الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٩١
الحديث رقم ١٦٩١ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من ساق البدن معه.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗١٦٨⦘
وَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، قَالَ لِلنَّاسِ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِشَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ. فَطَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعًا، فَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَانْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ.»
١٦٩١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذي الحليفة "ميقات أهل المدينة" ليحج حجته التي ودع فيها البيت ومناسك الحج، وودع فيها الناس، وبلغهم برسالته وأشهدهم على ذلك، أحرم صلى الله عليه وسلم بالعمرة والحج، فكان قارنا، والقران تمتع، فتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبعضهم أحرم بالنسكين جميعا، وبعضهم أحرم بالعمرة، ناويا الحج بعد فراغه منها، وبعضهم أفرد الحج فقط، فقد خيرهم النبي صلى الله عليه وسلم بين الأنساك الثلاثة، وساق صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه الهدي معهم من ذي الحليفة، وبعضهم لم يسقه، فلما اقتربوا من مكة حَضَّ من لم يسق الهدي من المفردين والقارنين إلى فسخ الحج وجعلها عمرة، فلما طافوا وسعوا، أكد عليهم أن يقصروا من شعورهم، ويتحللوا من عمرتهم ثم يحرموا بالحج ويهدوا، لإتيانهم بنسكين بسفر واحد، فمن لم يجد الهدي، فعليه صيام عشرة أيام، ثلاثة في أيام الحج، يدخل وقتها بإحرامه بالعمرة، وسبعة إذا رجع إلى أهله.
فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة استلم الركن، وطاف سبعة، خب ثلاثة، لكونه الطواف الذي بعد القدوم، ومشى أربعة، ثم صلى ركعتين عند مقام إبراهيم، ثم أتى إلى الصفا، فطاف بينه وبين المروة سبعا، يسعى بين العلمين، ويمشي فيما عداهما، ثم لم يحل من إحرامه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر، فلمَّا خلص من حجه ورمى جمرة العقبة، ونحر هديه وحلق رأسه يوم النحر، وهذا هو التحلل الأول، أفاض في ضحوته إلى البيت، فطاف به، ثم حل من كل شيء حرم عليه حتى النساء، وفعل مثله من ساق الهدي من أصحابه.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْبُخَارِيِّ فِيهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي: الْمُسْتَخْرَجِ. وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ، عَنْ مُسْلِمٍ كَذَلِكَ لَكِنْ قَالَ فِي آخِرِهِ وَيْلَكَ بَدَلَ ثَلَاثًا وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ فَقَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: ارْكَبْهَا وَيْحَكَ أَوْ وَيْلَكَ وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: ارْكَبْهَا وَيْلَكَ.
١٠٤ - بَاب مَنْ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ
١٦٩١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَأَهْدَى فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، قَالَ لِلنَّاسِ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِشَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَطَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعًا، فَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَانْصَرَفَ، فَأَتَى الصَّفَا، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ النَّاسِ.
١٦٩٢ - وَعَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَمَتُّعِهِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ) أَيْ مِنَ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ قَالَ الْمُهَلَّبُ: أَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنْ يُعَرِّفَ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْهَدْيِ أَنْ يُسَاقَ مِنَ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ فَإِنِ اشْتَرَاهُ مِنَ الْحَرَمِ خَرَجَ بِهِ إِذَا حَجَّ إِلَى عَرَفَةَ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنْ وَقَفَ بِهِ بِعَرَفَةَ فَحَسَنٌ وَإِلَّا فَلَا بَدَلَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ بِسُنَّةٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا سَاقَ الْهَدْيَ مِنَ الْحِلِّ لِأَنَّ مَسْكَنَهُ كَانَ خَارِجَ الْحَرَمِ. وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْإِبِلِ، فَأَمَّا الْبَقَرُ فَقَدْ يَضْعُفُ عَنْ ذَلِكَ وَالْغَنَمُ أَضْعَفُ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُسَاقُ إِلَّا مِنْ عَرَفَةَ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهَا لِأَنَّهَا تَضْعُفُ عَنْ قَطْعِ طُولِ الْمَسَافَةِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عُقَيْلٍ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ.
قَوْلُهُ: (تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) قَالَ الْمُهَلَّبُ: مَعْنَاهُ أَمَرَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ عَلَى أَنَسٍ قَوْلَهُ أَنَّهُ قَرَنَ وَيَقُولُ بَلْ كَانَ مُفْرِدًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَبَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فَمَعْنَاهُ أَمَرَهُمْ بِالتَّمَتُّعِ وَهُوَ أَنْ يُهِلُّوا بِالْعُمْرَةِ أَوَّلًا وَيُقَدِّمُوهَا قَبْلَ الْحَجِّ قَالَ: وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ لِدَفْعِ التَّنَاقُضِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قُلْتُ: لَمْ يَتَعَيَّنْ هَذَا التَّأْوِيلُ الْمُتَعَسِّفُ وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: إِنَّ حَمْلَ قَوْلِهِ تَمَتَّعَ عَلَى مَعْنَى أَمَرَ مِنْ أَبْعَدِ التَّأْوِيلَاتِ وَالِاسْتِشْهَادُ
عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ رَجَمَ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالرَّجْمِ مِنْ أَوْهَنِ الِاسْتِشْهَادَاتِ لِأَنَّ الرَّجْمَ مِنْ وَظِيفَةِ الْإِمَامِ وَالَّذِي يَتَوَلَّاهُ إِنَّمَا يَتَوَلَّاهُ نِيَابَةً عَنْهُ، وَأَمَّا أَعْمَالُ الْحَجِّ مِنَ إِفْرَادٍ وَقِرَانٍ وَتَمَتُّعٍ فَإِنَّهُ وَظِيفَةُ كُلِّ أَحَدٍ عَنْ نَفْسِهِ. ثُمَّ أَجَازَ تَأْوِيلًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الرَّاوِيَ عَهِدَ أَنَّ النَّاسَ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا كَفِعْلِهِ لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ. فَلَمَّا تَحَقَّقَ أَنَّ النَّاسَ تَمَتَّعُوا ظَنَّ أَنَّهُ ﵊ تَمَتَّعَ فَأَطْلَقَ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَلَمْ يَتَعَيَّنْ هَذَا أَيْضًا بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَمَتَّعَ مَحْمُولًا عَلَى مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ بِإِسْقَاطِ عَمَلِ الْعُمْرَةِ وَالْخُرُوجِ إِلَى مِيقَاتِهَا وَغَيْرِهَا، بَلْ قَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّ هَذَا هُوَ الْمُتَعَيِّنُ.
قَالَ: وَقَوْلُهُ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ أَيْ بِإِدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي: بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ تَقْرِيرَ هَذَا التَّأْوِيلِ وَإِنَّمَا الْمُشْكِلُ هُنَا قَوْلُهُ بَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ فِي هَذَا الْبَابِ اسْتَقَرَّ كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى أَنَّهُ بَدَأَ أَوَّلًا بِالْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ وَهَذَا بِالْعَكْسِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ صُورَةُ الْإِهْلَالِ أَيْ لَمَّا أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ لَبَّى بِهِمَا فَقَالَ: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ مَعًا. وَهَذَا مُطَابِقٌ لِحَدِيثِ أَنَسٍ الْمُتَقَدِّمِ لَكِنْ قَدْ أَنْكَرَ ابْنُ عُمَرَ ذَلِكَ عَلَى أَنَسٍ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ إِنْكَارُ ابْنِ عُمَرَ عَلَيْهِ كَوْنَهُ أَطْلَقَ أَنَّهُ ﷺ جَمَعَ بَيْنَهُمَا أَيْ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ وَيُعَيِّنُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ وَتَمَتَّعَ النَّاسُ إِلَخْ فَإِنَّ الَّذِينَ تَمَتَّعُوا إِنَّمَا بَدَءُوا بِالْحَجِّ لَكِنْ فَسَخُوا حَجَّهُمْ إِلَى الْعُمْرَةِ حَتَّى حَلُّوا بَعْدَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ ثُمَّ حَجُّوا مِنْ عَامِهِمْ.
قَوْلُهُ: (فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) أَيْ مِنَ الْمِيقَاتِ وَفِيهِ النَّدْبُ إِلَى سَوْقِ الْهَدْي مِنَ الْمَوَاقِيتِ وَمِنَ الْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ وَهِيَ مِنَ السُّنَنِ الَّتِي أَغْفَلَهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ فِي: بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ.
قَوْلُهُ: (وَيُقَصِّرْ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَأَمَّا الْأَكْثَرُ فَعِنْدَهُمْ وَلْيُقَصِّرْ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَفْعَلُ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ وَالتَّقْصِيرَ وَيَصِيرُ حَلَالًا وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ أَوِ التَّقْصِيرَ نُسُكٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ. قَالَ: وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالتَّقْصِيرِ دُونَ الْحَلْقِ مَعَ أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ لِيَبْقَى لَهُ شَعْرٌ يَحْلِقُهُ فِي الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (وَلْيَحْلِلْ) هُوَ أَمْرٌ مَعْنَاهُ الْخَبَرُ أَيْ قَدْ صَارَ حَلَالًا فَلَهُ فِعْلُ كُلِّ مَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ فِي الْإِحْرَامِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا عَلَى الْإِبَاحَةِ لِفِعْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ حَرَامًا قَبْلَ الْإِحْرَامِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ) أَيْ يُحْرِمُ وَقْتَ خُرُوجِهِ إِلَى عَرَفَةَ وَلِهَذَا أَتَى بِثُمَّ الدَّالَّةِ عَلَى التَّرَاخِي فَلَمْ يُرِدْ أَنه يُهِلَّ بِالْحَجِّ عَقِبَ إِهْلَالِهِ مِنَ الْعُمْرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلْيُهْدِ) (١) أَيْ هَدْيَ التَّمَتُّعِ وَهُوَ وَاجِبٌ بِشُرُوطِهِ.
قَوْلُهُ: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) أَيْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ بِذَلِكَ الْمَكَانِ، وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِأَنْ يَعْدَمَ الْهَدْيَ أَوْ يَعْدَمَ ثَمَنَهُ حِينَئِذٍ أَوْ يَجِدَ ثَمَنَهُ لَكِنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِأَهَمِّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يَجِدَهُ لَكِنْ يَمْتَنِعُ صَاحِبُهُ مِنْ بَيْعِهِ أَوْ يَمْتَنِعُ مِنْ بَيْعِهِ إِلَّا بِغَلَائِهِ فَيَنْقُلُ إِلَى الصَّوْمِ كَمَا هُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الْحَجِّ أَيْ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِهِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ فَإِنْ صَامَهَا قَبْلَ الْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ أَجْزَأَهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَأَمَّا قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنَ الْعُمْرَةِ فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ قَالَهُ مَالِكٌ، وَجَوَّزَهُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَمَنِ اسْتَحَبَّ صِيَامَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ قَالَ: يُحْرِمُ يَوْمَ السَّابِعِ لِيَصُومَ السَّابِعَ وَالثَّامِنَ وَالتَّاسِعَ وَإِلَّا فَيُحْرِمُ يَوْمَ السَّادِسِ لِيُفْطِرَ بِعَرَفَةَ فَإِنْ فَاتَهُ الصَّوْمُ قَضَاهُ وَقِيلَ يَسْقُطُ وَيَسْتَقِرُّ الْهَدْيُ فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ. وَفِي صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِهَذَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ أَظْهَرُهُمَا لَا يَجُوزُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَصَحُّهُمَا مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ الْجَوَازُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ خَبَّ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي: بَابِ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى السَّعْيِ فِي بَابِهِ، وَقَوْلُهُ (ثُمَّ سَلَّمَ فَانْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُمَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ولأبي ذرٍّ: «قال»: (ارْكَبْهَا، قَالَ) الرَّجل: (إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ) ﵊: (ارْكَبْهَا، قَالَ) الرَّجل: (إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ) ﵊: (ارْكَبْهَا، ثَلَاثًا) أي: قالها ثلاث مرَّاتٍ، وفي رواية أبي ذرٍّ: «فقال: اركبها -ثلاثًا-» فسقط عنده ما ثبت عند الباقين: «قال: إنَّها بدنةٌ، قال: اركبها، قال: إنَّها بدنةٌ، قال: اركبها»، وقد وافق الباقين على إثبات ذلك أبو مسلمٍ الكجِّيُّ في «السُّنن» عن مسلم بن إبراهيم شيخ المؤلِّف فيه، وأخرجه الإسماعيليُّ عن مسلمٍ كذلك، لكن قال في آخره: «ويلك» بدل: «ثلاثًا»، وللتِّرمذيِّ: فقال له في الثَّالثة أو الرَّابعة: اركبها ويحَك، أو ويلَك، وهو في «البخاريِّ»: في «باب هل ينتفع الواقف بوقفه» [خ¦٢٧٥٤] كذلك.
(١٠٤) (بابُ مَنْ سَاقَ البُدْنَ) التي للهدي (١) (مَعَهُ) من الحلِّ إلى الحرم.
١٦٩١ - ١٦٩٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَيرٍ، ونسبه لجدِّه لشهرته به،
المخزوميُّ مولاهم المصريُّ -بالميم (١) - قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين بن خالد بن عَقيلٍ -بفتح العين- الأَيْليِّ؛ بفتح الهمزة وسكون التَّحتيَّة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب (أَنَّ) أباه (ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ) التَّمتُّع بلغة القرآن الكريم، وعُرْف الصَّحابة أعمُّ من القران؛ كما ذكره غير واحدٍ، وإذا كان أعمَّ منه احتمل أن يُراد به الفرد المُسمَّى بالقِران في الاصطلاح الحادث، وأن يُراد به المخصوص باسم التَّمتُّع في ذلك الاصطلاح، لكن يبقى النَّظر في أنَّه أعمُّ في عُرْف الصَّحابة أو (٢) لا؟ ففي «الصَّحيحين» [خ¦١٥٦٩] عن سعيد بن المُسيَّب قال: اجتمع عليٌّ وعثمان بِعُسْفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة، فقال عليٌّ: ما تريد إلى أمرٍ فعله رسول ﷺ تنهى عنه؟ فقال عثمان: دعنا منك، فقال: إنِّي لا أستطيع أن أدعك، فلمَّا رأى عليٌّ ذلك أهلَّ بهما جميعًا، فهذا يبيِّن أنَّه ﵊ كان قارنًا، ويفيد أيضًا أنَّ الجمع بينهما تمتُّعٌ، فإنَّ عثمان كان ينهى عن المتعة، وقصد عليٌّ إظهار مخالفته تقديرًا لما فعله ﵊ وأنَّه لم يُنسَخ فقرن، وإنَّما تكون مخالفةً إذا كانت المتعة التي نهى عنها عثمان، فدلَّ على الأمرين اللذين عيَّناهما وتضمَّن اتِّفاق عليٍّ وعثمان على أنَّ القِران من مُسمَّى التَّمتُّع، وحينئذٍ يجب حمل قول ابن عمر: «تمتَّع رسول الله ﷺ» على التَّمتُّع الذي نسمِّيه قِرانًا، لو (٣) لم يكن عنده (٤) ما يخالف ذلك اللَّفظ، فكيف وقد وُجِد عنه ما يفيد ما قلنا؟ وهو ما في «صحيح مسلمٍ» عن ابن عمر: أنَّه قرن الحجَّ مع العمرة، وطاف لهما طوافًا واحدًا، ثمَّ قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ، فظهر أنَّ مراده بلفظ المتعة في هذا الحديث: الفرد المُسمَّى بالقِران.
(وَأَهْدَى) ﵊، أي: تقرَّب إلى الله تعالى بما هو مألوفٌ عندهم من سَوق شيءٍ من النَّعم إلى الحرم ليُذبَح ويُفرَّق على مساكينه (٥) تعظيمًا له (فَسَاقَ مَعَهُ الهَدْيَ) وكان أربعًا وستِّين بدنةً (مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ) ميقات أهل المدينة (وَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَهَلَّ) أي: لبَّى
في (١) أثناء الإحرام (بِالعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ) أي: لبَّى (بِالحَجِّ) وليس المراد أنَّه أحرم بالحجِّ؛ لأنَّه يؤدِّي إلى مخالفة الأحاديث الصَّحيحة (٢) السَّابقة، فوجب تأويل هذا على موافقتها، ويؤيِّد هذا التأويل قوله: (فَتَمَتَّعَ النَّاسُ) في آخر الأمر (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ) لأنَّه معلومٌ أنَّ كثيرًا منهم أو أكثرهم أحرموا أوَّلًا بالحجِّ مفردين، وإنَّما فسخوه إلى العمرة آخِرًا، فصاروا متمتِّعين (فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ) زاد في بعض الأصول: «معه» (الهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ؛ قَالَ لِلنَّاسِ) (٣) في روايةٍ عن عائشة ﵂ تقتضي أنَّه ﷺ قال لهم ذلك بعد أن أهلُّوا بذي الحليفة، لكن الذي تدلُّ عليه الأحاديث في «الصَّحيحين» وغيرهما -من رواية عائشة وجابرٍ وغيرهما- أنَّه إنَّما قال لهم ذلك في منتهى سفرهم ودنوِّهم من مكَّة، وهم بسرف كما في حديث عائشة [خ¦١٧٨٨] أو بعد طوافه كما في حديث جابرٍ [خ¦١٦٥١] ويحتمل تكرار الأمر بذلك في الموضعين، وأنَّ العزيمة كانت آخرًا (٤) حين أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة.
(مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِشَيْءٍ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «من شيءٍ» (حَرُمَ مِنْهُ) أي: من أفعاله (حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ) إن كان حاجًّا، فإن كان معتمرًا فكذلك لِما في الرِّواية الأخرى [خ¦٣١٩] «ومن أحرم بعمرةٍ فلم يُهْدِ فليُحْلِلْ، ومن أحرم بعمرةٍ وأهدى، فلا يُحِلُّ حتَّى ينحر هديه» (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ) من شعر رأسه، وإنَّما لم يقل: «وليحلق» وإن كان أفضل ليبقى له شعرٌ يحلقه في الحجِّ؛ فإنَّ الحلق في تحلُّل الحجِّ أفضل منه في تحلُّل العمرة، ولأبي ذرٍّ: «ويقصِّرْ» بحذف لام الأمر والجزم، عطفًا على المجزوم قبله، والرَّفع على الأصل لأنَّه فعلٌ مضارعٌ مجرَّدٌ من ناسخٍ (٥)، أي: وبعد الطَّواف بالبيت والسَّعي بين الصَّفا والمروة يقصِّر (وَلْيَحْلِلْ) بسكون اللَّام الأولى والثَّالثة
وكسر الثَّانية وفتح التَّحتيَّة أمرٌ معناه: الخبر، أي: صار حلالًا، فله فعل كلِّ ما كان محظورًا عليه في الإحرام، ويحتمل أن يكون إذنًا كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ [المائدة: ٢] والمراد: فسخ الحجِّ عمرةً وإتمامها حتَّى يحلَّ منها، وفيه: دليلٌ على أنَّ الحلق أو التَّقصير نسكٌ، وهو الصَّحيح (ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالحَجِّ) أي: في (١) وقت خروجه إلى عرفاتٍ، لا أنَّه يهلُّ عقب تحلُّل العمرة ولذا قال: «ثمَّ ليهلَّ»، فعبَّر: بـ «ثمَّ» المقتضية للتَّراخي والمهلة (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا) بأن عدم وجوده، أو ثمنه، أو زاد على ثمن المثل، أو كان صاحبه لا يريد بيعه (فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ) بعد الإحرام به، والأَولى: تقديمها قبل يوم عرفة لأنَّ الأَولى فطره، فيُندَب أن يحرم المتمتِّع العاجز عن الدَّم قبل سادس ذي الحجَّة، ويمتنع تقديم الصَّوم على الإحرام (وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ) ببلده أو بمكانٍ توطَّن به كمكَّة، ولا يجوز صومها في توجُّهه إلى أهله لأنَّه تقديمٌ للعبادة البدنيَّة على وقتها، ويُندَب تتابع الثَّلاثة والسَّبعة.
(فَطَافَ) رسول الله ﷺ (حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ) أي: مسح (الرُّكْنَ) الأسود، حال كونه (أَوَّلَ شَيْءٍ) أي: مبدوءًا به (ثُمَّ خَبَّ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد المُوحَّدة، أي: رمل (ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعًا) ولأبي ذرٍّ: «أربعةً» أي: من الأطواف (فَرَكَعَ حِينَ قَضَى) أدَّى (طَوَافَهُ بِالبَيْتِ) سبعًا (عِنْدَ المَقَامِ) مقام إبراهيم (رَكْعَتَيْنِ) للطَّواف (ثُمَّ سَلَّمَ) منهما (فَانْصَرَفَ فَأَتَى) عقب ذلك (الصَّفَا) بالقصر (فَطَافَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ) بالوقوف بعرفاتٍ ورمي الجمرات، ولم يقل: «وعمرته» لدخولها في الحجِّ، أو لأنَّه كان مفردًا (وَنَحَرَ هَدْيَهُ) الذي ساقه معه من المدينة (يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ) أي: دفع نفسه أو راحلته بعد الإتيان بما ذُكِر إلى المسجد الحرام (فَطَافَ بِالبَيْتِ) طواف الإفاضة (ثُمَّ حَلَّ) ﵊ (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ) أي: حصل له الحلُّ، قال ابن عمر: (وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) أي: مثل فعله، فـ «ما»: مصدريَّةٌ، وفاعل «فَعَلَ» قولُه: (مَنْ أَهْدَى) ممَّن كان معه ﵊ (وَسَاقَ الهَدْيَ مِنَ النَّاسِ) و «من» للتَّبعيض لأنَّ من كان معه الهدي بعضُهم لا كلُّهم.
وقال ابن شهابٍ: (وَعَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير، عطفًا على قوله: «عن سالم بن عبد الله أنَّ ابن عمر»، ووقع في بعض النُّسخ هنا، ونُسِب لرواية (١) أبي الوقت بعد قوله ﷺ «باب من أهدى وساق (٢) الهدي من النَّاس»: «وعن عروة» وهو غير صوابٍ (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَمَتُّعِهِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ) ولابن عساكر: «عن النَّبيِّ» (٣) (ﷺ) قال في «الفتح»: وقد تعقَّب المُهلَّب قول ابن شهابٍ (٤) بمثل الذي أخبرني سالمٌ، فقال: يعني: مثله في الوهم لأنَّ أحاديث عائشة كلَّها شاهدةٌ بأنَّه حجَّ مفردًا. وأجاب الحافظ ابن حجرٍ بأنَّه ليس وهمًا؛ إذ لا مانع من الجمع بين الرِّوايتين، فيكون المرادُ بالإفراد في حديثها البداءةَ بالحجِّ، وبالتَّمتُّع بالعمرة إدخالها على الحجِّ، قال: وهو أَولى من توهيم جبلٍ من جبال الحفظ. انتهى.
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
(١٠٥) (بابُ مَنِ اشْتَرَى الهَدِْيَّ) بإسكان الدَّال مع تخفيف الياء، ويجوز كسر الدَّال مع تشديد الياء: ما يُهدَى إلى الحرم من النَّعم ويجزئ في الأضحية، ويُطلَق أيضًا على دم الجبران عند توجُّهه إلى البيت الحرام (مِنَ الطَّرِيقِ) سواءٌ كان في الحلِّ أو الحرم.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
ابْن عبد الْبر عَن بعض أهل الظَّاهِر تمسكا بِظَاهِر الْأَمر. ولمخالفة مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة من الْبحيرَة والسائبة، وَفِي (الاستذكار) : كره مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأكْثر الْفُقَهَاء شرب لبن النَّاقة بعد ري فصيلها. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: إِن نَقصهَا الرّكُوب وَالشرب فَعَلَيهِ قيمَة ذَلِك. وَقَالَ مَالك: لَا يشرب من لَبنهَا فَإِن شرب لم يغرم، وَكَذَا إِن ركب للْحَاجة لَا يغرم شَيْئا.
وَاخْتلف المجيزون: هَل يحمل عَلَيْهَا مَتَاعه رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَمَنعه مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَجَازَهُ الْجُمْهُور، وَكَذَا إِن حمل عَلَيْهَا غَيره أجَازه الْجُمْهُور على التَّفْصِيل الْمَذْكُور.
وَيجوز فِي الْهَدْي الْأُنْثَى وَالذكر، وَإِلَيْهِ ذهب مَالك، وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّه لَا يهدي إلَاّ الْإِنَاث، نَقله عَن الشَّافِعِي. وَفِي (التَّوْضِيح) : يجوز إهداء الذّكر وَالْأُنْثَى من الْإِبِل، وَهُوَ مَذْهَبنَا. وَقَول جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: لِأَن الْهَدْي جِهَة من جِهَات الْقرب فَلم يخْتَص بالذكور وَلَا الْإِنَاث كالضحايا.
وَفِيه: من الْعلم تَكْرِير الْعَالم الْفَتْوَى وتوبيخ من لَا يأتم بهَا وزجره.
٠٩٦١ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هِشامٌ وشُعْبَةُ بنُ الحَجَّاجِ قَالَا حدَّثنا قَتادَةُ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنةٍ فَقَالَ ارْكَبْها قَالَ إنَّهَا بَدَنةٌ قَالَ ارْكَبْها قَالَ إنَّهَا بَدَنةٌ قَالَ اركَبْها ثَلاثا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد مضوا، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي، وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن قَتَادَة عَن أنس وَشعْبَة وَهِشَام وَسَعِيد بن أبي عرُوبَة وَهَمَّام وَالْحكم بن عبد الْملك وَأَبُو عوَانَة: أما حَدِيث شُعْبَة وَهِشَام فَانْفَرد بِهِ البُخَارِيّ. وَأما سعيد بن أبي عرُوبَة فَانْفَرد بِإِخْرَاجِهِ النَّسَائِيّ. وَأما حَدِيث همام فَأخْرجهُ البُخَارِيّ مُنْفَردا بِهِ فِي الْأَدَب. وَأما حَدِيث الحكم بن عبد الْملك فَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان فِي الضَّحَايَا. وَأما حَدِيث أبي عوَانَة فَأخْرجهُ التِّرْمِذِيّ، فَقَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن قَتَادَة (عَن أنس: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رأى رجلا يَسُوق بَدَنَة، فَقَالَ: إركبها. فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنَّهَا بَدَنَة {فَقَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة: إركبها وَيحك أَو وَيلك) . وَرَوَاهُ أَيْضا عَن أنس جمَاعَة مِنْهُم: ثَابت الْبنانِيّ، وَبُكَيْر بن الْأَخْنَس وَعِكْرِمَة وَالْمُخْتَار بن فلفل. أما حَدِيث ثَابت فَرَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة حميد عَن ثَابت (عَن أنس، قَالَ: مر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِرَجُل يَسُوق بَدَنَة فَقَالَ: إركبها} فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَة. قَالَ: إركبها، مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا) . وَأما حَدِيث بكير بن الْأَخْنَس فَانْفَرد بِإِخْرَاجِهِ مُسلم من رِوَايَة مسعر عَنهُ عَن أنس، قَالَ: سمعته يَقُول: (مر رجل على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ببدنة أَو هَدِيَّة، فَقَالَ: إركبها. قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَة أَو هَدِيَّة. قَالَ: وَإِن) . وَأما حَدِيث عِكْرِمَة وَالْمُخْتَار بن فلفل فأخرجهما أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان فِي الضَّحَايَا.
قَوْله: (قَتَادَة عَن أنس) ، وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ: سَمِعت أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (قَالَ: إركبها) إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (إركبها ثَلَاثًا مُخْتَصرا) . قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي: قَالَهَا ثَلَاث مَرَّات، وَبَقِيَّة الْكَلَام مرت فِي الحَدِيث السَّابِق.
٤٠١ - (بابُ منْ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من سَاق الْبدن مَعَه من الْحل إِلَى الْحرم. وَقَالَ الْمُهلب: أَرَادَ البُخَارِيّ أَن يعرف أَن السّنة فِي الْهَدْي أَن يساق من الْحل إِلَى الْحرم، فَإِن اشْتَرَاهُ من الْحرم خرج بِهِ إِذا حج إِلَى عَرَفَة وَهُوَ قَول مَالك، فَإِن لم يفعل فَعَلَيهِ الْبَدَل، وَهُوَ قَول اللَّيْث، وَهُوَ مَذْهَب ابْن عمر وَسَعِيد بن جُبَير. وَرُوِيَ عَن ابْن الْقَاسِم أَنه أجَازه وَإِن لم يقف بِهِ بِعَرَفَة، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر. وَقَالَ الشَّافِعِي: وقف الْهَدْي بِعَرَفَة سنة لمن شَاءَ إِذا لم يسقه من الْحل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَيْسَ بِسنة لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا سَاق الْهَدْي من الْحل لِأَن مَسْكَنه كَانَ خَارج الْحرم، وَهَذَا كُله فِي الْإِبِل، فَأَما الْبَقَرَة فقد يضعف عَن ذَلِك وَالْغنم أَضْعَف، وَمن ثمَّة قَالَ مَالك، رَحمَه الله: إلَاّ من عَرَفَة أَو مَا قَارب مِنْهَا لِأَنَّهَا تضعف عَن الْقطع طول الْمسَافَة.
١٩٦١ - حدَّثنا يَحْيى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَالِمِ
ابنِ عبْدِ الله أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ تَمَنَّعَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِالعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ وأهْدَى فسَاقَ مَعَهُ الهَدْيَ منْ ذِي الحُلَيْفَةِ وبدَأ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأهَلَّ بِالعُمْرَةِ ثُمَّ أهَلَّ بِالحَجِّ فتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أهْدَي فسَاقَ الْهَدْيَ ومِنْهُمْ منْ لَمْ يُهْدِ فلَمَّا قَدِمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ منْ كانَ مِنْكُمْ أهْدَي فإنَّهُ لَا يَحِلُّ لِشَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِي حَجَّهُ ومنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أهْدَى فلْيَطُف بِالْبَيْتِ وبالصَّفَا والمَرْوَةِ ولْيُقَصِّرْ ولْيَحْلِلْ ثُمَّ ليُهِلَّ بالحَجِّ فمَنُ لَمْ يَجِدْ هَدْيا فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعةً إذَا رجَعَ إلَى أهْلِهِ فطَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ واسْتَلَمَ الرُّكْنَ أوَّلَ شَيْءٍ ثُمَّ خَبَّ ثلَاثَةَ أطْوَافٍ ومَشَي أرْبعا فرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فانْصَرَفَ فأتَى الصَّفَا فَطافَ بِالصَّفَا والمَرْوَةِ سَبْعَةَ أطْوَافٍ ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى ونَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ وأفاضَ فطَافَ بِالبَيْتِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ أهْدَى وسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فساق مَعَه الْهَدْي) .
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَاللَّيْث هُوَ ابْن سعد، وَعقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد، وَابْن شهَاب هُوَ: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. قَوْله: (عَن عقيل) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق شُعَيْب بن اللَّيْث عَن أَبِيه: حَدثنِي عقيل. وَفِيه: أَن شَيْخه يحيى بن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير أَبُو زَكَرِيَّاء المَخْزُومِي الْمصْرِيّ. وَفِيه: أَن اللَّيْث أَيْضا مصري وَعقيل أيلي، وَابْن شهَاب وَسَالم مدنيان.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد جَمِيعًا فِي الْحَج أَيْضا عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث عَن أَبِيه عَن جده بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن الْمُبَارك المَخْزُومِي عَن حجين بن الْمثنى عَن اللَّيْث بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (تمنع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج) ، قَالَ الْمُهلب: مَعْنَاهُ أَمر بذلك كَمَا تَقول: رجم وَلم يرْجم لِأَنَّهُ كَانَ يُنكر على أنس. قَوْله: (إِنَّه قرن) ، وَيَقُول بل كَانَ مُفردا. وَأما قَوْله: وَبَدَأَ بِالْعُمْرَةِ فَمَعْنَاه: أَمرهم بالتمتع، وَهُوَ أَن يهلوا بِالْعُمْرَةِ أَولا، ويقدموها قبل الْحَج. قَالَ: وَلَا بُد من هَذَا التَّأْوِيل لدفع التَّنَاقُض عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قيل: هَذَا التَّأْوِيل من أبعد التأويلات، والاستشهاد عَلَيْهِ بقوله: رجم، وَإِنَّمَا أَمر بِالرَّجمِ من أوهن الاستشهادات، لِأَن الرَّجْم وَظِيفَة الإِمَام، فَالَّذِي يَتَوَلَّاهُ إِنَّمَا يَتَوَلَّاهُ نِيَابَة عَنهُ، وَأما أَعمال الْحَج من إِفْرَاد وقران وتمتع فَإِنَّهُ وَظِيفَة كل أحد عَن نَفسه. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله: تمتّع، مَحْمُولا على مَدْلُوله اللّغَوِيّ وَهُوَ: الِانْتِفَاع بِإِسْقَاط عمل الْعمرَة وَالْخُرُوج إِلَى ميقاتها. انْتهى. قلت: كل هَذَا الَّذِي ذكر لَا يشفي العليل وَلَا يروي الغليل، بل الْأَوْجه هُنَا مَا قَالَه النَّوَوِيّ وَهُوَ أَن معنى: تمتّع أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحرم بِالْحَجِّ مُفردا ثمَّ أحرم بِالْعُمْرَةِ، فَصَارَ قَارنا فِي آخر عمْرَة، والقارن هُوَ متمتع من حَيْثُ اللُّغَة وَمن حَيْثُ الْمَعْنى لِأَنَّهُ ترفه باتحاد الْمِيقَات وَالْإِحْرَام وَالْفِعْل جمعا بَين الْأَحَادِيث. وَأما لفظ: (فأهلَّ بِالْعُمْرَةِ ثمَّ أهلَّ بِالْحَجِّ) فَهُوَ مَحْمُول على التَّلْبِيَة فِي أثْنَاء الْإِحْرَام وَلَيْسَ المُرَاد أَنه أحرم أول مرّة بِالْعُمْرَةِ ثمَّ أحرم بِالْحَجِّ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى مُخَالفَة الْأَحَادِيث الْأُخَر، وَيُؤَيّد هَذَا التَّأْوِيل لفظ: وتمتع النَّاس مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَعْلُوم أَنهم أَحْرمُوا أَولا بِالْحَجِّ مُفردا، وَإِنَّمَا فسخوا إِلَى الْعمرَة آخرا وصاروا متمتعين. وَقَوله: (فتمتع النَّاس) يَعْنِي: فِي آخر أَمرهم قلت: هَذَا الحَدِيث أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه الْكُبْرَى) من حَدِيث اللَّيْث عَن عقيل إِلَى آخِره نَحوه، ثمَّ قَالَ: وَقد روينَا عَن عَائِشَة وَابْن عمر مَا يُعَارض هَذَا، وَهُوَ الْإِفْرَاد، وَحَيْثُ لم يتَحَلَّل
من إِحْرَامه إِلَى آخر شَيْء فَفِيهِ دلَالَة على أَنه لم يكن مُتَمَتِّعا. قلت: هَذَا لَا يرد على فُقَهَاء الْكُوفَة لِأَن عِنْدهم الْمُتَمَتّع إِذا أهْدى لَا يتَحَلَّل حَتَّى يفرغ من حجه، وَهَذَا الحَدِيث أَيْضا يَنْفِي كَونه مُفردا لِأَن الْهَدْي لَا يمْنَع الْمُفْرد من الْإِحْلَال فَهُوَ حجَّة على الْبَيْهَقِيّ. وَفِي (الاستذكار) : لَا يَصح عندنَا أَن يكون مُتَمَتِّعا إلَاّ تمتّع قرَان، لِأَنَّهُ لَا خلاف بَين الْعلمَاء أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يتَحَلَّل من عمرته، وَأقَام محرما من أجل هَدْيه، وَهَذَا حكم الْقَارِن لَا الْمُتَمَتّع، وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) لأبي الْحسن الأشبيلي: وَلَا يَصح عِنْدِي أَن يكون، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مُتَمَتِّعا إلَاّ تمتّع قرَان، لِأَنَّهُ لَا خلاف أَنه لم يحل من عمرته حَتَّى أَمر أَصْحَابه أَن يحلوا ويفسخوا حجهم فِي عمْرَة، وَفسخ الْحَج فِي الْعمرَة خص بِهِ أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَا يجوز الْيَوْم أَن يفعل ذَلِك عِنْد أَكثر الصَّحَابَة وَغَيرهم لقَوْله تَعَالَى: {وَأَتمُّوا الْحَج} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . يَعْنِي لمن دخل فِيهِ، وَمَا أعلم من الصَّحَابَة من يُجِيز ذَلِك إلَاّ ابْن عبَّاس، وَتَابعه أَحْمد وَدَاوُد دون سَائِر الْفُقَهَاء، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً، فِي: بَاب التَّمَتُّع وَالْقرَان. قَوْله: (فساق مَعَه الْهَدْي من ذِي الحليفة) وَهُوَ الْمِيقَات. قَوْله: (وَبَدَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأهل بِالْحَجِّ) ، قَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا يُرِيد أَنه بَدَأَ حِين أَمرهم بالتمتع أَن يهلوا بِالْعُمْرَةِ أول، ويقدموها قبل الْحَج، وَأَن ينشؤا الْحَج بعْدهَا إِذا حلوا مِنْهَا. قَوْله: (وبالصفا والمروة) ، ظَاهر فِي وجوب السَّعْي. قَوْله: (فتمتع النَّاس مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: بِحَضْرَتِهِ. قَوْله: (وليقصر) على صُورَة أَمر الْغَائِب، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (وَيقصر) ، على صُورَة الْمُضَارع، وَقَالَ الْكرْمَانِي، بِالرَّفْع والجزم. قلت: وَجه الرّفْع أَن يكون الْمُضَارع على أَصله لتجرده عَن النواسخ، وَالتَّقْدِير: وَبعد الطّواف بِالْبَيْتِ وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة يقصر، من التَّقْصِير، وَهُوَ أَخذ بعض شعر رَأسه. وَوجه الْجَزْم أَن يكون عطفا على المجزوم قبله، وَيكون فِي التَّقْدِير: وليقصر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لِمَ خصص التقصيرَ والحلقُ جَائِز بل أفضل؟ وَأجَاب: بِأَنَّهُ أمره بذلك ليبقى لَهُ شعر يحلقه فِي الْحَج، فَإِن الْحلق فِي تحلل الْحَج أفضل مِنْهُ فِي تحلل الْعمرَة. قَوْله: (وليحلل) ، صورته أَمر، وَمَعْنَاهُ الْخَبَر يَعْنِي صَار: حَلَالا، فَلهُ فعل كل مَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ فِي الْإِحْرَام. قَوْله: (ثمَّ ليهل بِالْحَجِّ) أَي: بعد تَقْصِيره وتحلله يحرم بِالْحَجِّ، وَإِنَّمَا أَتَى بِلَفْظ: ثمَّ، الدَّال على التَّرَاخِي ليدل على أَنه لَا يلْزم أَن يهل بِالْحَجِّ عقيب إحلاله من الْعمرَة. قَوْله: (فَمن لم يجد هَديا) أَي: لم يجده هُنَاكَ، إِمَّا لعدم الْهَدْي، وَإِمَّا لعدم ثمنه، وَإِمَّا لكَونه يُبَاع بِأَكْثَرَ من ثمن الْمثل. قَوْله: (فليصم ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج) ، وَهُوَ الْيَوْم السَّابِع من ذِي الْحجَّة، وَالثَّامِن وَالتَّاسِع. قَوْله: (وَسَبْعَة) أَي: وليصم سَبْعَة (أَيَّام إِذا رَجَعَ إِلَى أَهله) بِظَاهِرِهِ أَخذ الشَّافِعِي، لِأَن المُرَاد حَقِيقَة الرُّجُوع، وَقَالَ أَصْحَابنَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَسَبْعَة إِذا رجعتم} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . مَعْنَاهُ: إِذا فَرَغْتُمْ من أَفعَال الْحَج، والفراغ سَبَب الرُّجُوع، فَأطلق الْمُسَبّب على السَّبَب، فَلَو صَامَ هَذِه السَّبْعَة بِمَكَّة فَإِنَّهُ يجوز عندنَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز إلَاّ أَن يَنْوِي الْإِقَامَة بهَا، فَإِن لم يصم الثَّلَاثَة فِي الْحَج إِلَى يَوْم النَّحْر تعين الدَّم، فَلَا يجوز أَن يَصُوم الثَّلَاثَة وَلَا السَّبْعَة بعْدهَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: يَصُوم الثَّلَاثَة بعد هَذِه الْأَيَّام: يَعْنِي أَيَّام التَّشْرِيق. وَقَالَ مَالك: يصومها فِي هَذِه الْأَيَّام. قُلْنَا: النَّهْي الْمَعْرُوف عَن صَوْم هَذِه الْأَيَّام، وَلَا يُؤدى بعْدهَا أَيْضا لِأَن الْهَدْي أصل وَقد نقل حكمه إِلَى بدل مَوْصُوف بِصفة، وَقد فَاتَت، فَعَاد الحكم إِلَى الأَصْل وَهُوَ الْهَدْي. وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) للأشبيلي: وَوقت هَذَا الصَّوْم من حِين يحرم بِالْحَجِّ إِلَى آخر أَيَّام التَّشْرِيق، وَالِاخْتِيَار تَقْدِيمه فِي أول الْإِحْرَام، رَوَاهُ ابْن الْجلاب، وَإِنَّمَا اخْتَار تَقْدِيمه لتعجيل إِبْرَاء الذِّمَّة، وَلِأَنَّهُ وَقت مُتَّفق على جَوَاز الصَّوْم فِيهِ، فَإِن فَاتَهُ ذَلِك قبل يَوْم النَّحْر صَامَهُ أَيَّام منى، فَإِن لم يصم أَيَّام منى صَامَ بعْدهَا. قَالَه عَليّ وَابْن عمر وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، وَرُوِيَ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح أَنه أجَاز للمتمتع أَن يَصُوم فِي الْعشْر وَهُوَ حَلَال. وَقَالَ مُجَاهِد وطاووس: إِذا صامهن فِي أشهر الْحَج أَجزَأَهُ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ شَاذان. وَقَالَ أَبُو بكر الْجَصَّاص فِي (أَحْكَام الْقُرْآن) : اخْتلف السّلف فِيمَن لم يجد الْهَدْي وَلم يصم الْأَيَّام الثَّلَاثَة قبل يَوْم النَّحْر، فَقَالَ عمر بن الْخطاب وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم وطاووس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: لَا يجْزِيه إلَاّ الْهَدْي، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَقَالَ ابْن عمر وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يَصُوم أَيَّام منى، وَهُوَ قَول مَالك. وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يَصُوم بعد أَيَّام التَّشْرِيق، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. انْتهى. فَإِن قلت: روى البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّوْم من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة وَعَن سَالم عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قَالَا: لم
يرخص فِي أَيَّام التَّشْرِيق أَن يضمن إلَاّ لمن لم يجد الْهَدْي، وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي الْمُتَمَتّع: إِذا لم يجد الْهَدْي وَلم يصم فِي الْعشْر أَنه يَصُوم أَيَّام التَّشْرِيق، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي سنَنه؟ قلت: رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِن هَذِه الْأَيَّام أَيَّام أكل وَشرب، وَأَرَادَ بِهَذِهِ الْأَيَّام أَيَّام التَّشْرِيق، مِنْهُم عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرج حَدِيثه الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد حسن عَنهُ، أَنه قَالَ: (خرج مُنَادِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَيَّام التَّشْرِيق فَقَالَ: إِن هَذِه الْأَيَّام أَيَّام وَأكل وَشرب) . وَقد أخرج الطَّحَاوِيّ أَحَادِيث نهي الصَّوْم فِي أَيَّام التَّشْرِيق عَن سِتَّة عشر نفسا من الصَّحَابَة ذَكَرْنَاهُمْ فِي (شرحنا لمعاني الْآثَار) للطحاوي، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لما ثَبت بِهَذِهِ الْآثَار عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النَّهْي عَن صِيَام أَيَّام التَّشْرِيق، وَكَانَ نَهْيه عَن ذَلِك بمنى والحاج مقيمون بهَا وَفِيهِمْ المتمتعون والقارنون، وَلم يسْتَثْن مِنْهُم مُتَمَتِّعا، وَلَا قَارنا، دخل فِيهِ المتمتعون والقارنون فِي ذَلِك النَّهْي. وَأما الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ سَالم عَن أَبِيه مَرْفُوعا فَهُوَ ضَعِيف، وَفِي سَنَده يحيى بن سَلام نزيل مصر، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف، وَفِيه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى فِيهِ مقَال، وَذكر الطَّحَاوِيّ عَن شُعْبَة أَن حَدِيث يحيى بن سَلام حَدِيث مُنكر لَا يُثبتهُ أهل الْعلم بالرواية لضعف يحيى بن سَلام وَابْن أبي ليلى وَسُوء حفظهما. قَوْله: (فَطَافَ حِين قدم مَكَّة) أَي: فَطَافَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَصرح بِهِ هَكَذَا فِي (صَحِيح مُسلم) قَوْله: (واستلم الرُّكْن أول شَيْء) أَي: اسْتَلم الْحجر الْأسود أول مَا قدم قبل أَن يبتديء بِشَيْء. قَوْله: (ثمَّ خب) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة أَي أسْرع فِي الثَّلَاثَة الأول من الأطواف، وَرمل. قَوْله: (وَمَشى أَرْبعا) أَي: أَربع مَرَّات أَرَادَ أَنه لم يرمل فِي بَقِيَّة الأطواف، وَهِي الْأَرْبَعَة. قَوْله: (فَرَكَعَ حِين قضى طَوَافه بِالْبَيْتِ عِنْد الْمقَام رَكْعَتَيْنِ) أَي: لما فرغ من أطوافه السَّبْعَة صلى عِنْد مقَام إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، رَكْعَتَيْنِ وَقضى بِمَعْنى: أدّى، وَرَكْعَتَيْنِ مَنْصُوب بقوله: فَرَكَعَ. قَوْله: (ثمَّ سلم) أَي: عقيب الرَّكْعَتَيْنِ فَانْصَرف وأتى الصَّفَا، فَظَاهر الْكَلَام أَنه حِين فرغ من الرَّكْعَتَيْنِ توجه إِلَى الصَّفَا وَلم يشْتَغل بِشَيْء آخر. وَحَدِيث جَابر الطَّوِيل عِنْد مُسلم: (ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْحجر فاستلمه، ثمَّ خرج من بَاب الصَّفَا) . قَوْله: (حِين قضى حجه) أَي: بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَة لِأَنَّهُ من أَرْكَان الْحَج وبرمي الجمرات ونحره هَدْيه يَوْم النَّحْر. قَوْله: (وأفاض) أَي: بعد الْإِتْيَان بِهَذِهِ الْأَفْعَال أَفَاضَ إِلَى الْبَيْت فَطَافَ بِهِ طواف الْإِفَاضَة. قَوْله: (وَفعل مثل مَا فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) كلمة: مَا، مَصْدَرِيَّة أَي: مثل فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وفاعل: فعل، هُوَ قَوْله: (من أهْدى) يَعْنِي: مِمَّن كَانَ مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وسَاق الْهَدْي، وَكلمَة: من، فِي من النَّاس للتَّبْعِيض لِأَن كل من كَانُوا لم يسوقوا الْهَدْي، وَقَائِل هَذَا الْكَلَام أَعنِي قَوْله: وَفعل ... إِلَى آخِره، هُوَ عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ بَعضهم: وَأغْرب الْكرْمَانِي فشرحه على أَن فَاعل فعل هُوَ ابْن عمر رَاوِي الْخَبَر. قلت: لم يشْرَح الْكرْمَانِي بِهَذَا الشَّرْح إلَاّ بِنَاء على النُّسْخَة الَّتِي فِيهَا: بَاب من أهْدى وسَاق الْهَدْي على مَا نذكرهُ الْآن، وَلِهَذَا قَالَ: وَالصَّحِيح هُوَ الأول، يَعْنِي: أَن فَاعل: فعل، هُوَ قَوْله: (من أهْدى) .
وَعَنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أخْبَرَتْهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي تَمَتُّعِهِ بِالعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أخبرَني سَالِمٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
هَذَا عطف على قَوْله: عَن سَالم بن عبد الله أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ مقول ابْن شهَاب، وَهَذِه هِيَ النُّسْخَة الصَّحِيحَة، وَالنُّسْخَة الَّتِي وَقع فِيهَا لفظ: بَاب بَين قَوْله: (وَفعل مثل مَا فعل رَسُول لله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَبَين قَوْله: (من أهل وسَاق الْهَدْي من النَّاس) ، وَصورتهَا: بَاب من أهل وسَاق الْهَدْي وَعَن عُرْوَة أَن عَائِشَة أخْبرته إِلَى آخِره، وَهَذَا خطأ فَاحش، ونسبت هَذِه رِوَايَة إِلَى أبي الْوَقْت وَالظَّاهِر أَنه من تخبيط النَّاسِخ.
وَقد أخرجه مُسلم مثل النُّسْخَة الصَّحِيحَة حَيْثُ قَالَ: حَدثنِي عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث حَدثنِي أبي عَن جدي، قَالَ: حَدثنِي عقيل بن خَالِد عَن ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله أَن عبد الله بن عمر، قَالَ: تمتّع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج، وَسَاقه إِلَى أَن قَالَ: وأفاض فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثمَّ حل من كل شَيْء حرم فِيهِ، وَفعل مثل مَا فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أهْدى فساق الْهَدْي من النَّاس. ثمَّ قَالَ: وحدثنيه عبد الْملك بن شُعَيْب يَعْنِي ابْن اللَّيْث، قَالَ: حَدثنِي
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْبُخَارِيِّ فِيهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي: الْمُسْتَخْرَجِ. وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ، عَنْ مُسْلِمٍ كَذَلِكَ لَكِنْ قَالَ فِي آخِرِهِ وَيْلَكَ بَدَلَ ثَلَاثًا وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ فَقَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: ارْكَبْهَا وَيْحَكَ أَوْ وَيْلَكَ وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: ارْكَبْهَا وَيْلَكَ.
١٠٤ - بَاب مَنْ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ
١٦٩١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَأَهْدَى فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، قَالَ لِلنَّاسِ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِشَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَطَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعًا، فَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَانْصَرَفَ، فَأَتَى الصَّفَا، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ النَّاسِ.
١٦٩٢ - وَعَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَمَتُّعِهِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ) أَيْ مِنَ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ قَالَ الْمُهَلَّبُ: أَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنْ يُعَرِّفَ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْهَدْيِ أَنْ يُسَاقَ مِنَ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ فَإِنِ اشْتَرَاهُ مِنَ الْحَرَمِ خَرَجَ بِهِ إِذَا حَجَّ إِلَى عَرَفَةَ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنْ وَقَفَ بِهِ بِعَرَفَةَ فَحَسَنٌ وَإِلَّا فَلَا بَدَلَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ بِسُنَّةٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا سَاقَ الْهَدْيَ مِنَ الْحِلِّ لِأَنَّ مَسْكَنَهُ كَانَ خَارِجَ الْحَرَمِ. وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْإِبِلِ، فَأَمَّا الْبَقَرُ فَقَدْ يَضْعُفُ عَنْ ذَلِكَ وَالْغَنَمُ أَضْعَفُ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُسَاقُ إِلَّا مِنْ عَرَفَةَ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهَا لِأَنَّهَا تَضْعُفُ عَنْ قَطْعِ طُولِ الْمَسَافَةِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عُقَيْلٍ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ.
قَوْلُهُ: (تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) قَالَ الْمُهَلَّبُ: مَعْنَاهُ أَمَرَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ عَلَى أَنَسٍ قَوْلَهُ أَنَّهُ قَرَنَ وَيَقُولُ بَلْ كَانَ مُفْرِدًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَبَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فَمَعْنَاهُ أَمَرَهُمْ بِالتَّمَتُّعِ وَهُوَ أَنْ يُهِلُّوا بِالْعُمْرَةِ أَوَّلًا وَيُقَدِّمُوهَا قَبْلَ الْحَجِّ قَالَ: وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ لِدَفْعِ التَّنَاقُضِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قُلْتُ: لَمْ يَتَعَيَّنْ هَذَا التَّأْوِيلُ الْمُتَعَسِّفُ وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: إِنَّ حَمْلَ قَوْلِهِ تَمَتَّعَ عَلَى مَعْنَى أَمَرَ مِنْ أَبْعَدِ التَّأْوِيلَاتِ وَالِاسْتِشْهَادُ
عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ رَجَمَ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالرَّجْمِ مِنْ أَوْهَنِ الِاسْتِشْهَادَاتِ لِأَنَّ الرَّجْمَ مِنْ وَظِيفَةِ الْإِمَامِ وَالَّذِي يَتَوَلَّاهُ إِنَّمَا يَتَوَلَّاهُ نِيَابَةً عَنْهُ، وَأَمَّا أَعْمَالُ الْحَجِّ مِنَ إِفْرَادٍ وَقِرَانٍ وَتَمَتُّعٍ فَإِنَّهُ وَظِيفَةُ كُلِّ أَحَدٍ عَنْ نَفْسِهِ. ثُمَّ أَجَازَ تَأْوِيلًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الرَّاوِيَ عَهِدَ أَنَّ النَّاسَ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا كَفِعْلِهِ لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ. فَلَمَّا تَحَقَّقَ أَنَّ النَّاسَ تَمَتَّعُوا ظَنَّ أَنَّهُ ﵊ تَمَتَّعَ فَأَطْلَقَ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَلَمْ يَتَعَيَّنْ هَذَا أَيْضًا بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَمَتَّعَ مَحْمُولًا عَلَى مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ بِإِسْقَاطِ عَمَلِ الْعُمْرَةِ وَالْخُرُوجِ إِلَى مِيقَاتِهَا وَغَيْرِهَا، بَلْ قَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّ هَذَا هُوَ الْمُتَعَيِّنُ.
قَالَ: وَقَوْلُهُ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ أَيْ بِإِدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي: بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ تَقْرِيرَ هَذَا التَّأْوِيلِ وَإِنَّمَا الْمُشْكِلُ هُنَا قَوْلُهُ بَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ فِي هَذَا الْبَابِ اسْتَقَرَّ كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى أَنَّهُ بَدَأَ أَوَّلًا بِالْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ وَهَذَا بِالْعَكْسِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ صُورَةُ الْإِهْلَالِ أَيْ لَمَّا أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ لَبَّى بِهِمَا فَقَالَ: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ مَعًا. وَهَذَا مُطَابِقٌ لِحَدِيثِ أَنَسٍ الْمُتَقَدِّمِ لَكِنْ قَدْ أَنْكَرَ ابْنُ عُمَرَ ذَلِكَ عَلَى أَنَسٍ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ إِنْكَارُ ابْنِ عُمَرَ عَلَيْهِ كَوْنَهُ أَطْلَقَ أَنَّهُ ﷺ جَمَعَ بَيْنَهُمَا أَيْ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ وَيُعَيِّنُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ وَتَمَتَّعَ النَّاسُ إِلَخْ فَإِنَّ الَّذِينَ تَمَتَّعُوا إِنَّمَا بَدَءُوا بِالْحَجِّ لَكِنْ فَسَخُوا حَجَّهُمْ إِلَى الْعُمْرَةِ حَتَّى حَلُّوا بَعْدَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ ثُمَّ حَجُّوا مِنْ عَامِهِمْ.
قَوْلُهُ: (فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) أَيْ مِنَ الْمِيقَاتِ وَفِيهِ النَّدْبُ إِلَى سَوْقِ الْهَدْي مِنَ الْمَوَاقِيتِ وَمِنَ الْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ وَهِيَ مِنَ السُّنَنِ الَّتِي أَغْفَلَهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ فِي: بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ.
قَوْلُهُ: (وَيُقَصِّرْ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَأَمَّا الْأَكْثَرُ فَعِنْدَهُمْ وَلْيُقَصِّرْ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَفْعَلُ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ وَالتَّقْصِيرَ وَيَصِيرُ حَلَالًا وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ أَوِ التَّقْصِيرَ نُسُكٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ. قَالَ: وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالتَّقْصِيرِ دُونَ الْحَلْقِ مَعَ أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ لِيَبْقَى لَهُ شَعْرٌ يَحْلِقُهُ فِي الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (وَلْيَحْلِلْ) هُوَ أَمْرٌ مَعْنَاهُ الْخَبَرُ أَيْ قَدْ صَارَ حَلَالًا فَلَهُ فِعْلُ كُلِّ مَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ فِي الْإِحْرَامِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا عَلَى الْإِبَاحَةِ لِفِعْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ حَرَامًا قَبْلَ الْإِحْرَامِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ) أَيْ يُحْرِمُ وَقْتَ خُرُوجِهِ إِلَى عَرَفَةَ وَلِهَذَا أَتَى بِثُمَّ الدَّالَّةِ عَلَى التَّرَاخِي فَلَمْ يُرِدْ أَنه يُهِلَّ بِالْحَجِّ عَقِبَ إِهْلَالِهِ مِنَ الْعُمْرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلْيُهْدِ) (١) أَيْ هَدْيَ التَّمَتُّعِ وَهُوَ وَاجِبٌ بِشُرُوطِهِ.
قَوْلُهُ: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) أَيْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ بِذَلِكَ الْمَكَانِ، وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِأَنْ يَعْدَمَ الْهَدْيَ أَوْ يَعْدَمَ ثَمَنَهُ حِينَئِذٍ أَوْ يَجِدَ ثَمَنَهُ لَكِنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِأَهَمِّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يَجِدَهُ لَكِنْ يَمْتَنِعُ صَاحِبُهُ مِنْ بَيْعِهِ أَوْ يَمْتَنِعُ مِنْ بَيْعِهِ إِلَّا بِغَلَائِهِ فَيَنْقُلُ إِلَى الصَّوْمِ كَمَا هُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الْحَجِّ أَيْ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِهِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ فَإِنْ صَامَهَا قَبْلَ الْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ أَجْزَأَهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَأَمَّا قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنَ الْعُمْرَةِ فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ قَالَهُ مَالِكٌ، وَجَوَّزَهُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَمَنِ اسْتَحَبَّ صِيَامَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ قَالَ: يُحْرِمُ يَوْمَ السَّابِعِ لِيَصُومَ السَّابِعَ وَالثَّامِنَ وَالتَّاسِعَ وَإِلَّا فَيُحْرِمُ يَوْمَ السَّادِسِ لِيُفْطِرَ بِعَرَفَةَ فَإِنْ فَاتَهُ الصَّوْمُ قَضَاهُ وَقِيلَ يَسْقُطُ وَيَسْتَقِرُّ الْهَدْيُ فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ. وَفِي صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِهَذَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ أَظْهَرُهُمَا لَا يَجُوزُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَصَحُّهُمَا مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ الْجَوَازُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ خَبَّ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي: بَابِ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى السَّعْيِ فِي بَابِهِ، وَقَوْلُهُ (ثُمَّ سَلَّمَ فَانْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُمَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ولأبي ذرٍّ: «قال»: (ارْكَبْهَا، قَالَ) الرَّجل: (إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ) ﵊: (ارْكَبْهَا، قَالَ) الرَّجل: (إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ) ﵊: (ارْكَبْهَا، ثَلَاثًا) أي: قالها ثلاث مرَّاتٍ، وفي رواية أبي ذرٍّ: «فقال: اركبها -ثلاثًا-» فسقط عنده ما ثبت عند الباقين: «قال: إنَّها بدنةٌ، قال: اركبها، قال: إنَّها بدنةٌ، قال: اركبها»، وقد وافق الباقين على إثبات ذلك أبو مسلمٍ الكجِّيُّ في «السُّنن» عن مسلم بن إبراهيم شيخ المؤلِّف فيه، وأخرجه الإسماعيليُّ عن مسلمٍ كذلك، لكن قال في آخره: «ويلك» بدل: «ثلاثًا»، وللتِّرمذيِّ: فقال له في الثَّالثة أو الرَّابعة: اركبها ويحَك، أو ويلَك، وهو في «البخاريِّ»: في «باب هل ينتفع الواقف بوقفه» [خ¦٢٧٥٤] كذلك.
(١٠٤) (بابُ مَنْ سَاقَ البُدْنَ) التي للهدي (١) (مَعَهُ) من الحلِّ إلى الحرم.
١٦٩١ - ١٦٩٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَيرٍ، ونسبه لجدِّه لشهرته به،
المخزوميُّ مولاهم المصريُّ -بالميم (١) - قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين بن خالد بن عَقيلٍ -بفتح العين- الأَيْليِّ؛ بفتح الهمزة وسكون التَّحتيَّة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب (أَنَّ) أباه (ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ) التَّمتُّع بلغة القرآن الكريم، وعُرْف الصَّحابة أعمُّ من القران؛ كما ذكره غير واحدٍ، وإذا كان أعمَّ منه احتمل أن يُراد به الفرد المُسمَّى بالقِران في الاصطلاح الحادث، وأن يُراد به المخصوص باسم التَّمتُّع في ذلك الاصطلاح، لكن يبقى النَّظر في أنَّه أعمُّ في عُرْف الصَّحابة أو (٢) لا؟ ففي «الصَّحيحين» [خ¦١٥٦٩] عن سعيد بن المُسيَّب قال: اجتمع عليٌّ وعثمان بِعُسْفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة، فقال عليٌّ: ما تريد إلى أمرٍ فعله رسول ﷺ تنهى عنه؟ فقال عثمان: دعنا منك، فقال: إنِّي لا أستطيع أن أدعك، فلمَّا رأى عليٌّ ذلك أهلَّ بهما جميعًا، فهذا يبيِّن أنَّه ﵊ كان قارنًا، ويفيد أيضًا أنَّ الجمع بينهما تمتُّعٌ، فإنَّ عثمان كان ينهى عن المتعة، وقصد عليٌّ إظهار مخالفته تقديرًا لما فعله ﵊ وأنَّه لم يُنسَخ فقرن، وإنَّما تكون مخالفةً إذا كانت المتعة التي نهى عنها عثمان، فدلَّ على الأمرين اللذين عيَّناهما وتضمَّن اتِّفاق عليٍّ وعثمان على أنَّ القِران من مُسمَّى التَّمتُّع، وحينئذٍ يجب حمل قول ابن عمر: «تمتَّع رسول الله ﷺ» على التَّمتُّع الذي نسمِّيه قِرانًا، لو (٣) لم يكن عنده (٤) ما يخالف ذلك اللَّفظ، فكيف وقد وُجِد عنه ما يفيد ما قلنا؟ وهو ما في «صحيح مسلمٍ» عن ابن عمر: أنَّه قرن الحجَّ مع العمرة، وطاف لهما طوافًا واحدًا، ثمَّ قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ، فظهر أنَّ مراده بلفظ المتعة في هذا الحديث: الفرد المُسمَّى بالقِران.
(وَأَهْدَى) ﵊، أي: تقرَّب إلى الله تعالى بما هو مألوفٌ عندهم من سَوق شيءٍ من النَّعم إلى الحرم ليُذبَح ويُفرَّق على مساكينه (٥) تعظيمًا له (فَسَاقَ مَعَهُ الهَدْيَ) وكان أربعًا وستِّين بدنةً (مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ) ميقات أهل المدينة (وَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَهَلَّ) أي: لبَّى
في (١) أثناء الإحرام (بِالعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ) أي: لبَّى (بِالحَجِّ) وليس المراد أنَّه أحرم بالحجِّ؛ لأنَّه يؤدِّي إلى مخالفة الأحاديث الصَّحيحة (٢) السَّابقة، فوجب تأويل هذا على موافقتها، ويؤيِّد هذا التأويل قوله: (فَتَمَتَّعَ النَّاسُ) في آخر الأمر (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ) لأنَّه معلومٌ أنَّ كثيرًا منهم أو أكثرهم أحرموا أوَّلًا بالحجِّ مفردين، وإنَّما فسخوه إلى العمرة آخِرًا، فصاروا متمتِّعين (فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ) زاد في بعض الأصول: «معه» (الهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ؛ قَالَ لِلنَّاسِ) (٣) في روايةٍ عن عائشة ﵂ تقتضي أنَّه ﷺ قال لهم ذلك بعد أن أهلُّوا بذي الحليفة، لكن الذي تدلُّ عليه الأحاديث في «الصَّحيحين» وغيرهما -من رواية عائشة وجابرٍ وغيرهما- أنَّه إنَّما قال لهم ذلك في منتهى سفرهم ودنوِّهم من مكَّة، وهم بسرف كما في حديث عائشة [خ¦١٧٨٨] أو بعد طوافه كما في حديث جابرٍ [خ¦١٦٥١] ويحتمل تكرار الأمر بذلك في الموضعين، وأنَّ العزيمة كانت آخرًا (٤) حين أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة.
(مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِشَيْءٍ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «من شيءٍ» (حَرُمَ مِنْهُ) أي: من أفعاله (حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ) إن كان حاجًّا، فإن كان معتمرًا فكذلك لِما في الرِّواية الأخرى [خ¦٣١٩] «ومن أحرم بعمرةٍ فلم يُهْدِ فليُحْلِلْ، ومن أحرم بعمرةٍ وأهدى، فلا يُحِلُّ حتَّى ينحر هديه» (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ) من شعر رأسه، وإنَّما لم يقل: «وليحلق» وإن كان أفضل ليبقى له شعرٌ يحلقه في الحجِّ؛ فإنَّ الحلق في تحلُّل الحجِّ أفضل منه في تحلُّل العمرة، ولأبي ذرٍّ: «ويقصِّرْ» بحذف لام الأمر والجزم، عطفًا على المجزوم قبله، والرَّفع على الأصل لأنَّه فعلٌ مضارعٌ مجرَّدٌ من ناسخٍ (٥)، أي: وبعد الطَّواف بالبيت والسَّعي بين الصَّفا والمروة يقصِّر (وَلْيَحْلِلْ) بسكون اللَّام الأولى والثَّالثة
وكسر الثَّانية وفتح التَّحتيَّة أمرٌ معناه: الخبر، أي: صار حلالًا، فله فعل كلِّ ما كان محظورًا عليه في الإحرام، ويحتمل أن يكون إذنًا كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ [المائدة: ٢] والمراد: فسخ الحجِّ عمرةً وإتمامها حتَّى يحلَّ منها، وفيه: دليلٌ على أنَّ الحلق أو التَّقصير نسكٌ، وهو الصَّحيح (ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالحَجِّ) أي: في (١) وقت خروجه إلى عرفاتٍ، لا أنَّه يهلُّ عقب تحلُّل العمرة ولذا قال: «ثمَّ ليهلَّ»، فعبَّر: بـ «ثمَّ» المقتضية للتَّراخي والمهلة (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا) بأن عدم وجوده، أو ثمنه، أو زاد على ثمن المثل، أو كان صاحبه لا يريد بيعه (فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ) بعد الإحرام به، والأَولى: تقديمها قبل يوم عرفة لأنَّ الأَولى فطره، فيُندَب أن يحرم المتمتِّع العاجز عن الدَّم قبل سادس ذي الحجَّة، ويمتنع تقديم الصَّوم على الإحرام (وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ) ببلده أو بمكانٍ توطَّن به كمكَّة، ولا يجوز صومها في توجُّهه إلى أهله لأنَّه تقديمٌ للعبادة البدنيَّة على وقتها، ويُندَب تتابع الثَّلاثة والسَّبعة.
(فَطَافَ) رسول الله ﷺ (حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ) أي: مسح (الرُّكْنَ) الأسود، حال كونه (أَوَّلَ شَيْءٍ) أي: مبدوءًا به (ثُمَّ خَبَّ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد المُوحَّدة، أي: رمل (ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعًا) ولأبي ذرٍّ: «أربعةً» أي: من الأطواف (فَرَكَعَ حِينَ قَضَى) أدَّى (طَوَافَهُ بِالبَيْتِ) سبعًا (عِنْدَ المَقَامِ) مقام إبراهيم (رَكْعَتَيْنِ) للطَّواف (ثُمَّ سَلَّمَ) منهما (فَانْصَرَفَ فَأَتَى) عقب ذلك (الصَّفَا) بالقصر (فَطَافَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ) بالوقوف بعرفاتٍ ورمي الجمرات، ولم يقل: «وعمرته» لدخولها في الحجِّ، أو لأنَّه كان مفردًا (وَنَحَرَ هَدْيَهُ) الذي ساقه معه من المدينة (يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ) أي: دفع نفسه أو راحلته بعد الإتيان بما ذُكِر إلى المسجد الحرام (فَطَافَ بِالبَيْتِ) طواف الإفاضة (ثُمَّ حَلَّ) ﵊ (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ) أي: حصل له الحلُّ، قال ابن عمر: (وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) أي: مثل فعله، فـ «ما»: مصدريَّةٌ، وفاعل «فَعَلَ» قولُه: (مَنْ أَهْدَى) ممَّن كان معه ﵊ (وَسَاقَ الهَدْيَ مِنَ النَّاسِ) و «من» للتَّبعيض لأنَّ من كان معه الهدي بعضُهم لا كلُّهم.
وقال ابن شهابٍ: (وَعَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير، عطفًا على قوله: «عن سالم بن عبد الله أنَّ ابن عمر»، ووقع في بعض النُّسخ هنا، ونُسِب لرواية (١) أبي الوقت بعد قوله ﷺ «باب من أهدى وساق (٢) الهدي من النَّاس»: «وعن عروة» وهو غير صوابٍ (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَمَتُّعِهِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ) ولابن عساكر: «عن النَّبيِّ» (٣) (ﷺ) قال في «الفتح»: وقد تعقَّب المُهلَّب قول ابن شهابٍ (٤) بمثل الذي أخبرني سالمٌ، فقال: يعني: مثله في الوهم لأنَّ أحاديث عائشة كلَّها شاهدةٌ بأنَّه حجَّ مفردًا. وأجاب الحافظ ابن حجرٍ بأنَّه ليس وهمًا؛ إذ لا مانع من الجمع بين الرِّوايتين، فيكون المرادُ بالإفراد في حديثها البداءةَ بالحجِّ، وبالتَّمتُّع بالعمرة إدخالها على الحجِّ، قال: وهو أَولى من توهيم جبلٍ من جبال الحفظ. انتهى.
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
(١٠٥) (بابُ مَنِ اشْتَرَى الهَدِْيَّ) بإسكان الدَّال مع تخفيف الياء، ويجوز كسر الدَّال مع تشديد الياء: ما يُهدَى إلى الحرم من النَّعم ويجزئ في الأضحية، ويُطلَق أيضًا على دم الجبران عند توجُّهه إلى البيت الحرام (مِنَ الطَّرِيقِ) سواءٌ كان في الحلِّ أو الحرم.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
ابْن عبد الْبر عَن بعض أهل الظَّاهِر تمسكا بِظَاهِر الْأَمر. ولمخالفة مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة من الْبحيرَة والسائبة، وَفِي (الاستذكار) : كره مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأكْثر الْفُقَهَاء شرب لبن النَّاقة بعد ري فصيلها. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: إِن نَقصهَا الرّكُوب وَالشرب فَعَلَيهِ قيمَة ذَلِك. وَقَالَ مَالك: لَا يشرب من لَبنهَا فَإِن شرب لم يغرم، وَكَذَا إِن ركب للْحَاجة لَا يغرم شَيْئا.
وَاخْتلف المجيزون: هَل يحمل عَلَيْهَا مَتَاعه رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَمَنعه مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَجَازَهُ الْجُمْهُور، وَكَذَا إِن حمل عَلَيْهَا غَيره أجَازه الْجُمْهُور على التَّفْصِيل الْمَذْكُور.
وَيجوز فِي الْهَدْي الْأُنْثَى وَالذكر، وَإِلَيْهِ ذهب مَالك، وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّه لَا يهدي إلَاّ الْإِنَاث، نَقله عَن الشَّافِعِي. وَفِي (التَّوْضِيح) : يجوز إهداء الذّكر وَالْأُنْثَى من الْإِبِل، وَهُوَ مَذْهَبنَا. وَقَول جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: لِأَن الْهَدْي جِهَة من جِهَات الْقرب فَلم يخْتَص بالذكور وَلَا الْإِنَاث كالضحايا.
وَفِيه: من الْعلم تَكْرِير الْعَالم الْفَتْوَى وتوبيخ من لَا يأتم بهَا وزجره.
٠٩٦١ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هِشامٌ وشُعْبَةُ بنُ الحَجَّاجِ قَالَا حدَّثنا قَتادَةُ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنةٍ فَقَالَ ارْكَبْها قَالَ إنَّهَا بَدَنةٌ قَالَ ارْكَبْها قَالَ إنَّهَا بَدَنةٌ قَالَ اركَبْها ثَلاثا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد مضوا، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي، وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن قَتَادَة عَن أنس وَشعْبَة وَهِشَام وَسَعِيد بن أبي عرُوبَة وَهَمَّام وَالْحكم بن عبد الْملك وَأَبُو عوَانَة: أما حَدِيث شُعْبَة وَهِشَام فَانْفَرد بِهِ البُخَارِيّ. وَأما سعيد بن أبي عرُوبَة فَانْفَرد بِإِخْرَاجِهِ النَّسَائِيّ. وَأما حَدِيث همام فَأخْرجهُ البُخَارِيّ مُنْفَردا بِهِ فِي الْأَدَب. وَأما حَدِيث الحكم بن عبد الْملك فَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان فِي الضَّحَايَا. وَأما حَدِيث أبي عوَانَة فَأخْرجهُ التِّرْمِذِيّ، فَقَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن قَتَادَة (عَن أنس: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رأى رجلا يَسُوق بَدَنَة، فَقَالَ: إركبها. فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنَّهَا بَدَنَة {فَقَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة: إركبها وَيحك أَو وَيلك) . وَرَوَاهُ أَيْضا عَن أنس جمَاعَة مِنْهُم: ثَابت الْبنانِيّ، وَبُكَيْر بن الْأَخْنَس وَعِكْرِمَة وَالْمُخْتَار بن فلفل. أما حَدِيث ثَابت فَرَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة حميد عَن ثَابت (عَن أنس، قَالَ: مر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِرَجُل يَسُوق بَدَنَة فَقَالَ: إركبها} فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَة. قَالَ: إركبها، مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا) . وَأما حَدِيث بكير بن الْأَخْنَس فَانْفَرد بِإِخْرَاجِهِ مُسلم من رِوَايَة مسعر عَنهُ عَن أنس، قَالَ: سمعته يَقُول: (مر رجل على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ببدنة أَو هَدِيَّة، فَقَالَ: إركبها. قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَة أَو هَدِيَّة. قَالَ: وَإِن) . وَأما حَدِيث عِكْرِمَة وَالْمُخْتَار بن فلفل فأخرجهما أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان فِي الضَّحَايَا.
قَوْله: (قَتَادَة عَن أنس) ، وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ: سَمِعت أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (قَالَ: إركبها) إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (إركبها ثَلَاثًا مُخْتَصرا) . قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي: قَالَهَا ثَلَاث مَرَّات، وَبَقِيَّة الْكَلَام مرت فِي الحَدِيث السَّابِق.
٤٠١ - (بابُ منْ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من سَاق الْبدن مَعَه من الْحل إِلَى الْحرم. وَقَالَ الْمُهلب: أَرَادَ البُخَارِيّ أَن يعرف أَن السّنة فِي الْهَدْي أَن يساق من الْحل إِلَى الْحرم، فَإِن اشْتَرَاهُ من الْحرم خرج بِهِ إِذا حج إِلَى عَرَفَة وَهُوَ قَول مَالك، فَإِن لم يفعل فَعَلَيهِ الْبَدَل، وَهُوَ قَول اللَّيْث، وَهُوَ مَذْهَب ابْن عمر وَسَعِيد بن جُبَير. وَرُوِيَ عَن ابْن الْقَاسِم أَنه أجَازه وَإِن لم يقف بِهِ بِعَرَفَة، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر. وَقَالَ الشَّافِعِي: وقف الْهَدْي بِعَرَفَة سنة لمن شَاءَ إِذا لم يسقه من الْحل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَيْسَ بِسنة لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا سَاق الْهَدْي من الْحل لِأَن مَسْكَنه كَانَ خَارج الْحرم، وَهَذَا كُله فِي الْإِبِل، فَأَما الْبَقَرَة فقد يضعف عَن ذَلِك وَالْغنم أَضْعَف، وَمن ثمَّة قَالَ مَالك، رَحمَه الله: إلَاّ من عَرَفَة أَو مَا قَارب مِنْهَا لِأَنَّهَا تضعف عَن الْقطع طول الْمسَافَة.
١٩٦١ - حدَّثنا يَحْيى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَالِمِ
ابنِ عبْدِ الله أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ تَمَنَّعَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِالعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ وأهْدَى فسَاقَ مَعَهُ الهَدْيَ منْ ذِي الحُلَيْفَةِ وبدَأ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأهَلَّ بِالعُمْرَةِ ثُمَّ أهَلَّ بِالحَجِّ فتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أهْدَي فسَاقَ الْهَدْيَ ومِنْهُمْ منْ لَمْ يُهْدِ فلَمَّا قَدِمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ منْ كانَ مِنْكُمْ أهْدَي فإنَّهُ لَا يَحِلُّ لِشَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِي حَجَّهُ ومنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أهْدَى فلْيَطُف بِالْبَيْتِ وبالصَّفَا والمَرْوَةِ ولْيُقَصِّرْ ولْيَحْلِلْ ثُمَّ ليُهِلَّ بالحَجِّ فمَنُ لَمْ يَجِدْ هَدْيا فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعةً إذَا رجَعَ إلَى أهْلِهِ فطَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ واسْتَلَمَ الرُّكْنَ أوَّلَ شَيْءٍ ثُمَّ خَبَّ ثلَاثَةَ أطْوَافٍ ومَشَي أرْبعا فرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فانْصَرَفَ فأتَى الصَّفَا فَطافَ بِالصَّفَا والمَرْوَةِ سَبْعَةَ أطْوَافٍ ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى ونَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ وأفاضَ فطَافَ بِالبَيْتِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ أهْدَى وسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فساق مَعَه الْهَدْي) .
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَاللَّيْث هُوَ ابْن سعد، وَعقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد، وَابْن شهَاب هُوَ: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. قَوْله: (عَن عقيل) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق شُعَيْب بن اللَّيْث عَن أَبِيه: حَدثنِي عقيل. وَفِيه: أَن شَيْخه يحيى بن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير أَبُو زَكَرِيَّاء المَخْزُومِي الْمصْرِيّ. وَفِيه: أَن اللَّيْث أَيْضا مصري وَعقيل أيلي، وَابْن شهَاب وَسَالم مدنيان.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد جَمِيعًا فِي الْحَج أَيْضا عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث عَن أَبِيه عَن جده بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن الْمُبَارك المَخْزُومِي عَن حجين بن الْمثنى عَن اللَّيْث بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (تمنع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج) ، قَالَ الْمُهلب: مَعْنَاهُ أَمر بذلك كَمَا تَقول: رجم وَلم يرْجم لِأَنَّهُ كَانَ يُنكر على أنس. قَوْله: (إِنَّه قرن) ، وَيَقُول بل كَانَ مُفردا. وَأما قَوْله: وَبَدَأَ بِالْعُمْرَةِ فَمَعْنَاه: أَمرهم بالتمتع، وَهُوَ أَن يهلوا بِالْعُمْرَةِ أَولا، ويقدموها قبل الْحَج. قَالَ: وَلَا بُد من هَذَا التَّأْوِيل لدفع التَّنَاقُض عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قيل: هَذَا التَّأْوِيل من أبعد التأويلات، والاستشهاد عَلَيْهِ بقوله: رجم، وَإِنَّمَا أَمر بِالرَّجمِ من أوهن الاستشهادات، لِأَن الرَّجْم وَظِيفَة الإِمَام، فَالَّذِي يَتَوَلَّاهُ إِنَّمَا يَتَوَلَّاهُ نِيَابَة عَنهُ، وَأما أَعمال الْحَج من إِفْرَاد وقران وتمتع فَإِنَّهُ وَظِيفَة كل أحد عَن نَفسه. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله: تمتّع، مَحْمُولا على مَدْلُوله اللّغَوِيّ وَهُوَ: الِانْتِفَاع بِإِسْقَاط عمل الْعمرَة وَالْخُرُوج إِلَى ميقاتها. انْتهى. قلت: كل هَذَا الَّذِي ذكر لَا يشفي العليل وَلَا يروي الغليل، بل الْأَوْجه هُنَا مَا قَالَه النَّوَوِيّ وَهُوَ أَن معنى: تمتّع أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحرم بِالْحَجِّ مُفردا ثمَّ أحرم بِالْعُمْرَةِ، فَصَارَ قَارنا فِي آخر عمْرَة، والقارن هُوَ متمتع من حَيْثُ اللُّغَة وَمن حَيْثُ الْمَعْنى لِأَنَّهُ ترفه باتحاد الْمِيقَات وَالْإِحْرَام وَالْفِعْل جمعا بَين الْأَحَادِيث. وَأما لفظ: (فأهلَّ بِالْعُمْرَةِ ثمَّ أهلَّ بِالْحَجِّ) فَهُوَ مَحْمُول على التَّلْبِيَة فِي أثْنَاء الْإِحْرَام وَلَيْسَ المُرَاد أَنه أحرم أول مرّة بِالْعُمْرَةِ ثمَّ أحرم بِالْحَجِّ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى مُخَالفَة الْأَحَادِيث الْأُخَر، وَيُؤَيّد هَذَا التَّأْوِيل لفظ: وتمتع النَّاس مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَعْلُوم أَنهم أَحْرمُوا أَولا بِالْحَجِّ مُفردا، وَإِنَّمَا فسخوا إِلَى الْعمرَة آخرا وصاروا متمتعين. وَقَوله: (فتمتع النَّاس) يَعْنِي: فِي آخر أَمرهم قلت: هَذَا الحَدِيث أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه الْكُبْرَى) من حَدِيث اللَّيْث عَن عقيل إِلَى آخِره نَحوه، ثمَّ قَالَ: وَقد روينَا عَن عَائِشَة وَابْن عمر مَا يُعَارض هَذَا، وَهُوَ الْإِفْرَاد، وَحَيْثُ لم يتَحَلَّل
من إِحْرَامه إِلَى آخر شَيْء فَفِيهِ دلَالَة على أَنه لم يكن مُتَمَتِّعا. قلت: هَذَا لَا يرد على فُقَهَاء الْكُوفَة لِأَن عِنْدهم الْمُتَمَتّع إِذا أهْدى لَا يتَحَلَّل حَتَّى يفرغ من حجه، وَهَذَا الحَدِيث أَيْضا يَنْفِي كَونه مُفردا لِأَن الْهَدْي لَا يمْنَع الْمُفْرد من الْإِحْلَال فَهُوَ حجَّة على الْبَيْهَقِيّ. وَفِي (الاستذكار) : لَا يَصح عندنَا أَن يكون مُتَمَتِّعا إلَاّ تمتّع قرَان، لِأَنَّهُ لَا خلاف بَين الْعلمَاء أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يتَحَلَّل من عمرته، وَأقَام محرما من أجل هَدْيه، وَهَذَا حكم الْقَارِن لَا الْمُتَمَتّع، وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) لأبي الْحسن الأشبيلي: وَلَا يَصح عِنْدِي أَن يكون، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مُتَمَتِّعا إلَاّ تمتّع قرَان، لِأَنَّهُ لَا خلاف أَنه لم يحل من عمرته حَتَّى أَمر أَصْحَابه أَن يحلوا ويفسخوا حجهم فِي عمْرَة، وَفسخ الْحَج فِي الْعمرَة خص بِهِ أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَا يجوز الْيَوْم أَن يفعل ذَلِك عِنْد أَكثر الصَّحَابَة وَغَيرهم لقَوْله تَعَالَى: {وَأَتمُّوا الْحَج} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . يَعْنِي لمن دخل فِيهِ، وَمَا أعلم من الصَّحَابَة من يُجِيز ذَلِك إلَاّ ابْن عبَّاس، وَتَابعه أَحْمد وَدَاوُد دون سَائِر الْفُقَهَاء، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً، فِي: بَاب التَّمَتُّع وَالْقرَان. قَوْله: (فساق مَعَه الْهَدْي من ذِي الحليفة) وَهُوَ الْمِيقَات. قَوْله: (وَبَدَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأهل بِالْحَجِّ) ، قَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا يُرِيد أَنه بَدَأَ حِين أَمرهم بالتمتع أَن يهلوا بِالْعُمْرَةِ أول، ويقدموها قبل الْحَج، وَأَن ينشؤا الْحَج بعْدهَا إِذا حلوا مِنْهَا. قَوْله: (وبالصفا والمروة) ، ظَاهر فِي وجوب السَّعْي. قَوْله: (فتمتع النَّاس مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: بِحَضْرَتِهِ. قَوْله: (وليقصر) على صُورَة أَمر الْغَائِب، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (وَيقصر) ، على صُورَة الْمُضَارع، وَقَالَ الْكرْمَانِي، بِالرَّفْع والجزم. قلت: وَجه الرّفْع أَن يكون الْمُضَارع على أَصله لتجرده عَن النواسخ، وَالتَّقْدِير: وَبعد الطّواف بِالْبَيْتِ وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة يقصر، من التَّقْصِير، وَهُوَ أَخذ بعض شعر رَأسه. وَوجه الْجَزْم أَن يكون عطفا على المجزوم قبله، وَيكون فِي التَّقْدِير: وليقصر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لِمَ خصص التقصيرَ والحلقُ جَائِز بل أفضل؟ وَأجَاب: بِأَنَّهُ أمره بذلك ليبقى لَهُ شعر يحلقه فِي الْحَج، فَإِن الْحلق فِي تحلل الْحَج أفضل مِنْهُ فِي تحلل الْعمرَة. قَوْله: (وليحلل) ، صورته أَمر، وَمَعْنَاهُ الْخَبَر يَعْنِي صَار: حَلَالا، فَلهُ فعل كل مَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ فِي الْإِحْرَام. قَوْله: (ثمَّ ليهل بِالْحَجِّ) أَي: بعد تَقْصِيره وتحلله يحرم بِالْحَجِّ، وَإِنَّمَا أَتَى بِلَفْظ: ثمَّ، الدَّال على التَّرَاخِي ليدل على أَنه لَا يلْزم أَن يهل بِالْحَجِّ عقيب إحلاله من الْعمرَة. قَوْله: (فَمن لم يجد هَديا) أَي: لم يجده هُنَاكَ، إِمَّا لعدم الْهَدْي، وَإِمَّا لعدم ثمنه، وَإِمَّا لكَونه يُبَاع بِأَكْثَرَ من ثمن الْمثل. قَوْله: (فليصم ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج) ، وَهُوَ الْيَوْم السَّابِع من ذِي الْحجَّة، وَالثَّامِن وَالتَّاسِع. قَوْله: (وَسَبْعَة) أَي: وليصم سَبْعَة (أَيَّام إِذا رَجَعَ إِلَى أَهله) بِظَاهِرِهِ أَخذ الشَّافِعِي، لِأَن المُرَاد حَقِيقَة الرُّجُوع، وَقَالَ أَصْحَابنَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَسَبْعَة إِذا رجعتم} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . مَعْنَاهُ: إِذا فَرَغْتُمْ من أَفعَال الْحَج، والفراغ سَبَب الرُّجُوع، فَأطلق الْمُسَبّب على السَّبَب، فَلَو صَامَ هَذِه السَّبْعَة بِمَكَّة فَإِنَّهُ يجوز عندنَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز إلَاّ أَن يَنْوِي الْإِقَامَة بهَا، فَإِن لم يصم الثَّلَاثَة فِي الْحَج إِلَى يَوْم النَّحْر تعين الدَّم، فَلَا يجوز أَن يَصُوم الثَّلَاثَة وَلَا السَّبْعَة بعْدهَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: يَصُوم الثَّلَاثَة بعد هَذِه الْأَيَّام: يَعْنِي أَيَّام التَّشْرِيق. وَقَالَ مَالك: يصومها فِي هَذِه الْأَيَّام. قُلْنَا: النَّهْي الْمَعْرُوف عَن صَوْم هَذِه الْأَيَّام، وَلَا يُؤدى بعْدهَا أَيْضا لِأَن الْهَدْي أصل وَقد نقل حكمه إِلَى بدل مَوْصُوف بِصفة، وَقد فَاتَت، فَعَاد الحكم إِلَى الأَصْل وَهُوَ الْهَدْي. وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) للأشبيلي: وَوقت هَذَا الصَّوْم من حِين يحرم بِالْحَجِّ إِلَى آخر أَيَّام التَّشْرِيق، وَالِاخْتِيَار تَقْدِيمه فِي أول الْإِحْرَام، رَوَاهُ ابْن الْجلاب، وَإِنَّمَا اخْتَار تَقْدِيمه لتعجيل إِبْرَاء الذِّمَّة، وَلِأَنَّهُ وَقت مُتَّفق على جَوَاز الصَّوْم فِيهِ، فَإِن فَاتَهُ ذَلِك قبل يَوْم النَّحْر صَامَهُ أَيَّام منى، فَإِن لم يصم أَيَّام منى صَامَ بعْدهَا. قَالَه عَليّ وَابْن عمر وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، وَرُوِيَ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح أَنه أجَاز للمتمتع أَن يَصُوم فِي الْعشْر وَهُوَ حَلَال. وَقَالَ مُجَاهِد وطاووس: إِذا صامهن فِي أشهر الْحَج أَجزَأَهُ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ شَاذان. وَقَالَ أَبُو بكر الْجَصَّاص فِي (أَحْكَام الْقُرْآن) : اخْتلف السّلف فِيمَن لم يجد الْهَدْي وَلم يصم الْأَيَّام الثَّلَاثَة قبل يَوْم النَّحْر، فَقَالَ عمر بن الْخطاب وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم وطاووس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: لَا يجْزِيه إلَاّ الْهَدْي، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَقَالَ ابْن عمر وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يَصُوم أَيَّام منى، وَهُوَ قَول مَالك. وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يَصُوم بعد أَيَّام التَّشْرِيق، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. انْتهى. فَإِن قلت: روى البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّوْم من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة وَعَن سَالم عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قَالَا: لم
يرخص فِي أَيَّام التَّشْرِيق أَن يضمن إلَاّ لمن لم يجد الْهَدْي، وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي الْمُتَمَتّع: إِذا لم يجد الْهَدْي وَلم يصم فِي الْعشْر أَنه يَصُوم أَيَّام التَّشْرِيق، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي سنَنه؟ قلت: رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِن هَذِه الْأَيَّام أَيَّام أكل وَشرب، وَأَرَادَ بِهَذِهِ الْأَيَّام أَيَّام التَّشْرِيق، مِنْهُم عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرج حَدِيثه الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد حسن عَنهُ، أَنه قَالَ: (خرج مُنَادِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَيَّام التَّشْرِيق فَقَالَ: إِن هَذِه الْأَيَّام أَيَّام وَأكل وَشرب) . وَقد أخرج الطَّحَاوِيّ أَحَادِيث نهي الصَّوْم فِي أَيَّام التَّشْرِيق عَن سِتَّة عشر نفسا من الصَّحَابَة ذَكَرْنَاهُمْ فِي (شرحنا لمعاني الْآثَار) للطحاوي، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لما ثَبت بِهَذِهِ الْآثَار عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النَّهْي عَن صِيَام أَيَّام التَّشْرِيق، وَكَانَ نَهْيه عَن ذَلِك بمنى والحاج مقيمون بهَا وَفِيهِمْ المتمتعون والقارنون، وَلم يسْتَثْن مِنْهُم مُتَمَتِّعا، وَلَا قَارنا، دخل فِيهِ المتمتعون والقارنون فِي ذَلِك النَّهْي. وَأما الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ سَالم عَن أَبِيه مَرْفُوعا فَهُوَ ضَعِيف، وَفِي سَنَده يحيى بن سَلام نزيل مصر، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف، وَفِيه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى فِيهِ مقَال، وَذكر الطَّحَاوِيّ عَن شُعْبَة أَن حَدِيث يحيى بن سَلام حَدِيث مُنكر لَا يُثبتهُ أهل الْعلم بالرواية لضعف يحيى بن سَلام وَابْن أبي ليلى وَسُوء حفظهما. قَوْله: (فَطَافَ حِين قدم مَكَّة) أَي: فَطَافَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَصرح بِهِ هَكَذَا فِي (صَحِيح مُسلم) قَوْله: (واستلم الرُّكْن أول شَيْء) أَي: اسْتَلم الْحجر الْأسود أول مَا قدم قبل أَن يبتديء بِشَيْء. قَوْله: (ثمَّ خب) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة أَي أسْرع فِي الثَّلَاثَة الأول من الأطواف، وَرمل. قَوْله: (وَمَشى أَرْبعا) أَي: أَربع مَرَّات أَرَادَ أَنه لم يرمل فِي بَقِيَّة الأطواف، وَهِي الْأَرْبَعَة. قَوْله: (فَرَكَعَ حِين قضى طَوَافه بِالْبَيْتِ عِنْد الْمقَام رَكْعَتَيْنِ) أَي: لما فرغ من أطوافه السَّبْعَة صلى عِنْد مقَام إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، رَكْعَتَيْنِ وَقضى بِمَعْنى: أدّى، وَرَكْعَتَيْنِ مَنْصُوب بقوله: فَرَكَعَ. قَوْله: (ثمَّ سلم) أَي: عقيب الرَّكْعَتَيْنِ فَانْصَرف وأتى الصَّفَا، فَظَاهر الْكَلَام أَنه حِين فرغ من الرَّكْعَتَيْنِ توجه إِلَى الصَّفَا وَلم يشْتَغل بِشَيْء آخر. وَحَدِيث جَابر الطَّوِيل عِنْد مُسلم: (ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْحجر فاستلمه، ثمَّ خرج من بَاب الصَّفَا) . قَوْله: (حِين قضى حجه) أَي: بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَة لِأَنَّهُ من أَرْكَان الْحَج وبرمي الجمرات ونحره هَدْيه يَوْم النَّحْر. قَوْله: (وأفاض) أَي: بعد الْإِتْيَان بِهَذِهِ الْأَفْعَال أَفَاضَ إِلَى الْبَيْت فَطَافَ بِهِ طواف الْإِفَاضَة. قَوْله: (وَفعل مثل مَا فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) كلمة: مَا، مَصْدَرِيَّة أَي: مثل فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وفاعل: فعل، هُوَ قَوْله: (من أهْدى) يَعْنِي: مِمَّن كَانَ مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وسَاق الْهَدْي، وَكلمَة: من، فِي من النَّاس للتَّبْعِيض لِأَن كل من كَانُوا لم يسوقوا الْهَدْي، وَقَائِل هَذَا الْكَلَام أَعنِي قَوْله: وَفعل ... إِلَى آخِره، هُوَ عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ بَعضهم: وَأغْرب الْكرْمَانِي فشرحه على أَن فَاعل فعل هُوَ ابْن عمر رَاوِي الْخَبَر. قلت: لم يشْرَح الْكرْمَانِي بِهَذَا الشَّرْح إلَاّ بِنَاء على النُّسْخَة الَّتِي فِيهَا: بَاب من أهْدى وسَاق الْهَدْي على مَا نذكرهُ الْآن، وَلِهَذَا قَالَ: وَالصَّحِيح هُوَ الأول، يَعْنِي: أَن فَاعل: فعل، هُوَ قَوْله: (من أهْدى) .
وَعَنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أخْبَرَتْهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي تَمَتُّعِهِ بِالعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أخبرَني سَالِمٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
هَذَا عطف على قَوْله: عَن سَالم بن عبد الله أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ مقول ابْن شهَاب، وَهَذِه هِيَ النُّسْخَة الصَّحِيحَة، وَالنُّسْخَة الَّتِي وَقع فِيهَا لفظ: بَاب بَين قَوْله: (وَفعل مثل مَا فعل رَسُول لله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَبَين قَوْله: (من أهل وسَاق الْهَدْي من النَّاس) ، وَصورتهَا: بَاب من أهل وسَاق الْهَدْي وَعَن عُرْوَة أَن عَائِشَة أخْبرته إِلَى آخِره، وَهَذَا خطأ فَاحش، ونسبت هَذِه رِوَايَة إِلَى أبي الْوَقْت وَالظَّاهِر أَنه من تخبيط النَّاسِخ.
وَقد أخرجه مُسلم مثل النُّسْخَة الصَّحِيحَة حَيْثُ قَالَ: حَدثنِي عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث حَدثنِي أبي عَن جدي، قَالَ: حَدثنِي عقيل بن خَالِد عَن ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله أَن عبد الله بن عمر، قَالَ: تمتّع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج، وَسَاقه إِلَى أَن قَالَ: وأفاض فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثمَّ حل من كل شَيْء حرم فِيهِ، وَفعل مثل مَا فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أهْدى فساق الْهَدْي من النَّاس. ثمَّ قَالَ: وحدثنيه عبد الْملك بن شُعَيْب يَعْنِي ابْن اللَّيْث، قَالَ: حَدثنِي