الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٠٣
الحديث رقم ١٦٠٣ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب استلام الحجر الأسود حين يقدم مكة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٦٠٣ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ.
[الحديث ١٦٠٢ - طرفه في: ٤٢٥٦]
قَوْلُهُ: (بَابٌ: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الرَّمَلِ) أَيِ ابْتِدَاءُ مَشْرُوعِيَّتِهِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمِيمِ؛ هُوَ الْإِسْرَاعُ، وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: هُوَ شَبِيهٌ بِالْهَرْوَلَةِ، وَأَصْلُهُ أَنْ يُحَرِّكَ الْمَاشِي مَنْكِبَيْهِ فِي مَشْيِهِ، وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الرَّمَلِ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي، وَعَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ الرَّمَلِ بَعْدَ بَابٍ.
وقَوْلُهُ: (أَنْ يَرْمُلُوا) بِضَمِّ الْمِيمِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ مَفْعُولِ يَأْمُرُهُمْ، تَقُولُ: أَمَرْتُهُ كَذَا، وَأَمَرْتُهُ بِكَذَا. وَ (الْأَشْوَاطَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ: جَمْعُ شَوْطٍ؛ بِفَتْحِ الشِّينِ، وَهُوَ الْجَرْيُ مَرَّةً إِلَى الْغَايَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الطَّوْفَةُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَ (الْإِبْقَاءُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ وَالْقَافِ: الرِّفْقُ وَالشَّفَقَةُ، وَهُوَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ لَمْ يَمْنَعْهُ وَيَجُوزُ النَّصْبُ.
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ تَسْمِيَةِ الطَّوْفَةِ شَوْطًا، وَنُقِلَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالشَّافِعِيِّ كَرَاهَتُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ إِظْهَارِ الْقُوَّةِ بِالْعِدَّةِ وَالسِّلَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِلْكُفَّارِ إِرْهَابًا لَهُمْ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنَ الرِّيَاءِ الْمَذْمُومِ. وَفِيهِ جَوَازُ الْمَعَارِيضِ بِالْفِعْلِ كَمَا يَجُوزُ بِالْقَوْلِ، وَرُبَّمَا كَانَتْ بِالْفِعْلِ أَوْلَى.
٥٦ - بَاب اسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ وَيَرْمُلُ ثَلَاثًا
١٦٠٣ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنْ السَّبْعِ.
[الحديث ١٦٠٣ - أطرافه في: ١٦٠٤، ١٦١٦، ١٦١٧، ١٦٤٤]
قَوْلُهُ: (بَابُ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حِينَ يَقْدُمُ مَكَّةَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ وَيَرْمُلُ ثَلَاثًا) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ غَيْرِ مَزِيدٍ.
وقَوْلُهُ: (يَخُبُّ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ أَيْ يُسْرِعُ فِي مَشْيِهِ، وَالْخَبَبُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ أُخْرَى: الْعَدْوُ السَّرِيعُ، يُقَالُ: خَبَتِ الدَّابَّةُ إِذَا أَسْرَعَتْ وَرَاوَحَتْ بَيْنَ قَدَمَيْهَا، وَهَذَا يُشْعِرُ بِتَرَادُفِ الرَّمَلِ وَالْخَبَبِ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ. وَقَوْلُهُ: (أَوَّلَ) مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَقَوْلُهُ: (مِنَ السَّبْعِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ؛ أَيِ السَّبْعِ طَوْفَاتٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الرَّمَلَ يَسْتَوْعِبُ الطَّوْفَةَ، فَهُوَ مُغَايِرٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي قَبْلَهُ، لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الِاسْتِيعَابِ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٥٧ - بَاب الرَّمَلِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ
١٦٠٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ، حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَعَى النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
تَابَعَهُ اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
قاله الأزهريُّ، أي: لأنَّ ذلك الفعل سلامٌ على الحجر، وأهل اليمن يسمُّون الرُّكن الأسود: المُحيَّا، أو: هو «استلأم» مهموزٌ (١) من الملاءمة؛ وهي الاجتماع، أو: «استفعل» من اللأمة وهي الدِّرع لأنَّه إذا لمس الحجر تحصَّن بحصنٍ من العذاب كما يتحصَّن باللَّأمة من الأعداء، فإن قِيلَ: كان القياس فيه على هذا أن يكون «استلأم» لا «استلم»، أُجيب باحتمال أن يكون خُفِّف بنقل حركة الهمزة إلى اللَّام السَّاكنة قبلها، ثمُّ حُذِفت الهمزة ساكنةً قاله في «المصابيح».
١٦٠٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ) بفتح الهمزة وسكون المهملة وفتح المُوحَّدة آخره معجمةٌ في الأوَّل وبالفاء والجيم في الثَّاني ابن سعيدٍ الأمويُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وفي بعضها: «أخبرنا» (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (﵁) وعن أبيه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ) ظرفٌ مضافٌ إلى «ما» المصدريَّة (يَخُبُّ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وضمِّ الخاء المعجمة وتشديد المُوحَّدة من الخبب: ضربٌ من العَدْوِ، أي: يرمل (ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ) الطَّوفات (السَّبْعِ) وفي بعضها: «من السَّبعة» بالتَّأنيث باعتبار الأطواف، وإذا كان المميز غير مذكورٍ جاز في العدد التَّذكير والتَّأنيث، فإن قلت: ظاهر هذا الحديث يقتضي أنَّ الرَّمَل يستوعب الطَّوفة بخلاف حديث ابن عبَّاسٍ السَّابق في الباب الذي قبله [خ¦١٦٠٢] لأنَّه صريحٌ في عدم الاستيعاب أُجيب بأنَّه ﵊ رمل في طوافه أوَّل قدومه في حجَّة الوداع من الحجر إلى الحجر ثلاثًا، ومشى أربعًا، فاستقرَّت سنَّة الرَّمَل على (٢) ذلك من الحجر إلى الحجر لأنَّه المتأخِّر من فعله ﵊.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
والشفقة، أَي: لم يمنعهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أَمرهم بالرمل فِي الْكل إلَاّ الرِّفْق بهم، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: روينَاهُ بِالرَّفْع على أَنه فَاعل يمنعهُم، وَيجوز النصب على أَن يكون مَفْعُولا من أَجله.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الرمل فِي الطّواف. وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ: هَل هُوَ سنة من سنَن الْحَج لَا يجوز تَركهَا؟ أَو لَيْسَ بِسنة لِأَنَّهُ كَانَ لعِلَّة وَقد زَالَت، فَمن شَاءَ فعله اخْتِيَارا؟ فَروِيَ عَن عمر وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر: أَنه سنة، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ بِسنة، فَمن شَاءَ فعله وَمن شَاءَ تَركه، روى ذَلِك عَن جمَاعَة من التَّابِعين مِنْهُم طَاوُوس وَعَطَاء وَالْحسن وَالقَاسِم وَسَالم، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَجُمْهُور الْعلمَاء، على أَن الرمل من الْحجر إِلَى الْحجر، وَفِي (التَّوْضِيح) : ثمَّ الْجُمْهُور على أَنه يستوعب الْبَيْت بالرمل، وَفِي قَول: لَا يرمل بَين الرُّكْنَيْنِ اليمانيين، وَالْمَرْأَة لَا ترمل بِالْإِجْمَاع لِأَنَّهُ يقْدَح فِي السّتْر وَلَيْسَت من أهل الْجلد وَلَا تهرول أَيْضا بَين الصَّفَا والمروة فِي السَّعْي، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن ابْن عمر وَعَائِشَة وَجَمَاعَة، فَإِن ترك الرمل فِي الطّواف والهرولة فِي السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة، ثمَّ ذكر وَهُوَ قريب، فَمرَّة قَالَ مَالك: يُعِيد، وَمرَّة قَالَ: لَا يُعِيد، وَبِه قَالَ ابْن الْقَاسِم، وَاخْتلف أَيْضا هَل عَلَيْهِ دم أم لَا. وَفِيه: جَوَاز تَسْمِيَة الطوفة شوطا. وَنقل عَن الشَّافِعِي كَرَاهَته. وَفِي (الْأُم) : قَالَ الشَّافِعِي: لَا يُقَال شوط وَلَا دور، وَعَن مُجَاهِد: لَا تَقولُوا شوطا وَلَا شوطين، وَلَكِن قُولُوا: دورا اودورين. وَفِيه: مَا يُؤْخَذ جَوَاز إِظْهَار الْقُوَّة بالعدة وَالسِّلَاح وَنَحْو ذَلِك للْكفَّار إرهابا لَهُم، وَلَا يعد ذَلِك من الرِّيَاء. وَفِيه: جَوَاز المعاريض بِالْفِعْلِ، كَمَا يجوز بالْقَوْل، وَرُبمَا يكون بِالْفِعْلِ أولى.
٦٥ - (بابُ اسْتِلَامِ الحَجَرِ الأسْوَدِ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ أوَّلَ مَا يَطُوفُ ويَرْمُلُ ثَلاثا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان استلام الْحجر الْأسود، والاستلام هُوَ الْمسْح بِالْيَدِ، مُشْتَقّ من السَّلَام الَّذِي هُوَ التَّحِيَّة. وَقيل: من السَّلَام بِكَسْر السِّين، وَهُوَ الْحِجَارَة. وَقَالَ ابْن سيدة: اسْتَلم الْحجر واستلأمه، بِالْهَمْزَةِ، أَي: قبله أَو اعتنقه، وَلَيْسَ أَصله الْهَمْز، وَيُقَال استلمت الْحجر إِذْ لمسته. كَمَا يُقَال: اكتحلت من الكهل، وَفِي (الْجَامِع) وَقيل: هُوَ استفعل من اللأمة، واللأمة هِيَ الدرْع وَالسِّلَاح وَإِنَّمَا يلبس اللامة ليمتنع بهَا من الْأَعْدَاء، فَكَانَ هَذَا إِذا لمس الْحجر فقد تحصن من الْعَذَاب. قَوْله: (أول) ، مَنْصُوب على الظّرْف، ظرف للاستلام. قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي: ثَلَاث مَرَّات.
٣٠٦١ - حدَّثنا أصْبَغُ بنُ الفَرَجِ قَالَ أخْبَرَنِي ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ سالِمٍ عنْ أبيهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ رَأيْتُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأسْوَدَ أوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلاثَةَ أطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة جدا لِأَن مَعْنَاهُ معنى التَّرْجَمَة سَوَاء، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَسَالم بن عبد الله بن عمر يروي عَن أَبِيه عبد الله.
وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن أبي الظَّاهِر. وحرملة، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي الطَّاهِر وَسليمَان بن دَاوُد، كلهم عَن ابْن وهب بِهِ.
قَوْله: (إِذا اسْتَلم) ظرف لَا شَرط، وَبدل عَن قَوْله: (حِين يقدم) . قَوْله: (أول) ، نصب على الظّرْف مُضَاف إِلَى كلمة: مَا، المصدرية. قَوْله: (يخب) فِي مَحل النصب على أَنه مفعول ثَان لقَوْله: (رَأَيْت) ، وَهُوَ بِفَتْح يَاء المضارعة وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: من الخبب، وَهُوَ ضرب من الْعَدو. وَقيل: خب الْفرس إِذا نقل أيامنه وإياسره جَمِيعًا. وَقيل: هُوَ أَن يراوح بَين يَدَيْهِ، وَقيل: الخبب السرعة، وَقد خبت الدَّابَّة تخب خببا وخبيبا وأخبت وَقد أخبها ذكره ابْن سَيّده. وَفِي (الْمُنْتَهى) يُقَال: خب خبيبا وأخبه صَاحبه إخبابا. وَفِي (الجمهرة) وأخببته أَنا، وَفِي الْكِفَايَة لأبي إِسْحَاق الأجداني: إِذا ارْتَفع سير الْبَعِير حَتَّى يكون عدوا يراوح بَين يَدَيْهِ، فَذَلِك الخبب. قَوْله: (ثَلَاثَة) ، وَإِن كَانَ مُبْهما، لَكِن الْمَقْصُود مِنْهُ الثَّلَاثَة الأول. قَوْله: (من السَّبع) أَي: الطوفات السَّبع، ويروى: السَّبْعَة، بِاعْتِبَار الأطواف. وَقَالَت النُّحَاة: إِذا كَانَ الْمُمَيز غير مَذْكُور جَازَ فِي الْعدَد التَّذْكِير والتأنيث.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: إِن سنة الدَّاخِل إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام أَن يبْدَأ بِالْحجرِ الْأسود فيقبله، ثمَّ الخبب، إِنَّمَا يشرع فِي طواف يعقبه سعي وَيتَصَوَّر ذَلِك فِي طواف الْقدوم والإفاضة، وَلَا يتَصَوَّر فِي طواف الْوَدَاع لِأَن شَرطه أَن يكون قد طَاف طواف الْإِفَاضَة، فعلى هَذَا القَوْل إِذا طَاف للقدوم، وَفِي نِيَّته أَن يسْعَى بعده اسْتحبَّ الرمل فِيهِ، وَإِن لم يكن هَذَا فِي نِيَّته لم يرمل فِي طواف الْإِفَاضَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وثمة قَول آخر، وَهُوَ أَنه يرمل فِي طواف الْقدوم سَوَاء أَرَادَ السَّعْي بعده أم لَا، وروى الْحَاكِم عَن عَطاء عَن أبي سعيد أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يرمل فِي السَّبع الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ، وَقَالَ عَطاء: لَا رمل فِيهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: يفهم مِنْهُ أَن الرمل إِنَّمَا هُوَ فِي جَمِيع المطاف، وَمن الحَدِيث الأول حَيْثُ قَالَ فِيهِ: (وليمشوا بَين الرُّكْنَيْنِ) أَنه فِي بعضه. قلت: قَالَ النَّوَوِيّ، ذَلِك مَنْسُوخ لِأَنَّهُ كَانَ فِي عمْرَة الْقَضَاء سنة سبع، قبل الْفَتْح، وَكَانَ بِالْمُسْلِمين ضعف فِي أبدانهم، وَإِنَّمَا رملوا إِظْهَارًا للقوة والاحتياج إِلَيْهِ كَانَ فِي غير الرُّكْنَيْنِ اليمانيين، لِأَن الْمُشْركين كَانُوا جُلُوسًا فِي الْحجر وَلَا يرونهم من هذَيْن الرُّكْنَيْنِ، ويرونهم فِيمَا سواهُمَا، فَلَمَّا حج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حجَّة الْوَدَاع سنة عشر رمل من الْحجر إِلَى الْحجر، فَوَجَبَ الْأَمر بالمتأخر.
٧٥ - (بابُ الرَّمَلِ فِي الحَجِّ والْعُمْرَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة الرمل فِي بعض الطّواف، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور هَذَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ روى عَن ابْن عَبَّاس أَنه: لَيْسَ بِسنة، من شَاءَ رمل وَمن شَاءَ لم يرمل.
٤٠٦١ - حدَّثني مُحَمَّدٌ قَالَ حَدثنَا سُرَيْحُ بنُ النُّعْمَانِ قَالَ حَدثنَا فُلَيْحٌ عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ سَعَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاثَةَ أشْوَاطٍ ومَشَى أرْبَعَةً فِي الحَجِّ والْعُمْرَةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِي الْحَج وَالْعمْرَة) .
ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد، ذكر غير مَنْسُوب وَذكر فِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال: الأول: قَول الْحَاكِم هُوَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي. الثَّانِي: هُوَ مُحَمَّد بن رَافع حَكَاهُ الجياني. الثَّالِث: مُحَمَّد بن سَلام حَكَاهُ أَبُو عَليّ ابْن السكن. الرَّابِع: مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير حَكَاهُ أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) قيل: الصَّوَاب أَنه ابْن سَلام، كَمَا نسبه أَبُو ذَر، وَحَكَاهُ ابْن السكن. لَا يُقَال إِنَّه اشْتِبَاه يقْدَح، لأَنا نقُول: إِنَّه روى عَنْهُم، فَلَا بَأْس بِهَذَا الِاشْتِبَاه فَلَا قدح. الثَّانِي: سُرَيج، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره جِيم ابْن النُّعْمَان الْجَوْهَرِي الْبَغْدَادِيّ. الثَّالِث: فليح، بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: ابْن سُلَيْمَان، وَقد مر فِي أول كتاب الْعلم. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شيخ شَيْخه شَيْخه أَيْضا لِأَنَّهُ روى عَن سُرَيج أَيْضا. وَقد قيل: إِن المُرَاد من قَوْله: حَدثنِي مُحَمَّد هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، فعلى هَذَا يكون رَاوِيا عَن شَيْخه سُرَيج بن النُّعْمَان. وَفِيه: أَن فليحا اسْمه عبد الْملك وَغلب عَلَيْهِ لقبه فليح، وكنيته أَبُو يحيى وَهُوَ مدنِي.
قَوْله: (سعي) أَي: رمل فِي الطوفات الثَّلَاث الأول. قَوْله: (فِي الْحَج) أَي: فِي حجَّة الْوَدَاع. قَوْله: (وَالْعمْرَة) وَهِي عمْرَة الْقَضِيَّة، لِأَن الْحُدَيْبِيَة لم يُمكن فِيهَا من الطّواف، والجعرانة لم يكن ابْن عمر مَعَه فِيهَا، وَلِهَذَا أنكرها.
تابَعَهُ اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني كَثِيرُ بنُ فَرْقَدٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أَي: تَابع سريجا الليثُ بن سعد، وَهَذِه الْمُتَابَعَة رَوَاهَا النَّسَائِيّ من طَرِيق شُعَيْب بن اللَّيْث عَن أَبِيه فَذكره، وَرَوَاهَا الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق يحيى بن بكير عَن اللَّيْث، قَالَ: حَدثنِي ... فَذكره بِلَفْظ: أَن عبد الله بن عمر كَانَ يخب فِي طَوَافه حِين يقدم فِي حج أَو عمْرَة ثَلَاثًا وَيَمْشي أَرْبعا، قَالَ: وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يفعل ذَلِك.
٥٠٦١ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ أخبرَنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ أخبرَنِي زَيْدُ بنُ أسْلَم
َ عَنْ أبيهِ أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لِلرُّكْنِ أمَا وَالله إنِّي لأَعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ ولَا تَنْفَعُ وَلَوْلا أنِّي رأيْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ فاسْتَلَمَهُ ثُمَّ قَالَ فَمَا لَنَا ولِلرَّمْلِ إنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ المُشْرِكِينَ وقَدْ أهْلَكَهُمْ الله ثُمَّ قَالَ شَيءٌ صَنَعَهُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا نُحِبُّ أنْ نَتْرُكَهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمُحَمّد بن جَعْفَر بن أبي كثير الْأنْصَارِيّ وَزيد بن أسلم أَبُو أُسَامَة يروي عَن أَبِيه أسلم مولى عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يكنى أَبَا خَالِد، كَانَ من سبي الْيمن، مَاتَ وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة وَمِائَة سنة.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن أَحْمد بن سِنَان عَن يزِيد بن هَارُون. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن هَارُون بن سعيد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عِيسَى بن إِبْرَاهِيم الغافقي.
قَوْله: (قَالَ للركن) أَي: للحجر الْأسود خاطبه بذلك ليسمع الْحَاضِرُونَ. قَوْله: (ثمَّ قَالَ) أَي: بعد استلامه. قَوْله: (مَا لنا وللرمل) ، ويروى: والرمل، بِغَيْر لَام، وَالنّصب فِيهِ على الْأَفْصَح. وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد من طَرِيق هِشَام بن سعيد عَن زيد بن أسلم: (فيمَ الرمل والكشف عَن المناكب؟) الحَدِيث. قَوْله: (إِنَّمَا كُنَّا راءينا) من المراءاة، أَي: أردنَا أَن نظهر الْقُوَّة للْمُشْرِكين بالرمل ليعلموا أَنا لَا نعجز عَن مقاومتهم، وَلَا نضعف عَن محاربتهم، وَقد أهلكهم الله تَعَالَى فَمَا لنا حَاجَة الْيَوْم إِلَى ذَلِك؟ وَقَالَ عِيَاض: راءينا، بِوَزْن: فاعلنا، من الرُّؤْيَة أَي: أريناهم بذلك أَنا أقوياء. وَقَالَ ابْن مَالك: من الرِّيَاء، أَي: أظهرنَا الْقُوَّة وَنحن ضعفاء وَلِهَذَا روى: رايينا، بياءين حملا لَهُ على الرِّيَاء. قلت: الَّذِي قَالَه ابْن مَالك هُوَ على مَنْهَج الصَّوَاب دون مَا قَالَه عِيَاض يظْهر بِالتَّأَمُّلِ. قَوْله: (وَقد أهلكهم الله) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (شي صنعه النَّبِي) ، ارْتِفَاع: شَيْء، على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هَذَا شَيْء صنعه رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَإِن قلت: لَا يجوز أَن يكون: شَيْء مُبْتَدأ؟ وَقَوله: (فَلَا نخب) خَبره؟ قلت: شَرط الْمُبْتَدَأ الَّذِي يتَضَمَّن من معنى الشَّرْط أَن لَا يكون معينا نَحْو: كل رجل يأتيني فَلهُ دِرْهَم، وَهَذَا شَيْء معِين، أللهم، إلَاّ أَن يُقَال: الْمَعْنى: كل شَيْء صنعه النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِنَّمَا صنعه لإِظْهَار الْجلد وَالْقُوَّة للْمُشْرِكين، فَلَمَّا أهلكهم الله لَا حَاجَة بِهِ، ثمَّ استدرك فَقَالَ: لما فعله رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَا نحب أَن نتركه اتبَاعا لَهُ. قَالَ الْخطابِيّ: كَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، طلوبا للآثار، بحوثا عَنْهَا وَعَن مَعَانِيهَا لما رأى الْحجر يسْتَلم وَلَا يعلم فِيهِ سَببا يظْهر للحس، أَو يتَبَيَّن فِي الْعقل، ترك فِيهِ الرَّأْي وَصَارَ إِلَى الِاتِّبَاع، وَلما رأى الرمل قد ارْتَفع سَببه الَّذِي كَانَ قد أحدث من أَجله فِي الزَّمَان الأول هَمَّ بِتَرْكِهِ، ثمَّ لَاذَ بِاتِّبَاع السّنة متبركا بِهِ، وَقد يحدث شَيْء من أَمر الدّين بِسَبَب من الْأَسْبَاب فيزول ذَلِك السَّبَب وَلَا يَزُول حكمه، كالعرايا والاغتسال للْجُمُعَة. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: ثَبت أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رمل فِي حجَّته وَلَا مُشْرك يَوْمئِذٍ يرَاهُ، فَعلم أَنه من مَنَاسِك الْحَج، غير أَنا لَا نرى على من ترك عَامِدًا وَلَا سَاهِيا قَضَاء وَلَا فديَة، لِأَن من تَركه فَلَيْسَ بتارك الْعَمَل، وَإِنَّمَا هُوَ تَارِك لهيئته وَصفته كالتلبية الَّتِي فِيهَا رفع الصَّوْت، فَإِن خفص صَوته بهَا كَانَ غير مضيع لَهَا وَلَا تاركها، وَإِنَّمَا ضيع صفة من صفاتها وَلَا شَيْء عَلَيْهِ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: دَلِيل على أَن أَفعَال النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على الْوُجُوب حَتَّى يقوم دَلِيل على خِلَافه. وَفِيه: أَن فِي الشَّرْع مَا هُوَ تعبد مَحْض وَمَا هُوَ مَعْقُول الْمَعْنى. وَفِيه: دَلِيل على غَايَة اتِّبَاع عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، للآثار، وَفِيه: دَلِيل على أَن الرمل لَا يتْرك، وَلَكِن إِن تَركه لَا يُوجب شَيْئا. وَفِي (التَّوْضِيح) : قَامَ الْإِجْمَاع على أَنه لَا رمل على من أحرم بِالْحَجِّ من مَكَّة من غير أَهلهَا، وَاخْتلفُوا فِي أهل مَكَّة: هَل عَلَيْهِم رمل؟ فَكَانَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، لَا يرَاهُ عَلَيْهِم، وَبِه قَالَ أَحْمد واستحبه مَالك وَالشَّافِعِيّ للمكي.
٦٠٦١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عَن عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قالَ مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هاذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخاءٍ مُنْذُ رأيْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَسْتَلِمُهُمَا قُلْتُ لِنَافِعٍ أكانَ ابنُ عُمَرَ يَمْشِي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ قَالَ إنَّمَا كانَ يَمْشِي لِيَكُونَ أيْسَرَ لاِسْتِلامِهِ.
(الحَدِيث ٦٠٦١ طرفه فِي: ١١٦١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة من حَيْثُ إِن نَافِعًا لما سُئِلَ، أَكَانَ ابْن عمر يمشي بَين الرُّكْنَيْنِ؟ قَالَ: (إِنَّمَا كَانَ يمشي ليَكُون إيسر
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ.
[الحديث ١٦٠٢ - طرفه في: ٤٢٥٦]
قَوْلُهُ: (بَابٌ: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الرَّمَلِ) أَيِ ابْتِدَاءُ مَشْرُوعِيَّتِهِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمِيمِ؛ هُوَ الْإِسْرَاعُ، وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: هُوَ شَبِيهٌ بِالْهَرْوَلَةِ، وَأَصْلُهُ أَنْ يُحَرِّكَ الْمَاشِي مَنْكِبَيْهِ فِي مَشْيِهِ، وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الرَّمَلِ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي، وَعَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ الرَّمَلِ بَعْدَ بَابٍ.
وقَوْلُهُ: (أَنْ يَرْمُلُوا) بِضَمِّ الْمِيمِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ مَفْعُولِ يَأْمُرُهُمْ، تَقُولُ: أَمَرْتُهُ كَذَا، وَأَمَرْتُهُ بِكَذَا. وَ (الْأَشْوَاطَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ: جَمْعُ شَوْطٍ؛ بِفَتْحِ الشِّينِ، وَهُوَ الْجَرْيُ مَرَّةً إِلَى الْغَايَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الطَّوْفَةُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَ (الْإِبْقَاءُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ وَالْقَافِ: الرِّفْقُ وَالشَّفَقَةُ، وَهُوَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ لَمْ يَمْنَعْهُ وَيَجُوزُ النَّصْبُ.
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ تَسْمِيَةِ الطَّوْفَةِ شَوْطًا، وَنُقِلَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالشَّافِعِيِّ كَرَاهَتُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ إِظْهَارِ الْقُوَّةِ بِالْعِدَّةِ وَالسِّلَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِلْكُفَّارِ إِرْهَابًا لَهُمْ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنَ الرِّيَاءِ الْمَذْمُومِ. وَفِيهِ جَوَازُ الْمَعَارِيضِ بِالْفِعْلِ كَمَا يَجُوزُ بِالْقَوْلِ، وَرُبَّمَا كَانَتْ بِالْفِعْلِ أَوْلَى.
٥٦ - بَاب اسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ وَيَرْمُلُ ثَلَاثًا
١٦٠٣ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنْ السَّبْعِ.
[الحديث ١٦٠٣ - أطرافه في: ١٦٠٤، ١٦١٦، ١٦١٧، ١٦٤٤]
قَوْلُهُ: (بَابُ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حِينَ يَقْدُمُ مَكَّةَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ وَيَرْمُلُ ثَلَاثًا) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ غَيْرِ مَزِيدٍ.
وقَوْلُهُ: (يَخُبُّ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ أَيْ يُسْرِعُ فِي مَشْيِهِ، وَالْخَبَبُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ أُخْرَى: الْعَدْوُ السَّرِيعُ، يُقَالُ: خَبَتِ الدَّابَّةُ إِذَا أَسْرَعَتْ وَرَاوَحَتْ بَيْنَ قَدَمَيْهَا، وَهَذَا يُشْعِرُ بِتَرَادُفِ الرَّمَلِ وَالْخَبَبِ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ. وَقَوْلُهُ: (أَوَّلَ) مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَقَوْلُهُ: (مِنَ السَّبْعِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ؛ أَيِ السَّبْعِ طَوْفَاتٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الرَّمَلَ يَسْتَوْعِبُ الطَّوْفَةَ، فَهُوَ مُغَايِرٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي قَبْلَهُ، لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الِاسْتِيعَابِ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٥٧ - بَاب الرَّمَلِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ
١٦٠٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ، حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَعَى النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
تَابَعَهُ اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
قاله الأزهريُّ، أي: لأنَّ ذلك الفعل سلامٌ على الحجر، وأهل اليمن يسمُّون الرُّكن الأسود: المُحيَّا، أو: هو «استلأم» مهموزٌ (١) من الملاءمة؛ وهي الاجتماع، أو: «استفعل» من اللأمة وهي الدِّرع لأنَّه إذا لمس الحجر تحصَّن بحصنٍ من العذاب كما يتحصَّن باللَّأمة من الأعداء، فإن قِيلَ: كان القياس فيه على هذا أن يكون «استلأم» لا «استلم»، أُجيب باحتمال أن يكون خُفِّف بنقل حركة الهمزة إلى اللَّام السَّاكنة قبلها، ثمُّ حُذِفت الهمزة ساكنةً قاله في «المصابيح».
١٦٠٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ) بفتح الهمزة وسكون المهملة وفتح المُوحَّدة آخره معجمةٌ في الأوَّل وبالفاء والجيم في الثَّاني ابن سعيدٍ الأمويُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وفي بعضها: «أخبرنا» (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (﵁) وعن أبيه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ) ظرفٌ مضافٌ إلى «ما» المصدريَّة (يَخُبُّ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وضمِّ الخاء المعجمة وتشديد المُوحَّدة من الخبب: ضربٌ من العَدْوِ، أي: يرمل (ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ) الطَّوفات (السَّبْعِ) وفي بعضها: «من السَّبعة» بالتَّأنيث باعتبار الأطواف، وإذا كان المميز غير مذكورٍ جاز في العدد التَّذكير والتَّأنيث، فإن قلت: ظاهر هذا الحديث يقتضي أنَّ الرَّمَل يستوعب الطَّوفة بخلاف حديث ابن عبَّاسٍ السَّابق في الباب الذي قبله [خ¦١٦٠٢] لأنَّه صريحٌ في عدم الاستيعاب أُجيب بأنَّه ﵊ رمل في طوافه أوَّل قدومه في حجَّة الوداع من الحجر إلى الحجر ثلاثًا، ومشى أربعًا، فاستقرَّت سنَّة الرَّمَل على (٢) ذلك من الحجر إلى الحجر لأنَّه المتأخِّر من فعله ﵊.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
والشفقة، أَي: لم يمنعهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أَمرهم بالرمل فِي الْكل إلَاّ الرِّفْق بهم، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: روينَاهُ بِالرَّفْع على أَنه فَاعل يمنعهُم، وَيجوز النصب على أَن يكون مَفْعُولا من أَجله.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الرمل فِي الطّواف. وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ: هَل هُوَ سنة من سنَن الْحَج لَا يجوز تَركهَا؟ أَو لَيْسَ بِسنة لِأَنَّهُ كَانَ لعِلَّة وَقد زَالَت، فَمن شَاءَ فعله اخْتِيَارا؟ فَروِيَ عَن عمر وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر: أَنه سنة، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ بِسنة، فَمن شَاءَ فعله وَمن شَاءَ تَركه، روى ذَلِك عَن جمَاعَة من التَّابِعين مِنْهُم طَاوُوس وَعَطَاء وَالْحسن وَالقَاسِم وَسَالم، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَجُمْهُور الْعلمَاء، على أَن الرمل من الْحجر إِلَى الْحجر، وَفِي (التَّوْضِيح) : ثمَّ الْجُمْهُور على أَنه يستوعب الْبَيْت بالرمل، وَفِي قَول: لَا يرمل بَين الرُّكْنَيْنِ اليمانيين، وَالْمَرْأَة لَا ترمل بِالْإِجْمَاع لِأَنَّهُ يقْدَح فِي السّتْر وَلَيْسَت من أهل الْجلد وَلَا تهرول أَيْضا بَين الصَّفَا والمروة فِي السَّعْي، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن ابْن عمر وَعَائِشَة وَجَمَاعَة، فَإِن ترك الرمل فِي الطّواف والهرولة فِي السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة، ثمَّ ذكر وَهُوَ قريب، فَمرَّة قَالَ مَالك: يُعِيد، وَمرَّة قَالَ: لَا يُعِيد، وَبِه قَالَ ابْن الْقَاسِم، وَاخْتلف أَيْضا هَل عَلَيْهِ دم أم لَا. وَفِيه: جَوَاز تَسْمِيَة الطوفة شوطا. وَنقل عَن الشَّافِعِي كَرَاهَته. وَفِي (الْأُم) : قَالَ الشَّافِعِي: لَا يُقَال شوط وَلَا دور، وَعَن مُجَاهِد: لَا تَقولُوا شوطا وَلَا شوطين، وَلَكِن قُولُوا: دورا اودورين. وَفِيه: مَا يُؤْخَذ جَوَاز إِظْهَار الْقُوَّة بالعدة وَالسِّلَاح وَنَحْو ذَلِك للْكفَّار إرهابا لَهُم، وَلَا يعد ذَلِك من الرِّيَاء. وَفِيه: جَوَاز المعاريض بِالْفِعْلِ، كَمَا يجوز بالْقَوْل، وَرُبمَا يكون بِالْفِعْلِ أولى.
٦٥ - (بابُ اسْتِلَامِ الحَجَرِ الأسْوَدِ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ أوَّلَ مَا يَطُوفُ ويَرْمُلُ ثَلاثا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان استلام الْحجر الْأسود، والاستلام هُوَ الْمسْح بِالْيَدِ، مُشْتَقّ من السَّلَام الَّذِي هُوَ التَّحِيَّة. وَقيل: من السَّلَام بِكَسْر السِّين، وَهُوَ الْحِجَارَة. وَقَالَ ابْن سيدة: اسْتَلم الْحجر واستلأمه، بِالْهَمْزَةِ، أَي: قبله أَو اعتنقه، وَلَيْسَ أَصله الْهَمْز، وَيُقَال استلمت الْحجر إِذْ لمسته. كَمَا يُقَال: اكتحلت من الكهل، وَفِي (الْجَامِع) وَقيل: هُوَ استفعل من اللأمة، واللأمة هِيَ الدرْع وَالسِّلَاح وَإِنَّمَا يلبس اللامة ليمتنع بهَا من الْأَعْدَاء، فَكَانَ هَذَا إِذا لمس الْحجر فقد تحصن من الْعَذَاب. قَوْله: (أول) ، مَنْصُوب على الظّرْف، ظرف للاستلام. قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي: ثَلَاث مَرَّات.
٣٠٦١ - حدَّثنا أصْبَغُ بنُ الفَرَجِ قَالَ أخْبَرَنِي ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ سالِمٍ عنْ أبيهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ رَأيْتُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأسْوَدَ أوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلاثَةَ أطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة جدا لِأَن مَعْنَاهُ معنى التَّرْجَمَة سَوَاء، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَسَالم بن عبد الله بن عمر يروي عَن أَبِيه عبد الله.
وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن أبي الظَّاهِر. وحرملة، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي الطَّاهِر وَسليمَان بن دَاوُد، كلهم عَن ابْن وهب بِهِ.
قَوْله: (إِذا اسْتَلم) ظرف لَا شَرط، وَبدل عَن قَوْله: (حِين يقدم) . قَوْله: (أول) ، نصب على الظّرْف مُضَاف إِلَى كلمة: مَا، المصدرية. قَوْله: (يخب) فِي مَحل النصب على أَنه مفعول ثَان لقَوْله: (رَأَيْت) ، وَهُوَ بِفَتْح يَاء المضارعة وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: من الخبب، وَهُوَ ضرب من الْعَدو. وَقيل: خب الْفرس إِذا نقل أيامنه وإياسره جَمِيعًا. وَقيل: هُوَ أَن يراوح بَين يَدَيْهِ، وَقيل: الخبب السرعة، وَقد خبت الدَّابَّة تخب خببا وخبيبا وأخبت وَقد أخبها ذكره ابْن سَيّده. وَفِي (الْمُنْتَهى) يُقَال: خب خبيبا وأخبه صَاحبه إخبابا. وَفِي (الجمهرة) وأخببته أَنا، وَفِي الْكِفَايَة لأبي إِسْحَاق الأجداني: إِذا ارْتَفع سير الْبَعِير حَتَّى يكون عدوا يراوح بَين يَدَيْهِ، فَذَلِك الخبب. قَوْله: (ثَلَاثَة) ، وَإِن كَانَ مُبْهما، لَكِن الْمَقْصُود مِنْهُ الثَّلَاثَة الأول. قَوْله: (من السَّبع) أَي: الطوفات السَّبع، ويروى: السَّبْعَة، بِاعْتِبَار الأطواف. وَقَالَت النُّحَاة: إِذا كَانَ الْمُمَيز غير مَذْكُور جَازَ فِي الْعدَد التَّذْكِير والتأنيث.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: إِن سنة الدَّاخِل إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام أَن يبْدَأ بِالْحجرِ الْأسود فيقبله، ثمَّ الخبب، إِنَّمَا يشرع فِي طواف يعقبه سعي وَيتَصَوَّر ذَلِك فِي طواف الْقدوم والإفاضة، وَلَا يتَصَوَّر فِي طواف الْوَدَاع لِأَن شَرطه أَن يكون قد طَاف طواف الْإِفَاضَة، فعلى هَذَا القَوْل إِذا طَاف للقدوم، وَفِي نِيَّته أَن يسْعَى بعده اسْتحبَّ الرمل فِيهِ، وَإِن لم يكن هَذَا فِي نِيَّته لم يرمل فِي طواف الْإِفَاضَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وثمة قَول آخر، وَهُوَ أَنه يرمل فِي طواف الْقدوم سَوَاء أَرَادَ السَّعْي بعده أم لَا، وروى الْحَاكِم عَن عَطاء عَن أبي سعيد أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يرمل فِي السَّبع الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ، وَقَالَ عَطاء: لَا رمل فِيهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: يفهم مِنْهُ أَن الرمل إِنَّمَا هُوَ فِي جَمِيع المطاف، وَمن الحَدِيث الأول حَيْثُ قَالَ فِيهِ: (وليمشوا بَين الرُّكْنَيْنِ) أَنه فِي بعضه. قلت: قَالَ النَّوَوِيّ، ذَلِك مَنْسُوخ لِأَنَّهُ كَانَ فِي عمْرَة الْقَضَاء سنة سبع، قبل الْفَتْح، وَكَانَ بِالْمُسْلِمين ضعف فِي أبدانهم، وَإِنَّمَا رملوا إِظْهَارًا للقوة والاحتياج إِلَيْهِ كَانَ فِي غير الرُّكْنَيْنِ اليمانيين، لِأَن الْمُشْركين كَانُوا جُلُوسًا فِي الْحجر وَلَا يرونهم من هذَيْن الرُّكْنَيْنِ، ويرونهم فِيمَا سواهُمَا، فَلَمَّا حج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حجَّة الْوَدَاع سنة عشر رمل من الْحجر إِلَى الْحجر، فَوَجَبَ الْأَمر بالمتأخر.
٧٥ - (بابُ الرَّمَلِ فِي الحَجِّ والْعُمْرَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة الرمل فِي بعض الطّواف، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور هَذَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ روى عَن ابْن عَبَّاس أَنه: لَيْسَ بِسنة، من شَاءَ رمل وَمن شَاءَ لم يرمل.
٤٠٦١ - حدَّثني مُحَمَّدٌ قَالَ حَدثنَا سُرَيْحُ بنُ النُّعْمَانِ قَالَ حَدثنَا فُلَيْحٌ عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ سَعَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاثَةَ أشْوَاطٍ ومَشَى أرْبَعَةً فِي الحَجِّ والْعُمْرَةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِي الْحَج وَالْعمْرَة) .
ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد، ذكر غير مَنْسُوب وَذكر فِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال: الأول: قَول الْحَاكِم هُوَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي. الثَّانِي: هُوَ مُحَمَّد بن رَافع حَكَاهُ الجياني. الثَّالِث: مُحَمَّد بن سَلام حَكَاهُ أَبُو عَليّ ابْن السكن. الرَّابِع: مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير حَكَاهُ أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) قيل: الصَّوَاب أَنه ابْن سَلام، كَمَا نسبه أَبُو ذَر، وَحَكَاهُ ابْن السكن. لَا يُقَال إِنَّه اشْتِبَاه يقْدَح، لأَنا نقُول: إِنَّه روى عَنْهُم، فَلَا بَأْس بِهَذَا الِاشْتِبَاه فَلَا قدح. الثَّانِي: سُرَيج، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره جِيم ابْن النُّعْمَان الْجَوْهَرِي الْبَغْدَادِيّ. الثَّالِث: فليح، بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: ابْن سُلَيْمَان، وَقد مر فِي أول كتاب الْعلم. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شيخ شَيْخه شَيْخه أَيْضا لِأَنَّهُ روى عَن سُرَيج أَيْضا. وَقد قيل: إِن المُرَاد من قَوْله: حَدثنِي مُحَمَّد هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، فعلى هَذَا يكون رَاوِيا عَن شَيْخه سُرَيج بن النُّعْمَان. وَفِيه: أَن فليحا اسْمه عبد الْملك وَغلب عَلَيْهِ لقبه فليح، وكنيته أَبُو يحيى وَهُوَ مدنِي.
قَوْله: (سعي) أَي: رمل فِي الطوفات الثَّلَاث الأول. قَوْله: (فِي الْحَج) أَي: فِي حجَّة الْوَدَاع. قَوْله: (وَالْعمْرَة) وَهِي عمْرَة الْقَضِيَّة، لِأَن الْحُدَيْبِيَة لم يُمكن فِيهَا من الطّواف، والجعرانة لم يكن ابْن عمر مَعَه فِيهَا، وَلِهَذَا أنكرها.
تابَعَهُ اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني كَثِيرُ بنُ فَرْقَدٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أَي: تَابع سريجا الليثُ بن سعد، وَهَذِه الْمُتَابَعَة رَوَاهَا النَّسَائِيّ من طَرِيق شُعَيْب بن اللَّيْث عَن أَبِيه فَذكره، وَرَوَاهَا الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق يحيى بن بكير عَن اللَّيْث، قَالَ: حَدثنِي ... فَذكره بِلَفْظ: أَن عبد الله بن عمر كَانَ يخب فِي طَوَافه حِين يقدم فِي حج أَو عمْرَة ثَلَاثًا وَيَمْشي أَرْبعا، قَالَ: وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يفعل ذَلِك.
٥٠٦١ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ أخبرَنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ أخبرَنِي زَيْدُ بنُ أسْلَم
َ عَنْ أبيهِ أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لِلرُّكْنِ أمَا وَالله إنِّي لأَعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ ولَا تَنْفَعُ وَلَوْلا أنِّي رأيْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ فاسْتَلَمَهُ ثُمَّ قَالَ فَمَا لَنَا ولِلرَّمْلِ إنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ المُشْرِكِينَ وقَدْ أهْلَكَهُمْ الله ثُمَّ قَالَ شَيءٌ صَنَعَهُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا نُحِبُّ أنْ نَتْرُكَهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمُحَمّد بن جَعْفَر بن أبي كثير الْأنْصَارِيّ وَزيد بن أسلم أَبُو أُسَامَة يروي عَن أَبِيه أسلم مولى عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يكنى أَبَا خَالِد، كَانَ من سبي الْيمن، مَاتَ وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة وَمِائَة سنة.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن أَحْمد بن سِنَان عَن يزِيد بن هَارُون. وَأخرجه مُسلم فِيهِ عَن هَارُون بن سعيد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عِيسَى بن إِبْرَاهِيم الغافقي.
قَوْله: (قَالَ للركن) أَي: للحجر الْأسود خاطبه بذلك ليسمع الْحَاضِرُونَ. قَوْله: (ثمَّ قَالَ) أَي: بعد استلامه. قَوْله: (مَا لنا وللرمل) ، ويروى: والرمل، بِغَيْر لَام، وَالنّصب فِيهِ على الْأَفْصَح. وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد من طَرِيق هِشَام بن سعيد عَن زيد بن أسلم: (فيمَ الرمل والكشف عَن المناكب؟) الحَدِيث. قَوْله: (إِنَّمَا كُنَّا راءينا) من المراءاة، أَي: أردنَا أَن نظهر الْقُوَّة للْمُشْرِكين بالرمل ليعلموا أَنا لَا نعجز عَن مقاومتهم، وَلَا نضعف عَن محاربتهم، وَقد أهلكهم الله تَعَالَى فَمَا لنا حَاجَة الْيَوْم إِلَى ذَلِك؟ وَقَالَ عِيَاض: راءينا، بِوَزْن: فاعلنا، من الرُّؤْيَة أَي: أريناهم بذلك أَنا أقوياء. وَقَالَ ابْن مَالك: من الرِّيَاء، أَي: أظهرنَا الْقُوَّة وَنحن ضعفاء وَلِهَذَا روى: رايينا، بياءين حملا لَهُ على الرِّيَاء. قلت: الَّذِي قَالَه ابْن مَالك هُوَ على مَنْهَج الصَّوَاب دون مَا قَالَه عِيَاض يظْهر بِالتَّأَمُّلِ. قَوْله: (وَقد أهلكهم الله) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (شي صنعه النَّبِي) ، ارْتِفَاع: شَيْء، على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هَذَا شَيْء صنعه رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَإِن قلت: لَا يجوز أَن يكون: شَيْء مُبْتَدأ؟ وَقَوله: (فَلَا نخب) خَبره؟ قلت: شَرط الْمُبْتَدَأ الَّذِي يتَضَمَّن من معنى الشَّرْط أَن لَا يكون معينا نَحْو: كل رجل يأتيني فَلهُ دِرْهَم، وَهَذَا شَيْء معِين، أللهم، إلَاّ أَن يُقَال: الْمَعْنى: كل شَيْء صنعه النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِنَّمَا صنعه لإِظْهَار الْجلد وَالْقُوَّة للْمُشْرِكين، فَلَمَّا أهلكهم الله لَا حَاجَة بِهِ، ثمَّ استدرك فَقَالَ: لما فعله رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَا نحب أَن نتركه اتبَاعا لَهُ. قَالَ الْخطابِيّ: كَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، طلوبا للآثار، بحوثا عَنْهَا وَعَن مَعَانِيهَا لما رأى الْحجر يسْتَلم وَلَا يعلم فِيهِ سَببا يظْهر للحس، أَو يتَبَيَّن فِي الْعقل، ترك فِيهِ الرَّأْي وَصَارَ إِلَى الِاتِّبَاع، وَلما رأى الرمل قد ارْتَفع سَببه الَّذِي كَانَ قد أحدث من أَجله فِي الزَّمَان الأول هَمَّ بِتَرْكِهِ، ثمَّ لَاذَ بِاتِّبَاع السّنة متبركا بِهِ، وَقد يحدث شَيْء من أَمر الدّين بِسَبَب من الْأَسْبَاب فيزول ذَلِك السَّبَب وَلَا يَزُول حكمه، كالعرايا والاغتسال للْجُمُعَة. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: ثَبت أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رمل فِي حجَّته وَلَا مُشْرك يَوْمئِذٍ يرَاهُ، فَعلم أَنه من مَنَاسِك الْحَج، غير أَنا لَا نرى على من ترك عَامِدًا وَلَا سَاهِيا قَضَاء وَلَا فديَة، لِأَن من تَركه فَلَيْسَ بتارك الْعَمَل، وَإِنَّمَا هُوَ تَارِك لهيئته وَصفته كالتلبية الَّتِي فِيهَا رفع الصَّوْت، فَإِن خفص صَوته بهَا كَانَ غير مضيع لَهَا وَلَا تاركها، وَإِنَّمَا ضيع صفة من صفاتها وَلَا شَيْء عَلَيْهِ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: دَلِيل على أَن أَفعَال النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على الْوُجُوب حَتَّى يقوم دَلِيل على خِلَافه. وَفِيه: أَن فِي الشَّرْع مَا هُوَ تعبد مَحْض وَمَا هُوَ مَعْقُول الْمَعْنى. وَفِيه: دَلِيل على غَايَة اتِّبَاع عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، للآثار، وَفِيه: دَلِيل على أَن الرمل لَا يتْرك، وَلَكِن إِن تَركه لَا يُوجب شَيْئا. وَفِي (التَّوْضِيح) : قَامَ الْإِجْمَاع على أَنه لَا رمل على من أحرم بِالْحَجِّ من مَكَّة من غير أَهلهَا، وَاخْتلفُوا فِي أهل مَكَّة: هَل عَلَيْهِم رمل؟ فَكَانَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، لَا يرَاهُ عَلَيْهِم، وَبِه قَالَ أَحْمد واستحبه مَالك وَالشَّافِعِيّ للمكي.
٦٠٦١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عَن عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قالَ مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هاذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخاءٍ مُنْذُ رأيْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَسْتَلِمُهُمَا قُلْتُ لِنَافِعٍ أكانَ ابنُ عُمَرَ يَمْشِي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ قَالَ إنَّمَا كانَ يَمْشِي لِيَكُونَ أيْسَرَ لاِسْتِلامِهِ.
(الحَدِيث ٦٠٦١ طرفه فِي: ١١٦١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة من حَيْثُ إِن نَافِعًا لما سُئِلَ، أَكَانَ ابْن عمر يمشي بَين الرُّكْنَيْنِ؟ قَالَ: (إِنَّمَا كَانَ يمشي ليَكُون إيسر