الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٩٨
الحديث رقم ١٤٩٨ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يستخرج من البحر.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ لَيْسَ الْعَنْبَرُ بِرِكَازٍ هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ وَقَالَ الْحَسَنُ فِي الْعَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ الْخُمُسُ فَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسَ لَيْسَ فِي الَّذِي يُصَابُ فِي الْمَاءِ.
١٤٩٨ - وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁
ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلاً من بني اسرائيل طلب من رجل آخر من بني إسرائيل أن يُسلفه ألف دينار، فقال له الرجل: ائتني بشهيد يشهد أنك أخذت مني ألف دينار. فقال له الرجل الذي يريد السلف: «كفى بالله شهيدًا» أي: يكفيك ويكفيني أن يكون الله شهيدًا علينا. فقال الرجل له: فائتني بضامن يضمنك. فقال: «كفى بالله كفيلاً» أي: يكفيك أن يكون الله هو الضامن. فقال له: صدقت. فأعطاه الألف دينار إلى وقت محدد. فخرج الذي استلف فركب البحر بالمال يتجر فيه، فلما جاء الموعد المحدَّد لسداد الدَّين بحث عن مركب يركبها حتى يقدم على الذي أسلفه، فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فحفرها وأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه وكتب إليه: من فلان إلى فلان، إني دفعت مالك إلى وكيل توكل بي. ثم سوَّى موضع الحفر وأصلحه، ثم أتى بالخشبة إلى البحر فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت من فلان ألف دينار فسألني كفيلاً فقلت: كفى بالله كفيلاً، فرضي بك، وسألني شهيدًا فقلت: كفى بالله شهيدًا، فرضي بك، وإني اجتهدت أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له في ذمتي فلم أقدر على تحصيلها، وإني أتركها عندك وديعة وأمانة. ثم رمى بها في البحر حتى دخلت فيه، ثم انصرف ولكنه ظل أيضًا يبحث عن مركب ليذهب إلى بلد الذي أسلفه بألف دينار أخرى؛ ظنا منه أن فعله الأول غير كاف، أما الرجل صاحب المال فخرج في الموعد ينظر لعل مركبًا قد جاء بماله الذي أسلفه للرجل، كأن يكون أرسله مع شخص أو جاء به بنفسه، فلم يجد مركبًا، فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله يجعلها حطبًا للإيقاد، وهو لا يعلم أن المال فيها، فلما قطعها بالمنشار، وجد المال الذي له والصحيفة التي كتبها الرجل إليه بذلك، ثم جاء الرجل الذي استلف فأتى بالألف دينار الأخرى، فقال للذي أسلفه: والله لقد اجتهدت في البحث عن مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه. قال الذي أسلفه: هل كنت بعثت إليّ بشيء؟ فقال: أُخبرك أني لم أجد مركبًا قبل الذي جئتُ فيه. قال الرجل الذي أسلفه: إن الله قد أدَّى عنك الألف دينار التي بعثت بها في الخشبة. فانصرف بالألف الدينار الأخرى التي أتيت بها راشدًا.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الرَّجُلِ الْجَلِيلِ الْقَدْرِ، وَاسْمُ أَبِي أَوْفَى عَلْقَمَةُ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيُّ شَهِدَ هُوَ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بَيْعَةَ الرَّضْوَانِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَعُمِّرَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى أَنْ كَانَ آخِرَ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْكُوفَةِ، وَذَلِكَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: يَدْعُو آخِذُ الصَّدَقَةِ لِلمتَّصَدُّقِ بِهَذَا الدُّعَاءِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَأَجَابَ الْخَطَّابِيُّ عَنْهُ قَدِيمًا بِأَنَّ أَصْلَ الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ إِلَّا أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْمَدْعُوِّ لَهُ، فَصَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ دُعَاءٌ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ، وَصَلَاةُ أُمَّتِهِ عَلَيْهِ دُعَاءٌ لَهُ بِزِيَادَةِ الْقُرْبَى وَالزُّلْفَى، وَلِذَلِكَ كَانَ لَا يَلِيقُ بِغَيْرِهِ. انْتَهَى.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ دُعَاءِ آخِذِ الزَّكَاةِ لِمُعْطِيهَا، وَأَوْجَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَحَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَعَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَلِأَنَّ سَائِرَ مَا يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ مِنَ الْكَفَّارَاتِ وَالدُّيُونِ وَغَيْرِهِمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا الدُّعَاءُ، فَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ خَاصًّا بِهِ، لِكَوْنِ صَلَاتِهِ سَكَنًا لَهُمْ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
٦٥ - بَاب مَا يُسْتَخْرَجُ مِنْ الْبَحْرِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَيْسَ الْعَنْبَرُ بِرِكَازٍ هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ
وَقَالَ الْحَسَنُ: فِي الْعَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ الْخُمُسُ فَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسَ لَيْسَ فِي الَّذِي يُصَابُ فِي الْمَاءِ
١٤٩٨ وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ.
الحديث ١٤٩٨ - أطرافه في: ٢٠٦٣، ٢٢٩١، ٢٤٠٤، ٢٤٣٠، ٢٧٣٤، ٦٢٦١]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ) أَيْ هَلْ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَوْ لَا؟ وَإِطْلَاقُ الِاسْتِخْرَاجِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِسُهُولَةٍ كَمَا يُوجَدُ فِي السَّاحِلِ، أَوْ بِصُعُوبَةٍ كَمَا يُوجَدُ بَعْدَ الْغَوْصِ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَيْسَ الْعَنْبَرُ بِرِكَازٍ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ) اخْتُلِفَ فِي الْعَنْبَرِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ السَّلَمِ مِنَ الْأُمِّ: أَخْبَرَنِي عَدَدٌ مِمَّنْ أَثِقُ بِخَبَرِهِ أَنَّهُ نَبَاتٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ فِي جَنَبَاتِ الْبَحْرِ، قَالَ: وَقِيلَ: إِنَّهُ يَأْكُلُهُ حُوتٌ فَيَمُوتُ فَيُلْقِيهِ الْبَحْرُ فَيُؤْخَذُ فَيُشَقُّ بَطْنُهُ فَيُخْرَجُ مِنْهُ. وَحَكَى ابْنُ رُسْتُمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ يَنْبُتُ فِي الْبَحْرِ بِمَنْزِلَةِ الْحَشِيشِ فِي الْبَرِّ، وَقِيلَ: هُوَ شَجَرٌ يَنْبُتُ فِي الْبَحْرِ فَيَتَكَسَّرُ فَيُلْقِيهِ الْمَوْجُ إِلَى السَّاحِلِ، وَقِيلَ: يَخْرُجُ مِنْ عَيْنٍ، قَالَهُ ابْنُ سِينَا، قَالَ: وَمَا يُحْكَى مِنْ أَنَّهُ رَوْثُ دَابَّةٍ أَوْ قَيْؤُهَا أَوْ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ بَعِيدٌ. وَقَالَ ابْنُ الْبَيْطَارِ فِي جَامِعِهِ: هُوَ رَوْثُ دَابَّةٍ بَحْرِيَّةٍ، وَقِيلَ: هُوَ شَيْءٌ يَنْبُتُ فِي قَعْرِ الْبَحْرِ، ثُمَّ حُكِيَ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ عَنِ الشَّافِعِيِّ. وَأَمَّا الرِّكَازُ فَبِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْكَافِ وَآخِرُهُ زَايٌ سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَدَسَرَهُ: أَيْ دَفَعَهُ وَرَمَى بِهِ إِلَى السَّاحِلِ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أُذَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَمِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. وَصَرَّحَ فِيهِ بِسَمَاعِ أُذَيْنَةَ لَهُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ
عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ مِثْلَهُ، وَأُذَيْنَةُ بِمُعْجَمَةٍ وَنُونٍ مُصَغَّرٌ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ.
وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ التَّوَقُّفُ فِيهِ، فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْعَنْبَرِ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ فَفِيهِ الْخُمُسُ. وَيُجْمَعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّهُ كَانَ يَشُكُّ فِيهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنْ لَا زَكَاةَ فِيهِ فَجَزَمَ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: فِي الْعَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ الْخُمُسُ) وَصَلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: فِي الْعَنْبَرِ الْخُمُسُ، وَكَذَلِكَ اللُّؤْلُؤُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ. . . إِلَخْ) سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي الَّذِي بَعْدَهُ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى مَا قَالَ الْحَسَنُ، لِأَنَّ الَّذِي يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ لَا يُسَمَّى فِي لُغَةِ الْعَرَبِ رِكَازًا عَلَى مَا سَيَأْتِي شَرْحُهُ، قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: وَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ أَنَّ غَيْرَ الرِّكَازِ لَا خُمُسَ فِيهِ، وَلَا سِيَّمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْعَنْبَرُ، لِأَنَّهُمَا يَتَوَلَّدَانِ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ فَأَشْبَهَا السَّمَكَ. انْتَهَى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ إِلَخْ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ أَوْرَدَهُ ثُمَّ وَصَلَهُ فِي الْبُيُوعِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَتِنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ مُعَلَّقًا، وَوَصَلَهُ أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ وَصِيفٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَسَّانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بِهِ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الْحَافِظِ أَبِي عَلِيٍّ الصَّدَفِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنِ اللَّيْثِ، فَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ إِنَّمَا لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْهُ لِكَوْنِهِ مَا سَمِعَهُ عِنْهُ، أَوْ لِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ فَلَمْ يُوَافِقْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ. انْتَهَى. وَالْأَوَّلُ بَعِيدٌ، سَلَّمْنَا، لَكِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ عَاصِمٌ فَقَدِ اعْتَرَفَ أَبُو عَلِيٍّ بِذَلِكَ فَقَالَ فِي آخِرٍ كَلَامِهِ: رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ. قُلْتُ: وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَصَلَهُ فِيهِ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ شَيْءٌ يُنَاسِبُ التَّرْجَمَةَ، رَجُلٌ اقْتَرَضَ قَرْضًا فَارْتَجَعَ قَرْضَهُ، وَكَذَا قَالَ الدَّاوُدِيُّ: حَدِيثُ الْخَشَبَةِ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي شَيْءٍ، وَأَجَابَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ بِأَنَّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ جَازَ أَخْذُهُ وَلَا خُمُسَ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَوْضِعُ الِاسْتِشْهَادِ مِنْهُ أَخْذُ الرَّجُلِ الْخَشَبَةَ عَلَى أَنَّهَا حَطَبٌ، فَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ إِبَاحَةُ مَا يَلْفِظُهُ الْبَحْرُ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ مِمَّا نَشَأَ فِي الْبَحْرِ أَوْ عَطِبَ فَانْقَطَعَ مِلْكُ صَاحِبِهِ، وَكَذَلِكَ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَوْلَى، وَكَذَلِكَ مَا يَحْتَاجُ إِلَى مُعَانَاةٍ وَتَعَبٍ فِي اسْتِخْرَاجِهِ أَيْضًا، وَقَدْ فَرَّقَ الْأَوْزَاعِيُّ بَيْنَ مَا يُوجَدُ فِي السَّاحِلِ، فَيُخَمَّسُ أَوْ فِي الْبَحْرِ بِالْغَوْصِ أَوْ نَحْوِهِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَكَذَا الزُّهْرِيُّ وَالْحَسَنُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
٦٦ - بَاب فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ
وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ إِدْرِيسَ: الرِّكَازُ دِفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الْخُمُسُ وَلَيْسَ الْمَعْدِنُ بِرِكَازٍ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فِي الْمَعْدِنِ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ وَأَخَذَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ الْمَعَادِنِ مِنْ كُلِّ مِائَتَيْنِ خَمْسَةً، وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا كَانَ مِنْ رِكَازٍ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فَفِيهِ الْخُمُسُ، وَمَا كَانَ مِنْ أَرْضِ السِّلْمِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ وَجَدْتَ اللُّقَطَةَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَعَرِّفْهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْعَدُوِّ فَفِيهَا الْخُمُسُ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الْمَعْدِنُ رِكَازٌ مِثْلُ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: أَرْكَزَ الْمَعْدِنُ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ قِيلَ لَهُ قَدْ يُقَالُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ شَيْءٌ أَوْ رَبِحَ رِبْحًا كَثِيرًا أَوْ كَثُرَ ثَمَرُهُ أَرْكَزْتَ ثُمَّ نَاقَضَ وَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتُمَهُ فَلَا يُؤَدِّيَ الْخُمُسَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الحشيش في البرِّ، وقِيلَ: إنَّه شجرٌ ينبت في البحر، فينكسر فيلقيه الموج إلى السَّاحل، وقال الشَّافعيُّ في «كتاب السَّلم» من «الأمِّ»: أخبرني عددٌ ممَّن أثق بخبرهم، أنَّه نباتٌ يخلقه الله تعالى في جنبات البحر (هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ) بفتح المهملات، أي: دفعه ورمى به إلى السَّاحل.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (فِي العَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ) وهو قطر الرَّبيع يقع في الصَّدف (١) (الخُمُسُ) قال البخاريُّ رادًّا على قوله هذا: (فَإِنَّمَا) كذا في «اليونينيَّة»، وفي غيرها: «وإنَّما» (جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ) الحديث الذي سيأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى - موصولًا [خ¦١٤٩٩] (فِي الرِّكَازِ) الذي هو من دفين الجاهليَّة في الأرض (الخُمُسَ، لَيْسَ فِي الَّذِي يُصَابُ فِي المَاءِ) لأنَّ الذي يُستخرَج من البحر لا يُسمَّى في لغة العرب ركازًا.
١٤٩٨ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ، ممَّا وصله المؤلِّف في «البيوع» [خ¦٢٠٦٣]: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شرحبيل المصريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ) الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «عن رسول الله» (ﷺ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ) ولأبي ذرٍّ: «أن» (يُسْلِفَهُ) بضمِّ أوَّله، من أسلف (أَلْفَ دِينَارٍ) زاد في «باب الكفالة في القرض والدُّيون» [خ¦٢٢٩١]: «فقال: ائتني بالشُّهداء أُشْهِدُهم، قال: كفى بالله شهيدًا، قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلًا، قال: صدقت» (فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ) وزاد أيضًا فيه (٢): «إلى أجلٍ مُسمًّى» (فَخَرَجَ فِي البَحْرِ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا) بفتح الكاف، أي: سفينةً يركب عليها، ويجيء إلى صاحبه، أو يبعث فيها قضاء دينه (فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا) قوَّرها (فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ) زاد أيضًا في «الكفالة» [خ¦٢٢٩١]: «وصحيفةً منه إلى صاحبه» (فَرَمَى بِهَا) أي: بالخشبة
(فِي البَحْرِ) بقصد أنَّ الله تعالى يوصلها لربِّ المال (فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ) الألف دينارٍ (فَإِذَا بِالخَشَبَةِ) أي: فإذا هو مُفاجَأٌ بالخشبة (فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا) نُصِبَ على أنَّ «أخذ» من أفعال المقاربة، فتعمل عمل «كان»، أو بفعل مُقدَّرٍ، أي: يستعملها استعمال الحطب في الوقود (١) (فَذَكَرَ الحَدِيثَ) بتمامه، ويأتي -إن شاء الله تعالى- في «باب الكفالة في القرض» [خ¦٢٢٩١] (فَلَمَّا نَشَرَهَا) أي: قطع الخشبة بالمنشار (وَجَدَ المَالَ) الذي كان أسلفه.
وموضع التَّرجمة قوله: «فإذا بالخشبة فأخذها لأهله حطبًا» وأدنى الملابسة في التَّطابق كافٍ، وقال ابن المُنيِّر: موضع الاستشهاد إنَّما هو أخذُ الخشبة على أنَّها حطبٌ، فدلَّ على إباحة مثل ذلك ممَّا يلفظه البحر، إمَّا ممَّا (٢) ينشأ فيه؛ كالعنبر، أو ممَّا سبق فيه ملكٌ وعَطِبَ (٣)، وانقطع ملك صاحبه منه على اختلافٍ بين العلماء في تمليك هذا مطلقًا أو مُفصَّلًا، وإذا جاز تمليك (٤) الخشبة، وقد تقدَّم عليها ملك متملِّكٍ؛ فنحو العنبر الذي لم يتقدَّم عليه ملكٌ أَوْلى.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الكفالة» [خ¦٢٢٩١] و «الاستقراض» [خ¦٢٤٠٤] و «اللُّقطة» [خ¦٢٤٣٠] و «الشُّروط» [خ¦٢٧٣٤] و «الاستئذان» [خ¦٦٢٦١]، والنَّسائيُّ في «اللُّقطة» وتأتي بقيَّة مباحثه إن شاء الله تعالى في محالِّه، بعون الله وقوَّته.
(٦٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي الرِّكَازِ الخُمُسُ) بالرَّفع، مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، و «الرِّكَاز» بكسر الرَّاء وتخفيف الكاف، آخره زايٌ؛ هو (١) من دفين الجاهليَّة، كأنَّه رُكِز في الأرض ركزًا، أي: غُرِز، وإنَّما كان فيه الخمس؛ لكثرة نفعه وسهولة أخذه. (وَقَالَ مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة، ممَّا رواه أبو عُبيدٍ في «كتاب الأموال» (وَابْنُ إِدْرِيسَ) هو الشَّافعيُّ، الإمام الأعظم صاحب المذهب، كما جزم به أبو زيدٍ المروزيُّ أحد الرُّواة عن الفَِرَبْريِّ، وتابعه البيهقيُّ وجمهور الأئمَّة، وعبارة البيهقيِّ كما رأيته في كتابه «معرفة السُّنن والآثار»: قد حكى محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ مذهبَ مالكٍ والشَّافعيِّ في الرِّكاز والمعدن في «كتاب الزَّكاة» من «الجامع»، فقال (٢): وقال مالكٌ وابن إدريس؛ يعني: الشَّافعيُّ، وقِيلَ: المراد بابن إدريس: عبد الله بن إدريس، الأوديُّ الكوفيُّ: (الرِّكَازُ دِفْنُ الجَاهِلِيَّةِ) بكسر الدَّال وسكون الفاء، أي: الشَّيء المدفون، كذِبْحٍ بمعنى: مذبوحٍ، وبالفتح: المصدر، ولا يُراد هنا؛ كذا قاله ابن حجرٍ كالزَّركشيِّ (٣)، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه يصحُّ الفتح على أن يكون مصدرًا أُرِيد به المفعول؛ مثل: الدِّرهم ضَرْبُ الأمير، وهذا الثَّوب نسجُ اليمن (فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الخُمُْسُ) بضمَّتين، وقد تُسكَّن الميم، وهذا (٤) قول أبي حنيفة ومالكٍ وأحمد، وبه قال إمامنا الشَّافعيُّ في القديم، وشرط في الجديد النِّصاب، فلا تجب الزَّكاة فيما دونه إلَّا إذا كان في ملكه من جنس النَّقد الموجود (وَلَيْسَ المَعْدِنُ) بكسر الدَّال، أي: المكان من الأرض يخرج منه شيءٌ من الجواهر والأجساد؛ كالذَّهب والفضَّة والحديد والنُّحاس والرَّصاص والكبريت وغير ذلك، مأخوذٌ من: عدن بالمكان؛ إذا أقام به، يعدِن -بالكسر- عُدُونًا، سُمِّي بذلك؛ لعدون ما أنبته الله فيه، قاله الأزهريُّ، وقال في «القاموس»: والمَعْدِن كمَجْلِسٍ: مَنْبِتُ الجواهر من ذهبٍ ونحوه؛ لإقامة
أهله فيه دائمًا، أو لإنبات (١) الله ﷿ إيَّاه فيه (بِرِكَازٍ) لأنَّه لا يدخل تحت اسم الرِّكاز ولا له حكمه (وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ) كما وصله في آخر الباب من حديث أبي هريرة [خ¦١٤٩٩]: (فِي المَعْدِنِ جُبَارٌ) بضمِّ الجيم وتخفيف المُوحَّدة، آخره راءٌ؛ يعني: إذا حفر معدنًا في ملكه أو في مواتٍ، فوقع فيه شخصٌ ومات، أو استأجره لعملٍ في المعدن فهلك؛ لا يضمنه بل دمه هدرٌ، وليس المراد أنَّه لا زكاة فيه (وَفِي الرِّكَازِ) دِفْن الجاهليَّة (الخُمُسُ) ففرَّق بينهما، وجعل لكلٍّ منهما حكمًا، ولو كانا بمعنًى واحدٍ؛ لجمع بينهما، فلمَّا فرَّق بينهما؛ دلَّ على التَّغاير.
(وَأَخَذَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ مِنَ المَعَادِنِ) وهي المستخرجة من موضع خلقها (مِنْ كُلِّ (٢) مئتين) من الدَّراهم (خَمْسَةً) منها، وهي رُبع العُشر، وفي قولٍ: الخمس كالرِّكاز؛ بجامع الخفاء في الأرض، وهذا التَّعليق وصله أبو عُبيدٍ في «كتاب الأموال».
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة بمعناه: (مَا كَانَ مِنْ رِكَازٍ) دِفْن الجاهليَّة (فِي أَرْضِ الحَرْبِ؛ فَفِيهِ الخُمُسُ، وَمَا كَانَ في (٣) أَرْضِ السِّلْمِ) بكسر السِّين وسكون اللَّام، أي: الصُّلح، ولأبي الوقت: «وما كان من أرض السِّلمْ (٤)» (فَفِيهِ الزَّكَاةُ) المعهودة؛ وهي رُبع العُشر، قال ابن المنذر: لا أعرف أحدًا فرَّق هذه التَّفرقة غير الحسن (وَإِنْ وُجِدَت اللُّقَْطَةَ) بضمِّ الواو، مبنيًّا للمفعول، و «اللُّقَْطة» بضمِّ اللَّام المُشدَّدة وفتح القاف وسكونها، وهذا من قول الحسن، ولأبي الوقت: «وُجِدَت لقطةٌ» (فِي أَرْضِ العَدُوِّ؛ فَعَرِّفْهَا) لاحتمال أن تكون للمسلمين، وفي الفرع كأصله: «وإن وَجَدْتَ» بفتح الواو، مبنيًّا (٥) للفاعل «اللَّقطةَ» مفعولٌ (٦) (وَإِنْ كَانَتْ مِنَ العَدُوِّ) أي: من ماله؛ فلا حاجة إلى تعريفها؛ لأنَّها صارت ملكه (فَفِيهَا الخُمُسُ، وَقَالَ بَعْضُ
النَّاسِ) هو الإمام أبو حنيفة، وهذا أوَّل موضعٍ ذكره فيه المؤلِّف بهذه الصِّيغة، ويحتمل أن يكون أراد أبا حنيفة (١) وغيره من الكوفيِّين ممَّن قال بذلك: (المَعْدِنُ رِكَازٌ مِثْلُ دِفْنِ الجَاهِلِيَّةِ) بكسر الدَّال (٢) وفتحها، على ما مرَّ، فيجب فيه أيضًا الخُمس، قال الزُّهريُّ (٣) وأبو عبيدٍ: الرِّكاز: المال (٤) المدفون والمعدن جميعًا (لأَنَّهُ يُقَالُ) ممَّا سُمِع من العرب: (أَرْكَزَ المَعْدِنُ) بفتح الهمزة، فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للفاعل، والضَّمير في «لأنَّه» للشَّأن، واللَّام للتَّعليل (إِذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ) بفتح الخاء المعجمة بغير همزةٍ (٥) قبلها، ولأبي ذرٍّ: «أُخْرِجَ» بهمزةٍ مضمومةٍ (قِيلَ لَهُ) أي: لبعض النَّاس: (قَدْ يُقَالُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ شَيْءٌ) بضمِّ الواو وكسر الهاء مبنيًّا للمفعول، «شيءٌ» رفع نائبٍ عن (٦) الفاعل (أَوْ رَبِحَ رِبْحًا كَثِيرًا، أَوْ كَثُرَ ثَمَرُهُ: أَرْكَزْتَ) بتاء الخطاب، أي: فيلزم أن يُقال: كلُّ (٧) واحدٍ من الموهوب والرِّبح والثَّمر (٨) ركازٌ، ويُقال لصاحبه: أركزت، ويجب فيه الخُمس، لكنَّ الإجماع على خلافه، وإنَّه ليس فيه إلَّا ربع العشر، فالحكم مختلفٌ وإن اتَّفقت التَّسمية، واعترضه بعضهم بأنَّه لم يُنقَل عن بعض النَّاس ولا عن العرب أنَّهم قالوا: أركز المعدن، وإنَّما قالوا: أركز الرَّجل، فإذا لم يكن هذا صحيحًا؛ فكيف يتوجَّه الإلزام بقول القائل: قد يُقال لمن وُهِبَ (٩) .... إلى آخره. ومعنى أركز الرَّجل: صار له ركازٌ من قطع الذَّهب، ولا يلزم منه أنَّه إذا وُهِبَ له شيءٌ أن يُقال له: أركزت؛ بالخطاب، وكذا إذا ربح
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا أتاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ فأتاهُ أبي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أبِي أوْفَى..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُصَلِّي على من يَأْتِي بِصَدَقَتِهِ أَي: زَكَاته، والترجمة فِي صَلَاة الإِمَام لصَاحب الصَّدَقَة.
ذكر رِجَاله وهم: أَرْبَعَة: الأول: حَفْص بن عمر بن الْحَارِث أَبُو حَفْص الحوضي. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: عَمْرو بن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء: ابْن عبد الله بن طَارق الْمرَادِي، وَقد مر فِي تَسْوِيَة الصُّفُوف. الرَّابِع: عبد الله بن أبي أوفى، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْفَاء وبالقصر: واسْمه عَلْقَمَة بن خَالِد بن الْحَارِث الْأَسْلَمِيّ الْمدنِي من أَصْحَاب بيعَة الرضْوَان، رُوِيَ لَهُ خَمْسَة وَتسْعُونَ حَدِيثا للْبُخَارِيّ خَمْسَة عشر، وَهُوَ آخر من بَقِي من أَصْحَابه بِالْكُوفَةِ، مَاتَ سنة سبع وَثَمَانِينَ وَهُوَ أحد الصَّحَابَة السَّبْعَة الَّذين أدركهم أَبُو حنيفَة سنة ثَمَانِينَ، وَكَانَ عمره سبع سِنِين، سنّ التَّمْيِيز والإدراك من الْأَشْيَاء. وَقيل: مولده سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَقيل سنة سبعين، وَالْأول أصح وَأشهر.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: عَن عَمْرو عَن عبد الله وَفِي الْمَغَازِي عَن عَمْرو: وَسمعت ابْن أبي أوفى، وَكَانَ من أَصْحَاب الشَّجَرَة. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَهُوَ كُوفِي وَشعْبَة واسطي وَعَمْرو بن مرّة كُوفِي تَابِعِيّ صَغِير لم يسمع من الصَّحَابَة إلَاّ من ابْن أبي أوفى، وَقَالَ: شُعْبَة كَانَ لَا يُدَلس.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن آدم، وَفِي الدَّعْوَات عَن مُسلم ابْن إِبْرَاهِيم وَسليمَان بن حَرْب فرقهما. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، أربعتهم عَن وَكِيع، وَعَن عبد الله بن معَاذ عَن أَبِيه وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن عبد الله بن إِدْرِيس. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن حَفْص بن عمر وَأبي الْوَلِيد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن يزِيد عَن بهز بن أَسد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع كلهم عَن شُعْبَة بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا أُتِي بِصَدقَة) ، أَي: بِزَكَاة. قَوْله: (صلِّ على آل فلَان) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (صل على فلَان) . قَوْله: (صلِّ على آل أبي أوفى) ، يُرِيد بِهِ: أَبَا أوفى، وَأما لفظ آل، فمقحم، وَأما إِن المُرَاد بِهِ ذَات أبي أوفى لِأَن الْآل يذكر وَيُرَاد بِهِ ذَات الشَّيْء، كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قصَّة أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ: (لقد أُوتِيَ مِزْمَارًا من مَزَامِير آل دَاوُد) . يُرِيد بِهِ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام، وَقيل: لَا يُقَال ذَلِك، إلَاّ فِي حق الرجل الْجَلِيل الْقَدِير، كآل أبي بكر وَآل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقيل: آل الرجل: أَهله، وَالْفرق بَين الْآل والأهل: أَن الْآل قد خص بالأشراف، فَلَا يُقَال آل الحائك وَلَا آل الْحجام. فَإِن قلت: كَيفَ قيل: آل فِرْعَوْن؟ قلت: لتصوره بِصُورَة الْأَشْرَاف، وَفِي الصِّحَاح: أصل آل: أول، وَقيل: أهل، وَلِهَذَا يُقَال فِي تصغيره: أهيل.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور من جوز الصَّلَاة على غير الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، بالاستقلال وَهُوَ قَول أَحْمد أَيْضا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَالْأَكْثَرُونَ: إِنَّه لَا يُصَلِّي على غير الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام اسْتِقْلَالا، فَلَا يُقَال: اللَّهُمَّ صل على آل أبي بكر وَلَا على آل عمر أَو غَيرهمَا، وَلَكِن يصلى عَلَيْهِم تبعا. وَالْجَوَاب عَن هَذَا أَن هَذَا حَقه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لَهُ أَن يُعْطِيهِ لمن شَاءَ، وَلَيْسَ لغيره ذَلِك. وَفِيه: جَوَاز أَن يُقَال: آل فلَان، يُرِيد بِهِ فلَانا، وَفِيه: اسْتِحْبَاب الدُّعَاء للمتصدق، كَمَا ذَكرْنَاهُ مشروحا.
٥٦ - (بابُ مَا يُسْتَخْرَجُ منَ البَحْرِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِي بَيَان حكم مَا يسْتَخْرج من الْبَحْر، وَفِيه حذف تَقْدِيره: هَل تجب فِيهِ الزَّكَاة أم لَا؟ والمحذوف فِي نفس الْأَمر خبر، لِأَن كلمة: (مَا) ، مَوْصُولَة. (ويستخرج) صلتها. وَكلمَة (من) بَيَانِيَّة، وَلَا بُد للموصول من عَائِد، وَهُوَ صفة لشَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره:
بَاب فِي بَيَان حكم الشَّيْء الَّذِي يسْتَخْرج من الْبَحْر: هَل تجب فِيهِ الزَّكَاة؟ كَمَا ذَكرْنَاهُ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لَيْسَ العَنْبَرُ بِرِكازٍ هُوَ شَيءٌ دَسَرَهْ البَحْرُ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي كَون العنبر مِمَّا يسْتَخْرج من الْبَحْر، والعنبر بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ضرب من الطّيب، وَهُوَ غير العبير، بِفَتْح الْعين وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، فَإِنَّهُ أخلاط تجمع بالزعفران. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَن العنبر زبد الْبَحْر، وَقيل: هُوَ رَوْث دَابَّة بحريّة. وَقيل: إِنَّه شَيْء ينْبت فِي قَعْر الْبَحْر فيأكله بعض الدَّوَابّ، فَإِذا امْتَلَأت مِنْهُ قَذَفته رجيعا. وَقَالَ ابْن سينا: هُوَ نبع عين فِي الْبَحْر. وَقيل: إِنَّه من كور النّخل يخرج فِي السنبل بِبَعْض الجزاير، وَقَالَ الشَّافِعِي فِي كتاب السّلم من الْأُم: أَخْبرنِي عدد مِمَّن أَثِق بِخَبَرِهِ: أَنه نَبَات يخلقه الله تَعَالَى فِي جنبات الْبَحْر. وَحكى ابْن رستم عَن مُحَمَّد بن الْحسن أَنه ينْبت فِي الْبَحْر بِمَنْزِلَة الْحَشِيش فِي الْبر. وَقيل: إِنَّه شجر ينْبت فِي الْبَحْر فينكسر فيلقيه الموج إِلَى السَّاحِل. وَقَالَ ابْن سينا: وَمَا يحْكى من أَنه رَوْث دَابَّة أَو قيؤها أَو من زبد الْبَحْر بعيد. قَوْله: (بركاز) الرِّكَاز، بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْكَاف وَفِي آخِره زَاي، وَهُوَ يُقَال للمعدن والكنز جَمِيعًا، والمعدن خَاص لما يكون فِي بَاطِن الأَرْض خلقَة، والكنز خَاص لما يكون مَدْفُونا. والركاز يصلح لَهما، كَمَا قُلْنَا. وَفِي (مجمع الغرائب) : الرِّكَاز الْمَعَادِن وَقيل: هُوَ كنوز الْجَاهِلِيَّة. وَفِي (النِّهَايَة) لِابْنِ الْأَثِير: كنوز الأَرْض الْجَاهِلِيَّة المدفونة فِي الأَرْض، وَهِي المطالب فِي الْعرف عِنْد أهل الْحجاز، وَهُوَ الْمَعَادِن عِنْد أهل الْعرَاق، وَالْقَوْلَان تحتملهما اللُّغَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الرِّكَاز بِمَعْنى المركوز، كالكتاب بِمَعْنى الْمَكْتُوب. قلت: من ركز فِي الأَرْض إِذا اثْبتْ أَصله، والكنز يركز فِي الأَرْض كَمَا يركز الرمْح. قَوْله: (دسره) أَي: دَفعه وَرمى بِهِ إِلَى السَّاحِل. ثمَّ هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق يَعْقُوب بن سُفْيَان: حَدثنَا الْحميدِي وَابْن قعنب وَسَعِيد قَالُوا: حَدثنَا سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن أذينة، قَالَ: سَمِعت ابْن عَبَّاس قَالَ: لَيْسَ العنبر بركاز. وَفِي (المُصَنّف) : حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان بن سعيد عَن عَمْرو بن دِينَار عَن أذينة عَن ابْن عَبَّاس: لَيْسَ فِي العنبر زَكَاة، إِنَّمَا هُوَ شَيْء دسره الْبَحْر، وأذينة مصغر أذن تَابِعِيّ ثِقَة. فَإِن قلت: روى ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن الثَّوْريّ عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، سُئِلَ فِي العنبر فَقَالَ: إِن كَانَ فِيهِ شَيْء فَفِيهِ الْخمس. قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: علق القَوْل فِيهِ فِي هَذِه الرِّوَايَة، وَقطع بِأَن لَا زَكَاة فِيهِ فِي الرِّوَايَة الأولى، وَالْقطع أولى. وَقَالَ ابْن التِّين: قَول ابْن عَبَّاس قَول أَكثر الْعلمَاء. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه أَخذ الْخمس من العنبر؟ قلت: هُوَ مَحْمُول على الْجَيْش، يدْخلُونَ أَرض الْحَرْب فيصيبون العنبر فِي ساحلها وَفِيه الْخمس لِأَنَّهُ غنيمَة.
وَقَالَ الحَسَنُ: فِي العَنْبَرِ وَاللّؤْلُؤِ الخُمُس
الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن معَاذ بن معَاذ عَن أَشْعَث عَن الْحسن أَنه كَانَ يَقُول: فِي العنبر الْخمس، وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُول: فِي اللُّؤْلُؤ، واللؤلؤ مطر الرّبيع يَقع فِي الصدف فعلى هَذَا أَصله مَاء، وَلَا شَيْء فِي المَاء. وَقيل: إِن الصدف حَيَوَان يخلق فِيهِ اللُّؤْلُؤ. وَفِي (كتاب الْأَحْجَار) لأبي الْعَبَّاس التيغاشي: إِن حَيَوَان الْجَوْهَر الَّذِي يتكون فِيهِ مِنْهُ الْكَبِير وَيُسمى الدّرّ، وَمِنْه الصَّغِير وَيُسمى اللُّؤْلُؤ. وَهَذَا الْحَيَوَان يُسمى باليونانين: أرسطورس، يَعْلُو لحم ذَلِك الْحَيَوَان صدفتان ملتصقتان بجسمه، وَالَّذِي يَلِي الصدفتين من لَحْمه أسود، وَله فَم وأذنان وشحم من داخلها إِلَى غَايَة الصدفتين، وَالْبَاقِي رغوة وزبد وَمَاء. وَقيل: إِن الْبَحْر الْمُحِيط يلْحق آخِره أول الْبَحْر المسلوك، وَإِن الرِّيَاح تصفق الَّذِي فِيهِ الدّرّ فِي وَقت ريح الشمَال، فَيصير لموجه رشاش فيلتقمه الصدف عِنْد ذَلِك إِلَى قَعْر الْبَحْر، فيتغرس هُنَاكَ وَيضْرب بعروق فيتشعب مثل الشّجر وَيصير نباتا بعد أَن كَانَ حَيَوَانا ذَا نفس، فَإِذا تركت هَذِه الصدفة حَتَّى يطول مكثها تَغَيَّرت وفسدت. واللؤلؤ: بهمزتين وبواوين، وَيُقَال: الثَّانِي بِالْوَاو، وَالْأول بِالْهَمْز، وَبِالْعَكْسِ قَالَ النَّوَوِيّ: أَربع لُغَات. قلت: لَا يُقَال لتخفيف الْهمزَة لُغَة، وَقَالَ ابْن قدامَة: وَلَا زَكَاة فِي الْمُسْتَخْرج من الْبَحْر كَاللُّؤْلُؤِ والمرجان والعنبر وَنَحْوه فِي ظَاهر قَول الْخرقِيّ، وَرُوِيَ نَحْو ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَبِه قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز وَعَطَاء وَمَالك وَالثَّوْري وَابْن أبي ليلى وَالْحسن بن صَالح وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَمُحَمّد وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو عبيد، وَعَن أَحْمد رِوَايَة أُخْرَى: أَن فِيهِ الزَّكَاة، لِأَنَّهُ خَارج من مَعْدن التبر، وَبِه قَالَ
أَبُو يُوسُف وَإِسْحَاق. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: أَن وجد عنبرة فِي صفة الْبَحْر خمست، وَإِن غاص عَلَيْهَا فِي مثل بَحر الْهِنْد فَلَا شَيْء فِيهَا لَا خمس وَلَا نفل وَلَا غَيره، وروى ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل عَن أبي الزبير عَن جَابر قَالَ: لَيْسَ فِي العنبر زَكَاة، وَإِنَّمَا هُوَ غنيمَة لمن أَخذه.
إنَّما جعَلَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الرِّكازِ الخُمُسَ لَيْسَ فِي الَّذِي يُصَابُ فِي المَاءِ
هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ، يُرِيد بِهِ الرَّد على الْحسن، وَوَجهه أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِنَّمَا جعل الْخمس فِي الرِّكَاز لَا فِي الشَّيْء الَّذِي يصاب فِي المَاء، وَيَأْتِي الحَدِيث مَوْصُولا عَن قريب، وَقد لفظ فِي الرِّكَاز للحصر. قَوْله: (يصاب) أَي: يُوجد فِي المَاء كالسمك.
٨٩٤١ - وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني جَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ سَألَ بَعْضَ بَنِي إسْرَائِيلَ بِأنْ يُسْلِفَهُ ألْفَ دِينَارٍ فدَفَعَهَا إلَيْهِ فخَرَجَ فِي البَحْرِ فَلَمْ يَجِدْ مَركَبا فأخذَ خَشَبةً فنَقَرهَا فأدْخَلَ فِيهَا ألْفَ دِينَارٍ فرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ فخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كانَ أسْلَفَهُ فإذَا بِالخَشَبةِ فأخَذَهَا لأِهْلِهِ حطَبا فذَكَر الحدِيثَ فلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ..
الْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث على أَنْوَاع.
الأول: فِي وَجه إِيرَاده هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب، فَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث شَيْء يُنَاسب التَّرْجَمَة، رجل اقْترض قرضا فارتجع قرضه، وَكَذَا قَالَ الدَّاودِيّ: حَدِيث الْخَشَبَة لَيْسَ من هَذَا الْبَاب فِي شَيْء، وَأجَاب عَن ذَلِك من ساعده وَوجه كَلَامه مِنْهُم عبد الْملك فَقَالَ: إِنَّمَا أَدخل البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب لِأَنَّهُ يُرِيد أَن كل مَا أَلْقَاهُ الْبَحْر جَازَ الْتِقَاطه وَلَا خمس فِيهِ إِذا لم يعلم أَنه من مَال الْمُسلمين، وَأما إِذا علم أَنه مِنْهُ فَلَا يجوز أَخذه لِأَن الرجل إِنَّمَا أَخذ خَشَبَة على الْإِبَاحَة ليملكها، فَوجدَ فِيهَا المَال، وَلَو وَقع هَذَا الْيَوْم كَانَ كاللقطة لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَن الله تَعَالَى لَا يخلق الدَّنَانِير المضروبة فِي الْخَشَبَة. قلت: يَنْبَغِي أَن يُقيد عَادَة، لِأَن قدرَة الله تَعَالَى صَالِحَة لكل شَيْء عقلا، وَمِنْهُم ابْن الْمُنِير، فَقَالَ: مَوضِع الاستشهاد إِنَّمَا هُوَ أَخذ الْخَشَبَة على أَنَّهَا حطب، فَدلَّ على إِبَاحَة مثل ذَلِك مِمَّا يلفظه الْبَحْر، أما مِمَّا ينشأ فِيهِ كالعنبر أَو مِمَّا سبق فِيهِ ملك وعطب وَانْقطع ملك صَاحبه مِنْهُ على اخْتِلَاف بَين الْعلمَاء فِي تمْلِيك هَذَا مُطلقًا أَو مفصلا، وَإِذا جَازَ تمْلِيك الْخَشَبَة، وَقد تقدم عَلَيْهَا ملك متملك، فنحو العنبر الَّذِي لم يتَقَدَّم عَلَيْهِ ملك أولى. قلت: التَّرْجَمَة مَا يسْتَخْرج من الْبَحْر، والْحَدِيث يدل على مَا يسْتَخْرج من الْبَحْر، فالمطابقة فِي مُجَرّد الاستخراج من الْبَحْر مَعَ قطع النّظر عَن غَيره، وَأدنى الملابسة فِي التطابق كَاف.
النَّوْع الثَّانِي: أَنه ذكر هَذَا الحَدِيث هُنَا مُعَلّقا مُخْتَصرا، وَوَقع فِي بعض نسخه عَقِيبه: حَدثنِي بذلك عبد الله بن صَالح، قَالَ: حَدثنِي اللَّيْث، ذكره الْحَافِظ الْمزي، قَالَ: وَهُوَ ثَابت فِي عدَّة أصُول من كتاب الْبيُوع من الْجَامِع من رِوَايَة أبي الْوَقْت عَن الدَّاودِيّ عَن أبي حمويه عَن الْفربرِي عَنهُ، وَقَالَ الطرقي: أخرجه مُحَمَّد فِي خَمْسَة مَوَاضِع من الْكتاب، فَقَالَ: قَالَ اللَّيْث) قلت: أخرجه هُنَا أَعنِي فِي الزَّكَاة وَفِي الْكفَالَة وَفِي الاستقراض وَفِي اللّقطَة وَفِي الشُّرُوط وَفِي الاسْتِئْذَان، وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة، وَقَالَ فِي: بَاب التِّجَارَة فِي الْبَحْر، فِي الْبيُوع. وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة عَن الْأَعْرَج (عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه ذكر رجلا من بني إِسْرَائِيل خرج فِي الْبَحْر فَقضى حَاجته) ، وسَاق الحَدِيث. حَدثنِي عبد الله ابْن صَالح، قَالَ: حَدثنِي اللَّيْث بِهَذَا، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي اللّقطَة عَن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ عَن دَاوُد بن مَنْصُور عَن اللَّيْث نَحوه.
أما الَّذِي أخرجه فِي الْكفَالَة فَهُوَ فِي: بَاب الْكفَالَة فِي الْقَرْض والديون، وَلَفظه: قَالَ أَبُو عبد الله، وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز (عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه ذكر رجلا من بني إِسْرَائِيل سَأَلَ بعض بني إِسْرَائِيل أَن يسلفه ألف دِينَار، فَقَالَ: إيتني بِالشُّهَدَاءِ أشهدهم، فَقَالَ: كفى بِاللَّه شَهِيدا. قَالَ: فَاتَنِي بالكفيل، قَالَ: كفى بِاللَّه كَفِيلا، قَالَ: صدقت، فَدَفعهَا إِلَيْهِ إِلَى أجل مُسَمّى، فَخرج فِي االبحر فَقضى حَاجته ثمَّ التمس مركبا
يركبهَا يقدم عَلَيْهِ للأجل الَّذِي أَجله فَلم يجد مركبا، فَأخذ خَشَبَة فنقرها فأحل فِيهَا ألف دِينَار وصحيفة مِنْهُ إِلَى صَاحبه ثمَّ زجج موضعهَا ثمَّ أَتَى بِهِ إِلَى الْبَحْر، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنِّي كنت تسلفت فلَانا ألف دِينَار، فَسَأَلَنِي كَفِيلا فَقلت: كفى بِاللَّه كَفِيلا، فَرضِي بك، وسألني شَهِيدا، فَقلت: كفى بِاللَّه شَهِيدا، فَرضِي بك، وَإِنِّي جهدت أَن أجد مركبا أبْعث إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ، فَلم أقدر، وَإِنِّي أستودعتكها. فَرمى بهَا فِي الْبَحْر حَتَّى ولجت فِيهِ، ثمَّ انْصَرف وَهُوَ فِي ذَلِك يلْتَمس مركبا يخرج إِلَى بَلَده، فَخرج الرجل الَّذِي كَانَ أسلفه ينظر لَعَلَّ مركبا قد جَاءَ بِمَالِه، فَإِذا بالخشبة الَّتِي فِيهَا المَال فَأَخذهَا لأَهله حطبا، فَلَمَّا نشرها وجد المَال والصحيفة، ثمَّ قدم الَّذِي كَانَ أسلفه، فَأتى بِالْألف دِينَار، فَقَالَ: وَالله مَا زلت جاهدا فِي طلب مركب لآتيك بِمَالك فَمَا وجدت مركبا قبل الَّذِي أتيت فِيهِ، قَالَ: هَل كنت بعثت إِلَيّ بِشَيْء؟ قَالَ: أَخْبَرتك إِنِّي لم أجد مركبا قبل الَّذِي جِئْت فِيهِ. قَالَ: فَإِن الله قد أدّى عَنْك الَّذِي بعثت فِي الْخَشَبَة، فَانْصَرف بِالْألف دِينَار راشدا.
وَأما الَّذِي فِي الاستقراض فَأخْرجهُ مُخْتَصرا فِي: بَاب إِذا أقْرضهُ إِلَى أجل مُسَمّى، فَقَالَ: وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (عَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَنه ذكر رجلا من بني إِسْرَائِيل سَأَلَ بعض بني إِسْرَائِيل أَن يسلفه، فَدَفعهَا إِلَيْهِ إِلَى أجل مُسَمّى) فَذكر الحَدِيث.
وَأما الَّذِي فِي اللّقطَة، فَأخْرجهُ فِي: بَاب إِذا وجد خَشَبَة فِي الْبَحْر أَو سَوْطًا أَو نَحوه، وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز (عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَنه ذكر رجلا من بني إِسْرَائِيل) ، وسَاق الحَدِيث (فَخرج ينظر لَعَلَّ مركبا قد جَاءَ بِمَالِه فَإِذا هُوَ بالخشبة، فَأَخذهَا لأَهله حطبا فَلَمَّا نشرها وجد المَال والصحيفة.
وَأما الَّذِي فِي الشُّرُوط فَأخْرجهُ فِي: بَاب الشُّرُوط فِي الْفَرْض مُخْتَصرا، وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز (عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَنه ذكر رجلا سَأَلَ بعض بني إِسْرَائِيل أَن يسلفه ألف دِينَار فَدَفعهَا إِلَيْهِ إِلَى أجل مُسَمّى) .
وَأما الَّذِي فِي الاسْتِئْذَان فَأخْرجهُ فِي: بَاب بِمن يبْدَأ فِي الْكتاب، وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج (عَن أبي هُرَيْرَة، عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَنه ذكر رجلا من بني إِسْرَائِيل أَخذ خَشَبَة فنقرها فَأدْخل فِيهَا ألف دِينَار، وصحيفة مِنْهُ إِلَى صَاحبه) ، وَقَالَ عمر ابْن أبي سَلمَة (عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: نجر خَشَبَة فَجعل المَال فِي جوفها وَكتب إِلَيْهِ صحيفَة من فلَان إِلَى فلَان) .
النَّوْع الثَّالِث: فِي مَعَاني الحَدِيث، فَقَوله: (أَن يسلفه) ، بِضَم الْيَاء، من أسلف إسلافا، يُقَال: سلفت تسليفا وأسلفت إسلافا، وَالِاسْم السّلف، وَهُوَ فِي الْمُعَامَلَات على وَجْهَيْن: أَحدهمَا الْقَرْض الَّذِي لَا مَنْفَعَة فِيهِ للمقرض غير الْأجر وَالشُّكْر، وعَلى الْمُقْتَرض رده، وَالْعرب تسمي الْقَرْض سلفا. وَالثَّانِي: هُوَ أَن يُعْطي مَالا فِي سلْعَة إِلَى أجل مَعْلُوم بِزِيَادَة فِي السّعر الْمَوْجُود عِنْد السّلف، وَذَلِكَ مَنْفَعَة للمسلف، وَيُقَال لَهُ: سلم، وَالْمرَاد هَهُنَا هُوَ الْمَعْنى الأول. قَوْله: (فَلم يجد مركبا) ، أَي: سفينة يركب عَلَيْهَا وَيَجِيء إِلَى صَاحبه أَو يبْعَث فِيهَا شَيْئا إِلَيْهِ لقَضَاء دينه. قَوْله: (فَأخذ خَشَبَة) والخشبة وَاحِدَة الْخشب. قَوْله: (فنقرها) أَي: قوَّرها. قَوْله: (وَرمى بهَا) ، أَي: الْخَشَبَة المنقورة قَاصِدا وصولها إِلَى صَاحب المَال. قَوْله: (فَإِذا بالخشبة) أَي: فَإِذا هُوَ مفاجىء بالخشبة. قَوْله: (حطبا) ، نصب على أَن أَخذ من أَفعَال المقاربة، فَيعْمل عمل كَانَ، وَيجوز أَن يكون مَنْصُوبًا بمقدر تَقْدِيره فَأَخذهَا يَجْعَلهَا حطبا، يَعْنِي: يستعملها اسْتِعْمَال الْحَطب فِي الوقيد. قَوْله: (بِالشُّهَدَاءِ) ، جمع شَهِيد بِمَعْنى: شَاهد، قَوْله: (يقدم) ، بِفَتْح الدَّال من قدم يقدم من: بَاب فعل يفعل بِكَسْر الْعين فِي الْمَاضِي، وَفتحهَا فِي الغابر. قَوْله: (فأحل فِيهَا) من الْإِحْلَال، وَهُوَ الْإِنْزَال وَالْمرَاد وضع فِي الْخَشَبَة المنقورة ألف دِينَار. قَوْله: (وصحيفة) بِالنّصب عطف على ألف دِينَار، وَالْمرَاد مِنْهَا الْمَكْتُوب. قَوْله: (ثمَّ زجج موضعهَا) ، أَي: أصلح مَوضِع النقرة وسواه، قيل: لَعَلَّه من تزجيج الحواجب وَهُوَ الْتِقَاط زَوَائِد الشّعْر الْخَارِج عَن الْخَدين، وَإِن أَخذ من الزج وَهُوَ سِنَان الرمْح فَيكون النقر قد وَقع فِي طرف من الْخَشَبَة فسد عَلَيْهِ رَجَاء أَن يمسِكهُ ويحفظ مَا فِي بَطْنه. قَوْله: (تسلفت) ، من بَاب التفعل مَعْنَاهُ: افترضت. قَوْله: (جهدت) من بَاب: فعل يفعل، بِالْفَتْح فيهمَا أَي: تحملت الْمَشَقَّة. قَوْله: (ولجت) ، من الولوج وَهُوَ: الدُّخُول. قَوْله: (فَلَمَّا نشرها) أَي: قطعهَا بِالْمِنْشَارِ. قَوْله: (بِالْألف دِينَار) ، هُوَ جَائِز على رَأْي الْكُوفِيّين. قَوْله: (راشدا) نصب على الْحَال من فَاعل: انْصَرف.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْخطابِيّ: لفظ: (أجل) فِيهِ دَلِيل على جَوَاز دُخُول الْآجَال فِي الْقَرْض. وَفِيه: فِي قَوْله: (أَخذهَا لأَهله حطبا) دَلِيل على أَن مَا يُوجد فِي الْبَحْر من مَتَاع الْبَحْر وَغَيره أَنه لَا شَيْء فِيهِ، وَهُوَ لمن وجده حَتَّى يسْتَحق مَا لَيْسَ من مَتَاع الْبَحْر من الْأَمْوَال كالدنانير وَالثيَاب وَشبه ذَلِك، فَإِذا اسْتحق رد إِلَى مُسْتَحقّه، وَمَا لَيْسَ لَهُ طَالب وَلم يكن لَهُ كثير قيمَة، وَحكم بِغَلَبَة الظَّن بانقطاعه كَانَ لمن وجده ينْتَفع بِهِ، وَلَا يلْزمه تَعْرِيفه إلَاّ أَن يُوجد فِيهِ دَلِيل يسْتَدلّ بِهِ على مَالِكه: كاسم رجل مَعْلُوم أَو عَلامَة، فيجتهد ملتقطها فِي أَمر التَّعْرِيف لَهُ، قَالَه الْمُهلب. وَفِيه: أَن من توكل على الله فَإِنَّهُ ينصره، فَالَّذِي نقر الْخَشَبَة وتوكل حفظ الله تَعَالَى مَاله، وَالَّذِي أسلفه وقنع بِاللَّه كَفِيلا أوصل الله تَعَالَى مَاله إِلَيْهِ. وَفِيه: جَوَاز ركُوب الْبَحْر بأموال النَّاس وَالتِّجَارَة. وَفِيه: أَن الله تَعَالَى متكفل بعون من أَرَادَ أَدَاء الْأَمَانَة، وَأَن الله يجازي أهل الإرفاق بِالْمَالِ بحفظه عَلَيْهِم مَعَ أجر الْآخِرَة، كَمَا حفظه على المسلف.
٦٦ - (بابٌ فِي الرِّكَازِ الخُمُسُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ فِي الرِّكَاز الْخمس، وَالْخمس مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، وَفِي الرِّكَاز مقدما خَبره، وَقد مر تَفْسِير الرِّكَاز.
وَقَالَ مالِكٌ وَابنُ إدْرِيسَ الرِّكَازُ دِفْنُ الجَاهِلِيَّةِ فِي قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ الخُمُسُ ولَيْسَ المَعْدَنُ بِرِكَازٍ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَمَالك هُوَ ابْن أنس صَاحب الْمَذْهَب الْمَشْهُور، وَابْن إِدْرِيس هُوَ مُحَمَّد بن إِدْرِيس، فَقَالَ ابْن التِّين: قَالَ أَبُو ذَر: يُقَال: هُوَ مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي، يَعْنِي صَاحب الْمَذْهَب، وَيُقَال: عبد الله بن إِدْرِيس الأودي الْكُوفِي، وَهُوَ الْأَشْبَه، وَقد جزم أَبُو زيد الْمروزِي أحد الروَاة عَن الْفربرِي بِأَنَّهُ الشَّافِعِي، يَعْنِي صَاحب الْمَذْهَب. وَتَابعه الْبَيْهَقِيّ وَجُمْهُور الْأَئِمَّة. قيل: يُؤَيّد ذَلِك أَنه وجد فِي عبارَة الشَّافِعِي دون الأودي، فروى الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) من طَرِيق الرّبيع، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِي: والركاز الَّذِي فِيهِ الْخمس دفن الْجَاهِلِيَّة مَا وجد فِي غير ملك لأحد، وَأما فِي قَلِيله وكثيرة الْخمس فَهُوَ قَوْله فِي الْقَدِيم، كَمَا نَقله ابْن الْمُنْذر عَنهُ، وَاخْتَارَهُ. وَأما فِي الْجَدِيد فَقَالَ: لَا يجب فِيهِ الْخمس حَتَّى يبلغ نِصَاب الزَّكَاة، وَالتَّعْلِيق عَن مَالك رَوَاهُ أَبُو عبيد فِي (كتاب الْأَمْوَال) : حَدثنِي يحيى بن عبد الله بن بكير عَن مَالك، قَالَ: الْمَعْدن بِمَنْزِلَة الزَّرْع تُؤْخَذ مِنْهُ الزَّكَاة كَمَا تُؤْخَذ من الزَّرْع تُؤْخَذ مِنْهُ الزَّكَاة كَمَا تُؤْخَذ من الزَّرْع حِين يحصد. قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ بركاز، وَإِنَّمَا الرِّكَاز دفن الْجَاهِلِيَّة الَّذِي يُوجد من غير أَن يطْلب بِمَال وَلَا يتَكَلَّف لَهُ كثير عمل. انْتهى. قَوْله: (دفن الْجَاهِلِيَّة) ، بِكَسْر الدَّال، بِمَعْنى: المدفون. قَوْله: (فِي قَلِيله) ، هُوَ الَّذِي لَا يبلغ نِصَابا، وَفِي كَثِيره مَا بلغ نِصَابا، قَوْله: (وَلَيْسَ الْمَعْدن بركاز) فَيجب فِيهِ ربع العُشر لَا الْخمس لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى عمل ومعالجة واستخراج، بِخِلَاف الرِّكَاز، وَقد جرت السّنة أَن مَا غلظت مُؤْنَته خفف عَنهُ فِي مِقْدَار الزَّكَاة، وَمَا خفف زيد فِيهِ، وَسمي الْمَعْدن لإِقَامَة التبر فِيهِ، لِأَنَّهُ من العدن وَهُوَ الْإِقَامَة.
وقَدْ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي المَعْدِنِ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ
هَذَا من جملَة كَلَام مَالك وَابْن إِدْرِيس فِيمَا ذَهَبا إِلَيْهِ، أَرَادَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرق بَين الْمَعْدن والركاز، فَجعل الْمَعْدن جبارا وَأوجب فِي الرِّكَاز الْخمس، وَهَذَا التَّعْلِيق أسْندهُ فِي هَذَا الْبَاب، فَعَن قريب يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، والجبار، بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ الهدر لَيْسَ فِيهِ شَيْء.
وَأخَذَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ مِنَ المَعَادِنِ مِنْ كْلِّ مِائَتَيْنِ خَمْسَةً
أَي: خَمْسَة دَرَاهِم وَهُوَ ربع الْعشْر، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو عبيد فِي (كتاب الْأَمْوَال) من طَرِيق الثَّوْريّ عَن عبد الله بن أبي بكر بن عَمْرو بن حزم نَحوه، وروى الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة أَن عمر بن عبد الْعَزِيز جعل الْمَعْدن بِمَنْزِلَة الرِّكَاز يُؤْخَذ مِنْهُ الْخمس، ثمَّ عقب بِكِتَاب آخر فَجعل فِيهِ الزَّكَاة، قَالَ: وروينا عَن عبد الله بن أبي بكر أَن عمر بن عبد الْعَزِيز
أَخذ من الْمَعَادِن من كل مِائَتي دِرْهَم خَمْسَة دَرَاهِم، وَعَن أبي الزِّنَاد قَالَ: جعل عمر بن عبد الْعَزِيز فِي الْمَعَادِن أَربَاع الْعشْر إلَاّ أَن يكون ركزه، فَإِذا كَانَ ركزه فَفِيهَا الْخمس.
وَقَالَ الحَسَنُ مَا كانَ مِنْ رِكَازٍ فِي أرْضِ الحَرْبِ فَفِيهِ الخُمُسُ ومَا كانَ منْ أرْضِ السِّلْمِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ
الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، قَوْله: (السّلم) بِكَسْر السِّين وَسُكُون اللَّام، وَهُوَ: الصُّلْح، وَهَذِه التَّفْرِقَة لم تعرف عَن غَيره، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عَاصِم الْأَحول عَنهُ بِلَفْظ: (إِذا وجد الْكَنْز فِي أَرض الْعَدو فَفِيهِ الْخمس، وَإِذا وجد فِي أَرض الْعَرَب فَفِيهِ الزَّكَاة) .
وإنْ وَجَدْتَ اللقَطَةَ فِي أرْضِ العَدُوِّ فَعَرِّفْهَا وَإنْ كَانَتْ مِنَ العَدُوِّ فَفِيهَا الخُمُسُ
هَذَا من تَتِمَّة كَلَام الْحسن، وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا عباد بن الْعَوام عَن هِشَام عَن الْحسن: الرِّكَاز الْكَنْز العادي وَفِيه الْخمس، واللقطة، بِفَتْح الْقَاف وسكونها، لَكِن الْقيَاس أَن يُقَال بِالْفَتْح للاّقط، وبسكون الْقَاف للملقوط، وَإِن كَانَت اللّقطَة مَال الْعَدو فَلَا حَاجَة إِلَى التَّعْرِيف، بل يملكهَا وَيجب فِيهَا الْخمس، وَلَا يكون لَهَا حكم اللّقطَة بِخِلَاف مَا لَو كَانَت فِي أَرض الْعَدو والمحتملة لكَونهَا للْمُسلمين.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ المَعْدَنُ رِكَازٌ مِثْلُ دِفْنِ الجِاهِلِيَّةِ لأنَّهُ يُقَالُ أرْكَزَ المَعْدِنُ إذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيءٌ قِيلَ لَهُ قَدْ يُقَالُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ شَيءٌ أوْ رَبِحَ رِبْحا كَثِيرا أوْ كَثُرَ ثَمَرُهُ أرْكَزْتَ ثُمَّ نَاقَضَ وَقَالَ لَا بَأسَ أنْ يَكْتُمَهُ فَلَا يُؤَدِّيَ الخُمُسَ
قَالَ ابْن التِّين: المُرَاد بِبَعْض النَّاس هُوَ أَبُو حنيفَة. قلت: جزم ابْن التِّين بِأَن المُرَاد بِهِ هُوَ أَبُو حنيفَة من أَيْن أَخذه فَلم لَا يجوز أَن يكون مُرَاده هُوَ سُفْيَان الثَّوْريّ من أهل الْكُوفَة، وَالْأَوْزَاعِيّ من أهل الشَّام، فَإِنَّهُمَا قَالَا مثل مَا قَالَ أَبُو حنيفَة: أَن الْمَعْدن كالركاز وَفِيه الْخمس فِي قَلِيله وَكَثِيره، على ظَاهر قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (وَفِي الرِّكَاز الْخمس) ، وَلَكِن الظَّاهِر أَن ابْن التِّين لما وقف على مَا قَالَه البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) فِي حق أبي حنيفَة مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَن يذكر فِي حق أحد من أَطْرَاف النَّاس، فضلا أَن يُقَال فِي حق إِمَام هُوَ أحد أَرْكَان الدّين، صرح بِأَن المُرَاد بِبَعْض النَّاس أَبُو حنيفَة، وَلَكِن لَا يرْمى إلَاّ شجر فِيهِ ثَمَر، وَهَذَا ابْن بطال قَالَ: ذهب أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَغَيرهمَا إِلَى أَن الْمَعْدن كالركاز، وَاحْتج لَهُم بقول الْعَرَب: أركز الرجل إِذا أصَاب ركازا، وَهِي قطع من الذَّهَب تخرج من الْمَعَادِن، وَهَذَا قَول صَاحب الْعين، وَأبي عبيد. وَفِي (مجمع الغرائب) : الرِّكَاز الْمَعَادِن. وَفِي (النِّهَايَة) : لِابْنِ الْأَثِير: الْمَعْدن والركاز وَاحِد، فَإِذا علم ذَلِك بَطل التشنيع على أبي حنيفَة.
قَوْله: (مثل دفن الْجَاهِلِيَّة) بِكَسْر الدَّال كَمَا ذكرنَا عَن قريب بِمَعْنى: المدفون. قَوْله: (لِأَنَّهُ يُقَال، أركز الْمَعْدن إِذا خرج مِنْهُ شَيْء) ، وَالضَّمِير فِي: لِأَنَّهُ، ضمير الشَّأْن، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى تَعْلِيل من يَقُول: إِن الْمَعْدن هُوَ الرِّكَاز، وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ لم ينْقل عَنْهُم وَلَا عَن الْعَرَب أَنهم قَالُوا: أركز الْمَعْدن، وَإِنَّمَا قَالُوا: أركز الرجل، فَإِذا لم يكن هَذَا صَحِيحا فَكيف يتَوَجَّه الْإِلْزَام بقول الْقَائِل: قد يُقَال لمن وهب لَهُ ... إِلَى آخِره؟ أَرَادَ أَنه يلْزم أَن يُقَال: كل وَاحِد من الْمَوْهُوب وَالرِّبْح وَالثَّمَر ركاز، فَيجب فِيهِ الْخمس، وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْوَاجِب فِيهِ العُشر، وَمعنى: أركز الرجل صَار لَهُ ركاز من قطع الذَّهَب، كَمَا ذكرنَا، وَلَا يلْزم مِنْهُ أَنه أذا إِذا وهب لَهُ شَيْء أَن يُقَال لَهُ: أركزتَ، بِالْخِطَابِ، وَكَذَلِكَ إِذا ربح ربحا كثيرا أَو كثر ثمره، وَلَو علم الْمُعْتَرض أَن معنى: أفعل، هَهُنَا مَا هُوَ، وَلما اعْترض وَلَا أفحش فِيهِ، وَمعنى: أفعل، هُنَا للصيرورة يَعْنِي: لصيرورة الشَّيْء مَنْسُوبا إِلَى مَا اشتق مِنْهُ الْفِعْل، كأغدَّ الْبَعِير. أَي: صَار ذَا غُدَّة. وَمعنى: أركز الرجل، صَار لَهُ ركاز من قطع الذَّهَب، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَلَا يُقَال إلَاّ بِهَذَا الْقَيْد، أَعنِي من قطع الذَّهَب، وَلَا يُقَال: أركز الرجل مُطلقًا. قَوْله: (ثمَّ نَاقض) أَي:
نَاقض هَذَا الْقَائِل قَوْله، وَجه هَذِه المناقضة على زَعمه أَنه قَالَ، أَولا: الْمَعْدن يجب فِيهِ الْخمس، لِأَنَّهُ ركاز، وَقَالَ ثَانِيًا: إِنَّه لَا يُؤدى الْخمس فِي الرِّكَاز، وَهُوَ متناول للمعدن. قَوْله: (أَن يَكْتُمهُ) أَي: عَن السَّاعِي حَتَّى لَا يُطَالب بِهِ. قلت: هَذَا لَيْسَ بمناقضة لِأَنَّهُ فهم من كَلَام هَذَا الْقَائِل غير مَا أَرَادَهُ فصدر هَذَا عَنهُ بِلَا تَأمل وَلَا ترو.
بَيَان ذَلِك أَن الطَّحَاوِيّ حكى عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ: من وجد ركازا فَلَا بَأْس أَن يُعْطي الْخمس للْمَسَاكِين وَإِن كَانَ مُحْتَاجا جَازَ لَهُ أَن يَأْخُذهُ لنَفسِهِ، قَالَ: وَإِنَّمَا أَرَادَ أَبُو حنيفَة أَنه تَأَول أَن لَهُ حَقًا فِي بَيت المَال، ونصيبا فِي الْفَيْء، فَلذَلِك لَهُ أَن يَأْخُذ الْخمس لنَفسِهِ عوضا من ذَلِك، وَلَقَد صدق الشَّاعِر:
(وَكم من عائب قولا صَحِيحا ... وآفته من الْفَهم السقيم)
والكرماني أَيْضا مَشى فِي مشيهم، وَلكنه اعْترف أَن النَّقْض تعسف، حَكَاهُ عَن ابْن بطال، وَرَضي بِهِ. وَقَالَ بَعضهم: نقل الطَّحَاوِيّ عَن أبي حنيفَة أَيْضا أَنه: لَو وجد فِي دَاره معدنا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء، ثمَّ قَالَ: وَبِهَذَا يتَّجه اعْتِرَاض الطَّحَاوِيّ. قلت: مَعْنَاهُ: لَا يجب عَلَيْهِ شَيْء فِي الْحَال إلَاّ إِذا حَال الْحول وَكَانَ نِصَابا يجب فِيهِ الزَّكَاة، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد: يجب الْخمس فِي الْحَال، وَعند مَالك وَالشَّافِعِيّ: الزَّكَاة فِي الْحَال، وَهَذَا مُخَالف لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا زَكَاة فِي مَال حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول) ، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَالْفرق بَين الْمَعْدن والركاز أَن الْمَعْدن يحْتَاج إِلَى عمل ومؤونة ومعالجة، بِخِلَاف الرِّكَاز. قلت: هَذَا شَيْء عَجِيب لِأَنَّهُ لَيْسَ بِهَذَا يعرف حَقِيقَة كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا هِيَ، وَالْفرق بَين الْأَشْيَاء بِبَيَان ماهياتها وحقائقها، وَالَّذِي ذكره هَذَا من اللوازم الخارجية عَن الْمَاهِيّة.
٩٩٤١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ وعَنْ أبي سلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ العَجْمَاءُ جُبَارٌ وَالبِئْرُ جُبَارٌ والمَعْدَنُ جُبارٌ وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ..
التَّرْجَمَة هِيَ عين متن الْجُزْء الْأَخير من الحَدِيث، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن إِسْحَاق بن عِيسَى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزَّكَاة وَفِي الرِّكَاز عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم أَيْضا وَأَصْحَاب السّنَن من رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ، وَأوردهُ البُخَارِيّ فِي الْأَحْكَام وَلَيْسَ فِي رِوَايَته، وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة ذكر لأبي سَلمَة، وَإِنَّمَا هُوَ عَن ابْن الْمسيب فَقَط، وَرَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة الْأسود بن الْعَلَاء عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ؛ (الْبِئْر جرحها جَبَّار والمعدن جرحه جَبَّار وَفِي الرِّكَاز الْخمس) . وَاتفقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ من رِوَايَة مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (العجماء عقلهَا جَبَّار) الحَدِيث، وَقد ذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الْعِلَل) وَقد سُئِلَ عَن هَذَا الحَدِيث: إِنَّه اخْتلف فِيهِ على الزُّهْرِيّ فِي كَونه عَن ابْن الْمسيب وَأبي سَلمَة، أَو عَن سعيد فَقَط، أَو عَن أبي سَلمَة فَقَط، أَو عَن سعيد بن الْمسيب وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة، أَو عَن عبيد الله وَحده، وَأَنه اخْتلف فِيهِ على اللَّيْث وعَلى مَالك وعَلى ابْن عُيَيْنَة وعَلى يُونُس ابْن يزِيد، فَقيل: عَن اللَّيْث عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد وَحده، وَرَوَاهُ القعْنبِي وَمصْعَب عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد فَقَط، وَقَالَ ابْن وهب: عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة وَحده، وَرَوَاهُ شبيب بن سعيد عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد وَأبي سَلمَة وَرَوَاهُ ابْن وهب عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ إِسْحَاق بن رَاشد عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله وَحده. قَالَ: وَالصَّحِيح عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد وَأبي سَلمَة. قَالَ: وَحَدِيثه عَن عبيد الله غير مَدْفُوع لِأَنَّهُ قد اجْتمع عَلَيْهِ إثنان، وَلما رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا اللَّيْث بن سعد عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (العجماء جَبَّار) الحَدِيث.
قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن أنس بن مَالك وَعبد الله بن عَمْرو وَعبادَة بن الصَّامِت وَعَمْرو بن عَوْف الْمُزنِيّ وَجَابِر. قلت: وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن عبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عَبَّاس وَزيد بن أَرقم وَأبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وسراء بنت نَبهَان الغنوية. فَحَدِيث أنس عِنْد أَحْمد وَالْبَزَّار مطولا، وَفِيه: (هَذَا ركاز وَفِيه الْخمس) . وَحَدِيث عبد الله بن عمر وَعند
الشَّافِعِي من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي كنز وجده رجل فِي خربة جَاهِلِيَّة: (إِن وجدته فِي قَرْيَة مسكونة أَو سَبِيل مَيتا فَعرفهُ، فَإِن وجدته فِي خربة جَاهِلِيَّة أَو فِي قَرْيَة غير مسكونة فَفِيهِ وَفِي الرِّكَاز الْخمس) . وَحَدِيث عبد الله بن الصَّامِت رَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة إِسْحَاق بن يحيى بن الْوَلِيد عَن عبَادَة بن الصَّامِت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (قضى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الْمَعْدن جَبَّار وجرحها جَبَّار) . والعجماء: الْبَهِيمَة من الْأَنْعَام وَغَيرهَا، والجبار هُوَ الهدر لَا يغرم، وَهَذَا مُنْقَطع لِأَن إِسْحَاق لم يدْرك عبَادَة. وَحَدِيث عَمْرو بن عَوْف الْمُزنِيّ رَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا من رِوَايَة ابْن كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (العجماء جرحها جَبَّار والمعدن جَبَّار) ، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) بِهَذَا الْإِسْنَاد مُقْتَصرا على قَوْله: (وَفِي الرِّكَاز الْخمس) . وَحَدِيث جَابر رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار من رِوَايَة مجَالد عَن الشّعبِيّ عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رسو ل الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (السائبة) الحَدِيث، وَفِيه: (فِي الرِّكَاز الْخمس) . وَحَدِيث ابْن مَسْعُود رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة عَلْقَمَة عَن عبد الله بن مَسْعُود عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (العجماء جَبَّار والسائمة جَبَّار وَفِي الرِّكَاز الْخمس) . وَحَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) من رِوَايَة عِكْرِمَة عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (قضى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الرِّكَاز الْخمس. وَحَدِيث زيد بن أَرقم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن رجل عَن زيد بن أَرقم، قَالَ: (بعث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عليا عَاملا على الْيمن، فَأتى بركاز فَأخذ مِنْهُ الْخمس وَدفع بَقِيَّته إِلَى صَاحبه، فَبلغ ذَلِك إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأعجبه) وَهَذَا مُنْقَطع لأجل الرجل الَّذِي لم يسم. وَحَدِيث سراء بنت نَبهَان الغنوية رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث سَاكِنة بنت الْجَعْد عَن سراء بنت نَبهَان الغنوية، قَالَت: (احتفر الْحَيّ فِي دَار كلاب فَأَصَابُوا بهَا كنزا عاديا، فَقَالَت كُلَيْب: دَارنَا، وَقَالَ الْحَيّ: احتفرنا، فنافروهم فِي ذَلِك إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقضى بهم للحي وَأخذ مِنْهُم الْخمس) ، الحَدِيث فِيهِ أَحْمد بن الْحَارِث الغساني، قَالَ البُخَارِيّ فِيهِ نظر، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مَتْرُوك.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (العجماء) أَي: الْبَهِيمَة، وَسميت العجماء لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّم، وَعَن أبي حَاتِم: يُقَال لكل من لم يبين الْكَلَام من الْعَرَب والعجم وَالصغَار: أعجم ومستعجم، وَكَذَلِكَ من الطير والبهائم كلهَا، وَالِاسْم: العجمة. قَوْله: (جَبَّار) ، بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ الهدر، يَعْنِي: لَيْسَ فِيهِ ضَمَان. وَفِي (التَّلْوِيح) : الْجَبَّار الهدر الَّذِي لَا قَوَدَ فِيهِ وَلَا دِيَّةَ، وكل مَا أفسد وَأهْلك جَبَّار، ذكره ابْن سَيّده، وَفِيه حذف لَا بُد من تَقْدِيره، وَهُوَ فعل: العجماء جَبَّار، لِأَن الْمَعْلُوم أَن نفس العجماء لَا يُقَال لَهَا هدر، وَبلا تَقْدِير لَا يرتبط الْخَبَر بالمبتدأ. قَوْله: (والبئر جَبَّار) ، مَعْنَاهُ الرجل يحْفر بِئْرا بفلاة أَو بِحَيْثُ يجوز لَهُ من الْعمرَان فَيسْقط فِيهَا رجل أَو يسْتَأْجر من يحْفر لَهُ بِئْرا فِي ملكه فينهار عَلَيْهِ فَلَا شيى عَلَيْهِ، وَكَذَا الْمَعْدن إِذا اسْتَأْجر من يحفره، وَكَذَا فِي قَوْله: والبئر جَبَّار، حذف تَقْدِيره: وَسُقُوط الْبِئْر على الشَّخْص جَبَّار، أَو: سُقُوط الشَّخْص فِي الْبِئْر، وَكَذَا التَّقْدِير فِي الْمَعْدن، وَالْمَشْهُور فِي الْبِئْر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا همزَة سَاكِنة، وَيجوز تسهيلها. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: رَوَاهُ بَعضهم: النَّار جَبَّار، وَقَالَ أهل الْيمن يَكْتُبُونَ: النَّار، بِالْبَاء وَمَعْنَاهُ عِنْدهم أَن من استوقد نَارا يما يجوز لَهُ فتعدت إِلَى مَا لَا يجوز فَلَا شَيْء فِيهِ، وَرُوِيَ فِي حَدِيث جَابر، والجب جَبَّار، وَهَذَا يدل على أَن المُرَاد: الْبِئْر لَا النَّار، كَمَا هُوَ فِي الْكتب السِّتَّة الْمَشْهُورَة، وَورد فِي بعض طرق الحَدِيث: الرجل جَبَّار، فاستدل بِهِ من فرق فِي حَالَة كَون راكبها مَعهَا بَين أَن يضْرب بِيَدِهَا أَو يرمح برجلها، فَإِن أفسدت بِيَدِهَا ضمنه، وَإِن رمحت برجلها لَا يضمن. قَوْله: (وَفِي الرِّكَاز الْخمس) أَي: يجب، أَو وَاجِب.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: مَسْأَلَة العجماء، ظَاهر الحَدِيث مُطلق، وَلكنه مَحْمُول على مَا إِذا اتلفت شَيْئا بِالنَّهَارِ وأتلفت بِاللَّيْلِ من غير تَفْرِيط من مَالِكهَا، أَو أتلفت وَلم يكن مَعهَا أحد، والْحَدِيث مُحْتَمل أَيْضا أَن تكون الْجِنَايَة على الْأَبدَان، أَو على الْأَمْوَال، فَالْأول أقرب إِلَى الْحَقِيقَة، لِأَنَّهُ ورد فِي (صَحِيح مُسلم) وَفِي (البُخَارِيّ) أَيْضا فِي الدِّيات: العجماء جرحها جَبَّار، وَفِي لفظ: (عقلهَا جَبَّار) ، لما مر، وعَلى كل تَقْدِير لم يَقُولُوا بِالْعُمُومِ فِي إهدار كل متْلف من بدن أَو مَال عَن مَا بَين فِي كتب الْفُرُوع، وَالْمرَاد بِجرح العجماء إتلافها، سَوَاء كَانَ بِجرح أَو غَيره، وَقَالَ عِيَاض: أجمع الْعلمَاء على أَن جِنَايَة الْبَهَائِم بِالنَّهَارِ لَا ضَمَان فِيهَا إِذا
لم يكن مَعهَا أحد، فَإِن كَانَ مَعهَا رَاكب أَو سائق أَو قَائِد، فجمهور الْعلمَاء على ضَمَان مَا أتلفت، وَقَالَ دَاوُد وَأهل الظَّاهِر: لَا ضَمَان بِكُل حَال، سَوَاء كَانَ بِرَجُل أَو بقدم لإِطْلَاق النَّص، إلَاّ أَن يحملهَا الَّذِي فَوْقهَا على ذَلِك، أَو يَقْصِدهُ فَيكون حِينَئِذٍ كالآلة، وَكَذَا إِذا تعدى فِي ربطها أَو إرسالها فِي مَوضِع لَا يجب ربطها فِيهِ. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة بِالْإِطْلَاقِ، يَعْنِي سَوَاء كَانَ إتلافها بِيَدِهَا أَو رجلهَا أَو فمها، وَنَحْوه، فَإِنَّهُ يجب ضَمَانه فِي مَال الَّذِي هُوَ مَعهَا، سَوَاء كَانَ مَالِكهَا أَو مُسْتَأْجرًا أَو مستعيرا أَو غَاصبا أَو مودعا أَو وَكيلا أَو غَيره، إلَاّ أَن تتْلف آدَمِيًّا فَتجب دِيَته على عَاقِلَة الَّذِي مَعهَا، وَالْكَفَّارَة فِي مَاله. وَقَالَ مَالك وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ: لَا ضَمَان فِيمَا إِذا أَصَابَته بِيَدِهَا أَو رجلهَا، وَعند أبي حنيفَة أَنه: لَا ضَمَان فِيمَا رمحت برجلها دون يَدهَا لِإِمْكَان التحفظ من الْيَد دون الرجل، وَأما إِذا أتلفت بِالنَّهَارِ وَكَانَت مَعْرُوفَة بالإفساد وَلم يكن مَعهَا أحد، فَإِن مَالِكهَا يضمن، لِأَن عَلَيْهِ ربطها وَالْحَالة هَذِه، وَأما جنايتها بِاللَّيْلِ فَقَالَ مَالك: يضمن صَاحبهَا مَا أتلفته، وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَصْحَابه: إِن فرط فِي حفظهَا ضمن وإلَاّ فَلَا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا ضَمَان فِيمَا رعته نَهَارا. وَقَالَ اللَّيْث وَسَحْنُون: يضمن، وَقد ورد حَدِيث صَحِيح مَرْفُوع فِي إتلافها بِاللَّيْلِ دون النَّهَار فِي الْمزَارِع، وَإنَّهُ يضمن كَمَا قَالَه مَالك، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث حرَام بن محيصة عَن الْبَراء، وَمن حَدِيث حرَام عَن أَبِيه: أَن نَاقَة للبراء بن عَازِب دخلت حَائِط رجل فأفسدته فَقضى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على أهل الْأَمْوَال حفظهَا بِالنَّهَارِ، وعَلى أهل الْمَوَاشِي حفظهَا بِاللَّيْلِ.
الْوَجْه الثَّانِي: مَسْأَلَة الْبِئْر، وَقد ذَكرْنَاهُ.
الْوَجْه الثَّالِث: مَسْأَلَة الرِّكَاز، وَفِيه وجوب الْخمس وَهُوَ إِجْمَاع الْعلمَاء إلَاّ مَا رُوِيَ عَن الْحسن وَقد ذَكرْنَاهُ. وَقد ذكرنَا أَيْضا أَن الرِّكَاز قطع من الذَّهَب تخرج من الْمَعَادِن. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَل فِي الحَدِيث مَا يدل على أَن الْمَعْدن لَيْسَ بركاز؟ قلت: نعم حَيْثُ عطف الرِّكَاز على الْمَعْدن، وَفرق بَينهمَا بواو فاصلة فصح أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ، وَأَن الْخمس فِي الرِّكَاز لَا فِيهِ. قلت: الْكرْمَانِي حفظ شَيْئا وَغَابَتْ عَنهُ أَشْيَاء، وروى الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) من حَدِيث حبَان بن عَليّ عَن عبد الله بن سعيد بن أبي عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الرِّكَاز الذَّهَب الَّذِي ينْبت بِالْأَرْضِ) ، ثمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف عَن عبد الله بن سعيد عَن أَبِيه عَن جده عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (فِي الرِّكَاز الْخمس، قيل: وَمَا الرِّكَاز يَا رَسُول الله؟ قَالَ: الذَّهَب الَّذِي خلقه الله تَعَالَى فِي الأَرْض يَوْم خلقت) . انْتهى. وَهَذَا يُنَادي بِأَعْلَى صَوته أَن الرِّكَاز هُوَ الْمَعْدن، وأصرح مِنْهُ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الْعِلَل) وَإِن كَانَ تكلم فِيهِ حَدِيث أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الرِّكَاز الَّذِي ينْبت على وَجه الأَرْض) ، وَذكر حميد بن زَنْجوَيْه النَّسَائِيّ فِي (كتاب الْأَمْوَال) عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه جعل الْمَعْدن ركازا وَأوجب فِيهِ الْخمس، وَمثله عَن الزُّهْرِيّ، وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مَكْحُول أَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، جعل الْمَعْدن بِمَنْزِلَة الرِّكَاز فِيهِ الْخمس. فَافْهَم.
الْوَجْه الرَّابِع فِي الْمَعْدن، وَهُوَ أَنْوَاع ثَلَاثَة: مَا يذوب بالنَّار وَلَا ينطبع، كالجص والنورة والكحل والزرنيخ والمغرة. وَمَا يُوجد فِي الْجبَال، كالياقوت والزمرد والبلخش والفيروزج، وَنَحْوهَا. وَمَا يكون مَائِعا: كالقار والنفط وَالْملح المائي وَنَحْوهَا، فالوجوب يخْتَص بالنوع الأول دون النَّوْعَيْنِ الْأَخيرينِ عندنَا، وَأوجب أَحْمد فِي الْجَمِيع، وَمَالك وَالشَّافِعِيّ فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة خَاصَّة، وَعُمُوم الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ.
الْوَجْه الْخَامِس أَنه يجب فِي قَلِيله وَكَثِيره، وَلَا يشْتَرط فِيهِ النّصاب عندنَا، وَاشْترط مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد أَن يكون الْمَوْجُود نِصَابا وَلم يشترطوا الْحول. وَقَالُوا: كم من حول قد مضى عَلَيْهِ؟ وَضعف هَذَا الْكَلَام ظَاهر، لِأَن الْأَحْوَال الَّتِي مَضَت عَلَيْهِ فِي غير ملك الْوَاجِد، فَكيف يحْسب عَلَيْهِ؟ وَاخْتَارَ دَاوُد وَإِسْحَاق وَابْن الْمُنْذر وَأحمد والمزني وَالشَّافِعِيّ والبويطي اشْتِرَاط النّصاب والحول فِي ذَلِك، وَلنَا النُّصُوص خَالِيَة عَن اشْتِرَاط النّصاب، فَلَا يجوز اشْتِرَاطه بِغَيْر دَلِيل سَمْعِي.
الْوَجْه السَّادِس: فِي مَكَانَهُ إِن وجد الْمُسلم أَو الذِّمِّيّ فِي دَاره معدنا فَهُوَ لَهُ وَلَا شَيْء فِيهِ عِنْد أبي حنيفَة وَأحمد إلَاّ إِذا حَال عَلَيْهِ الْحول وَهُوَ نِصَاب فَفِيهِ الزَّكَاة، وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد: يجب الْخمس فِي الْحَال، وَعند مَالك وَالشَّافِعِيّ: الزَّكَاة فِي الْحَال
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الرَّجُلِ الْجَلِيلِ الْقَدْرِ، وَاسْمُ أَبِي أَوْفَى عَلْقَمَةُ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيُّ شَهِدَ هُوَ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بَيْعَةَ الرَّضْوَانِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَعُمِّرَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى أَنْ كَانَ آخِرَ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْكُوفَةِ، وَذَلِكَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: يَدْعُو آخِذُ الصَّدَقَةِ لِلمتَّصَدُّقِ بِهَذَا الدُّعَاءِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَأَجَابَ الْخَطَّابِيُّ عَنْهُ قَدِيمًا بِأَنَّ أَصْلَ الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ إِلَّا أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْمَدْعُوِّ لَهُ، فَصَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ دُعَاءٌ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ، وَصَلَاةُ أُمَّتِهِ عَلَيْهِ دُعَاءٌ لَهُ بِزِيَادَةِ الْقُرْبَى وَالزُّلْفَى، وَلِذَلِكَ كَانَ لَا يَلِيقُ بِغَيْرِهِ. انْتَهَى.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ دُعَاءِ آخِذِ الزَّكَاةِ لِمُعْطِيهَا، وَأَوْجَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَحَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَعَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَلِأَنَّ سَائِرَ مَا يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ مِنَ الْكَفَّارَاتِ وَالدُّيُونِ وَغَيْرِهِمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا الدُّعَاءُ، فَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ خَاصًّا بِهِ، لِكَوْنِ صَلَاتِهِ سَكَنًا لَهُمْ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
٦٥ - بَاب مَا يُسْتَخْرَجُ مِنْ الْبَحْرِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَيْسَ الْعَنْبَرُ بِرِكَازٍ هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ
وَقَالَ الْحَسَنُ: فِي الْعَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ الْخُمُسُ فَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسَ لَيْسَ فِي الَّذِي يُصَابُ فِي الْمَاءِ
١٤٩٨ وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ.
الحديث ١٤٩٨ - أطرافه في: ٢٠٦٣، ٢٢٩١، ٢٤٠٤، ٢٤٣٠، ٢٧٣٤، ٦٢٦١]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ) أَيْ هَلْ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَوْ لَا؟ وَإِطْلَاقُ الِاسْتِخْرَاجِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِسُهُولَةٍ كَمَا يُوجَدُ فِي السَّاحِلِ، أَوْ بِصُعُوبَةٍ كَمَا يُوجَدُ بَعْدَ الْغَوْصِ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَيْسَ الْعَنْبَرُ بِرِكَازٍ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ) اخْتُلِفَ فِي الْعَنْبَرِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ السَّلَمِ مِنَ الْأُمِّ: أَخْبَرَنِي عَدَدٌ مِمَّنْ أَثِقُ بِخَبَرِهِ أَنَّهُ نَبَاتٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ فِي جَنَبَاتِ الْبَحْرِ، قَالَ: وَقِيلَ: إِنَّهُ يَأْكُلُهُ حُوتٌ فَيَمُوتُ فَيُلْقِيهِ الْبَحْرُ فَيُؤْخَذُ فَيُشَقُّ بَطْنُهُ فَيُخْرَجُ مِنْهُ. وَحَكَى ابْنُ رُسْتُمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ يَنْبُتُ فِي الْبَحْرِ بِمَنْزِلَةِ الْحَشِيشِ فِي الْبَرِّ، وَقِيلَ: هُوَ شَجَرٌ يَنْبُتُ فِي الْبَحْرِ فَيَتَكَسَّرُ فَيُلْقِيهِ الْمَوْجُ إِلَى السَّاحِلِ، وَقِيلَ: يَخْرُجُ مِنْ عَيْنٍ، قَالَهُ ابْنُ سِينَا، قَالَ: وَمَا يُحْكَى مِنْ أَنَّهُ رَوْثُ دَابَّةٍ أَوْ قَيْؤُهَا أَوْ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ بَعِيدٌ. وَقَالَ ابْنُ الْبَيْطَارِ فِي جَامِعِهِ: هُوَ رَوْثُ دَابَّةٍ بَحْرِيَّةٍ، وَقِيلَ: هُوَ شَيْءٌ يَنْبُتُ فِي قَعْرِ الْبَحْرِ، ثُمَّ حُكِيَ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ عَنِ الشَّافِعِيِّ. وَأَمَّا الرِّكَازُ فَبِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْكَافِ وَآخِرُهُ زَايٌ سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَدَسَرَهُ: أَيْ دَفَعَهُ وَرَمَى بِهِ إِلَى السَّاحِلِ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أُذَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَمِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. وَصَرَّحَ فِيهِ بِسَمَاعِ أُذَيْنَةَ لَهُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ
عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ مِثْلَهُ، وَأُذَيْنَةُ بِمُعْجَمَةٍ وَنُونٍ مُصَغَّرٌ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ.
وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ التَّوَقُّفُ فِيهِ، فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْعَنْبَرِ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ فَفِيهِ الْخُمُسُ. وَيُجْمَعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّهُ كَانَ يَشُكُّ فِيهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنْ لَا زَكَاةَ فِيهِ فَجَزَمَ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: فِي الْعَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ الْخُمُسُ) وَصَلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: فِي الْعَنْبَرِ الْخُمُسُ، وَكَذَلِكَ اللُّؤْلُؤُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ. . . إِلَخْ) سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي الَّذِي بَعْدَهُ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى مَا قَالَ الْحَسَنُ، لِأَنَّ الَّذِي يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ لَا يُسَمَّى فِي لُغَةِ الْعَرَبِ رِكَازًا عَلَى مَا سَيَأْتِي شَرْحُهُ، قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: وَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ أَنَّ غَيْرَ الرِّكَازِ لَا خُمُسَ فِيهِ، وَلَا سِيَّمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْعَنْبَرُ، لِأَنَّهُمَا يَتَوَلَّدَانِ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ فَأَشْبَهَا السَّمَكَ. انْتَهَى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ إِلَخْ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ أَوْرَدَهُ ثُمَّ وَصَلَهُ فِي الْبُيُوعِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَتِنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ مُعَلَّقًا، وَوَصَلَهُ أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ وَصِيفٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَسَّانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بِهِ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الْحَافِظِ أَبِي عَلِيٍّ الصَّدَفِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنِ اللَّيْثِ، فَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ إِنَّمَا لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْهُ لِكَوْنِهِ مَا سَمِعَهُ عِنْهُ، أَوْ لِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ فَلَمْ يُوَافِقْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ. انْتَهَى. وَالْأَوَّلُ بَعِيدٌ، سَلَّمْنَا، لَكِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ عَاصِمٌ فَقَدِ اعْتَرَفَ أَبُو عَلِيٍّ بِذَلِكَ فَقَالَ فِي آخِرٍ كَلَامِهِ: رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ. قُلْتُ: وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَصَلَهُ فِيهِ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ شَيْءٌ يُنَاسِبُ التَّرْجَمَةَ، رَجُلٌ اقْتَرَضَ قَرْضًا فَارْتَجَعَ قَرْضَهُ، وَكَذَا قَالَ الدَّاوُدِيُّ: حَدِيثُ الْخَشَبَةِ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي شَيْءٍ، وَأَجَابَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ بِأَنَّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ جَازَ أَخْذُهُ وَلَا خُمُسَ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَوْضِعُ الِاسْتِشْهَادِ مِنْهُ أَخْذُ الرَّجُلِ الْخَشَبَةَ عَلَى أَنَّهَا حَطَبٌ، فَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ إِبَاحَةُ مَا يَلْفِظُهُ الْبَحْرُ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ مِمَّا نَشَأَ فِي الْبَحْرِ أَوْ عَطِبَ فَانْقَطَعَ مِلْكُ صَاحِبِهِ، وَكَذَلِكَ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَوْلَى، وَكَذَلِكَ مَا يَحْتَاجُ إِلَى مُعَانَاةٍ وَتَعَبٍ فِي اسْتِخْرَاجِهِ أَيْضًا، وَقَدْ فَرَّقَ الْأَوْزَاعِيُّ بَيْنَ مَا يُوجَدُ فِي السَّاحِلِ، فَيُخَمَّسُ أَوْ فِي الْبَحْرِ بِالْغَوْصِ أَوْ نَحْوِهِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَكَذَا الزُّهْرِيُّ وَالْحَسَنُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
٦٦ - بَاب فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ
وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ إِدْرِيسَ: الرِّكَازُ دِفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الْخُمُسُ وَلَيْسَ الْمَعْدِنُ بِرِكَازٍ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فِي الْمَعْدِنِ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ وَأَخَذَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ الْمَعَادِنِ مِنْ كُلِّ مِائَتَيْنِ خَمْسَةً، وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا كَانَ مِنْ رِكَازٍ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فَفِيهِ الْخُمُسُ، وَمَا كَانَ مِنْ أَرْضِ السِّلْمِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ وَجَدْتَ اللُّقَطَةَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَعَرِّفْهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْعَدُوِّ فَفِيهَا الْخُمُسُ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الْمَعْدِنُ رِكَازٌ مِثْلُ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: أَرْكَزَ الْمَعْدِنُ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ قِيلَ لَهُ قَدْ يُقَالُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ شَيْءٌ أَوْ رَبِحَ رِبْحًا كَثِيرًا أَوْ كَثُرَ ثَمَرُهُ أَرْكَزْتَ ثُمَّ نَاقَضَ وَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتُمَهُ فَلَا يُؤَدِّيَ الْخُمُسَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الحشيش في البرِّ، وقِيلَ: إنَّه شجرٌ ينبت في البحر، فينكسر فيلقيه الموج إلى السَّاحل، وقال الشَّافعيُّ في «كتاب السَّلم» من «الأمِّ»: أخبرني عددٌ ممَّن أثق بخبرهم، أنَّه نباتٌ يخلقه الله تعالى في جنبات البحر (هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ) بفتح المهملات، أي: دفعه ورمى به إلى السَّاحل.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (فِي العَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ) وهو قطر الرَّبيع يقع في الصَّدف (١) (الخُمُسُ) قال البخاريُّ رادًّا على قوله هذا: (فَإِنَّمَا) كذا في «اليونينيَّة»، وفي غيرها: «وإنَّما» (جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ) الحديث الذي سيأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى - موصولًا [خ¦١٤٩٩] (فِي الرِّكَازِ) الذي هو من دفين الجاهليَّة في الأرض (الخُمُسَ، لَيْسَ فِي الَّذِي يُصَابُ فِي المَاءِ) لأنَّ الذي يُستخرَج من البحر لا يُسمَّى في لغة العرب ركازًا.
١٤٩٨ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ، ممَّا وصله المؤلِّف في «البيوع» [خ¦٢٠٦٣]: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شرحبيل المصريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ) الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «عن رسول الله» (ﷺ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ) ولأبي ذرٍّ: «أن» (يُسْلِفَهُ) بضمِّ أوَّله، من أسلف (أَلْفَ دِينَارٍ) زاد في «باب الكفالة في القرض والدُّيون» [خ¦٢٢٩١]: «فقال: ائتني بالشُّهداء أُشْهِدُهم، قال: كفى بالله شهيدًا، قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلًا، قال: صدقت» (فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ) وزاد أيضًا فيه (٢): «إلى أجلٍ مُسمًّى» (فَخَرَجَ فِي البَحْرِ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا) بفتح الكاف، أي: سفينةً يركب عليها، ويجيء إلى صاحبه، أو يبعث فيها قضاء دينه (فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا) قوَّرها (فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ) زاد أيضًا في «الكفالة» [خ¦٢٢٩١]: «وصحيفةً منه إلى صاحبه» (فَرَمَى بِهَا) أي: بالخشبة
(فِي البَحْرِ) بقصد أنَّ الله تعالى يوصلها لربِّ المال (فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ) الألف دينارٍ (فَإِذَا بِالخَشَبَةِ) أي: فإذا هو مُفاجَأٌ بالخشبة (فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا) نُصِبَ على أنَّ «أخذ» من أفعال المقاربة، فتعمل عمل «كان»، أو بفعل مُقدَّرٍ، أي: يستعملها استعمال الحطب في الوقود (١) (فَذَكَرَ الحَدِيثَ) بتمامه، ويأتي -إن شاء الله تعالى- في «باب الكفالة في القرض» [خ¦٢٢٩١] (فَلَمَّا نَشَرَهَا) أي: قطع الخشبة بالمنشار (وَجَدَ المَالَ) الذي كان أسلفه.
وموضع التَّرجمة قوله: «فإذا بالخشبة فأخذها لأهله حطبًا» وأدنى الملابسة في التَّطابق كافٍ، وقال ابن المُنيِّر: موضع الاستشهاد إنَّما هو أخذُ الخشبة على أنَّها حطبٌ، فدلَّ على إباحة مثل ذلك ممَّا يلفظه البحر، إمَّا ممَّا (٢) ينشأ فيه؛ كالعنبر، أو ممَّا سبق فيه ملكٌ وعَطِبَ (٣)، وانقطع ملك صاحبه منه على اختلافٍ بين العلماء في تمليك هذا مطلقًا أو مُفصَّلًا، وإذا جاز تمليك (٤) الخشبة، وقد تقدَّم عليها ملك متملِّكٍ؛ فنحو العنبر الذي لم يتقدَّم عليه ملكٌ أَوْلى.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الكفالة» [خ¦٢٢٩١] و «الاستقراض» [خ¦٢٤٠٤] و «اللُّقطة» [خ¦٢٤٣٠] و «الشُّروط» [خ¦٢٧٣٤] و «الاستئذان» [خ¦٦٢٦١]، والنَّسائيُّ في «اللُّقطة» وتأتي بقيَّة مباحثه إن شاء الله تعالى في محالِّه، بعون الله وقوَّته.
(٦٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي الرِّكَازِ الخُمُسُ) بالرَّفع، مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، و «الرِّكَاز» بكسر الرَّاء وتخفيف الكاف، آخره زايٌ؛ هو (١) من دفين الجاهليَّة، كأنَّه رُكِز في الأرض ركزًا، أي: غُرِز، وإنَّما كان فيه الخمس؛ لكثرة نفعه وسهولة أخذه. (وَقَالَ مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة، ممَّا رواه أبو عُبيدٍ في «كتاب الأموال» (وَابْنُ إِدْرِيسَ) هو الشَّافعيُّ، الإمام الأعظم صاحب المذهب، كما جزم به أبو زيدٍ المروزيُّ أحد الرُّواة عن الفَِرَبْريِّ، وتابعه البيهقيُّ وجمهور الأئمَّة، وعبارة البيهقيِّ كما رأيته في كتابه «معرفة السُّنن والآثار»: قد حكى محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ مذهبَ مالكٍ والشَّافعيِّ في الرِّكاز والمعدن في «كتاب الزَّكاة» من «الجامع»، فقال (٢): وقال مالكٌ وابن إدريس؛ يعني: الشَّافعيُّ، وقِيلَ: المراد بابن إدريس: عبد الله بن إدريس، الأوديُّ الكوفيُّ: (الرِّكَازُ دِفْنُ الجَاهِلِيَّةِ) بكسر الدَّال وسكون الفاء، أي: الشَّيء المدفون، كذِبْحٍ بمعنى: مذبوحٍ، وبالفتح: المصدر، ولا يُراد هنا؛ كذا قاله ابن حجرٍ كالزَّركشيِّ (٣)، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه يصحُّ الفتح على أن يكون مصدرًا أُرِيد به المفعول؛ مثل: الدِّرهم ضَرْبُ الأمير، وهذا الثَّوب نسجُ اليمن (فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الخُمُْسُ) بضمَّتين، وقد تُسكَّن الميم، وهذا (٤) قول أبي حنيفة ومالكٍ وأحمد، وبه قال إمامنا الشَّافعيُّ في القديم، وشرط في الجديد النِّصاب، فلا تجب الزَّكاة فيما دونه إلَّا إذا كان في ملكه من جنس النَّقد الموجود (وَلَيْسَ المَعْدِنُ) بكسر الدَّال، أي: المكان من الأرض يخرج منه شيءٌ من الجواهر والأجساد؛ كالذَّهب والفضَّة والحديد والنُّحاس والرَّصاص والكبريت وغير ذلك، مأخوذٌ من: عدن بالمكان؛ إذا أقام به، يعدِن -بالكسر- عُدُونًا، سُمِّي بذلك؛ لعدون ما أنبته الله فيه، قاله الأزهريُّ، وقال في «القاموس»: والمَعْدِن كمَجْلِسٍ: مَنْبِتُ الجواهر من ذهبٍ ونحوه؛ لإقامة
أهله فيه دائمًا، أو لإنبات (١) الله ﷿ إيَّاه فيه (بِرِكَازٍ) لأنَّه لا يدخل تحت اسم الرِّكاز ولا له حكمه (وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ) كما وصله في آخر الباب من حديث أبي هريرة [خ¦١٤٩٩]: (فِي المَعْدِنِ جُبَارٌ) بضمِّ الجيم وتخفيف المُوحَّدة، آخره راءٌ؛ يعني: إذا حفر معدنًا في ملكه أو في مواتٍ، فوقع فيه شخصٌ ومات، أو استأجره لعملٍ في المعدن فهلك؛ لا يضمنه بل دمه هدرٌ، وليس المراد أنَّه لا زكاة فيه (وَفِي الرِّكَازِ) دِفْن الجاهليَّة (الخُمُسُ) ففرَّق بينهما، وجعل لكلٍّ منهما حكمًا، ولو كانا بمعنًى واحدٍ؛ لجمع بينهما، فلمَّا فرَّق بينهما؛ دلَّ على التَّغاير.
(وَأَخَذَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ مِنَ المَعَادِنِ) وهي المستخرجة من موضع خلقها (مِنْ كُلِّ (٢) مئتين) من الدَّراهم (خَمْسَةً) منها، وهي رُبع العُشر، وفي قولٍ: الخمس كالرِّكاز؛ بجامع الخفاء في الأرض، وهذا التَّعليق وصله أبو عُبيدٍ في «كتاب الأموال».
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة بمعناه: (مَا كَانَ مِنْ رِكَازٍ) دِفْن الجاهليَّة (فِي أَرْضِ الحَرْبِ؛ فَفِيهِ الخُمُسُ، وَمَا كَانَ في (٣) أَرْضِ السِّلْمِ) بكسر السِّين وسكون اللَّام، أي: الصُّلح، ولأبي الوقت: «وما كان من أرض السِّلمْ (٤)» (فَفِيهِ الزَّكَاةُ) المعهودة؛ وهي رُبع العُشر، قال ابن المنذر: لا أعرف أحدًا فرَّق هذه التَّفرقة غير الحسن (وَإِنْ وُجِدَت اللُّقَْطَةَ) بضمِّ الواو، مبنيًّا للمفعول، و «اللُّقَْطة» بضمِّ اللَّام المُشدَّدة وفتح القاف وسكونها، وهذا من قول الحسن، ولأبي الوقت: «وُجِدَت لقطةٌ» (فِي أَرْضِ العَدُوِّ؛ فَعَرِّفْهَا) لاحتمال أن تكون للمسلمين، وفي الفرع كأصله: «وإن وَجَدْتَ» بفتح الواو، مبنيًّا (٥) للفاعل «اللَّقطةَ» مفعولٌ (٦) (وَإِنْ كَانَتْ مِنَ العَدُوِّ) أي: من ماله؛ فلا حاجة إلى تعريفها؛ لأنَّها صارت ملكه (فَفِيهَا الخُمُسُ، وَقَالَ بَعْضُ
النَّاسِ) هو الإمام أبو حنيفة، وهذا أوَّل موضعٍ ذكره فيه المؤلِّف بهذه الصِّيغة، ويحتمل أن يكون أراد أبا حنيفة (١) وغيره من الكوفيِّين ممَّن قال بذلك: (المَعْدِنُ رِكَازٌ مِثْلُ دِفْنِ الجَاهِلِيَّةِ) بكسر الدَّال (٢) وفتحها، على ما مرَّ، فيجب فيه أيضًا الخُمس، قال الزُّهريُّ (٣) وأبو عبيدٍ: الرِّكاز: المال (٤) المدفون والمعدن جميعًا (لأَنَّهُ يُقَالُ) ممَّا سُمِع من العرب: (أَرْكَزَ المَعْدِنُ) بفتح الهمزة، فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للفاعل، والضَّمير في «لأنَّه» للشَّأن، واللَّام للتَّعليل (إِذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ) بفتح الخاء المعجمة بغير همزةٍ (٥) قبلها، ولأبي ذرٍّ: «أُخْرِجَ» بهمزةٍ مضمومةٍ (قِيلَ لَهُ) أي: لبعض النَّاس: (قَدْ يُقَالُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ شَيْءٌ) بضمِّ الواو وكسر الهاء مبنيًّا للمفعول، «شيءٌ» رفع نائبٍ عن (٦) الفاعل (أَوْ رَبِحَ رِبْحًا كَثِيرًا، أَوْ كَثُرَ ثَمَرُهُ: أَرْكَزْتَ) بتاء الخطاب، أي: فيلزم أن يُقال: كلُّ (٧) واحدٍ من الموهوب والرِّبح والثَّمر (٨) ركازٌ، ويُقال لصاحبه: أركزت، ويجب فيه الخُمس، لكنَّ الإجماع على خلافه، وإنَّه ليس فيه إلَّا ربع العشر، فالحكم مختلفٌ وإن اتَّفقت التَّسمية، واعترضه بعضهم بأنَّه لم يُنقَل عن بعض النَّاس ولا عن العرب أنَّهم قالوا: أركز المعدن، وإنَّما قالوا: أركز الرَّجل، فإذا لم يكن هذا صحيحًا؛ فكيف يتوجَّه الإلزام بقول القائل: قد يُقال لمن وُهِبَ (٩) .... إلى آخره. ومعنى أركز الرَّجل: صار له ركازٌ من قطع الذَّهب، ولا يلزم منه أنَّه إذا وُهِبَ له شيءٌ أن يُقال له: أركزت؛ بالخطاب، وكذا إذا ربح
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا أتاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ فأتاهُ أبي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أبِي أوْفَى..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُصَلِّي على من يَأْتِي بِصَدَقَتِهِ أَي: زَكَاته، والترجمة فِي صَلَاة الإِمَام لصَاحب الصَّدَقَة.
ذكر رِجَاله وهم: أَرْبَعَة: الأول: حَفْص بن عمر بن الْحَارِث أَبُو حَفْص الحوضي. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: عَمْرو بن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء: ابْن عبد الله بن طَارق الْمرَادِي، وَقد مر فِي تَسْوِيَة الصُّفُوف. الرَّابِع: عبد الله بن أبي أوفى، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْفَاء وبالقصر: واسْمه عَلْقَمَة بن خَالِد بن الْحَارِث الْأَسْلَمِيّ الْمدنِي من أَصْحَاب بيعَة الرضْوَان، رُوِيَ لَهُ خَمْسَة وَتسْعُونَ حَدِيثا للْبُخَارِيّ خَمْسَة عشر، وَهُوَ آخر من بَقِي من أَصْحَابه بِالْكُوفَةِ، مَاتَ سنة سبع وَثَمَانِينَ وَهُوَ أحد الصَّحَابَة السَّبْعَة الَّذين أدركهم أَبُو حنيفَة سنة ثَمَانِينَ، وَكَانَ عمره سبع سِنِين، سنّ التَّمْيِيز والإدراك من الْأَشْيَاء. وَقيل: مولده سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَقيل سنة سبعين، وَالْأول أصح وَأشهر.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: عَن عَمْرو عَن عبد الله وَفِي الْمَغَازِي عَن عَمْرو: وَسمعت ابْن أبي أوفى، وَكَانَ من أَصْحَاب الشَّجَرَة. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَهُوَ كُوفِي وَشعْبَة واسطي وَعَمْرو بن مرّة كُوفِي تَابِعِيّ صَغِير لم يسمع من الصَّحَابَة إلَاّ من ابْن أبي أوفى، وَقَالَ: شُعْبَة كَانَ لَا يُدَلس.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن آدم، وَفِي الدَّعْوَات عَن مُسلم ابْن إِبْرَاهِيم وَسليمَان بن حَرْب فرقهما. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، أربعتهم عَن وَكِيع، وَعَن عبد الله بن معَاذ عَن أَبِيه وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن عبد الله بن إِدْرِيس. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن حَفْص بن عمر وَأبي الْوَلِيد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن يزِيد عَن بهز بن أَسد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع كلهم عَن شُعْبَة بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا أُتِي بِصَدقَة) ، أَي: بِزَكَاة. قَوْله: (صلِّ على آل فلَان) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (صل على فلَان) . قَوْله: (صلِّ على آل أبي أوفى) ، يُرِيد بِهِ: أَبَا أوفى، وَأما لفظ آل، فمقحم، وَأما إِن المُرَاد بِهِ ذَات أبي أوفى لِأَن الْآل يذكر وَيُرَاد بِهِ ذَات الشَّيْء، كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قصَّة أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ: (لقد أُوتِيَ مِزْمَارًا من مَزَامِير آل دَاوُد) . يُرِيد بِهِ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام، وَقيل: لَا يُقَال ذَلِك، إلَاّ فِي حق الرجل الْجَلِيل الْقَدِير، كآل أبي بكر وَآل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقيل: آل الرجل: أَهله، وَالْفرق بَين الْآل والأهل: أَن الْآل قد خص بالأشراف، فَلَا يُقَال آل الحائك وَلَا آل الْحجام. فَإِن قلت: كَيفَ قيل: آل فِرْعَوْن؟ قلت: لتصوره بِصُورَة الْأَشْرَاف، وَفِي الصِّحَاح: أصل آل: أول، وَقيل: أهل، وَلِهَذَا يُقَال فِي تصغيره: أهيل.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور من جوز الصَّلَاة على غير الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، بالاستقلال وَهُوَ قَول أَحْمد أَيْضا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَالْأَكْثَرُونَ: إِنَّه لَا يُصَلِّي على غير الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام اسْتِقْلَالا، فَلَا يُقَال: اللَّهُمَّ صل على آل أبي بكر وَلَا على آل عمر أَو غَيرهمَا، وَلَكِن يصلى عَلَيْهِم تبعا. وَالْجَوَاب عَن هَذَا أَن هَذَا حَقه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لَهُ أَن يُعْطِيهِ لمن شَاءَ، وَلَيْسَ لغيره ذَلِك. وَفِيه: جَوَاز أَن يُقَال: آل فلَان، يُرِيد بِهِ فلَانا، وَفِيه: اسْتِحْبَاب الدُّعَاء للمتصدق، كَمَا ذَكرْنَاهُ مشروحا.
٥٦ - (بابُ مَا يُسْتَخْرَجُ منَ البَحْرِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِي بَيَان حكم مَا يسْتَخْرج من الْبَحْر، وَفِيه حذف تَقْدِيره: هَل تجب فِيهِ الزَّكَاة أم لَا؟ والمحذوف فِي نفس الْأَمر خبر، لِأَن كلمة: (مَا) ، مَوْصُولَة. (ويستخرج) صلتها. وَكلمَة (من) بَيَانِيَّة، وَلَا بُد للموصول من عَائِد، وَهُوَ صفة لشَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره:
بَاب فِي بَيَان حكم الشَّيْء الَّذِي يسْتَخْرج من الْبَحْر: هَل تجب فِيهِ الزَّكَاة؟ كَمَا ذَكرْنَاهُ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لَيْسَ العَنْبَرُ بِرِكازٍ هُوَ شَيءٌ دَسَرَهْ البَحْرُ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي كَون العنبر مِمَّا يسْتَخْرج من الْبَحْر، والعنبر بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ضرب من الطّيب، وَهُوَ غير العبير، بِفَتْح الْعين وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، فَإِنَّهُ أخلاط تجمع بالزعفران. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَن العنبر زبد الْبَحْر، وَقيل: هُوَ رَوْث دَابَّة بحريّة. وَقيل: إِنَّه شَيْء ينْبت فِي قَعْر الْبَحْر فيأكله بعض الدَّوَابّ، فَإِذا امْتَلَأت مِنْهُ قَذَفته رجيعا. وَقَالَ ابْن سينا: هُوَ نبع عين فِي الْبَحْر. وَقيل: إِنَّه من كور النّخل يخرج فِي السنبل بِبَعْض الجزاير، وَقَالَ الشَّافِعِي فِي كتاب السّلم من الْأُم: أَخْبرنِي عدد مِمَّن أَثِق بِخَبَرِهِ: أَنه نَبَات يخلقه الله تَعَالَى فِي جنبات الْبَحْر. وَحكى ابْن رستم عَن مُحَمَّد بن الْحسن أَنه ينْبت فِي الْبَحْر بِمَنْزِلَة الْحَشِيش فِي الْبر. وَقيل: إِنَّه شجر ينْبت فِي الْبَحْر فينكسر فيلقيه الموج إِلَى السَّاحِل. وَقَالَ ابْن سينا: وَمَا يحْكى من أَنه رَوْث دَابَّة أَو قيؤها أَو من زبد الْبَحْر بعيد. قَوْله: (بركاز) الرِّكَاز، بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْكَاف وَفِي آخِره زَاي، وَهُوَ يُقَال للمعدن والكنز جَمِيعًا، والمعدن خَاص لما يكون فِي بَاطِن الأَرْض خلقَة، والكنز خَاص لما يكون مَدْفُونا. والركاز يصلح لَهما، كَمَا قُلْنَا. وَفِي (مجمع الغرائب) : الرِّكَاز الْمَعَادِن وَقيل: هُوَ كنوز الْجَاهِلِيَّة. وَفِي (النِّهَايَة) لِابْنِ الْأَثِير: كنوز الأَرْض الْجَاهِلِيَّة المدفونة فِي الأَرْض، وَهِي المطالب فِي الْعرف عِنْد أهل الْحجاز، وَهُوَ الْمَعَادِن عِنْد أهل الْعرَاق، وَالْقَوْلَان تحتملهما اللُّغَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الرِّكَاز بِمَعْنى المركوز، كالكتاب بِمَعْنى الْمَكْتُوب. قلت: من ركز فِي الأَرْض إِذا اثْبتْ أَصله، والكنز يركز فِي الأَرْض كَمَا يركز الرمْح. قَوْله: (دسره) أَي: دَفعه وَرمى بِهِ إِلَى السَّاحِل. ثمَّ هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق يَعْقُوب بن سُفْيَان: حَدثنَا الْحميدِي وَابْن قعنب وَسَعِيد قَالُوا: حَدثنَا سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن أذينة، قَالَ: سَمِعت ابْن عَبَّاس قَالَ: لَيْسَ العنبر بركاز. وَفِي (المُصَنّف) : حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان بن سعيد عَن عَمْرو بن دِينَار عَن أذينة عَن ابْن عَبَّاس: لَيْسَ فِي العنبر زَكَاة، إِنَّمَا هُوَ شَيْء دسره الْبَحْر، وأذينة مصغر أذن تَابِعِيّ ثِقَة. فَإِن قلت: روى ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن الثَّوْريّ عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، سُئِلَ فِي العنبر فَقَالَ: إِن كَانَ فِيهِ شَيْء فَفِيهِ الْخمس. قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: علق القَوْل فِيهِ فِي هَذِه الرِّوَايَة، وَقطع بِأَن لَا زَكَاة فِيهِ فِي الرِّوَايَة الأولى، وَالْقطع أولى. وَقَالَ ابْن التِّين: قَول ابْن عَبَّاس قَول أَكثر الْعلمَاء. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه أَخذ الْخمس من العنبر؟ قلت: هُوَ مَحْمُول على الْجَيْش، يدْخلُونَ أَرض الْحَرْب فيصيبون العنبر فِي ساحلها وَفِيه الْخمس لِأَنَّهُ غنيمَة.
وَقَالَ الحَسَنُ: فِي العَنْبَرِ وَاللّؤْلُؤِ الخُمُس
الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن معَاذ بن معَاذ عَن أَشْعَث عَن الْحسن أَنه كَانَ يَقُول: فِي العنبر الْخمس، وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُول: فِي اللُّؤْلُؤ، واللؤلؤ مطر الرّبيع يَقع فِي الصدف فعلى هَذَا أَصله مَاء، وَلَا شَيْء فِي المَاء. وَقيل: إِن الصدف حَيَوَان يخلق فِيهِ اللُّؤْلُؤ. وَفِي (كتاب الْأَحْجَار) لأبي الْعَبَّاس التيغاشي: إِن حَيَوَان الْجَوْهَر الَّذِي يتكون فِيهِ مِنْهُ الْكَبِير وَيُسمى الدّرّ، وَمِنْه الصَّغِير وَيُسمى اللُّؤْلُؤ. وَهَذَا الْحَيَوَان يُسمى باليونانين: أرسطورس، يَعْلُو لحم ذَلِك الْحَيَوَان صدفتان ملتصقتان بجسمه، وَالَّذِي يَلِي الصدفتين من لَحْمه أسود، وَله فَم وأذنان وشحم من داخلها إِلَى غَايَة الصدفتين، وَالْبَاقِي رغوة وزبد وَمَاء. وَقيل: إِن الْبَحْر الْمُحِيط يلْحق آخِره أول الْبَحْر المسلوك، وَإِن الرِّيَاح تصفق الَّذِي فِيهِ الدّرّ فِي وَقت ريح الشمَال، فَيصير لموجه رشاش فيلتقمه الصدف عِنْد ذَلِك إِلَى قَعْر الْبَحْر، فيتغرس هُنَاكَ وَيضْرب بعروق فيتشعب مثل الشّجر وَيصير نباتا بعد أَن كَانَ حَيَوَانا ذَا نفس، فَإِذا تركت هَذِه الصدفة حَتَّى يطول مكثها تَغَيَّرت وفسدت. واللؤلؤ: بهمزتين وبواوين، وَيُقَال: الثَّانِي بِالْوَاو، وَالْأول بِالْهَمْز، وَبِالْعَكْسِ قَالَ النَّوَوِيّ: أَربع لُغَات. قلت: لَا يُقَال لتخفيف الْهمزَة لُغَة، وَقَالَ ابْن قدامَة: وَلَا زَكَاة فِي الْمُسْتَخْرج من الْبَحْر كَاللُّؤْلُؤِ والمرجان والعنبر وَنَحْوه فِي ظَاهر قَول الْخرقِيّ، وَرُوِيَ نَحْو ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَبِه قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز وَعَطَاء وَمَالك وَالثَّوْري وَابْن أبي ليلى وَالْحسن بن صَالح وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَمُحَمّد وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو عبيد، وَعَن أَحْمد رِوَايَة أُخْرَى: أَن فِيهِ الزَّكَاة، لِأَنَّهُ خَارج من مَعْدن التبر، وَبِه قَالَ
أَبُو يُوسُف وَإِسْحَاق. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: أَن وجد عنبرة فِي صفة الْبَحْر خمست، وَإِن غاص عَلَيْهَا فِي مثل بَحر الْهِنْد فَلَا شَيْء فِيهَا لَا خمس وَلَا نفل وَلَا غَيره، وروى ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل عَن أبي الزبير عَن جَابر قَالَ: لَيْسَ فِي العنبر زَكَاة، وَإِنَّمَا هُوَ غنيمَة لمن أَخذه.
إنَّما جعَلَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الرِّكازِ الخُمُسَ لَيْسَ فِي الَّذِي يُصَابُ فِي المَاءِ
هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ، يُرِيد بِهِ الرَّد على الْحسن، وَوَجهه أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِنَّمَا جعل الْخمس فِي الرِّكَاز لَا فِي الشَّيْء الَّذِي يصاب فِي المَاء، وَيَأْتِي الحَدِيث مَوْصُولا عَن قريب، وَقد لفظ فِي الرِّكَاز للحصر. قَوْله: (يصاب) أَي: يُوجد فِي المَاء كالسمك.
٨٩٤١ - وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني جَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ سَألَ بَعْضَ بَنِي إسْرَائِيلَ بِأنْ يُسْلِفَهُ ألْفَ دِينَارٍ فدَفَعَهَا إلَيْهِ فخَرَجَ فِي البَحْرِ فَلَمْ يَجِدْ مَركَبا فأخذَ خَشَبةً فنَقَرهَا فأدْخَلَ فِيهَا ألْفَ دِينَارٍ فرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ فخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كانَ أسْلَفَهُ فإذَا بِالخَشَبةِ فأخَذَهَا لأِهْلِهِ حطَبا فذَكَر الحدِيثَ فلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ..
الْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث على أَنْوَاع.
الأول: فِي وَجه إِيرَاده هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب، فَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث شَيْء يُنَاسب التَّرْجَمَة، رجل اقْترض قرضا فارتجع قرضه، وَكَذَا قَالَ الدَّاودِيّ: حَدِيث الْخَشَبَة لَيْسَ من هَذَا الْبَاب فِي شَيْء، وَأجَاب عَن ذَلِك من ساعده وَوجه كَلَامه مِنْهُم عبد الْملك فَقَالَ: إِنَّمَا أَدخل البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب لِأَنَّهُ يُرِيد أَن كل مَا أَلْقَاهُ الْبَحْر جَازَ الْتِقَاطه وَلَا خمس فِيهِ إِذا لم يعلم أَنه من مَال الْمُسلمين، وَأما إِذا علم أَنه مِنْهُ فَلَا يجوز أَخذه لِأَن الرجل إِنَّمَا أَخذ خَشَبَة على الْإِبَاحَة ليملكها، فَوجدَ فِيهَا المَال، وَلَو وَقع هَذَا الْيَوْم كَانَ كاللقطة لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَن الله تَعَالَى لَا يخلق الدَّنَانِير المضروبة فِي الْخَشَبَة. قلت: يَنْبَغِي أَن يُقيد عَادَة، لِأَن قدرَة الله تَعَالَى صَالِحَة لكل شَيْء عقلا، وَمِنْهُم ابْن الْمُنِير، فَقَالَ: مَوضِع الاستشهاد إِنَّمَا هُوَ أَخذ الْخَشَبَة على أَنَّهَا حطب، فَدلَّ على إِبَاحَة مثل ذَلِك مِمَّا يلفظه الْبَحْر، أما مِمَّا ينشأ فِيهِ كالعنبر أَو مِمَّا سبق فِيهِ ملك وعطب وَانْقطع ملك صَاحبه مِنْهُ على اخْتِلَاف بَين الْعلمَاء فِي تمْلِيك هَذَا مُطلقًا أَو مفصلا، وَإِذا جَازَ تمْلِيك الْخَشَبَة، وَقد تقدم عَلَيْهَا ملك متملك، فنحو العنبر الَّذِي لم يتَقَدَّم عَلَيْهِ ملك أولى. قلت: التَّرْجَمَة مَا يسْتَخْرج من الْبَحْر، والْحَدِيث يدل على مَا يسْتَخْرج من الْبَحْر، فالمطابقة فِي مُجَرّد الاستخراج من الْبَحْر مَعَ قطع النّظر عَن غَيره، وَأدنى الملابسة فِي التطابق كَاف.
النَّوْع الثَّانِي: أَنه ذكر هَذَا الحَدِيث هُنَا مُعَلّقا مُخْتَصرا، وَوَقع فِي بعض نسخه عَقِيبه: حَدثنِي بذلك عبد الله بن صَالح، قَالَ: حَدثنِي اللَّيْث، ذكره الْحَافِظ الْمزي، قَالَ: وَهُوَ ثَابت فِي عدَّة أصُول من كتاب الْبيُوع من الْجَامِع من رِوَايَة أبي الْوَقْت عَن الدَّاودِيّ عَن أبي حمويه عَن الْفربرِي عَنهُ، وَقَالَ الطرقي: أخرجه مُحَمَّد فِي خَمْسَة مَوَاضِع من الْكتاب، فَقَالَ: قَالَ اللَّيْث) قلت: أخرجه هُنَا أَعنِي فِي الزَّكَاة وَفِي الْكفَالَة وَفِي الاستقراض وَفِي اللّقطَة وَفِي الشُّرُوط وَفِي الاسْتِئْذَان، وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة، وَقَالَ فِي: بَاب التِّجَارَة فِي الْبَحْر، فِي الْبيُوع. وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة عَن الْأَعْرَج (عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه ذكر رجلا من بني إِسْرَائِيل خرج فِي الْبَحْر فَقضى حَاجته) ، وسَاق الحَدِيث. حَدثنِي عبد الله ابْن صَالح، قَالَ: حَدثنِي اللَّيْث بِهَذَا، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي اللّقطَة عَن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ عَن دَاوُد بن مَنْصُور عَن اللَّيْث نَحوه.
أما الَّذِي أخرجه فِي الْكفَالَة فَهُوَ فِي: بَاب الْكفَالَة فِي الْقَرْض والديون، وَلَفظه: قَالَ أَبُو عبد الله، وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز (عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه ذكر رجلا من بني إِسْرَائِيل سَأَلَ بعض بني إِسْرَائِيل أَن يسلفه ألف دِينَار، فَقَالَ: إيتني بِالشُّهَدَاءِ أشهدهم، فَقَالَ: كفى بِاللَّه شَهِيدا. قَالَ: فَاتَنِي بالكفيل، قَالَ: كفى بِاللَّه كَفِيلا، قَالَ: صدقت، فَدَفعهَا إِلَيْهِ إِلَى أجل مُسَمّى، فَخرج فِي االبحر فَقضى حَاجته ثمَّ التمس مركبا
يركبهَا يقدم عَلَيْهِ للأجل الَّذِي أَجله فَلم يجد مركبا، فَأخذ خَشَبَة فنقرها فأحل فِيهَا ألف دِينَار وصحيفة مِنْهُ إِلَى صَاحبه ثمَّ زجج موضعهَا ثمَّ أَتَى بِهِ إِلَى الْبَحْر، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنِّي كنت تسلفت فلَانا ألف دِينَار، فَسَأَلَنِي كَفِيلا فَقلت: كفى بِاللَّه كَفِيلا، فَرضِي بك، وسألني شَهِيدا، فَقلت: كفى بِاللَّه شَهِيدا، فَرضِي بك، وَإِنِّي جهدت أَن أجد مركبا أبْعث إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ، فَلم أقدر، وَإِنِّي أستودعتكها. فَرمى بهَا فِي الْبَحْر حَتَّى ولجت فِيهِ، ثمَّ انْصَرف وَهُوَ فِي ذَلِك يلْتَمس مركبا يخرج إِلَى بَلَده، فَخرج الرجل الَّذِي كَانَ أسلفه ينظر لَعَلَّ مركبا قد جَاءَ بِمَالِه، فَإِذا بالخشبة الَّتِي فِيهَا المَال فَأَخذهَا لأَهله حطبا، فَلَمَّا نشرها وجد المَال والصحيفة، ثمَّ قدم الَّذِي كَانَ أسلفه، فَأتى بِالْألف دِينَار، فَقَالَ: وَالله مَا زلت جاهدا فِي طلب مركب لآتيك بِمَالك فَمَا وجدت مركبا قبل الَّذِي أتيت فِيهِ، قَالَ: هَل كنت بعثت إِلَيّ بِشَيْء؟ قَالَ: أَخْبَرتك إِنِّي لم أجد مركبا قبل الَّذِي جِئْت فِيهِ. قَالَ: فَإِن الله قد أدّى عَنْك الَّذِي بعثت فِي الْخَشَبَة، فَانْصَرف بِالْألف دِينَار راشدا.
وَأما الَّذِي فِي الاستقراض فَأخْرجهُ مُخْتَصرا فِي: بَاب إِذا أقْرضهُ إِلَى أجل مُسَمّى، فَقَالَ: وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (عَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَنه ذكر رجلا من بني إِسْرَائِيل سَأَلَ بعض بني إِسْرَائِيل أَن يسلفه، فَدَفعهَا إِلَيْهِ إِلَى أجل مُسَمّى) فَذكر الحَدِيث.
وَأما الَّذِي فِي اللّقطَة، فَأخْرجهُ فِي: بَاب إِذا وجد خَشَبَة فِي الْبَحْر أَو سَوْطًا أَو نَحوه، وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز (عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَنه ذكر رجلا من بني إِسْرَائِيل) ، وسَاق الحَدِيث (فَخرج ينظر لَعَلَّ مركبا قد جَاءَ بِمَالِه فَإِذا هُوَ بالخشبة، فَأَخذهَا لأَهله حطبا فَلَمَّا نشرها وجد المَال والصحيفة.
وَأما الَّذِي فِي الشُّرُوط فَأخْرجهُ فِي: بَاب الشُّرُوط فِي الْفَرْض مُخْتَصرا، وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز (عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَنه ذكر رجلا سَأَلَ بعض بني إِسْرَائِيل أَن يسلفه ألف دِينَار فَدَفعهَا إِلَيْهِ إِلَى أجل مُسَمّى) .
وَأما الَّذِي فِي الاسْتِئْذَان فَأخْرجهُ فِي: بَاب بِمن يبْدَأ فِي الْكتاب، وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج (عَن أبي هُرَيْرَة، عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَنه ذكر رجلا من بني إِسْرَائِيل أَخذ خَشَبَة فنقرها فَأدْخل فِيهَا ألف دِينَار، وصحيفة مِنْهُ إِلَى صَاحبه) ، وَقَالَ عمر ابْن أبي سَلمَة (عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: نجر خَشَبَة فَجعل المَال فِي جوفها وَكتب إِلَيْهِ صحيفَة من فلَان إِلَى فلَان) .
النَّوْع الثَّالِث: فِي مَعَاني الحَدِيث، فَقَوله: (أَن يسلفه) ، بِضَم الْيَاء، من أسلف إسلافا، يُقَال: سلفت تسليفا وأسلفت إسلافا، وَالِاسْم السّلف، وَهُوَ فِي الْمُعَامَلَات على وَجْهَيْن: أَحدهمَا الْقَرْض الَّذِي لَا مَنْفَعَة فِيهِ للمقرض غير الْأجر وَالشُّكْر، وعَلى الْمُقْتَرض رده، وَالْعرب تسمي الْقَرْض سلفا. وَالثَّانِي: هُوَ أَن يُعْطي مَالا فِي سلْعَة إِلَى أجل مَعْلُوم بِزِيَادَة فِي السّعر الْمَوْجُود عِنْد السّلف، وَذَلِكَ مَنْفَعَة للمسلف، وَيُقَال لَهُ: سلم، وَالْمرَاد هَهُنَا هُوَ الْمَعْنى الأول. قَوْله: (فَلم يجد مركبا) ، أَي: سفينة يركب عَلَيْهَا وَيَجِيء إِلَى صَاحبه أَو يبْعَث فِيهَا شَيْئا إِلَيْهِ لقَضَاء دينه. قَوْله: (فَأخذ خَشَبَة) والخشبة وَاحِدَة الْخشب. قَوْله: (فنقرها) أَي: قوَّرها. قَوْله: (وَرمى بهَا) ، أَي: الْخَشَبَة المنقورة قَاصِدا وصولها إِلَى صَاحب المَال. قَوْله: (فَإِذا بالخشبة) أَي: فَإِذا هُوَ مفاجىء بالخشبة. قَوْله: (حطبا) ، نصب على أَن أَخذ من أَفعَال المقاربة، فَيعْمل عمل كَانَ، وَيجوز أَن يكون مَنْصُوبًا بمقدر تَقْدِيره فَأَخذهَا يَجْعَلهَا حطبا، يَعْنِي: يستعملها اسْتِعْمَال الْحَطب فِي الوقيد. قَوْله: (بِالشُّهَدَاءِ) ، جمع شَهِيد بِمَعْنى: شَاهد، قَوْله: (يقدم) ، بِفَتْح الدَّال من قدم يقدم من: بَاب فعل يفعل بِكَسْر الْعين فِي الْمَاضِي، وَفتحهَا فِي الغابر. قَوْله: (فأحل فِيهَا) من الْإِحْلَال، وَهُوَ الْإِنْزَال وَالْمرَاد وضع فِي الْخَشَبَة المنقورة ألف دِينَار. قَوْله: (وصحيفة) بِالنّصب عطف على ألف دِينَار، وَالْمرَاد مِنْهَا الْمَكْتُوب. قَوْله: (ثمَّ زجج موضعهَا) ، أَي: أصلح مَوضِع النقرة وسواه، قيل: لَعَلَّه من تزجيج الحواجب وَهُوَ الْتِقَاط زَوَائِد الشّعْر الْخَارِج عَن الْخَدين، وَإِن أَخذ من الزج وَهُوَ سِنَان الرمْح فَيكون النقر قد وَقع فِي طرف من الْخَشَبَة فسد عَلَيْهِ رَجَاء أَن يمسِكهُ ويحفظ مَا فِي بَطْنه. قَوْله: (تسلفت) ، من بَاب التفعل مَعْنَاهُ: افترضت. قَوْله: (جهدت) من بَاب: فعل يفعل، بِالْفَتْح فيهمَا أَي: تحملت الْمَشَقَّة. قَوْله: (ولجت) ، من الولوج وَهُوَ: الدُّخُول. قَوْله: (فَلَمَّا نشرها) أَي: قطعهَا بِالْمِنْشَارِ. قَوْله: (بِالْألف دِينَار) ، هُوَ جَائِز على رَأْي الْكُوفِيّين. قَوْله: (راشدا) نصب على الْحَال من فَاعل: انْصَرف.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْخطابِيّ: لفظ: (أجل) فِيهِ دَلِيل على جَوَاز دُخُول الْآجَال فِي الْقَرْض. وَفِيه: فِي قَوْله: (أَخذهَا لأَهله حطبا) دَلِيل على أَن مَا يُوجد فِي الْبَحْر من مَتَاع الْبَحْر وَغَيره أَنه لَا شَيْء فِيهِ، وَهُوَ لمن وجده حَتَّى يسْتَحق مَا لَيْسَ من مَتَاع الْبَحْر من الْأَمْوَال كالدنانير وَالثيَاب وَشبه ذَلِك، فَإِذا اسْتحق رد إِلَى مُسْتَحقّه، وَمَا لَيْسَ لَهُ طَالب وَلم يكن لَهُ كثير قيمَة، وَحكم بِغَلَبَة الظَّن بانقطاعه كَانَ لمن وجده ينْتَفع بِهِ، وَلَا يلْزمه تَعْرِيفه إلَاّ أَن يُوجد فِيهِ دَلِيل يسْتَدلّ بِهِ على مَالِكه: كاسم رجل مَعْلُوم أَو عَلامَة، فيجتهد ملتقطها فِي أَمر التَّعْرِيف لَهُ، قَالَه الْمُهلب. وَفِيه: أَن من توكل على الله فَإِنَّهُ ينصره، فَالَّذِي نقر الْخَشَبَة وتوكل حفظ الله تَعَالَى مَاله، وَالَّذِي أسلفه وقنع بِاللَّه كَفِيلا أوصل الله تَعَالَى مَاله إِلَيْهِ. وَفِيه: جَوَاز ركُوب الْبَحْر بأموال النَّاس وَالتِّجَارَة. وَفِيه: أَن الله تَعَالَى متكفل بعون من أَرَادَ أَدَاء الْأَمَانَة، وَأَن الله يجازي أهل الإرفاق بِالْمَالِ بحفظه عَلَيْهِم مَعَ أجر الْآخِرَة، كَمَا حفظه على المسلف.
٦٦ - (بابٌ فِي الرِّكَازِ الخُمُسُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ فِي الرِّكَاز الْخمس، وَالْخمس مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، وَفِي الرِّكَاز مقدما خَبره، وَقد مر تَفْسِير الرِّكَاز.
وَقَالَ مالِكٌ وَابنُ إدْرِيسَ الرِّكَازُ دِفْنُ الجَاهِلِيَّةِ فِي قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ الخُمُسُ ولَيْسَ المَعْدَنُ بِرِكَازٍ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَمَالك هُوَ ابْن أنس صَاحب الْمَذْهَب الْمَشْهُور، وَابْن إِدْرِيس هُوَ مُحَمَّد بن إِدْرِيس، فَقَالَ ابْن التِّين: قَالَ أَبُو ذَر: يُقَال: هُوَ مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي، يَعْنِي صَاحب الْمَذْهَب، وَيُقَال: عبد الله بن إِدْرِيس الأودي الْكُوفِي، وَهُوَ الْأَشْبَه، وَقد جزم أَبُو زيد الْمروزِي أحد الروَاة عَن الْفربرِي بِأَنَّهُ الشَّافِعِي، يَعْنِي صَاحب الْمَذْهَب. وَتَابعه الْبَيْهَقِيّ وَجُمْهُور الْأَئِمَّة. قيل: يُؤَيّد ذَلِك أَنه وجد فِي عبارَة الشَّافِعِي دون الأودي، فروى الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) من طَرِيق الرّبيع، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِي: والركاز الَّذِي فِيهِ الْخمس دفن الْجَاهِلِيَّة مَا وجد فِي غير ملك لأحد، وَأما فِي قَلِيله وكثيرة الْخمس فَهُوَ قَوْله فِي الْقَدِيم، كَمَا نَقله ابْن الْمُنْذر عَنهُ، وَاخْتَارَهُ. وَأما فِي الْجَدِيد فَقَالَ: لَا يجب فِيهِ الْخمس حَتَّى يبلغ نِصَاب الزَّكَاة، وَالتَّعْلِيق عَن مَالك رَوَاهُ أَبُو عبيد فِي (كتاب الْأَمْوَال) : حَدثنِي يحيى بن عبد الله بن بكير عَن مَالك، قَالَ: الْمَعْدن بِمَنْزِلَة الزَّرْع تُؤْخَذ مِنْهُ الزَّكَاة كَمَا تُؤْخَذ من الزَّرْع تُؤْخَذ مِنْهُ الزَّكَاة كَمَا تُؤْخَذ من الزَّرْع حِين يحصد. قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ بركاز، وَإِنَّمَا الرِّكَاز دفن الْجَاهِلِيَّة الَّذِي يُوجد من غير أَن يطْلب بِمَال وَلَا يتَكَلَّف لَهُ كثير عمل. انْتهى. قَوْله: (دفن الْجَاهِلِيَّة) ، بِكَسْر الدَّال، بِمَعْنى: المدفون. قَوْله: (فِي قَلِيله) ، هُوَ الَّذِي لَا يبلغ نِصَابا، وَفِي كَثِيره مَا بلغ نِصَابا، قَوْله: (وَلَيْسَ الْمَعْدن بركاز) فَيجب فِيهِ ربع العُشر لَا الْخمس لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى عمل ومعالجة واستخراج، بِخِلَاف الرِّكَاز، وَقد جرت السّنة أَن مَا غلظت مُؤْنَته خفف عَنهُ فِي مِقْدَار الزَّكَاة، وَمَا خفف زيد فِيهِ، وَسمي الْمَعْدن لإِقَامَة التبر فِيهِ، لِأَنَّهُ من العدن وَهُوَ الْإِقَامَة.
وقَدْ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي المَعْدِنِ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ
هَذَا من جملَة كَلَام مَالك وَابْن إِدْرِيس فِيمَا ذَهَبا إِلَيْهِ، أَرَادَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرق بَين الْمَعْدن والركاز، فَجعل الْمَعْدن جبارا وَأوجب فِي الرِّكَاز الْخمس، وَهَذَا التَّعْلِيق أسْندهُ فِي هَذَا الْبَاب، فَعَن قريب يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، والجبار، بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ الهدر لَيْسَ فِيهِ شَيْء.
وَأخَذَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ مِنَ المَعَادِنِ مِنْ كْلِّ مِائَتَيْنِ خَمْسَةً
أَي: خَمْسَة دَرَاهِم وَهُوَ ربع الْعشْر، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو عبيد فِي (كتاب الْأَمْوَال) من طَرِيق الثَّوْريّ عَن عبد الله بن أبي بكر بن عَمْرو بن حزم نَحوه، وروى الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة أَن عمر بن عبد الْعَزِيز جعل الْمَعْدن بِمَنْزِلَة الرِّكَاز يُؤْخَذ مِنْهُ الْخمس، ثمَّ عقب بِكِتَاب آخر فَجعل فِيهِ الزَّكَاة، قَالَ: وروينا عَن عبد الله بن أبي بكر أَن عمر بن عبد الْعَزِيز
أَخذ من الْمَعَادِن من كل مِائَتي دِرْهَم خَمْسَة دَرَاهِم، وَعَن أبي الزِّنَاد قَالَ: جعل عمر بن عبد الْعَزِيز فِي الْمَعَادِن أَربَاع الْعشْر إلَاّ أَن يكون ركزه، فَإِذا كَانَ ركزه فَفِيهَا الْخمس.
وَقَالَ الحَسَنُ مَا كانَ مِنْ رِكَازٍ فِي أرْضِ الحَرْبِ فَفِيهِ الخُمُسُ ومَا كانَ منْ أرْضِ السِّلْمِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ
الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، قَوْله: (السّلم) بِكَسْر السِّين وَسُكُون اللَّام، وَهُوَ: الصُّلْح، وَهَذِه التَّفْرِقَة لم تعرف عَن غَيره، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عَاصِم الْأَحول عَنهُ بِلَفْظ: (إِذا وجد الْكَنْز فِي أَرض الْعَدو فَفِيهِ الْخمس، وَإِذا وجد فِي أَرض الْعَرَب فَفِيهِ الزَّكَاة) .
وإنْ وَجَدْتَ اللقَطَةَ فِي أرْضِ العَدُوِّ فَعَرِّفْهَا وَإنْ كَانَتْ مِنَ العَدُوِّ فَفِيهَا الخُمُسُ
هَذَا من تَتِمَّة كَلَام الْحسن، وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا عباد بن الْعَوام عَن هِشَام عَن الْحسن: الرِّكَاز الْكَنْز العادي وَفِيه الْخمس، واللقطة، بِفَتْح الْقَاف وسكونها، لَكِن الْقيَاس أَن يُقَال بِالْفَتْح للاّقط، وبسكون الْقَاف للملقوط، وَإِن كَانَت اللّقطَة مَال الْعَدو فَلَا حَاجَة إِلَى التَّعْرِيف، بل يملكهَا وَيجب فِيهَا الْخمس، وَلَا يكون لَهَا حكم اللّقطَة بِخِلَاف مَا لَو كَانَت فِي أَرض الْعَدو والمحتملة لكَونهَا للْمُسلمين.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ المَعْدَنُ رِكَازٌ مِثْلُ دِفْنِ الجِاهِلِيَّةِ لأنَّهُ يُقَالُ أرْكَزَ المَعْدِنُ إذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيءٌ قِيلَ لَهُ قَدْ يُقَالُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ شَيءٌ أوْ رَبِحَ رِبْحا كَثِيرا أوْ كَثُرَ ثَمَرُهُ أرْكَزْتَ ثُمَّ نَاقَضَ وَقَالَ لَا بَأسَ أنْ يَكْتُمَهُ فَلَا يُؤَدِّيَ الخُمُسَ
قَالَ ابْن التِّين: المُرَاد بِبَعْض النَّاس هُوَ أَبُو حنيفَة. قلت: جزم ابْن التِّين بِأَن المُرَاد بِهِ هُوَ أَبُو حنيفَة من أَيْن أَخذه فَلم لَا يجوز أَن يكون مُرَاده هُوَ سُفْيَان الثَّوْريّ من أهل الْكُوفَة، وَالْأَوْزَاعِيّ من أهل الشَّام، فَإِنَّهُمَا قَالَا مثل مَا قَالَ أَبُو حنيفَة: أَن الْمَعْدن كالركاز وَفِيه الْخمس فِي قَلِيله وَكَثِيره، على ظَاهر قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (وَفِي الرِّكَاز الْخمس) ، وَلَكِن الظَّاهِر أَن ابْن التِّين لما وقف على مَا قَالَه البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) فِي حق أبي حنيفَة مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَن يذكر فِي حق أحد من أَطْرَاف النَّاس، فضلا أَن يُقَال فِي حق إِمَام هُوَ أحد أَرْكَان الدّين، صرح بِأَن المُرَاد بِبَعْض النَّاس أَبُو حنيفَة، وَلَكِن لَا يرْمى إلَاّ شجر فِيهِ ثَمَر، وَهَذَا ابْن بطال قَالَ: ذهب أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَغَيرهمَا إِلَى أَن الْمَعْدن كالركاز، وَاحْتج لَهُم بقول الْعَرَب: أركز الرجل إِذا أصَاب ركازا، وَهِي قطع من الذَّهَب تخرج من الْمَعَادِن، وَهَذَا قَول صَاحب الْعين، وَأبي عبيد. وَفِي (مجمع الغرائب) : الرِّكَاز الْمَعَادِن. وَفِي (النِّهَايَة) : لِابْنِ الْأَثِير: الْمَعْدن والركاز وَاحِد، فَإِذا علم ذَلِك بَطل التشنيع على أبي حنيفَة.
قَوْله: (مثل دفن الْجَاهِلِيَّة) بِكَسْر الدَّال كَمَا ذكرنَا عَن قريب بِمَعْنى: المدفون. قَوْله: (لِأَنَّهُ يُقَال، أركز الْمَعْدن إِذا خرج مِنْهُ شَيْء) ، وَالضَّمِير فِي: لِأَنَّهُ، ضمير الشَّأْن، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى تَعْلِيل من يَقُول: إِن الْمَعْدن هُوَ الرِّكَاز، وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ لم ينْقل عَنْهُم وَلَا عَن الْعَرَب أَنهم قَالُوا: أركز الْمَعْدن، وَإِنَّمَا قَالُوا: أركز الرجل، فَإِذا لم يكن هَذَا صَحِيحا فَكيف يتَوَجَّه الْإِلْزَام بقول الْقَائِل: قد يُقَال لمن وهب لَهُ ... إِلَى آخِره؟ أَرَادَ أَنه يلْزم أَن يُقَال: كل وَاحِد من الْمَوْهُوب وَالرِّبْح وَالثَّمَر ركاز، فَيجب فِيهِ الْخمس، وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْوَاجِب فِيهِ العُشر، وَمعنى: أركز الرجل صَار لَهُ ركاز من قطع الذَّهَب، كَمَا ذكرنَا، وَلَا يلْزم مِنْهُ أَنه أذا إِذا وهب لَهُ شَيْء أَن يُقَال لَهُ: أركزتَ، بِالْخِطَابِ، وَكَذَلِكَ إِذا ربح ربحا كثيرا أَو كثر ثمره، وَلَو علم الْمُعْتَرض أَن معنى: أفعل، هَهُنَا مَا هُوَ، وَلما اعْترض وَلَا أفحش فِيهِ، وَمعنى: أفعل، هُنَا للصيرورة يَعْنِي: لصيرورة الشَّيْء مَنْسُوبا إِلَى مَا اشتق مِنْهُ الْفِعْل، كأغدَّ الْبَعِير. أَي: صَار ذَا غُدَّة. وَمعنى: أركز الرجل، صَار لَهُ ركاز من قطع الذَّهَب، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَلَا يُقَال إلَاّ بِهَذَا الْقَيْد، أَعنِي من قطع الذَّهَب، وَلَا يُقَال: أركز الرجل مُطلقًا. قَوْله: (ثمَّ نَاقض) أَي:
نَاقض هَذَا الْقَائِل قَوْله، وَجه هَذِه المناقضة على زَعمه أَنه قَالَ، أَولا: الْمَعْدن يجب فِيهِ الْخمس، لِأَنَّهُ ركاز، وَقَالَ ثَانِيًا: إِنَّه لَا يُؤدى الْخمس فِي الرِّكَاز، وَهُوَ متناول للمعدن. قَوْله: (أَن يَكْتُمهُ) أَي: عَن السَّاعِي حَتَّى لَا يُطَالب بِهِ. قلت: هَذَا لَيْسَ بمناقضة لِأَنَّهُ فهم من كَلَام هَذَا الْقَائِل غير مَا أَرَادَهُ فصدر هَذَا عَنهُ بِلَا تَأمل وَلَا ترو.
بَيَان ذَلِك أَن الطَّحَاوِيّ حكى عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ: من وجد ركازا فَلَا بَأْس أَن يُعْطي الْخمس للْمَسَاكِين وَإِن كَانَ مُحْتَاجا جَازَ لَهُ أَن يَأْخُذهُ لنَفسِهِ، قَالَ: وَإِنَّمَا أَرَادَ أَبُو حنيفَة أَنه تَأَول أَن لَهُ حَقًا فِي بَيت المَال، ونصيبا فِي الْفَيْء، فَلذَلِك لَهُ أَن يَأْخُذ الْخمس لنَفسِهِ عوضا من ذَلِك، وَلَقَد صدق الشَّاعِر:
(وَكم من عائب قولا صَحِيحا ... وآفته من الْفَهم السقيم)
والكرماني أَيْضا مَشى فِي مشيهم، وَلكنه اعْترف أَن النَّقْض تعسف، حَكَاهُ عَن ابْن بطال، وَرَضي بِهِ. وَقَالَ بَعضهم: نقل الطَّحَاوِيّ عَن أبي حنيفَة أَيْضا أَنه: لَو وجد فِي دَاره معدنا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء، ثمَّ قَالَ: وَبِهَذَا يتَّجه اعْتِرَاض الطَّحَاوِيّ. قلت: مَعْنَاهُ: لَا يجب عَلَيْهِ شَيْء فِي الْحَال إلَاّ إِذا حَال الْحول وَكَانَ نِصَابا يجب فِيهِ الزَّكَاة، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد: يجب الْخمس فِي الْحَال، وَعند مَالك وَالشَّافِعِيّ: الزَّكَاة فِي الْحَال، وَهَذَا مُخَالف لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا زَكَاة فِي مَال حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول) ، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَالْفرق بَين الْمَعْدن والركاز أَن الْمَعْدن يحْتَاج إِلَى عمل ومؤونة ومعالجة، بِخِلَاف الرِّكَاز. قلت: هَذَا شَيْء عَجِيب لِأَنَّهُ لَيْسَ بِهَذَا يعرف حَقِيقَة كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا هِيَ، وَالْفرق بَين الْأَشْيَاء بِبَيَان ماهياتها وحقائقها، وَالَّذِي ذكره هَذَا من اللوازم الخارجية عَن الْمَاهِيّة.
٩٩٤١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ وعَنْ أبي سلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ العَجْمَاءُ جُبَارٌ وَالبِئْرُ جُبَارٌ والمَعْدَنُ جُبارٌ وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ..
التَّرْجَمَة هِيَ عين متن الْجُزْء الْأَخير من الحَدِيث، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن إِسْحَاق بن عِيسَى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزَّكَاة وَفِي الرِّكَاز عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم أَيْضا وَأَصْحَاب السّنَن من رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ، وَأوردهُ البُخَارِيّ فِي الْأَحْكَام وَلَيْسَ فِي رِوَايَته، وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة ذكر لأبي سَلمَة، وَإِنَّمَا هُوَ عَن ابْن الْمسيب فَقَط، وَرَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة الْأسود بن الْعَلَاء عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ؛ (الْبِئْر جرحها جَبَّار والمعدن جرحه جَبَّار وَفِي الرِّكَاز الْخمس) . وَاتفقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ من رِوَايَة مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (العجماء عقلهَا جَبَّار) الحَدِيث، وَقد ذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الْعِلَل) وَقد سُئِلَ عَن هَذَا الحَدِيث: إِنَّه اخْتلف فِيهِ على الزُّهْرِيّ فِي كَونه عَن ابْن الْمسيب وَأبي سَلمَة، أَو عَن سعيد فَقَط، أَو عَن أبي سَلمَة فَقَط، أَو عَن سعيد بن الْمسيب وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة، أَو عَن عبيد الله وَحده، وَأَنه اخْتلف فِيهِ على اللَّيْث وعَلى مَالك وعَلى ابْن عُيَيْنَة وعَلى يُونُس ابْن يزِيد، فَقيل: عَن اللَّيْث عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد وَحده، وَرَوَاهُ القعْنبِي وَمصْعَب عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد فَقَط، وَقَالَ ابْن وهب: عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة وَحده، وَرَوَاهُ شبيب بن سعيد عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد وَأبي سَلمَة وَرَوَاهُ ابْن وهب عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ إِسْحَاق بن رَاشد عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله وَحده. قَالَ: وَالصَّحِيح عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد وَأبي سَلمَة. قَالَ: وَحَدِيثه عَن عبيد الله غير مَدْفُوع لِأَنَّهُ قد اجْتمع عَلَيْهِ إثنان، وَلما رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا اللَّيْث بن سعد عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (العجماء جَبَّار) الحَدِيث.
قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن أنس بن مَالك وَعبد الله بن عَمْرو وَعبادَة بن الصَّامِت وَعَمْرو بن عَوْف الْمُزنِيّ وَجَابِر. قلت: وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن عبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عَبَّاس وَزيد بن أَرقم وَأبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وسراء بنت نَبهَان الغنوية. فَحَدِيث أنس عِنْد أَحْمد وَالْبَزَّار مطولا، وَفِيه: (هَذَا ركاز وَفِيه الْخمس) . وَحَدِيث عبد الله بن عمر وَعند
الشَّافِعِي من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي كنز وجده رجل فِي خربة جَاهِلِيَّة: (إِن وجدته فِي قَرْيَة مسكونة أَو سَبِيل مَيتا فَعرفهُ، فَإِن وجدته فِي خربة جَاهِلِيَّة أَو فِي قَرْيَة غير مسكونة فَفِيهِ وَفِي الرِّكَاز الْخمس) . وَحَدِيث عبد الله بن الصَّامِت رَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة إِسْحَاق بن يحيى بن الْوَلِيد عَن عبَادَة بن الصَّامِت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (قضى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الْمَعْدن جَبَّار وجرحها جَبَّار) . والعجماء: الْبَهِيمَة من الْأَنْعَام وَغَيرهَا، والجبار هُوَ الهدر لَا يغرم، وَهَذَا مُنْقَطع لِأَن إِسْحَاق لم يدْرك عبَادَة. وَحَدِيث عَمْرو بن عَوْف الْمُزنِيّ رَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا من رِوَايَة ابْن كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (العجماء جرحها جَبَّار والمعدن جَبَّار) ، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) بِهَذَا الْإِسْنَاد مُقْتَصرا على قَوْله: (وَفِي الرِّكَاز الْخمس) . وَحَدِيث جَابر رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار من رِوَايَة مجَالد عَن الشّعبِيّ عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رسو ل الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (السائبة) الحَدِيث، وَفِيه: (فِي الرِّكَاز الْخمس) . وَحَدِيث ابْن مَسْعُود رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة عَلْقَمَة عَن عبد الله بن مَسْعُود عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (العجماء جَبَّار والسائمة جَبَّار وَفِي الرِّكَاز الْخمس) . وَحَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) من رِوَايَة عِكْرِمَة عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (قضى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الرِّكَاز الْخمس. وَحَدِيث زيد بن أَرقم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن رجل عَن زيد بن أَرقم، قَالَ: (بعث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عليا عَاملا على الْيمن، فَأتى بركاز فَأخذ مِنْهُ الْخمس وَدفع بَقِيَّته إِلَى صَاحبه، فَبلغ ذَلِك إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأعجبه) وَهَذَا مُنْقَطع لأجل الرجل الَّذِي لم يسم. وَحَدِيث سراء بنت نَبهَان الغنوية رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث سَاكِنة بنت الْجَعْد عَن سراء بنت نَبهَان الغنوية، قَالَت: (احتفر الْحَيّ فِي دَار كلاب فَأَصَابُوا بهَا كنزا عاديا، فَقَالَت كُلَيْب: دَارنَا، وَقَالَ الْحَيّ: احتفرنا، فنافروهم فِي ذَلِك إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقضى بهم للحي وَأخذ مِنْهُم الْخمس) ، الحَدِيث فِيهِ أَحْمد بن الْحَارِث الغساني، قَالَ البُخَارِيّ فِيهِ نظر، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مَتْرُوك.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (العجماء) أَي: الْبَهِيمَة، وَسميت العجماء لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّم، وَعَن أبي حَاتِم: يُقَال لكل من لم يبين الْكَلَام من الْعَرَب والعجم وَالصغَار: أعجم ومستعجم، وَكَذَلِكَ من الطير والبهائم كلهَا، وَالِاسْم: العجمة. قَوْله: (جَبَّار) ، بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ الهدر، يَعْنِي: لَيْسَ فِيهِ ضَمَان. وَفِي (التَّلْوِيح) : الْجَبَّار الهدر الَّذِي لَا قَوَدَ فِيهِ وَلَا دِيَّةَ، وكل مَا أفسد وَأهْلك جَبَّار، ذكره ابْن سَيّده، وَفِيه حذف لَا بُد من تَقْدِيره، وَهُوَ فعل: العجماء جَبَّار، لِأَن الْمَعْلُوم أَن نفس العجماء لَا يُقَال لَهَا هدر، وَبلا تَقْدِير لَا يرتبط الْخَبَر بالمبتدأ. قَوْله: (والبئر جَبَّار) ، مَعْنَاهُ الرجل يحْفر بِئْرا بفلاة أَو بِحَيْثُ يجوز لَهُ من الْعمرَان فَيسْقط فِيهَا رجل أَو يسْتَأْجر من يحْفر لَهُ بِئْرا فِي ملكه فينهار عَلَيْهِ فَلَا شيى عَلَيْهِ، وَكَذَا الْمَعْدن إِذا اسْتَأْجر من يحفره، وَكَذَا فِي قَوْله: والبئر جَبَّار، حذف تَقْدِيره: وَسُقُوط الْبِئْر على الشَّخْص جَبَّار، أَو: سُقُوط الشَّخْص فِي الْبِئْر، وَكَذَا التَّقْدِير فِي الْمَعْدن، وَالْمَشْهُور فِي الْبِئْر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا همزَة سَاكِنة، وَيجوز تسهيلها. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: رَوَاهُ بَعضهم: النَّار جَبَّار، وَقَالَ أهل الْيمن يَكْتُبُونَ: النَّار، بِالْبَاء وَمَعْنَاهُ عِنْدهم أَن من استوقد نَارا يما يجوز لَهُ فتعدت إِلَى مَا لَا يجوز فَلَا شَيْء فِيهِ، وَرُوِيَ فِي حَدِيث جَابر، والجب جَبَّار، وَهَذَا يدل على أَن المُرَاد: الْبِئْر لَا النَّار، كَمَا هُوَ فِي الْكتب السِّتَّة الْمَشْهُورَة، وَورد فِي بعض طرق الحَدِيث: الرجل جَبَّار، فاستدل بِهِ من فرق فِي حَالَة كَون راكبها مَعهَا بَين أَن يضْرب بِيَدِهَا أَو يرمح برجلها، فَإِن أفسدت بِيَدِهَا ضمنه، وَإِن رمحت برجلها لَا يضمن. قَوْله: (وَفِي الرِّكَاز الْخمس) أَي: يجب، أَو وَاجِب.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه: الأول: مَسْأَلَة العجماء، ظَاهر الحَدِيث مُطلق، وَلكنه مَحْمُول على مَا إِذا اتلفت شَيْئا بِالنَّهَارِ وأتلفت بِاللَّيْلِ من غير تَفْرِيط من مَالِكهَا، أَو أتلفت وَلم يكن مَعهَا أحد، والْحَدِيث مُحْتَمل أَيْضا أَن تكون الْجِنَايَة على الْأَبدَان، أَو على الْأَمْوَال، فَالْأول أقرب إِلَى الْحَقِيقَة، لِأَنَّهُ ورد فِي (صَحِيح مُسلم) وَفِي (البُخَارِيّ) أَيْضا فِي الدِّيات: العجماء جرحها جَبَّار، وَفِي لفظ: (عقلهَا جَبَّار) ، لما مر، وعَلى كل تَقْدِير لم يَقُولُوا بِالْعُمُومِ فِي إهدار كل متْلف من بدن أَو مَال عَن مَا بَين فِي كتب الْفُرُوع، وَالْمرَاد بِجرح العجماء إتلافها، سَوَاء كَانَ بِجرح أَو غَيره، وَقَالَ عِيَاض: أجمع الْعلمَاء على أَن جِنَايَة الْبَهَائِم بِالنَّهَارِ لَا ضَمَان فِيهَا إِذا
لم يكن مَعهَا أحد، فَإِن كَانَ مَعهَا رَاكب أَو سائق أَو قَائِد، فجمهور الْعلمَاء على ضَمَان مَا أتلفت، وَقَالَ دَاوُد وَأهل الظَّاهِر: لَا ضَمَان بِكُل حَال، سَوَاء كَانَ بِرَجُل أَو بقدم لإِطْلَاق النَّص، إلَاّ أَن يحملهَا الَّذِي فَوْقهَا على ذَلِك، أَو يَقْصِدهُ فَيكون حِينَئِذٍ كالآلة، وَكَذَا إِذا تعدى فِي ربطها أَو إرسالها فِي مَوضِع لَا يجب ربطها فِيهِ. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة بِالْإِطْلَاقِ، يَعْنِي سَوَاء كَانَ إتلافها بِيَدِهَا أَو رجلهَا أَو فمها، وَنَحْوه، فَإِنَّهُ يجب ضَمَانه فِي مَال الَّذِي هُوَ مَعهَا، سَوَاء كَانَ مَالِكهَا أَو مُسْتَأْجرًا أَو مستعيرا أَو غَاصبا أَو مودعا أَو وَكيلا أَو غَيره، إلَاّ أَن تتْلف آدَمِيًّا فَتجب دِيَته على عَاقِلَة الَّذِي مَعهَا، وَالْكَفَّارَة فِي مَاله. وَقَالَ مَالك وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ: لَا ضَمَان فِيمَا إِذا أَصَابَته بِيَدِهَا أَو رجلهَا، وَعند أبي حنيفَة أَنه: لَا ضَمَان فِيمَا رمحت برجلها دون يَدهَا لِإِمْكَان التحفظ من الْيَد دون الرجل، وَأما إِذا أتلفت بِالنَّهَارِ وَكَانَت مَعْرُوفَة بالإفساد وَلم يكن مَعهَا أحد، فَإِن مَالِكهَا يضمن، لِأَن عَلَيْهِ ربطها وَالْحَالة هَذِه، وَأما جنايتها بِاللَّيْلِ فَقَالَ مَالك: يضمن صَاحبهَا مَا أتلفته، وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَصْحَابه: إِن فرط فِي حفظهَا ضمن وإلَاّ فَلَا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا ضَمَان فِيمَا رعته نَهَارا. وَقَالَ اللَّيْث وَسَحْنُون: يضمن، وَقد ورد حَدِيث صَحِيح مَرْفُوع فِي إتلافها بِاللَّيْلِ دون النَّهَار فِي الْمزَارِع، وَإنَّهُ يضمن كَمَا قَالَه مَالك، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث حرَام بن محيصة عَن الْبَراء، وَمن حَدِيث حرَام عَن أَبِيه: أَن نَاقَة للبراء بن عَازِب دخلت حَائِط رجل فأفسدته فَقضى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على أهل الْأَمْوَال حفظهَا بِالنَّهَارِ، وعَلى أهل الْمَوَاشِي حفظهَا بِاللَّيْلِ.
الْوَجْه الثَّانِي: مَسْأَلَة الْبِئْر، وَقد ذَكرْنَاهُ.
الْوَجْه الثَّالِث: مَسْأَلَة الرِّكَاز، وَفِيه وجوب الْخمس وَهُوَ إِجْمَاع الْعلمَاء إلَاّ مَا رُوِيَ عَن الْحسن وَقد ذَكرْنَاهُ. وَقد ذكرنَا أَيْضا أَن الرِّكَاز قطع من الذَّهَب تخرج من الْمَعَادِن. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَل فِي الحَدِيث مَا يدل على أَن الْمَعْدن لَيْسَ بركاز؟ قلت: نعم حَيْثُ عطف الرِّكَاز على الْمَعْدن، وَفرق بَينهمَا بواو فاصلة فصح أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ، وَأَن الْخمس فِي الرِّكَاز لَا فِيهِ. قلت: الْكرْمَانِي حفظ شَيْئا وَغَابَتْ عَنهُ أَشْيَاء، وروى الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) من حَدِيث حبَان بن عَليّ عَن عبد الله بن سعيد بن أبي عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الرِّكَاز الذَّهَب الَّذِي ينْبت بِالْأَرْضِ) ، ثمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف عَن عبد الله بن سعيد عَن أَبِيه عَن جده عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (فِي الرِّكَاز الْخمس، قيل: وَمَا الرِّكَاز يَا رَسُول الله؟ قَالَ: الذَّهَب الَّذِي خلقه الله تَعَالَى فِي الأَرْض يَوْم خلقت) . انْتهى. وَهَذَا يُنَادي بِأَعْلَى صَوته أَن الرِّكَاز هُوَ الْمَعْدن، وأصرح مِنْهُ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الْعِلَل) وَإِن كَانَ تكلم فِيهِ حَدِيث أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الرِّكَاز الَّذِي ينْبت على وَجه الأَرْض) ، وَذكر حميد بن زَنْجوَيْه النَّسَائِيّ فِي (كتاب الْأَمْوَال) عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه جعل الْمَعْدن ركازا وَأوجب فِيهِ الْخمس، وَمثله عَن الزُّهْرِيّ، وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مَكْحُول أَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، جعل الْمَعْدن بِمَنْزِلَة الرِّكَاز فِيهِ الْخمس. فَافْهَم.
الْوَجْه الرَّابِع فِي الْمَعْدن، وَهُوَ أَنْوَاع ثَلَاثَة: مَا يذوب بالنَّار وَلَا ينطبع، كالجص والنورة والكحل والزرنيخ والمغرة. وَمَا يُوجد فِي الْجبَال، كالياقوت والزمرد والبلخش والفيروزج، وَنَحْوهَا. وَمَا يكون مَائِعا: كالقار والنفط وَالْملح المائي وَنَحْوهَا، فالوجوب يخْتَص بالنوع الأول دون النَّوْعَيْنِ الْأَخيرينِ عندنَا، وَأوجب أَحْمد فِي الْجَمِيع، وَمَالك وَالشَّافِعِيّ فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة خَاصَّة، وَعُمُوم الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ.
الْوَجْه الْخَامِس أَنه يجب فِي قَلِيله وَكَثِيره، وَلَا يشْتَرط فِيهِ النّصاب عندنَا، وَاشْترط مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد أَن يكون الْمَوْجُود نِصَابا وَلم يشترطوا الْحول. وَقَالُوا: كم من حول قد مضى عَلَيْهِ؟ وَضعف هَذَا الْكَلَام ظَاهر، لِأَن الْأَحْوَال الَّتِي مَضَت عَلَيْهِ فِي غير ملك الْوَاجِد، فَكيف يحْسب عَلَيْهِ؟ وَاخْتَارَ دَاوُد وَإِسْحَاق وَابْن الْمُنْذر وَأحمد والمزني وَالشَّافِعِيّ والبويطي اشْتِرَاط النّصاب والحول فِي ذَلِك، وَلنَا النُّصُوص خَالِيَة عَن اشْتِرَاط النّصاب، فَلَا يجوز اشْتِرَاطه بِغَيْر دَلِيل سَمْعِي.
الْوَجْه السَّادِس: فِي مَكَانَهُ إِن وجد الْمُسلم أَو الذِّمِّيّ فِي دَاره معدنا فَهُوَ لَهُ وَلَا شَيْء فِيهِ عِنْد أبي حنيفَة وَأحمد إلَاّ إِذا حَال عَلَيْهِ الْحول وَهُوَ نِصَاب فَفِيهِ الزَّكَاة، وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد: يجب الْخمس فِي الْحَال، وَعند مَالك وَالشَّافِعِيّ: الزَّكَاة فِي الْحَال