«مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ: اتَّقِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٢٥٢

الحديث رقم ١٢٥٢ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الرجل للمرأة عند القبر اصبري.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «مر النبي ﷺ بامرأة عند قبر وهي تبكي فقال…

«مَرَّ النَّبِيُّ بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ: اتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي.»

بَابُ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَوُضُوئِهِ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ

وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَحَمَلَهُ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا وَقَالَ سَعِيدٌ (١): لَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسِسْتُهُ. وَقَالَ النَّبِيُّ : الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ.

سند حديث: ١٢٥٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا…

١٢٥٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «مر النبي ﷺ بامرأة عند قبر وهي تبكي فقال…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْجَنَائِزِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ (١) كَذَا ثُمَّ فَعَلَ مِنْهُ شَيْئًا وَلَوْ قَلَّ بَرَّتْ يَمِينُهُ، خِلَافًا لِمَالِكٍ، قَالَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ.

٧ - بَاب قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ اصْبِرِي

١٢٥٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي.

[الحديث ١٢٥٢ - أطرافه في: ١٢٨٣، ١٣٠٢، ٧١٥٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ: اصْبِرِي) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ مَا مُحَصِّلُهُ: عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: الرجل لَيُوَضِّحَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ ، وَعَبَّرَ بِالْقَوْلِ دُونَ الْمَوْعِظَةِ وَنَحْوِهَا لِكَوْنِ ذَلِكَ الْأَمْرِ يَقَعُ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنَ الْوَعْظَ وَغَيْرِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الصَّبْرِ دُونَ التَّقْوَى؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَسِّرُ حِينَئِذٍ، الْمُنَاسِبُ لِمَا هِيَ فِيهِ. قَالَ: وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنَ الْفِقْهِ جَوَازُ مُخَاطَبَةِ الرِّجَالِ النِّسَاءَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ بِمَا هُوَ أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٍ عَنْ المنكر، أَوْ مَوْعِظَةٍ، أَوْ تَعْزِيَةٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِعَجُوزٍ دُونَ شَابَّةٍ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا آدَمُ) سَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ أَتَمَّ مِنْ هَذَا فِي بَابِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ بَعْدَ زِيَادةٍ عَلَى عِشْرِينَ بَابًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِمَا قَبْلَهَا لِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ مُخَاطَبَةِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ بِالْمَوْعِظَةِ، لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ جَوَازُ مُخَاطَبَتِهَا بِمَا يُرَغِّبُهَا فِي الْأَجْرِ إِذَا احْتَسَبَتْ مُصِيبَتَهَا، وَفِي هَذَا مُخَاطَبَتُهَا بِمَا يُرَهِّبُهَا مِنَ الْإِثْمِ لِمَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ عَدَمَ الصَّبْرِ يُنَافِي التَّقْوَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٨ - بَاب غُسْلِ الْمَيِّتِ وَوُضُوئِهِ بِالْمَاءِ وَالسَّدْرِ

وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَحَمَلَهُ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْمُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا. وَقَالَ سَعِيدٌ: لَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسِسْتُهُ. وَقَالَ النَّبِيُّ : الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ

١٢٥٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ، تَعْنِي إِزَارَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَوُضُوئِهِ)؛ أَيْ بَيَانُ حُكْمِهِ، وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَهُوَ ذُهُولٌ شَدِيدٌ، فَإِنَّ الْخِلَافَ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، حَتَّى إِنَّ الْقُرْطُبِيَّ رَجَّحَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَلَكِنَّ

الْجُمْهُورَ عَلَى وُجُوبِهِ. وَقَدْ رَدَّ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ، وَقَدْ تَوَارَدَ بِهِ الْقَوْلُ وَالْعَمَلُ، وَغُسِّلَ الطَّاهِرُ الْمُطَهَّرُ، فَكَيْفَ بِمَنْ سِوَاهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَوُضُوئِهِ) فَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: تَرْجَمَ بِالْوُضُوءِ، وَلَمْ يَأْتِ لَهُ بِحَدِيثٍ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ انْتِزَاعَ الْوُضُوءِ مِنَ الْغُسْلِ، لِأَنَّهُ مُنَزَّلٌ عَلَى الْمَعْهُودِ مِنَ الْأَغْسَالِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ، أَوْ أَرَادَ وُضُوءَ الْغَاسِلِ؛ أَيْ: لَا يَلْزَمُهُ وُضُوءٌ، وَلِهَذَا سَاقَ أَثَرَ ابْنِ عُمَرَ. انْتَهَى. وَفِي عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى الْغَاسِلِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ بَعْدُ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: تَقْدِيرُ التَّرْجَمَةِ: بَابُ غُسْلِ الْحَيِّ الْمَيِّتَ، لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَى الْمَحْذُوفِ فَيَتَّجِهُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَشَارَ كَعَادَتِهِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، فَسَيَأْتِي قَرِيبًا فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَيْضًا: ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا. فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْوُضُوءَ لَمْ يَرِدِ الْأَمْرَ بِهِ مُجَرَّدًا، وَإِنَّمَا وَرَدَ الْبُدَاءَةُ بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ كَمَا يُشْرَعُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، أَوْ أَرَادَ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْوُضُوءِ لَا يُجْزِئُ لَوُروَدِ الْأَمْرِ بِالْغُسْلِ.

قَوْلُهُ: (بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: جَعَلَهُمَا مَعًا آلَةً لِغُسْلِ الْمَيِّتِ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِحَدِيثِ الْبَابِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: بِمَاءٍ وَسِدْرٍ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: اغْسِلْنَهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ السِّدْرَ يُخْلَطُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ مَرَّاتِ الْغُسْلِ، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ لِلتَّنْظِيفِ لَا لِلتَّطْهِيرِ، لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُضَافَ لَا يُتَطَهَّرُ بِهِ. انْتَهَى. وَقَدْ يَمْنَعُ لُزُومُ كَوْنِ الْمَاءِ يَصِيرُ مُضَافًا بِذَلِكَ (١)، لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يُغَيِّرَ السِّدْرُ وَصْفَ الْمَاءِ بِأَنْ يُمَعَّكَ بِالسِّدْرِ، ثُمَّ يُغْسَلَ بِالْمَاءِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، فَإِنَّ لَفْظَ الْخَبَرِ لَا يَأْبَى ذَلِكَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُجْعَلُ السِّدْرُ فِي مَاءٍ، وَيُخَضْخَضُ إِلَى أَنْ تَخْرُجَ رَغْوَتُهُ، وَيُدْلَكُ بِهِ جَسَدُهُ، ثُمَّ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْقَرَاحُ، فَهَذِهِ غَسْلَةٌ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: تُطْرَحُ وَرَقَاتُ السِّدْرِ فِي الْمَاءِ؛ أَيْ لِئَلَّا يُمَازِجَ الْمَاءَ، فَيَتَغَيَّرَ وَصْفُهُ الْمُطْلَقُ. وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَقَالَ: يُغْسَلُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ. وَأَعْلَى مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الْغُسْلَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ فَيَغْسِلُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ مَرَّتَيْنِ، وَالثَّالِثَةُ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَانَ يُقَالُ: كَانَ ابْنُ سِيرِينَ مِنْ أَعْلَمِ التَّابِعِينَ بِذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مَنْ قَالَ الْأُولَى بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ، وَالثَّانِيَةُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ، أَوِ الْعَكْسُ، وَالثَّالِثَةُ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ فَلَيْسَ هُوَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ اهـ.

وَكَأَنَّ قَائِلَهُ أَرَادَ أَنْ تَقَعَ إِحْدَى الْغَسَلَاتِ بِالْمَاءِ الصِّرْفِ الْمُطْلَقِ، لِأَنَّهُ الْمُطَهِّرُ فِي الْحَقِيقَةِ، وَأَمَّا الْمُضَافُ فَلَا. وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ابْنُ شَعْبَانَ، وَابْنُ الْفَرْضِيِّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، فَقَالُوا: غُسْلُ الْمَيِّتِ إِنَّمَا هُوَ لِلتَّنْظِيفِ، فَيُجْزِئُ بِالْمَاءِ الْمُضَافِ كَمَاءِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ، قَالُوا: وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْ جِهَةِ السَّرَفِ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ غُسْلٌ تَعَبُّدِيٌّ يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي بَقِيَّةِ الْأَغْسَالِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ. وَقِيلَ: شُرِعَ احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ لَازِمَهُ أَنْ لَا يُشْرَعَ غُسْلُ مَنْ هُوَ دُونَ الْبُلُوغِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.

قَوْلُهُ: (وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَلَهُ، وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) حَنَّطَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، وَالنُّونِ الثَّقِيلَةِ؛ أَيْ طَيَّبَهُ بِالْحَنُوطِ، وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ يُخْلَطُ مِنَ الطِّيبِ لِلْمَيِّتِ خَاصَّةً، وَقَدْ وَصَلَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَنَّطَ ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَلَهُ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. انْتَهَى. وَالِابْنُ الْمَذْكُورُ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، كَذَلِكَ رَوَيْنَاهُ فِي نُسْخَةِ أَبِي الْجَهْمِ الْعَلَاءِ بْنِ مُوسَى، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَنَّطَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ فَذَكَرَهُ. قِيلَ: تَعَلَّقَ هَذَا الْأَثَرُ وَمَا بَعْدَهُ بِالتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ يَرَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجَسُ بِالْمَوْتِ، وَأَنَّ غُسْلَهُ إِنَّمَا هُوَ لِلتَّعَبُّدِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَمْ يُطَهِّرْهُ الْمَاءُ وَالسِّدْرُ، وَلَا الْمَاءُ وَحْدَهُ،

وَلَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسَّهُ ابْنُ عُمَرَ، وَلَغَسَلَ مَا مَسَّهُ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَضْعِيفِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: مَنْ غَسَّلَ الْمَيِّتَ فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ. رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا عَمْرَو بْنَ عُمَيْرٍ، فَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وَهُوَ مَعْلُولٌ، لِأَنَّ أَبَا صَالِحٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ: الصَّوَابُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفٌ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: هَذَا مَنْسُوخٌ، وَلَمْ يُبَيِّنْ نَاسِخَهُ.

وَقَالَ الذُّهْلِيُّ فِيمَا حَكَاهُ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ: لَيْسَ فِيمَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ حَدِيثُ ثَابِتٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ . . . إِلَخْ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: لَا تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيْسَ يَنْجَسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَحْيَى الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُثْمَانَ ابْنَيْ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، وَالَّذِي فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ مَوْقُوفٌ، كَمَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَرَوَى الْحَاكِمُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَوْلُهُ: لَا تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ؛ أَيْ لَا تَقُولُوا إِنَّهُمْ نَجَسٌ. وَقَوْلُهُ: يَنْجَسُ بِفَتْحِ الْجِيمِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَعْدٌ: لَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسِسْتُهُ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَأَبِي الْوَقْتِ: وَقَالَ سَعِيدٌ بِزِيَادَةِ يَاءٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَهُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، قَالَتْ: أُوذِنَ سَعْدٌ - تَعْنِي أَبَاهَا - بِجِنَازَةِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو، وَهُوَ بِالْعَقِيقِ فَجَاءَهُ فَغَسَّلَهُ، وَكَفَّنَهُ وَحَنَّطَهُ، ثُمَّ أَتَى دَارَهُ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَغْتَسِلْ مِنْ غُسْلِهِ، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسِسْتُهُ، وَلَكِنِّي اغْتَسَلْتُ مِنَ الْحَرِّ. وَقَدْ وَجَدْتُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ سَمُّويَهِ فِي فَوَائِدِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي وَاقِدٍ الْمَدَنِيِّ قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّهُ نَجِسٌ لَمْ أَمَسَّهُ.

وَفِي أَثَرِ سَعْدٍ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا يَخْشَى أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَى مَنْ رَآهُ أَنْ يُعْلِمَهُمْ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ، لِئَلَّا يَحْمِلُوهُ عَلَى غَيْرِ مَحْمَلِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيُّ : الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجَسُ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي بَابِ الْجُنُبِ يَمْشِي فِي السُّوقِ مِنْ كِتَابِ الْغُسْلِ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ صِفَةَ الْإِيمَانِ لَا تُسْلَبُ بِالْمَوْتِ وَإِذَا كَانَتْ بَاقِيَةً فَهُوَ غَيْرُ نَجِسٍ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ قَبْلُ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ هُنَا: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: النَّجِسُ الْقَذِرُ. انْتَهَى. وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْبُخَارِيُّ. وَأَرَادَ بِذَلِكَ نَفْيَ هَذَا الْوَصْفِ، وَهُوَ النَّجَسُ عَنِ الْمُسْلِمِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَيُّوبَ: سَمِعْتُ ابْنَ سِيرِينَ. وَسَيَأْتِي فِي بَابِ كَيْفَ الْإِشْعَارُ، وَقَدْ رَوَاهُ أَيُّوبُ أَيْضًا عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ، وَمَدَارُ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَحَفْصَةَ ابْنَيْ سِيرِينَ، وَحَفِظَتْ مِنْهُ حَفْصَةُ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ مُحَمَّدٌ كَمَا سَيَأْتِي مُبَيَّنًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ فِي أَحَادِيثِ الْغُسْلِ لِلْمَيِّتِ أَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ وَعَلَيْهِ عَوَّلَ الْأَئِمَّةُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ الْمَذْكُورَةِ: جَاءَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ - امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ اللَّاتِي بَايَعْنَ رَسُولَ اللَّهِ قَدِمَتِ الْبَصْرَةَ - تُبَادِرُ ابْنًا لَهَا فَلَمْ تُدْرِكْهُ. وَهَذَا الِابْنُ مَا عَرَفْتُ اسْمَهُ، وَكَأَنَّهُ كَانَ غَازِيًا، فَقَدِمَ الْبَصْرَةَ فَبَلَغَ أُمَّ عَطِيَّةَ وَهِيَ بِالْمَدِينَةِ قُدُومَهُ، وَهُوَ مَرِيضٌ، فَرَحَلَتْ إِلَيْهِ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ تَلْقَاهُ. وَسَيَأْتِي فِي الْإِحْدَادِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قُدُومَهَا كَانَ بَعْدَ مَوْتِهِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ اسْمَهَا نُسَيْبَةَ بِنُونٍ وَمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ. وَالْمَشْهُورُ فِيهَا التَّصْغِيُرُ، وَقِيلَ: بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَقَعَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ السَّرَخْسِيِّ وَكَذَا ضَبَطَهُ الْأَصِيلِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَطَاهِرِ

بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي السِّيرَةِ الْهِشَامِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ) فِي رِوَايَةِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ، وَهِيَ الَّتِي تَلِي هَذِهِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ: دَخَلَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نُغَسِّلُ بِنْتَهُ. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ دَخَلَ حِينَ شَرَعَ النِّسْوَةُ فِي الْغُسْلِ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ أَنَّ مَجِيئَهُنَّ إِلَيْهَا كَانَ بِأَمْرِهِ، وَلَفْظُهُ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ: مَاتَتْ إِحْدَى بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا.

قَوْلُهُ: (ابْنَتُهُ) لَمْ تَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَاياتِ الْبُخَارِيِّ مُسَمَّاةً، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا زَيْنَبُ زَوْجُ أَبِي الْعَاصي بْنِ الرَّبِيعِ وَالِدَةُ أُمَامَةَ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي الصَّلَاةِ، وَهِيَ أَكْبَرُ بَنَاتِ النَّبِيِّ ، وَكَانَتْ وَفَاتُهَا فِيمَا حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ فِي الذَّيْلِ فِي أَوَّلِ سَنَةِ ثَمَانٍ، وَقَدْ وَرَدَتْ مُسَمَّاةً فِي هَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : اغْسِلْنَهَا: فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ أَرَهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْ حَفْصَةَ، وَلَا عَنْ مُحَمَّدٍ مُسَمَّاةً إِلَّا فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ هَذِهِ، وَقَدْ خُولِفَ فِي ذَلِكَ، فَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ الشَّارِحِ أَنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّ الْبِنْتَ الْمَذْكُورَةَ أُمُّ كُلْثُومٍ زَوْجُ عُثْمَانَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدَهُ، وَتَعَقَّبَهُ الْمُنْذِرِيُّ بِأَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ تُوُفِّيَتْ وَالنَّبِيُّ بِبَدْرٍ، فَلَمْ يَشْهَدْهَا، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ، فَإِنَّ الَّتِي تُوُفِّيَتْ حِينَئِذٍ رُقَيَّةُ، وَعَزَاهُ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ لِبَعْضِ أَهْلِ السِّيَرِ، وَهُوَ قُصُورٌ شَدِيدٌ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ وَلَفْظُهُ: دَخَلَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ. وَهَذَا الْإِسْنَادُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ سَيَأْتِي فِي بَابِ كَيْفَ الْإِشْعَارُ وَكَذَا وَقَعَ فِي الْمُبْهَمَاتِ لِابْنِ بَشْكُوَالٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ.

الْحَدِيثَ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ: زَعَمَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّهَا أُمُّ كُلْثُومٍ وَفِيهِ نَظَرٌ. كَذَا قَالَ، وَلَمْ أَرَ فِي التِّرْمِذِيِّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى الدُّولَابَيُّ فِي الذُّرِّيَّةِ الطَّاهِرَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ عَمْرَةَ: أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ كَانَتْ مِمَّنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَةَ النَّبِيِّ . الْحَدِيثَ. فَيُمْكِنُ دَعْوَى تَرْجِيحِ ذَلِكَ لِمَجِيئِهِ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ تَكُونَ حَضَرَتْهُمَا جَمِيعًا، فَقَدْ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي تَرْجَمَتِهَا بِأَنَّهَا كَانَتْ غَاسِلَةَ الْمَيِّتَاتِ، وَوَقَعَ لِي مِنْ تَسْمِيَةِ النِّسْوَةِ اللَّاتِي حَضَرْنَ مَعَهَا ثَلَاثٌ غَيْرُهَا، فَفِي الذُّرِّيَّةِ الطَّاهِرَةِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، أَنَّهَا كَانَتْ مِمَّنْ غَسَّلَهَا، قَالَتْ: وَمَعَنَا صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ لَيْلَى بِنْتِ قَانِفٍ - بِقَافٍ وَنُونٍ وَفَاءٍ - الثَّقَفِيَّةِ، قَالَتْ: كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَهَا. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ شَيْئًا يُومِئُ إِلَى أَنَّهَا حَضَرَتْ ذَلِكَ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ: وَلَا أَدْرِي أَيُّ بَنَاتِهِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَسْمِيَتَهَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ دُونَ ابْنِ سِيرِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (اغْسِلْنَهَا) قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ: اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ غُسْلِ الْمَيِّتِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِيمَا بَعْدُ: إِنْ رَأَيْتينَّ ذَلِكَ هَلْ يَرْجِعُ إِلَى الْغُسْلِ أَوِ الْعَدَدِ، وَالثَّانِي أَرْجَحُ، فَثَبَتَ الْمُدَّعَى. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَكِنْ قَوْلُهُ ثَلَاثًا، لَيْسَ لِلْوُجُوبِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ، فَيَتَوَقَّفُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى تَجْوِيزِ إِرَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: ثَلَاثًا غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا تَحْتَ صِيغَةِ الْأَمْرِ، فَيُرَادَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَصْلِ الْغُسْلِ، وَالنَّدْبُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِيتَارِ. انْتَهَى. وَقَوَاعِدُ الشَّافِعِيَّةِ لَا تَأْبَى ذَلِكَ. وَمِنْ ثَمَّ ذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَالْمُزَنِيُّ إِلَى إِيجَابِ الثَّلَاثِ، وَقَالُوا: إِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ يُغْسَلُ مَوْضِعُهُ، وَلَا يُعَادُ غُسْلُ الْمَيِّتِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَجَاءَ عَنِ الْحَسَنِ مِثْلُهُ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ يُغَسَّلُ ثَلَاثًا، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدُ فَخَمْسًا، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ غُسِّلَ سَبْعًا. قَالَ هِشَامٌ وَقَالَ الْحَسَنُ: يُغَسَّلُ ثَلَاثًا، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ غُسِلَ مَا خَرَجَ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الثَّلَاثِ.

قَوْلُهُ: (ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا) فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ: اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا. وَأَوْ هُنَا لِلتَّرْتِيبِ لَا لِلتَّخْيِيرِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ: اغْسِلْنَهَا وِتْرًا، وَلْيَكُنْ ثَلَاثًا، فَإِنِ احْتَجْنَ إِلَى زِيَادَةٍ فَخَمْسًا، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِيتَارَ مَطْلُوبٌ، وَالثَّلَاثُ مُسْتَحَبَّةٌ، فَإِنْ حَصَلَ الْإِنْقَاءُ بِهَا لَمْ يُشْرَعْ مَا فَوْقَهَا، وَإِلَّا زِيدَ وِتْرًا، حَتَّى يَحْصُلَ الْإِنْقَاءُ، وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ عَامَّةٌ لِلْبَدَنِ. انْتَهَى. وَقَدْ سَبَقَ بَحْثُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فِي قَوْلِهِ: أَوْ خَمْسًا إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمَشْرُوعَ هُوَ الْإِيتَارُ، لِأَنَّهُ نَقَلَهُنَّ مِنَ الثَّلَاثِ إِلَى الْخَمْسِ وَسَكَتَ عَنِ الْأَرْبَعِ.

قَوْلُهُ: (أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلْمُؤَنَّثِ. فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ كَمَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ: ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا. وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ بَعْدَ قَوْلِهِ سَبْعًا التَّعْبِيرَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِلَّا فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ، وَأَمَّا مَا سِوَاهَا فَإِمَّا أَوْ سَبْعًا، وَإِمَّا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَيَحْتَمِلُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِالسَّبْعِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، فَكَرِهَ الزِّيَادَةَ عَلَى السَّبْعِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِمُجَاوَزَةِ السَّبْعِ، وَسَاقَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَانَ يَأْخُذُ الْغُسْلَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ثَلَاثًا، وَإِلَّا فَخَمْسًا، وَإِلَّا فَأَكْثَرَ، قَالَ: فَرَأَيْنَا أَنَّ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ سَبْعٌ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الزِّيَادَةُ عَلَى السَّبْعِ سَرَفٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: بَلَغَنِي أَنَّ جَسَدَ الْمَيِّتِ يَسْتَرْخِي بِالْمَاءِ، فَلَا أُحِبُّ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ) مَعْنَاهُ التَّفْوِيضُ إِلَى اجْتِهَادِهِنَّ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ لَا التَّشَهِّي. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إِنَّمَا فَوَّضَ الرَّأْيَ إِلَيْهِنَّ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ الْإِيتَارُ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ إِنْ رَأَيْتُنَّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْأَعْدَادِ الْمَذْكُورَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: إِنْ رَأَيْتُنَّ أَنْ تَفْعَلْنَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَالْإِنْقَاءُ يَكْفِي.

قَوْلُهُ: (بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذَا أَصْلٌ فِي جَوَازِ التَّطَهُّرِ بِالْمَاءِ الْمُضَافِ إِذَا لَمْ يَسْلُبِ الْمَاءُ الْإِطْلَاقَ. انْتَهَى. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ لِلتَّطْهِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي؛ أَيِ اللَّفْظَتَيْنِ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى الثَّانِي، لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، فَيَصْدُقُ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ، وَجَزَمَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ بِالشِّقِّ الْأَوَّلِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَظَاهِرُهُ جَعْلُ الْكَافُورِ فِي الْمَاءِ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ: إِنَّمَا يُجْعَلُ فِي الْحَنُوطِ؛ أَيْ بَعْدَ انتْهَاءِ الْغُسْلِ وَالتَّجْفِيفِ، قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي الْكَافُورِ مَعَ كَوْنِهِ بطيب رَائِحَةَ الْمَوْضِعِ لِأَجْلِ مَنْ يَحْضُرُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ فِيهِ تَجْفِيفًا وَتَبْرِيدًا وَقُوَّةَ نُفُوذٍ، وَخَاصِّيَّةً فِي تَصْلِيبِ بَدَنِ الْمَيِّتِ، وَطَرْدَ الْهَوَامِّ عَنْهُ، وَرَدْعَ مَا يَتَحَلَّلُ مِنَ الْفَضَلَاتِ، وَمَنْعَ إِسْرَاعِ الْفَسَادِ إِلَيْهِ، وَهُوَ أَقْوَى الْأَرَايِيحِ الطَّيِّبَةِ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي جَعْلِهِ فِي الْأَخِيرَةِ، إِذْ لَوْ كَانَ فِي الْأُولَى مَثَلًا لَأَذْهَبَهُ الْمَاءُ، وَهَلْ يَقُومُ الْمِسْكُ مَثَلًا مَقَامَ الْكَافُورِ؟ إِنْ نُظِرَ إِلَى مُجَرَّدِ التَّطَيُّبِ فَنَعَمْ، وَإِلَّا فَلَا، وَقَدْ يُقَالُ: إِذَا عُدِمَ الْكَافُورُ قَامَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، وَلَوْ بِخَاصِّيَّةٍ وَاحِدَةٍ مَثَلًا.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي)؛ أَيْ أَعْلِمْنَنِي.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا فَرَغْنَا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الْخِطَابِ مِنَ الْحَاضِرِ، وَلَلْأَصِيلِيِّ: فَلَمَّا فَرَغْنَ بِصِيغَةِ الْغَائِبِ.

قَوْلُهُ: (حَقْوَهُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ - وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، وَهِيَ لُغَةُ هُذَيْلٍ - بَعْدَهَا قَافٌ سَاكِنَةٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْإِزَارُ كَمَا وَقَعَ مُفَسَّرًا فِي آخِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَالْحَقْوُ فِي الْأَصْلِ مَعْقِدُ الْإِزَارِ، وَأُطْلِقَ عَلَى الْإِزَارِ مَجَازًا، وَسَيَأْتِي بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ: فَنَزَعَ مِنْ حَقْوِهِ إِزَارَهُ. وَالْحَقْوُ فِي هَذَا عَلَى حَقِيقَتِهِ.

قَوْلُهُ: (أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ)؛ أَيِ اجْعَلْنَهُ شِعَارَهَا؛ أَيِ الثَّوْبُ الَّذِي يَلِي جَسَدَهَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى صِفَتِهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ، قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي تَأْخِيرِ الْإِزَارِ مَعَهُ إِلَى أَنْ يَفْرُغْنَ مِنَ الْغُسْلِ، وَلَمْ يُنَاوِلْهُنَّ إِيَّاهُ أَوَّلًا لِيَكُونَ قَرِيبَ الْعَهْدِ مِنْ جَسَدِهِ الْكَرِيمِ، حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَ انْتِقَالِهِ مِنْ جَسَدِهِ إِلَى جَسَدِهَا فَاصِلٌ، وَهُوَ أَصْلٌ فِي التَّبَرُّكِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

على الصِّراط، فإنَّه ممدودٌ عليها، رواه الطَّبرانيُّ وغيره، من طريق بسر (١) بن سعيدٍ، عن أبي هريرة، ومن طريق كعب الأحبار، وزاد: «يستوون كلُّهم على متنها، ثمَّ ينادي منادٍ: أمسكي أصحابك ودعي أصحابي، فيخرج المؤمنون نديَّةً أبدانُهم».

وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «الأدب» والنَّسائيُّ في «التَّفسير» وابن ماجه في «الجنائز»، وحديث شريكٍ مقدَّمٌ على حديث مسلمٍ في رواية أبي ذَرٍّ.

(٧) (باب قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ) شابَّةً أو عجوزًا (عِنْدَ القَبْرِ: اصْبِرِي).

١٢٥٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتٌ) البُنانيُّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ، بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَهِيَ) والحال أنَّها (تَبْكِي، فَقَالَ) لها: (اتَّقِي اللهَ) بألَّا تجزعي، فإنَّ الجزع يحبط الأجر (وَاصْبِرِي) فإنَّ الصَّبر يجزل الأجر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وفيه إشارةٌ إلى أنَّ عدم الصَّبر ينافي التَّقوى.

وقد أخرجه أيضًا في «الجنائز» [خ¦١٢٨٣]، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.

(٨) (باب غُسْلِ المَيِّتِ) وهو فرض كفايةٍ (وَوُضُوئِهِ) أي: الميت، وهو سنَّةٌ، أو الضَّمير فيه

للغاسل لا للميِّت، وكأنَّه انتزع الوضوء من مطلق الغسل؛ لأنَّه منزَّلٌ (١) على المعهود في (٢) غسل الجنابة، وقد تقرَّر عندهم الوضوء فيه (بِالمَاءِ وَالسِّدْرِ) متعلِّق بالغسل بأن يُخلَطا ويغسل بهما للتَّنظيف، فلا يُحسَب عن الواجب للتَّغيُّر (وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب () بالحاء المهملة وتشديد النُّون (ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ) أحد العشرة المبشَّرة بالجنَّة، المتوفى سنة إحدى وخمسين، واسم ابنه هذا عبد الرَّحمن، أي: طيَّبه بالحنوط، وهو كلُّ شيءٍ خلطته من الطِّيب للميِّت خاصَّةً (وَحَمَلَهُ وَصَلَّى) عليه (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) ولو كان الميِّت نجسًا لم يطهِّرْه الماء والسِّدر، ولا الماء وحده، ولَمَا مسَّه ابن عمر، ولغَسَل مَا مسَّه من أعضائه، وهذا وصله مالكٌ في «الموطَّأ» عن نافعٍ: أنَّ عبد الله بن عمر حَنَّط فذكره (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ) ممَّا وصله سعيدُ بن منصورٍ بإسنادٍ صحيحٍ: (المُسْلِمُ لَا يَنْجَُسُ) بضمِّ الجيم وفتحها (حَيًّا وَلَا مَيِّتًا) وقد رواه مرفوعًا الدَّارقُطنيُّ والحاكم (وَقَالَ سَعْدٌ) أي: ابن أبي وقَّاصٍ؛ كما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عائشة بنت سعدٍ، وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «وقال سعيدٌ» بزيادة ياءٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: والأوَّل أَولى؛ كما أخرجه ابن أبي شيبة (٣)، لمَّا غسَّل سعيد بن زيدِ بن عمرٍو بالعقيق (٤) وحنَّطه وكفَّنه: (لَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسِسْتُهُ) بكسر الجيم والسِّين الأولى من «مَسِسْتُه» (وَقَالَ النَّبِيُّ : المُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ) هو طرفٌ من حديث أبي هريرة من (٥) «كتاب الغسل» [خ¦٢٨٣]، في «باب الجنب يمشي في السُّوق».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

{ونادى أَصْحَاب الْجنَّة أَصْحَاب النَّار} (ك: ٤٤) . فِي أَن مَا سَيكون بمنزله الْكَائِن، لِأَن مَا أخبر بِهِ الصَّادِق من الْمُسْتَقْبل كالواقع، وَقَالَ بَعضهم: وَهَذَا قد تَلقاهُ جمَاعَة عَن الطَّيِّبِيّ وأقروه عَلَيْهِ، وَفِيه نظر، لِأَن السَّبَبِيَّة حَاصِلَة بِالنّظرِ إِلَى الِاسْتِثْنَاء، لِأَن الِاسْتِثْنَاء بعد النَّفْي إِثْبَات، فَكَانَ الْمَعْنى: أَن تَخْفيف الولوج مسبب عَن موت الْأَوْلَاد، وَهُوَ ظَاهر، لِأَن الولوج عَام وتخفيفه يَقع بِأُمُور مِنْهَا موت الْأَوْلَاد بِشَرْطِهِ، وَمَا ادَّعَاهُ أَن الْفَاء بِمَعْنى الْوَاو الَّتِي للْجمع فِيهِ نظر. قلت: فِي كل وَاحِد من نظريه نظر، أما الأول: فلأنا لَا نسلم حُصُول السَّبَبِيَّة بِالنّظرِ إِلَى الِاسْتِثْنَاء، لِأَن الولوج هَهُنَا لَيْسَ على حَقِيقَته بالِاتِّفَاقِ، لِأَنَّهُ بِمَعْنى الْوُرُود، وَقد مر أَن فِي مَعْنَاهُ أقوالاً. وَقَوله: لِأَن الِاسْتِثْنَاء بعد النَّفْي إِثْبَات مَحل نزاع، وَقد علم فِي مَوْضِعه. وَإِمَّا الثَّانِي: فأيضا مَمْنُوع، لِأَن الْحُرُوف يَنُوب بَعْضهَا عَن بعض، وَلم يمْنَع أحد عَن ذَلِك أَلا ترى أَن بَعضهم قَالُوا: إِن الِاسْتِثْنَاء بِمَعْنى: الْوَاو، أَي: لَا تمسه النَّار قَلِيلا وَلَا كثيرا، وَلَا تَحِلَّة الْقسم، وَقد جوز الْفراء والأخفش وَأَبُو عُبَيْدَة مَجِيء: إلَاّ بِمَعْنى: الْوَاو، وَجعلُوا مِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {لِئَلَّا يكون للنَّاس عَلَيْكُم حجَّة إِلَّا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم} (الْبَقَرَة: ٠٥١) . أَي: وَلَا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم.

٧ - (بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأةِ عِنْدَ القَبْرِ اصبِرِي)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز قَول الرجل للْمَرْأَة عِنْد قبر الْمَيِّت: إصبري، وَالْقَصْد من هَذِه التَّرْجَمَة جَوَاز مُخَاطبَة الرِّجَال للنِّسَاء بِمَا فِيهِ موعظة وَأمر بِمَعْرُوف وَنهي عَن مُنكر، وَإِنَّمَا ذكر بقوله: (قَول الرجل) إِشَارَة إِلَى أَن ذَلِك لَا يخْتَص بِالنَّبِيِّ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَإِن كَانَ فِي الحَدِيث قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأطلق إمرأة ليتناول الشَّابَّة والعجوز، وَعين لفظ: اصْبِرِي، وَلم يقل لفظ: اتقِي، كَمَا فِي الحَدِيث لِأَنَّهُ هُوَ الْمُنَاسب فِي ذَلِك الْوَقْت. فَإِن قلت: لِمَ قَالَ: قَول الرجل، وَلم يقل: وعظ الرجل، وَنَحْوه؟ قلت: لعُمُوم معنى القَوْل وشموله.

٢٥٢١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا ثابِتٌ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ مرَّ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بامْرَأةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وهْيَ تَبْكِي فَقَالَ اتَّقِي الله واصْبِرِي..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (واصبري) ، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز عَن بنْدَار عَن غنْدر، وَفِي الْأَحْكَام أَيْضا عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن بنْدَار وَعَن غنْدر عَن أبي مُوسَى وَعَن يحيى بن حبيب وَعَن عقبَة بن مكرم وَعَن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي وَزُهَيْر بن حَرْب عَن عبد الصَّمد، ستتهم عَنهُ بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أبي مُوسَى مُحَمَّد بن الْمثنى نَحوه. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عمر بن عَليّ عَن غنْدر.

قَوْله: (وَهِي تبْكي) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَهَا: (اتقِي الله واصبري) أَي: لَا تجزعي، فَإِن الْجزع يحبط الْأجر، واصبري فَإِن الصَّبْر يجزل الْأجر، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُوفى الصَّابِرُونَ أجرهم بِغَيْر حِسَاب} (الزمر: ٠١) . وَقَالَ ابْن ابْن بطال: أَرَادَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن لَا يجْتَمع عَلَيْهَا مصيبتان: مُصِيبَة فقد الْوَلَد، ومصيبة فقد الْأجر الَّذِي يُبطلهُ الْجزع، فَأمرهَا بِالصبرِ الَّذِي لَا بُد للجازع من الرُّجُوع إِلَيْهِ بعد سُقُوط أجره، وَقيل: كل مُصِيبَة لم يذهب فَرح ثَوَابهَا ألم حزنها فَهِيَ الْمُصِيبَة الدائمة، والحزن الْبَاقِي. وَقَالَ الْحسن: الْحَمد لله الَّذِي أجرنا على مَا لَا بُد لنا مِنْهُ.

وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: جَوَاز زِيَارَة الْقُبُور وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. وَفِيه: دلَالَة على تواضعه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَونه لم ينهرها، وَفِيه: النَّهْي عَن الْبكاء بعد الْمَوْت. وَفِيه: الموعظة للباكي بتقوى الله وَالصَّبْر.

٨ - (بابُ غُسْلِ المَيِّتِ وَوَضُوئِهِ بِالمَاءِ والسِّدْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم غسل الْمَيِّت. . إِلَى آخِره.

وَهَذِه التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على أُمُور.

الأول: فِي غسل الْمَيِّت، هَل هُوَ فرض أَو وَاجِب أَو سنة؟ فَقَالَ أَصْحَابنَا: هُوَ وَاجِب على الْأَحْيَاء بِالسنةِ وَإِجْمَاع الْأمة. أما السّنة: فَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (للْمُسلمِ على الْمُسلم سِتّ حُقُوق. .) وَذكر مِنْهَا: إِذا مَاتَ أَن يغسلهُ، وأجمعت الْأمة على هَذَا. وَفِي (شرح الْوَجِيز) : الْغسْل والتكفين وَالصَّلَاة فرض

على الْكِفَايَة بِالْإِجْمَاع، وَكَذَا نقل النَّوَوِيّ الْإِجْمَاع على أَن غسل الْمَيِّت فرض كِفَايَة، وَقد أنكر بَعضهم على النَّوَوِيّ فِي نَقله هَذَا فَقَالَ: وَهُوَ ذُهُول شَدِيد، فَإِن الْخلاف مَشْهُور جدا عِنْد الْمَالِكِيَّة، حَتَّى أَن الْقُرْطُبِيّ رجح فِي (شرح مُسلم) أَنه سنة، وَلَكِن الْجُمْهُور على وُجُوبه. انْتهى. قلت: هَذَا ذُهُول أَشد من هَذَا الْقَائِل حَيْثُ لم ينظر إِلَى معنى الْكَلَام، فَإِن معنى قَوْله: سنة، أَي: سنة مُؤَكدَة، وَهِي فِي قُوَّة الْوُجُوب، حَتَّى قَالَ هُوَ: وَقد رد ابْن الْعَرَبِيّ على من لم يقل بذلك، أَي: بِالْوُجُوب، وَقَالَ: توارد بِهِ القَوْل وَالْعَمَل وَغسل الطَّاهِر المطهر فَكيف بِمن سواهُ؟ .

الثَّانِي: فِي أَن أصل وجوب غسل الْمَيِّت مَا رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي (الْمسند) (أَن آدم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، غسلته الْمَلَائِكَة وكفنوه وحنطوه وحفروا لَهُ وألحدوا وصلوا عَلَيْهِ، ثمَّ دخلُوا قَبره فوضعوه فِيهِ وَوَضَعُوا عَلَيْهِ اللَّبن، ثمَّ خَرجُوا من قَبره، ثمَّ حثوا عَلَيْهِ التُّرَاب، ثمَّ قَالُوا: يَا بني آدم هَذِه سبيلكم) وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِمَعْنَاهُ.

الثَّالِث: فِي سَبَب وجوب غسل الْمَيِّت، فَقَالَ بَعضهم: هُوَ الْحَدث، فَإِن الْمَوْت سَبَب لاسترخاء مفاصله، وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله الْجِرْجَانِيّ وَغَيره من مَشَايِخ الْعرَاق، إِنَّمَا أوجب النَّجَاسَة الْمَوْت إِذْ الْآدَمِيّ لَهُ دم مسفوح كَسَائِر الْحَيَوَانَات، وَلِهَذَا يَتَنَجَّس الْبِئْر بِمَوْتِهِ فِيهَا، وَفِي (الْبَدَائِع) : عَن مُحَمَّد بن الشجاع البَجلِيّ أَن الْآدَمِيّ لَا ينجس بِالْمَوْتِ كَرَامَة لَهُ، لِأَنَّهُ لَو تنجس لما حكم بِطَهَارَتِهِ بِالْغسْلِ كَسَائِر الْحَيَوَانَات الَّتِي حكم بنجاستها بِالْمَوْتِ، وَسَيَأْتِي قَول ابْن عَبَّاس: إِن الْمُسلم لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا. وَقَالَ بعض الْحَنَابِلَة: ينجس بِالْمَوْتِ وَلَا يطهر بِالْغسْلِ ويتنجس الثَّوْب الَّذِي ينشف بِهِ كَسَائِر الميتات، وَهَذَا بَاطِل بِلَا شكّ وخرق للْإِجْمَاع

الرَّابِع: فِي وضوء الْمَيِّت، فوضوؤه سنة كَمَا فِي الِاغْتِسَال فِي حَالَة الْحَيَاة، غير أَنه لَا يمضمض وَلَا يستنشق عندنَا لِأَنَّهُمَا متعسران. وَقَالَ صَاحب (الْمُغنِي) : وَلَا يدْخل المَاء فَاه وَلَا مَنْخرَيْهِ فِي قَول أَكثر أهل الْعلم. وَهُوَ قَول سعيد بن جُبَير وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري وَأحمد. وَقَالَ الشَّافِعِي: يمضمض ويستنشق كَمَا يَفْعَله الْحَيّ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمَضْمَضَة جعل المَاء فِي فِيهِ. قلت: هَذَا خلاف مَا قَالَه أهل اللُّغَة، فَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْمَضْمَضَة تَحْرِيك المَاء فِي الْفَم، وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ لم يصوب من قَالَ مثل مَا قَالَ النَّوَوِيّ.

الْخَامِس: فِي المَاء والسدر، فَالْحكم فِيهِ عندنَا أَن المَاء يغلي بالسدر والأشنان مُبَالغَة فِي التَّنْظِيف، فَإِن لم يكن السدر أَو الأشنان فالماء القراح، وَذكر فِي (الْمُحِيط) و (الْمَبْسُوط) : أَنه يغسل أَولا بِالْمَاءِ القراح، ثمَّ بِالْمَاءِ الَّذِي يطْرَح فِيهِ السدر، وَفِي الثَّالِثَة يَجْعَل الكافور فِي المَاء وَيغسل بِهِ، هَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعند سعيد بن الْمسيب وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري: يغسل فِي الْمرة الأولى وَالثَّانيَِة بِالْمَاءِ القراح، وَالثَّالِثَة بالسدر. وَقَالَ الشَّافِعِي: يخْتَص السدر بِالْأولَى، وَبِه قَالَ ابْن الْخطاب من الْحَنَابِلَة. وَعَن أَحْمد: يسْتَعْمل السدر فِي الثَّلَاث كلهَا، وَهُوَ قَول عَطاء وَإِسْحَاق وَسليمَان بن حَرْب. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يَجْعَل السدر فِي مَاء ويخضخض إِلَى أَن تخرج رغوته ويدلك جسده ثمَّ يصب عَلَيْهِ المَاء القراح، فَهَذِهِ غسلة، وكرهت الشَّافِعِيَّة وَبَعض الْحَنَابِلَة المَاء المسخن، وخيره مَالك مَا ذكره فِي (الْجَوَاهِر) وَفِي (الْخُتلِي) من كتب الشَّافِعِيَّة، قيل: المسخن أولى بِكُل حَال وَهُوَ قَول إِسْحَاق. وَفِي (الدِّرَايَة) : وَعند الشَّافِعِي وَأحمد المَاء الْبَارِد أفضل إلَاّ أَن يكون عَلَيْهِ وسخ أَو نَجَاسَة لَا تَزُول إلَاّ بِالْمَاءِ الْحَار أَو يكون الْبرد شَدِيدا. فَإِن قلت: الْوضُوء مَذْكُور فِي التَّرْجَمَة وَلم يذكر لَهُ حَدِيثا. قلت: اعْتمد على الْمَعْهُود من الِاغْتِسَال من الْجَنَابَة، عَن يُمكن أَن يُقَال: إِنَّه اعْتمد على مَا ورد فِي بعض طرق حَدِيث الْبَاب من حَدِيث أم عَطِيَّة: (إبدأن بميامنها ومواضع الْوضُوء مِنْهَا) . وَقيل: أَرَادَ وضوء الْغَاسِل أَي: لَا يلْزمه وضوء. قلت: هَذَا بعيد، لِأَن الْغَاسِل لم يذكر فِيمَا قبله وَلَا يعود الضَّمِير فِي قَوْله: (ووضوئه) إلَاّ إِلَى الْمَيِّت، وَوجه بَعضهم هَذَا فَقَالَ: إلَاّ أَن يُقَال: تَقْدِير التَّرْجَمَة: بَاب غسل الْحَيّ الْمَيِّت، لِأَن الْمَيِّت لَا يتَوَلَّى ذَلِك بِنَفسِهِ فَيَعُود الضَّمِير على الْمَحْذُوف. قلت: هَذَا عسف وَإِن كَانَ لَهُ وَجه مَعَ أَن رُجُوع الضَّمِير إِلَى أقرب الشَّيْئَيْنِ إِلَيْهِ أولى.

وَحَنَّطَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا ابْنا لِسَعِيدِ بنِ زَيْدٍ وَحَمَلَهُ وَصَلَّى ولَمْ يَتَوَضَّأ

مطابقتة للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من موضِعين: الأول: من قَوْله: (حنط) ، لِأَن التحنيط يسْتَلْزم الْغسْل، فَكَأَنَّهُ قَالَ: غسله وحنطه، وَهُوَ مُطَابق لقَوْله: بَاب غسل الْمَيِّت، وَالثَّانِي: من قَوْله: (وَلم يتَوَضَّأ) ، لأَنا قد ذكرنَا أَن الضَّمِير فِي قَوْله: (ووضوئه) ، يرجع إِلَى الْمَيِّت، وَقَوله: (لم

يتَوَضَّأ) يدل على أَن الْغَاسِل لَيْسَ عَلَيْهِ وضوء، فَوَقع التطابق من هَذِه الْحَيْثِيَّة. وَقَالَ بَعضهم: وَقيل: تعلق هَذَا الْأَثر وَمَا بعده بالترجمة من جِهَة أَن المُصَنّف يرى أَن الْمُؤمن لَا ينجس بِالْمَوْتِ وَأَن غسله إِنَّمَا هُوَ للتعبد، لِأَنَّهُ لَو كَانَ نجسا لم يطهره المَاء والسدر وَلَا المَاء وَحده، وَلَو كَانَ نجسا مَا مَسّه ابْن عمر، ولغسل مَا مَسّه من أَعْضَائِهِ. قلت: لَيْسَ بَين هَذَا الْأَثر وَبَين التَّرْجَمَة تعلق أصلا من هَذِه الْجِهَة الْبَعِيدَة، وَالَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ الْأَوْجه. نعم، هَذَا الَّذِي ذكره يصلح أَن يكون وَجه التطابق بَين التَّرْجَمَة وَبَين أثر ابْن عَبَّاس الْآتِي، لِأَن إِيرَاده أثر ابْن عَبَّاس فِي هَذَا الْبَاب يدل على أَنه يرى فِيهِ رَأْي ابْن عَبَّاس، وَيفهم مِنْهُ أَن غسل الْمَيِّت عِنْده أَمر تعبدي، وَإِن كَانَ قَوْله: بَاب غسل الْمَيِّت، أَعم من ذَلِك، لَكِن إِيرَاده أثر ابْن عَبَّاس وَأثر سعد، والْحَدِيث الْمُعَلق يدل على ذَلِك فَافْهَم.

وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَضْعِيف مَا أخرجه أَبُو دَاوُد من طَرِيق عَمْرو بن عُمَيْر عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (من غسل الْمَيِّت فليغتسل وَمن حمله فَليَتَوَضَّأ) ، رُوَاته ثِقَات إلَاّ عَمْرو بن عُمَيْر فَلَيْسَ بِمَعْرُوف، وروى التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان من طَرِيق سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، نَحوه، وَهُوَ مَعْلُول لِأَن أَبَا صَالح لم يسمعهُ من أبي هُرَيْرَة. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: عَن أَبِيه الصَّوَاب: عَن أبي هُرَيْرَة، مَوْقُوف. وَقَالَ أَبُو دَاوُد بعد تَخْرِيجه: هَذَا مَنْسُوخ وَلم يبين ناسخه، وَقَالَ الذهلي فِيمَا حَكَاهُ الْحَاكِم فِي (تَارِيخه) : لَيْسَ فِيمَن غسل مَيتا فليتغسل حَدِيث ثَابت. انْتهى. قلت: إيش وَجه إِشَارَة البُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى تَضْعِيف الحَدِيث الْمَذْكُور؟ فَأَي عبارَة تدل على هَذَا بِدلَالَة من أَنْوَاع الدلالات، وَهَذَا كَلَام واه.

قلت: أما حَدِيث أبي دَاوُد فقد قَالَ فِي (سنَنه) : حَدثنَا أَحْمد بن صَالح أخبرنَا ابْن أبي فديك حَدثنِي ابْن أبي ذِئْب عَن الْقَاسِم ابْن عَبَّاس عَن عَمْرو بن عُمَيْر عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من غسل الْمَيِّت. .) الحَدِيث، وَابْن أبي فديك: هُوَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن أبي فديك، وَابْن أبي ذِئْب: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث ابْن أبي ذِئْب، وَعَمْرو بن عُمَيْر، بِفَتْح الْعين فِي الإبن وَضمّهَا فِي الْأَب قلت: قَوْله: عَمْرو بن عُمَيْر لَيْسَ بِمَعْرُوف، إِشَارَة إِلَى تَضْعِيف الحَدِيث، فَهَذَا أَبُو دَاوُد قد روى لَهُ وَسكت عَلَيْهِ فَدلَّ على أَنه قد رَضِي بِهِ، وَلكنه قَالَ: هَذَا مَنْسُوخ، فَرده هَذَا الحَدِيث لم يكن إلَاّ من جِهَة كَونه مَنْسُوخا، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَلم يبين ناسخه قلت: بِتَرْكِهِ بَيَان النَّاسِخ لَا يلْزم تَضْعِيف الحَدِيث، والنسخ يعلم بِأُمُور مِنْهَا: ترك الْعَمَل بِالْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ يدل على وجود نَاسخ وَإِن لم يطلع عَلَيْهِ.

وَأما حَدِيث التِّرْمِذِيّ فقد قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الْملك بن أبي الشَّوَارِب حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن الْمُخْتَار عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من غسله الْغسْل وَمن حمله الْوضُوء) يَعْنِي الْمَيِّت، وَقَالَ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة حَدِيث حسن، وَقد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة مَوْقُوفا، ثمَّ قَالَ: وَقد اخْتلف أهل الْعلم فِي الَّذِي يغسل الْمَيِّت، فَقَالَ بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَغَيرهم: إِذا غسل مَيتا فَعَلَيهِ الْغسْل، وَقَالَ بَعضهم: عَلَيْهِ الْوضُوء، وَقَالَ مَالك بن أنس: اسْتحبَّ الْغسْل من غسل الْمَيِّت وَلَا أرى ذَلِك وَاجِبا، وَهَكَذَا قَالَ الشَّافِعِي، وَقَالَ أَحْمد: من غسل مَيتا أَرْجُو أَن لَا يجب عَلَيْهِ الْغسْل، فَأَما الْوضُوء فَأَقل مَا فِيهِ. وَقَالَ إِسْحَاق: لَا بُد من الْوضُوء، وَقد رُوِيَ عَن عبد الله بن الْمُبَارك أَنه قَالَ: لَا يغْتَسل وَلَا يتَوَضَّأ من غسل الْمَيِّت، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَفِي الْبَاب عَن عَليّ وَعَائِشَة. قلت: كِلَاهُمَا عِنْد أبي دَاوُد، وَفِي الْبَاب عَن حُذَيْفَة عِنْد الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد سَاقِط، وَقَالَ مَالك فِي (الْعُتْبِيَّة) : أدْركْت النَّاس على أَن غاسل الْمَيِّت يغْتَسل، وَاسْتَحْسنهُ ابْن الْقَاسِم وَأَشْهَب، وَقَالَ ابْن حبيب: لَا غسل عَلَيْهِ وَلَا وضوء، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ: الْجَدِيد هَذَا، وَالْقَدِيم: الْوُجُوب، وبالغسل قَالَ ابْن الْمسيب وَابْن سِيرِين وَالزهْرِيّ، قَالَه ابْن الْمُنْذر، وَقَالَ الْخطابِيّ: لَا أعلم أحدا قَالَ بِوُجُوب الْغسْل مِنْهُ، وَأوجب أَحْمد وَإِسْحَاق الْوضُوء مِنْهُ.

وَأما التَّعْلِيق الْمَذْكُور فقد وَصله مَالك فِي (موطئِهِ) عَن نَافِع: أَن ابْن عمر حنط ابْنا لسَعِيد بن زيد وَحمله ثمَّ دخل الْمَسْجِد فصلى وَلم يتَوَضَّأ، وروى ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه: أَن ابْن عمر كفن مَيتا وحنطه وَلم يمس مَاء، وَعَن أبي الْأَحْوَص عَن عَطاء بن السَّائِب عَن سعيد بن جُبَير، قَالَ: قلت لِابْنِ عمر: اغْتسل من غسل الْمَيِّت؟ قَالَ: لَا. وَحدثنَا عباد بن الْعَوام عَن حجاج عَن سُلَيْمَان بن ربيع عَن سعيد بن جُبَير، قَالَ: غسلت أُمِّي ميتَة، فَقَالَت لي: سل، عَليّ غسل؟ فَأتيت ابْن عمر فَسَأَلته، فَقَالَ: أنجسا غسلت؟ ثمَّ أتيت ابْن عَبَّاس، فَسَأَلته فَقَالَ مثل ذَلِك: أنجسا غسلت؟ وَحدثنَا عباد عَن حجاج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر أَنَّهُمَا قَالَا: لَيْسَ على غاسل الْمَيِّت غسل؟

قَوْله: (حنط) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد النُّون أَي: اسْتعْمل الحنوط، وَهُوَ كل شَيْء خلط من الطّيب

للْمَيت خَاصَّة، قَالَه الْكرْمَانِي وَتَبعهُ بَعضهم على هَذَا. وَفِي (الصِّحَاح) بالحنوط ذريرة، وَهُوَ طيب الْمَيِّت. قلت: الحنوط: عطر مركب من أَنْوَاع الطّيب يَجْعَل على رَأس الْمَيِّت ولحيته ولبقيه جسده إِن تيَسّر،. وَفِي الحَدِيث: (أَن ثمودا لما استيقنوا بِالْعَذَابِ تكفنوا بالأنطاع وتحنطوا بِالصبرِ لِئَلَّا يجيفوا وينتنوا) . وَفِي (الْمُحِيط) : لَا بَأْس بِسَائِر الطّيب فِي الحنوط غير الزَّعْفَرَان والورس فِي حق الرِّجَال، وَلَا بَأْس بهما فِي حق النِّسَاء، فَيدْخل فِيهِ الْمسك، وَأَجَازَهُ أَكثر الْعلمَاء، وَأمر بِهِ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَاسْتَعْملهُ أنس وَابْن عمر وَابْن الْمسيب، وَبِه قَالَ: مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَكَرِهَهُ: عَطاء وَالْحسن وَمُجاهد، وَقَالُوا: إِنَّه ميتَة واستعماله فِي الحنوط على الْجَبْهَة والراحتين والركبتين والقدمين. وَفِي (الرَّوْضَة) : وَلَا بَأْس بِجعْل الْمسك فِي الحنوط وَقَالَ النَّخعِيّ: يوضع الحنوط على الْجَبْهَة والراحتين والركبتين والقدمين، وَفِي (الْمُفِيد) : وَإِن لم يفعل فَلَا يضر، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ والقرافي: يسْتَحبّ فِي الْمرة الثَّالِثَة شَيْء من الكافور. قَالَا: وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يسْتَحبّ. قلت: نقلهما ذَلِك عَنهُ خطأ.

قَوْله: (ابْنا لسَعِيد) وَاسم الابْن: عبد الرَّحْمَن، روى عَن اللَّيْث عَن نَافِع أَنه رأى عبد الله بن عمر حنط عبد الرَّحْمَن بن سعيد بن زيد، وَسَعِيد بن زيد هَذَا أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ، أسلم قَدِيما وَمَات بالعقيق، وَنقل إِلَى الْمَدِينَة فَدفن بهَا سنة إِحْدَى وَخمسين، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا المُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ حَيَّا وَلَا مَيِّتا

وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة قد ذَكرنَاهَا فِي أثر ابْن عمر الَّذِي مضى، وَقد وصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو عَن عَطاء (عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: لَا تنجسوا مَوْتَاكُم فَإِن الْمُؤمن لَيْسَ بِنَجس حَيا وَلَا مَيتا) . قَوْله: (لَا تنجسوا مَوْتَاكُم) أَي: لَا تَقولُوا إِنَّهُم نجس، وَرَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور أَيْضا عَن سُفْيَان نَحوه، وَرَوَاهُ الْحَاكِم مَرْفُوعا، قَالَ: أخبرنَا إِبْرَاهِيم ابْن عصمَة بن إِبْرَاهِيم الْعدْل حَدثنَا أَبُو مُسلم الْمسيب بن زُهَيْر الْبَغْدَادِيّ حَدثنَا أَبُو بكر وَعُثْمَان ابْنا ابْن أبي شيبَة، قَالَا: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله: (لَا تنجسوا مَوْتَاكُم فَإِن الْمُسلم لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا) صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ.

وقَالَ سَعدٌ لَوْ كانَ نَجِسا مَا مَسِستُهُ

وَجه الْمُطَابقَة مَا ذَكرْنَاهُ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَأبي الْوَقْت سعيد بِالْيَاءِ وَالْأول أشهر وَأَصَح، وَهُوَ سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن الْجَعْد عَن عَائِشَة قَالَت: أُوذِنَ سعد بِجنَازَة سعيد بن زيد وَهُوَ بِالبَقِيعِ فَجَاءَهُ فَغسله وكفنه وحنطه، ثمَّ أَتَى دَاره فصلى عَلَيْهِ، ثمَّ دَعَا بِمَاء فاغتسل، ثمَّ قَالَ: لم أَغْتَسِل من غسله وَلَو كَانَ نجسا مَا غسلته أَو مَا مَسسْته، وَلَكِنِّي أَغْتَسِل من الْحر.

وَفِي هَذَا الْأَثر فَائِدَة حَسَنَة وَهِي: أَن الْعَالم إِذا عمل عملا يخْشَى أَن يلتبس على من رَآهُ يَنْبَغِي لَهُ أَن يعلمهُمْ بِحَقِيقَة الْأَمر لِئَلَّا يحملوه على غير محمله.

وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ

هَذَا طرف من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ذكره البُخَارِيّ مُسْندًا فِي: بَاب الْجنب يمشي، فِي كتاب الْغسْل: حَدثنَا عَيَّاش، قَالَ: حَدثنَا عبد الْأَعْلَى، قَالَ: حَدثنَا حميد عَن أبي رَافع (عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: لَقِيَنِي رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَنا جنب. .) الحَدِيث، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ حميع مَا يتَعَلَّق بِهِ مستقصىً.

٣٥٢١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ أيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ عنْ مُحَمَّدِ بنِ سيرِينَ عنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأنْصَارِيَّةِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ دَخَلَ علَيْنَا رسولُ الله حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ فَقَالَ اغْسِلْنَهَا ثَلاثا أوْ خَمْسا أوْ أكْثَرَ مِنْ ذالِكَ أنْ رَأيْتُنَّ ذالِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كافُورا أوْ شَيْئا مِنْ كافُورٍ فَإذَا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّنِي فلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فأعْطَانا حِقْوَهُ فَقَالَ

أشْعِرْنَهَا إيَّاهُ تَعْنِي إزَارَهُ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة كلهم قد ذكرُوا، وَإِسْمَاعِيل بن عبد الله هُوَ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك، وَأم عَطِيَّة اسْمهَا: نسيبة، بِضَم النُّون، بنت كَعْب، وَيُقَال: بنت الْحَارِث الْأَنْصَارِيَّة، وَقد شهِدت غسل ابْنة رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وحكت ذَلِك فأتقنت، وحديثها أصل فِي غسل الْمَيِّت، ومدار حَدِيثهَا على مُحَمَّد وَحَفْصَة ابْني سِيرِين، حفظت مِنْهَا حَفْصَة مَا لم يحفظ مُحَمَّد، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لَيْسَ فِي أَحَادِيث غسل الْمَيِّت أَعلَى من حَدِيث أم عَطِيَّة، وَعَلِيهِ عول الْأَئِمَّة.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه مدنيان، وَأَيوب وَابْن سِيرِين بصريان. وَفِيه: عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد وَفِي رِوَايَة ابْن جريج: عَن أَيُّوب سَمِعت ابْن سِيرِين. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث من أحد عشر طَرِيقا. الأول: أخرجه فِي الطَّهَارَة فِي: بَاب التَّيَمُّن فِي الْوضُوء وَالْغسْل، عَن مُسَدّد وَقد ذكرنَا هُنَاكَ من أخرجه غَيره. الثَّانِي: عَن إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب. الثَّالِث: عَن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب فِي: بَاب مَا يسْتَحبّ أَن يغسل وترا. الرَّابِع: عَن عَليّ بن عبد الله فِي: بَاب مَا يبْدَأ بميامن الْمَيِّت. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن يحيى بن أَيُّوب وَابْن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد، ثَلَاثَتهمْ عَن إِسْمَاعِيل وَعَن إِسْمَاعِيل بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أبي كَامِل الجحدري عَن إِسْمَاعِيل بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع عَن هشيم بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن مَنْصُور عَن أَحْمد بن جنبل عَن إِسْمَاعِيل بِهِ. الْخَامِس: عَن يحيى بن مُوسَى فِي: بَاب مَوَاضِع الْوضُوء من الْمَيِّت. السَّادِس: عَن عبد الرَّحْمَن بن حَمَّاد فِي: بَاب هَل تكفن الْمَرْأَة فِي إِزَار الرجل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن شُعَيْب بن يُوسُف. السَّابِع: عَن حَامِد بن عمر فِي: بَاب يَجْعَل الكافور فِي آخِرَة. الثَّامِن: عَن أَحْمد عَن ابْن وهب فِي: بَاب ينْقض شعر الْمَرْأَة. التَّاسِع: عَن أَحْمد عَن ابْن وهب أَيْضا فِي: بَاب كَيفَ الْإِشْعَار للْمَيت. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي وقتيبة، كِلَاهُمَا عَن حَمَّاد بن زيد وَعَن قُتَيْبَة عَن مَالك وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن يحيى بن أَيُّوب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ وَعَن مُسَدّد وَمُحَمّد بن عبيد، كِلَاهُمَا عَن حَمَّاد بن زيد بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن مَالك وَحَمَّاد بن زيد فرقهما بِهِ، وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَعَن عَمْرو بن زُرَارَة وَعَن يُوسُف بن سعيد. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن ابْن أبي شيبَة عَن الثَّقَفِيّ بِهِ. الْعَاشِر: عَن قبيصَة عَن سُفْيَان فِي: بَاب هَل يَجْعَل شعر الْمَرْأَة ثَلَاثَة قُرُون. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. الْحَادِي عشر: عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد فِي: بَاب يلقى شعر الْمَرْأَة خلفهَا. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن عَمْرو النَّاقِد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن عَن أَحْمد بن منيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عمر بن عَليّ عَن يحيى بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حِين توفيت ابْنة) هِيَ زَيْنَب زوج أبي الْعَاصِ بن الرّبيع وَالِدَة أُمَامَة هِيَ الَّتِي كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يحملهَا فِي الصَّلَاة، فَإِذا سجد وَضعهَا وَإِذا قَامَ حملهَا، وَزَيْنَب أكبر بَنَات رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَتزَوج بِزَيْنَب: أَبُو الْعَاصِ بن الرّبيع فَولدت مِنْهُ عليا وأمامة، وَتوفيت زَيْنَب فِي سنة ثَمَان. قَالَه الْوَاقِدِيّ، وَقَالَ قَتَادَة عَن ابْن حزم: فِي أول سنة ثَمَان، وَلم يَقع فِي رِوَايَات البُخَارِيّ ابْنَته هَذِه مُسَمَّاة، وَهُوَ مُصَرح بِهِ فِي لفظ مُسلم (عَن أم عَطِيَّة، قَالَت: لما مَاتَت زَيْنَب بنت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ لنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: اغسلنها. .) الحَدِيث، هَذَا هُوَ الْمَرْوِيّ الْأَكْثَر وَذكر بعض أهل السّير أَنَّهَا أم كُلْثُوم زوج عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد ذكره أَبُو دَاوُد أَيْضا، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن حَنْبَل حَدثنَا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا أبي عَن أبي إِسْحَاق حَدثنِي نوح بن حَكِيم الثَّقَفِيّ وَكَانَ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ عَن رجل من بني عُرْوَة بن مَسْعُود يُقَال لَهُ دَاوُد، وَقد وَلدته أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان زوج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن ليلى بنت قانف الثقفية، قَالَت: كنت فِيمَن غسل أم كُلْثُوم ابْنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عِنْد وفاتها، فَكَانَ أول مَا أَعْطَانَا، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الحقا ثمَّ الدرْع ثمَّ الْخمار ثمَّ الملحفة، ثمَّ أدرجت بعد فِي الثَّوْب الآخر. قَالَت: وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَالس عِنْد الْبَاب مَعَه

كفنها يناولنا ثوبا ثوبا. وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: فِيهِ مُحَمَّد بن إِسْحَاق، وَفِيه من لَيْسَ بِمَشْهُور، وَالصَّحِيح أَن هَذِه الْقِصَّة فِي زَيْنَب، لِأَن أم كُلْثُوم توفيت وَرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، غَائِب ببدر، وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي كِتَابه: ونوح بن حَكِيم رجل مَجْهُول لم تثبت عَدَالَته، وَقد غلطوا الْمُنْذِرِيّ فِي قَوْله: أم كُلْثُوم توفيت وَرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، غَائِب ببدر، لِأَن الَّتِي توفيت حِينَئِذٍ رقية. فَإِن قلت: حكى ابْن التِّين عَن الدَّاودِيّ الشَّارِح بِأَنَّهُ جزم بِأَن الْبِنْت الْمَذْكُورَة أم كُلْثُوم زوج عُثْمَان. وَذكر صَاحب (التَّلْوِيح) : بِأَن التِّرْمِذِيّ زعم أَنَّهَا أم كُلْثُوم قلت: أما الدَّاودِيّ فَإِنَّهُ لم يذكر مُسْتَنده، وَأما التِّرْمِذِيّ فَلم يذكر شَيْئا من ذَلِك. فَإِن قلت: ذكر الدولابي من طَرِيق أبي الرِّجَال عَن عمْرَة أَن أم عَطِيَّة كَانَت مِمَّن غسل أم كُلْثُوم بنت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قلت: لَا يلْزم من ذَلِك أَن تكون الْبِنْت فِي حَدِيث الْبَاب أم كُلْثُوم، لِأَن أم عَطِيَّة كَانَت غاسلة الميتات فَيمكن أَن تكون حضرت لَهما جَمِيعًا.

قَوْله: (ثَلَاثًا أَو خمْسا) وَفِي رِوَايَة هِشَام بن حسان عَن حَفْصَة: (إغسلنها وترا ثَلَاثًا أَو خمْسا) . وَكلمَة: أَو. هُنَا للتنويع، وَالنَّص على الثَّلَاث أَو الْإِشَارَة إِلَى أَن الْمُسْتَحبّ، الإيتار، أَلا يُرى أَنه نقلهن من الثَّلَاث إِلَى الْخمس دون الْأَرْبَع، وَقَالَ بَعضهم: أَو، هُنَا للتَّرْتِيب لَا للتَّخْيِير. قلت: لم ينْقل عَن أحد أَن: أَو، تَجِيء للتَّرْتِيب، وَقد ذكر النُّحَاة أَن: أَو، تَأتي لاثني عشر معنى، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يدل على أَنَّهَا تَجِيء للتَّرْتِيب، وَالظَّاهِر أَنه أَخذه من الطَّيِّبِيّ فَإِنَّهُ نقل من الْمظهر شرح المصابيح) : أَن فِيهِ للتَّرْتِيب دون التَّخْيِير، إِذْ لَو حصل الِاكْتِفَاء بالغسلة الأولى اسْتحبَّ التَّثْلِيث، وَكره التجاوز عَنهُ فَإِن حصلت بِالثَّانِيَةِ أَو بالثالثة اسْتحبَّ التخميس، وَإِلَّا فالتسبيع، وَالْمَنْع بَاقٍ فِيهِ. وَفِي الطَّيِّبِيّ فِي نَقله، وَفِي صَاحب الْمظهر شَارِح (المصابيح) . قَوْله: (أَو أَكثر من ذَلِك) أَي: من الْخمس يَنْتَهِي إِلَى السَّبع، كَمَا فِي رِوَايَة أَيُّوب عَن حَفْصَة: ثَلَاثًا أَو خمْسا أَو سبعا، وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ، وَلَيْسَ فِي الرِّوَايَات أَكثر من السَّبع إلَاّ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد: حَدثنَا حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد عَن أم عَطِيَّة بِمَعْنى حَدِيث مَالك، زَاد فِي حَدِيث حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة نَحْو هَذَا، وزادت فِيهِ: أَو سبعا أَو أَكثر، من ذَلِك إِن رَأَيْته. وَيُسْتَفَاد من هَذَا اسْتِحْبَاب الإيتار بِالزِّيَادَةِ على السَّبْعَة لِأَن ذَلِك أبلغ فِي التَّنْظِيف، وَكره أَحْمد مُجَاوزَة السَّبع، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لَا أعلم أحدا قَالَ بمجاوزة السَّبع، وسَاق من طَرِيق قَتَادَة أَن ابْن سِيرِين كَانَ يَأْخُذ الْغسْل عَن أم عَطِيَّة ثَلَاثًا وإلَاّ فخمسا وإلَاّ فسبعا. قَالَ: فَرَأَيْنَا أَن الْأَكْثَر من ذَلِك سبع. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: الزِّيَادَة على السَّبع سرف، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: بَلغنِي أَن جَسَد الْمَيِّت يسترخي بِالْمَاءِ، فَلَا أحب الزِّيَادَة على ذَلِك. قَوْله: (إِن رأيتن ذَلِك) ، قَالَ الطَّيِّبِيّ: بِكَسْر الْكَاف خطاب لأم عَطِيَّة وَرَأَيْت بِمَعْنى الرَّأْي يَعْنِي أَن احتجتن إِلَى أَكثر من ثَلَاث أَو خمس للانقاء لَا للتشهي فلتفعلن قلت: كسر الْكَاف فِي ذَلِك الثَّانِي لَا فِي الأول، فَإِن بَعضهم نقل ذَلِك عَن الطَّيِّبِيّ. وَلكنه غلط فِيهِ، وَذكره فِي ذَلِك الأول، وَلَيْسَ كَذَلِك على مَا يخفى، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: إِنَّمَا فوض الرَّأْي إلَيْهِنَّ بِالشّرطِ الْمَذْكُور وَهُوَ الإيتار. وَحكى ابْن التِّين عَن بَعضهم، قَالَ: يحْتَمل قَوْله: (إِن رأيتن) أَن يرجع إِلَى الْأَعْدَاد الْمَذْكُورَة، وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: إِن رأيتن أَن تفعلن ذَلِك وإلَاّ فالاتقاء يَكْفِي. قَوْله: (بِمَاء وَسدر) ، الْبَاء تتَعَلَّق بقوله: (اغسلنها) قَالَ الطَّيِّبِيّ نَاقِلا عَن المطهر: قَوْله: (بِمَاء وَسدر) لَا يَقْتَضِي اسْتِعْمَال السدر فِي جَمِيع الغسلات، وَالْمُسْتَحب اسْتِعْمَاله فِي الكرة الأولى ليزيل الأقذار، وَيمْنَع من تسارع الْفساد. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: قَوْله: (بِمَاء وَسدر) أصل فِي جَوَاز التطهر بِالْمَاءِ الْمُضَاف إِذا لم يسلب الْإِطْلَاق. وَقَالَ ابْن التِّين. قَوْله: (بِمَاء وَسدر) هُوَ السّنة فِي ذَلِك، والخطمي مثله، فَإِن عدم فَمَا يقوم مقَامه كالأشنان والنطرون، وَلَا معنى لطرح ورق السدر فِي المَاء، كَمَا تفعل الْعَامَّة، وأنكرها أَحْمد وَلم يُعجبهُ، وَمثله من قَالَ: يحك الْمَيِّت بالسدر وَيصب عَلَيْهِ المَاء فَتحصل طَهَارَته بِالْمَاءِ، وَعَن ابْن سِيرِين، أَنه كَانَ يَأْخُذ الْغسْل عَن أم عَطِيَّة فَيغسل بِالْمَاءِ والسدر مرَّتَيْنِ وَالثَّالِثَة بِالْمَاءِ والكافور. وَمِنْهُم من ذهب إِلَى أَن الغسلات كلهَا بِالْمَاءِ والسدر، وَهُوَ قَول أَحْمد: وَلما غسلوا النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، غسلوه بِمَاء وَسدر ثَلَاث مَرَّات، فِي كُلهنَّ ذكره أَبُو عمر. قَوْله: (واجعلن فِي الْآخِرَة) أَي فِي الْمرة الْآخِرَة ويروى (الْأَخِيرَة) قَوْله: (كافورا) وَالْحكمَة فِيهِ أَن الْجِسْم يتصلب بِهِ وتنفر الْهَوَام من رَائِحَته، وَفِيه إكرام الْمَلَائِكَة. وَخَصه صَاحب (الْمَذْهَب) بالثالثة، والجرجاني بِالثَّانِيَةِ، وهما غَرِيبَانِ. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَانْفَرَدَ أَبُو حنيفَة فَقَالَ: لَا يسْتَحبّ الكافور

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْجَنَائِزِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ (١) كَذَا ثُمَّ فَعَلَ مِنْهُ شَيْئًا وَلَوْ قَلَّ بَرَّتْ يَمِينُهُ، خِلَافًا لِمَالِكٍ، قَالَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ.

٧ - بَاب قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ اصْبِرِي

١٢٥٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي.

[الحديث ١٢٥٢ - أطرافه في: ١٢٨٣، ١٣٠٢، ٧١٥٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ: اصْبِرِي) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ مَا مُحَصِّلُهُ: عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: الرجل لَيُوَضِّحَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ ، وَعَبَّرَ بِالْقَوْلِ دُونَ الْمَوْعِظَةِ وَنَحْوِهَا لِكَوْنِ ذَلِكَ الْأَمْرِ يَقَعُ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنَ الْوَعْظَ وَغَيْرِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الصَّبْرِ دُونَ التَّقْوَى؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَسِّرُ حِينَئِذٍ، الْمُنَاسِبُ لِمَا هِيَ فِيهِ. قَالَ: وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنَ الْفِقْهِ جَوَازُ مُخَاطَبَةِ الرِّجَالِ النِّسَاءَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ بِمَا هُوَ أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٍ عَنْ المنكر، أَوْ مَوْعِظَةٍ، أَوْ تَعْزِيَةٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِعَجُوزٍ دُونَ شَابَّةٍ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا آدَمُ) سَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ أَتَمَّ مِنْ هَذَا فِي بَابِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ بَعْدَ زِيَادةٍ عَلَى عِشْرِينَ بَابًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِمَا قَبْلَهَا لِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ مُخَاطَبَةِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ بِالْمَوْعِظَةِ، لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ جَوَازُ مُخَاطَبَتِهَا بِمَا يُرَغِّبُهَا فِي الْأَجْرِ إِذَا احْتَسَبَتْ مُصِيبَتَهَا، وَفِي هَذَا مُخَاطَبَتُهَا بِمَا يُرَهِّبُهَا مِنَ الْإِثْمِ لِمَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ عَدَمَ الصَّبْرِ يُنَافِي التَّقْوَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٨ - بَاب غُسْلِ الْمَيِّتِ وَوُضُوئِهِ بِالْمَاءِ وَالسَّدْرِ

وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَحَمَلَهُ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْمُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا. وَقَالَ سَعِيدٌ: لَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسِسْتُهُ. وَقَالَ النَّبِيُّ : الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ

١٢٥٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ، تَعْنِي إِزَارَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَوُضُوئِهِ)؛ أَيْ بَيَانُ حُكْمِهِ، وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَهُوَ ذُهُولٌ شَدِيدٌ، فَإِنَّ الْخِلَافَ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، حَتَّى إِنَّ الْقُرْطُبِيَّ رَجَّحَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَلَكِنَّ

الْجُمْهُورَ عَلَى وُجُوبِهِ. وَقَدْ رَدَّ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ، وَقَدْ تَوَارَدَ بِهِ الْقَوْلُ وَالْعَمَلُ، وَغُسِّلَ الطَّاهِرُ الْمُطَهَّرُ، فَكَيْفَ بِمَنْ سِوَاهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَوُضُوئِهِ) فَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: تَرْجَمَ بِالْوُضُوءِ، وَلَمْ يَأْتِ لَهُ بِحَدِيثٍ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ انْتِزَاعَ الْوُضُوءِ مِنَ الْغُسْلِ، لِأَنَّهُ مُنَزَّلٌ عَلَى الْمَعْهُودِ مِنَ الْأَغْسَالِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ، أَوْ أَرَادَ وُضُوءَ الْغَاسِلِ؛ أَيْ: لَا يَلْزَمُهُ وُضُوءٌ، وَلِهَذَا سَاقَ أَثَرَ ابْنِ عُمَرَ. انْتَهَى. وَفِي عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى الْغَاسِلِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ بَعْدُ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: تَقْدِيرُ التَّرْجَمَةِ: بَابُ غُسْلِ الْحَيِّ الْمَيِّتَ، لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَى الْمَحْذُوفِ فَيَتَّجِهُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَشَارَ كَعَادَتِهِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، فَسَيَأْتِي قَرِيبًا فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَيْضًا: ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا. فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْوُضُوءَ لَمْ يَرِدِ الْأَمْرَ بِهِ مُجَرَّدًا، وَإِنَّمَا وَرَدَ الْبُدَاءَةُ بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ كَمَا يُشْرَعُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، أَوْ أَرَادَ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْوُضُوءِ لَا يُجْزِئُ لَوُروَدِ الْأَمْرِ بِالْغُسْلِ.

قَوْلُهُ: (بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: جَعَلَهُمَا مَعًا آلَةً لِغُسْلِ الْمَيِّتِ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِحَدِيثِ الْبَابِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: بِمَاءٍ وَسِدْرٍ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: اغْسِلْنَهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ السِّدْرَ يُخْلَطُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ مَرَّاتِ الْغُسْلِ، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ لِلتَّنْظِيفِ لَا لِلتَّطْهِيرِ، لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُضَافَ لَا يُتَطَهَّرُ بِهِ. انْتَهَى. وَقَدْ يَمْنَعُ لُزُومُ كَوْنِ الْمَاءِ يَصِيرُ مُضَافًا بِذَلِكَ (١)، لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يُغَيِّرَ السِّدْرُ وَصْفَ الْمَاءِ بِأَنْ يُمَعَّكَ بِالسِّدْرِ، ثُمَّ يُغْسَلَ بِالْمَاءِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، فَإِنَّ لَفْظَ الْخَبَرِ لَا يَأْبَى ذَلِكَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُجْعَلُ السِّدْرُ فِي مَاءٍ، وَيُخَضْخَضُ إِلَى أَنْ تَخْرُجَ رَغْوَتُهُ، وَيُدْلَكُ بِهِ جَسَدُهُ، ثُمَّ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْقَرَاحُ، فَهَذِهِ غَسْلَةٌ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: تُطْرَحُ وَرَقَاتُ السِّدْرِ فِي الْمَاءِ؛ أَيْ لِئَلَّا يُمَازِجَ الْمَاءَ، فَيَتَغَيَّرَ وَصْفُهُ الْمُطْلَقُ. وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَقَالَ: يُغْسَلُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ. وَأَعْلَى مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الْغُسْلَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ فَيَغْسِلُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ مَرَّتَيْنِ، وَالثَّالِثَةُ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَانَ يُقَالُ: كَانَ ابْنُ سِيرِينَ مِنْ أَعْلَمِ التَّابِعِينَ بِذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مَنْ قَالَ الْأُولَى بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ، وَالثَّانِيَةُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ، أَوِ الْعَكْسُ، وَالثَّالِثَةُ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ فَلَيْسَ هُوَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ اهـ.

وَكَأَنَّ قَائِلَهُ أَرَادَ أَنْ تَقَعَ إِحْدَى الْغَسَلَاتِ بِالْمَاءِ الصِّرْفِ الْمُطْلَقِ، لِأَنَّهُ الْمُطَهِّرُ فِي الْحَقِيقَةِ، وَأَمَّا الْمُضَافُ فَلَا. وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ابْنُ شَعْبَانَ، وَابْنُ الْفَرْضِيِّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، فَقَالُوا: غُسْلُ الْمَيِّتِ إِنَّمَا هُوَ لِلتَّنْظِيفِ، فَيُجْزِئُ بِالْمَاءِ الْمُضَافِ كَمَاءِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ، قَالُوا: وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْ جِهَةِ السَّرَفِ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ غُسْلٌ تَعَبُّدِيٌّ يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي بَقِيَّةِ الْأَغْسَالِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ. وَقِيلَ: شُرِعَ احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ لَازِمَهُ أَنْ لَا يُشْرَعَ غُسْلُ مَنْ هُوَ دُونَ الْبُلُوغِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.

قَوْلُهُ: (وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَلَهُ، وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) حَنَّطَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، وَالنُّونِ الثَّقِيلَةِ؛ أَيْ طَيَّبَهُ بِالْحَنُوطِ، وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ يُخْلَطُ مِنَ الطِّيبِ لِلْمَيِّتِ خَاصَّةً، وَقَدْ وَصَلَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَنَّطَ ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَلَهُ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. انْتَهَى. وَالِابْنُ الْمَذْكُورُ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، كَذَلِكَ رَوَيْنَاهُ فِي نُسْخَةِ أَبِي الْجَهْمِ الْعَلَاءِ بْنِ مُوسَى، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَنَّطَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ فَذَكَرَهُ. قِيلَ: تَعَلَّقَ هَذَا الْأَثَرُ وَمَا بَعْدَهُ بِالتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ يَرَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجَسُ بِالْمَوْتِ، وَأَنَّ غُسْلَهُ إِنَّمَا هُوَ لِلتَّعَبُّدِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَمْ يُطَهِّرْهُ الْمَاءُ وَالسِّدْرُ، وَلَا الْمَاءُ وَحْدَهُ،

وَلَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسَّهُ ابْنُ عُمَرَ، وَلَغَسَلَ مَا مَسَّهُ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَضْعِيفِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: مَنْ غَسَّلَ الْمَيِّتَ فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ. رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا عَمْرَو بْنَ عُمَيْرٍ، فَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وَهُوَ مَعْلُولٌ، لِأَنَّ أَبَا صَالِحٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ: الصَّوَابُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفٌ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: هَذَا مَنْسُوخٌ، وَلَمْ يُبَيِّنْ نَاسِخَهُ.

وَقَالَ الذُّهْلِيُّ فِيمَا حَكَاهُ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ: لَيْسَ فِيمَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ حَدِيثُ ثَابِتٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ . . . إِلَخْ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: لَا تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيْسَ يَنْجَسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَحْيَى الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُثْمَانَ ابْنَيْ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، وَالَّذِي فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ مَوْقُوفٌ، كَمَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَرَوَى الْحَاكِمُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَوْلُهُ: لَا تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ؛ أَيْ لَا تَقُولُوا إِنَّهُمْ نَجَسٌ. وَقَوْلُهُ: يَنْجَسُ بِفَتْحِ الْجِيمِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَعْدٌ: لَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسِسْتُهُ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَأَبِي الْوَقْتِ: وَقَالَ سَعِيدٌ بِزِيَادَةِ يَاءٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَهُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، قَالَتْ: أُوذِنَ سَعْدٌ - تَعْنِي أَبَاهَا - بِجِنَازَةِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو، وَهُوَ بِالْعَقِيقِ فَجَاءَهُ فَغَسَّلَهُ، وَكَفَّنَهُ وَحَنَّطَهُ، ثُمَّ أَتَى دَارَهُ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَغْتَسِلْ مِنْ غُسْلِهِ، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسِسْتُهُ، وَلَكِنِّي اغْتَسَلْتُ مِنَ الْحَرِّ. وَقَدْ وَجَدْتُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ سَمُّويَهِ فِي فَوَائِدِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي وَاقِدٍ الْمَدَنِيِّ قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّهُ نَجِسٌ لَمْ أَمَسَّهُ.

وَفِي أَثَرِ سَعْدٍ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا يَخْشَى أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَى مَنْ رَآهُ أَنْ يُعْلِمَهُمْ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ، لِئَلَّا يَحْمِلُوهُ عَلَى غَيْرِ مَحْمَلِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيُّ : الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجَسُ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي بَابِ الْجُنُبِ يَمْشِي فِي السُّوقِ مِنْ كِتَابِ الْغُسْلِ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ صِفَةَ الْإِيمَانِ لَا تُسْلَبُ بِالْمَوْتِ وَإِذَا كَانَتْ بَاقِيَةً فَهُوَ غَيْرُ نَجِسٍ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ قَبْلُ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ هُنَا: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: النَّجِسُ الْقَذِرُ. انْتَهَى. وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْبُخَارِيُّ. وَأَرَادَ بِذَلِكَ نَفْيَ هَذَا الْوَصْفِ، وَهُوَ النَّجَسُ عَنِ الْمُسْلِمِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَيُّوبَ: سَمِعْتُ ابْنَ سِيرِينَ. وَسَيَأْتِي فِي بَابِ كَيْفَ الْإِشْعَارُ، وَقَدْ رَوَاهُ أَيُّوبُ أَيْضًا عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ، وَمَدَارُ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَحَفْصَةَ ابْنَيْ سِيرِينَ، وَحَفِظَتْ مِنْهُ حَفْصَةُ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ مُحَمَّدٌ كَمَا سَيَأْتِي مُبَيَّنًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ فِي أَحَادِيثِ الْغُسْلِ لِلْمَيِّتِ أَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ وَعَلَيْهِ عَوَّلَ الْأَئِمَّةُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ الْمَذْكُورَةِ: جَاءَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ - امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ اللَّاتِي بَايَعْنَ رَسُولَ اللَّهِ قَدِمَتِ الْبَصْرَةَ - تُبَادِرُ ابْنًا لَهَا فَلَمْ تُدْرِكْهُ. وَهَذَا الِابْنُ مَا عَرَفْتُ اسْمَهُ، وَكَأَنَّهُ كَانَ غَازِيًا، فَقَدِمَ الْبَصْرَةَ فَبَلَغَ أُمَّ عَطِيَّةَ وَهِيَ بِالْمَدِينَةِ قُدُومَهُ، وَهُوَ مَرِيضٌ، فَرَحَلَتْ إِلَيْهِ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ تَلْقَاهُ. وَسَيَأْتِي فِي الْإِحْدَادِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قُدُومَهَا كَانَ بَعْدَ مَوْتِهِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ اسْمَهَا نُسَيْبَةَ بِنُونٍ وَمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ. وَالْمَشْهُورُ فِيهَا التَّصْغِيُرُ، وَقِيلَ: بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَقَعَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ السَّرَخْسِيِّ وَكَذَا ضَبَطَهُ الْأَصِيلِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَطَاهِرِ

بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي السِّيرَةِ الْهِشَامِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ) فِي رِوَايَةِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ، وَهِيَ الَّتِي تَلِي هَذِهِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ: دَخَلَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نُغَسِّلُ بِنْتَهُ. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ دَخَلَ حِينَ شَرَعَ النِّسْوَةُ فِي الْغُسْلِ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ أَنَّ مَجِيئَهُنَّ إِلَيْهَا كَانَ بِأَمْرِهِ، وَلَفْظُهُ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ: مَاتَتْ إِحْدَى بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا.

قَوْلُهُ: (ابْنَتُهُ) لَمْ تَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَاياتِ الْبُخَارِيِّ مُسَمَّاةً، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا زَيْنَبُ زَوْجُ أَبِي الْعَاصي بْنِ الرَّبِيعِ وَالِدَةُ أُمَامَةَ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي الصَّلَاةِ، وَهِيَ أَكْبَرُ بَنَاتِ النَّبِيِّ ، وَكَانَتْ وَفَاتُهَا فِيمَا حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ فِي الذَّيْلِ فِي أَوَّلِ سَنَةِ ثَمَانٍ، وَقَدْ وَرَدَتْ مُسَمَّاةً فِي هَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : اغْسِلْنَهَا: فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ أَرَهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْ حَفْصَةَ، وَلَا عَنْ مُحَمَّدٍ مُسَمَّاةً إِلَّا فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ هَذِهِ، وَقَدْ خُولِفَ فِي ذَلِكَ، فَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ الشَّارِحِ أَنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّ الْبِنْتَ الْمَذْكُورَةَ أُمُّ كُلْثُومٍ زَوْجُ عُثْمَانَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدَهُ، وَتَعَقَّبَهُ الْمُنْذِرِيُّ بِأَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ تُوُفِّيَتْ وَالنَّبِيُّ بِبَدْرٍ، فَلَمْ يَشْهَدْهَا، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ، فَإِنَّ الَّتِي تُوُفِّيَتْ حِينَئِذٍ رُقَيَّةُ، وَعَزَاهُ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ لِبَعْضِ أَهْلِ السِّيَرِ، وَهُوَ قُصُورٌ شَدِيدٌ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ وَلَفْظُهُ: دَخَلَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ. وَهَذَا الْإِسْنَادُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ سَيَأْتِي فِي بَابِ كَيْفَ الْإِشْعَارُ وَكَذَا وَقَعَ فِي الْمُبْهَمَاتِ لِابْنِ بَشْكُوَالٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ.

الْحَدِيثَ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ: زَعَمَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّهَا أُمُّ كُلْثُومٍ وَفِيهِ نَظَرٌ. كَذَا قَالَ، وَلَمْ أَرَ فِي التِّرْمِذِيِّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى الدُّولَابَيُّ فِي الذُّرِّيَّةِ الطَّاهِرَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ عَمْرَةَ: أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ كَانَتْ مِمَّنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَةَ النَّبِيِّ . الْحَدِيثَ. فَيُمْكِنُ دَعْوَى تَرْجِيحِ ذَلِكَ لِمَجِيئِهِ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ تَكُونَ حَضَرَتْهُمَا جَمِيعًا، فَقَدْ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي تَرْجَمَتِهَا بِأَنَّهَا كَانَتْ غَاسِلَةَ الْمَيِّتَاتِ، وَوَقَعَ لِي مِنْ تَسْمِيَةِ النِّسْوَةِ اللَّاتِي حَضَرْنَ مَعَهَا ثَلَاثٌ غَيْرُهَا، فَفِي الذُّرِّيَّةِ الطَّاهِرَةِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، أَنَّهَا كَانَتْ مِمَّنْ غَسَّلَهَا، قَالَتْ: وَمَعَنَا صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ لَيْلَى بِنْتِ قَانِفٍ - بِقَافٍ وَنُونٍ وَفَاءٍ - الثَّقَفِيَّةِ، قَالَتْ: كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَهَا. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ شَيْئًا يُومِئُ إِلَى أَنَّهَا حَضَرَتْ ذَلِكَ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ: وَلَا أَدْرِي أَيُّ بَنَاتِهِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَسْمِيَتَهَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ دُونَ ابْنِ سِيرِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (اغْسِلْنَهَا) قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ: اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ غُسْلِ الْمَيِّتِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِيمَا بَعْدُ: إِنْ رَأَيْتينَّ ذَلِكَ هَلْ يَرْجِعُ إِلَى الْغُسْلِ أَوِ الْعَدَدِ، وَالثَّانِي أَرْجَحُ، فَثَبَتَ الْمُدَّعَى. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَكِنْ قَوْلُهُ ثَلَاثًا، لَيْسَ لِلْوُجُوبِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ، فَيَتَوَقَّفُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى تَجْوِيزِ إِرَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: ثَلَاثًا غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا تَحْتَ صِيغَةِ الْأَمْرِ، فَيُرَادَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَصْلِ الْغُسْلِ، وَالنَّدْبُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِيتَارِ. انْتَهَى. وَقَوَاعِدُ الشَّافِعِيَّةِ لَا تَأْبَى ذَلِكَ. وَمِنْ ثَمَّ ذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَالْمُزَنِيُّ إِلَى إِيجَابِ الثَّلَاثِ، وَقَالُوا: إِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ يُغْسَلُ مَوْضِعُهُ، وَلَا يُعَادُ غُسْلُ الْمَيِّتِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَجَاءَ عَنِ الْحَسَنِ مِثْلُهُ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ يُغَسَّلُ ثَلَاثًا، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدُ فَخَمْسًا، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ غُسِّلَ سَبْعًا. قَالَ هِشَامٌ وَقَالَ الْحَسَنُ: يُغَسَّلُ ثَلَاثًا، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ غُسِلَ مَا خَرَجَ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الثَّلَاثِ.

قَوْلُهُ: (ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا) فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ: اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا. وَأَوْ هُنَا لِلتَّرْتِيبِ لَا لِلتَّخْيِيرِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ: اغْسِلْنَهَا وِتْرًا، وَلْيَكُنْ ثَلَاثًا، فَإِنِ احْتَجْنَ إِلَى زِيَادَةٍ فَخَمْسًا، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِيتَارَ مَطْلُوبٌ، وَالثَّلَاثُ مُسْتَحَبَّةٌ، فَإِنْ حَصَلَ الْإِنْقَاءُ بِهَا لَمْ يُشْرَعْ مَا فَوْقَهَا، وَإِلَّا زِيدَ وِتْرًا، حَتَّى يَحْصُلَ الْإِنْقَاءُ، وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ عَامَّةٌ لِلْبَدَنِ. انْتَهَى. وَقَدْ سَبَقَ بَحْثُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فِي قَوْلِهِ: أَوْ خَمْسًا إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمَشْرُوعَ هُوَ الْإِيتَارُ، لِأَنَّهُ نَقَلَهُنَّ مِنَ الثَّلَاثِ إِلَى الْخَمْسِ وَسَكَتَ عَنِ الْأَرْبَعِ.

قَوْلُهُ: (أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلْمُؤَنَّثِ. فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ كَمَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ: ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا. وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ بَعْدَ قَوْلِهِ سَبْعًا التَّعْبِيرَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِلَّا فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ، وَأَمَّا مَا سِوَاهَا فَإِمَّا أَوْ سَبْعًا، وَإِمَّا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَيَحْتَمِلُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِالسَّبْعِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، فَكَرِهَ الزِّيَادَةَ عَلَى السَّبْعِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِمُجَاوَزَةِ السَّبْعِ، وَسَاقَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَانَ يَأْخُذُ الْغُسْلَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ثَلَاثًا، وَإِلَّا فَخَمْسًا، وَإِلَّا فَأَكْثَرَ، قَالَ: فَرَأَيْنَا أَنَّ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ سَبْعٌ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الزِّيَادَةُ عَلَى السَّبْعِ سَرَفٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: بَلَغَنِي أَنَّ جَسَدَ الْمَيِّتِ يَسْتَرْخِي بِالْمَاءِ، فَلَا أُحِبُّ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ) مَعْنَاهُ التَّفْوِيضُ إِلَى اجْتِهَادِهِنَّ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ لَا التَّشَهِّي. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إِنَّمَا فَوَّضَ الرَّأْيَ إِلَيْهِنَّ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ الْإِيتَارُ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ إِنْ رَأَيْتُنَّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْأَعْدَادِ الْمَذْكُورَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: إِنْ رَأَيْتُنَّ أَنْ تَفْعَلْنَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَالْإِنْقَاءُ يَكْفِي.

قَوْلُهُ: (بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذَا أَصْلٌ فِي جَوَازِ التَّطَهُّرِ بِالْمَاءِ الْمُضَافِ إِذَا لَمْ يَسْلُبِ الْمَاءُ الْإِطْلَاقَ. انْتَهَى. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ لِلتَّطْهِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي؛ أَيِ اللَّفْظَتَيْنِ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى الثَّانِي، لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، فَيَصْدُقُ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ، وَجَزَمَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ بِالشِّقِّ الْأَوَّلِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَظَاهِرُهُ جَعْلُ الْكَافُورِ فِي الْمَاءِ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ: إِنَّمَا يُجْعَلُ فِي الْحَنُوطِ؛ أَيْ بَعْدَ انتْهَاءِ الْغُسْلِ وَالتَّجْفِيفِ، قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي الْكَافُورِ مَعَ كَوْنِهِ بطيب رَائِحَةَ الْمَوْضِعِ لِأَجْلِ مَنْ يَحْضُرُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ فِيهِ تَجْفِيفًا وَتَبْرِيدًا وَقُوَّةَ نُفُوذٍ، وَخَاصِّيَّةً فِي تَصْلِيبِ بَدَنِ الْمَيِّتِ، وَطَرْدَ الْهَوَامِّ عَنْهُ، وَرَدْعَ مَا يَتَحَلَّلُ مِنَ الْفَضَلَاتِ، وَمَنْعَ إِسْرَاعِ الْفَسَادِ إِلَيْهِ، وَهُوَ أَقْوَى الْأَرَايِيحِ الطَّيِّبَةِ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي جَعْلِهِ فِي الْأَخِيرَةِ، إِذْ لَوْ كَانَ فِي الْأُولَى مَثَلًا لَأَذْهَبَهُ الْمَاءُ، وَهَلْ يَقُومُ الْمِسْكُ مَثَلًا مَقَامَ الْكَافُورِ؟ إِنْ نُظِرَ إِلَى مُجَرَّدِ التَّطَيُّبِ فَنَعَمْ، وَإِلَّا فَلَا، وَقَدْ يُقَالُ: إِذَا عُدِمَ الْكَافُورُ قَامَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، وَلَوْ بِخَاصِّيَّةٍ وَاحِدَةٍ مَثَلًا.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي)؛ أَيْ أَعْلِمْنَنِي.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا فَرَغْنَا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الْخِطَابِ مِنَ الْحَاضِرِ، وَلَلْأَصِيلِيِّ: فَلَمَّا فَرَغْنَ بِصِيغَةِ الْغَائِبِ.

قَوْلُهُ: (حَقْوَهُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ - وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، وَهِيَ لُغَةُ هُذَيْلٍ - بَعْدَهَا قَافٌ سَاكِنَةٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْإِزَارُ كَمَا وَقَعَ مُفَسَّرًا فِي آخِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَالْحَقْوُ فِي الْأَصْلِ مَعْقِدُ الْإِزَارِ، وَأُطْلِقَ عَلَى الْإِزَارِ مَجَازًا، وَسَيَأْتِي بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ: فَنَزَعَ مِنْ حَقْوِهِ إِزَارَهُ. وَالْحَقْوُ فِي هَذَا عَلَى حَقِيقَتِهِ.

قَوْلُهُ: (أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ)؛ أَيِ اجْعَلْنَهُ شِعَارَهَا؛ أَيِ الثَّوْبُ الَّذِي يَلِي جَسَدَهَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى صِفَتِهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ، قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي تَأْخِيرِ الْإِزَارِ مَعَهُ إِلَى أَنْ يَفْرُغْنَ مِنَ الْغُسْلِ، وَلَمْ يُنَاوِلْهُنَّ إِيَّاهُ أَوَّلًا لِيَكُونَ قَرِيبَ الْعَهْدِ مِنْ جَسَدِهِ الْكَرِيمِ، حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَ انْتِقَالِهِ مِنْ جَسَدِهِ إِلَى جَسَدِهَا فَاصِلٌ، وَهُوَ أَصْلٌ فِي التَّبَرُّكِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

على الصِّراط، فإنَّه ممدودٌ عليها، رواه الطَّبرانيُّ وغيره، من طريق بسر (١) بن سعيدٍ، عن أبي هريرة، ومن طريق كعب الأحبار، وزاد: «يستوون كلُّهم على متنها، ثمَّ ينادي منادٍ: أمسكي أصحابك ودعي أصحابي، فيخرج المؤمنون نديَّةً أبدانُهم».

وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «الأدب» والنَّسائيُّ في «التَّفسير» وابن ماجه في «الجنائز»، وحديث شريكٍ مقدَّمٌ على حديث مسلمٍ في رواية أبي ذَرٍّ.

(٧) (باب قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ) شابَّةً أو عجوزًا (عِنْدَ القَبْرِ: اصْبِرِي).

١٢٥٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتٌ) البُنانيُّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ، بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَهِيَ) والحال أنَّها (تَبْكِي، فَقَالَ) لها: (اتَّقِي اللهَ) بألَّا تجزعي، فإنَّ الجزع يحبط الأجر (وَاصْبِرِي) فإنَّ الصَّبر يجزل الأجر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وفيه إشارةٌ إلى أنَّ عدم الصَّبر ينافي التَّقوى.

وقد أخرجه أيضًا في «الجنائز» [خ¦١٢٨٣]، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.

(٨) (باب غُسْلِ المَيِّتِ) وهو فرض كفايةٍ (وَوُضُوئِهِ) أي: الميت، وهو سنَّةٌ، أو الضَّمير فيه

للغاسل لا للميِّت، وكأنَّه انتزع الوضوء من مطلق الغسل؛ لأنَّه منزَّلٌ (١) على المعهود في (٢) غسل الجنابة، وقد تقرَّر عندهم الوضوء فيه (بِالمَاءِ وَالسِّدْرِ) متعلِّق بالغسل بأن يُخلَطا ويغسل بهما للتَّنظيف، فلا يُحسَب عن الواجب للتَّغيُّر (وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب () بالحاء المهملة وتشديد النُّون (ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ) أحد العشرة المبشَّرة بالجنَّة، المتوفى سنة إحدى وخمسين، واسم ابنه هذا عبد الرَّحمن، أي: طيَّبه بالحنوط، وهو كلُّ شيءٍ خلطته من الطِّيب للميِّت خاصَّةً (وَحَمَلَهُ وَصَلَّى) عليه (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) ولو كان الميِّت نجسًا لم يطهِّرْه الماء والسِّدر، ولا الماء وحده، ولَمَا مسَّه ابن عمر، ولغَسَل مَا مسَّه من أعضائه، وهذا وصله مالكٌ في «الموطَّأ» عن نافعٍ: أنَّ عبد الله بن عمر حَنَّط فذكره (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ) ممَّا وصله سعيدُ بن منصورٍ بإسنادٍ صحيحٍ: (المُسْلِمُ لَا يَنْجَُسُ) بضمِّ الجيم وفتحها (حَيًّا وَلَا مَيِّتًا) وقد رواه مرفوعًا الدَّارقُطنيُّ والحاكم (وَقَالَ سَعْدٌ) أي: ابن أبي وقَّاصٍ؛ كما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عائشة بنت سعدٍ، وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «وقال سعيدٌ» بزيادة ياءٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: والأوَّل أَولى؛ كما أخرجه ابن أبي شيبة (٣)، لمَّا غسَّل سعيد بن زيدِ بن عمرٍو بالعقيق (٤) وحنَّطه وكفَّنه: (لَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسِسْتُهُ) بكسر الجيم والسِّين الأولى من «مَسِسْتُه» (وَقَالَ النَّبِيُّ : المُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ) هو طرفٌ من حديث أبي هريرة من (٥) «كتاب الغسل» [خ¦٢٨٣]، في «باب الجنب يمشي في السُّوق».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

{ونادى أَصْحَاب الْجنَّة أَصْحَاب النَّار} (ك: ٤٤) . فِي أَن مَا سَيكون بمنزله الْكَائِن، لِأَن مَا أخبر بِهِ الصَّادِق من الْمُسْتَقْبل كالواقع، وَقَالَ بَعضهم: وَهَذَا قد تَلقاهُ جمَاعَة عَن الطَّيِّبِيّ وأقروه عَلَيْهِ، وَفِيه نظر، لِأَن السَّبَبِيَّة حَاصِلَة بِالنّظرِ إِلَى الِاسْتِثْنَاء، لِأَن الِاسْتِثْنَاء بعد النَّفْي إِثْبَات، فَكَانَ الْمَعْنى: أَن تَخْفيف الولوج مسبب عَن موت الْأَوْلَاد، وَهُوَ ظَاهر، لِأَن الولوج عَام وتخفيفه يَقع بِأُمُور مِنْهَا موت الْأَوْلَاد بِشَرْطِهِ، وَمَا ادَّعَاهُ أَن الْفَاء بِمَعْنى الْوَاو الَّتِي للْجمع فِيهِ نظر. قلت: فِي كل وَاحِد من نظريه نظر، أما الأول: فلأنا لَا نسلم حُصُول السَّبَبِيَّة بِالنّظرِ إِلَى الِاسْتِثْنَاء، لِأَن الولوج هَهُنَا لَيْسَ على حَقِيقَته بالِاتِّفَاقِ، لِأَنَّهُ بِمَعْنى الْوُرُود، وَقد مر أَن فِي مَعْنَاهُ أقوالاً. وَقَوله: لِأَن الِاسْتِثْنَاء بعد النَّفْي إِثْبَات مَحل نزاع، وَقد علم فِي مَوْضِعه. وَإِمَّا الثَّانِي: فأيضا مَمْنُوع، لِأَن الْحُرُوف يَنُوب بَعْضهَا عَن بعض، وَلم يمْنَع أحد عَن ذَلِك أَلا ترى أَن بَعضهم قَالُوا: إِن الِاسْتِثْنَاء بِمَعْنى: الْوَاو، أَي: لَا تمسه النَّار قَلِيلا وَلَا كثيرا، وَلَا تَحِلَّة الْقسم، وَقد جوز الْفراء والأخفش وَأَبُو عُبَيْدَة مَجِيء: إلَاّ بِمَعْنى: الْوَاو، وَجعلُوا مِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {لِئَلَّا يكون للنَّاس عَلَيْكُم حجَّة إِلَّا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم} (الْبَقَرَة: ٠٥١) . أَي: وَلَا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم.

٧ - (بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأةِ عِنْدَ القَبْرِ اصبِرِي)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز قَول الرجل للْمَرْأَة عِنْد قبر الْمَيِّت: إصبري، وَالْقَصْد من هَذِه التَّرْجَمَة جَوَاز مُخَاطبَة الرِّجَال للنِّسَاء بِمَا فِيهِ موعظة وَأمر بِمَعْرُوف وَنهي عَن مُنكر، وَإِنَّمَا ذكر بقوله: (قَول الرجل) إِشَارَة إِلَى أَن ذَلِك لَا يخْتَص بِالنَّبِيِّ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَإِن كَانَ فِي الحَدِيث قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأطلق إمرأة ليتناول الشَّابَّة والعجوز، وَعين لفظ: اصْبِرِي، وَلم يقل لفظ: اتقِي، كَمَا فِي الحَدِيث لِأَنَّهُ هُوَ الْمُنَاسب فِي ذَلِك الْوَقْت. فَإِن قلت: لِمَ قَالَ: قَول الرجل، وَلم يقل: وعظ الرجل، وَنَحْوه؟ قلت: لعُمُوم معنى القَوْل وشموله.

٢٥٢١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا ثابِتٌ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ مرَّ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بامْرَأةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وهْيَ تَبْكِي فَقَالَ اتَّقِي الله واصْبِرِي..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (واصبري) ، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز عَن بنْدَار عَن غنْدر، وَفِي الْأَحْكَام أَيْضا عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن بنْدَار وَعَن غنْدر عَن أبي مُوسَى وَعَن يحيى بن حبيب وَعَن عقبَة بن مكرم وَعَن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي وَزُهَيْر بن حَرْب عَن عبد الصَّمد، ستتهم عَنهُ بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أبي مُوسَى مُحَمَّد بن الْمثنى نَحوه. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عمر بن عَليّ عَن غنْدر.

قَوْله: (وَهِي تبْكي) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَهَا: (اتقِي الله واصبري) أَي: لَا تجزعي، فَإِن الْجزع يحبط الْأجر، واصبري فَإِن الصَّبْر يجزل الْأجر، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُوفى الصَّابِرُونَ أجرهم بِغَيْر حِسَاب} (الزمر: ٠١) . وَقَالَ ابْن ابْن بطال: أَرَادَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن لَا يجْتَمع عَلَيْهَا مصيبتان: مُصِيبَة فقد الْوَلَد، ومصيبة فقد الْأجر الَّذِي يُبطلهُ الْجزع، فَأمرهَا بِالصبرِ الَّذِي لَا بُد للجازع من الرُّجُوع إِلَيْهِ بعد سُقُوط أجره، وَقيل: كل مُصِيبَة لم يذهب فَرح ثَوَابهَا ألم حزنها فَهِيَ الْمُصِيبَة الدائمة، والحزن الْبَاقِي. وَقَالَ الْحسن: الْحَمد لله الَّذِي أجرنا على مَا لَا بُد لنا مِنْهُ.

وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: جَوَاز زِيَارَة الْقُبُور وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. وَفِيه: دلَالَة على تواضعه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَونه لم ينهرها، وَفِيه: النَّهْي عَن الْبكاء بعد الْمَوْت. وَفِيه: الموعظة للباكي بتقوى الله وَالصَّبْر.

٨ - (بابُ غُسْلِ المَيِّتِ وَوَضُوئِهِ بِالمَاءِ والسِّدْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم غسل الْمَيِّت. . إِلَى آخِره.

وَهَذِه التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على أُمُور.

الأول: فِي غسل الْمَيِّت، هَل هُوَ فرض أَو وَاجِب أَو سنة؟ فَقَالَ أَصْحَابنَا: هُوَ وَاجِب على الْأَحْيَاء بِالسنةِ وَإِجْمَاع الْأمة. أما السّنة: فَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (للْمُسلمِ على الْمُسلم سِتّ حُقُوق. .) وَذكر مِنْهَا: إِذا مَاتَ أَن يغسلهُ، وأجمعت الْأمة على هَذَا. وَفِي (شرح الْوَجِيز) : الْغسْل والتكفين وَالصَّلَاة فرض

على الْكِفَايَة بِالْإِجْمَاع، وَكَذَا نقل النَّوَوِيّ الْإِجْمَاع على أَن غسل الْمَيِّت فرض كِفَايَة، وَقد أنكر بَعضهم على النَّوَوِيّ فِي نَقله هَذَا فَقَالَ: وَهُوَ ذُهُول شَدِيد، فَإِن الْخلاف مَشْهُور جدا عِنْد الْمَالِكِيَّة، حَتَّى أَن الْقُرْطُبِيّ رجح فِي (شرح مُسلم) أَنه سنة، وَلَكِن الْجُمْهُور على وُجُوبه. انْتهى. قلت: هَذَا ذُهُول أَشد من هَذَا الْقَائِل حَيْثُ لم ينظر إِلَى معنى الْكَلَام، فَإِن معنى قَوْله: سنة، أَي: سنة مُؤَكدَة، وَهِي فِي قُوَّة الْوُجُوب، حَتَّى قَالَ هُوَ: وَقد رد ابْن الْعَرَبِيّ على من لم يقل بذلك، أَي: بِالْوُجُوب، وَقَالَ: توارد بِهِ القَوْل وَالْعَمَل وَغسل الطَّاهِر المطهر فَكيف بِمن سواهُ؟ .

الثَّانِي: فِي أَن أصل وجوب غسل الْمَيِّت مَا رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي (الْمسند) (أَن آدم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، غسلته الْمَلَائِكَة وكفنوه وحنطوه وحفروا لَهُ وألحدوا وصلوا عَلَيْهِ، ثمَّ دخلُوا قَبره فوضعوه فِيهِ وَوَضَعُوا عَلَيْهِ اللَّبن، ثمَّ خَرجُوا من قَبره، ثمَّ حثوا عَلَيْهِ التُّرَاب، ثمَّ قَالُوا: يَا بني آدم هَذِه سبيلكم) وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِمَعْنَاهُ.

الثَّالِث: فِي سَبَب وجوب غسل الْمَيِّت، فَقَالَ بَعضهم: هُوَ الْحَدث، فَإِن الْمَوْت سَبَب لاسترخاء مفاصله، وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله الْجِرْجَانِيّ وَغَيره من مَشَايِخ الْعرَاق، إِنَّمَا أوجب النَّجَاسَة الْمَوْت إِذْ الْآدَمِيّ لَهُ دم مسفوح كَسَائِر الْحَيَوَانَات، وَلِهَذَا يَتَنَجَّس الْبِئْر بِمَوْتِهِ فِيهَا، وَفِي (الْبَدَائِع) : عَن مُحَمَّد بن الشجاع البَجلِيّ أَن الْآدَمِيّ لَا ينجس بِالْمَوْتِ كَرَامَة لَهُ، لِأَنَّهُ لَو تنجس لما حكم بِطَهَارَتِهِ بِالْغسْلِ كَسَائِر الْحَيَوَانَات الَّتِي حكم بنجاستها بِالْمَوْتِ، وَسَيَأْتِي قَول ابْن عَبَّاس: إِن الْمُسلم لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا. وَقَالَ بعض الْحَنَابِلَة: ينجس بِالْمَوْتِ وَلَا يطهر بِالْغسْلِ ويتنجس الثَّوْب الَّذِي ينشف بِهِ كَسَائِر الميتات، وَهَذَا بَاطِل بِلَا شكّ وخرق للْإِجْمَاع

الرَّابِع: فِي وضوء الْمَيِّت، فوضوؤه سنة كَمَا فِي الِاغْتِسَال فِي حَالَة الْحَيَاة، غير أَنه لَا يمضمض وَلَا يستنشق عندنَا لِأَنَّهُمَا متعسران. وَقَالَ صَاحب (الْمُغنِي) : وَلَا يدْخل المَاء فَاه وَلَا مَنْخرَيْهِ فِي قَول أَكثر أهل الْعلم. وَهُوَ قَول سعيد بن جُبَير وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري وَأحمد. وَقَالَ الشَّافِعِي: يمضمض ويستنشق كَمَا يَفْعَله الْحَيّ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمَضْمَضَة جعل المَاء فِي فِيهِ. قلت: هَذَا خلاف مَا قَالَه أهل اللُّغَة، فَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْمَضْمَضَة تَحْرِيك المَاء فِي الْفَم، وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ لم يصوب من قَالَ مثل مَا قَالَ النَّوَوِيّ.

الْخَامِس: فِي المَاء والسدر، فَالْحكم فِيهِ عندنَا أَن المَاء يغلي بالسدر والأشنان مُبَالغَة فِي التَّنْظِيف، فَإِن لم يكن السدر أَو الأشنان فالماء القراح، وَذكر فِي (الْمُحِيط) و (الْمَبْسُوط) : أَنه يغسل أَولا بِالْمَاءِ القراح، ثمَّ بِالْمَاءِ الَّذِي يطْرَح فِيهِ السدر، وَفِي الثَّالِثَة يَجْعَل الكافور فِي المَاء وَيغسل بِهِ، هَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعند سعيد بن الْمسيب وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري: يغسل فِي الْمرة الأولى وَالثَّانيَِة بِالْمَاءِ القراح، وَالثَّالِثَة بالسدر. وَقَالَ الشَّافِعِي: يخْتَص السدر بِالْأولَى، وَبِه قَالَ ابْن الْخطاب من الْحَنَابِلَة. وَعَن أَحْمد: يسْتَعْمل السدر فِي الثَّلَاث كلهَا، وَهُوَ قَول عَطاء وَإِسْحَاق وَسليمَان بن حَرْب. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يَجْعَل السدر فِي مَاء ويخضخض إِلَى أَن تخرج رغوته ويدلك جسده ثمَّ يصب عَلَيْهِ المَاء القراح، فَهَذِهِ غسلة، وكرهت الشَّافِعِيَّة وَبَعض الْحَنَابِلَة المَاء المسخن، وخيره مَالك مَا ذكره فِي (الْجَوَاهِر) وَفِي (الْخُتلِي) من كتب الشَّافِعِيَّة، قيل: المسخن أولى بِكُل حَال وَهُوَ قَول إِسْحَاق. وَفِي (الدِّرَايَة) : وَعند الشَّافِعِي وَأحمد المَاء الْبَارِد أفضل إلَاّ أَن يكون عَلَيْهِ وسخ أَو نَجَاسَة لَا تَزُول إلَاّ بِالْمَاءِ الْحَار أَو يكون الْبرد شَدِيدا. فَإِن قلت: الْوضُوء مَذْكُور فِي التَّرْجَمَة وَلم يذكر لَهُ حَدِيثا. قلت: اعْتمد على الْمَعْهُود من الِاغْتِسَال من الْجَنَابَة، عَن يُمكن أَن يُقَال: إِنَّه اعْتمد على مَا ورد فِي بعض طرق حَدِيث الْبَاب من حَدِيث أم عَطِيَّة: (إبدأن بميامنها ومواضع الْوضُوء مِنْهَا) . وَقيل: أَرَادَ وضوء الْغَاسِل أَي: لَا يلْزمه وضوء. قلت: هَذَا بعيد، لِأَن الْغَاسِل لم يذكر فِيمَا قبله وَلَا يعود الضَّمِير فِي قَوْله: (ووضوئه) إلَاّ إِلَى الْمَيِّت، وَوجه بَعضهم هَذَا فَقَالَ: إلَاّ أَن يُقَال: تَقْدِير التَّرْجَمَة: بَاب غسل الْحَيّ الْمَيِّت، لِأَن الْمَيِّت لَا يتَوَلَّى ذَلِك بِنَفسِهِ فَيَعُود الضَّمِير على الْمَحْذُوف. قلت: هَذَا عسف وَإِن كَانَ لَهُ وَجه مَعَ أَن رُجُوع الضَّمِير إِلَى أقرب الشَّيْئَيْنِ إِلَيْهِ أولى.

وَحَنَّطَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا ابْنا لِسَعِيدِ بنِ زَيْدٍ وَحَمَلَهُ وَصَلَّى ولَمْ يَتَوَضَّأ

مطابقتة للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من موضِعين: الأول: من قَوْله: (حنط) ، لِأَن التحنيط يسْتَلْزم الْغسْل، فَكَأَنَّهُ قَالَ: غسله وحنطه، وَهُوَ مُطَابق لقَوْله: بَاب غسل الْمَيِّت، وَالثَّانِي: من قَوْله: (وَلم يتَوَضَّأ) ، لأَنا قد ذكرنَا أَن الضَّمِير فِي قَوْله: (ووضوئه) ، يرجع إِلَى الْمَيِّت، وَقَوله: (لم

يتَوَضَّأ) يدل على أَن الْغَاسِل لَيْسَ عَلَيْهِ وضوء، فَوَقع التطابق من هَذِه الْحَيْثِيَّة. وَقَالَ بَعضهم: وَقيل: تعلق هَذَا الْأَثر وَمَا بعده بالترجمة من جِهَة أَن المُصَنّف يرى أَن الْمُؤمن لَا ينجس بِالْمَوْتِ وَأَن غسله إِنَّمَا هُوَ للتعبد، لِأَنَّهُ لَو كَانَ نجسا لم يطهره المَاء والسدر وَلَا المَاء وَحده، وَلَو كَانَ نجسا مَا مَسّه ابْن عمر، ولغسل مَا مَسّه من أَعْضَائِهِ. قلت: لَيْسَ بَين هَذَا الْأَثر وَبَين التَّرْجَمَة تعلق أصلا من هَذِه الْجِهَة الْبَعِيدَة، وَالَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ الْأَوْجه. نعم، هَذَا الَّذِي ذكره يصلح أَن يكون وَجه التطابق بَين التَّرْجَمَة وَبَين أثر ابْن عَبَّاس الْآتِي، لِأَن إِيرَاده أثر ابْن عَبَّاس فِي هَذَا الْبَاب يدل على أَنه يرى فِيهِ رَأْي ابْن عَبَّاس، وَيفهم مِنْهُ أَن غسل الْمَيِّت عِنْده أَمر تعبدي، وَإِن كَانَ قَوْله: بَاب غسل الْمَيِّت، أَعم من ذَلِك، لَكِن إِيرَاده أثر ابْن عَبَّاس وَأثر سعد، والْحَدِيث الْمُعَلق يدل على ذَلِك فَافْهَم.

وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَضْعِيف مَا أخرجه أَبُو دَاوُد من طَرِيق عَمْرو بن عُمَيْر عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (من غسل الْمَيِّت فليغتسل وَمن حمله فَليَتَوَضَّأ) ، رُوَاته ثِقَات إلَاّ عَمْرو بن عُمَيْر فَلَيْسَ بِمَعْرُوف، وروى التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان من طَرِيق سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، نَحوه، وَهُوَ مَعْلُول لِأَن أَبَا صَالح لم يسمعهُ من أبي هُرَيْرَة. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: عَن أَبِيه الصَّوَاب: عَن أبي هُرَيْرَة، مَوْقُوف. وَقَالَ أَبُو دَاوُد بعد تَخْرِيجه: هَذَا مَنْسُوخ وَلم يبين ناسخه، وَقَالَ الذهلي فِيمَا حَكَاهُ الْحَاكِم فِي (تَارِيخه) : لَيْسَ فِيمَن غسل مَيتا فليتغسل حَدِيث ثَابت. انْتهى. قلت: إيش وَجه إِشَارَة البُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى تَضْعِيف الحَدِيث الْمَذْكُور؟ فَأَي عبارَة تدل على هَذَا بِدلَالَة من أَنْوَاع الدلالات، وَهَذَا كَلَام واه.

قلت: أما حَدِيث أبي دَاوُد فقد قَالَ فِي (سنَنه) : حَدثنَا أَحْمد بن صَالح أخبرنَا ابْن أبي فديك حَدثنِي ابْن أبي ذِئْب عَن الْقَاسِم ابْن عَبَّاس عَن عَمْرو بن عُمَيْر عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من غسل الْمَيِّت. .) الحَدِيث، وَابْن أبي فديك: هُوَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن أبي فديك، وَابْن أبي ذِئْب: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث ابْن أبي ذِئْب، وَعَمْرو بن عُمَيْر، بِفَتْح الْعين فِي الإبن وَضمّهَا فِي الْأَب قلت: قَوْله: عَمْرو بن عُمَيْر لَيْسَ بِمَعْرُوف، إِشَارَة إِلَى تَضْعِيف الحَدِيث، فَهَذَا أَبُو دَاوُد قد روى لَهُ وَسكت عَلَيْهِ فَدلَّ على أَنه قد رَضِي بِهِ، وَلكنه قَالَ: هَذَا مَنْسُوخ، فَرده هَذَا الحَدِيث لم يكن إلَاّ من جِهَة كَونه مَنْسُوخا، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَلم يبين ناسخه قلت: بِتَرْكِهِ بَيَان النَّاسِخ لَا يلْزم تَضْعِيف الحَدِيث، والنسخ يعلم بِأُمُور مِنْهَا: ترك الْعَمَل بِالْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ يدل على وجود نَاسخ وَإِن لم يطلع عَلَيْهِ.

وَأما حَدِيث التِّرْمِذِيّ فقد قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الْملك بن أبي الشَّوَارِب حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن الْمُخْتَار عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من غسله الْغسْل وَمن حمله الْوضُوء) يَعْنِي الْمَيِّت، وَقَالَ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة حَدِيث حسن، وَقد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة مَوْقُوفا، ثمَّ قَالَ: وَقد اخْتلف أهل الْعلم فِي الَّذِي يغسل الْمَيِّت، فَقَالَ بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَغَيرهم: إِذا غسل مَيتا فَعَلَيهِ الْغسْل، وَقَالَ بَعضهم: عَلَيْهِ الْوضُوء، وَقَالَ مَالك بن أنس: اسْتحبَّ الْغسْل من غسل الْمَيِّت وَلَا أرى ذَلِك وَاجِبا، وَهَكَذَا قَالَ الشَّافِعِي، وَقَالَ أَحْمد: من غسل مَيتا أَرْجُو أَن لَا يجب عَلَيْهِ الْغسْل، فَأَما الْوضُوء فَأَقل مَا فِيهِ. وَقَالَ إِسْحَاق: لَا بُد من الْوضُوء، وَقد رُوِيَ عَن عبد الله بن الْمُبَارك أَنه قَالَ: لَا يغْتَسل وَلَا يتَوَضَّأ من غسل الْمَيِّت، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَفِي الْبَاب عَن عَليّ وَعَائِشَة. قلت: كِلَاهُمَا عِنْد أبي دَاوُد، وَفِي الْبَاب عَن حُذَيْفَة عِنْد الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد سَاقِط، وَقَالَ مَالك فِي (الْعُتْبِيَّة) : أدْركْت النَّاس على أَن غاسل الْمَيِّت يغْتَسل، وَاسْتَحْسنهُ ابْن الْقَاسِم وَأَشْهَب، وَقَالَ ابْن حبيب: لَا غسل عَلَيْهِ وَلَا وضوء، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ: الْجَدِيد هَذَا، وَالْقَدِيم: الْوُجُوب، وبالغسل قَالَ ابْن الْمسيب وَابْن سِيرِين وَالزهْرِيّ، قَالَه ابْن الْمُنْذر، وَقَالَ الْخطابِيّ: لَا أعلم أحدا قَالَ بِوُجُوب الْغسْل مِنْهُ، وَأوجب أَحْمد وَإِسْحَاق الْوضُوء مِنْهُ.

وَأما التَّعْلِيق الْمَذْكُور فقد وَصله مَالك فِي (موطئِهِ) عَن نَافِع: أَن ابْن عمر حنط ابْنا لسَعِيد بن زيد وَحمله ثمَّ دخل الْمَسْجِد فصلى وَلم يتَوَضَّأ، وروى ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه: أَن ابْن عمر كفن مَيتا وحنطه وَلم يمس مَاء، وَعَن أبي الْأَحْوَص عَن عَطاء بن السَّائِب عَن سعيد بن جُبَير، قَالَ: قلت لِابْنِ عمر: اغْتسل من غسل الْمَيِّت؟ قَالَ: لَا. وَحدثنَا عباد بن الْعَوام عَن حجاج عَن سُلَيْمَان بن ربيع عَن سعيد بن جُبَير، قَالَ: غسلت أُمِّي ميتَة، فَقَالَت لي: سل، عَليّ غسل؟ فَأتيت ابْن عمر فَسَأَلته، فَقَالَ: أنجسا غسلت؟ ثمَّ أتيت ابْن عَبَّاس، فَسَأَلته فَقَالَ مثل ذَلِك: أنجسا غسلت؟ وَحدثنَا عباد عَن حجاج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر أَنَّهُمَا قَالَا: لَيْسَ على غاسل الْمَيِّت غسل؟

قَوْله: (حنط) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد النُّون أَي: اسْتعْمل الحنوط، وَهُوَ كل شَيْء خلط من الطّيب

للْمَيت خَاصَّة، قَالَه الْكرْمَانِي وَتَبعهُ بَعضهم على هَذَا. وَفِي (الصِّحَاح) بالحنوط ذريرة، وَهُوَ طيب الْمَيِّت. قلت: الحنوط: عطر مركب من أَنْوَاع الطّيب يَجْعَل على رَأس الْمَيِّت ولحيته ولبقيه جسده إِن تيَسّر،. وَفِي الحَدِيث: (أَن ثمودا لما استيقنوا بِالْعَذَابِ تكفنوا بالأنطاع وتحنطوا بِالصبرِ لِئَلَّا يجيفوا وينتنوا) . وَفِي (الْمُحِيط) : لَا بَأْس بِسَائِر الطّيب فِي الحنوط غير الزَّعْفَرَان والورس فِي حق الرِّجَال، وَلَا بَأْس بهما فِي حق النِّسَاء، فَيدْخل فِيهِ الْمسك، وَأَجَازَهُ أَكثر الْعلمَاء، وَأمر بِهِ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَاسْتَعْملهُ أنس وَابْن عمر وَابْن الْمسيب، وَبِه قَالَ: مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَكَرِهَهُ: عَطاء وَالْحسن وَمُجاهد، وَقَالُوا: إِنَّه ميتَة واستعماله فِي الحنوط على الْجَبْهَة والراحتين والركبتين والقدمين. وَفِي (الرَّوْضَة) : وَلَا بَأْس بِجعْل الْمسك فِي الحنوط وَقَالَ النَّخعِيّ: يوضع الحنوط على الْجَبْهَة والراحتين والركبتين والقدمين، وَفِي (الْمُفِيد) : وَإِن لم يفعل فَلَا يضر، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ والقرافي: يسْتَحبّ فِي الْمرة الثَّالِثَة شَيْء من الكافور. قَالَا: وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يسْتَحبّ. قلت: نقلهما ذَلِك عَنهُ خطأ.

قَوْله: (ابْنا لسَعِيد) وَاسم الابْن: عبد الرَّحْمَن، روى عَن اللَّيْث عَن نَافِع أَنه رأى عبد الله بن عمر حنط عبد الرَّحْمَن بن سعيد بن زيد، وَسَعِيد بن زيد هَذَا أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ، أسلم قَدِيما وَمَات بالعقيق، وَنقل إِلَى الْمَدِينَة فَدفن بهَا سنة إِحْدَى وَخمسين، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا المُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ حَيَّا وَلَا مَيِّتا

وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة قد ذَكرنَاهَا فِي أثر ابْن عمر الَّذِي مضى، وَقد وصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو عَن عَطاء (عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: لَا تنجسوا مَوْتَاكُم فَإِن الْمُؤمن لَيْسَ بِنَجس حَيا وَلَا مَيتا) . قَوْله: (لَا تنجسوا مَوْتَاكُم) أَي: لَا تَقولُوا إِنَّهُم نجس، وَرَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور أَيْضا عَن سُفْيَان نَحوه، وَرَوَاهُ الْحَاكِم مَرْفُوعا، قَالَ: أخبرنَا إِبْرَاهِيم ابْن عصمَة بن إِبْرَاهِيم الْعدْل حَدثنَا أَبُو مُسلم الْمسيب بن زُهَيْر الْبَغْدَادِيّ حَدثنَا أَبُو بكر وَعُثْمَان ابْنا ابْن أبي شيبَة، قَالَا: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله: (لَا تنجسوا مَوْتَاكُم فَإِن الْمُسلم لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا) صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ.

وقَالَ سَعدٌ لَوْ كانَ نَجِسا مَا مَسِستُهُ

وَجه الْمُطَابقَة مَا ذَكرْنَاهُ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَأبي الْوَقْت سعيد بِالْيَاءِ وَالْأول أشهر وَأَصَح، وَهُوَ سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن الْجَعْد عَن عَائِشَة قَالَت: أُوذِنَ سعد بِجنَازَة سعيد بن زيد وَهُوَ بِالبَقِيعِ فَجَاءَهُ فَغسله وكفنه وحنطه، ثمَّ أَتَى دَاره فصلى عَلَيْهِ، ثمَّ دَعَا بِمَاء فاغتسل، ثمَّ قَالَ: لم أَغْتَسِل من غسله وَلَو كَانَ نجسا مَا غسلته أَو مَا مَسسْته، وَلَكِنِّي أَغْتَسِل من الْحر.

وَفِي هَذَا الْأَثر فَائِدَة حَسَنَة وَهِي: أَن الْعَالم إِذا عمل عملا يخْشَى أَن يلتبس على من رَآهُ يَنْبَغِي لَهُ أَن يعلمهُمْ بِحَقِيقَة الْأَمر لِئَلَّا يحملوه على غير محمله.

وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ

هَذَا طرف من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ذكره البُخَارِيّ مُسْندًا فِي: بَاب الْجنب يمشي، فِي كتاب الْغسْل: حَدثنَا عَيَّاش، قَالَ: حَدثنَا عبد الْأَعْلَى، قَالَ: حَدثنَا حميد عَن أبي رَافع (عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: لَقِيَنِي رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَنا جنب. .) الحَدِيث، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ حميع مَا يتَعَلَّق بِهِ مستقصىً.

٣٥٢١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ أيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ عنْ مُحَمَّدِ بنِ سيرِينَ عنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأنْصَارِيَّةِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ دَخَلَ علَيْنَا رسولُ الله حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ فَقَالَ اغْسِلْنَهَا ثَلاثا أوْ خَمْسا أوْ أكْثَرَ مِنْ ذالِكَ أنْ رَأيْتُنَّ ذالِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كافُورا أوْ شَيْئا مِنْ كافُورٍ فَإذَا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّنِي فلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فأعْطَانا حِقْوَهُ فَقَالَ

أشْعِرْنَهَا إيَّاهُ تَعْنِي إزَارَهُ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة كلهم قد ذكرُوا، وَإِسْمَاعِيل بن عبد الله هُوَ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك، وَأم عَطِيَّة اسْمهَا: نسيبة، بِضَم النُّون، بنت كَعْب، وَيُقَال: بنت الْحَارِث الْأَنْصَارِيَّة، وَقد شهِدت غسل ابْنة رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وحكت ذَلِك فأتقنت، وحديثها أصل فِي غسل الْمَيِّت، ومدار حَدِيثهَا على مُحَمَّد وَحَفْصَة ابْني سِيرِين، حفظت مِنْهَا حَفْصَة مَا لم يحفظ مُحَمَّد، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لَيْسَ فِي أَحَادِيث غسل الْمَيِّت أَعلَى من حَدِيث أم عَطِيَّة، وَعَلِيهِ عول الْأَئِمَّة.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه مدنيان، وَأَيوب وَابْن سِيرِين بصريان. وَفِيه: عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد وَفِي رِوَايَة ابْن جريج: عَن أَيُّوب سَمِعت ابْن سِيرِين. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث من أحد عشر طَرِيقا. الأول: أخرجه فِي الطَّهَارَة فِي: بَاب التَّيَمُّن فِي الْوضُوء وَالْغسْل، عَن مُسَدّد وَقد ذكرنَا هُنَاكَ من أخرجه غَيره. الثَّانِي: عَن إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب. الثَّالِث: عَن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب فِي: بَاب مَا يسْتَحبّ أَن يغسل وترا. الرَّابِع: عَن عَليّ بن عبد الله فِي: بَاب مَا يبْدَأ بميامن الْمَيِّت. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن يحيى بن أَيُّوب وَابْن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد، ثَلَاثَتهمْ عَن إِسْمَاعِيل وَعَن إِسْمَاعِيل بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أبي كَامِل الجحدري عَن إِسْمَاعِيل بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع عَن هشيم بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن مَنْصُور عَن أَحْمد بن جنبل عَن إِسْمَاعِيل بِهِ. الْخَامِس: عَن يحيى بن مُوسَى فِي: بَاب مَوَاضِع الْوضُوء من الْمَيِّت. السَّادِس: عَن عبد الرَّحْمَن بن حَمَّاد فِي: بَاب هَل تكفن الْمَرْأَة فِي إِزَار الرجل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن شُعَيْب بن يُوسُف. السَّابِع: عَن حَامِد بن عمر فِي: بَاب يَجْعَل الكافور فِي آخِرَة. الثَّامِن: عَن أَحْمد عَن ابْن وهب فِي: بَاب ينْقض شعر الْمَرْأَة. التَّاسِع: عَن أَحْمد عَن ابْن وهب أَيْضا فِي: بَاب كَيفَ الْإِشْعَار للْمَيت. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي وقتيبة، كِلَاهُمَا عَن حَمَّاد بن زيد وَعَن قُتَيْبَة عَن مَالك وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن يحيى بن أَيُّوب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ وَعَن مُسَدّد وَمُحَمّد بن عبيد، كِلَاهُمَا عَن حَمَّاد بن زيد بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن مَالك وَحَمَّاد بن زيد فرقهما بِهِ، وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَعَن عَمْرو بن زُرَارَة وَعَن يُوسُف بن سعيد. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن ابْن أبي شيبَة عَن الثَّقَفِيّ بِهِ. الْعَاشِر: عَن قبيصَة عَن سُفْيَان فِي: بَاب هَل يَجْعَل شعر الْمَرْأَة ثَلَاثَة قُرُون. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. الْحَادِي عشر: عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد فِي: بَاب يلقى شعر الْمَرْأَة خلفهَا. وَأخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن عَمْرو النَّاقِد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن عَن أَحْمد بن منيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عمر بن عَليّ عَن يحيى بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حِين توفيت ابْنة) هِيَ زَيْنَب زوج أبي الْعَاصِ بن الرّبيع وَالِدَة أُمَامَة هِيَ الَّتِي كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يحملهَا فِي الصَّلَاة، فَإِذا سجد وَضعهَا وَإِذا قَامَ حملهَا، وَزَيْنَب أكبر بَنَات رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَتزَوج بِزَيْنَب: أَبُو الْعَاصِ بن الرّبيع فَولدت مِنْهُ عليا وأمامة، وَتوفيت زَيْنَب فِي سنة ثَمَان. قَالَه الْوَاقِدِيّ، وَقَالَ قَتَادَة عَن ابْن حزم: فِي أول سنة ثَمَان، وَلم يَقع فِي رِوَايَات البُخَارِيّ ابْنَته هَذِه مُسَمَّاة، وَهُوَ مُصَرح بِهِ فِي لفظ مُسلم (عَن أم عَطِيَّة، قَالَت: لما مَاتَت زَيْنَب بنت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ لنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: اغسلنها. .) الحَدِيث، هَذَا هُوَ الْمَرْوِيّ الْأَكْثَر وَذكر بعض أهل السّير أَنَّهَا أم كُلْثُوم زوج عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد ذكره أَبُو دَاوُد أَيْضا، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن حَنْبَل حَدثنَا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا أبي عَن أبي إِسْحَاق حَدثنِي نوح بن حَكِيم الثَّقَفِيّ وَكَانَ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ عَن رجل من بني عُرْوَة بن مَسْعُود يُقَال لَهُ دَاوُد، وَقد وَلدته أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان زوج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن ليلى بنت قانف الثقفية، قَالَت: كنت فِيمَن غسل أم كُلْثُوم ابْنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عِنْد وفاتها، فَكَانَ أول مَا أَعْطَانَا، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الحقا ثمَّ الدرْع ثمَّ الْخمار ثمَّ الملحفة، ثمَّ أدرجت بعد فِي الثَّوْب الآخر. قَالَت: وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَالس عِنْد الْبَاب مَعَه

كفنها يناولنا ثوبا ثوبا. وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: فِيهِ مُحَمَّد بن إِسْحَاق، وَفِيه من لَيْسَ بِمَشْهُور، وَالصَّحِيح أَن هَذِه الْقِصَّة فِي زَيْنَب، لِأَن أم كُلْثُوم توفيت وَرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، غَائِب ببدر، وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي كِتَابه: ونوح بن حَكِيم رجل مَجْهُول لم تثبت عَدَالَته، وَقد غلطوا الْمُنْذِرِيّ فِي قَوْله: أم كُلْثُوم توفيت وَرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، غَائِب ببدر، لِأَن الَّتِي توفيت حِينَئِذٍ رقية. فَإِن قلت: حكى ابْن التِّين عَن الدَّاودِيّ الشَّارِح بِأَنَّهُ جزم بِأَن الْبِنْت الْمَذْكُورَة أم كُلْثُوم زوج عُثْمَان. وَذكر صَاحب (التَّلْوِيح) : بِأَن التِّرْمِذِيّ زعم أَنَّهَا أم كُلْثُوم قلت: أما الدَّاودِيّ فَإِنَّهُ لم يذكر مُسْتَنده، وَأما التِّرْمِذِيّ فَلم يذكر شَيْئا من ذَلِك. فَإِن قلت: ذكر الدولابي من طَرِيق أبي الرِّجَال عَن عمْرَة أَن أم عَطِيَّة كَانَت مِمَّن غسل أم كُلْثُوم بنت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قلت: لَا يلْزم من ذَلِك أَن تكون الْبِنْت فِي حَدِيث الْبَاب أم كُلْثُوم، لِأَن أم عَطِيَّة كَانَت غاسلة الميتات فَيمكن أَن تكون حضرت لَهما جَمِيعًا.

قَوْله: (ثَلَاثًا أَو خمْسا) وَفِي رِوَايَة هِشَام بن حسان عَن حَفْصَة: (إغسلنها وترا ثَلَاثًا أَو خمْسا) . وَكلمَة: أَو. هُنَا للتنويع، وَالنَّص على الثَّلَاث أَو الْإِشَارَة إِلَى أَن الْمُسْتَحبّ، الإيتار، أَلا يُرى أَنه نقلهن من الثَّلَاث إِلَى الْخمس دون الْأَرْبَع، وَقَالَ بَعضهم: أَو، هُنَا للتَّرْتِيب لَا للتَّخْيِير. قلت: لم ينْقل عَن أحد أَن: أَو، تَجِيء للتَّرْتِيب، وَقد ذكر النُّحَاة أَن: أَو، تَأتي لاثني عشر معنى، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يدل على أَنَّهَا تَجِيء للتَّرْتِيب، وَالظَّاهِر أَنه أَخذه من الطَّيِّبِيّ فَإِنَّهُ نقل من الْمظهر شرح المصابيح) : أَن فِيهِ للتَّرْتِيب دون التَّخْيِير، إِذْ لَو حصل الِاكْتِفَاء بالغسلة الأولى اسْتحبَّ التَّثْلِيث، وَكره التجاوز عَنهُ فَإِن حصلت بِالثَّانِيَةِ أَو بالثالثة اسْتحبَّ التخميس، وَإِلَّا فالتسبيع، وَالْمَنْع بَاقٍ فِيهِ. وَفِي الطَّيِّبِيّ فِي نَقله، وَفِي صَاحب الْمظهر شَارِح (المصابيح) . قَوْله: (أَو أَكثر من ذَلِك) أَي: من الْخمس يَنْتَهِي إِلَى السَّبع، كَمَا فِي رِوَايَة أَيُّوب عَن حَفْصَة: ثَلَاثًا أَو خمْسا أَو سبعا، وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ، وَلَيْسَ فِي الرِّوَايَات أَكثر من السَّبع إلَاّ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد: حَدثنَا حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد عَن أم عَطِيَّة بِمَعْنى حَدِيث مَالك، زَاد فِي حَدِيث حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة نَحْو هَذَا، وزادت فِيهِ: أَو سبعا أَو أَكثر، من ذَلِك إِن رَأَيْته. وَيُسْتَفَاد من هَذَا اسْتِحْبَاب الإيتار بِالزِّيَادَةِ على السَّبْعَة لِأَن ذَلِك أبلغ فِي التَّنْظِيف، وَكره أَحْمد مُجَاوزَة السَّبع، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لَا أعلم أحدا قَالَ بمجاوزة السَّبع، وسَاق من طَرِيق قَتَادَة أَن ابْن سِيرِين كَانَ يَأْخُذ الْغسْل عَن أم عَطِيَّة ثَلَاثًا وإلَاّ فخمسا وإلَاّ فسبعا. قَالَ: فَرَأَيْنَا أَن الْأَكْثَر من ذَلِك سبع. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: الزِّيَادَة على السَّبع سرف، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: بَلغنِي أَن جَسَد الْمَيِّت يسترخي بِالْمَاءِ، فَلَا أحب الزِّيَادَة على ذَلِك. قَوْله: (إِن رأيتن ذَلِك) ، قَالَ الطَّيِّبِيّ: بِكَسْر الْكَاف خطاب لأم عَطِيَّة وَرَأَيْت بِمَعْنى الرَّأْي يَعْنِي أَن احتجتن إِلَى أَكثر من ثَلَاث أَو خمس للانقاء لَا للتشهي فلتفعلن قلت: كسر الْكَاف فِي ذَلِك الثَّانِي لَا فِي الأول، فَإِن بَعضهم نقل ذَلِك عَن الطَّيِّبِيّ. وَلكنه غلط فِيهِ، وَذكره فِي ذَلِك الأول، وَلَيْسَ كَذَلِك على مَا يخفى، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: إِنَّمَا فوض الرَّأْي إلَيْهِنَّ بِالشّرطِ الْمَذْكُور وَهُوَ الإيتار. وَحكى ابْن التِّين عَن بَعضهم، قَالَ: يحْتَمل قَوْله: (إِن رأيتن) أَن يرجع إِلَى الْأَعْدَاد الْمَذْكُورَة، وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: إِن رأيتن أَن تفعلن ذَلِك وإلَاّ فالاتقاء يَكْفِي. قَوْله: (بِمَاء وَسدر) ، الْبَاء تتَعَلَّق بقوله: (اغسلنها) قَالَ الطَّيِّبِيّ نَاقِلا عَن المطهر: قَوْله: (بِمَاء وَسدر) لَا يَقْتَضِي اسْتِعْمَال السدر فِي جَمِيع الغسلات، وَالْمُسْتَحب اسْتِعْمَاله فِي الكرة الأولى ليزيل الأقذار، وَيمْنَع من تسارع الْفساد. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: قَوْله: (بِمَاء وَسدر) أصل فِي جَوَاز التطهر بِالْمَاءِ الْمُضَاف إِذا لم يسلب الْإِطْلَاق. وَقَالَ ابْن التِّين. قَوْله: (بِمَاء وَسدر) هُوَ السّنة فِي ذَلِك، والخطمي مثله، فَإِن عدم فَمَا يقوم مقَامه كالأشنان والنطرون، وَلَا معنى لطرح ورق السدر فِي المَاء، كَمَا تفعل الْعَامَّة، وأنكرها أَحْمد وَلم يُعجبهُ، وَمثله من قَالَ: يحك الْمَيِّت بالسدر وَيصب عَلَيْهِ المَاء فَتحصل طَهَارَته بِالْمَاءِ، وَعَن ابْن سِيرِين، أَنه كَانَ يَأْخُذ الْغسْل عَن أم عَطِيَّة فَيغسل بِالْمَاءِ والسدر مرَّتَيْنِ وَالثَّالِثَة بِالْمَاءِ والكافور. وَمِنْهُم من ذهب إِلَى أَن الغسلات كلهَا بِالْمَاءِ والسدر، وَهُوَ قَول أَحْمد: وَلما غسلوا النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، غسلوه بِمَاء وَسدر ثَلَاث مَرَّات، فِي كُلهنَّ ذكره أَبُو عمر. قَوْله: (واجعلن فِي الْآخِرَة) أَي فِي الْمرة الْآخِرَة ويروى (الْأَخِيرَة) قَوْله: (كافورا) وَالْحكمَة فِيهِ أَن الْجِسْم يتصلب بِهِ وتنفر الْهَوَام من رَائِحَته، وَفِيه إكرام الْمَلَائِكَة. وَخَصه صَاحب (الْمَذْهَب) بالثالثة، والجرجاني بِالثَّانِيَةِ، وهما غَرِيبَانِ. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَانْفَرَدَ أَبُو حنيفَة فَقَالَ: لَا يسْتَحبّ الكافور

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله