«دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ يَعْنِي: إِنَّ لِزَوْرِكَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٧٤

الحديث رقم ١٩٧٤ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حق الضيف في الصوم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «دخل علي رسول الله ﷺ فذكر الحديث يعني: إن…

«دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ يَعْنِي: إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَقُلْتُ: وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟ قَالَ: نِصْفُ الدَّهْرِ.»

سند حديث: ١٩٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ : أَخْبَرَنَا…

١٩٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ : أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ : حَدَّثَنَا عَلِيٌّ : حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «دخل علي رسول الله ﷺ فذكر الحديث يعني: إن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُسْتَوْفًى. وَفِي حَدِيثَيِ الْبَابِ اسْتِحْبَابُ التَّنَفُّلِ بِالصَّوْمِ فِي كُلِّ شَهْرٍ، وَأَنَّ صَوْمَ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ إِلَّا مَا نُهِيَ عَنْهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَصُمِ الدَّهْرَ وَلَا قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ، وَكَأَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُقْتَدَى بِهِ فَيَشُقُّ عَلَى الْأُمَّةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْقُوَّةِ مَا لَوِ الْتَزَمَ ذَلِكَ لَاقْتَدَرَ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ سَلَكَ مِنَ الْعِبَادَةِ الطَّرِيقَةَ الْوُسْطَى: فَصَامَ وَأَفْطَرَ، وَقَامَ وَنَامَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْمُهَلَّبُ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْحَلِفُ عَلَى الشَّيْءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُنْكِرُهُ مُبَالَغَةً فِي تَأْكِيدِهِ فِي نَفْسِ السَّامِعِ.

٥٤ - بَاب حَقِّ الضَّيْفِ فِي الصَّوْمِ

١٩٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، يَعْنِي إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَقُلْتُ: وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟ قَالَ: نِصْفُ الدَّهْرِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ حَقِّ الضَّيْفِ فِي الصَّوْمِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَوْ قَالَ: حَقُّ الضَّيْفِ فِي الْفِطْرِ لَكَانَ أَوْضَحَ، لَكِنَّهُ كَانَ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ تَعْيِينُ الصَّوْمِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: مِنَ الصَّوْمِ، وَكَأَنَّ مَا تَرْجَمَ بِهِ أَخْصَرُ وَأَوْجَزُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: لَمْ يُنْسَبْ إِسْحَاقُ هَذَا عَنْد أَحَدٍ مِنْهُمْ.

قُلْتُ: لَكِنْ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بِأَنَّهُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ مُسْنَدِهِ ثُمَّ قَالَ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ ابْنَ رَاهْوَيْهِ لَا يَقُولُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ شُيُوخِهِ إِلَّا صِيغَةَ الْإِخْبَارِ، وَكَذَلِكَ هُوَ هُنَا، وَهَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ شَيْخُهُ هُوَ الْخَزَّازُ كَانَ تَاجِرًا صَدُوقًا لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثٍ آخَرَ فِي الِاعْتِكَافِ كِلَاهُمَا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَقَدْ أَخْرَجَ كُلًّا مِنَ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ.

قَوْلُهُ: (دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَفَسَّرَ الْبُخَارِيُّ الْمُرَادَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: يَعْنِي: إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا إِلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْحَدِيثِ، وَهُوَ عَلَى طَرِيقَةِ الْبُخَارِيِّ فِي جَوَازِ اخْتِصَارِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَوْرَدَهُ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَأَوْرَدَهُ قَرِيبًا مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْأَعْمَى مِنْ وَجْهَيْنِ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَأَبِي الْمَلِيحِ كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِالْحَدِيثِ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا، وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا، فَمِنْهُمْ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قِصَّةِ الصَّلَاةِ وَمِنْهُمْ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قِصَّةِ الصِّيَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ سَاقَ الْقِصَّةَ كُلَّهَا، وَلَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَحَدٍ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ عَنْهُ مَعَ كَثْرَةِ رِوَايَتِهِمْ عَنْهُ، وَسَأَذْكُرُ الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَأُنَبِّهُ عَلَى مَا فِي رِوَايَةِ كُلٍّ مِنْهُمْ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ سِوَى مَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَبْوَابِ التَّهَجُّدِ، وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ الضَّيْفِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ.

٥٥ - بَاب حَقِّ الْجِسْمِ فِي الصَّوْمِ

١٩٧٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي

أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِذن ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ. فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً. قَالَ: فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ ؟ قَالَ: نِصْفَ الدَّهْرِ. فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (بَابُ حَقِّ الْجِسْمِ فِي الصَّوْمِ) أَيْ: عَلَى الْمُتَطَوِّعِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَقِّ هُنَا الْمَطْلُوبُ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا، فَأَمَّا الْوَاجِبُ فَيَخْتَصُّ بِمَا إِذَا خَافَ التَّلَفَ، وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.

قَوْلُهُ: (أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ يَحْيَى: فَقُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَلَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلَّا الْخَيْرَ وَفِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: يَا ابْنَ أَخِي، إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَجْمَعْتُ عَلَى أَنْ أَجْتَهِدَ اجْتِهَادًا شَدِيدًا، حَتَّى قُلْتُ: لَأَصُومَنَّ الدَّهْرَ وَلَأَقْرَأَنَّ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ وَيَأْتِي فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: أَنْكَحَنِي أَبِي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَكَانَ يَتَعَاهَدُهَا، فَسَأَلَهَا عَنْ بَعْلِهَا فَقَالَتْ: نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ، لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا، وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُنْذُ أَتَيْنَاهُ. فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ فَقَالَ: لِيَ الْفَتَى. فَلَقِيتُهُ بَعْدُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، زَادَ النِّسَائِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ مُجَاهِدٍ فَوَقَعَ عَلَيَّ أَبِي فَقَالَ: زَوَّجْتُكَ امْرَأَةً فَعَضَلْتَهَا وَفَعَلْتَ وَفَعَلْتَ وَفَعَلْتَ.

قَالَ: فَلَمْ أَلْتَفِتْ إِلَى ذَلِكَ لِمَا كَانَتْ لِي مِنَ الْقُوَّةِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ فَقَالَ: أَلْقِنِي بِهِ، فَأَتَيْتُهُ مَعَهُ وَلِأَحْمَدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ فَشَكَانِي وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: ذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَوْمِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ، فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً وَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بَلَغَ النَّبِيَّ أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ وَأُصَلِّي اللَّيْلَ، فَإِمَّا أَرْسَلَ لِي وَإِمَّا لَقِيتُهُ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ عَمْرٌو تَوَجَّهَ بِابْنِهِ إِلَى النَّبِيِّ فَكَلَّمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ مَا يُرِيدُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَاهُ إِلَى بَيْتِهِ زِيَادَةً فِي التَّأْكِيدِ.

قَوْلُهُ: (فَلَا تَفْعَلْ) زَادَ بَعْدَ بَابَيْنِ: فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي كِتَابِ التَّهَجُّدِ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: إِنَّ لِكُلِّ عَامِلٍ شِرَّةً وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ: وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ لِعَيْنَيْكَ عَلَيْكَ حَقًّا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لِعَيْنِكَ بِالْإِفْرَادِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ لِزَوْرِكَ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْوَاوِ لِضَيْفِكَ، وَالزَّوْرُ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ، كَصَوْمٍ فِي مَوْضِعِ صَائِمٍ، وَنَوْمٍ فِي مَوْضِعِ نَائِمٍ، وَيُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى: زَوْرٌ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ زَوْرٌ جَمْعَ زَائِرٍ، كَرَكْبٍ جَمْعِ رَاكِبٍ، وَتَجْرٍ جَمْعِ تَاجِر، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ يَحْيَى: وَإِنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَزَادَ

النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَحْيَى: وَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَطُولَ بِكَ عُمُرٌ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا وَقَعَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْكِبَرِ وَالضَّعْفِ، كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ بِحَسْبِكَ) بِإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: كَافِيكَ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ يَحْيَى بِلَفْظِ: وَإِنَّ مِنْ حَسْبِكَ.

قَوْلُهُ: (أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فِي كُلِّ شَهْرٍ.

(فَإِذَنْ ذَلِكَ) هُوَ بِتَنْوِينِ إِذَنْ، وَهِيَ الَّتِي يُجَابُ بِهَا إِنْ وَكَذَا لَوْ صَرِيحًا أَوْ تَقْدِيرًا، وَإِنْ هُنَا مُقَدَّرَةٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ صُمْتَهَا فَإِذَنْ ذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ، وَرُوِيَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وَهِيَ لِلْمُفَاجَأَةِ، وَفِي تَوْجِيهِهَا هُنَا تَكَلُّفٌ.

قَوْلُهُ: (إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ) فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اخْتِصَارٌ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ حُسَيْنٍ الْمَذْكُورَةِ: فَصُمْ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَيَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْمَلِيحِ يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: خَمْسًا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: سَبْعًا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: تِسْعًا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِحْدَى عَشْرَةَ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ عِيَاضٌ عَلَى تَقْدِيمِ الْوِتْرِ عَلَى جَمِيعِ الْأُمُورِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عِيَاضٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: صُمْ يَوْمًا - يَعْنِي: مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ - وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ. قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: صُمْ وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ. قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ. قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: صُمْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ. قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.

قَالَ: صُمْ صَوْمَ دَاوُدَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَمَرَهُ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، ثُمَّ بِسِتَّةٍ ثُمَّ بِتِسْعَةٍ، ثُمَّ بِاثْنَيْ عَشَرَ ثُمَّ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، فَلَمَّا قَالَ: إِنَّهُ يُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ زَادَهُ بِالتَّدْرِيجِ إِلَى أَنْ وَصَلَهُ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَذَكَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْهُ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي دَاوُدَ فَلَمْ يَزَلْ يُنَاقِصُنِي وَأُنَاقِصُهُ وَوَقَعَ لِلنَّسَائِيِّ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: صُمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ وَهُوَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.

وَقَدِ اسْتُشْكِلَ قَوْلُهُ: صُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ مَعَ قَوْلِهِ: صُمْ من كُلَّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمَيْنِ وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ. . . إِلَخْ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الزِّيَادَةَ فِي الْعَمَلِ وَالنَّقْصَ مِنَ الْأَجْرِ، وَبِذَلِكَ تَرْجَمَ لَهُ النَّسَائِيُّ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّضْعِيفِ، قَالَ عِيَاضٌ: قَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى صُمْ يَوْمًا وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ أَيْ: مِنَ الْعَشَرَةِ، وَقَوْلُهُ: صُمْ يَوْمَيْنِ وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ أَيْ: مِنَ الْعِشْرِينَ، وَفِي الثَّلَاثَةِ مَا بَقِيَ مِنَ الشَّهْرِ، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ اسْتِبْعَادُ كَثْرَةِ الْعَمَلِ وَقِلَّةِ الْأَجْرِ، وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّ الْأَجْرَ إِنَّمَا اتَّحَدَ فِي كُلِّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ نِيَّتُهُ أَنْ يَصُومَ جَمِيعَ الشَّهْرِ، فَلَمَّا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ إِبْقَاءً عَلَيْهِ لِمَا ذُكِرَ فِي أَجْرِ نِيَّتِهِ عَلَى حَالِهِ سَوَاءٌ صَامَ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا كَمَا تَأَوَّلَهُ فِي حَدِيثِ: نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ أَيْ: إِنَّ أَجْرَهُ فِي نِيَّتِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَجْرِ عَمَلِهِ لِامْتِدَادِ نِيَّتِهِ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى عَمَلِهِ. انْتَهَى.

وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ ضَعِيفٌ، وَهُوَ فِي مُسْنَدِ الشِّهَابِ وَالتَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا إِجْرَاءَ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ كُلَّمَا ازْدَادَ مِنَ الصَّوْمِ ازْدَادَ مِنَ الْمَشَقَّةِ الْحَاصِلَةِ بِسَبَبِهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِتَفْوِيتِ بَعْضِ الْأَجْرِ الْحَاصِلِ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي قَدْ يُفَوِّتُهَا مَشَقَّةُ الصَّوْمِ فَيَنْقُصُ الْأَجْرُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ: صُمْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ يَرُدُّ الْحَمْلَ الْأَوَّلَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ - عَلَى سِيَاقِ التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ - أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَلَكَ أَجْرُ أَرْبَعِينَ، وَقَدْ قَيَّدَهُ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ بِالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ لَا يَكُونُ أَرْبَعِينَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِلَفْظِ: صُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا وَلَكَ أَجْرُ تِلْكَ التِّسْعَةِ ثُمَّ قَالَ فِيهِ: مِنْ كُلِّ تِسْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، وَلَكَ أَجْرُ تِلْكَ الثَّمَانِيَّةِ ثُمَّ قَالَ: مِنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والآخر: أشُمُّ (١) بضمِّها (مِسْكَةً وَلَا عَبِيرَةً) بالموحَّدة المكسورة والتَّحتيَّة السَّاكنة، والعبير (٢): طيبٌ معمولٌ من أخلاطٍ، ولابن عساكر: «ولا عنْبَرة» بنونٍ ساكنةٍ فمُوحَّدةٍ مفتوحةٍ: القطعة من العنبر المعروف (أَطْيَبَ رَائِحَةً مِنْ رَائِحَةِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ -كما في «الفتح» -: «من ريح» (رَسُولِ اللهِ ) فقد كان على أكمل الصِّفات خُلُقًا وخلقًا، فهو كلُّ الكمال، وجملة الجمال.

وفي حديثي الباب: أنَّه لم يَصُمِ الدَّهر، ولا قام كلَّ اللَّيل، ولعلَّه إنَّما ترك ذلك لئلَّا يُقتَدى به فيشقَّ على أمَّته وإن كان قد أُعِطي من القوَّة ما لو التزم ذلك لاقتدر عليه، لكنَّه سلك من العبادة الطَّريقة الوسطى فصام وأفطر وقام ونام ليقتدي به العابدون كثيرًا.

(٥٤) (بابُ حَقِّ الضَّيْفِ فِي الصَّوْمِ) أي: في صوم المضيف.

١٩٧٤ - وبه قال (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الخزَّاز (٣) قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) وفي نسخةٍ: «عليُّ بن المبارك» أي: الهُنَائيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ) هكذا أورده مختصرًا، ثمَّ ذكر ما يشهد لِمَا ترجم له (٤) فقال: (يَعْنِي: إِنَّ لِزَوْرِكَ) والزَّوْر (٥)؛ بفتح الزَّاي

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عقيب هَذَا، وَفِيه: (سَأَلت أنسا عَن صِيَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) فَذكر الحَدِيث ثمَّ أتم من طَرِيق مُحَمَّد بن جَعْفَر فَإِن قلت: قد ذكرنَا تقدم هَذَا الحَدِيث فِي الصَّلَاة فِي: بَاب قيام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ونومه. وَمَا نسخ من قيام اللَّيْل وَفِي آخِره، تَابعه سُلَيْمَان وَأَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن حميد، فَهَذَا يَقْتَضِي أَن سُلَيْمَان هَذَا غير أبي خَالِد للْعَطْف فِيهِ قلت: قَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن تكون الْوَاو زَائِدَة، وردَّينا عَلَيْهِ هُنَاكَ أَن زِيَادَة الْوَاو نادرة بِخِلَاف الأَصْل، سِيمَا الحكم بذلك بِالِاحْتِمَالِ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.

٣٧٩١ - حدَّثني مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرَنَا أَبُو خالِدٍ الأحْمَرُ قَالَ أخبرنَا حُمَيْدٌ قَالَ سألْتُ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنْ صِيَامِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ مَا كُنْتُ أُحِبُّ أنْ أرَاهُ مِنَ الشَّهْرِ صَائِما إلَاّ رأيْتُهُ ولَا مُفْطِرا إلَاّ رَأيْتُهُ ولَا مِنَ اللَّيْلِ قَائِما إلَاّ رَأيْتُهُ ولَا نَائِما إلَاّ رَأيْتُهُ وَلَا مَسِسْتُ خَزَّةً ولَا حَرِيرَةً ألْيَنَ مِنْ كَفِّ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولَا شَمَمْتُ مِسْكَةً ولَا عَبِيرَةً أطْيَبَ رَائِحَةً مِنْ رَائِحَةِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة مثل مَا تقدم فِي الحَدِيث السَّابِق، وَمُحَمّد شَيْخه هُوَ ابْن سَلام نَص عَلَيْهِ الْحَافِظ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) وَأَبُو خَالِد الْأَحْمَر هُوَ سُلَيْمَان بن حَيَّان. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة.

قَوْله: (أحب أَن أرَاهُ) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: مَا كنت أحب رُؤْيَته من الشَّهْر حَال كَونه صَائِما إلَاّ رَأَيْته. قَوْله: (وَلَا مفطر ا) أَي: وَلَا كنت أحب أَن أرَاهُ حَال كَونه مُفطرا، إلَاّ رَأَيْته. قَوْله: (وَلَا من اللَّيْل قَائِما) أَي: وَلَا كنت أحب أَن أرَاهُ من اللَّيْل حَال كَونه قَائِما إلَاّ رَأَيْته، وَكَذَلِكَ التَّقْدِير فِي قَوْله: (وَلَا نَائِما) من النّوم. قَوْله: (وَلَا مسست) ، بسينين مهملتين أولاهما مَكْسُورَة وَهِي اللُّغَة الفصيحة، وَحكى أَبُو عُبَيْدَة الْفَتْح، يُقَال: مسست الشَّيْء أمسه مسا: إِذا لمسته بِيَدِك، وَيُقَال: مست فِي مسست بِحَذْف السِّين الأولى، وتحويل كسرتها إِلَى الْمِيم، وَمِنْهُم من يقر فتحتها بِحَالِهَا فَيَقُول: مست، كَمَا يُقَال: ظلت فِي ظللت. قَوْله: (خزة) ، وَاحِدَة الْخَزّ. وَفِي الأَصْل: الْخَزّ، بِالْفَتْح وَتَشْديد الزَّاي: اسْم دَابَّة، ثمَّ سمي الثَّوْب الْمُتَّخذ من وبره خَزًّا، والواحدة مِنْهُ: خزة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْخَزّ الْمَعْرُوف أَولا ثِيَاب تنسج من صوف وإبريسم، وَهِي مباجة، وَقد لبسهَا الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، والتابعون، وَمِنْه النَّوْع الآخر وَهُوَ الْمَعْرُوف الْآن فَهُوَ حرَام لِأَن جَمِيعه مَعْمُول من الإبريسم، وَهُوَ المُرَاد من الحَدِيث. (قوم يسْتَحلُّونَ الْخَزّ وَالْحَرِير) . قَوْله: (وَلَا شممت) ، بِكَسْر الْمِيم الأولى، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَالْفَتْح لُغَة.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: اسْتِحْبَاب التَّنَفُّل بِاللَّيْلِ. وَفِيه: اسْتِحْبَاب التَّنَفُّل بِالصَّوْمِ فِي كل شهر وَأَن الصَّوْم النَّفْل مُطلق لَا يخْتَص بِزَمَان إِلَّا مَا نهي عَنهُ. وَفِيه: أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يصم الدَّهْر وَلَا قَامَ اللَّيْل كُله، وَإِنَّمَا ترك ذَلِك لِئَلَّا يقْتَدى بِهِ فَيشق على الْأمة، وَإِن كَانَ قد أعطي من الْقُوَّة مَا لَو الْتزم ذَلِك لاقتدر عَلَيْهِ، لكنه سلك من الْعِبَادَة الطَّرِيقَة الْوُسْطَى فصَام وَأفْطر وَأقَام ونام. وَأما طيب رَائِحَته، فَإِنَّمَا طيبها الرب عز وَجل لمباشرته الْمَلَائِكَة ولمناجاته لَهُم.

٤٥ - (بابُ حَقِّ الضِّيْفِ فِي الصِّوْمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حق الضَّيْف فِي الصَّوْم، والضيف يكون وَاحِدًا وجمعا، وَقد يجمع على الأضياف والضياف والضيوف والضيفان، وَالْمَرْأَة: ضيف وضيفة، وَيُقَال: ضفت الرجل: إِذا نزلت بِهِ فِي ضيافته، وأضفته إِذا أنزلته، وتضيفته إِذا نزلت بِهِ، وتضيفني إِذا أنزلني. وَفِي (الصِّحَاح) : أضفت الرجل وضيفته إِذا أنزلته بك ضيفا وقريته، وضفت الرجل ضِيَافَة إِذا نزلت عَلَيْهِ ضيفا، وَكَذَلِكَ تضيفته، والضيفن الَّذِي يَجِيء مَعَ الضَّيْف، وَالنُّون زَائِدَة، ووزنه: فعلن، وَلَيْسَ بفعيل، وَقيل: لَو قَالَ: حق الضَّيْف فِي الْفطر، لَكَانَ أوضح. قلت: الَّذِي قَالَه البُخَارِيّ أصوب وَأحسن، لِأَن الضَّيْف لَيْسَ لَهُ تصرف فِي فطر المضيف، بل تصرفه فِي صَوْمه بِأَن يتْركهُ لأَجله، فيتعني لَهُ الطّلب فِيهِ، فحقه إِذا فِي الصَّوْم لَا فِي الْفطر.

٤٧٩١ - حدَّثنا إسْحاقُ قَالَ أخبرنَا هارُونُ بنُ إسْماعِيلَ قَالَ حدَّثنا عَلِيُّ قَالَ حدَّثنا يَحْيى

قَالَ حدَّثني أبُو سلَمَةَ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فذَكَرَ الحَدِيثَ يَعْنِي إنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقَّا وإنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقّا فقُلْتُ وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ قَالَ نِصْفُ الدَّهْرِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِن لزورك عَلَيْك حَقًا) ، والزور، هُوَ الضَّيْف.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق، قَالَ الغساني: لم ينْسبهُ أَبُو نصر وَلَا غَيره من شُيُوخنَا، وَذكر أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) بِأَنَّهُ ابْن رَاهَوَيْه، لِأَنَّهُ أخرجه فِي مُسْنده عَن أبي أَحْمد: حَدثنَا ابْن شبرويه حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أخبرنَا هَارُون بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا عَليّ بن الْمُبَارك. انْتهى، وَإِسْحَاق إِبْنِ إِبْرَاهِيم هُوَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، ثمَّ قَالَ: أخرجه البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق. الثَّانِي: هَارُون بن إِسْمَاعِيل أَبُو الْحسن الخزاز. الثَّالِث: عَليّ بن الْمُبَارك الْهنائِي. الرَّابِع: يحيى بن أبي كثير. الْخَامِس: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن. السَّادِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن هَارُون بن إِسْمَاعِيل لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ حديثان: أَحدهمَا، هَذَا وَالْآخر فِي الِاعْتِكَاف، كِلَاهُمَا من رِوَايَته عَن عَليّ بن الْمُبَارك. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مروزي وَهَارُون وَعلي بصريان وَيحيى طائي ويمامي وَأَبُو سَلمَة مدنِي.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّوْم وَفِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن الْأَوْزَاعِيّ، وَفِي الْأَدَب عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن روح بن عبَادَة عَن حُسَيْن الْمعلم، ثَلَاثَتهمْ عَن يحيى بن أبي كثير عَنهُ بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن روح بِهِ وَعَن عبد الله بن الرُّومِي، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يحيى بن درست وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن حميد بن مسْعدَة وَعَن أَحْمد بن بكار.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (دخل عَليّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) فَذكر الحَدِيث هَكَذَا أوردهُ هَهُنَا مُخْتَصرا، وَذكر مَا يُطَابق التَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: (فَقَالَ إِن لزورك عَلَيْك حَقًا) والزور الضَّيْف وَالرجل يَأْتِيهِ زائر الْوَاحِد والإثنان وَالثَّلَاثَة، والمذكر والمؤنث فِي ذَلِك بِلَفْظ وَاحِد، يُقَال: هَذَا رجل زور ورجلان زور وَقوم زور وَامْرَأَة زور، فَيُؤْخَذ فِي كل مَوضِع مَا يلائمه لِأَنَّهُ فِي الأَصْل مصدر وضع مَوضِع الِاسْم، وَمثل ذَلِك: هم قوم صَوْم وَفطر وَعدل، وَقيل: الزُّور جمع: زائر، مثل: تَاجر وتجر. قَوْله: (إِن لزوجك عَلَيْك حَقًا) ، وحقها هُنَا الْوَطْء، فَإِذا سرد الزَّوْج الصَّوْم ووالى قيام اللَّيْل ضعف عَن حَقّهَا، ويروى (لزوجتك) وَالْأول أفْصح، ويروى: (وَإِن لأهْلك) ، بدل: (زَوجك) ، وَالْمرَاد بهم هُنَا الْأَوْلَاد والقرابة وَمن حَقهم الرِّفْق بهم والإنفاق عَلَيْهِم وَشبه ذَلِك. قَوْله: (فَقلت) ، الْقَائِل هُوَ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَأما صَوْم دَاوُد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَسَيَأْتِي فِي الحَدِيث الَّذِي يَلِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما قَالَ لَهُ: فَصم صِيَام نَبِي الله دَاوُد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلَا تزد عَلَيْهِ {} قلت: وَمَا كَانَ صِيَام نَبِي الله دَاوُد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام؟ قَالَ: نصف الدَّهْر، وَسَيَأْتِي هُوَ فِي: بَاب مُسْتَقل، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

٥٥ - (بابُ حَقِّ الجِسْمِ فِي الصَّوْمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حق الْجِسْم فِي الصَّوْم على المتطوع، وَلَيْسَ المُرَاد بِالْحَقِّ هَهُنَا بِمَعْنى الْوَاجِب، بل المُرَاد مراعاته والرفق بِهِ، كَمَا يُقَال لَهُ: حق الصُّحْبَة على فلَان، يَعْنِي مراعاته والتلطف بِهِ، فالصائم المتطوع يَنْبَغِي أَن يُرَاعِي جِسْمه بِمَا يقيمه ويشده لِئَلَّا يضعف فيعجز عَن أَدَاء الْفَرَائِض، وَأما إِذا خَافَ التّلف على نَفسه أَو عُضْو من أَعْضَائِهِ الَّتِي يضرّهُ الْجُوع فَحِينَئِذٍ يتَعَيَّن عَلَيْهِ أَدَاء حَقه حَتَّى فِي الصَّوْم الْفَرْض أَيْضا. وَقَالَ بَعضهم: المُرَاد بِالْحَقِّ هُنَا الْمَنْدُوب. قلت: لَا يُطلق على الْحق مَنْدُوب وَإِنَّمَا المُرَاد مِنْهُ مَا ذَكرْنَاهُ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُسْتَوْفًى. وَفِي حَدِيثَيِ الْبَابِ اسْتِحْبَابُ التَّنَفُّلِ بِالصَّوْمِ فِي كُلِّ شَهْرٍ، وَأَنَّ صَوْمَ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ إِلَّا مَا نُهِيَ عَنْهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَصُمِ الدَّهْرَ وَلَا قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ، وَكَأَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُقْتَدَى بِهِ فَيَشُقُّ عَلَى الْأُمَّةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْقُوَّةِ مَا لَوِ الْتَزَمَ ذَلِكَ لَاقْتَدَرَ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ سَلَكَ مِنَ الْعِبَادَةِ الطَّرِيقَةَ الْوُسْطَى: فَصَامَ وَأَفْطَرَ، وَقَامَ وَنَامَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْمُهَلَّبُ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْحَلِفُ عَلَى الشَّيْءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُنْكِرُهُ مُبَالَغَةً فِي تَأْكِيدِهِ فِي نَفْسِ السَّامِعِ.

٥٤ - بَاب حَقِّ الضَّيْفِ فِي الصَّوْمِ

١٩٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، يَعْنِي إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَقُلْتُ: وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟ قَالَ: نِصْفُ الدَّهْرِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ حَقِّ الضَّيْفِ فِي الصَّوْمِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَوْ قَالَ: حَقُّ الضَّيْفِ فِي الْفِطْرِ لَكَانَ أَوْضَحَ، لَكِنَّهُ كَانَ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ تَعْيِينُ الصَّوْمِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: مِنَ الصَّوْمِ، وَكَأَنَّ مَا تَرْجَمَ بِهِ أَخْصَرُ وَأَوْجَزُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: لَمْ يُنْسَبْ إِسْحَاقُ هَذَا عَنْد أَحَدٍ مِنْهُمْ.

قُلْتُ: لَكِنْ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بِأَنَّهُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ مُسْنَدِهِ ثُمَّ قَالَ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ ابْنَ رَاهْوَيْهِ لَا يَقُولُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ شُيُوخِهِ إِلَّا صِيغَةَ الْإِخْبَارِ، وَكَذَلِكَ هُوَ هُنَا، وَهَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ شَيْخُهُ هُوَ الْخَزَّازُ كَانَ تَاجِرًا صَدُوقًا لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثٍ آخَرَ فِي الِاعْتِكَافِ كِلَاهُمَا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَقَدْ أَخْرَجَ كُلًّا مِنَ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ.

قَوْلُهُ: (دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَفَسَّرَ الْبُخَارِيُّ الْمُرَادَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: يَعْنِي: إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا إِلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْحَدِيثِ، وَهُوَ عَلَى طَرِيقَةِ الْبُخَارِيِّ فِي جَوَازِ اخْتِصَارِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَوْرَدَهُ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَأَوْرَدَهُ قَرِيبًا مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْأَعْمَى مِنْ وَجْهَيْنِ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَأَبِي الْمَلِيحِ كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِالْحَدِيثِ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا، وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا، فَمِنْهُمْ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قِصَّةِ الصَّلَاةِ وَمِنْهُمْ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قِصَّةِ الصِّيَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ سَاقَ الْقِصَّةَ كُلَّهَا، وَلَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَحَدٍ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ عَنْهُ مَعَ كَثْرَةِ رِوَايَتِهِمْ عَنْهُ، وَسَأَذْكُرُ الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَأُنَبِّهُ عَلَى مَا فِي رِوَايَةِ كُلٍّ مِنْهُمْ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ سِوَى مَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَبْوَابِ التَّهَجُّدِ، وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ الضَّيْفِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ.

٥٥ - بَاب حَقِّ الْجِسْمِ فِي الصَّوْمِ

١٩٧٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي

أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِذن ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ. فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً. قَالَ: فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ ؟ قَالَ: نِصْفَ الدَّهْرِ. فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (بَابُ حَقِّ الْجِسْمِ فِي الصَّوْمِ) أَيْ: عَلَى الْمُتَطَوِّعِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَقِّ هُنَا الْمَطْلُوبُ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا، فَأَمَّا الْوَاجِبُ فَيَخْتَصُّ بِمَا إِذَا خَافَ التَّلَفَ، وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.

قَوْلُهُ: (أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ يَحْيَى: فَقُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَلَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلَّا الْخَيْرَ وَفِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: يَا ابْنَ أَخِي، إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَجْمَعْتُ عَلَى أَنْ أَجْتَهِدَ اجْتِهَادًا شَدِيدًا، حَتَّى قُلْتُ: لَأَصُومَنَّ الدَّهْرَ وَلَأَقْرَأَنَّ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ وَيَأْتِي فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: أَنْكَحَنِي أَبِي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَكَانَ يَتَعَاهَدُهَا، فَسَأَلَهَا عَنْ بَعْلِهَا فَقَالَتْ: نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ، لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا، وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُنْذُ أَتَيْنَاهُ. فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ فَقَالَ: لِيَ الْفَتَى. فَلَقِيتُهُ بَعْدُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، زَادَ النِّسَائِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ مُجَاهِدٍ فَوَقَعَ عَلَيَّ أَبِي فَقَالَ: زَوَّجْتُكَ امْرَأَةً فَعَضَلْتَهَا وَفَعَلْتَ وَفَعَلْتَ وَفَعَلْتَ.

قَالَ: فَلَمْ أَلْتَفِتْ إِلَى ذَلِكَ لِمَا كَانَتْ لِي مِنَ الْقُوَّةِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ فَقَالَ: أَلْقِنِي بِهِ، فَأَتَيْتُهُ مَعَهُ وَلِأَحْمَدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ فَشَكَانِي وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: ذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَوْمِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ، فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً وَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بَلَغَ النَّبِيَّ أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ وَأُصَلِّي اللَّيْلَ، فَإِمَّا أَرْسَلَ لِي وَإِمَّا لَقِيتُهُ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ عَمْرٌو تَوَجَّهَ بِابْنِهِ إِلَى النَّبِيِّ فَكَلَّمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ مَا يُرِيدُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَاهُ إِلَى بَيْتِهِ زِيَادَةً فِي التَّأْكِيدِ.

قَوْلُهُ: (فَلَا تَفْعَلْ) زَادَ بَعْدَ بَابَيْنِ: فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي كِتَابِ التَّهَجُّدِ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: إِنَّ لِكُلِّ عَامِلٍ شِرَّةً وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ: وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ لِعَيْنَيْكَ عَلَيْكَ حَقًّا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لِعَيْنِكَ بِالْإِفْرَادِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ لِزَوْرِكَ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْوَاوِ لِضَيْفِكَ، وَالزَّوْرُ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ، كَصَوْمٍ فِي مَوْضِعِ صَائِمٍ، وَنَوْمٍ فِي مَوْضِعِ نَائِمٍ، وَيُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى: زَوْرٌ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ زَوْرٌ جَمْعَ زَائِرٍ، كَرَكْبٍ جَمْعِ رَاكِبٍ، وَتَجْرٍ جَمْعِ تَاجِر، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ يَحْيَى: وَإِنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَزَادَ

النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَحْيَى: وَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَطُولَ بِكَ عُمُرٌ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا وَقَعَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْكِبَرِ وَالضَّعْفِ، كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ بِحَسْبِكَ) بِإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: كَافِيكَ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ يَحْيَى بِلَفْظِ: وَإِنَّ مِنْ حَسْبِكَ.

قَوْلُهُ: (أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فِي كُلِّ شَهْرٍ.

(فَإِذَنْ ذَلِكَ) هُوَ بِتَنْوِينِ إِذَنْ، وَهِيَ الَّتِي يُجَابُ بِهَا إِنْ وَكَذَا لَوْ صَرِيحًا أَوْ تَقْدِيرًا، وَإِنْ هُنَا مُقَدَّرَةٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ صُمْتَهَا فَإِذَنْ ذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ، وَرُوِيَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وَهِيَ لِلْمُفَاجَأَةِ، وَفِي تَوْجِيهِهَا هُنَا تَكَلُّفٌ.

قَوْلُهُ: (إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ) فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اخْتِصَارٌ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ حُسَيْنٍ الْمَذْكُورَةِ: فَصُمْ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَيَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْمَلِيحِ يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: خَمْسًا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: سَبْعًا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: تِسْعًا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِحْدَى عَشْرَةَ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ عِيَاضٌ عَلَى تَقْدِيمِ الْوِتْرِ عَلَى جَمِيعِ الْأُمُورِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عِيَاضٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: صُمْ يَوْمًا - يَعْنِي: مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ - وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ. قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: صُمْ وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ. قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ. قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: صُمْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ. قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.

قَالَ: صُمْ صَوْمَ دَاوُدَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَمَرَهُ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، ثُمَّ بِسِتَّةٍ ثُمَّ بِتِسْعَةٍ، ثُمَّ بِاثْنَيْ عَشَرَ ثُمَّ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، فَلَمَّا قَالَ: إِنَّهُ يُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ زَادَهُ بِالتَّدْرِيجِ إِلَى أَنْ وَصَلَهُ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَذَكَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْهُ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي دَاوُدَ فَلَمْ يَزَلْ يُنَاقِصُنِي وَأُنَاقِصُهُ وَوَقَعَ لِلنَّسَائِيِّ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: صُمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ وَهُوَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.

وَقَدِ اسْتُشْكِلَ قَوْلُهُ: صُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ مَعَ قَوْلِهِ: صُمْ من كُلَّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمَيْنِ وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ. . . إِلَخْ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الزِّيَادَةَ فِي الْعَمَلِ وَالنَّقْصَ مِنَ الْأَجْرِ، وَبِذَلِكَ تَرْجَمَ لَهُ النَّسَائِيُّ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّضْعِيفِ، قَالَ عِيَاضٌ: قَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى صُمْ يَوْمًا وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ أَيْ: مِنَ الْعَشَرَةِ، وَقَوْلُهُ: صُمْ يَوْمَيْنِ وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ أَيْ: مِنَ الْعِشْرِينَ، وَفِي الثَّلَاثَةِ مَا بَقِيَ مِنَ الشَّهْرِ، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ اسْتِبْعَادُ كَثْرَةِ الْعَمَلِ وَقِلَّةِ الْأَجْرِ، وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّ الْأَجْرَ إِنَّمَا اتَّحَدَ فِي كُلِّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ نِيَّتُهُ أَنْ يَصُومَ جَمِيعَ الشَّهْرِ، فَلَمَّا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ إِبْقَاءً عَلَيْهِ لِمَا ذُكِرَ فِي أَجْرِ نِيَّتِهِ عَلَى حَالِهِ سَوَاءٌ صَامَ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا كَمَا تَأَوَّلَهُ فِي حَدِيثِ: نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ أَيْ: إِنَّ أَجْرَهُ فِي نِيَّتِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَجْرِ عَمَلِهِ لِامْتِدَادِ نِيَّتِهِ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى عَمَلِهِ. انْتَهَى.

وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ ضَعِيفٌ، وَهُوَ فِي مُسْنَدِ الشِّهَابِ وَالتَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا إِجْرَاءَ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ كُلَّمَا ازْدَادَ مِنَ الصَّوْمِ ازْدَادَ مِنَ الْمَشَقَّةِ الْحَاصِلَةِ بِسَبَبِهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِتَفْوِيتِ بَعْضِ الْأَجْرِ الْحَاصِلِ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي قَدْ يُفَوِّتُهَا مَشَقَّةُ الصَّوْمِ فَيَنْقُصُ الْأَجْرُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ: صُمْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ يَرُدُّ الْحَمْلَ الْأَوَّلَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ - عَلَى سِيَاقِ التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ - أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَلَكَ أَجْرُ أَرْبَعِينَ، وَقَدْ قَيَّدَهُ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ بِالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ لَا يَكُونُ أَرْبَعِينَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِلَفْظِ: صُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا وَلَكَ أَجْرُ تِلْكَ التِّسْعَةِ ثُمَّ قَالَ فِيهِ: مِنْ كُلِّ تِسْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، وَلَكَ أَجْرُ تِلْكَ الثَّمَانِيَّةِ ثُمَّ قَالَ: مِنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والآخر: أشُمُّ (١) بضمِّها (مِسْكَةً وَلَا عَبِيرَةً) بالموحَّدة المكسورة والتَّحتيَّة السَّاكنة، والعبير (٢): طيبٌ معمولٌ من أخلاطٍ، ولابن عساكر: «ولا عنْبَرة» بنونٍ ساكنةٍ فمُوحَّدةٍ مفتوحةٍ: القطعة من العنبر المعروف (أَطْيَبَ رَائِحَةً مِنْ رَائِحَةِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ -كما في «الفتح» -: «من ريح» (رَسُولِ اللهِ ) فقد كان على أكمل الصِّفات خُلُقًا وخلقًا، فهو كلُّ الكمال، وجملة الجمال.

وفي حديثي الباب: أنَّه لم يَصُمِ الدَّهر، ولا قام كلَّ اللَّيل، ولعلَّه إنَّما ترك ذلك لئلَّا يُقتَدى به فيشقَّ على أمَّته وإن كان قد أُعِطي من القوَّة ما لو التزم ذلك لاقتدر عليه، لكنَّه سلك من العبادة الطَّريقة الوسطى فصام وأفطر وقام ونام ليقتدي به العابدون كثيرًا.

(٥٤) (بابُ حَقِّ الضَّيْفِ فِي الصَّوْمِ) أي: في صوم المضيف.

١٩٧٤ - وبه قال (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الخزَّاز (٣) قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) وفي نسخةٍ: «عليُّ بن المبارك» أي: الهُنَائيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ) هكذا أورده مختصرًا، ثمَّ ذكر ما يشهد لِمَا ترجم له (٤) فقال: (يَعْنِي: إِنَّ لِزَوْرِكَ) والزَّوْر (٥)؛ بفتح الزَّاي

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عقيب هَذَا، وَفِيه: (سَأَلت أنسا عَن صِيَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) فَذكر الحَدِيث ثمَّ أتم من طَرِيق مُحَمَّد بن جَعْفَر فَإِن قلت: قد ذكرنَا تقدم هَذَا الحَدِيث فِي الصَّلَاة فِي: بَاب قيام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ونومه. وَمَا نسخ من قيام اللَّيْل وَفِي آخِره، تَابعه سُلَيْمَان وَأَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن حميد، فَهَذَا يَقْتَضِي أَن سُلَيْمَان هَذَا غير أبي خَالِد للْعَطْف فِيهِ قلت: قَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن تكون الْوَاو زَائِدَة، وردَّينا عَلَيْهِ هُنَاكَ أَن زِيَادَة الْوَاو نادرة بِخِلَاف الأَصْل، سِيمَا الحكم بذلك بِالِاحْتِمَالِ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.

٣٧٩١ - حدَّثني مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرَنَا أَبُو خالِدٍ الأحْمَرُ قَالَ أخبرنَا حُمَيْدٌ قَالَ سألْتُ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنْ صِيَامِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ مَا كُنْتُ أُحِبُّ أنْ أرَاهُ مِنَ الشَّهْرِ صَائِما إلَاّ رأيْتُهُ ولَا مُفْطِرا إلَاّ رَأيْتُهُ ولَا مِنَ اللَّيْلِ قَائِما إلَاّ رَأيْتُهُ ولَا نَائِما إلَاّ رَأيْتُهُ وَلَا مَسِسْتُ خَزَّةً ولَا حَرِيرَةً ألْيَنَ مِنْ كَفِّ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولَا شَمَمْتُ مِسْكَةً ولَا عَبِيرَةً أطْيَبَ رَائِحَةً مِنْ رَائِحَةِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة مثل مَا تقدم فِي الحَدِيث السَّابِق، وَمُحَمّد شَيْخه هُوَ ابْن سَلام نَص عَلَيْهِ الْحَافِظ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) وَأَبُو خَالِد الْأَحْمَر هُوَ سُلَيْمَان بن حَيَّان. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة.

قَوْله: (أحب أَن أرَاهُ) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: مَا كنت أحب رُؤْيَته من الشَّهْر حَال كَونه صَائِما إلَاّ رَأَيْته. قَوْله: (وَلَا مفطر ا) أَي: وَلَا كنت أحب أَن أرَاهُ حَال كَونه مُفطرا، إلَاّ رَأَيْته. قَوْله: (وَلَا من اللَّيْل قَائِما) أَي: وَلَا كنت أحب أَن أرَاهُ من اللَّيْل حَال كَونه قَائِما إلَاّ رَأَيْته، وَكَذَلِكَ التَّقْدِير فِي قَوْله: (وَلَا نَائِما) من النّوم. قَوْله: (وَلَا مسست) ، بسينين مهملتين أولاهما مَكْسُورَة وَهِي اللُّغَة الفصيحة، وَحكى أَبُو عُبَيْدَة الْفَتْح، يُقَال: مسست الشَّيْء أمسه مسا: إِذا لمسته بِيَدِك، وَيُقَال: مست فِي مسست بِحَذْف السِّين الأولى، وتحويل كسرتها إِلَى الْمِيم، وَمِنْهُم من يقر فتحتها بِحَالِهَا فَيَقُول: مست، كَمَا يُقَال: ظلت فِي ظللت. قَوْله: (خزة) ، وَاحِدَة الْخَزّ. وَفِي الأَصْل: الْخَزّ، بِالْفَتْح وَتَشْديد الزَّاي: اسْم دَابَّة، ثمَّ سمي الثَّوْب الْمُتَّخذ من وبره خَزًّا، والواحدة مِنْهُ: خزة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْخَزّ الْمَعْرُوف أَولا ثِيَاب تنسج من صوف وإبريسم، وَهِي مباجة، وَقد لبسهَا الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، والتابعون، وَمِنْه النَّوْع الآخر وَهُوَ الْمَعْرُوف الْآن فَهُوَ حرَام لِأَن جَمِيعه مَعْمُول من الإبريسم، وَهُوَ المُرَاد من الحَدِيث. (قوم يسْتَحلُّونَ الْخَزّ وَالْحَرِير) . قَوْله: (وَلَا شممت) ، بِكَسْر الْمِيم الأولى، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَالْفَتْح لُغَة.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: اسْتِحْبَاب التَّنَفُّل بِاللَّيْلِ. وَفِيه: اسْتِحْبَاب التَّنَفُّل بِالصَّوْمِ فِي كل شهر وَأَن الصَّوْم النَّفْل مُطلق لَا يخْتَص بِزَمَان إِلَّا مَا نهي عَنهُ. وَفِيه: أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يصم الدَّهْر وَلَا قَامَ اللَّيْل كُله، وَإِنَّمَا ترك ذَلِك لِئَلَّا يقْتَدى بِهِ فَيشق على الْأمة، وَإِن كَانَ قد أعطي من الْقُوَّة مَا لَو الْتزم ذَلِك لاقتدر عَلَيْهِ، لكنه سلك من الْعِبَادَة الطَّرِيقَة الْوُسْطَى فصَام وَأفْطر وَأقَام ونام. وَأما طيب رَائِحَته، فَإِنَّمَا طيبها الرب عز وَجل لمباشرته الْمَلَائِكَة ولمناجاته لَهُم.

٤٥ - (بابُ حَقِّ الضِّيْفِ فِي الصِّوْمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حق الضَّيْف فِي الصَّوْم، والضيف يكون وَاحِدًا وجمعا، وَقد يجمع على الأضياف والضياف والضيوف والضيفان، وَالْمَرْأَة: ضيف وضيفة، وَيُقَال: ضفت الرجل: إِذا نزلت بِهِ فِي ضيافته، وأضفته إِذا أنزلته، وتضيفته إِذا نزلت بِهِ، وتضيفني إِذا أنزلني. وَفِي (الصِّحَاح) : أضفت الرجل وضيفته إِذا أنزلته بك ضيفا وقريته، وضفت الرجل ضِيَافَة إِذا نزلت عَلَيْهِ ضيفا، وَكَذَلِكَ تضيفته، والضيفن الَّذِي يَجِيء مَعَ الضَّيْف، وَالنُّون زَائِدَة، ووزنه: فعلن، وَلَيْسَ بفعيل، وَقيل: لَو قَالَ: حق الضَّيْف فِي الْفطر، لَكَانَ أوضح. قلت: الَّذِي قَالَه البُخَارِيّ أصوب وَأحسن، لِأَن الضَّيْف لَيْسَ لَهُ تصرف فِي فطر المضيف، بل تصرفه فِي صَوْمه بِأَن يتْركهُ لأَجله، فيتعني لَهُ الطّلب فِيهِ، فحقه إِذا فِي الصَّوْم لَا فِي الْفطر.

٤٧٩١ - حدَّثنا إسْحاقُ قَالَ أخبرنَا هارُونُ بنُ إسْماعِيلَ قَالَ حدَّثنا عَلِيُّ قَالَ حدَّثنا يَحْيى

قَالَ حدَّثني أبُو سلَمَةَ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فذَكَرَ الحَدِيثَ يَعْنِي إنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقَّا وإنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقّا فقُلْتُ وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ قَالَ نِصْفُ الدَّهْرِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِن لزورك عَلَيْك حَقًا) ، والزور، هُوَ الضَّيْف.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق، قَالَ الغساني: لم ينْسبهُ أَبُو نصر وَلَا غَيره من شُيُوخنَا، وَذكر أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) بِأَنَّهُ ابْن رَاهَوَيْه، لِأَنَّهُ أخرجه فِي مُسْنده عَن أبي أَحْمد: حَدثنَا ابْن شبرويه حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أخبرنَا هَارُون بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا عَليّ بن الْمُبَارك. انْتهى، وَإِسْحَاق إِبْنِ إِبْرَاهِيم هُوَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، ثمَّ قَالَ: أخرجه البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق. الثَّانِي: هَارُون بن إِسْمَاعِيل أَبُو الْحسن الخزاز. الثَّالِث: عَليّ بن الْمُبَارك الْهنائِي. الرَّابِع: يحيى بن أبي كثير. الْخَامِس: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن. السَّادِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن هَارُون بن إِسْمَاعِيل لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ حديثان: أَحدهمَا، هَذَا وَالْآخر فِي الِاعْتِكَاف، كِلَاهُمَا من رِوَايَته عَن عَليّ بن الْمُبَارك. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مروزي وَهَارُون وَعلي بصريان وَيحيى طائي ويمامي وَأَبُو سَلمَة مدنِي.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّوْم وَفِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن الْأَوْزَاعِيّ، وَفِي الْأَدَب عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن روح بن عبَادَة عَن حُسَيْن الْمعلم، ثَلَاثَتهمْ عَن يحيى بن أبي كثير عَنهُ بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن روح بِهِ وَعَن عبد الله بن الرُّومِي، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يحيى بن درست وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن حميد بن مسْعدَة وَعَن أَحْمد بن بكار.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (دخل عَليّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) فَذكر الحَدِيث هَكَذَا أوردهُ هَهُنَا مُخْتَصرا، وَذكر مَا يُطَابق التَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: (فَقَالَ إِن لزورك عَلَيْك حَقًا) والزور الضَّيْف وَالرجل يَأْتِيهِ زائر الْوَاحِد والإثنان وَالثَّلَاثَة، والمذكر والمؤنث فِي ذَلِك بِلَفْظ وَاحِد، يُقَال: هَذَا رجل زور ورجلان زور وَقوم زور وَامْرَأَة زور، فَيُؤْخَذ فِي كل مَوضِع مَا يلائمه لِأَنَّهُ فِي الأَصْل مصدر وضع مَوضِع الِاسْم، وَمثل ذَلِك: هم قوم صَوْم وَفطر وَعدل، وَقيل: الزُّور جمع: زائر، مثل: تَاجر وتجر. قَوْله: (إِن لزوجك عَلَيْك حَقًا) ، وحقها هُنَا الْوَطْء، فَإِذا سرد الزَّوْج الصَّوْم ووالى قيام اللَّيْل ضعف عَن حَقّهَا، ويروى (لزوجتك) وَالْأول أفْصح، ويروى: (وَإِن لأهْلك) ، بدل: (زَوجك) ، وَالْمرَاد بهم هُنَا الْأَوْلَاد والقرابة وَمن حَقهم الرِّفْق بهم والإنفاق عَلَيْهِم وَشبه ذَلِك. قَوْله: (فَقلت) ، الْقَائِل هُوَ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَأما صَوْم دَاوُد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَسَيَأْتِي فِي الحَدِيث الَّذِي يَلِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما قَالَ لَهُ: فَصم صِيَام نَبِي الله دَاوُد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلَا تزد عَلَيْهِ {} قلت: وَمَا كَانَ صِيَام نَبِي الله دَاوُد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام؟ قَالَ: نصف الدَّهْر، وَسَيَأْتِي هُوَ فِي: بَاب مُسْتَقل، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

٥٥ - (بابُ حَقِّ الجِسْمِ فِي الصَّوْمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حق الْجِسْم فِي الصَّوْم على المتطوع، وَلَيْسَ المُرَاد بِالْحَقِّ هَهُنَا بِمَعْنى الْوَاجِب، بل المُرَاد مراعاته والرفق بِهِ، كَمَا يُقَال لَهُ: حق الصُّحْبَة على فلَان، يَعْنِي مراعاته والتلطف بِهِ، فالصائم المتطوع يَنْبَغِي أَن يُرَاعِي جِسْمه بِمَا يقيمه ويشده لِئَلَّا يضعف فيعجز عَن أَدَاء الْفَرَائِض، وَأما إِذا خَافَ التّلف على نَفسه أَو عُضْو من أَعْضَائِهِ الَّتِي يضرّهُ الْجُوع فَحِينَئِذٍ يتَعَيَّن عَلَيْهِ أَدَاء حَقه حَتَّى فِي الصَّوْم الْفَرْض أَيْضا. وَقَالَ بَعضهم: المُرَاد بِالْحَقِّ هُنَا الْمَنْدُوب. قلت: لَا يُطلق على الْحق مَنْدُوب وَإِنَّمَا المُرَاد مِنْهُ مَا ذَكرْنَاهُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.7 / 29.5
الإضاءة 84%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
لا إله إلا الله