الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٤٨
الحديث رقم ٢٤٨ من كتاب «كتاب الغسل» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الوضوء قبل الغسل.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٢٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَدَلَّتْ آيَةُ النِّسَاءِ عَلَى أَنَّ اسْتِبَاحَةَ الْجُنُبِ لِلصَّلَاةِ - وَكَذَا اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ - يَتَوَقَّفُ عَلَى الِاغْتِسَالِ، وَحَقِيقَةُ الِاغْتِسَالِ غَسْلُ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ مَعَ تَمْيِيزِ مَا لِلْعِبَادَةِ عَمَّا لِلْعَادَةِ بِالنِّيَّةِ.
١ - بَاب الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ
٢٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ، هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ.
[الحديث ٢٤٨ - طرفاه في: ٢٧٢، ٢٦٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ) أَيِ اسْتِحْبَابِهِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ: فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الْغُسْلَ مُطْلَقًا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ شَيْءٍ، فَكَيْفَمَا جَاءَ بِهِ الْمُغْتَسِلُ أَجْزَأَهُ إِذَا أَتَى بِغَسْلِ جَمِيعِ بَدَنِهِ. وَالِاخْتِيَارُ فِي الْغُسْلِ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ رَوَى حَدِيثَ الْبَابِ عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ كَذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ مِنْ أَحْسَنِ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي ذَلِكَ، قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ هِشَامٍ وَهُوَ ابْنُ عُرْوَةَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ غَيْرُ مَالِكٍ كَمَا سَنُشِيرُ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ) أَيْ شَرَعَ فِي الْفِعْلِ، وَمِنْ فِي قَوْلِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ سَبَبِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَسْلُهُمَا لِلتَّنْظِيفِ مِمَّا بِهِمَا مِنْ مُسْتَقْذَرٍ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ تَقْوِيَةُ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْغَسْلُ الْمَشْرُوعُ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ زِيَادَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ هِشَامٍ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الْإِنَاءِ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ أَيْضًا ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ، وَهِيَ زِيَادَةٌ جَلِيلَةٌ ; لِأَنَّ بِتَقْدِيمِ غَسْلِهِ يَحْصُلُ الْأَمْنُ مِنْ مَسِّهِ فِي أَثْنَاءِ الْغُسْلِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ) فِيهِ احْتِرَازٌ عَنِ الْوُضُوءِ اللُّغَوِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِابْتِدَاءُ بِالْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ سُنَّةً مُسْتَقِلَّةً بِحَيْثُ يَجِبُ غَسْلُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مَعَ بَقِيَّةِ الْجَسَدِ فِي الْغُسْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِغَسْلِهَا فِي الْوُضُوءِ عَنْ إِعَادَتِهِ، وَعَلَى هَذَا فَيَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ فِي أَوَّلِ عُضْوٍ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ غَسْلَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ تَشْرِيفًا لَهَا وَلِتَحْصُلَ لَهُ صُورَةُ الطَّهَارَتَيْنِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى، وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الدَّاوُدِيُّ شَارِحُ الْمُخْتَصَرِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ: يُقَدِّمُ غَسْلَ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ عَلَى تَرْتِيبِ الْوُضُوءِ، لَكِنْ بِنِيَّةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ.
وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ مَعَ الْغُسْلِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ، فَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ وَغَيْرُهُمَا إِلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَنُوبُ عَنِ الْوُضُوءِ لِلْمُحْدِثِ.
قَوْلُهُ: (فَيُخَلِّلُ بِهَا) أَيْ بِأَصَابِعِهِ الَّتِي أَدْخَلَهَا فِي الْمَاءِ، وَلِمُسْلِمٍ ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُيَيْنَةَ ثُمَّ يُشَرِّبُ شَعْرَهُ الْمَاءَ.
قَوْلُهُ: (أُصُولَ الشَّعْرِ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ أُصُولُ شَعْرِهِ أَيْ شَعْرِ رَأْسِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ يُخَلِّلُ بِهَا شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنَ فَيُتْبِعُ بِهَا أُصُولَ الشَّعْرِ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْسَرِ كَذَلِكَ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: احْتَجَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى تَخْلِيلِ شَعْرِ الْجَسَدِ فِي الْغُسْلِ إِمَّا لِعُمُومِ قَوْلِهِ: أُصُولَ الشَّعْرِ، وَإِمَّا بِالْقِيَاسِ عَلَى شَعْرِ الرَّأْسِ.
وَفَائِدَةُ التَّخْلِيلِ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى الشَّعْرِ وَالْبَشَرَةِ، وَمُبَاشَرَةُ الشَّعْرِ بِالْيَدِ لِيَحْصُلَ تَعْمِيمُهُ بِالْمَاءِ، وَتَأْنِيسُ الْبَشَرَةِ لِئَلَّا يُصِيبَهَا بِالصَّبِّ مَا تَتَأَذَّى بِهِ، ثُمَّ هَذَا التَّخْلِيلُ غَيْرُ وَاجِبٍ اتِّفَاقًا إِلَّا إِنْ كَانَ الشَّعْرُ مُلَبَّدًا بِشَيْءٍ يَحُولُ بَيْنَ الْمَاءِ وَبَيْنَ الْوُصُولِ إِلَى أُصُولِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
على «الغسل» لفضل أعضاء الوضوء، ولا يحتاج إلى إفراد هذا الوضوء بنيَّةٍ، كما قاله (١) الرَّافعيُّ بناءً على اندراجه في الغسل، زاد (٢) في «الرَّوضة»: «قلت: المُختار أنَّه إن تجرَّدت جنابته عن الحدث نوى بوضوئه سُنَّة الغسل، وإنِ اجتمعا نوى به رَفْعَ الحدثِ الأصغر» وقال المالكيَّة: ينوي به رفع حدث الجنابة عن تلك الأعضاء، ولو نوى الفضيلة وجب عليه إعادة غسلها.
٢٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامٍ) هو «ابن عروة» كما للأَصيليِّ وابن عساكر (٣) (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوُّام (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ) أي: إذا أراد أن يغتسل (مِنَ الجَنَابَةِ) أي: لأجلها، فـ «من» سببَّيةٌ (بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ) قبل الشُّروع في الوضوء والغسل لأجل التَّنظيف ممَّا بهما من مُستقذَرٍ، أو لقيامه من النَّوم، ويدلُّ عليه زيادة ابن عُيَيْنَةَ في هذا الحديث عن هشامٍ: «قبل أن يدخلهما في الإناء» رواه التِّرمذيُّ، وزاد أيضًا: «ثمَّ يغسل فرجه» وكذا لـ «مسلمٍ»، وهي زيادةٌ حسنةٌ لأنَّ تقديم غسله يحصل به الأمن من مسِّه في أثناء الغسل (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ) ولأبي ذَرٍّ: «ثمَّ توضَّأ» (كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ) ظاهره: أنَّه يتوضَّأ وضوءًا كاملًا، وهو مذهب الشَّافعيِّ ومالكٍ، وقال الفاكهانيُّ في «شرح العمدة»: وهو المشهور، وقِيلَ: يؤخِّر غسل قدميه إلى ما (٤) بعد الغسل، لحديث ميمونة الآتي -إن شاء الله تعالى-[خ¦٢٤٩] وللمالكيَّة قولٌ ثالثٌ وهو: إن كان
موضعه وسخًا أخَّر وإلَّا فلا، وعند الحنفيَّة: إن كان في مستنقعٍ يؤخِّر، وإِلَّا فلا، ثمَّ إنَّ (١) ظاهره مشروعيَّة التَّكرار ثلاثًا وهو كذلك، لكن قال عياضٌ: إنَّه لم يأت في شيءٍ من وضوء الجنب ذكر التَّكرار، وقد قال بعض شيوخنا: إنَّ التَّكرار في الغسل لا فضيلة فيه، وأُجِيب بأنَّ إحالتها على وضوء الصَّلاة تقتضيها (٢)، ولا يلزم من أنَّه لا فضيلة في عمل الغسل ألَّا تكون في وضوئه، ومن شيوخنا من كان يفتي سائله بالتَّكرار، وكان غيره يفتي بتركه، قاله أبو عبد الله الأُبِّيُّ (ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي المَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا) أي: بأصابعه التي أدخلها في الماء (أُصُولَ شَعَرِهِ) أي: شعر رأسه، كما يدلُّ عليه رواية حمَّاد بن سلمة عن هشامٍ: «يخلِّل بها شقَّ رأسه الأيمن، فيتبع بها أصول الشَّعر ثمَّ يفعل (٣) بشقِّه الأيسر كذلك» رواه البيهقيُّ، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي (٤) والحَمُّويي: «أصول الشَّعر» بالتَّعريف، والحكمة في هذا: تليين الشَّعر وترطيبه ليسهل مرور الماء عليه ويكون أبعد عن (٥) الإسراف في الماء، وفي «المُهذَّب»: يخلِّل (٦) اللِّحية أيضًا، وأوجب المالكيَّة والحنفيَّة تخليل شعر المغتسل لقوله ﵊: «خلِّلوا الشَّعر وأَنْقُوا البشرة؛ فإنَّ تحت كلِّ شعرةٍ جنابةً» (ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ) من الماء
(بِيَدَيْهِ) استُدِلَّ به على مشروعيَّة التَّثليث، وهو سُنَّةٌ عند الشَّافعيَّة كالوضوء، فيغسل رأسه ثلاثًا بعد تخليله في كلِّ مرَّةٍ، ثمَّ شقَّه الأيمن ثلاثًا، ثمَّ شقَّه (١) الأيسر ثلاثًا، وقال الباجيُّ من المالكيَّة: والثَّلاث يحتمل أنَّها لما جاء من التَّكرار، وأنَّها مُبالَغَةٌ لإتمام الغسل إذ قد لا تكفي الواحدة، وخصَّ الشَّيخ خليلٌ الثَّلاث بالرَّأس، وقوله: «غُرَفٍ» جمع غُرفةٍ بالضَّمِّ، وهي: ملء الكفِّ، وللأَصيليِّ: «غرفاتٍ» وهي الأصل في مُميَّز الثَّلاثة؛ لأنَّه جمع قلَّةٍ، فـ «غرف» حينئذٍ من إقامة جمع الكثرة موضع القلَّة، أو أنَّه جمع قلَّةٍ عند الكوفيِّين كعشر سور وثماني حججٍ (ثُمَّ يُفِيضُ) ﵊، أي: يسيل (المَاءَ (٢) عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ) أكدَّه بلفظ: «الكلِّ» ليدلَّ على أنَّه عمَّ (٣) جميع جسده بالغسل بعدما تقدَّم، وفيه: دلالةٌ على أنَّ الوضوء قبل الغسل سُنَّةٌ مستقلَّةٌ، ولا يُفهمَ منه الدَّلك، وهو مُستحَبٌّ عند الشَّافعيَّة والحنفيَّة والحنابلة، وأوجبه المالكيَّة في المشهور عندهم، وقِيلَ: واجبٌ لا لنفسه، واحتجَّ ابن بطَّالٍ للوجوب بالإجماع على وجوب (٤) إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها، فيجب ذلك في الغسل قياسًا لعدم الفرق بينهما، وأُجِيب بأنَّ جميع من لم يوجبِ (٥) الدَّلك أجازوا غمس اليد في الماء للمتوضِّئ من غير إمرارٍ، فبطل الإجماع وانتفتِ المُلازَمَة.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين تِنِّيسيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ، والنَّسائيُّ، وأبو داود.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَدَلَّتْ آيَةُ النِّسَاءِ عَلَى أَنَّ اسْتِبَاحَةَ الْجُنُبِ لِلصَّلَاةِ - وَكَذَا اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ - يَتَوَقَّفُ عَلَى الِاغْتِسَالِ، وَحَقِيقَةُ الِاغْتِسَالِ غَسْلُ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ مَعَ تَمْيِيزِ مَا لِلْعِبَادَةِ عَمَّا لِلْعَادَةِ بِالنِّيَّةِ.
١ - بَاب الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ
٢٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ، هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ.
[الحديث ٢٤٨ - طرفاه في: ٢٧٢، ٢٦٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ) أَيِ اسْتِحْبَابِهِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ: فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الْغُسْلَ مُطْلَقًا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ شَيْءٍ، فَكَيْفَمَا جَاءَ بِهِ الْمُغْتَسِلُ أَجْزَأَهُ إِذَا أَتَى بِغَسْلِ جَمِيعِ بَدَنِهِ. وَالِاخْتِيَارُ فِي الْغُسْلِ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ رَوَى حَدِيثَ الْبَابِ عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ كَذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ مِنْ أَحْسَنِ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي ذَلِكَ، قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ هِشَامٍ وَهُوَ ابْنُ عُرْوَةَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ غَيْرُ مَالِكٍ كَمَا سَنُشِيرُ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ) أَيْ شَرَعَ فِي الْفِعْلِ، وَمِنْ فِي قَوْلِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ سَبَبِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَسْلُهُمَا لِلتَّنْظِيفِ مِمَّا بِهِمَا مِنْ مُسْتَقْذَرٍ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ تَقْوِيَةُ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْغَسْلُ الْمَشْرُوعُ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ زِيَادَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ هِشَامٍ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الْإِنَاءِ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ أَيْضًا ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ، وَهِيَ زِيَادَةٌ جَلِيلَةٌ ; لِأَنَّ بِتَقْدِيمِ غَسْلِهِ يَحْصُلُ الْأَمْنُ مِنْ مَسِّهِ فِي أَثْنَاءِ الْغُسْلِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ) فِيهِ احْتِرَازٌ عَنِ الْوُضُوءِ اللُّغَوِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِابْتِدَاءُ بِالْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ سُنَّةً مُسْتَقِلَّةً بِحَيْثُ يَجِبُ غَسْلُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مَعَ بَقِيَّةِ الْجَسَدِ فِي الْغُسْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِغَسْلِهَا فِي الْوُضُوءِ عَنْ إِعَادَتِهِ، وَعَلَى هَذَا فَيَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ فِي أَوَّلِ عُضْوٍ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ غَسْلَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ تَشْرِيفًا لَهَا وَلِتَحْصُلَ لَهُ صُورَةُ الطَّهَارَتَيْنِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى، وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الدَّاوُدِيُّ شَارِحُ الْمُخْتَصَرِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ: يُقَدِّمُ غَسْلَ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ عَلَى تَرْتِيبِ الْوُضُوءِ، لَكِنْ بِنِيَّةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ.
وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ مَعَ الْغُسْلِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ، فَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ وَغَيْرُهُمَا إِلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَنُوبُ عَنِ الْوُضُوءِ لِلْمُحْدِثِ.
قَوْلُهُ: (فَيُخَلِّلُ بِهَا) أَيْ بِأَصَابِعِهِ الَّتِي أَدْخَلَهَا فِي الْمَاءِ، وَلِمُسْلِمٍ ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُيَيْنَةَ ثُمَّ يُشَرِّبُ شَعْرَهُ الْمَاءَ.
قَوْلُهُ: (أُصُولَ الشَّعْرِ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ أُصُولُ شَعْرِهِ أَيْ شَعْرِ رَأْسِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ يُخَلِّلُ بِهَا شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنَ فَيُتْبِعُ بِهَا أُصُولَ الشَّعْرِ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْسَرِ كَذَلِكَ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: احْتَجَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى تَخْلِيلِ شَعْرِ الْجَسَدِ فِي الْغُسْلِ إِمَّا لِعُمُومِ قَوْلِهِ: أُصُولَ الشَّعْرِ، وَإِمَّا بِالْقِيَاسِ عَلَى شَعْرِ الرَّأْسِ.
وَفَائِدَةُ التَّخْلِيلِ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى الشَّعْرِ وَالْبَشَرَةِ، وَمُبَاشَرَةُ الشَّعْرِ بِالْيَدِ لِيَحْصُلَ تَعْمِيمُهُ بِالْمَاءِ، وَتَأْنِيسُ الْبَشَرَةِ لِئَلَّا يُصِيبَهَا بِالصَّبِّ مَا تَتَأَذَّى بِهِ، ثُمَّ هَذَا التَّخْلِيلُ غَيْرُ وَاجِبٍ اتِّفَاقًا إِلَّا إِنْ كَانَ الشَّعْرُ مُلَبَّدًا بِشَيْءٍ يَحُولُ بَيْنَ الْمَاءِ وَبَيْنَ الْوُصُولِ إِلَى أُصُولِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
على «الغسل» لفضل أعضاء الوضوء، ولا يحتاج إلى إفراد هذا الوضوء بنيَّةٍ، كما قاله (١) الرَّافعيُّ بناءً على اندراجه في الغسل، زاد (٢) في «الرَّوضة»: «قلت: المُختار أنَّه إن تجرَّدت جنابته عن الحدث نوى بوضوئه سُنَّة الغسل، وإنِ اجتمعا نوى به رَفْعَ الحدثِ الأصغر» وقال المالكيَّة: ينوي به رفع حدث الجنابة عن تلك الأعضاء، ولو نوى الفضيلة وجب عليه إعادة غسلها.
٢٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامٍ) هو «ابن عروة» كما للأَصيليِّ وابن عساكر (٣) (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوُّام (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ) أي: إذا أراد أن يغتسل (مِنَ الجَنَابَةِ) أي: لأجلها، فـ «من» سببَّيةٌ (بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ) قبل الشُّروع في الوضوء والغسل لأجل التَّنظيف ممَّا بهما من مُستقذَرٍ، أو لقيامه من النَّوم، ويدلُّ عليه زيادة ابن عُيَيْنَةَ في هذا الحديث عن هشامٍ: «قبل أن يدخلهما في الإناء» رواه التِّرمذيُّ، وزاد أيضًا: «ثمَّ يغسل فرجه» وكذا لـ «مسلمٍ»، وهي زيادةٌ حسنةٌ لأنَّ تقديم غسله يحصل به الأمن من مسِّه في أثناء الغسل (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ) ولأبي ذَرٍّ: «ثمَّ توضَّأ» (كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ) ظاهره: أنَّه يتوضَّأ وضوءًا كاملًا، وهو مذهب الشَّافعيِّ ومالكٍ، وقال الفاكهانيُّ في «شرح العمدة»: وهو المشهور، وقِيلَ: يؤخِّر غسل قدميه إلى ما (٤) بعد الغسل، لحديث ميمونة الآتي -إن شاء الله تعالى-[خ¦٢٤٩] وللمالكيَّة قولٌ ثالثٌ وهو: إن كان
موضعه وسخًا أخَّر وإلَّا فلا، وعند الحنفيَّة: إن كان في مستنقعٍ يؤخِّر، وإِلَّا فلا، ثمَّ إنَّ (١) ظاهره مشروعيَّة التَّكرار ثلاثًا وهو كذلك، لكن قال عياضٌ: إنَّه لم يأت في شيءٍ من وضوء الجنب ذكر التَّكرار، وقد قال بعض شيوخنا: إنَّ التَّكرار في الغسل لا فضيلة فيه، وأُجِيب بأنَّ إحالتها على وضوء الصَّلاة تقتضيها (٢)، ولا يلزم من أنَّه لا فضيلة في عمل الغسل ألَّا تكون في وضوئه، ومن شيوخنا من كان يفتي سائله بالتَّكرار، وكان غيره يفتي بتركه، قاله أبو عبد الله الأُبِّيُّ (ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي المَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا) أي: بأصابعه التي أدخلها في الماء (أُصُولَ شَعَرِهِ) أي: شعر رأسه، كما يدلُّ عليه رواية حمَّاد بن سلمة عن هشامٍ: «يخلِّل بها شقَّ رأسه الأيمن، فيتبع بها أصول الشَّعر ثمَّ يفعل (٣) بشقِّه الأيسر كذلك» رواه البيهقيُّ، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي (٤) والحَمُّويي: «أصول الشَّعر» بالتَّعريف، والحكمة في هذا: تليين الشَّعر وترطيبه ليسهل مرور الماء عليه ويكون أبعد عن (٥) الإسراف في الماء، وفي «المُهذَّب»: يخلِّل (٦) اللِّحية أيضًا، وأوجب المالكيَّة والحنفيَّة تخليل شعر المغتسل لقوله ﵊: «خلِّلوا الشَّعر وأَنْقُوا البشرة؛ فإنَّ تحت كلِّ شعرةٍ جنابةً» (ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ) من الماء
(بِيَدَيْهِ) استُدِلَّ به على مشروعيَّة التَّثليث، وهو سُنَّةٌ عند الشَّافعيَّة كالوضوء، فيغسل رأسه ثلاثًا بعد تخليله في كلِّ مرَّةٍ، ثمَّ شقَّه الأيمن ثلاثًا، ثمَّ شقَّه (١) الأيسر ثلاثًا، وقال الباجيُّ من المالكيَّة: والثَّلاث يحتمل أنَّها لما جاء من التَّكرار، وأنَّها مُبالَغَةٌ لإتمام الغسل إذ قد لا تكفي الواحدة، وخصَّ الشَّيخ خليلٌ الثَّلاث بالرَّأس، وقوله: «غُرَفٍ» جمع غُرفةٍ بالضَّمِّ، وهي: ملء الكفِّ، وللأَصيليِّ: «غرفاتٍ» وهي الأصل في مُميَّز الثَّلاثة؛ لأنَّه جمع قلَّةٍ، فـ «غرف» حينئذٍ من إقامة جمع الكثرة موضع القلَّة، أو أنَّه جمع قلَّةٍ عند الكوفيِّين كعشر سور وثماني حججٍ (ثُمَّ يُفِيضُ) ﵊، أي: يسيل (المَاءَ (٢) عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ) أكدَّه بلفظ: «الكلِّ» ليدلَّ على أنَّه عمَّ (٣) جميع جسده بالغسل بعدما تقدَّم، وفيه: دلالةٌ على أنَّ الوضوء قبل الغسل سُنَّةٌ مستقلَّةٌ، ولا يُفهمَ منه الدَّلك، وهو مُستحَبٌّ عند الشَّافعيَّة والحنفيَّة والحنابلة، وأوجبه المالكيَّة في المشهور عندهم، وقِيلَ: واجبٌ لا لنفسه، واحتجَّ ابن بطَّالٍ للوجوب بالإجماع على وجوب (٤) إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها، فيجب ذلك في الغسل قياسًا لعدم الفرق بينهما، وأُجِيب بأنَّ جميع من لم يوجبِ (٥) الدَّلك أجازوا غمس اليد في الماء للمتوضِّئ من غير إمرارٍ، فبطل الإجماع وانتفتِ المُلازَمَة.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين تِنِّيسيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ، والنَّسائيُّ، وأبو داود.