الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٤٠
الحديث رقم ١٣٤٠ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الدفن بالليل.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٣٤٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَحَبَّ الدَّفْنَ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ أَوْ نَحْوِهَا) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَوْ نَحْوِهَا بَقِيَّةُ مَا تُشَدُّ إِلَيْهِ الرِّحَالُ مِنَ الْحَرَمَيْنِ، وَكَذَلِكَ مَا يُمْكِنُ مِنْ مَدَافِنِ الْأَنْبِيَاءِ وَقُبُورِ الشُّهَدَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ تَيَمُّنًا بِالْجِوَارِ، وَتَعَرُّضًا لِلرَّحْمَةِ النَّازِلَةِ عَلَيْهِمُ اقْتِدَاءً بِمُوسَى ﵇. انْتَهَى. وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ الْقُرْبُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ دُفِنُوا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ عِيَاضٌ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: إِنَّمَا طَلَبَ ذَلِكَ لِيَقْرُبَ عَلَيْهِ الْمَشْيُ إِلَى الْمَحْشَرِ، وَتَسْقُطُ عَنْهُ الْمَشَقَّةُ الْحَاصِلَةُ لِمَنْ بَعُدَ عَنْهُ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى. . . . الْحَدِيثُ بِطُولِهِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الرَّفْعَ، وَقَدْ سَاقَهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ثُمَّ قَالَ: وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ، وَقَدْ سَاقَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ بِالسَّنَدَيْنِ كَذَلِكَ. وَقَوْلُهُ فِيهِ: رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ؛ أَيْ قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ، أَيْ أَدْنِنِي مِنْ مَكَانٍ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ هَذَا الْقَدْرَ، أَوْ أَدْنِنِي إِلَيْهَا حَتَّى يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا هَذَا الْقَدْرُ، وَهَذَا الثَّانِي أَظْهَرُ، وَعَلَيْهِ شَرَحَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ. وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ وَإِنْ رَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَطَلَبَ الدُّنُوَّ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَدْرُ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَوَّلِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ كَانَ قَدْرَ رَمْيَةٍ، فَلِذَلِكَ طَلَبَهَا، لَكِنْ حَكَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي أَنَّهُ لَمْ يَطْلُبْ دُخُولَهَا لِيُعْمِيَ مَوْضِعَ قَبْرِهِ لِئَلَّا تَعْبُدُهُ الْجُهَّالُ مِنْ مِلَّتِهِ. انْتَهَى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سِرُّ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا مَنَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ دُخُولِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَتَرَكَهُمْ فِي التِّيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً إِلَى أَنْ أَفْنَاهُمُ الْمَوْتُ فَلَمْ يَدْخُلِ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ مَعَ يُوشَعَ إِلَّا أَوْلَادُهُمْ، وَلَمْ يَدْخُلْهَا مَعَهُ أَحَدٌ مِمَّنِ امْتَنَعَ أَوَّلًا أَنْ يَدْخُلَهَا كَمَا سَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَاتَ هَارُونُ ثُمَّ مُوسَى ﵉ قَبْلَ فَتْحِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا أَيْضًا، فَكَأَنَّ مُوسَى لَمَّا لَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ دُخُولُهَا لِغَلَبَةِ الْجَبَّارِينَ عَلَيْهَا، وَلَا يُمْكِنُ نَبْشُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِيُنْقَلَ إِلَيْهَا، طَلَبَ الْقُرْبَ مِنْهَا، لِأَنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمُهُ. وَقِيلَ: إِنَّمَا طَلَبَ مُوسَى الدُّنُوَّ لِأَنَّ النَّبِيَّ يُدْفَنُ حَيْثُ يَمُوتُ، وَلَا يُنْقَلُ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مُوسَى قَدْ نَقَلَ يُوسُفَ ﵉ مَعَهُ لَمَّا خَرَجَ مِنْ مِصْرَ كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ فِي تَرْجَمَتِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ نَقْلِ الْمَيِّتِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، فَقِيلَ: يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ دَفْنِهِ وَتَعْرِيضِهِ لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، وَالْأَوْلَى تَنْزِيلُ ذَلِكَ عَلَى حَالَتَيْنِ: فَالْمَنْعُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَرَضٌ رَاجِحٌ كَالدَّفْنِ فِي الْبِقَاعِ الْفَاضِلَةِ، وَتَخْتَلِفُ الْكَرَاهَةُ فِي ذَلِكَ، فَقَدْ تَبْلُغُ التَّحْرِيمَ، وَالِاسْتِحْبَابُ حَيْثُ يَكُونُ ذَلِكَ بِقُرْبِ مَكَانٍ فَاضِلٍ، كَمَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ نَقْلِ الْمَيِّتِ إِلَى الْأَرْضِ الْفَاضِلَةِ كَمَكَّةَ وَغَيْرِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٦٩ - بَاب الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ وَدُفِنَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لَيْلًا
١٣٤٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ بَعْدَ مَا دُفِنَ بِلَيْلَةٍ، قَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ سَأَلَ عَنْهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: فُلَانٌ دُفِنَ الْبَارِحَةَ فَصَلَّوْا عَلَيْهِ.
[الحديث ١٣٤٠ - طرفه في: ٣٤٠٧]
قَوْلُهُ: (بَابُ الدَّفْنُ بِاللَّيْلِ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مُحْتَجًّا بِحَدِيثِ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَجَرَ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ لَيْلًا إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى ذَلِكَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، لَكِنْ بَيَّنَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ وَلَفْظُهُ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٦٩) (باب) جواز (الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ) وبه قال الشَّافعيُّ ومالكٌ وأحمدُ والجمهور، وكَرِهَه قتادة والحسن البصريُّ وسعيد بن المسيَّب وأحمد في روايةٍ عنه. (وَدُفِنَ) بضمِّ الدَّال مبنيًّا للمفعول (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (﵁ لَيْلًا) كما وصله المؤلِّف في أواخر (١) «الجنائز» (٢) في «باب موت يوم الاثنين» [خ¦١٣٨٧].
١٣٤٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) سليمان (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ بَعْدَمَا دُفِنَ) بضمِّ الدَّال مبنيًّا للمفعول (بِلَيْلَةٍ، قَامَ) وفي نسخةٍ: «فقام» (هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ سَأَلَ عَنْهُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «قالوا»: (فُلَانٌ دُفِنَ البَارِحَةَ) قال: «أفلا آذنتموني»، قالوا: دفنَّاه في ظلمة اللَّيل، فكرهنا أن نوقظك (فَصَلَّوْا عَلَيْهِ) بصيغة الجمع من الماضي، أي: صلَّى النَّبيُّ ﷺ وأصحابه عليه، فهو كالتَّفصيل لقوله أوَّلًا: «صلَّى» فلا يكون تكرارًا (٣)، وهذا يدلُّ على عدم كراهة الدَّفن ليلًا؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ اطَّلع عليه ولم يُنكره، بل أنكر عليهم عدم إعلامهم بأمره، وصحَّ: أنَّ عليًّا دفن فاطمةَ ليلًا، ورأى ناسٌ نارًا في المقبرة (٤) فأتوها، فإذا رسول الله ﷺ في القبر، وإذا هو يقول: «ناولوني صاحبكم»، وإذا هو الرَّجل الَّذي كان يرفع صوته بالذِّكر، رواه أبو داود (٥) بإسنادٍ على شرط
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
بقوله: (إِلَى جَانب الطَّرِيق عِنْد الْكَثِيب الْأَحْمَر) ، وَلَو أَرَادَ بَيَانه لبين صَرِيحًا. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَو علمت الْيَهُود قبر مُوسَى وَهَارُون لاتخذوهما ال هَين من دون الله تَعَالَى، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: لم يطلع على قبر مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَّا الرخمة، وَهِي الَّتِي أطلعت على قبر هَارُون لما دفن فِي التيه، فَنزع الله تَعَالَى عقلهَا لِئَلَّا تدل عَلَيْهِ، وَمعنى عقلهَا: إلهامها.
الثَّانِي: أَنه بِبَاب لد بِالْبَيْتِ الْمُقَدّس، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: هُوَ الصَّحِيح. قلت: كَيفَ يكون هُوَ الصَّحِيح، وَقد قَالَ ابْن عَبَّاس ووهب وَعَامة الْعلمَاء: إِنَّه بِأَرْض التيه.
الثَّالِث: أَن قَبره مَا بَين عالية وعويلة، ذكره الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم فِي (تَارِيخ دمشق) فَقَالَ، وَرُوِيَ: أَن قبر مُوسَى بَين عالية وعويلة وهما محلتان عِنْد مَسْجِد الْقدَم، وَيُقَال: إِن قَبره رئي فِي الْمَنَام فِيهَا. قَالَ: وَالأَصَح أَنه بتيه بني إِسْرَائِيل.
الرَّابِع: أَن قَبره بواد فِي أَرض مآب بَين بصرى والبلقاء.
الْخَامِس: أَن قَبره بِدِمَشْق، ذكره الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم عَن كَعْب الْأَحْبَار، وَذكر ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) أَن قبر مُوسَى بمدين بَين الْمَدِينَة وَبَين الْمُقَدّس وَاعْترض عَلَيْهِ الضياء مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد فِي كِتَابه (علل الْأَحَادِيث) بِأَن مَدين لَيست قريبَة من الْقُدس وَلَا من الأَرْض المقدسة، وَقد اشْتهر أَن قَبره بأريحا وَهِي من الأَرْض المقدسة مرار، وَيُقَال: إِنَّه قبر مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعِنْده كثيب أَحْمَر، كَمَا فِي الحَدِيث، وَطَرِيق، وَالدُّعَاء عِنْده مستجاب.
قَوْله: (إِلَى جَانب الطّور) ذكر ياقوت فِي (كتاب الْمُشْتَرك) أَن الطّور سَبْعَة مَوَاضِع: مِنْهَا: جبل بَيت الْمُقَدّس يُقَال لَهُ طور زيتا، وَفِي الْأَثر: مَاتَ بطور زيتا سَبْعُونَ ألف نَبِي قَتلهمْ الْجُوع وَهُوَ شَرْقي وَادي سلوان، وَمِنْهَا: طور هَارُون، علم لجبل عَال مشرف من قبلي بَيت الْمُقَدّس فِيهِ فِيمَا قيل قبر هَارُون أخي مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالظَّاهِر أَن الطّور الْمَذْكُور هُوَ أحد الطورين الْمَذْكُورين، وَلَكِن الْأَقْرَب أَنه: طور زيتا، وَالله أعلم. قَوْله: (عِنْد الْكَثِيب الْأَحْمَر) ، هُوَ الرمل الْمُجْتَمع.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: دلَالَة ظَاهِرَة على أَن لمُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، منزلَة كَبِيرَة حَيْثُ فَقَأَ عين ملك الْمَوْت وَلم يعاتبه عَلَيْهِ. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الدّفن فِي الْمَوَاضِع الفاضلة والقرب من مدافن الصَّالِحين. وَفِيه: أَن للْملك قدرَة على التَّصَوُّر بِصُورَة غير صورته. وَفِيه: فِي قَوْله: (يضع يَده على متن ثَوْر) دلَالَة على أَن الدُّنْيَا بَقِي مِنْهَا كثير، وَإِن كَانَ قد ذهب أَكْثَرهَا. وَفِيه: دلَالَة على الزِّيَادَة فِي الْعُمر مثل الحَدِيث الآخر: (من سره أَن يبسط رزقه وينسأ فِي أَثَره فَليصل رَحمَه) ، وَهُوَ يُؤَيّد قَول من قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَا يعمر من معمر ... } (فاطر: ١١) . الْآيَة، أَنه زِيَادَة وَنقص فِي الْحَقِيقَة.
٩٦ - (بابُ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة دفن الْمَيِّت فِي اللَّيْل، وَإِنَّمَا لم يُفَسر الْجَوَاز بل أطلق التَّرْجَمَة لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ، فَذهب الْحسن الْبَصْرِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَقَتَادَة وَأحمد فِي رِوَايَة إِلَى كَرَاهَة دفن الْمَيِّت بِاللَّيْلِ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه أَحْمد والطَّحَاوِي، قَالَ: (إِن رجلا من بني عذرة دفن لَيْلًا وَلم يصل عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَنهى عَن الدّفن بِاللَّيْلِ، وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ: (لَا تدفنوا أمواتكم بِاللَّيْلِ) . وَقَالَ ابْن حزم: لَا يجوز أَن يدْفن أحد لَيْلًا إلَاّ عَن ضَرُورَة، وكل من دفن لَيْلًا مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمن أَزوَاجه وَأَصْحَابه، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَإِنَّمَا ذَلِك لضَرُورَة أوجبت ذَلِك من خوف زحام أَو خوف الْحر على من حضر وحر الْمَدِينَة شَدِيد، أَو خوف تغير أَو غير ذَلِك مِمَّا يُبِيح الدّفن لَيْلًا، لَا يحل لأحد أَن يظنّ بهم خلاف ذَلِك، وَذهب النَّخعِيّ وَالزهْرِيّ وَالثَّوْري وَعَطَاء وَابْن أبي حَازِم ومطرف ابْن عبد الله وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي الْأَصَح وَإِسْحَاق إِلَى أَن دفن الْمَيِّت بِاللَّيْلِ يجوز، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث الْبَاب، وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَمْرو بن دِينَار، قَالَ أَخْبرنِي: جَابر بن عبد الله أَو سَمِعت جَابر بن عبد الله، قَالَ: (رأى نَاس نَارا فِي الْمقْبرَة فأتوها فَإِذا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْقَبْر، وَإِذا هُوَ يَقُول: ناولوني صَاحبكُم، فَإِذا هُوَ الرجل الَّذِي كَانَ يرفع صَوته بِالذكر) . وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: النَّهْي فِي حَدِيث جَابر الْمَذْكُور لَيْسَ لأجل كَرَاهَة الدّفن بِاللَّيْلِ، وَلَكِن لإِرَادَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يُصَلِّي على جَمِيع الْمُسلمين، لما يكون لَهُم فِي ذَلِك من الْفضل وَالْخَيْر ببركة صلَاته عَلَيْهِم، لِأَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيث يزِيد بن
ثَابت: فَإِن صَلَاتي عَلَيْهِم رَحْمَة، وَلِأَن صلَاته عَلَيْهِم نور فِي قُبُورهم. وَذكر فِيهِ وَجها آخر، وَهُوَ مَا ذكره عَن الْحسن: أَن قوما كَانُوا يسيئون أكفان موتاهم فيدفنونهم لَيْلًا، فَنهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لذَلِك، وَقَالَ أَيْضا: وَقد فعل ذَلِك برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَدفن بِاللَّيْلِ، وَرُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَت: دفن عَليّ بن أبي طَالب فَاطِمَة لَيْلًا، وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت: دفن أَبُو بكر لَيْلًا.
وَدُفِنَ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لَيْلاً
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي أَوَاخِر الْجَنَائِز فِي: بَاب موت يَوْم الْإِثْنَيْنِ، من حَدِيث عَائِشَة، وَفِيه: (دفن أَبُو بكر قبل أَن يصبح) ، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن الْوَلِيد عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد، قَالَ: (دفن أَبُو بكر لَيْلًا، قَالَ: وَحدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن ابْن جريج عَن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد عَن ابْن السباق أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، دفن أَبَا بكر لَيْلًا، ثمَّ دخل الْمَسْجِد فأوتر.
٠٤٣١ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدثنَا جَرِيرٌ عنِ الشَّيْبَانِيِّ عنِ الشَّعْبِيِّ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ صَلَّى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى رَجُلٍ بَعْدَما دُفِنَ بِلَيْلَةٍ قامَ هُوَ وَأصْحَابُهُ وكانَ سَألَ عَنْهُ فقالَ مَنْ هاذا فَقَالُوا فُلانٌ دُفِنَ البَارِحَةَ فَصَلُّوا عَلَيهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهُم لما قَالُوا: دفن البارحة، لم يُنكر عَلَيْهِم، فَدلَّ ذَلِك على عدم كَرَاهَة دفن الْمَيِّت بِاللَّيْلِ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب الصُّفُوف على الْجِنَازَة، وَفِي: بَاب سنة الصَّلَاة على الْجِنَازَة، وَفِي: بَاب الصَّلَاة على الْقَبْر بَعْدَمَا يدْفن، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. والشيباني: هُوَ سُلَيْمَان، وَالشعْبِيّ: هُوَ عَامر بن شرَاحِيل.
قَوْله: (قَامَ) ، ويروى: (فَقَامَ) ، قَوْله: (فصلوا) ، على صِيغَة الْجمع من الْمَاضِي: أَي صلى الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه عَلَيْهِ، وَلَا يُقَال: هَذَا تكْرَار لقَوْله صلى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَن ذَلِك مُجمل وَهَذَا تَفْصِيل لأحواله، فَافْهَم وتيقظ.
٠٧ - (بابُ بِنَاءِ المَسْجِدِ عَلَى القَبْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان منع بِنَاء الْمَسْجِد على الْقَبْر، وَإِنَّمَا قَدرنَا هَكَذَا لِأَن حَدِيث الْبَاب يدل على هَذَا.
١٤٣١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ لَمَّا اشْتَكَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأيْنَهَا بِأرْضِ الحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ وكانتْ أُمُّ سَلَمَةَ وأُمُّ حَبِيبَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أتَتَا أرْضَ الحَبَشَةِ فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وتَصَاوِيرَ فِيهَا فَرفع رَأسه فَقَالَ أُولَئِكَ إِذا مان مِنْهُم الرجل الصَّالح بنوا على قَبره مَسْجِدا ثمَّ صوروا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بنوا على قَبره مَسْجِدا. .) إِلَى آخِره، وَقد مضى الحَدِيث فِي: بَاب هَل تنبش قُبُور مُشْركي الْجَاهِلِيَّة؟ أخرجه عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب الصَّلَاة فِي الْبيعَة، رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد قَالَ: أخبرنَا عَبدة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (اشْتَكَى) أَي: مرض، ومارية، بِكَسْر الرَّاء: علم للكنيسة. قَوْله: (تِلْكَ) .
١٧ - (بابُ مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ المَرْأةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من يدْخل قبر الْمَرْأَة لأجل إلحادها.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَحَبَّ الدَّفْنَ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ أَوْ نَحْوِهَا) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَوْ نَحْوِهَا بَقِيَّةُ مَا تُشَدُّ إِلَيْهِ الرِّحَالُ مِنَ الْحَرَمَيْنِ، وَكَذَلِكَ مَا يُمْكِنُ مِنْ مَدَافِنِ الْأَنْبِيَاءِ وَقُبُورِ الشُّهَدَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ تَيَمُّنًا بِالْجِوَارِ، وَتَعَرُّضًا لِلرَّحْمَةِ النَّازِلَةِ عَلَيْهِمُ اقْتِدَاءً بِمُوسَى ﵇. انْتَهَى. وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ الْقُرْبُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ دُفِنُوا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ عِيَاضٌ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: إِنَّمَا طَلَبَ ذَلِكَ لِيَقْرُبَ عَلَيْهِ الْمَشْيُ إِلَى الْمَحْشَرِ، وَتَسْقُطُ عَنْهُ الْمَشَقَّةُ الْحَاصِلَةُ لِمَنْ بَعُدَ عَنْهُ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى. . . . الْحَدِيثُ بِطُولِهِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الرَّفْعَ، وَقَدْ سَاقَهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ثُمَّ قَالَ: وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ، وَقَدْ سَاقَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ بِالسَّنَدَيْنِ كَذَلِكَ. وَقَوْلُهُ فِيهِ: رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ؛ أَيْ قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ، أَيْ أَدْنِنِي مِنْ مَكَانٍ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ هَذَا الْقَدْرَ، أَوْ أَدْنِنِي إِلَيْهَا حَتَّى يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا هَذَا الْقَدْرُ، وَهَذَا الثَّانِي أَظْهَرُ، وَعَلَيْهِ شَرَحَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ. وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ وَإِنْ رَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَطَلَبَ الدُّنُوَّ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَدْرُ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَوَّلِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ كَانَ قَدْرَ رَمْيَةٍ، فَلِذَلِكَ طَلَبَهَا، لَكِنْ حَكَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي أَنَّهُ لَمْ يَطْلُبْ دُخُولَهَا لِيُعْمِيَ مَوْضِعَ قَبْرِهِ لِئَلَّا تَعْبُدُهُ الْجُهَّالُ مِنْ مِلَّتِهِ. انْتَهَى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سِرُّ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا مَنَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ دُخُولِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَتَرَكَهُمْ فِي التِّيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً إِلَى أَنْ أَفْنَاهُمُ الْمَوْتُ فَلَمْ يَدْخُلِ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ مَعَ يُوشَعَ إِلَّا أَوْلَادُهُمْ، وَلَمْ يَدْخُلْهَا مَعَهُ أَحَدٌ مِمَّنِ امْتَنَعَ أَوَّلًا أَنْ يَدْخُلَهَا كَمَا سَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَاتَ هَارُونُ ثُمَّ مُوسَى ﵉ قَبْلَ فَتْحِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا أَيْضًا، فَكَأَنَّ مُوسَى لَمَّا لَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ دُخُولُهَا لِغَلَبَةِ الْجَبَّارِينَ عَلَيْهَا، وَلَا يُمْكِنُ نَبْشُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِيُنْقَلَ إِلَيْهَا، طَلَبَ الْقُرْبَ مِنْهَا، لِأَنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمُهُ. وَقِيلَ: إِنَّمَا طَلَبَ مُوسَى الدُّنُوَّ لِأَنَّ النَّبِيَّ يُدْفَنُ حَيْثُ يَمُوتُ، وَلَا يُنْقَلُ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مُوسَى قَدْ نَقَلَ يُوسُفَ ﵉ مَعَهُ لَمَّا خَرَجَ مِنْ مِصْرَ كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ فِي تَرْجَمَتِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ نَقْلِ الْمَيِّتِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، فَقِيلَ: يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ دَفْنِهِ وَتَعْرِيضِهِ لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، وَالْأَوْلَى تَنْزِيلُ ذَلِكَ عَلَى حَالَتَيْنِ: فَالْمَنْعُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَرَضٌ رَاجِحٌ كَالدَّفْنِ فِي الْبِقَاعِ الْفَاضِلَةِ، وَتَخْتَلِفُ الْكَرَاهَةُ فِي ذَلِكَ، فَقَدْ تَبْلُغُ التَّحْرِيمَ، وَالِاسْتِحْبَابُ حَيْثُ يَكُونُ ذَلِكَ بِقُرْبِ مَكَانٍ فَاضِلٍ، كَمَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ نَقْلِ الْمَيِّتِ إِلَى الْأَرْضِ الْفَاضِلَةِ كَمَكَّةَ وَغَيْرِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٦٩ - بَاب الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ وَدُفِنَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لَيْلًا
١٣٤٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ بَعْدَ مَا دُفِنَ بِلَيْلَةٍ، قَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ سَأَلَ عَنْهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: فُلَانٌ دُفِنَ الْبَارِحَةَ فَصَلَّوْا عَلَيْهِ.
[الحديث ١٣٤٠ - طرفه في: ٣٤٠٧]
قَوْلُهُ: (بَابُ الدَّفْنُ بِاللَّيْلِ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مُحْتَجًّا بِحَدِيثِ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَجَرَ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ لَيْلًا إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى ذَلِكَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، لَكِنْ بَيَّنَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ وَلَفْظُهُ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٦٩) (باب) جواز (الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ) وبه قال الشَّافعيُّ ومالكٌ وأحمدُ والجمهور، وكَرِهَه قتادة والحسن البصريُّ وسعيد بن المسيَّب وأحمد في روايةٍ عنه. (وَدُفِنَ) بضمِّ الدَّال مبنيًّا للمفعول (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (﵁ لَيْلًا) كما وصله المؤلِّف في أواخر (١) «الجنائز» (٢) في «باب موت يوم الاثنين» [خ¦١٣٨٧].
١٣٤٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) سليمان (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ بَعْدَمَا دُفِنَ) بضمِّ الدَّال مبنيًّا للمفعول (بِلَيْلَةٍ، قَامَ) وفي نسخةٍ: «فقام» (هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ سَأَلَ عَنْهُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «قالوا»: (فُلَانٌ دُفِنَ البَارِحَةَ) قال: «أفلا آذنتموني»، قالوا: دفنَّاه في ظلمة اللَّيل، فكرهنا أن نوقظك (فَصَلَّوْا عَلَيْهِ) بصيغة الجمع من الماضي، أي: صلَّى النَّبيُّ ﷺ وأصحابه عليه، فهو كالتَّفصيل لقوله أوَّلًا: «صلَّى» فلا يكون تكرارًا (٣)، وهذا يدلُّ على عدم كراهة الدَّفن ليلًا؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ اطَّلع عليه ولم يُنكره، بل أنكر عليهم عدم إعلامهم بأمره، وصحَّ: أنَّ عليًّا دفن فاطمةَ ليلًا، ورأى ناسٌ نارًا في المقبرة (٤) فأتوها، فإذا رسول الله ﷺ في القبر، وإذا هو يقول: «ناولوني صاحبكم»، وإذا هو الرَّجل الَّذي كان يرفع صوته بالذِّكر، رواه أبو داود (٥) بإسنادٍ على شرط
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
بقوله: (إِلَى جَانب الطَّرِيق عِنْد الْكَثِيب الْأَحْمَر) ، وَلَو أَرَادَ بَيَانه لبين صَرِيحًا. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَو علمت الْيَهُود قبر مُوسَى وَهَارُون لاتخذوهما ال هَين من دون الله تَعَالَى، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: لم يطلع على قبر مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَّا الرخمة، وَهِي الَّتِي أطلعت على قبر هَارُون لما دفن فِي التيه، فَنزع الله تَعَالَى عقلهَا لِئَلَّا تدل عَلَيْهِ، وَمعنى عقلهَا: إلهامها.
الثَّانِي: أَنه بِبَاب لد بِالْبَيْتِ الْمُقَدّس، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: هُوَ الصَّحِيح. قلت: كَيفَ يكون هُوَ الصَّحِيح، وَقد قَالَ ابْن عَبَّاس ووهب وَعَامة الْعلمَاء: إِنَّه بِأَرْض التيه.
الثَّالِث: أَن قَبره مَا بَين عالية وعويلة، ذكره الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم فِي (تَارِيخ دمشق) فَقَالَ، وَرُوِيَ: أَن قبر مُوسَى بَين عالية وعويلة وهما محلتان عِنْد مَسْجِد الْقدَم، وَيُقَال: إِن قَبره رئي فِي الْمَنَام فِيهَا. قَالَ: وَالأَصَح أَنه بتيه بني إِسْرَائِيل.
الرَّابِع: أَن قَبره بواد فِي أَرض مآب بَين بصرى والبلقاء.
الْخَامِس: أَن قَبره بِدِمَشْق، ذكره الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم عَن كَعْب الْأَحْبَار، وَذكر ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) أَن قبر مُوسَى بمدين بَين الْمَدِينَة وَبَين الْمُقَدّس وَاعْترض عَلَيْهِ الضياء مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد فِي كِتَابه (علل الْأَحَادِيث) بِأَن مَدين لَيست قريبَة من الْقُدس وَلَا من الأَرْض المقدسة، وَقد اشْتهر أَن قَبره بأريحا وَهِي من الأَرْض المقدسة مرار، وَيُقَال: إِنَّه قبر مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعِنْده كثيب أَحْمَر، كَمَا فِي الحَدِيث، وَطَرِيق، وَالدُّعَاء عِنْده مستجاب.
قَوْله: (إِلَى جَانب الطّور) ذكر ياقوت فِي (كتاب الْمُشْتَرك) أَن الطّور سَبْعَة مَوَاضِع: مِنْهَا: جبل بَيت الْمُقَدّس يُقَال لَهُ طور زيتا، وَفِي الْأَثر: مَاتَ بطور زيتا سَبْعُونَ ألف نَبِي قَتلهمْ الْجُوع وَهُوَ شَرْقي وَادي سلوان، وَمِنْهَا: طور هَارُون، علم لجبل عَال مشرف من قبلي بَيت الْمُقَدّس فِيهِ فِيمَا قيل قبر هَارُون أخي مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالظَّاهِر أَن الطّور الْمَذْكُور هُوَ أحد الطورين الْمَذْكُورين، وَلَكِن الْأَقْرَب أَنه: طور زيتا، وَالله أعلم. قَوْله: (عِنْد الْكَثِيب الْأَحْمَر) ، هُوَ الرمل الْمُجْتَمع.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: دلَالَة ظَاهِرَة على أَن لمُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، منزلَة كَبِيرَة حَيْثُ فَقَأَ عين ملك الْمَوْت وَلم يعاتبه عَلَيْهِ. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الدّفن فِي الْمَوَاضِع الفاضلة والقرب من مدافن الصَّالِحين. وَفِيه: أَن للْملك قدرَة على التَّصَوُّر بِصُورَة غير صورته. وَفِيه: فِي قَوْله: (يضع يَده على متن ثَوْر) دلَالَة على أَن الدُّنْيَا بَقِي مِنْهَا كثير، وَإِن كَانَ قد ذهب أَكْثَرهَا. وَفِيه: دلَالَة على الزِّيَادَة فِي الْعُمر مثل الحَدِيث الآخر: (من سره أَن يبسط رزقه وينسأ فِي أَثَره فَليصل رَحمَه) ، وَهُوَ يُؤَيّد قَول من قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَا يعمر من معمر ... } (فاطر: ١١) . الْآيَة، أَنه زِيَادَة وَنقص فِي الْحَقِيقَة.
٩٦ - (بابُ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة دفن الْمَيِّت فِي اللَّيْل، وَإِنَّمَا لم يُفَسر الْجَوَاز بل أطلق التَّرْجَمَة لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ، فَذهب الْحسن الْبَصْرِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَقَتَادَة وَأحمد فِي رِوَايَة إِلَى كَرَاهَة دفن الْمَيِّت بِاللَّيْلِ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه أَحْمد والطَّحَاوِي، قَالَ: (إِن رجلا من بني عذرة دفن لَيْلًا وَلم يصل عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَنهى عَن الدّفن بِاللَّيْلِ، وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ: (لَا تدفنوا أمواتكم بِاللَّيْلِ) . وَقَالَ ابْن حزم: لَا يجوز أَن يدْفن أحد لَيْلًا إلَاّ عَن ضَرُورَة، وكل من دفن لَيْلًا مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمن أَزوَاجه وَأَصْحَابه، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَإِنَّمَا ذَلِك لضَرُورَة أوجبت ذَلِك من خوف زحام أَو خوف الْحر على من حضر وحر الْمَدِينَة شَدِيد، أَو خوف تغير أَو غير ذَلِك مِمَّا يُبِيح الدّفن لَيْلًا، لَا يحل لأحد أَن يظنّ بهم خلاف ذَلِك، وَذهب النَّخعِيّ وَالزهْرِيّ وَالثَّوْري وَعَطَاء وَابْن أبي حَازِم ومطرف ابْن عبد الله وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي الْأَصَح وَإِسْحَاق إِلَى أَن دفن الْمَيِّت بِاللَّيْلِ يجوز، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث الْبَاب، وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَمْرو بن دِينَار، قَالَ أَخْبرنِي: جَابر بن عبد الله أَو سَمِعت جَابر بن عبد الله، قَالَ: (رأى نَاس نَارا فِي الْمقْبرَة فأتوها فَإِذا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْقَبْر، وَإِذا هُوَ يَقُول: ناولوني صَاحبكُم، فَإِذا هُوَ الرجل الَّذِي كَانَ يرفع صَوته بِالذكر) . وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: النَّهْي فِي حَدِيث جَابر الْمَذْكُور لَيْسَ لأجل كَرَاهَة الدّفن بِاللَّيْلِ، وَلَكِن لإِرَادَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يُصَلِّي على جَمِيع الْمُسلمين، لما يكون لَهُم فِي ذَلِك من الْفضل وَالْخَيْر ببركة صلَاته عَلَيْهِم، لِأَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيث يزِيد بن
ثَابت: فَإِن صَلَاتي عَلَيْهِم رَحْمَة، وَلِأَن صلَاته عَلَيْهِم نور فِي قُبُورهم. وَذكر فِيهِ وَجها آخر، وَهُوَ مَا ذكره عَن الْحسن: أَن قوما كَانُوا يسيئون أكفان موتاهم فيدفنونهم لَيْلًا، فَنهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لذَلِك، وَقَالَ أَيْضا: وَقد فعل ذَلِك برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَدفن بِاللَّيْلِ، وَرُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَت: دفن عَليّ بن أبي طَالب فَاطِمَة لَيْلًا، وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت: دفن أَبُو بكر لَيْلًا.
وَدُفِنَ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لَيْلاً
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي أَوَاخِر الْجَنَائِز فِي: بَاب موت يَوْم الْإِثْنَيْنِ، من حَدِيث عَائِشَة، وَفِيه: (دفن أَبُو بكر قبل أَن يصبح) ، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن الْوَلِيد عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد، قَالَ: (دفن أَبُو بكر لَيْلًا، قَالَ: وَحدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن ابْن جريج عَن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد عَن ابْن السباق أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، دفن أَبَا بكر لَيْلًا، ثمَّ دخل الْمَسْجِد فأوتر.
٠٤٣١ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدثنَا جَرِيرٌ عنِ الشَّيْبَانِيِّ عنِ الشَّعْبِيِّ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ صَلَّى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى رَجُلٍ بَعْدَما دُفِنَ بِلَيْلَةٍ قامَ هُوَ وَأصْحَابُهُ وكانَ سَألَ عَنْهُ فقالَ مَنْ هاذا فَقَالُوا فُلانٌ دُفِنَ البَارِحَةَ فَصَلُّوا عَلَيهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهُم لما قَالُوا: دفن البارحة، لم يُنكر عَلَيْهِم، فَدلَّ ذَلِك على عدم كَرَاهَة دفن الْمَيِّت بِاللَّيْلِ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب الصُّفُوف على الْجِنَازَة، وَفِي: بَاب سنة الصَّلَاة على الْجِنَازَة، وَفِي: بَاب الصَّلَاة على الْقَبْر بَعْدَمَا يدْفن، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. والشيباني: هُوَ سُلَيْمَان، وَالشعْبِيّ: هُوَ عَامر بن شرَاحِيل.
قَوْله: (قَامَ) ، ويروى: (فَقَامَ) ، قَوْله: (فصلوا) ، على صِيغَة الْجمع من الْمَاضِي: أَي صلى الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه عَلَيْهِ، وَلَا يُقَال: هَذَا تكْرَار لقَوْله صلى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَن ذَلِك مُجمل وَهَذَا تَفْصِيل لأحواله، فَافْهَم وتيقظ.
٠٧ - (بابُ بِنَاءِ المَسْجِدِ عَلَى القَبْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان منع بِنَاء الْمَسْجِد على الْقَبْر، وَإِنَّمَا قَدرنَا هَكَذَا لِأَن حَدِيث الْبَاب يدل على هَذَا.
١٤٣١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ لَمَّا اشْتَكَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأيْنَهَا بِأرْضِ الحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ وكانتْ أُمُّ سَلَمَةَ وأُمُّ حَبِيبَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أتَتَا أرْضَ الحَبَشَةِ فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وتَصَاوِيرَ فِيهَا فَرفع رَأسه فَقَالَ أُولَئِكَ إِذا مان مِنْهُم الرجل الصَّالح بنوا على قَبره مَسْجِدا ثمَّ صوروا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بنوا على قَبره مَسْجِدا. .) إِلَى آخِره، وَقد مضى الحَدِيث فِي: بَاب هَل تنبش قُبُور مُشْركي الْجَاهِلِيَّة؟ أخرجه عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب الصَّلَاة فِي الْبيعَة، رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد قَالَ: أخبرنَا عَبدة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (اشْتَكَى) أَي: مرض، ومارية، بِكَسْر الرَّاء: علم للكنيسة. قَوْله: (تِلْكَ) .
١٧ - (بابُ مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ المَرْأةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من يدْخل قبر الْمَرْأَة لأجل إلحادها.