«كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثِ مِنًى، فَرَخَّصَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧١٩

الحديث رقم ١٧١٩ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يأكل من البدن وما يتصدق.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منى…

«كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثِ مِنًى، فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ فَقَالَ: كُلُوا وَتَزَوَّدُوا، فَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا،

⦗١٧٣⦘

قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَقَالَ: حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: لَا».

سند حديث: ١٧١٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ : حَدَّثَنَا…

١٧١٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ : حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : حَدَّثَنَا عَطَاءٌ : سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح حديث: «كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منى…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٧١٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان البصريُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (حَدَّثَنَا عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، أنَّه (سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ ( يَقُولُ: كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثِ مِنًى) بإضافة «ثلاث» إلى «منًى» أي: الأيَّام الثَّلاثة التي يُقام بها بمنًى (١)، وهي الأيَّام المعدودات، وقال في «المصابيح»: والأصل: ثلاثِ ليالي منًى كما في قولهم: حَبُّ رُمَّان زيدٍ؛ فإنَّ القصد (٢) إضافة الحبِّ المختصِّ بكونه للرُّمَّان إلى زيدٍ، ومثله: ابن قيسِ الرُّقيَّات؛ فإنَّ المتلبَّس بالرُّقيَّات ابن قيسٍ، لا قيسٌ، قال الشَّيخ سعد الدِّين التَّفتازانيُّ: وتحقيقه أنَّ مُطلَق الحبِّ مضافٌ إلى الرُّمَّان، والحبُّ المقيَّد بالإضافة إلى الرُّمَّان مضافٌ (٣) إلى زيدٍ، قال الدَّمامينيُّ: وفيه نظرٌ، فتأمَّله (فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ فَقَالَ: كُلُوا وَتَزَوَّدُوا، فَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا) قال ابن جريجٍ: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَقَالَ) جابرٌ: (حَتَّى جِئْنَا المَدِينَةَ؟ قَالَ) عطاءٌ: (لَا) أي: لم يقل جابرٌ: «حتَّى جئنا المدينة»، ووقع في «مسلمٍ»: «نعم» بدل قوله: «لا»، وجُمِع بينهما بالحمل على أنَّه نسي، فقال: لا، ثمَّ تذكَّر، فقال: نعم.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قَوْله: (ليشهدوا) ، أَي: ليحضروا مَنَافِع لَهُم مُخْتَصَّة بِهَذِهِ الْعِبَادَة من أُمُور الدّين وَالدُّنْيَا، وَقيل: الْمَنَافِع التِّجَارَة، وَقيل: الْعَفو وَالْمَغْفِرَة. قَوْله: (فِي أَيَّام مَعْلُومَات) ، يَعْنِي: عشر ذِي الْحجَّة، وَقيل: تِسْعَة أَيَّام من الْعشْر، وَقيل: يَوْم الْأَضْحَى وَثَلَاثَة أَيَّام بعده، وَقيل: أَيَّام التَّشْرِيق، وَقيل: إِنَّهَا خَمْسَة أَيَّام أَولهَا يَوْم التَّرويَة: وَقيل: ثَلَاثَة أَيَّام أَولهَا يَوْم عَرَفَة، وَالذكر هَهُنَا يدل على التَّسْمِيَة على مَا نحر لقَوْله: {على مَا رزقهم من بَهِيمَة الْأَنْعَام} (الْحَج: ٨٢ و ٤٣) . يَعْنِي: الْهَدَايَا والضحايا من الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم والبهيمة، مُبْهمَة فِي كل ذَات أَربع فِي الْبر وَالْبَحْر، فبينت بالأنعام، وَهِي الْإِبِل وَالْبَقر والضأن والمعز. قَوْله: (فَكُلُوا مِنْهَا) الْأَمر بِالْأَكْلِ مِنْهَا أَمر إِبَاحَة لِأَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا لَا يَأْكُلُون من نِسَائِكُم، وَيجوز أَن يكون ندبا لما فِيهِ من مواساة الْفُقَرَاء ومساواتهم، وَاسْتِعْمَال التَّوَاضُع. قَوْله: (وأطعموا البائش) ، أَي: الَّذِي أَصَابَهُ بؤس، أَي: شدَّة الْفقر، وَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنه لَيْسَ بِوَاجِب، قَوْله: (ثمَّ ليقضوا تفثهم) ، قَالَ عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: التفث، حلق الرَّأْس وَأخذ الشَّارِب ونتف الْإِبِط وَحلق الْعَانَة وقص الْأَظْفَار وَالْأَخْذ من العارضين وَرمي الْجمار وَالْوُقُوف بِعَرَفَة، وَقيل: مَنَاسِك الْحَج، والتفث فِي الأَصْل: الْوَسخ والقذارة من طول الشّعْر والأظفار والشعث، وقضاؤه نقضه، وإذهابه. وَقَالَ الزّجاج: أهل اللُّغَة لَا يعْرفُونَ التفث إلَاّ من التَّفْسِير، وَكَأَنَّهُ الْخُرُوج من الْإِحْرَام إِلَى الْإِحْلَال. قَوْله: (وليوفوا نذورهم) ، أَي: نذور الْحَج وَالْهَدْي، وَمَا ينذر الْإِنْسَان من أَعمال الْبر فِي حجهم. قَوْله: (وليطوفوا) ، أَرَادَ الطّواف الْوَاجِب وَهُوَ طواف الْإِفَاضَة، والزيارة الَّذِي يُطَاف بعد الْوُقُوف، أما يَوْم النَّحْر أَو بعده. قَوْله: (بِالْبَيْتِ الْعَتِيق) أَي: بِالْكَعْبَةِ، سمي الْعَتِيق لقدمه أَو لِأَنَّهُ أعتق من أَيدي الْجَبَابِرَة، فَلم يصلوا إِلَى تخريبه، فَلم يظْهر عَلَيْهِ جَبَّار وَلم يُسَلط عَلَيْهِ إلَاّ من يعظمه ويحترمه، وَقيل: لِأَنَّهُ لم يملك قطّ. وَقيل: لِأَن أعتق من الْغَرق يَوْم الطوفان.

٤٢١ - (بابُ مَا يأكُلُ مِنَ الْبُدْنِ ومَا يَتَصَدَّقُ)

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ بَيَان مَا يَأْكُل صَاحب الْهَدْي من الْبدن وَمَا يتَصَدَّق مِنْهَا أَرَادَ مَا يجوز لَهُ الْأكل، وَمَا يجب عَلَيْهِ أَن يتَصَدَّق، وَفِي بعض النّسخ: بَاب مَا يُؤْكَل، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: بَاب فِي بَيَان مَا يجوز الْأكل مِنْهَا وَمَا يتَصَدَّق مِنْهَا، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا على هَذِه النُّسْخَة.

وقَالَ عُبَيْدُ الله أخبَرَني نافِعٌ عَنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما لَا يُؤْكَلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ والنَّذْرِ ويْؤْكَلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة عَن ابْن نمير عَنهُ بِمَعْنَاهُ. قَالَ: (إِذا عطبت الْبَدنَة أَو كسرت أكل مِنْهَا صَاحبهَا وَلم يبدلها إلَاّ أَن تكون نذرا أَو جَزَاء صيد) . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق الْقطَّان عَن عبيد الله بِلَفْظ التَّعْلِيق الْمَذْكُور. قَوْله: (لَا يُؤْكَل) أَي: لَا يَأْكُل الْمَالِك من الَّذِي جعله جَزَاء لصيد الْحرم، وَلَا من الْمَنْذُور، بل يجب التَّصَدُّق بهما. وَبِه قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة، وَهُوَ قَول مَالك، وَزَاد: (إلَاّ فديَة الْأَذَى) ، وَعَن أَحْمد: لَا يُؤْكَل إلَاّ من هدي التَّطَوُّع والمتعة وَالْقرَان، وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا، بِنَاء على أَن دم التَّمَتُّع وَالْقرَان دم نسك لَا دم جبران، وَذكر ابْن الْمَوَّاز عَن مَالك أَنه يَأْكُل من الْهَدْي النّذر، إلَاّ أَن يكون نَذره للْمَسَاكِين، وَكَذَلِكَ مَا أخرجه بِمَعْنى الصَّدَقَة لَا يَأْكُل مِنْهُ، وَكَانَ الْأَوْزَاعِيّ يكره أَن يَأْكُل من جَزَاء الصَّيْد أَو فديَة أَو كَفَّارَة، وَيَأْكُل النذور وهدي التَّمَتُّع والتطوع. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَاخْتلف أهل الْعلم فِي هدي التَّطَوُّع إِذا عطب قبل مَحَله، فَقَالَت طَائِفَة: صَاحبه مَمْنُوع من الْأكل مِنْهُ، رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، ورخصت طَائِفَة فِي الْأكل مِنْهُ، رُوِيَ ذَلِك عَن عَائِشَة وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.

أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: يَأْكُل من جَزَاء الصَّيْد وَالنّذر، وَيطْعم من الْمُتْعَة أَي من الْهَدْي الَّذِي يُسمى بِدَم التَّمَتُّع الْوَاجِب على الْمُتَمَتّع، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَنهُ، وروى سعيد بن مَنْصُور من وَجه آخر عَن عَطاء:

لَا يُؤْكَل من جَزَاء الصَّيْد وَلَا مِمَّا جعل للْمَسَاكِين من النذور وَغير ذَلِك، وَلَا من الْفِدْيَة، ويؤكل مَا سوى ذَلِك، وروى عبد بن حميد من وَجه آخر عَنهُ: أَن شَاءَ أكل الْهَدْي وَالْأُضْحِيَّة، وَإِن شَاءَ لم يَأْكُل.

٩١٧١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ حَدثنَا عَطَاءٌ سَمِعَ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُوُل كُنَّا لَا نأكُل من لُحُومِ بُدْنِنا فَوقَ ثَلاث مِنًى فرخَّصَ لنا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ كُلُوا وتَزَوَّدُوا فأكلْنا وتَزَوَّدْنا قُلْتُ لِعَطَاءِ أقالَ حَتَّى جِئنَا المَدِينَةَ قَالَ لَا..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كلوا وتزودوا. .) إِلَخ. وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان الْبَصْرِيّ، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح الْمَكِّيّ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْأَضَاحِي عَن أبي بكر عَن عَليّ بن مسْهر وَعَن يحيى بن أَيُّوب عَن أَيُّوب عَن إِسْمَاعِيل بن علية وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن يحيى، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى وَعَن عمرَان بن يزِيد.

قَوْله: (فَوق ثَلَاث منى) بِإِضَافَة: ثَلَاث، إِلَى: منى، أَي: الْأَيَّام الثَّلَاثَة الَّتِي كُنَّا بمنى وَهِي الْأَيَّام المعدودات. قَوْله: (قلت لعطاء) ، الْقَائِل هُوَ ابْن جريج. قَوْله: (أقَال) ، الْهمزَة فِيهِ للاستفهام أَي: أقَال جَابر: حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَة، قَالَ جَابر: لَا يَعْنِي لم يقل جَابر حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَة، وَوَقع فِي مُسلم: (قَالَ: نعم) ، بدل قَوْله: (لَا) فروى مُسلم من حَدِيث ابْن جريج: (حَدثنِي عَطاء، قَالَ: سَمِعت جَابر بن عبد الله، يَقُول: كُنَّا لَا نَأْكُل من لُحُوم بدننا فَوق ثَلَاث، فأرخص لنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: كلوا وتزودوا) . قلت لعطاء: أقَال جَابر حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَة؟ قَالَ: نعم) . والتوفيق بَين قَوْله: (لَا) وَقَوله: (نعم) أَن يحمل على أَنه نسي، فَقَالَ: لَا، ثمَّ تذكر فَقَالَ: نعم، وَحَدِيث جَابر هَذَا يُخَالف مَا رَوَاهُ مُسلم (عَن عَليّ بن أبي طَالب: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَهَانَا أَن نَأْكُل من لُحُوم نسكنا بعد ثَلَاث) ، وَفِي لفظ: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد نهاكم أَن تَأْكُلُوا لُحُوم نسككم فَوق ثَلَاث لَيَال، فَلَا تَأْكُلُوا) وروى أَيْضا عَن ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يَأْكُل أحدكُم من لحم أضحيته فَوق ثَلَاث أَيَّام.

وَقَالَ القَاضِي: اخْتلف الْعلمَاء فِي الْأَخْذ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث، فَقَالَ قوم: يحرم إمْسَاك لُحُوم الْأَضَاحِي وَالْأكل مِنْهَا بعد ثَلَاث، وَأَن حكم التَّحْرِيم بَاقٍ، كَمَا قَالَه عَليّ وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَقَالَ جَمَاهِير الْعلمَاء: يُبَاح الْأكل والإمساك بعد الثَّلَاث، وَالنَّهْي مَنْسُوخ بِحَدِيث جَابر هَذَا وَغَيره، وَهَذَا من نسخ السّنة بِالسنةِ، وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ هُوَ نسخا بل كَانَ التَّحْرِيم لعِلَّة. فَلَمَّا زَالَت زَالَ التَّحْرِيم، وَتلك الْعلَّة هِيَ الدافة، وَكَانُوا منعُوا من ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام من أجل الدافة، فَلَمَّا زَالَت الْعلَّة الْمُوجبَة لذَلِك أَمرهم أَن يَأْكُلُوا ويدخروا. وروى مُسلم من حَدِيث مَالك عَن عبد الله بن أبي بكر عَن عبد الله بن وَاقد قَالَ نهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن أكل لُحُوم الضَّحَايَا بعد ثَلَاث. قَالَ عبد الله بن أبي بكر: فَذكرت ذَلِك لعمرة، فَقَالَت: صدق، سَمِعت عَائِشَة تَقول: دف أهل أَبْيَات من أهل الْبَادِيَة حَضْرَة الْأَضْحَى زمن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ادخروا ثَلَاثًا ثمَّ تصدقوا بِمَا بَقِي، فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك، قَالُوا: يَا رَسُول الله إِن النَّاس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويحملون فِيهَا الودك، فَقَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَمَا ذَاك؟ قَالُوا: نهيت أَن تُؤْكَل لُحُوم الضَّحَايَا بعد ثَلَاث. فَقَالَ: إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ من أجل الدافة الَّتِي دفت، فَكُلُوا وَادخرُوا وتصدقوا) . قَالَ أهل اللُّغَة: الدافة، بتَشْديد الْفَاء: قوم يَسِيرُونَ جَمِيعًا سيرا خَفِيفا من: دف يدف، بِكَسْر الدَّال. ودافة الْأَعْرَاب من يرد مِنْهُم الْمصر، وَالْمرَاد هُنَا: من ورد من ضعفاء الْأَعْرَاب للمواساة. وَقيل: كَانَ النَّهْي الأول للكراهة لَا للتَّحْرِيم، قَالَ هَؤُلَاءِ: وَالْكَرَاهَة بَاقِيَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا، وَلَكِن لَا يحرم. قَالُوا: وَلَو وَقع مثل تِلْكَ الْعلَّة الْيَوْم فدفت دافة واساهم النَّاس وحملوا على هَذَا مَذْهَب عَليّ وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَالصَّحِيح نسخ النَّهْي مُطلقًا، وَأَنه لم يبْق تَحْرِيم وَلَا كَرَاهَة فَيُبَاح الْيَوْم الادخار فَوق ثَلَاثَة، وَالْأكل إِلَى مَا شَاءَ لصريح حَدِيث جَابر، وَحَدِيث بُرَيْدَة أَيْضا يدل على ذَلِك. وَأخرجه مُسلم من حَدِيث عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، فزوروها، ونهيتكم عَن لُحُوم الْأَضَاحِي فَوق ثَلَاث، فأمسكوا مَا بدا لكم) الحَدِيث وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا.

وَاخْتلف فِي مِقْدَار مَا يُؤْكَل مِنْهَا وَمَا يتَصَدَّق، فَذكر عَلْقَمَة أَن ابْن

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٧١٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان البصريُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (حَدَّثَنَا عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، أنَّه (سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ ( يَقُولُ: كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثِ مِنًى) بإضافة «ثلاث» إلى «منًى» أي: الأيَّام الثَّلاثة التي يُقام بها بمنًى (١)، وهي الأيَّام المعدودات، وقال في «المصابيح»: والأصل: ثلاثِ ليالي منًى كما في قولهم: حَبُّ رُمَّان زيدٍ؛ فإنَّ القصد (٢) إضافة الحبِّ المختصِّ بكونه للرُّمَّان إلى زيدٍ، ومثله: ابن قيسِ الرُّقيَّات؛ فإنَّ المتلبَّس بالرُّقيَّات ابن قيسٍ، لا قيسٌ، قال الشَّيخ سعد الدِّين التَّفتازانيُّ: وتحقيقه أنَّ مُطلَق الحبِّ مضافٌ إلى الرُّمَّان، والحبُّ المقيَّد بالإضافة إلى الرُّمَّان مضافٌ (٣) إلى زيدٍ، قال الدَّمامينيُّ: وفيه نظرٌ، فتأمَّله (فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ فَقَالَ: كُلُوا وَتَزَوَّدُوا، فَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا) قال ابن جريجٍ: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَقَالَ) جابرٌ: (حَتَّى جِئْنَا المَدِينَةَ؟ قَالَ) عطاءٌ: (لَا) أي: لم يقل جابرٌ: «حتَّى جئنا المدينة»، ووقع في «مسلمٍ»: «نعم» بدل قوله: «لا»، وجُمِع بينهما بالحمل على أنَّه نسي، فقال: لا، ثمَّ تذكَّر، فقال: نعم.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قَوْله: (ليشهدوا) ، أَي: ليحضروا مَنَافِع لَهُم مُخْتَصَّة بِهَذِهِ الْعِبَادَة من أُمُور الدّين وَالدُّنْيَا، وَقيل: الْمَنَافِع التِّجَارَة، وَقيل: الْعَفو وَالْمَغْفِرَة. قَوْله: (فِي أَيَّام مَعْلُومَات) ، يَعْنِي: عشر ذِي الْحجَّة، وَقيل: تِسْعَة أَيَّام من الْعشْر، وَقيل: يَوْم الْأَضْحَى وَثَلَاثَة أَيَّام بعده، وَقيل: أَيَّام التَّشْرِيق، وَقيل: إِنَّهَا خَمْسَة أَيَّام أَولهَا يَوْم التَّرويَة: وَقيل: ثَلَاثَة أَيَّام أَولهَا يَوْم عَرَفَة، وَالذكر هَهُنَا يدل على التَّسْمِيَة على مَا نحر لقَوْله: {على مَا رزقهم من بَهِيمَة الْأَنْعَام} (الْحَج: ٨٢ و ٤٣) . يَعْنِي: الْهَدَايَا والضحايا من الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم والبهيمة، مُبْهمَة فِي كل ذَات أَربع فِي الْبر وَالْبَحْر، فبينت بالأنعام، وَهِي الْإِبِل وَالْبَقر والضأن والمعز. قَوْله: (فَكُلُوا مِنْهَا) الْأَمر بِالْأَكْلِ مِنْهَا أَمر إِبَاحَة لِأَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا لَا يَأْكُلُون من نِسَائِكُم، وَيجوز أَن يكون ندبا لما فِيهِ من مواساة الْفُقَرَاء ومساواتهم، وَاسْتِعْمَال التَّوَاضُع. قَوْله: (وأطعموا البائش) ، أَي: الَّذِي أَصَابَهُ بؤس، أَي: شدَّة الْفقر، وَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنه لَيْسَ بِوَاجِب، قَوْله: (ثمَّ ليقضوا تفثهم) ، قَالَ عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: التفث، حلق الرَّأْس وَأخذ الشَّارِب ونتف الْإِبِط وَحلق الْعَانَة وقص الْأَظْفَار وَالْأَخْذ من العارضين وَرمي الْجمار وَالْوُقُوف بِعَرَفَة، وَقيل: مَنَاسِك الْحَج، والتفث فِي الأَصْل: الْوَسخ والقذارة من طول الشّعْر والأظفار والشعث، وقضاؤه نقضه، وإذهابه. وَقَالَ الزّجاج: أهل اللُّغَة لَا يعْرفُونَ التفث إلَاّ من التَّفْسِير، وَكَأَنَّهُ الْخُرُوج من الْإِحْرَام إِلَى الْإِحْلَال. قَوْله: (وليوفوا نذورهم) ، أَي: نذور الْحَج وَالْهَدْي، وَمَا ينذر الْإِنْسَان من أَعمال الْبر فِي حجهم. قَوْله: (وليطوفوا) ، أَرَادَ الطّواف الْوَاجِب وَهُوَ طواف الْإِفَاضَة، والزيارة الَّذِي يُطَاف بعد الْوُقُوف، أما يَوْم النَّحْر أَو بعده. قَوْله: (بِالْبَيْتِ الْعَتِيق) أَي: بِالْكَعْبَةِ، سمي الْعَتِيق لقدمه أَو لِأَنَّهُ أعتق من أَيدي الْجَبَابِرَة، فَلم يصلوا إِلَى تخريبه، فَلم يظْهر عَلَيْهِ جَبَّار وَلم يُسَلط عَلَيْهِ إلَاّ من يعظمه ويحترمه، وَقيل: لِأَنَّهُ لم يملك قطّ. وَقيل: لِأَن أعتق من الْغَرق يَوْم الطوفان.

٤٢١ - (بابُ مَا يأكُلُ مِنَ الْبُدْنِ ومَا يَتَصَدَّقُ)

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ بَيَان مَا يَأْكُل صَاحب الْهَدْي من الْبدن وَمَا يتَصَدَّق مِنْهَا أَرَادَ مَا يجوز لَهُ الْأكل، وَمَا يجب عَلَيْهِ أَن يتَصَدَّق، وَفِي بعض النّسخ: بَاب مَا يُؤْكَل، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: بَاب فِي بَيَان مَا يجوز الْأكل مِنْهَا وَمَا يتَصَدَّق مِنْهَا، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا على هَذِه النُّسْخَة.

وقَالَ عُبَيْدُ الله أخبَرَني نافِعٌ عَنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما لَا يُؤْكَلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ والنَّذْرِ ويْؤْكَلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة عَن ابْن نمير عَنهُ بِمَعْنَاهُ. قَالَ: (إِذا عطبت الْبَدنَة أَو كسرت أكل مِنْهَا صَاحبهَا وَلم يبدلها إلَاّ أَن تكون نذرا أَو جَزَاء صيد) . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق الْقطَّان عَن عبيد الله بِلَفْظ التَّعْلِيق الْمَذْكُور. قَوْله: (لَا يُؤْكَل) أَي: لَا يَأْكُل الْمَالِك من الَّذِي جعله جَزَاء لصيد الْحرم، وَلَا من الْمَنْذُور، بل يجب التَّصَدُّق بهما. وَبِه قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة، وَهُوَ قَول مَالك، وَزَاد: (إلَاّ فديَة الْأَذَى) ، وَعَن أَحْمد: لَا يُؤْكَل إلَاّ من هدي التَّطَوُّع والمتعة وَالْقرَان، وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا، بِنَاء على أَن دم التَّمَتُّع وَالْقرَان دم نسك لَا دم جبران، وَذكر ابْن الْمَوَّاز عَن مَالك أَنه يَأْكُل من الْهَدْي النّذر، إلَاّ أَن يكون نَذره للْمَسَاكِين، وَكَذَلِكَ مَا أخرجه بِمَعْنى الصَّدَقَة لَا يَأْكُل مِنْهُ، وَكَانَ الْأَوْزَاعِيّ يكره أَن يَأْكُل من جَزَاء الصَّيْد أَو فديَة أَو كَفَّارَة، وَيَأْكُل النذور وهدي التَّمَتُّع والتطوع. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَاخْتلف أهل الْعلم فِي هدي التَّطَوُّع إِذا عطب قبل مَحَله، فَقَالَت طَائِفَة: صَاحبه مَمْنُوع من الْأكل مِنْهُ، رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، ورخصت طَائِفَة فِي الْأكل مِنْهُ، رُوِيَ ذَلِك عَن عَائِشَة وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.

أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: يَأْكُل من جَزَاء الصَّيْد وَالنّذر، وَيطْعم من الْمُتْعَة أَي من الْهَدْي الَّذِي يُسمى بِدَم التَّمَتُّع الْوَاجِب على الْمُتَمَتّع، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَنهُ، وروى سعيد بن مَنْصُور من وَجه آخر عَن عَطاء:

لَا يُؤْكَل من جَزَاء الصَّيْد وَلَا مِمَّا جعل للْمَسَاكِين من النذور وَغير ذَلِك، وَلَا من الْفِدْيَة، ويؤكل مَا سوى ذَلِك، وروى عبد بن حميد من وَجه آخر عَنهُ: أَن شَاءَ أكل الْهَدْي وَالْأُضْحِيَّة، وَإِن شَاءَ لم يَأْكُل.

٩١٧١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ حَدثنَا عَطَاءٌ سَمِعَ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُوُل كُنَّا لَا نأكُل من لُحُومِ بُدْنِنا فَوقَ ثَلاث مِنًى فرخَّصَ لنا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ كُلُوا وتَزَوَّدُوا فأكلْنا وتَزَوَّدْنا قُلْتُ لِعَطَاءِ أقالَ حَتَّى جِئنَا المَدِينَةَ قَالَ لَا..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كلوا وتزودوا. .) إِلَخ. وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان الْبَصْرِيّ، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح الْمَكِّيّ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْأَضَاحِي عَن أبي بكر عَن عَليّ بن مسْهر وَعَن يحيى بن أَيُّوب عَن أَيُّوب عَن إِسْمَاعِيل بن علية وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن يحيى، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى وَعَن عمرَان بن يزِيد.

قَوْله: (فَوق ثَلَاث منى) بِإِضَافَة: ثَلَاث، إِلَى: منى، أَي: الْأَيَّام الثَّلَاثَة الَّتِي كُنَّا بمنى وَهِي الْأَيَّام المعدودات. قَوْله: (قلت لعطاء) ، الْقَائِل هُوَ ابْن جريج. قَوْله: (أقَال) ، الْهمزَة فِيهِ للاستفهام أَي: أقَال جَابر: حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَة، قَالَ جَابر: لَا يَعْنِي لم يقل جَابر حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَة، وَوَقع فِي مُسلم: (قَالَ: نعم) ، بدل قَوْله: (لَا) فروى مُسلم من حَدِيث ابْن جريج: (حَدثنِي عَطاء، قَالَ: سَمِعت جَابر بن عبد الله، يَقُول: كُنَّا لَا نَأْكُل من لُحُوم بدننا فَوق ثَلَاث، فأرخص لنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: كلوا وتزودوا) . قلت لعطاء: أقَال جَابر حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَة؟ قَالَ: نعم) . والتوفيق بَين قَوْله: (لَا) وَقَوله: (نعم) أَن يحمل على أَنه نسي، فَقَالَ: لَا، ثمَّ تذكر فَقَالَ: نعم، وَحَدِيث جَابر هَذَا يُخَالف مَا رَوَاهُ مُسلم (عَن عَليّ بن أبي طَالب: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَهَانَا أَن نَأْكُل من لُحُوم نسكنا بعد ثَلَاث) ، وَفِي لفظ: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد نهاكم أَن تَأْكُلُوا لُحُوم نسككم فَوق ثَلَاث لَيَال، فَلَا تَأْكُلُوا) وروى أَيْضا عَن ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يَأْكُل أحدكُم من لحم أضحيته فَوق ثَلَاث أَيَّام.

وَقَالَ القَاضِي: اخْتلف الْعلمَاء فِي الْأَخْذ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث، فَقَالَ قوم: يحرم إمْسَاك لُحُوم الْأَضَاحِي وَالْأكل مِنْهَا بعد ثَلَاث، وَأَن حكم التَّحْرِيم بَاقٍ، كَمَا قَالَه عَليّ وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَقَالَ جَمَاهِير الْعلمَاء: يُبَاح الْأكل والإمساك بعد الثَّلَاث، وَالنَّهْي مَنْسُوخ بِحَدِيث جَابر هَذَا وَغَيره، وَهَذَا من نسخ السّنة بِالسنةِ، وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ هُوَ نسخا بل كَانَ التَّحْرِيم لعِلَّة. فَلَمَّا زَالَت زَالَ التَّحْرِيم، وَتلك الْعلَّة هِيَ الدافة، وَكَانُوا منعُوا من ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام من أجل الدافة، فَلَمَّا زَالَت الْعلَّة الْمُوجبَة لذَلِك أَمرهم أَن يَأْكُلُوا ويدخروا. وروى مُسلم من حَدِيث مَالك عَن عبد الله بن أبي بكر عَن عبد الله بن وَاقد قَالَ نهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن أكل لُحُوم الضَّحَايَا بعد ثَلَاث. قَالَ عبد الله بن أبي بكر: فَذكرت ذَلِك لعمرة، فَقَالَت: صدق، سَمِعت عَائِشَة تَقول: دف أهل أَبْيَات من أهل الْبَادِيَة حَضْرَة الْأَضْحَى زمن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ادخروا ثَلَاثًا ثمَّ تصدقوا بِمَا بَقِي، فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك، قَالُوا: يَا رَسُول الله إِن النَّاس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويحملون فِيهَا الودك، فَقَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَمَا ذَاك؟ قَالُوا: نهيت أَن تُؤْكَل لُحُوم الضَّحَايَا بعد ثَلَاث. فَقَالَ: إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ من أجل الدافة الَّتِي دفت، فَكُلُوا وَادخرُوا وتصدقوا) . قَالَ أهل اللُّغَة: الدافة، بتَشْديد الْفَاء: قوم يَسِيرُونَ جَمِيعًا سيرا خَفِيفا من: دف يدف، بِكَسْر الدَّال. ودافة الْأَعْرَاب من يرد مِنْهُم الْمصر، وَالْمرَاد هُنَا: من ورد من ضعفاء الْأَعْرَاب للمواساة. وَقيل: كَانَ النَّهْي الأول للكراهة لَا للتَّحْرِيم، قَالَ هَؤُلَاءِ: وَالْكَرَاهَة بَاقِيَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا، وَلَكِن لَا يحرم. قَالُوا: وَلَو وَقع مثل تِلْكَ الْعلَّة الْيَوْم فدفت دافة واساهم النَّاس وحملوا على هَذَا مَذْهَب عَليّ وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَالصَّحِيح نسخ النَّهْي مُطلقًا، وَأَنه لم يبْق تَحْرِيم وَلَا كَرَاهَة فَيُبَاح الْيَوْم الادخار فَوق ثَلَاثَة، وَالْأكل إِلَى مَا شَاءَ لصريح حَدِيث جَابر، وَحَدِيث بُرَيْدَة أَيْضا يدل على ذَلِك. وَأخرجه مُسلم من حَدِيث عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، فزوروها، ونهيتكم عَن لُحُوم الْأَضَاحِي فَوق ثَلَاث، فأمسكوا مَا بدا لكم) الحَدِيث وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا.

وَاخْتلف فِي مِقْدَار مَا يُؤْكَل مِنْهَا وَمَا يتَصَدَّق، فَذكر عَلْقَمَة أَن ابْن

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
أستغفر الله