القُضاةُ، ولا يَنتَبِهونَ لِذلك، أمَّا لو قالَ: بِعْ هذا العَبدَ بما شِئتَ مِنْ الأثمانِ، قَليلِها وكَثيرِها؛ فإنَّه يَصحُّ، وكَأنَّه وَطَّنَ نَفْسَه على أقَلِّ شَيءٍ؛ فلا غَرَرَ فيه، أمَّا فَسادُ الوَكالةِ بالكلِّيَّةِ، فلا يَظهَرُ (١).

وقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: وأمَّا الشَّرطُ الثَّاني -وهو ذِكرُ ما وُكِّلَ فيه- فيَنقَسِمُ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ، هي:

قِسمٌ يَكونُ عامًّا في الأحوالِ كلِّها، وقِسمٌ يَكونُ خاصًّا في حالٍ بعَينِها، وقِسمٌ يَكونُ عامًّا في وَجهٍ، وخاصًّا في وَجهٍ.

(١) «المهذب» (١/ ٣٥٠)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٩٣، ٤٩٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٩٩، ٢٠١)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٦، ٣٨)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٩، ٣٠)، و «الديباج» (٢/ ٣٠٨)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٤٩، ٨٥٠)، و «إعانة الطالبين» (٣/ ١٦٩، ١٧٠).

فأمَّا القِسمُ الأوَّلُ: وهو العامُّ في الأحوالِ كلِّها، فصُورَتُه أنْ يَقولَ: قَدْ وَكَّلتُكَ في كلِّ شَيءٍ، أو قَدْ وَكَّلتُكَ بكُلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ، أو قَدْ وَكَّلتُكَ في فِعلِ ما رَأيتَه صَلاحًا في مالي. فهذه وَكالةٌ باطِلةٌ؛ لِلجَهلِ بها، ولِمُضادَّةِ الِاحتِمالِ فيها؛ لأنَّه قَدْ يَحتَمِلُ التَّوكيلَ في حِفظِ القَليلِ والكَثيرِ، ويُحتمَلُ بَيعُ القَليلِ والكَثيرِ، وهُما ضِدَّانِ مُتَبايِنانِ، فبطَلتِ الوَكالةُ مِنْ أجْلِه.

وأمَّا القِسمُ الثَّاني: وهو الخاصُّ في حالٍ بعَينِها، فصُورَتُه أنْ يَقولَ: قَدْ وَكَّلتُكَ في بَيعِ هذا العَبدِ، أو في شِراءِ هذه الدَّارِ، أو في اقتِضاءِ هذا الدَّيْنِ، أو في تَثبيتِ هذه الوَصيَّةِ، أو في مُخاصَمةِ هذا المُدَّعِي، فتَصحُّ الوَكالةُ خُصوصًا في المَأْذونِ فيه دونَ غيرِه، وهذا ما وَافَقَ عليه أبو حَنيفةَ، وإنْ خالَفَ في الوَصيَّةِ؛ فإنَّ أبا حَنيفةَ يَجعَلُ الوَصِيَّ في شَيءٍ وَصيًّا في كلِّ شَيءٍ، ولا يَجعَلُ الوَكيلَ في شَيءٍ وَكيلًا في كلِّ شَيءٍ، وعندَ الشَّافِعيِّ أنَّهما سَواءٌ، في أنَّ عَملَهما مَقصورٌ على المَأْذونِ فيه، دونَ غيرِه.

وأمَّا القِسمُ الثَّالثُ: وهو العامُّ مِنْ وَجهٍ الخاصُّ مِنْ وَجهٍ، فعلى ضَربَيْنِ:

أحَدُهما: أنْ يَكونَ خُصوصُه بجَعلِ العُمومِ مَعلومًا؛ فتَصحُّ فيه الوَكالةُ، كقولِه: قَدْ وَكَّلتُكَ في بَيعِ كلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ مِنْ مالي؛ لأنَّ تَخصيصَ البَيعِ قَدْ جعَل المُرادَ بعُمومِ مالِه مَعلومًا.

والضَّربُ الآخَرُ: ألَّا يَصيرَ العُمومُ بما ذكَره مِنْ التَّخصيصِ مَعلومًا، فالوَكالةُ فيه باطِلةٌ، كقولِه: قَدْ وَكَّلتُكَ في شِرَاءِ ما رَأيتَ بكُلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ مِنْ

مالي؛ لأنَّ جِنسَ ما يَشتَريه بمالِه لا يَصيرُ مَعلومًا، فبطَلتِ الوَكالةُ فيه.

وهَكذا لو قالَ: اشتَرِ لي بهذا الألْفِ ما رَأيتَ مِنْ العُروضِ، أو ما عَلِمْتَ فيه حَظًّا مِنْ الإبراءِ، كانَتِ الوَكالةُ فيه باطِلةً، إلَّا أنْ يَكونَ مَقصودُه طَلبَ الرِّبحِ دونَ التَّمليكِ. فيَجوزُ، كالمُضارِباتِ، فإنْ قيلَ: أليسَ لو دفَع في المُضارَبةِ مالًا يَشتَري به العامِلُ ما رَأى فيه صَلاحًا جازَ؟ فهَلَّا جازَ مِثلُه في الوَكالةِ؟ قيلَ: الفَرقُ بينَهما أنَّ المَقصودَ في المُضارَبةِ طَلَبُ الرِّبحِ، فلا يُؤثِّرُ فيه اختِلافُ الأجناسِ، فكانَ المَقصودُ مَعلومًا، فصَحَّ.

والمَقصودُ في الوَكالةِ تَملُّكُكَ العَينَ المُشتَراةَ، وإطلاقُ ذلك مَع اختِلافِ الأجناسِ لا يَجعَلُ المَقصودَ مِنها مَعلومًا، فبطَل، فعلى هذه الأُصولِ يَكونُ جَوابُ ما تَضمَّنه المُوكِّلُ، فاعتبَرَه بها، يَتقَرَّرُ لِكُلِّ الحُكمِ فيه، فعلى هذا لو قالَ له: قَدْ وَكَّلتُكَ في شِراءِ عَبدٍ، لَم يَصحَّ حتى يَصِفَه بما يَتميَّزُ لِلوَكيلِ مُرادُه في العَبدِ مِنْ ذِكرِ جِنسِه ونَوعِه، ولا يَحتاجُ إلى ذِكْرِ صِفَتِه المُستَحقَّةِ في السَّلَمِ؛ لأنَّه يُضيِّقُ على النَّاسِ، فلَو قالَ له: قَدْ وَكَّلتُكَ في شِراءِ مَنْ رَأيتَ مِنْ العَبيدِ، أو في شِراءِ ما رَأيتَ مِنْ الخَيلِ، لَم يَجُزْ، لِاختِلافِ العَبيدِ والخَيلِ، وجَهلِ الوَكيلِ بالمَقصودِ مِنها، وهَكذا لو قالَ: بِعْ مَنْ رَأيتَ مِنْ عَبيدي، أو بِعْ ما رَأيتَ مِنْ خَيْلي، لَم يَجُزْ، سَواءٌ أذكَر العَدَدَ أم لَم يَذكُرْ، حتى يَتميَّزَ المَبيعُ والمُشترَى مِنْ غيرِهما، بصِفةٍ أو إشارةٍ، وقالَ بعضُ أصحابِنا: يَجوزُ أنْ يُوكِّلَه في شِراءِ عَبدٍ أو ثَوبٍ، وإنْ لَم يُشِرْ إلى صِفاتِه، اعتِمادًا على رَأْيِ وَكيلِه المُوكَّلِ، ولا يَجوزُ على المَذهبِ الأوَل

عَقدُ الوَكالةِ، وبَيانُ الوَكيلِ حتى يَقتَرِنَ به على الفَوْرِ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: ولا تَصحُّ الوَكالةُ إلَّا في تَصرُّفٍ مَعلومٍ؛ فإنْ قالَ: وَكَّلتُكَ في كلِّ شَيءٍ، أو في كلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ، أو في كلِّ تَصرُّفٍ يَجوزُ لي، أو في كلِّ ما ليَ التَصرُّفُ فيه، لَم يَصحَّ؛ لأنَّه يَدخُلُ فيه كلُّ شَيءٍ مِنْ هِبةِ مالِه، وطَلاقِ نِسائِه، وإعتاقِ أرِقَّائِه، وتَزوُّجِ نِساءٍ كَثيراتٍ، ويَلزَمُه المُهورُ الكَثيرةُ، ويَعظُمُ الغَرَرُ والضَّرَرُ، ولأنَّ التَّوكيلَ لا بدَّ أنْ يَكونَ في تَصرُّفٍ مَعلومٍ.

قالوا: تَصحُّ الوَكالةُ في بَيعِ مالِ المُوكِّلِ كلِّه؛ لأنَّه يَعرِفُ مالَه، فلا غَرَرَ، أو في بَيعِ ما شاءَ الوَكيلُ مِنْ مالِ المُوكِّلِ؛ لأنَّه إذا جازَ التَّوكيلُ في الجَميعِ، ففي بعضِه أَوْلَى، وله بَيعُ مالِه كلِّه في ظاهِرِ كَلامِهم.

وكذا تَصحُّ الوَكالةُ في طَلاقِ جَميعِ نِسائِه، أو ما شاءَ مِنهُنَّ، أو عِتْقِ جَميعِ عَبيدِه، أو مَنْ شاءَ مِنهم.

وَتَصحُّ الوَكالةُ في المُطالَبةِ بحُقوقِ المُوكِّلِ كلِّها، أو ما شاءَ مِنها، وفي الإبراءِ مِنها كلِّها، أو ما شاءَ مِنها.

ولا يَصحُّ التَّوكيلُ في عَقدٍ فاسِدٍ، كَشِراءِ شَيءٍ بلا رُؤيةٍ، ولَم يَأذَنْ فيه الشَّرعُ، بَلْ حَرَّمَه؛ فلَمْ يَصحَّ، ولا يَملِكُ العَقدَ الصَّحيحَ ممَّا وكَّله بهِ؛ كَإجرائِه عَقدَ التَّزويجِ بوَليٍّ، وشِرائِه الشَّيءَ بعدَ الرُّؤيةِ، فلَمْ يَصحَّ، لِمُخالَفَتِه اشتِراطَ المُوكِّلِ. فإذا وكَّله في بَيعٍ فاسِدٍ، فباعَ بَيعًا صَحيحًا، لَم

(١) «الحاوي الكبير» (٦/ ٤٩٨، ٤٩٩).

يَصحَّ؛ لأنَّ مُوكِّلَه لَم يَأذَنْ فيه، ولا بَيعًا فاسِدًا؛ لأنَّ اللَّهَ تَعالى لَم يَأذَنْ فيه، ولأنَّ المُوكِّلَ لا يَملِكُه، فالوَكيلُ أَوْلَى.

ولا يَصحُّ التَّوكيلُ إنْ قالَ المُوكِّلُ لِوَكيلِه: اشتَرِ ما شِئتَ، أو اشتَرِ عَبدًا بما شِئتَ؛ لأنَّ ما يُمكِنُ شِراؤُه والشِّراءُ به يَكثُرُ، فيَكثُرُ فيه الغَرَرُ حتى يُبيِّنَ لِلوَكيلِ نَوعًا وقَدْرَ ثَمَنٍ يُشترَى بهِ؛ لأنَّ الغَرَرَ لا يَنتَفي إلَّا بذِكرِ الشَّيئَيْنِ. ما لَم يَكُنْ مِقدارُ ثَمَنِه مَعلومًا بينَ النَّاسِ، كَمَكِيلٍ ومَوزونٍ؛ لأنَّه لا غَرَرَ فيه ولا ضَرَرَ.

وإنْ قالَ لِوَكيلِه: اشتَرِ كذا وكذا، لا يَصحُّ التَّوكيلُ؛ لِلجَهالةِ.

ومِثلُ قَوله: وَكَّلتُكَ في كلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ، لو قالَ لِوَكيلِه: اشتَرِ لي ما شِئتَ، كما مِنْ المَتاعِ الفُلانيِّ، لَم يَصحَّ؛ لأنَّه قَدْ يَشتَري ما لا يَقدِرُ على ثَمَنِه.

وقيلَ: تَصحُّ الوَكالةُ في كلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ مِنْ بَيعِ مالِه، وقَبْضِ دُيونِه وإبراءِ غُرَمائِه، ويُؤيِّدُه قَولُ أبي بَكرٍ أحمدَ بنِ مُحمَّدِ بنِ الحَجَّاجِ بنِ عَبدِ العَزيزِ المَرُّوذِيِّ: بَعَثَني أبو عَبدِ اللَّهِ في حاجةٍ، وقالَ: كلُّ شَيءٍ تَقُولُه على لِساني فأنا قُلتُهُ؛ لِمَا علِم الإمامُ مِنْ أمانةِ المَرُّوذِيِّ وعَدالَتِه ووَرَعِه وفَضلِه وزُهدِه؛ فإنَّه كانَ يَأنَسُ به ويَنبَسِطُ إليه، وهو الذي تَوَلَّى إغماضَه لمَّا ماتَ، وغَسَّلَه، فلِذلك أقامَه مَقامَ نَفْسِه. قالَ الخَلَّالُ: خرَج أبو بَكرِ المَرُّوذِيُّ إلى الغَزوِ، فشيَّعَه النَّاسُ إلى سامُرَّاءَ، فجعَل يَرُدُّهم، فلا يَرجِعونَ، حَزَروا، فإذا هُمْ بسامُرَّاءَ -سِوَى مَنْ رجَع- خَمسونَ ألْفَ إنسانٍ، فقيلَ له يا أبا بَكرٍ: أحمَدُ

مسائل أنواع الوكالة الفقهية

ارجع إلى الشركات والإجارات للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 3 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل