«أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧٤٨

الحديث رقم ١٧٤٨ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب رمي الجمار بسبع حصيات.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى، جعل البيت عن…

«أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَرَمَى بِسَبْعٍ، وَقَالَ: هَكَذَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ ».

سند حديث: ١٧٤٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ…

١٧٤٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى، جعل البيت عن…

رميُ الجمار في يوم النحر وأيام التشريق عبادة جليلة، فيها معنى الخضوع لله تعالى، وامتثال أوامره والاقتداء بإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، وأول ما يبدأ به الحاج يوم النحر هو رمي الجمرة الكبرى لتكون فاتحة أعمال ذلك اليوم الجليلة، فيقف منها موقف النبي صلى الله عليه وسلم حيث الكعبة المشرفة عن يساره ومني عن يمينه واستقبلها ورماها بسبع حصيات يكبر مع كل واحدة كما وقف ابن مسعود رضي الله عنه هكذا وأخبر أن هذا هو مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة، صلى الله عليه وسلم.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • مشروعية رمي جَمرَة العَقَبَة وحدها يوم النحر.
  • السُّنَّة في رمي جَمرَة العَقَبَة أن يستقبلها، بحيث تكون الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه.
  • جواز رمي جَمَرَة العَقَبَة من أي مكان، سواء استقبلها، أو جعلها عن يمينه، أو عن يساره، أو من فوقها، أو من أسفلها، أو وسطها المهم أن تقع الجمار في الحوض.
  • يؤخذ من الحديث عدم مشروعية الوقوف للدعاء بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر.
  • وجوب الرمي بسبع حصيات متعاقبات -واحدة بعد أخرى-.
  • شرع الرمي للتأسي به صلى الله عليه وسلم ، لا كما يعتقده العامة من رمي الشيطان.
  • تسمية هذه المواقف بـ"الجمرات" لا ما يقوله بعض الناس جهلا من تسميتها بـ"الشيطان الكبير" أو" الشيطان الصغير".
  • أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق.
  • جواز إضافة السورة إلى البقرة، خلافاً لمن منع ذلك.
  • ثبوت علو الله تعالى بذاته.
  • فضل ابن مسعود رضي الله عنه وحرصه على نشر السنة.
  • الحرص على مصاحبة ذوي العلم والفضل في سفر الحج.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى، جعل البيت عن…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يقوم، أي: هذا موضع قيام النَّبيِّ ، وخصَّ سورة البقرة لمناسبتها للحال لأنَّ معظم المناسك مذكورٌ فيها، خصوصًا ما يتعلَّق بوقت الرَّمي؛ وهو قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وهو من باب التَّلميح، فكأنَّه قال: مِن هنا رمى مَنْ أُنزِلت عليه (١) أمور المناسك وأخذ عنه أحكامها، وهو أَولى وأحقُّ بالاتِّباع ممَّن رمى الجمرة من فوقها.

(وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الوَلِيدِ) العدنيُّ ممَّا وصله ابن منده قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشُ) وفي نسخةٍ -وهي التي في الفرع وأصله لا غير-: «حدَّثنا الأعمش» (بِهَذَا) الحديث المذكور عن ابن مسعودٍ، وفائدة ذكر هذا بيان سماع سفيان الثَّوريِّ له من الأعمش.

ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون إلَّا شيخه فبصريٌّ، وسفيان مكِّيٌّ، وفيه: رواية الرَّجل عن خاله لأنَّ عبد الرَّحمن خال إبراهيم، وفيه: ثلاثةٌ من التَّابعين يروي بعضهم عن بعضٍ؛ الأعمش وإبراهيم وعبد الرَّحمن، وأخرجه المؤلِّف أيضًا عن مُسدَّدٍ [خ¦١٧٥٠] وعن حفص بن عمر [خ¦١٧٤٨]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الحجِّ».

(١٣٦) (بابُ رَمْيِ الجِمَارِ) الثَّلاث (بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ: ذَكَرَهُ) أي: السَّبع (ابْنُ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) في حديثه الآتي قريبًا إن شاء الله تعالى موصولًا في «باب إذا رمى الجمرتين» [خ¦١٧٥١].

١٧٤٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بفتحتين، ابن عُتَيْبَة؛ بضمِّ العين وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة وفتح المُوحَّدة

(عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) خال (١) إبراهيم المذكور (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود (: أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الجَمْرَةِ الكُبْرَى) وهي جمرة العقبة (جَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ) واستقبل الجمرة (وَرَمَى) الجمرة (بِسَبْعٍ) من الحصيات، فلا يجزئ بستٍّ، وهذا قول الجمهور خلافًا لعطاءٍ في الإجزاء بالخَمْسِ، ومجاهدٍ بالسِّتِّ، وبه قال أحمد لحديث النَّسائيِّ عن سعد بن مالكٍ قال: رجعنا في الحجَّة مع النَّبيِّ وبعضنا يقول: رميت بسبعٍ، وبعضنا يقول: رميت بستٍّ، فلم يَعِبْ بعضهم على بعضٍ، وحديث أبي داود والنَّسائيِّ أيضًا عن أبي مِجْلَزٍ قال: سألت ابن عبَّاسٍ عن شيءٍ من أمر الجمار، قال: ما (٢) أدري رماها رسول الله بستٍّ أو بسبعٍ، وأُجيب بأنَّ حديث سعدٍ (٣) ليس بمسندٍ، وحديث ابن عبَّاسٍ ورد على الشَّكِّ، وشكُّ الشَّاكِّ لا يقدح في جزم الجازم، وحصى الرَّمي جميعه سبعون حصاةً، لرمي يوم النَّحر سبعٌ، ولكلِّ يومٍ من أيَّام التَّشريق إحدى وعشرون، لكلِّ جمرةٍ سبعٌ، فإن نفر في اليوم الثَّاني قبل الغروب سقط رمي اليوم الثَّالث، وهو إحدى وعشرون حصاةً، ولا دم عليه ولا إثم، فيطرحها، وما يفعله النَّاس من دفنها لا أصل له، وهذا مذهب الأئمَّة الأربعة، وعليه أصحاب أحمد، لكن رُوِي (٤) عنه: أنَّها ستُّون، فيرمي كلَّ جمرةٍ بستَّةٍ، وعنه أيضًا: خمسون، فيرمي كلَّ جمرةٍ بخمسةٍ، وإذا ترك رمي يومٍ أو يومين عمدًا أو سهوًا تداركه في باقي الأيَّام، فيتدارك الأوَّل في الثَّاني أو الثَّالث، والثَّاني أو الأوليين في الثَّالث، ويكون ذلك أداءً، وفي قولٍ: قضاءً لمجاوزته للوقت المضروب له، وعلى الأداء يكون الوقت المضروب وقت اختيارٍ؛ كوقت الاختيار للصَّلاة، وجملة الأيَّام في حكم الوقت الواحد، ويجوز تقديم رمي التَّدارك على (٥) الزَّوال،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

هَذَا تَعْلِيق وَصله عبد الرَّحْمَن بن مَنْدَه بِإِسْنَادِهِ إِلَى عبد الله بن الْوَلِيد الْعَدنِي، هَذَا عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش بِهَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور عَن عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

٦٣١ - (بابُ رَمْيِ الجِمَارِ بِسَبْعِ حَصَياتٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن عدد رمي الْجمار إِنَّمَا هُوَ بِسبع حَصَيَات، بِفَتْح الصَّاد وَالْيَاء، جمع حَصَاة وَهُوَ الصَّوَاب بِخِلَاف مَا وَقع فِي رِوَايَة أبي الْحسن: حصايات.

ذكَرَهُ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَي: ذكر السَّبع عبد الله بن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَوَصله البُخَارِيّ فِي: بَاب إِذا رمى الْجَمْرَتَيْن، وَهُوَ الْبَاب الرَّابِع بعد هَذَا الْبَاب على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله.

٨٤٧١ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّهُ انْتَهَى إلَى الجَمْرَةِ الكُبْرَى جعَلَ الْبَيْتَ عَن يَسَارِهِ ومِنىً عَنْ يَمِينِهِ ورَمَى بِسَبْعٍ وَقَالَ هاكَذا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سورَةُ البَقَرَةِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ هُوَ ابْن عُيَيْنَة، بِضَم الْعين وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَوَقع فِي بعض النّسخ مَذْكُورا عَن الحكم بن عتيبة وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ.

قَوْله: (إِلَى الْجَمْرَة الْكُبْرَى) هِيَ جَمْرَة الْعقبَة آخر الجمرات الثَّلَاث بِالنِّسْبَةِ إِلَى المتوجه من منى إِلَى مَكَّة. قَوْله: (وَمنى عَن يَمِينه) أَي: وَجعل منى عَن يَمِينه. قَوْله: (وَرمى بِسبع) ، أَي: بِسبع حَصَيَات.

وَيُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن رمي الْجَمْرَة لَا بُد أَن يكون بِسبع حَصَيَات، وَهُوَ قَول أَكثر الْعلمَاء وَذهب عَطاء إِلَى أَنه إِن رمى بِخمْس أَجزَاء، وَقَالَ مُجَاهِد إِن رمى بست فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق، وَاحْتج من قَالَ بذلك بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث سعد بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (رَجعْنَا فِي الْحجَّة مَعَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وبعضنا يَقُول: رميت بست حَصَيَات، وبعضنا يَقُول: رميت بِسبع، فَلم يُعِبْ بعضُنا على بعض) ، وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة أبي مجلز، قَالَ: سَأَلت ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَن شَيْء من أَمر الْجمار، فَقَالَ: مَا أَدْرِي، رَمَاهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بست أَو سبع؟ وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَن الْوَاجِب سبع، كَمَا صحّح من حَدِيث ابْن مَسْعُود وَجَابِر وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَغَيرهم. وَأجِيب: عَن حَدِيث سعد: بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْنَد، وَعَن حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَنه ورد على الشَّك من ابْن عَبَّاس، وَشك الشاك لَا يقْدَح فِي جزم الْجَازِم، فَإِنَّهُ رَمَاهَا بِأَقَلّ من سبع حَصَيَات، فَذهب الْجُمْهُور فِيمَا حَكَاهُ القَاضِي عِيَاض إِلَى أَن عَلَيْهِ دَمًا، وَهُوَ قَول مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَذهب الشَّافِعِي وَأَبُو ثَوْر إِلَى أَن تَارِك حَصَاة مدا من طَعَام، وَفِي اثْنَتَيْنِ مَدين، وَفِي ثَلَاث فَأكْثر دَمًا. وَللشَّافِعِيّ قَول آخر: إِن فِي الْحَصَاة ثلث دم، وَله قَول آخر: إِن فِي الْحَصَاة درهما.

وَذهب أَبُو حنيفَة وصاحباه إِلَى أَنه إِن ترك أَكثر من نصف الجمرات الثَّلَاث فَعَلَيهِ دم، وَإِن ترك أقل من نصفهَا فَفِي كل حَصَاة نصف صَاع، وَعَن طَاوُوس إِن رمى سِتا يطعم تَمْرَة أَو لقْمَة. وَذكر الطَّبَرِيّ عَن بَعضهم: أَنه لَو ترك رمي جَمِيعهنَّ بعد أَن يكبر عِنْد كل جَمْرَة سبع تَكْبِيرَات أَجزَأَهُ ذَلِك، وَقَالَ: إِنَّمَا جعل الرَّمْي فِي ذَلِك بالحصى سَببا لحفظ التَّكْبِيرَات السَّبع، كَمَا جعل عقد الْأَصَابِع بالتسبيح سَببا لحفظ الْعدَد، وَذكر عَن يحيى ابْن سعيد أَنه سُئِلَ عَن الخرز والنوى يسبح بِهِ؟ قَالَ: حسن، قد كَانَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، تَقول: إِنَّمَا الْحَصَى للجمار ليحفظ بِهِ التَّكْبِيرَات. وَقَالَ الحكم وَحَمَّاد: من نسي جَمْرَة أَو جمرتين أَو حصاتين يهريق دَمًا. وَقَالَ عَطاء من نسي شَيْئا من رمي الْجمار فَذكر لَيْلًا أَو نَهَارا فَيلْزم مَا نسي، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَإِن مَضَت أَيَّام التَّشْرِيق فَعَلَيهِ دم. وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ. وَقَالَ مَالك: إِن نسي حَصَاة من الْجَمْرَة حَتَّى ذهبت أَيَّام الرَّمْي ذبح شَاة، وَإِن نسي جَمْرَة تَامَّة ذبح بقرة.

وَاخْتلفُوا فِيمَن

رمى سبع حَصَيَات فِي كل مرّة وَاحِدَة. فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا يجْزِيه إلَاّ عَن حَصَاة وَاحِدَة وَيَرْمِي بعْدهَا سِتا. وَقَالَ عَطاء: تجزيه عَن السَّبع، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة كَمَا فِي سياط الْحَد سَوْطًا سَوْطًا، ومجتمعة إِذا علم وُصُول الْكل إِلَى بدنه، هَذَا الَّذِي ذكر عَن أبي حنيفَة ذكره صَاحب (التَّوْضِيح) . وَذكر فِي (الْمُحِيط) : وَلَو رمى إِحْدَى الْجمار بِسبع حَصَيَات رمية وَاحِدَة فَهِيَ بِمَنْزِلَة حَصَاة، وَكَانَ عَلَيْهِ أَن يَرْمِي سِتّ مَرَّات. قلت: الْعُمْدَة فِي النَّقْل عَن صَاحب مَذْهَب من الْمذَاهب على نقل صَاحب من أَصْحَاب ذَلِك الْمَذْهَب.

وَمن فَوَائده: أَنه يَرْمِي الْجَمْرَة وَهُوَ يَجْعَل الْبَيْت عَن يسَاره وَمنى عَن يَمِينه، وَهُوَ أحد الْوُجُوه للشَّافِعِيَّة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ الصَّحِيح من مَذْهَبنَا، قَالَ: وَبِه قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء، وَفِي وَجه: أَنه يستدبر الْقبْلَة وَيسْتَقْبل الْجَمْرَة مِمَّا يَلِي مَكَّة، وَتَكون منى أَيْضا أَمَامه، وَبِه قطع الشَّيْخ أَبُو حَامِد، وَفِي وَجه: يسْتَقْبل الْقبْلَة وَيجْعَل الْجَمْرَة على يَمِينه وَمنى خلف ظَهره. وَمِنْهَا: أَنه لَا بُد من مُسَمّى الرَّمْي وَأَنه لَا يَكْفِي الْوَضع، وَهُوَ كَذَلِك عِنْد الْجُمْهُور، وَحكى القَاضِي عِيَاض عَن الْمَالِكِيَّة: أَن الطرح والوضع لَا يجزىء. قَالَ: وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي يجزىء الطرح وَلَا يجزء الْوَضع. قَالَ: ووافقنا أَبُو ثَوْر إلَاّ أَنه قَالَ: إِن كَانَ يُسَمِّي الطرح رميا أَجزَأَهُ، وَحكى إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَيْضا عَن بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي أَنه يَكْفِي الْوَضع. قلت: قَالَ صَاحب (الْمُحِيط) : وضع الْحَصَاة لَا يجْزِيه عَن الرَّمْي ويجزيه طرحها لِأَنَّهُ رمى حَقِيقَة. وَمِنْهَا: أَن المُرَاد بِسبع جمرات وَهِي الحصيات. وَقَالَ أَصْحَابنَا: يجوز الرَّمْي بِكُل مَا كَانَ من جنس الأَرْض: كالحجر والمدر، وَالْمرَاد السبج وَكسر الآحر، وَلَا يجوز بِمَا لَيْسَ من جنس الأَرْض: كالذهب وَالْفِضَّة واللؤلؤ والعنبر، وَذهب دَاوُد إِلَى جَوَازه بِكُل شَيْء حَتَّى بالبعرة والعصفور الْمَيِّت، وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: لَا يجوز إلَاّ بالحصى، وَقَالَ أَحْمد: لَا يجوز بِالْحجرِ الْكَبِير.

٧٣١ - (بابُ مَنْ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ فجَعَلَ الْبَيْتَ عنْ يَسَارِهِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من رمى جَمْرَة الْعقبَة وَهِي الْجَمْرَة الْكُبْرَى، وَجعل الْبَيْت عَن يسَاره وَجعل منى عَن يَمِينه. قَوْله: (فَجعل) ويروى: (وَجعل) بِالْوَاو.

٩٤٧١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدثنَا الحَكَمُ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ يَزِيدَ أنَّهُ حَجَّ مَعَ ابنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فرَآهُ يَرْمِي الجَمرَةَ الْكُبْرَى بِسَبْعِ حَصَياتٍ فجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ ومِنىً عنْ يَمِينِه ثُمَّ قَالَ هَذا مَقامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سورَةُ الْبَقَرَةِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ طَرِيق آخر لحَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. أخرجه عَن آدم ابْن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج عَن الحجم بن عتيبة عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد النَّخعِيّ ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي الحَدِيث السَّابِق.

٨٣١ - (بابٌ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ تَكْبِيرَةً)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن الْحَاج إِذا رمى جَمْرَة الْعقبَة يكبر مَعَ كل حَصَاة تَكْبِيرَة.

قالَهُ ابنُ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَي: قَالَ بِالتَّكْبِيرِ مَعَ كل حَصَاة عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رَاوِيا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَذَا ذكره البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي: بَاب إِذا رمى الْجَمْرَتَيْن، يقوم، يَأْتِي بعد هَذَا الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا الْبَاب.

٠٥٧١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ عنْ عَبْدِ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ الحَجَّاجَ يَقُولُ علَى المِنْبَرِ السُّورَةَ الَّتي يُذْكَرُ فِيها الْبَقَرةُ والسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ والسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ قَالَ فَذَكَرْتُ ذالِكَ لإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ حدَّثني عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ يَزِيدَ أنَّهُ كانَ معَ ابنِ

مَسْعُودَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حِينَ رمَى جَمرَةَ الْعَقَبَةِ فاسْتَبْطَنَ الوَادِي حَتَّى إذَا حاذَى بالشَّجَرَةِ اعْتَرَضَهَا فرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ قالَ مِنْ هاهُنَا والَّذِي لَا إِلاهَ غَيْرُهُ قامَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يكبر مَعَ كل حَصَاة) ، وَهَذَا طَرِيق آخر لحَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعبد الْوَاحِد هُوَ ابْن زِيَاد الْبَصْرِيّ، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَالْحجاج هُوَ ابْن يُوسُف نَائِب عبد الْملك بن مَرْوَان بالعراق.

قَوْله: (قَالَ سَمِعت الْحجَّاج يَقُول) هَذَا حِكَايَة عَن الْأَعْمَش عَن الْحجَّاج لأجل إِظْهَار خطئه، وَلم يقْصد بِهِ الرِّوَايَة عَنهُ لِأَنَّهُ لم يكن أَهلا لذَلِك، وأصل الْقَضِيَّة أَن الْأَعْمَش سمع الْحجَّاج يَقُول وَهُوَ على الْمِنْبَر: السُّورَة الَّتِي تذكر فِيهَا الْبَقَرَة وَالسورَة الَّتِي تذكر فِيهَا آل عمرَان وَالسورَة الَّتِي تذكر فِيهَا النِّسَاء، وَلم يقل: سُورَة الْبَقَرَة وَسورَة آل عمرَان وَسورَة النِّسَاء، وَلم ير بِإِضَافَة السُّورَة إِلَى الْبَقَرَة وَلَا إِلَى آل عمرَان وَلَا إِلَى النِّسَاء، وَنَحْو ذَلِك. وروى النَّسَائِيّ بِلَفْظ: لَا تَقولُوا: سُورَة الْبَقَرَة، قولا: السُّورَة الَّتِي تذكر فِيهَا الْبَقَرَة. وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن الْأَعْمَش، قَالَ: سَمِعت الْحجَّاج بن يُوسُف يَقُول وَهُوَ يخْطب على الْمِنْبَر: ألفوا الْقُرْآن كَمَا أَلفه جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، السُّورَة الَّتِي تذكر فِيهَا الْبَقَرَة، وَالسورَة الَّتِي تذكر فِيهَا آل عمرَان. قَالَ: فَلَقِيت إِبْرَاهِيم فَأَخْبَرته بقوله، فَسَبهُ، ثمَّ قَالَ: حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن يزِيد أَنه حج مَعَ عبد الله بن مَسْعُود فَأتى جَمْرَة الْعقبَة، فاستبطن الْوَادي فاستعرضها فَرَمَاهَا من بطن الْوَادي بِسبع حَصَيَات، يكبر مَعَ كل حَصَاة. قَالَ: فَقلت: يابا عبد الرَّحْمَن إِن النَّاس يَرْمُونَهَا من فَوْقهَا؟ فَقَالَ: وَالَّذِي لَا إل هـ غَيره مقَام الَّذِي أنزلت عَلَيْهِ سُورَة الْبَقَرَة. انْتهى. وَلما قَالَ الْأَعْمَش لإِبْرَاهِيم مَا قَالَ، وحدثه إِبْرَاهِيم عَن عبد الرَّحْمَن، رد عَلَيْهِ بذلك وَأظْهر خطأ الْحجَّاج عَلَيْهِ مَا يسْتَحق، وَقَالَ عِيَاض: إِن كَانَ الْحجَّاج أَرَادَ بقوله: كَمَا أَلفه جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، تأليف الْآي فِي كل سُورَة ونظمها على مَا هِيَ عَلَيْهِ الْآن فِي الْمُصحف، فَهُوَ إِجْمَاع الْمُسلمين، أَجمعُوا أَن ذَلِك تأليف سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِن كَانَ يُرِيد تأليف السُّورَة بَعْضهَا على أثر بعض، فَهُوَ قَول بعض الْفُقَهَاء والقراء، وَخَالفهُم جمَاعَة من الْمُحَقِّقين، وَقَالُوا: بل هُوَ اجْتِهَاد من الْأمة وَلَيْسَ بتوقيف، وَقَالَ أَبُو الْفضل: تَقْدِيم الْحجَّاج سُورَة النِّسَاء على آل عمرَان فِي رِوَايَة مُسلم دَلِيل على أَنه لم يرد إلَاّ نظم الْآي، لِأَن الْحجَّاج إِنَّمَا كَانَ يتبع مصحف عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَا يُخَالِفهُ. قَوْله: (حِين رمى جَمْرَة الْعقبَة) ، هِيَ الْجَمْرَة الْكُبْرَى وَلَيْسَت هِيَ من منى بل هِيَ حد منى من جِهَة مَكَّة، وَهِي الَّتِي بَايع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْأَنْصَار عِنْدهَا على الْهِجْرَة، والجمرة اسْم لمجتمع الْحَصَى، سميت بذلك لِاجْتِمَاع النَّاس بهَا، فَيَقُول: تجمر بَنو فلَان إِذا اجْتَمعُوا. وَقيل: إِن الْعَرَب تسمي الْحَصَى الصغار جمارا، فَسَمت الشَّيْء بلازمه. قَوْله: (فاستبطن الْوَادي) أَي: دخل فِي بطن الْوَادي. قَوْله: (حَتَّى إِذا حَاذَى بِالشَّجَرَةِ) أَي: قابلها، وَالْبَاء فِيهِ زَائِدَة، وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ هُنَاكَ شَجَرَة عِنْد الْجَمْرَة. وَقد روى ابْن أبي شيبَة عَن الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب قَالَ: رَأَيْت الْقَاسِم وسالما ونافعا يرْمونَ من الشَّجَرَة، وَمن طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن الْأسود: أَنه كَانَ إِذا جاور الشَّجَرَة رمى جَمْرَة الْعقبَة من تَحت غُصْن من أَغْصَانهَا. قَوْله: (اعترضها) أَي: الشَّجَرَة. قَالَ بَعضهم: قلت: مَعْنَاهُ أَتَاهَا من عرضهَا، نبه عَلَيْهِ الدَّاودِيّ. قَوْله: (فَرمى) ، أَي: الْجَمْرَة. قَوْله: (يكبر) جملَة حَالية.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ مِنْهَا: لَا بُد من رمي سبع بحصات. وَمِنْهَا: التَّكْبِير مَعَ كل حَصَاة، وَأَجْمعُوا على اسْتِحْبَابه فِيمَا حَكَاهُ القَاضِي عِيَاض، وَأَنه لَو ترك التَّكْبِير أَجزَأَهُ إِجْمَاعًا وَفِيه نظر، لِأَن بَعضهم يعده وَاجِبا. وَقَالَ أَصْحَابنَا: يكبر مَعَ كل حَصَاة، وَيَقُول: بِسم الله وَالله أكبر رغما للشَّيْطَان وَحزبه، وَكَانَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول، كلما رمى حَصَيَات: أللهم إهدني بِالْهدى، وقني بالتقوى، وَاجعَل الْآخِرَة خيرا لي من الأولى. وَكَانَ ابْن مَسْعُود وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يَقُولَانِ عِنْد ذَلِك: أللهم اجْعَلْهُ حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: فَإِن سبح لَا شَيْء عَلَيْهِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يقوم، أي: هذا موضع قيام النَّبيِّ ، وخصَّ سورة البقرة لمناسبتها للحال لأنَّ معظم المناسك مذكورٌ فيها، خصوصًا ما يتعلَّق بوقت الرَّمي؛ وهو قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وهو من باب التَّلميح، فكأنَّه قال: مِن هنا رمى مَنْ أُنزِلت عليه (١) أمور المناسك وأخذ عنه أحكامها، وهو أَولى وأحقُّ بالاتِّباع ممَّن رمى الجمرة من فوقها.

(وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الوَلِيدِ) العدنيُّ ممَّا وصله ابن منده قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشُ) وفي نسخةٍ -وهي التي في الفرع وأصله لا غير-: «حدَّثنا الأعمش» (بِهَذَا) الحديث المذكور عن ابن مسعودٍ، وفائدة ذكر هذا بيان سماع سفيان الثَّوريِّ له من الأعمش.

ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون إلَّا شيخه فبصريٌّ، وسفيان مكِّيٌّ، وفيه: رواية الرَّجل عن خاله لأنَّ عبد الرَّحمن خال إبراهيم، وفيه: ثلاثةٌ من التَّابعين يروي بعضهم عن بعضٍ؛ الأعمش وإبراهيم وعبد الرَّحمن، وأخرجه المؤلِّف أيضًا عن مُسدَّدٍ [خ¦١٧٥٠] وعن حفص بن عمر [خ¦١٧٤٨]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الحجِّ».

(١٣٦) (بابُ رَمْيِ الجِمَارِ) الثَّلاث (بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ: ذَكَرَهُ) أي: السَّبع (ابْنُ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) في حديثه الآتي قريبًا إن شاء الله تعالى موصولًا في «باب إذا رمى الجمرتين» [خ¦١٧٥١].

١٧٤٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بفتحتين، ابن عُتَيْبَة؛ بضمِّ العين وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة وفتح المُوحَّدة

(عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) خال (١) إبراهيم المذكور (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود (: أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الجَمْرَةِ الكُبْرَى) وهي جمرة العقبة (جَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ) واستقبل الجمرة (وَرَمَى) الجمرة (بِسَبْعٍ) من الحصيات، فلا يجزئ بستٍّ، وهذا قول الجمهور خلافًا لعطاءٍ في الإجزاء بالخَمْسِ، ومجاهدٍ بالسِّتِّ، وبه قال أحمد لحديث النَّسائيِّ عن سعد بن مالكٍ قال: رجعنا في الحجَّة مع النَّبيِّ وبعضنا يقول: رميت بسبعٍ، وبعضنا يقول: رميت بستٍّ، فلم يَعِبْ بعضهم على بعضٍ، وحديث أبي داود والنَّسائيِّ أيضًا عن أبي مِجْلَزٍ قال: سألت ابن عبَّاسٍ عن شيءٍ من أمر الجمار، قال: ما (٢) أدري رماها رسول الله بستٍّ أو بسبعٍ، وأُجيب بأنَّ حديث سعدٍ (٣) ليس بمسندٍ، وحديث ابن عبَّاسٍ ورد على الشَّكِّ، وشكُّ الشَّاكِّ لا يقدح في جزم الجازم، وحصى الرَّمي جميعه سبعون حصاةً، لرمي يوم النَّحر سبعٌ، ولكلِّ يومٍ من أيَّام التَّشريق إحدى وعشرون، لكلِّ جمرةٍ سبعٌ، فإن نفر في اليوم الثَّاني قبل الغروب سقط رمي اليوم الثَّالث، وهو إحدى وعشرون حصاةً، ولا دم عليه ولا إثم، فيطرحها، وما يفعله النَّاس من دفنها لا أصل له، وهذا مذهب الأئمَّة الأربعة، وعليه أصحاب أحمد، لكن رُوِي (٤) عنه: أنَّها ستُّون، فيرمي كلَّ جمرةٍ بستَّةٍ، وعنه أيضًا: خمسون، فيرمي كلَّ جمرةٍ بخمسةٍ، وإذا ترك رمي يومٍ أو يومين عمدًا أو سهوًا تداركه في باقي الأيَّام، فيتدارك الأوَّل في الثَّاني أو الثَّالث، والثَّاني أو الأوليين في الثَّالث، ويكون ذلك أداءً، وفي قولٍ: قضاءً لمجاوزته للوقت المضروب له، وعلى الأداء يكون الوقت المضروب وقت اختيارٍ؛ كوقت الاختيار للصَّلاة، وجملة الأيَّام في حكم الوقت الواحد، ويجوز تقديم رمي التَّدارك على (٥) الزَّوال،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

هَذَا تَعْلِيق وَصله عبد الرَّحْمَن بن مَنْدَه بِإِسْنَادِهِ إِلَى عبد الله بن الْوَلِيد الْعَدنِي، هَذَا عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش بِهَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور عَن عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

٦٣١ - (بابُ رَمْيِ الجِمَارِ بِسَبْعِ حَصَياتٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن عدد رمي الْجمار إِنَّمَا هُوَ بِسبع حَصَيَات، بِفَتْح الصَّاد وَالْيَاء، جمع حَصَاة وَهُوَ الصَّوَاب بِخِلَاف مَا وَقع فِي رِوَايَة أبي الْحسن: حصايات.

ذكَرَهُ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَي: ذكر السَّبع عبد الله بن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَوَصله البُخَارِيّ فِي: بَاب إِذا رمى الْجَمْرَتَيْن، وَهُوَ الْبَاب الرَّابِع بعد هَذَا الْبَاب على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله.

٨٤٧١ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّهُ انْتَهَى إلَى الجَمْرَةِ الكُبْرَى جعَلَ الْبَيْتَ عَن يَسَارِهِ ومِنىً عَنْ يَمِينِهِ ورَمَى بِسَبْعٍ وَقَالَ هاكَذا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سورَةُ البَقَرَةِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ هُوَ ابْن عُيَيْنَة، بِضَم الْعين وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَوَقع فِي بعض النّسخ مَذْكُورا عَن الحكم بن عتيبة وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ.

قَوْله: (إِلَى الْجَمْرَة الْكُبْرَى) هِيَ جَمْرَة الْعقبَة آخر الجمرات الثَّلَاث بِالنِّسْبَةِ إِلَى المتوجه من منى إِلَى مَكَّة. قَوْله: (وَمنى عَن يَمِينه) أَي: وَجعل منى عَن يَمِينه. قَوْله: (وَرمى بِسبع) ، أَي: بِسبع حَصَيَات.

وَيُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن رمي الْجَمْرَة لَا بُد أَن يكون بِسبع حَصَيَات، وَهُوَ قَول أَكثر الْعلمَاء وَذهب عَطاء إِلَى أَنه إِن رمى بِخمْس أَجزَاء، وَقَالَ مُجَاهِد إِن رمى بست فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق، وَاحْتج من قَالَ بذلك بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث سعد بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (رَجعْنَا فِي الْحجَّة مَعَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وبعضنا يَقُول: رميت بست حَصَيَات، وبعضنا يَقُول: رميت بِسبع، فَلم يُعِبْ بعضُنا على بعض) ، وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة أبي مجلز، قَالَ: سَأَلت ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَن شَيْء من أَمر الْجمار، فَقَالَ: مَا أَدْرِي، رَمَاهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بست أَو سبع؟ وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَن الْوَاجِب سبع، كَمَا صحّح من حَدِيث ابْن مَسْعُود وَجَابِر وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَغَيرهم. وَأجِيب: عَن حَدِيث سعد: بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْنَد، وَعَن حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَنه ورد على الشَّك من ابْن عَبَّاس، وَشك الشاك لَا يقْدَح فِي جزم الْجَازِم، فَإِنَّهُ رَمَاهَا بِأَقَلّ من سبع حَصَيَات، فَذهب الْجُمْهُور فِيمَا حَكَاهُ القَاضِي عِيَاض إِلَى أَن عَلَيْهِ دَمًا، وَهُوَ قَول مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَذهب الشَّافِعِي وَأَبُو ثَوْر إِلَى أَن تَارِك حَصَاة مدا من طَعَام، وَفِي اثْنَتَيْنِ مَدين، وَفِي ثَلَاث فَأكْثر دَمًا. وَللشَّافِعِيّ قَول آخر: إِن فِي الْحَصَاة ثلث دم، وَله قَول آخر: إِن فِي الْحَصَاة درهما.

وَذهب أَبُو حنيفَة وصاحباه إِلَى أَنه إِن ترك أَكثر من نصف الجمرات الثَّلَاث فَعَلَيهِ دم، وَإِن ترك أقل من نصفهَا فَفِي كل حَصَاة نصف صَاع، وَعَن طَاوُوس إِن رمى سِتا يطعم تَمْرَة أَو لقْمَة. وَذكر الطَّبَرِيّ عَن بَعضهم: أَنه لَو ترك رمي جَمِيعهنَّ بعد أَن يكبر عِنْد كل جَمْرَة سبع تَكْبِيرَات أَجزَأَهُ ذَلِك، وَقَالَ: إِنَّمَا جعل الرَّمْي فِي ذَلِك بالحصى سَببا لحفظ التَّكْبِيرَات السَّبع، كَمَا جعل عقد الْأَصَابِع بالتسبيح سَببا لحفظ الْعدَد، وَذكر عَن يحيى ابْن سعيد أَنه سُئِلَ عَن الخرز والنوى يسبح بِهِ؟ قَالَ: حسن، قد كَانَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، تَقول: إِنَّمَا الْحَصَى للجمار ليحفظ بِهِ التَّكْبِيرَات. وَقَالَ الحكم وَحَمَّاد: من نسي جَمْرَة أَو جمرتين أَو حصاتين يهريق دَمًا. وَقَالَ عَطاء من نسي شَيْئا من رمي الْجمار فَذكر لَيْلًا أَو نَهَارا فَيلْزم مَا نسي، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَإِن مَضَت أَيَّام التَّشْرِيق فَعَلَيهِ دم. وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ. وَقَالَ مَالك: إِن نسي حَصَاة من الْجَمْرَة حَتَّى ذهبت أَيَّام الرَّمْي ذبح شَاة، وَإِن نسي جَمْرَة تَامَّة ذبح بقرة.

وَاخْتلفُوا فِيمَن

رمى سبع حَصَيَات فِي كل مرّة وَاحِدَة. فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا يجْزِيه إلَاّ عَن حَصَاة وَاحِدَة وَيَرْمِي بعْدهَا سِتا. وَقَالَ عَطاء: تجزيه عَن السَّبع، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة كَمَا فِي سياط الْحَد سَوْطًا سَوْطًا، ومجتمعة إِذا علم وُصُول الْكل إِلَى بدنه، هَذَا الَّذِي ذكر عَن أبي حنيفَة ذكره صَاحب (التَّوْضِيح) . وَذكر فِي (الْمُحِيط) : وَلَو رمى إِحْدَى الْجمار بِسبع حَصَيَات رمية وَاحِدَة فَهِيَ بِمَنْزِلَة حَصَاة، وَكَانَ عَلَيْهِ أَن يَرْمِي سِتّ مَرَّات. قلت: الْعُمْدَة فِي النَّقْل عَن صَاحب مَذْهَب من الْمذَاهب على نقل صَاحب من أَصْحَاب ذَلِك الْمَذْهَب.

وَمن فَوَائده: أَنه يَرْمِي الْجَمْرَة وَهُوَ يَجْعَل الْبَيْت عَن يسَاره وَمنى عَن يَمِينه، وَهُوَ أحد الْوُجُوه للشَّافِعِيَّة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ الصَّحِيح من مَذْهَبنَا، قَالَ: وَبِه قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء، وَفِي وَجه: أَنه يستدبر الْقبْلَة وَيسْتَقْبل الْجَمْرَة مِمَّا يَلِي مَكَّة، وَتَكون منى أَيْضا أَمَامه، وَبِه قطع الشَّيْخ أَبُو حَامِد، وَفِي وَجه: يسْتَقْبل الْقبْلَة وَيجْعَل الْجَمْرَة على يَمِينه وَمنى خلف ظَهره. وَمِنْهَا: أَنه لَا بُد من مُسَمّى الرَّمْي وَأَنه لَا يَكْفِي الْوَضع، وَهُوَ كَذَلِك عِنْد الْجُمْهُور، وَحكى القَاضِي عِيَاض عَن الْمَالِكِيَّة: أَن الطرح والوضع لَا يجزىء. قَالَ: وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي يجزىء الطرح وَلَا يجزء الْوَضع. قَالَ: ووافقنا أَبُو ثَوْر إلَاّ أَنه قَالَ: إِن كَانَ يُسَمِّي الطرح رميا أَجزَأَهُ، وَحكى إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَيْضا عَن بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي أَنه يَكْفِي الْوَضع. قلت: قَالَ صَاحب (الْمُحِيط) : وضع الْحَصَاة لَا يجْزِيه عَن الرَّمْي ويجزيه طرحها لِأَنَّهُ رمى حَقِيقَة. وَمِنْهَا: أَن المُرَاد بِسبع جمرات وَهِي الحصيات. وَقَالَ أَصْحَابنَا: يجوز الرَّمْي بِكُل مَا كَانَ من جنس الأَرْض: كالحجر والمدر، وَالْمرَاد السبج وَكسر الآحر، وَلَا يجوز بِمَا لَيْسَ من جنس الأَرْض: كالذهب وَالْفِضَّة واللؤلؤ والعنبر، وَذهب دَاوُد إِلَى جَوَازه بِكُل شَيْء حَتَّى بالبعرة والعصفور الْمَيِّت، وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: لَا يجوز إلَاّ بالحصى، وَقَالَ أَحْمد: لَا يجوز بِالْحجرِ الْكَبِير.

٧٣١ - (بابُ مَنْ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ فجَعَلَ الْبَيْتَ عنْ يَسَارِهِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من رمى جَمْرَة الْعقبَة وَهِي الْجَمْرَة الْكُبْرَى، وَجعل الْبَيْت عَن يسَاره وَجعل منى عَن يَمِينه. قَوْله: (فَجعل) ويروى: (وَجعل) بِالْوَاو.

٩٤٧١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدثنَا الحَكَمُ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ يَزِيدَ أنَّهُ حَجَّ مَعَ ابنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فرَآهُ يَرْمِي الجَمرَةَ الْكُبْرَى بِسَبْعِ حَصَياتٍ فجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ ومِنىً عنْ يَمِينِه ثُمَّ قَالَ هَذا مَقامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سورَةُ الْبَقَرَةِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ طَرِيق آخر لحَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. أخرجه عَن آدم ابْن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج عَن الحجم بن عتيبة عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد النَّخعِيّ ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي الحَدِيث السَّابِق.

٨٣١ - (بابٌ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ تَكْبِيرَةً)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن الْحَاج إِذا رمى جَمْرَة الْعقبَة يكبر مَعَ كل حَصَاة تَكْبِيرَة.

قالَهُ ابنُ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَي: قَالَ بِالتَّكْبِيرِ مَعَ كل حَصَاة عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رَاوِيا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَذَا ذكره البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي: بَاب إِذا رمى الْجَمْرَتَيْن، يقوم، يَأْتِي بعد هَذَا الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا الْبَاب.

٠٥٧١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ عنْ عَبْدِ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ الحَجَّاجَ يَقُولُ علَى المِنْبَرِ السُّورَةَ الَّتي يُذْكَرُ فِيها الْبَقَرةُ والسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ والسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ قَالَ فَذَكَرْتُ ذالِكَ لإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ حدَّثني عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ يَزِيدَ أنَّهُ كانَ معَ ابنِ

مَسْعُودَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حِينَ رمَى جَمرَةَ الْعَقَبَةِ فاسْتَبْطَنَ الوَادِي حَتَّى إذَا حاذَى بالشَّجَرَةِ اعْتَرَضَهَا فرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ قالَ مِنْ هاهُنَا والَّذِي لَا إِلاهَ غَيْرُهُ قامَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يكبر مَعَ كل حَصَاة) ، وَهَذَا طَرِيق آخر لحَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعبد الْوَاحِد هُوَ ابْن زِيَاد الْبَصْرِيّ، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَالْحجاج هُوَ ابْن يُوسُف نَائِب عبد الْملك بن مَرْوَان بالعراق.

قَوْله: (قَالَ سَمِعت الْحجَّاج يَقُول) هَذَا حِكَايَة عَن الْأَعْمَش عَن الْحجَّاج لأجل إِظْهَار خطئه، وَلم يقْصد بِهِ الرِّوَايَة عَنهُ لِأَنَّهُ لم يكن أَهلا لذَلِك، وأصل الْقَضِيَّة أَن الْأَعْمَش سمع الْحجَّاج يَقُول وَهُوَ على الْمِنْبَر: السُّورَة الَّتِي تذكر فِيهَا الْبَقَرَة وَالسورَة الَّتِي تذكر فِيهَا آل عمرَان وَالسورَة الَّتِي تذكر فِيهَا النِّسَاء، وَلم يقل: سُورَة الْبَقَرَة وَسورَة آل عمرَان وَسورَة النِّسَاء، وَلم ير بِإِضَافَة السُّورَة إِلَى الْبَقَرَة وَلَا إِلَى آل عمرَان وَلَا إِلَى النِّسَاء، وَنَحْو ذَلِك. وروى النَّسَائِيّ بِلَفْظ: لَا تَقولُوا: سُورَة الْبَقَرَة، قولا: السُّورَة الَّتِي تذكر فِيهَا الْبَقَرَة. وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن الْأَعْمَش، قَالَ: سَمِعت الْحجَّاج بن يُوسُف يَقُول وَهُوَ يخْطب على الْمِنْبَر: ألفوا الْقُرْآن كَمَا أَلفه جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، السُّورَة الَّتِي تذكر فِيهَا الْبَقَرَة، وَالسورَة الَّتِي تذكر فِيهَا آل عمرَان. قَالَ: فَلَقِيت إِبْرَاهِيم فَأَخْبَرته بقوله، فَسَبهُ، ثمَّ قَالَ: حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن يزِيد أَنه حج مَعَ عبد الله بن مَسْعُود فَأتى جَمْرَة الْعقبَة، فاستبطن الْوَادي فاستعرضها فَرَمَاهَا من بطن الْوَادي بِسبع حَصَيَات، يكبر مَعَ كل حَصَاة. قَالَ: فَقلت: يابا عبد الرَّحْمَن إِن النَّاس يَرْمُونَهَا من فَوْقهَا؟ فَقَالَ: وَالَّذِي لَا إل هـ غَيره مقَام الَّذِي أنزلت عَلَيْهِ سُورَة الْبَقَرَة. انْتهى. وَلما قَالَ الْأَعْمَش لإِبْرَاهِيم مَا قَالَ، وحدثه إِبْرَاهِيم عَن عبد الرَّحْمَن، رد عَلَيْهِ بذلك وَأظْهر خطأ الْحجَّاج عَلَيْهِ مَا يسْتَحق، وَقَالَ عِيَاض: إِن كَانَ الْحجَّاج أَرَادَ بقوله: كَمَا أَلفه جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، تأليف الْآي فِي كل سُورَة ونظمها على مَا هِيَ عَلَيْهِ الْآن فِي الْمُصحف، فَهُوَ إِجْمَاع الْمُسلمين، أَجمعُوا أَن ذَلِك تأليف سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِن كَانَ يُرِيد تأليف السُّورَة بَعْضهَا على أثر بعض، فَهُوَ قَول بعض الْفُقَهَاء والقراء، وَخَالفهُم جمَاعَة من الْمُحَقِّقين، وَقَالُوا: بل هُوَ اجْتِهَاد من الْأمة وَلَيْسَ بتوقيف، وَقَالَ أَبُو الْفضل: تَقْدِيم الْحجَّاج سُورَة النِّسَاء على آل عمرَان فِي رِوَايَة مُسلم دَلِيل على أَنه لم يرد إلَاّ نظم الْآي، لِأَن الْحجَّاج إِنَّمَا كَانَ يتبع مصحف عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَا يُخَالِفهُ. قَوْله: (حِين رمى جَمْرَة الْعقبَة) ، هِيَ الْجَمْرَة الْكُبْرَى وَلَيْسَت هِيَ من منى بل هِيَ حد منى من جِهَة مَكَّة، وَهِي الَّتِي بَايع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْأَنْصَار عِنْدهَا على الْهِجْرَة، والجمرة اسْم لمجتمع الْحَصَى، سميت بذلك لِاجْتِمَاع النَّاس بهَا، فَيَقُول: تجمر بَنو فلَان إِذا اجْتَمعُوا. وَقيل: إِن الْعَرَب تسمي الْحَصَى الصغار جمارا، فَسَمت الشَّيْء بلازمه. قَوْله: (فاستبطن الْوَادي) أَي: دخل فِي بطن الْوَادي. قَوْله: (حَتَّى إِذا حَاذَى بِالشَّجَرَةِ) أَي: قابلها، وَالْبَاء فِيهِ زَائِدَة، وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ هُنَاكَ شَجَرَة عِنْد الْجَمْرَة. وَقد روى ابْن أبي شيبَة عَن الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب قَالَ: رَأَيْت الْقَاسِم وسالما ونافعا يرْمونَ من الشَّجَرَة، وَمن طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن الْأسود: أَنه كَانَ إِذا جاور الشَّجَرَة رمى جَمْرَة الْعقبَة من تَحت غُصْن من أَغْصَانهَا. قَوْله: (اعترضها) أَي: الشَّجَرَة. قَالَ بَعضهم: قلت: مَعْنَاهُ أَتَاهَا من عرضهَا، نبه عَلَيْهِ الدَّاودِيّ. قَوْله: (فَرمى) ، أَي: الْجَمْرَة. قَوْله: (يكبر) جملَة حَالية.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ مِنْهَا: لَا بُد من رمي سبع بحصات. وَمِنْهَا: التَّكْبِير مَعَ كل حَصَاة، وَأَجْمعُوا على اسْتِحْبَابه فِيمَا حَكَاهُ القَاضِي عِيَاض، وَأَنه لَو ترك التَّكْبِير أَجزَأَهُ إِجْمَاعًا وَفِيه نظر، لِأَن بَعضهم يعده وَاجِبا. وَقَالَ أَصْحَابنَا: يكبر مَعَ كل حَصَاة، وَيَقُول: بِسم الله وَالله أكبر رغما للشَّيْطَان وَحزبه، وَكَانَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول، كلما رمى حَصَيَات: أللهم إهدني بِالْهدى، وقني بالتقوى، وَاجعَل الْآخِرَة خيرا لي من الأولى. وَكَانَ ابْن مَسْعُود وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يَقُولَانِ عِنْد ذَلِك: أللهم اجْعَلْهُ حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: فَإِن سبح لَا شَيْء عَلَيْهِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله