«تَخَلَّفَ النَّبِيُّ ﷺ عَنَّا فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٣

الحديث رقم ١٦٣ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «تخلف النبي ﷺ عنا في سفرة سافرناها، فأدركنا…

«تَخَلَّفَ النَّبِيُّ عَنَّا فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الْعَصْرَ، فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ. مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا».

سند حديث: ١٦٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا…

١٦٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَِكٍَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «تخلف النبي ﷺ عنا في سفرة سافرناها، فأدركنا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِغَسْلِهِ، بِخِلَافِ الْيَدِ فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى غَمْسِهَا، وَهَذَا أَقْوَى الْجَوَابَيْنِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِمَحَلِّ الِاسْتِجْمَارِ مَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِي آخِرِهِ أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ مِنْهُ وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ دُونَ قَوْلِهِ مِنْهُ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهَا شُعْبَةُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ. قُلْتُ: إِنْ أَرَادَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ أَرَادَ مُطْلَقًا فَلَا، فَقَدْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَابَعَهُ عَبْدُ الصَّمَدِ عَنْ شُعْبَةَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِهِ.

وَفِي الْحَدِيثِ الْأَخْذُ بِالْوَثِيقَةِ، وَالْعَمَلُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَةِ، وَالْكِنَايَةُ عَمَّا يُسْتَحْيَا مِنْهُ إِذَا حَصَلَ الْإِفْهَامُ بِهَا، وَاسْتِحْبَابُ غَسْلِ النَّجَاسَةِ ثَلَاثًا لِأَنَّهُ أَمَرَنَا بِالتَّثْلِيثِ عِنْدَ تَوَهُّمِهَا فَعِنْدَ تَيَقُّنِهَا أَوْلَى. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ قَوْمٌ فَوَائِدَ أُخْرَى فِيهَا بُعْدٌ، مِنْهَا أَنَّ مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ مَخْصُوصٌ بِالرُّخْصَةِ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ مَعَ بَقَاءِ أَثَرِ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ (١)، وَمِنْهَا إِيجَابُ الْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَمِنْهَا تَقْوِيَةُ مَنْ يَقُولُ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ، حَكَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَمِنْهَا أَنَّ الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِإِدْخَالِ الْيَدِ فِيهِ لِمَنْ أَرَادَ الْوُضُوءَ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ صَاحِبُ الْخِصَالِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ.

٢٧ - بَاب غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ

١٦٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ النَّبِيُّ عَنَّا فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَنَا الْعَصْرُ، فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ - مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا -.

قَوْلُهُ: (بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَزَادَ أَبُو ذَرٍّ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُوسَى) ابْنُ إِسْمَاعِيلَ هُوَ التَّبُوذَكِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنَّا فِي سَفْرَةٍ) زَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ سَافَرْنَاهَا وَظَاهِرُهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ لِمُسْلِمٍ أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ مُحَقَّقًا إِلَّا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، أَمَّا غَزْوَةُ الْفَتْحِ فَقَدْ كَانَ فِيهَا لَكِنْ مَا رَجَعَ النَّبِيُّ فِيهَا إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ مَكَّةَ، بَلْ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ؛ فَإِنَّ هِجْرَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَانَتْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (أَرْهَقَنَا) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْقَافِ وَالْعَصْرُ مَرْفُوعٌ بِالْفَاعِلِيَّةِ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ. وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِإِسْكَانِ الْقَافِ وَالْعَصْرَ مَنْصُوبٌ بِالْمَفْعُولِيَّةِ، وَيُقَوِّي الْأَوَّلَ رِوَايَةُ الْأَصِيلِيِّ أَرْهَقَتْنَا بِفَتْحِ الْقَافِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ سَاكِنَةٌ. وَمَعْنَى الْإِرْهَاقِ الْإِدْرَاكُ وَالْغِشْيَانُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَأَنَّ الصَّحَابَةَ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ طَمَعًا أَنْ يَلْحَقَهُمُ النَّبِيُّ فَيُصَلُّوا مَعَهُ، فَلَمَّا ضَاقَ الْوَقْتُ بَادَرُوا إِلَى الْوُضُوءِ وَلِعَجَلَتِهِمْ لَمْ يُسْبِغُوهُ، فَأَدْرَكَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَأْخِيرِهِمْ قَالَهُ احْتِمَالًا، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونُوا أَخَّرُوا؛ لِكَوْنِهِمْ عَلَى طُهْرٍ أَوْ لِرَجَاءِ الْوُصُولِ إِلَى الْمَاءِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ أَيْ: قُرْبَ دُخُولِ وَقْتِهَا فَتَوَضَّؤُوا وَهُمْ عِجَالٌ.

قَوْلُهُ: (وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا) انْتَزَعَ مِنْهُ الْبُخَارِيُّ أَنَّ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ كَانَ بِسَبَبِ الْمَسْحِ لَا بِسَبَبِ الِاقْتِصَارِ عَلَى غَسْلِ بَعْضِ الرِّجْلِ، فَلِهَذَا قَالَ فِي التَّرْجَمَةِ: وَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ بِيضٌ تَلُوحُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٢٧) (بابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ) زاد أبو ذَرٍّ فيما أفاده في «الفتح»: (وَلَا يَمْسَحُ عَلَى القَدَمَيْنِ) -أي: إذا كانتا عاريتين- وهي كذا في الفرع ثابتةٌ من غير تعيينٍ (١).

١٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، وفي رواية أبي ذَرٍّ «حدَّثني» (مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي رواية الأَصيليِّ «أخبرنا (٢)» (أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العَيْن المُهمَلَة، الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون المُعجَمَة، واسمه جعفر بن أبي وحشيَّة الواسطيُّ (عَنْ يُوسُفَ بْنِ (٣) مَاهَِكَ) بكسر الهاء وفتحها، منصرفًا وغير منصرفٍ، كما مرَّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) أي: ابن العاص أنَّه (٤) (قَالَ: تَخَلَّفَ النَّبِيُّ عَنَّا فِي سَفْرَةٍ) من مكَّة إلى المدينة في حجَّة الوداع أو عمرة القضيَّة (فَأَدْرَكَنَا) بفتح الكاف، أي: لَحِقَ بنا رسول الله ، وفي رواية كريمة وأبي الوقت «في سفرةٍ سافرناها فأدركنا» (وَقَدْ أَرْهَقْنَا العَصْرَ) بسكون القاف من الإرهاق، ونصبُ «العصرَ» مفعولُه (٥)، أي: أخَّرناها حتَّى دنا وقتها، وهذه رواية أبي ذَرٍّ، ولكريمة والأَصيليِّ: «أرهقتنا» بتأنيث الفعل «العصرُ» بالرَّفع على الفاعليَّة، ولـ «مسلمٍ»: «رجعنا مع رسول الله من مكَّة إلى المدينة، حتَّى إذا كنا بماءٍ بالطَّريق تعجَّل (٦) قومٌ عند العصر، أي: قرب دخول وقتها، فتوضَّؤوا (٧) وهم

عِجالٌ … » الحديثَ (فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا) بالجمع مُقابَلَةً للجمع (١)، فالأرجل مُوزَّعةٌ على الرِّجال (فَنَادَى) (بِأَعْلَى صَوْتِهِ: وَيْلٌ) دعاءٌ بوادٍ في جهَّنم (لِلأَعْقَابِ) أي: لأصحاب الأعقاب المقصِّرين في غسلها (مِنَ النَّارِ) أوِ العقاب خاصٌّ بالأعقاب إذا قصَّر في غسلها (٢)، والألف واللَّام في الأعقاب للعهد، أي: الأعقاب المرئيَّة إذ ذاك، و «العَقِب»: مُؤخَّر القدم (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) أي: نادى مرَّتين أو ثلاثًا، واستُنبِط من هذا الحديث: الرَّدُّ على الشِّيعة القائلين بأنَّ الواجبَ المسحُ أخذًا بظاهر قراءة: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالخفض؛ إذ لو كان الفرض (٣) المسح لَما توعَّد عليه بالنَّار، لا يُقال: إنَّ ظاهر رواية «مسلمٍ» أنَّ الإنكار عليهم إنَّما هو بسبب الاقتصار على غسل بعض الرِّجل، حيث قال: «فانتهينا إليهم وأعقابهم بيضٌ تلوح لم يمسَّها الماء» لأنَّ هذه الرِّواية من أفراد «مسلمٍ»، والأُولى (٤) ممَّا (٥) اتَّفقا عليه فهي أرجح، فتُحمَل هذه الرِّواية عليها بالتَّأويل، فيحتمل أن يكون معنى قوله: «لم يمسَّها الماء» أي: الغَسل جمعًا بين الرِّوايتين، وقد صرَّح بذلك في رواية «مسلمٍ» عن أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ رأى رَجُلًا لم يغسل عقبه فقال ذلك، وأيضًا: فالقائلون بالمسح لم يوجبوا مسح العقب، وقد تواترتِ الأخبار عنه في صفة وضوئه: أنَّه غسل رجليه، وهو المبيِّن لأمر الله تعالى، وقد قال في حديث عمرو بن عَنْبَسة (٦) المرويِّ عند ابن خزيمة: «ثمَّ يغسل قدميه كما أمر (٧) الله تعالى»، وأمَّا ما رُوِيَ عن عليٍّ وابن عبَّاسٍ وأنسٍ من المسح فقد

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَنه قد نهى عَن إِدْخَال الْيَدَيْنِ فِي الْإِنَاء لاحْتِمَال النَّجَاسَة، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن وُرُود النَّجَاسَة على المَاء مُؤثر فِيهِ، وَأمر بغسلها بإفراغ المَاء عَلَيْهَا للتطهير، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن ملاقاتها المَاء على هَذَا الْوَجْه غير مُفسد بِمُجَرَّد الملاقاة، وإلَاّ لما حصل الْمَقْصُود من التَّطْهِير. قلت: سلمنَا أَن ملاقاتهما على هَذَا الْوَجْه غير مُفسد بِمُجَرَّد الملاقاة للضَّرُورَة، وَلَكِن لَا نسلم أَنه يبْقى طَاهِرا بعد أَن أَزَال النَّجَاسَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ أَيْضا: وَفِيه دلَالَة على أَن المَاء الْقَلِيل إِذا وَردت عَلَيْهِ نَجَاسَة نجسته، وَإِن قلَّت وَلم تغيره فَإِنَّهَا تنجسه لِأَن الَّذِي تعلق بِالْيَدِ وَلَا يرى قَلِيل جدا، وَكَانَت عَادَتهم اسْتِعْمَال الْأَوَانِي الصَّغِيرَة الَّتِي تقصر عَن الْقلَّتَيْنِ، بل لَا تقاربها. وَقَالَ الْقشيرِي: وَفِيه نظر عِنْد لِأَن مُقْتَضى الحَدِيث أَن وُرُود النَّجَاسَة على المَاء يُؤثر فِيهِ، وَمُطلق التَّأْثِير أَعم من التَّأْثِير بالتنجيس، وَلَا يلْزم من ثُبُوت الْأَعَمّ ثُبُوت الْأَخَص الْمعِين، فَإِذا سلم الْخصم أَن المَاء الْقَلِيل بِوُقُوع النَّجَاسَة فِيهِ يكون مَكْرُوها فقد ثَبت مُطلق التَّأْثِير، وَلَا يلْزم ثُبُوت خُصُوص التَّأْثِير بالتنجيس.

الْعَاشِر: فِيهِ اسْتِحْبَاب اسْتِعْمَال الْكِنَايَات فِي الْمَوَاضِع الَّتِي فِيهَا استهجان، وَلِهَذَا قَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (فَإِنَّهُ لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده) ، وَلم يقل: فَلَعَلَّ يَده وَقعت على دبره أَو ذكره أَو نَجَاسَة، وَنَحْو ذَلِك، وَإِن كَانَ هَذَا معنى قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَذَا إِذا علم أَن السَّامع يفهم بِالْكِنَايَةِ الْمَقْصُود. فَإِن لم يكن كَذَلِك فَلَا بُد من التَّصْرِيح لينتفي اللّبْس والوقوع فِي خلاف الْمَطْلُوب، وعَلى هَذَا يحمل مَا جَاءَ من ذَلِك مُصَرحًا بِهِ.

الْحَادِي عشر: إِن قَوْله (فِي الْإِنَاء) ، وَإِن كَانَ عَاما لَكِن الْقَرِينَة دلّت على أَنه إِنَاء المَاء، بِدَلِيل قَوْله فِي هَذِه الرِّوَايَة: (فِي وضوئِهِ) ، وَلَكِن الحكم لَا يخْتَلف بَينه وَبَين غَيره من الْأَشْيَاء الرّطبَة.

الثَّانِي عشر: إِن مَوضِع الِاسْتِنْجَاء لَا يطهر بِالْمَسْحِ بالأحجار، بل يبْقى نجسا معفواً عَنهُ فِي حق الصَّلَاة حَتَّى إِذا أصَاب مَوضِع الْمسْح بَلل، وابتل بِهِ سراويله أَو قَمِيصه يُنجسهُ.

الثَّالِث عشر: قَوْله: (فليغسل يَده) يتَنَاوَل مَا إِذا كَانَت يَده مُطلقَة أَو مشدودة بِشَيْء، أَو فِي جراب أَو كَانَ النَّائِم عَلَيْهِ سراويله، أَو لم يَكن لعُمُوم اللَّفْظ.

الرَّابِع عشر: إِن قَوْله: (فَإِن أحدكُم) خطاب للعقلاء الْبَالِغين الْمُسلمين، فَإِن كَانَ الْقَائِم من النّوم صَبيا أَو مَجْنُونا أَو كَافِرًا، فَذكر فِي (الْمُغنِي) أَن فِيهِ وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه كَالْمُسلمِ الْبَالِغ الْعَاقِل لِأَنَّهُ لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده. وَالثَّانِي أَنه لَا يُؤثر غمسه شَيْئا، لِأَن الْمَنْع من الغمس إِنَّمَا يثبت بِالْخِطَابِ، وَلَا خطاب فِي حق هَؤُلَاءِ.

الْخَامِس عشر: فِيهِ إِضَافَة النّوم إِلَى ضمير: أحدكُم، وَذَلِكَ ليخرج نَومه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَإِنَّهُ تنام عينه دون قلبه.

السَّادِس عشر: قَوْله: (من نَومه) يُفِيد خُرُوج الْغَفْلَة وَنَحْوهَا.

السَّابِع عشر: اخْتلفُوا فِي أَن عِلّة الْأَمر التَّنْجِيس أَو التَّعَبُّد، فَمنهمْ من قَالَ، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور: إِن ذَلِك لاحْتِمَال النَّجَاسَة وَمُقْتَضَاهُ إِلْحَاق من يشك فِي ذَلِك، وَلَو كَانَ مستيقظاً، وَمَفْهُومه أَن من درى أَيْن باتت يَده، كمن لف عَلَيْهَا خرقَة مثلا، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ على حَالهَا فَلَا كَرَاهَة، وَإِن كَانَ غسلهَا مُسْتَحبا كَمَا فِي المستيقظ، وَمِنْهُم من قَالَ، وَمِنْهُم مَالك: بِأَن ذَلِك للتعبد، فعلى قَوْلهم لَا يفرق بَين شاكٍ ومتيقن.

الثَّامِن عشر: قَالَ أَبُو عمر: فِيهِ إِيجَاب الْوضُوء من النّوم.

التَّاسِع عشر: قيل: فِيهِ تَقْوِيَة من يَقُول بِالْوضُوءِ من مس الذّكر، حَكَاهُ أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه عَن ابْن عُيَيْنَة، وَفِيه بعد جدا.

الْعشْرُونَ: مَا قَالَه الْخفاف من الشَّافِعِيَّة: إِن الْقَلِيل من المَاء لَا يصير مُسْتَعْملا بِإِدْخَال الْيَد فِيهِ لمن أَرَادَ الْوضُوء، وَفِيه بعد أَيْضا. وَالله أعلم.

٢٧ - (بابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى القَدَمَيْنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم غسلم الرجلَيْن فِي الْوضُوء. قَوْله: (وَلَا يمسح على الْقَدَمَيْنِ) يَعْنِي: إِذا كَانَتَا عاريتين. قَالَ الْقشيرِي: فهم البُخَارِيّ من هَذَا الحَدِيث أَن الْقَدَمَيْنِ لَا يمسحان بل يغسلان، وَهُوَ عِنْدِي غير جيد، لِأَنَّهُ مُفَسّر فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: إِن الاعقاب كَانَت تلوح لم يَمَسهَا المَاء، وَلَا شكّ أَن هَذَا مُوجب للوعيد بالِاتِّفَاقِ، وَالَّذين استدلوا على أَن الْمسْح غير مجزىء إِنَّمَا اعتبروا لَفظه فَقَط، فقد رتب الْوَعيد على مُسَمّى الْمسْح وَلَيْسَ فِيهَا ترك بعض الْوضُوء، وَالصَّوَاب إِذا جمعت الطّرق أَن يسْتَدلّ بِبَعْضِهَا على بعض، وَيجمع مَا يُمكن جمعه فِيهِ ليظْهر المُرَاد، وَلَو إستدل فِي غسل الرجلَيْن بِحَدِيث: (إِذا تَوَضَّأ الْمُسلم فَغسل رجلَيْهِ خرجت كل خَطِيئَة بطشت بهَا رِجْلَاهُ) . فَهَذَا يدل على أَن الرجل فَرضهَا الْغسْل لِأَنَّهُ لَو كَانَ فَرضهَا الْمسْح لم يكن فِي غسلهَا ثَوَاب. أَلا ترى أَن الرَّأْس الَّذِي فَرضهَا الْمسْح لَا ثَوَاب فِي غسلهَا؟ قلت: لَا دخل فِي ذَلِك على البُخَارِيّ، لِأَنَّهُ فهم مِنْهُ أَن

الْإِنْكَار عَلَيْهِم إِنَّمَا كَانَ بِسَبَب الْمسْح لَا بِسَبَب الِاقْتِصَار على غسل بعض الرجل، فلأجل ذَلِك قَالَ: (وَلَا يمسح على الْقَدَمَيْنِ) .

فان قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: قد مر أَن الْبَاب السَّابِق ذكر عقيب الَّذِي قبله للمعنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ، فَيكون هَذَا الْبَاب فِي الْحَقِيقَة يَتْلُو الْبَاب الَّذِي قبله، والمناسبة بَينهمَا ظَاهِرَة لِأَن كلا مِنْهُمَا مُشْتَمل على حكم من أَحْكَام الْوضُوء.

١٦٣ - حدّثنا مُوسَى قالَ حَدثنَا أبُو عَوَانَةَ عَنْ أبي بِشْرٍ عَنْ يُوسفَ بن ماهِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عَمْرٍ وقالَ تَخَلَّفَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنَّا فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَادْرَكَنَا وَقَدْ أرْهَقَنَا العَصْرُ فَجَعلْنا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أرْجُلنَا فَنَادَي بِأعْلَى صَوْتِهِ وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثاً.

(انْظُر الحَدِيث: ٦٠ وطرفه)

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة تفهم من إِنْكَار النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مسحهم على أَرجُلهم، لِأَنَّهُ مَا أنكر عَلَيْهِم بالوعيد إلَاّ لكَوْنهم لم يستوفوا غسل الرجلَيْن.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة، قد ذكرُوا كلهم، ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي قد مر فِي بَاب من قَالَ الْإِيمَان هُوَ الْعَمَل، وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: هُوَ الوضاح الْيَشْكُرِي، وَأَبُو بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: جَعْفَر بن أبي وحشية الوَاسِطِيّ، وماهك رُوِيَ بِكَسْر الْهَاء وَفتحهَا منصرفاً، وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ الْقرشِي، وَهَذَا الْإِسْنَاد والْحَدِيث بعينهما قد تقدما فِي بَاب: من رفع صَوته بِالْعلمِ، وَفِي بَاب: من أعَاد الحَدِيث ثَلَاثًا فِي كتاب الْعلم بِلَا تفَاوت بَينه وَبَينهمَا إلَاّ فِي الرَّاوِي الأول، فَإِنَّهُ مُوسَى هَهُنَا. وثمة فِي الْبَاب الأول: ابو النُّعْمَان. وَفِي الْبَاب الثَّانِي: مُسَدّد.

وَقد ذكرنَا فِي بَاب: من رفع صَوته بِالْعلمِ، لطائف إِسْنَاده، وتعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره، وَبَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب والمعاني، وَبَيَان وَجه الاستنباط، فَنَذْكُر هَهُنَا مَا لم نذكرهُ هُنَاكَ.

قَوْله (سافرناها) هُوَ رِوَايَة كَرِيمَة وَلَيْسَ هُوَ بِثَابِت فِي رِوَايَة غَيره، وَظَاهره أَن عبد الله بن عَمْرو كَانَ فِي تِلْكَ السفرة، وَوَقع فِي رِوَايَة لمُسلم: أَنَّهَا كَانَت من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، وَلم يَقع ذَلِك لعبد الله محققاً إلَاّ فِي حجَّة الْوَدَاع. أما غَزْوَة الْفَتْح فقد كَانَ فِيهَا، لَكِن مَا رَجَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهَا إِلَى الْمَدِينَة بل من مَكَّة من الْجِعِرَّانَة، وَيحْتَمل أَن تكون عمْرَة القاضاء، فإنن هِجْرَة عبد الله بن عَمْرو كَانَت فِي ذَلِك الْوَقْت اَوْ قَرِيبا مِنْهُ. قَوْله: (فَأَدْرَكنَا) ، بِفَتْح الْكَاف أَي: لحق بِنَا رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (وَقد أَرْهقنَا الْعَصْر) بِفَتْح الْهَاء وَالْقَاف: من الإرهاق، وَالْعصر مَرْفُوع بِهِ لِأَنَّهُ فَاعل، هَكَذَا رِوَايَة ابي ذَر. وَفِي روايةٍ بِإِسْكَان الْقَاف وَنصب الْعَصْر على المفعولية، وَيُقَوِّي الأول رِوَايَة الْأصيلِيّ: (وَقد أرهقتنا) بتأنيث الْفِعْل وبرفع الصَّلَاة على الفاعلية. قَوْله: (ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار) قد قُلْنَا: إِن ويل، مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَإِن كَانَ نكرَة لِأَنَّهُ دُعَاء، وَاخْتلف فِي مَعْنَاهُ على أَقْوَال أظهرها مَا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من حَدِيث ابي سعيد مَرْفُوعا: (ويل وَاد فِي جَهَنَّم) . وَالْألف وَاللَّام فِي: الأعقاب، للْعهد لِأَن المُرَاد المرئية من ذَلِك، وَهَذَا حجَّة على من يتَمَسَّك بِهِ فِي إِجْزَاء الْمسْح، لِأَنَّهُ لم يُوجب مسح الْعقب. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لما أخرهم بتعميم غسل الرجلَيْن حَتَّى لَا يبْقى مِنْهَا لمْعَة دلّ على أَن فَرضهَا الْغسْل، وَاعْترض عَلَيْهِ ابْن الْمُنِير بِأَن التَّعْمِيم لَا يسْتَلْزم الْغسْل، فالرأس تعم بِالْمَسْحِ وَلَيْسَ فَرضهَا الْغسْل. قلت: هَذَا لَا يرد عَلَيْهِ أصلا، لِأَن كَلَامه فِيمَا يغسل، فَأمره بالتعميم يدل على فَرِيضَة الْغسْل فِي المغسول، وَالرَّأْس لَيْسَ بمغسول. فَافْهَم.

وَقد تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار عَن النّبي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي صفة وضوئِهِ أَنه غسل رجلَيْهِ، وَهُوَ الْمُبين لأمر الله تَعَالَى، وَقد قَالَ فِي حَدِيث عَمْرو بن عَنْبَسَة الَّذِي رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَغَيره مطولا فِي فضل الْوضُوء: (ثمَّ يغسل قدمية كَمَا أمره الله تَعَالَى) ، وَلم يثبت عَن أحد من الصَّحَابَة خلاف ذَلِك إِلَّا عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وانس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقد ثَبت عَنْهُم الرُّجُوع عَن ذَلِك، وروى سعيد بن مَنْصُور عَن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي ليلى أَنه قَالَ: اجْتمع أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على غسل الْقَدَمَيْنِ. وَالله أعلم.

٢٨ - (بابُ المَضْمَضَةِ فِي الوُضُوءِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْمَضْمَضَة فِي الْوضُوء.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن كلاًّ مِنْهُمَا مُشْتَمل على حكم من أَحْكَام الْوضُوء.

قالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

هَذَا تَعْلِيق مِنْهُ، وَلكنه أخرج حَدِيث ابْن عَبَّاس مَوْصُولا فِي بَاب غسل الوجب باليدين، وَكَذَا حَدِيث عبد الله بن

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِغَسْلِهِ، بِخِلَافِ الْيَدِ فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى غَمْسِهَا، وَهَذَا أَقْوَى الْجَوَابَيْنِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِمَحَلِّ الِاسْتِجْمَارِ مَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِي آخِرِهِ أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ مِنْهُ وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ دُونَ قَوْلِهِ مِنْهُ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهَا شُعْبَةُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ. قُلْتُ: إِنْ أَرَادَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ أَرَادَ مُطْلَقًا فَلَا، فَقَدْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَابَعَهُ عَبْدُ الصَّمَدِ عَنْ شُعْبَةَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِهِ.

وَفِي الْحَدِيثِ الْأَخْذُ بِالْوَثِيقَةِ، وَالْعَمَلُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَةِ، وَالْكِنَايَةُ عَمَّا يُسْتَحْيَا مِنْهُ إِذَا حَصَلَ الْإِفْهَامُ بِهَا، وَاسْتِحْبَابُ غَسْلِ النَّجَاسَةِ ثَلَاثًا لِأَنَّهُ أَمَرَنَا بِالتَّثْلِيثِ عِنْدَ تَوَهُّمِهَا فَعِنْدَ تَيَقُّنِهَا أَوْلَى. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ قَوْمٌ فَوَائِدَ أُخْرَى فِيهَا بُعْدٌ، مِنْهَا أَنَّ مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ مَخْصُوصٌ بِالرُّخْصَةِ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ مَعَ بَقَاءِ أَثَرِ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ (١)، وَمِنْهَا إِيجَابُ الْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَمِنْهَا تَقْوِيَةُ مَنْ يَقُولُ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ، حَكَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَمِنْهَا أَنَّ الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِإِدْخَالِ الْيَدِ فِيهِ لِمَنْ أَرَادَ الْوُضُوءَ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ صَاحِبُ الْخِصَالِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ.

٢٧ - بَاب غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ

١٦٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ النَّبِيُّ عَنَّا فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَنَا الْعَصْرُ، فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ - مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا -.

قَوْلُهُ: (بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَزَادَ أَبُو ذَرٍّ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُوسَى) ابْنُ إِسْمَاعِيلَ هُوَ التَّبُوذَكِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنَّا فِي سَفْرَةٍ) زَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ سَافَرْنَاهَا وَظَاهِرُهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ لِمُسْلِمٍ أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ مُحَقَّقًا إِلَّا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، أَمَّا غَزْوَةُ الْفَتْحِ فَقَدْ كَانَ فِيهَا لَكِنْ مَا رَجَعَ النَّبِيُّ فِيهَا إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ مَكَّةَ، بَلْ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ؛ فَإِنَّ هِجْرَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَانَتْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (أَرْهَقَنَا) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْقَافِ وَالْعَصْرُ مَرْفُوعٌ بِالْفَاعِلِيَّةِ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ. وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِإِسْكَانِ الْقَافِ وَالْعَصْرَ مَنْصُوبٌ بِالْمَفْعُولِيَّةِ، وَيُقَوِّي الْأَوَّلَ رِوَايَةُ الْأَصِيلِيِّ أَرْهَقَتْنَا بِفَتْحِ الْقَافِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ سَاكِنَةٌ. وَمَعْنَى الْإِرْهَاقِ الْإِدْرَاكُ وَالْغِشْيَانُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَأَنَّ الصَّحَابَةَ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ طَمَعًا أَنْ يَلْحَقَهُمُ النَّبِيُّ فَيُصَلُّوا مَعَهُ، فَلَمَّا ضَاقَ الْوَقْتُ بَادَرُوا إِلَى الْوُضُوءِ وَلِعَجَلَتِهِمْ لَمْ يُسْبِغُوهُ، فَأَدْرَكَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَأْخِيرِهِمْ قَالَهُ احْتِمَالًا، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونُوا أَخَّرُوا؛ لِكَوْنِهِمْ عَلَى طُهْرٍ أَوْ لِرَجَاءِ الْوُصُولِ إِلَى الْمَاءِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ أَيْ: قُرْبَ دُخُولِ وَقْتِهَا فَتَوَضَّؤُوا وَهُمْ عِجَالٌ.

قَوْلُهُ: (وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا) انْتَزَعَ مِنْهُ الْبُخَارِيُّ أَنَّ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ كَانَ بِسَبَبِ الْمَسْحِ لَا بِسَبَبِ الِاقْتِصَارِ عَلَى غَسْلِ بَعْضِ الرِّجْلِ، فَلِهَذَا قَالَ فِي التَّرْجَمَةِ: وَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ بِيضٌ تَلُوحُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٢٧) (بابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ) زاد أبو ذَرٍّ فيما أفاده في «الفتح»: (وَلَا يَمْسَحُ عَلَى القَدَمَيْنِ) -أي: إذا كانتا عاريتين- وهي كذا في الفرع ثابتةٌ من غير تعيينٍ (١).

١٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، وفي رواية أبي ذَرٍّ «حدَّثني» (مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي رواية الأَصيليِّ «أخبرنا (٢)» (أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العَيْن المُهمَلَة، الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون المُعجَمَة، واسمه جعفر بن أبي وحشيَّة الواسطيُّ (عَنْ يُوسُفَ بْنِ (٣) مَاهَِكَ) بكسر الهاء وفتحها، منصرفًا وغير منصرفٍ، كما مرَّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) أي: ابن العاص أنَّه (٤) (قَالَ: تَخَلَّفَ النَّبِيُّ عَنَّا فِي سَفْرَةٍ) من مكَّة إلى المدينة في حجَّة الوداع أو عمرة القضيَّة (فَأَدْرَكَنَا) بفتح الكاف، أي: لَحِقَ بنا رسول الله ، وفي رواية كريمة وأبي الوقت «في سفرةٍ سافرناها فأدركنا» (وَقَدْ أَرْهَقْنَا العَصْرَ) بسكون القاف من الإرهاق، ونصبُ «العصرَ» مفعولُه (٥)، أي: أخَّرناها حتَّى دنا وقتها، وهذه رواية أبي ذَرٍّ، ولكريمة والأَصيليِّ: «أرهقتنا» بتأنيث الفعل «العصرُ» بالرَّفع على الفاعليَّة، ولـ «مسلمٍ»: «رجعنا مع رسول الله من مكَّة إلى المدينة، حتَّى إذا كنا بماءٍ بالطَّريق تعجَّل (٦) قومٌ عند العصر، أي: قرب دخول وقتها، فتوضَّؤوا (٧) وهم

عِجالٌ … » الحديثَ (فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا) بالجمع مُقابَلَةً للجمع (١)، فالأرجل مُوزَّعةٌ على الرِّجال (فَنَادَى) (بِأَعْلَى صَوْتِهِ: وَيْلٌ) دعاءٌ بوادٍ في جهَّنم (لِلأَعْقَابِ) أي: لأصحاب الأعقاب المقصِّرين في غسلها (مِنَ النَّارِ) أوِ العقاب خاصٌّ بالأعقاب إذا قصَّر في غسلها (٢)، والألف واللَّام في الأعقاب للعهد، أي: الأعقاب المرئيَّة إذ ذاك، و «العَقِب»: مُؤخَّر القدم (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) أي: نادى مرَّتين أو ثلاثًا، واستُنبِط من هذا الحديث: الرَّدُّ على الشِّيعة القائلين بأنَّ الواجبَ المسحُ أخذًا بظاهر قراءة: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالخفض؛ إذ لو كان الفرض (٣) المسح لَما توعَّد عليه بالنَّار، لا يُقال: إنَّ ظاهر رواية «مسلمٍ» أنَّ الإنكار عليهم إنَّما هو بسبب الاقتصار على غسل بعض الرِّجل، حيث قال: «فانتهينا إليهم وأعقابهم بيضٌ تلوح لم يمسَّها الماء» لأنَّ هذه الرِّواية من أفراد «مسلمٍ»، والأُولى (٤) ممَّا (٥) اتَّفقا عليه فهي أرجح، فتُحمَل هذه الرِّواية عليها بالتَّأويل، فيحتمل أن يكون معنى قوله: «لم يمسَّها الماء» أي: الغَسل جمعًا بين الرِّوايتين، وقد صرَّح بذلك في رواية «مسلمٍ» عن أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ رأى رَجُلًا لم يغسل عقبه فقال ذلك، وأيضًا: فالقائلون بالمسح لم يوجبوا مسح العقب، وقد تواترتِ الأخبار عنه في صفة وضوئه: أنَّه غسل رجليه، وهو المبيِّن لأمر الله تعالى، وقد قال في حديث عمرو بن عَنْبَسة (٦) المرويِّ عند ابن خزيمة: «ثمَّ يغسل قدميه كما أمر (٧) الله تعالى»، وأمَّا ما رُوِيَ عن عليٍّ وابن عبَّاسٍ وأنسٍ من المسح فقد

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَنه قد نهى عَن إِدْخَال الْيَدَيْنِ فِي الْإِنَاء لاحْتِمَال النَّجَاسَة، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن وُرُود النَّجَاسَة على المَاء مُؤثر فِيهِ، وَأمر بغسلها بإفراغ المَاء عَلَيْهَا للتطهير، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن ملاقاتها المَاء على هَذَا الْوَجْه غير مُفسد بِمُجَرَّد الملاقاة، وإلَاّ لما حصل الْمَقْصُود من التَّطْهِير. قلت: سلمنَا أَن ملاقاتهما على هَذَا الْوَجْه غير مُفسد بِمُجَرَّد الملاقاة للضَّرُورَة، وَلَكِن لَا نسلم أَنه يبْقى طَاهِرا بعد أَن أَزَال النَّجَاسَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ أَيْضا: وَفِيه دلَالَة على أَن المَاء الْقَلِيل إِذا وَردت عَلَيْهِ نَجَاسَة نجسته، وَإِن قلَّت وَلم تغيره فَإِنَّهَا تنجسه لِأَن الَّذِي تعلق بِالْيَدِ وَلَا يرى قَلِيل جدا، وَكَانَت عَادَتهم اسْتِعْمَال الْأَوَانِي الصَّغِيرَة الَّتِي تقصر عَن الْقلَّتَيْنِ، بل لَا تقاربها. وَقَالَ الْقشيرِي: وَفِيه نظر عِنْد لِأَن مُقْتَضى الحَدِيث أَن وُرُود النَّجَاسَة على المَاء يُؤثر فِيهِ، وَمُطلق التَّأْثِير أَعم من التَّأْثِير بالتنجيس، وَلَا يلْزم من ثُبُوت الْأَعَمّ ثُبُوت الْأَخَص الْمعِين، فَإِذا سلم الْخصم أَن المَاء الْقَلِيل بِوُقُوع النَّجَاسَة فِيهِ يكون مَكْرُوها فقد ثَبت مُطلق التَّأْثِير، وَلَا يلْزم ثُبُوت خُصُوص التَّأْثِير بالتنجيس.

الْعَاشِر: فِيهِ اسْتِحْبَاب اسْتِعْمَال الْكِنَايَات فِي الْمَوَاضِع الَّتِي فِيهَا استهجان، وَلِهَذَا قَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (فَإِنَّهُ لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده) ، وَلم يقل: فَلَعَلَّ يَده وَقعت على دبره أَو ذكره أَو نَجَاسَة، وَنَحْو ذَلِك، وَإِن كَانَ هَذَا معنى قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَذَا إِذا علم أَن السَّامع يفهم بِالْكِنَايَةِ الْمَقْصُود. فَإِن لم يكن كَذَلِك فَلَا بُد من التَّصْرِيح لينتفي اللّبْس والوقوع فِي خلاف الْمَطْلُوب، وعَلى هَذَا يحمل مَا جَاءَ من ذَلِك مُصَرحًا بِهِ.

الْحَادِي عشر: إِن قَوْله (فِي الْإِنَاء) ، وَإِن كَانَ عَاما لَكِن الْقَرِينَة دلّت على أَنه إِنَاء المَاء، بِدَلِيل قَوْله فِي هَذِه الرِّوَايَة: (فِي وضوئِهِ) ، وَلَكِن الحكم لَا يخْتَلف بَينه وَبَين غَيره من الْأَشْيَاء الرّطبَة.

الثَّانِي عشر: إِن مَوضِع الِاسْتِنْجَاء لَا يطهر بِالْمَسْحِ بالأحجار، بل يبْقى نجسا معفواً عَنهُ فِي حق الصَّلَاة حَتَّى إِذا أصَاب مَوضِع الْمسْح بَلل، وابتل بِهِ سراويله أَو قَمِيصه يُنجسهُ.

الثَّالِث عشر: قَوْله: (فليغسل يَده) يتَنَاوَل مَا إِذا كَانَت يَده مُطلقَة أَو مشدودة بِشَيْء، أَو فِي جراب أَو كَانَ النَّائِم عَلَيْهِ سراويله، أَو لم يَكن لعُمُوم اللَّفْظ.

الرَّابِع عشر: إِن قَوْله: (فَإِن أحدكُم) خطاب للعقلاء الْبَالِغين الْمُسلمين، فَإِن كَانَ الْقَائِم من النّوم صَبيا أَو مَجْنُونا أَو كَافِرًا، فَذكر فِي (الْمُغنِي) أَن فِيهِ وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه كَالْمُسلمِ الْبَالِغ الْعَاقِل لِأَنَّهُ لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده. وَالثَّانِي أَنه لَا يُؤثر غمسه شَيْئا، لِأَن الْمَنْع من الغمس إِنَّمَا يثبت بِالْخِطَابِ، وَلَا خطاب فِي حق هَؤُلَاءِ.

الْخَامِس عشر: فِيهِ إِضَافَة النّوم إِلَى ضمير: أحدكُم، وَذَلِكَ ليخرج نَومه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَإِنَّهُ تنام عينه دون قلبه.

السَّادِس عشر: قَوْله: (من نَومه) يُفِيد خُرُوج الْغَفْلَة وَنَحْوهَا.

السَّابِع عشر: اخْتلفُوا فِي أَن عِلّة الْأَمر التَّنْجِيس أَو التَّعَبُّد، فَمنهمْ من قَالَ، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور: إِن ذَلِك لاحْتِمَال النَّجَاسَة وَمُقْتَضَاهُ إِلْحَاق من يشك فِي ذَلِك، وَلَو كَانَ مستيقظاً، وَمَفْهُومه أَن من درى أَيْن باتت يَده، كمن لف عَلَيْهَا خرقَة مثلا، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ على حَالهَا فَلَا كَرَاهَة، وَإِن كَانَ غسلهَا مُسْتَحبا كَمَا فِي المستيقظ، وَمِنْهُم من قَالَ، وَمِنْهُم مَالك: بِأَن ذَلِك للتعبد، فعلى قَوْلهم لَا يفرق بَين شاكٍ ومتيقن.

الثَّامِن عشر: قَالَ أَبُو عمر: فِيهِ إِيجَاب الْوضُوء من النّوم.

التَّاسِع عشر: قيل: فِيهِ تَقْوِيَة من يَقُول بِالْوضُوءِ من مس الذّكر، حَكَاهُ أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه عَن ابْن عُيَيْنَة، وَفِيه بعد جدا.

الْعشْرُونَ: مَا قَالَه الْخفاف من الشَّافِعِيَّة: إِن الْقَلِيل من المَاء لَا يصير مُسْتَعْملا بِإِدْخَال الْيَد فِيهِ لمن أَرَادَ الْوضُوء، وَفِيه بعد أَيْضا. وَالله أعلم.

٢٧ - (بابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى القَدَمَيْنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم غسلم الرجلَيْن فِي الْوضُوء. قَوْله: (وَلَا يمسح على الْقَدَمَيْنِ) يَعْنِي: إِذا كَانَتَا عاريتين. قَالَ الْقشيرِي: فهم البُخَارِيّ من هَذَا الحَدِيث أَن الْقَدَمَيْنِ لَا يمسحان بل يغسلان، وَهُوَ عِنْدِي غير جيد، لِأَنَّهُ مُفَسّر فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: إِن الاعقاب كَانَت تلوح لم يَمَسهَا المَاء، وَلَا شكّ أَن هَذَا مُوجب للوعيد بالِاتِّفَاقِ، وَالَّذين استدلوا على أَن الْمسْح غير مجزىء إِنَّمَا اعتبروا لَفظه فَقَط، فقد رتب الْوَعيد على مُسَمّى الْمسْح وَلَيْسَ فِيهَا ترك بعض الْوضُوء، وَالصَّوَاب إِذا جمعت الطّرق أَن يسْتَدلّ بِبَعْضِهَا على بعض، وَيجمع مَا يُمكن جمعه فِيهِ ليظْهر المُرَاد، وَلَو إستدل فِي غسل الرجلَيْن بِحَدِيث: (إِذا تَوَضَّأ الْمُسلم فَغسل رجلَيْهِ خرجت كل خَطِيئَة بطشت بهَا رِجْلَاهُ) . فَهَذَا يدل على أَن الرجل فَرضهَا الْغسْل لِأَنَّهُ لَو كَانَ فَرضهَا الْمسْح لم يكن فِي غسلهَا ثَوَاب. أَلا ترى أَن الرَّأْس الَّذِي فَرضهَا الْمسْح لَا ثَوَاب فِي غسلهَا؟ قلت: لَا دخل فِي ذَلِك على البُخَارِيّ، لِأَنَّهُ فهم مِنْهُ أَن

الْإِنْكَار عَلَيْهِم إِنَّمَا كَانَ بِسَبَب الْمسْح لَا بِسَبَب الِاقْتِصَار على غسل بعض الرجل، فلأجل ذَلِك قَالَ: (وَلَا يمسح على الْقَدَمَيْنِ) .

فان قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: قد مر أَن الْبَاب السَّابِق ذكر عقيب الَّذِي قبله للمعنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ، فَيكون هَذَا الْبَاب فِي الْحَقِيقَة يَتْلُو الْبَاب الَّذِي قبله، والمناسبة بَينهمَا ظَاهِرَة لِأَن كلا مِنْهُمَا مُشْتَمل على حكم من أَحْكَام الْوضُوء.

١٦٣ - حدّثنا مُوسَى قالَ حَدثنَا أبُو عَوَانَةَ عَنْ أبي بِشْرٍ عَنْ يُوسفَ بن ماهِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عَمْرٍ وقالَ تَخَلَّفَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنَّا فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَادْرَكَنَا وَقَدْ أرْهَقَنَا العَصْرُ فَجَعلْنا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أرْجُلنَا فَنَادَي بِأعْلَى صَوْتِهِ وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثاً.

(انْظُر الحَدِيث: ٦٠ وطرفه)

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة تفهم من إِنْكَار النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مسحهم على أَرجُلهم، لِأَنَّهُ مَا أنكر عَلَيْهِم بالوعيد إلَاّ لكَوْنهم لم يستوفوا غسل الرجلَيْن.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة، قد ذكرُوا كلهم، ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي قد مر فِي بَاب من قَالَ الْإِيمَان هُوَ الْعَمَل، وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: هُوَ الوضاح الْيَشْكُرِي، وَأَبُو بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: جَعْفَر بن أبي وحشية الوَاسِطِيّ، وماهك رُوِيَ بِكَسْر الْهَاء وَفتحهَا منصرفاً، وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ الْقرشِي، وَهَذَا الْإِسْنَاد والْحَدِيث بعينهما قد تقدما فِي بَاب: من رفع صَوته بِالْعلمِ، وَفِي بَاب: من أعَاد الحَدِيث ثَلَاثًا فِي كتاب الْعلم بِلَا تفَاوت بَينه وَبَينهمَا إلَاّ فِي الرَّاوِي الأول، فَإِنَّهُ مُوسَى هَهُنَا. وثمة فِي الْبَاب الأول: ابو النُّعْمَان. وَفِي الْبَاب الثَّانِي: مُسَدّد.

وَقد ذكرنَا فِي بَاب: من رفع صَوته بِالْعلمِ، لطائف إِسْنَاده، وتعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره، وَبَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب والمعاني، وَبَيَان وَجه الاستنباط، فَنَذْكُر هَهُنَا مَا لم نذكرهُ هُنَاكَ.

قَوْله (سافرناها) هُوَ رِوَايَة كَرِيمَة وَلَيْسَ هُوَ بِثَابِت فِي رِوَايَة غَيره، وَظَاهره أَن عبد الله بن عَمْرو كَانَ فِي تِلْكَ السفرة، وَوَقع فِي رِوَايَة لمُسلم: أَنَّهَا كَانَت من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، وَلم يَقع ذَلِك لعبد الله محققاً إلَاّ فِي حجَّة الْوَدَاع. أما غَزْوَة الْفَتْح فقد كَانَ فِيهَا، لَكِن مَا رَجَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهَا إِلَى الْمَدِينَة بل من مَكَّة من الْجِعِرَّانَة، وَيحْتَمل أَن تكون عمْرَة القاضاء، فإنن هِجْرَة عبد الله بن عَمْرو كَانَت فِي ذَلِك الْوَقْت اَوْ قَرِيبا مِنْهُ. قَوْله: (فَأَدْرَكنَا) ، بِفَتْح الْكَاف أَي: لحق بِنَا رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (وَقد أَرْهقنَا الْعَصْر) بِفَتْح الْهَاء وَالْقَاف: من الإرهاق، وَالْعصر مَرْفُوع بِهِ لِأَنَّهُ فَاعل، هَكَذَا رِوَايَة ابي ذَر. وَفِي روايةٍ بِإِسْكَان الْقَاف وَنصب الْعَصْر على المفعولية، وَيُقَوِّي الأول رِوَايَة الْأصيلِيّ: (وَقد أرهقتنا) بتأنيث الْفِعْل وبرفع الصَّلَاة على الفاعلية. قَوْله: (ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار) قد قُلْنَا: إِن ويل، مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَإِن كَانَ نكرَة لِأَنَّهُ دُعَاء، وَاخْتلف فِي مَعْنَاهُ على أَقْوَال أظهرها مَا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من حَدِيث ابي سعيد مَرْفُوعا: (ويل وَاد فِي جَهَنَّم) . وَالْألف وَاللَّام فِي: الأعقاب، للْعهد لِأَن المُرَاد المرئية من ذَلِك، وَهَذَا حجَّة على من يتَمَسَّك بِهِ فِي إِجْزَاء الْمسْح، لِأَنَّهُ لم يُوجب مسح الْعقب. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لما أخرهم بتعميم غسل الرجلَيْن حَتَّى لَا يبْقى مِنْهَا لمْعَة دلّ على أَن فَرضهَا الْغسْل، وَاعْترض عَلَيْهِ ابْن الْمُنِير بِأَن التَّعْمِيم لَا يسْتَلْزم الْغسْل، فالرأس تعم بِالْمَسْحِ وَلَيْسَ فَرضهَا الْغسْل. قلت: هَذَا لَا يرد عَلَيْهِ أصلا، لِأَن كَلَامه فِيمَا يغسل، فَأمره بالتعميم يدل على فَرِيضَة الْغسْل فِي المغسول، وَالرَّأْس لَيْسَ بمغسول. فَافْهَم.

وَقد تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار عَن النّبي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي صفة وضوئِهِ أَنه غسل رجلَيْهِ، وَهُوَ الْمُبين لأمر الله تَعَالَى، وَقد قَالَ فِي حَدِيث عَمْرو بن عَنْبَسَة الَّذِي رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَغَيره مطولا فِي فضل الْوضُوء: (ثمَّ يغسل قدمية كَمَا أمره الله تَعَالَى) ، وَلم يثبت عَن أحد من الصَّحَابَة خلاف ذَلِك إِلَّا عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وانس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقد ثَبت عَنْهُم الرُّجُوع عَن ذَلِك، وروى سعيد بن مَنْصُور عَن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي ليلى أَنه قَالَ: اجْتمع أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على غسل الْقَدَمَيْنِ. وَالله أعلم.

٢٨ - (بابُ المَضْمَضَةِ فِي الوُضُوءِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْمَضْمَضَة فِي الْوضُوء.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن كلاًّ مِنْهُمَا مُشْتَمل على حكم من أَحْكَام الْوضُوء.

قالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

هَذَا تَعْلِيق مِنْهُ، وَلكنه أخرج حَدِيث ابْن عَبَّاس مَوْصُولا فِي بَاب غسل الوجب باليدين، وَكَذَا حَدِيث عبد الله بن

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.3 / 29.5
الإضاءة 69%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
الحمد لله