«أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِم�…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٢٦٧

الحديث رقم ١٢٦٧ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كيف يكفن المحرم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن رجلا وقصه بعيره ونحن مع النبي ﷺ وهو…

«أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّدًا.»

سند حديث: ١٢٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ…

١٢٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن رجلا وقصه بعيره ونحن مع النبي ﷺ وهو…

بينما كان رجل من الصحابة واقفاً في عرفة على راحلته في حجة الوداع محرمًا إذ وقع منها، فانكسرت عنقه فمات؛ فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يغسلوه كغيره من سائر الموتى، بماء، وسدر، ويكفنوه في إزاره وردائه، اللذين أحرم بهما.
وبما أنه محرم بالحج وآثار العبادة باقية عليه، فقد نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يُطيبوه وأن يغطوا رأسه،
وذكر لهم الحكمة في ذلك؛ وهي أنه يبعثه الله على ما مات عليه، وهو التلبية التي هي شعار الحج.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • وجوب تغسيل الميت، وأنه فرض كفاية.
  • جواز اغتسال المحرم، كما ثبت ذلك في حديث أبي أيوب أيضًا.
  • الاعتناء بنظافة الميت وتنقيته، إذ أمرهم أن يجعلوا مع الماء سدراً.
  • أن تغير الماء بالطاهرات، لا يخرج الماء عن كونه مطهرا لغيره.
  • وجوب تكفين الميت، وأن الكفن مقدم على حق الغريم، والوصيِّ، والوارث.
  • مشروعية تكفين المحرم بثوبي إحرامه.
  • جواز الاقتصار في الكفن على الإزار والرداء، وبهذا يعلم أنه يكفي للميت لفافة واحدة.
  • تحريم الطيب على المحرم: حيًّا أو ميتًا، ذكرا أو أنثى.
  • مشروعية تحنيط الميت غير المحرم.
  • أن المحرم غير ممنوع من مباشرة الأشياء التي ليس فيها طيب: كالسِّدْرِ، والأشنان، والصابون غير المطيّب، ونحوها.
  • تحريم تغطية رأس الميت المحرم، والوجه للأنثى ما لم يكن بحضرة رجال أجانب عنها.
  • فضل من مات محرماً، وأن عمله لا ينقطع إلى يوم القيامة، حين يبعث عليه.
  • أن من شرع في عمل صالح -من طلب علم أو جهاد، أو غيرهما ومن نيته أن يكمله، فمات قبل ذلك- بلغت نيته الطيبة، وجرى عليه ثمرته إلى يوم القيامة.
  • المحرم إذا مات لا يكمل عنه بقية نسكه ولو كان فرضا.
  • حسن تعليم النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث يقرن الحكم بعلته؛ ليزداد الاطمئنان إليه، ويعرف به سمو الشريعة، وموافقتها للحكمة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن رجلا وقصه بعيره ونحن مع النبي ﷺ وهو…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْحَنَفِيَّةِ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ عَامًّا بِلَفْظِهِ، لِأَنَّهُ فِي شَخْصٍ مُعَيَّنٍ. وَلَا بِمَعْنَاهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: يُبْعَثُ مُلَبِّيًا لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ، فَلَا يَتَعَدَّى حُكْمُهُ إِلَى غَيْرِهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.

وَقَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ: وَأَجَابَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ هَذَا مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ الرَّجُلِ، لِأَنَّ إِخْبَارَهُ بِأَنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا شَهَادَةٌ بِأَنَّ حَجَّهُ قُبِلَ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُحَقَّقٍ لِغَيْرِهِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةِ إِنَّمَا ثَبَتَتْ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ، فَتَعُمُّ كُلَّ مُحْرِمٍ، وَأَمَّا الْقَبُولُ وَعَدَمُهُ فَأَمْرٌ مُغَيَّبٌ. وَاعْتَلَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ وَبِقَوْلِهِ : إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ. وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْقَطِعَ عَمَلُهُ بِالْمَوْتِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَكْفِينَهُ فِي ثَوْبَيْ إِحْرَامِهِ، وَتَبْقِيَتِهِ عَلَى هَيْئَةِ إِحْرَامِهِ مِنْ عَمَلِ الْحَيِّ بَعْدَهُ، كَغُسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَلَا مَعْنَى لِمَا ذَكَرُوهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: وَقَدْ قَالَ فِي الشُّهَدَاءِ: زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ مَعَ قَوْلِهِ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ. فَعَمَّمَ الْحُكْمَ فِي الظَّاهِرِ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ السَّبَبِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَمَّمَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مُحْرِمٍ، وَبَيْنَ الْمُجَاهِدِ وَالْمُحْرِمِ جَامِعٌ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَقَدِ اعْتَذَرَ الدَّاوُدِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، فَقَالَ: لَمْ يَبْلُغْهُ هَذَا الْحَدِيثُ. وَأَوْرَدَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ إِحْرَامُهُ بَاقِيًا لَوَجَبَ أَنْ يُكْمِلَ بِهِ الْمَنَاسِكَ، وَلَا قَائِلَ بِهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَيُقْتَصَرُ بِهِ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ وَضَحَ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ اسْتِبْقَاءُ شِعَارِ الْإِحْرَامِ كَاسْتِبْقَاءِ دَمِ الشَّهِيدِ.

٢١ - باب كَيْفَ يُكَفَّنُ الْمُحْرِمُ؟

١٢٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ النَّبِيُّ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا.

١٢٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، وَأَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ بِعَرَفَةَ، فَوَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، قَالَ أَيُّوبُ: فَوَقَصَتْهُ - وَقَالَ عَمْرٌو: فَأَقْصَعَتْهُ - فَمَاتَ فَقَالَ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ أَيُّوبُ: يُلَبِّي، وَقَالَ عَمْرٌو: مُلَبِّيًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ كَيْفَ يُكَفَّنُ الْمُحْرِمُ) سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلْأَصِيلِيِّ وَثَبَتَتْ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ أَوْجَهُ. وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقَيْنِ، فَفِي الْأَوَّلِ: فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا. كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي وَلِلْبَاقِينَ مُلَبَّدًا بِدَالٍ بَدَلَ التَّحْتَانِيَّةِ، وَالتَّلْبِيدُ جَمْعُ الشَّعْرِ بِصَمْغٍ، أَوْ غَيْرِهِ لِيُخْفِ شَعَثَهَ، وَكَانَتْ عَادَتُهُمْ فِي الْإِحْرَامِ أَنْ يَصْنَعُوا ذَلِكَ. وَقَدْ أَنْكَرَ عِيَاضٌ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَقَالَ: لَيْسَ لِلتَّلْبِيدِ مَعْنًى، وَسَيَأْتِي فِي الْحَجِّ بِلَفْظِ: يُهِلُّ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ: فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا. لَكِنْ لَيْسَ قَوْلُهُ مُلَبَّدًا فَاسِدَ الْمَعْنَى، بَلْ تَوْجِيهُهُ ظَاهِرٌ. قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (كَانَ رَجُلٌ وَاقِفًا) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِلْبَاقِينَ: وَاقِفٌ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِرَجُلٍ، وَكَانَ تَامَّةٌ؛ أَيْ حَصَلَ رَجُلٌ وَاقِفٌ.

قَوْلُهُ: (فَأَقْصَعَتْهُ)؛ أَيْ هَشَّمَتْهُ، يُقَالُ: أَقْصَعَ الْقَمْلَةَ إِذَا هَشَّمَهَا. وَقِيلَ: هُوَ خَاصٌّ بِكَسْرِ الْعَظْمِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا مَانِعَ أَنْ يُسْتَعَارَ لِكَسْرِ الرَّقَبَةِ. وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِتَقْدِيمِ الْعَيْنِ عَلَى الصَّادِ، وَالْقَعْصُ الْقَتْلُ فِي الْحَالِ، وَمِنْهُ قُعَاصُ الْغَنَمِ، وَهُوَ مَوْتُهَا. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بالميم (رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ بِعَرَفَةَ) عند الصَّخرات، وجواب «بينما» قوله: (إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَأَقْصَعَتْهُ) بصادٍ فعينٍ (١) (أَوْ قَالَ: فَأَقْعَصَتْهُ) بتقديم العين على الصَّاد، أي: قتلته سريعًا (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ) قال القاضي عياضٌ: أكثر الرِّوايات: «ثوبيَه» بالهاء، وقال النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: فيه جواز التَّكفين في ثوبين، والأفضل ثلاثةٌ (وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ) بذلك أخذ الشَّافعيُّ، وقال مالكٌ وأبو حنيفة: يُفعَل به ما يُفعَل بالحلال (٢)؛ لحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إِلَّا من ثلاثٍ» فعبادة الإحرام انقطعت عنه، قال ابن دقيق العيد -كما مرَّ-[خ¦١٢٦٥]: وهو مقتضى القياس، لكنَّ الحديث بعد أن ثبت يُقدَّم على القياس، وقال بعض المالكيَّة: حديث المحرم هذا خاصٌّ به، ويدلُّ عليه قوله: (فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا) فأعاد الضَّمير عليه، ولم يقل: فإنَّ المحرم، وحينئذٍ فلا يتعدَّى حكمه إلى غيره إلَّا بدليلٍ، وجوابه (٣) ما قاله ابن دقيق العيد: إنَّ العلَّة إنَّما ثبتت (٤) لأجل الإحرام، فتعمُّ كلَّ محرمٍ. انتهى. ومطابقته للتَّرجمة بطريق المفهوم من (٥) منع الحنوط للمحرم.

(٢١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (كَيْفَ يُكَفَّنُ المُحْرِمُ) إذا مات؟ وسقط الباب وتاليه لابن عساكر.

١٢٦٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، جعفر بن أبي وحشيَّة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ) أي: كسر عنقه فمات، لكنَّ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْحَنَفِيَّةِ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ عَامًّا بِلَفْظِهِ، لِأَنَّهُ فِي شَخْصٍ مُعَيَّنٍ. وَلَا بِمَعْنَاهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: يُبْعَثُ مُلَبِّيًا لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ، فَلَا يَتَعَدَّى حُكْمُهُ إِلَى غَيْرِهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.

وَقَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ: وَأَجَابَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ هَذَا مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ الرَّجُلِ، لِأَنَّ إِخْبَارَهُ بِأَنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا شَهَادَةٌ بِأَنَّ حَجَّهُ قُبِلَ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُحَقَّقٍ لِغَيْرِهِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةِ إِنَّمَا ثَبَتَتْ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ، فَتَعُمُّ كُلَّ مُحْرِمٍ، وَأَمَّا الْقَبُولُ وَعَدَمُهُ فَأَمْرٌ مُغَيَّبٌ. وَاعْتَلَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ وَبِقَوْلِهِ : إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ. وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْقَطِعَ عَمَلُهُ بِالْمَوْتِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَكْفِينَهُ فِي ثَوْبَيْ إِحْرَامِهِ، وَتَبْقِيَتِهِ عَلَى هَيْئَةِ إِحْرَامِهِ مِنْ عَمَلِ الْحَيِّ بَعْدَهُ، كَغُسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَلَا مَعْنَى لِمَا ذَكَرُوهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: وَقَدْ قَالَ فِي الشُّهَدَاءِ: زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ مَعَ قَوْلِهِ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ. فَعَمَّمَ الْحُكْمَ فِي الظَّاهِرِ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ السَّبَبِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَمَّمَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مُحْرِمٍ، وَبَيْنَ الْمُجَاهِدِ وَالْمُحْرِمِ جَامِعٌ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَقَدِ اعْتَذَرَ الدَّاوُدِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، فَقَالَ: لَمْ يَبْلُغْهُ هَذَا الْحَدِيثُ. وَأَوْرَدَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ إِحْرَامُهُ بَاقِيًا لَوَجَبَ أَنْ يُكْمِلَ بِهِ الْمَنَاسِكَ، وَلَا قَائِلَ بِهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَيُقْتَصَرُ بِهِ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ وَضَحَ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ اسْتِبْقَاءُ شِعَارِ الْإِحْرَامِ كَاسْتِبْقَاءِ دَمِ الشَّهِيدِ.

٢١ - باب كَيْفَ يُكَفَّنُ الْمُحْرِمُ؟

١٢٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ النَّبِيُّ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا.

١٢٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، وَأَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ بِعَرَفَةَ، فَوَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، قَالَ أَيُّوبُ: فَوَقَصَتْهُ - وَقَالَ عَمْرٌو: فَأَقْصَعَتْهُ - فَمَاتَ فَقَالَ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ أَيُّوبُ: يُلَبِّي، وَقَالَ عَمْرٌو: مُلَبِّيًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ كَيْفَ يُكَفَّنُ الْمُحْرِمُ) سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلْأَصِيلِيِّ وَثَبَتَتْ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ أَوْجَهُ. وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقَيْنِ، فَفِي الْأَوَّلِ: فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا. كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي وَلِلْبَاقِينَ مُلَبَّدًا بِدَالٍ بَدَلَ التَّحْتَانِيَّةِ، وَالتَّلْبِيدُ جَمْعُ الشَّعْرِ بِصَمْغٍ، أَوْ غَيْرِهِ لِيُخْفِ شَعَثَهَ، وَكَانَتْ عَادَتُهُمْ فِي الْإِحْرَامِ أَنْ يَصْنَعُوا ذَلِكَ. وَقَدْ أَنْكَرَ عِيَاضٌ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَقَالَ: لَيْسَ لِلتَّلْبِيدِ مَعْنًى، وَسَيَأْتِي فِي الْحَجِّ بِلَفْظِ: يُهِلُّ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ: فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا. لَكِنْ لَيْسَ قَوْلُهُ مُلَبَّدًا فَاسِدَ الْمَعْنَى، بَلْ تَوْجِيهُهُ ظَاهِرٌ. قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (كَانَ رَجُلٌ وَاقِفًا) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِلْبَاقِينَ: وَاقِفٌ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِرَجُلٍ، وَكَانَ تَامَّةٌ؛ أَيْ حَصَلَ رَجُلٌ وَاقِفٌ.

قَوْلُهُ: (فَأَقْصَعَتْهُ)؛ أَيْ هَشَّمَتْهُ، يُقَالُ: أَقْصَعَ الْقَمْلَةَ إِذَا هَشَّمَهَا. وَقِيلَ: هُوَ خَاصٌّ بِكَسْرِ الْعَظْمِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا مَانِعَ أَنْ يُسْتَعَارَ لِكَسْرِ الرَّقَبَةِ. وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِتَقْدِيمِ الْعَيْنِ عَلَى الصَّادِ، وَالْقَعْصُ الْقَتْلُ فِي الْحَالِ، وَمِنْهُ قُعَاصُ الْغَنَمِ، وَهُوَ مَوْتُهَا. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بالميم (رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ بِعَرَفَةَ) عند الصَّخرات، وجواب «بينما» قوله: (إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَأَقْصَعَتْهُ) بصادٍ فعينٍ (١) (أَوْ قَالَ: فَأَقْعَصَتْهُ) بتقديم العين على الصَّاد، أي: قتلته سريعًا (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ) قال القاضي عياضٌ: أكثر الرِّوايات: «ثوبيَه» بالهاء، وقال النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: فيه جواز التَّكفين في ثوبين، والأفضل ثلاثةٌ (وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ) بذلك أخذ الشَّافعيُّ، وقال مالكٌ وأبو حنيفة: يُفعَل به ما يُفعَل بالحلال (٢)؛ لحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إِلَّا من ثلاثٍ» فعبادة الإحرام انقطعت عنه، قال ابن دقيق العيد -كما مرَّ-[خ¦١٢٦٥]: وهو مقتضى القياس، لكنَّ الحديث بعد أن ثبت يُقدَّم على القياس، وقال بعض المالكيَّة: حديث المحرم هذا خاصٌّ به، ويدلُّ عليه قوله: (فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا) فأعاد الضَّمير عليه، ولم يقل: فإنَّ المحرم، وحينئذٍ فلا يتعدَّى حكمه إلى غيره إلَّا بدليلٍ، وجوابه (٣) ما قاله ابن دقيق العيد: إنَّ العلَّة إنَّما ثبتت (٤) لأجل الإحرام، فتعمُّ كلَّ محرمٍ. انتهى. ومطابقته للتَّرجمة بطريق المفهوم من (٥) منع الحنوط للمحرم.

(٢١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (كَيْفَ يُكَفَّنُ المُحْرِمُ) إذا مات؟ وسقط الباب وتاليه لابن عساكر.

١٢٦٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، جعفر بن أبي وحشيَّة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ) أي: كسر عنقه فمات، لكنَّ

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.5 / 29.5
الإضاءة 76%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا إله إلا الله