الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٣٢
الحديث رقم ٢٥٣٢ من كتاب «كتاب العتق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا قال رجل لعبده هو لله ونوى العتق.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢٥٣٢ - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
فِي الطَّرِيقِ، قَالَ) أبو هريرة: (فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَايَعْتُهُ) على الإسلام، ولأبي ذرٍّ: «فبايعته» (فَبَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا عِنْدَهُ) وجواب «بينا» قوله: (إِذْ طَلَعَ الغُلَامُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا غُلَامُكَ) يحتمل أن يكون وَصَفَه أبو هريرة له ﵊ فعرفه، أو رآه مقبلًا إليه، أو أخبره المَلَك، قال أبو هريرة: (فَقُلْتُ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَأَعْتَقْتُهُ) (١) أي: باللَّفظ المذكور، فالفاء تفسيريَّةٌ، وليس المراد أنَّه أعتقه بعد هذا بلفظٍ آخر (لَمْ يَقُلْ) ولأبي ذرٍّ: «قال أبو عبد الله» البخاريُّ: «لم يقل» (أَبُو كُرَيْبٍ) هو محمَّد بن العلاء أحد مشايخه في روايته (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ: حُرٌّ) بل قال: هو لوجه الله، فأعتقه، وهذا وصله في أواخر «المغازي» [خ¦٤٣٩٣].
٢٥٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ) بفتح العين وتشديد المُوحَّدة، أبو عمر (٢) العبديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ) الرُّؤَاسيُّ -بضمِّ الرَّاء وبعدها همزةٌ فسينٌ مُهمَلةٌ- الكوفيُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ البجليِّ، أنَّه (قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ وَمَعَهُ غُلَامُهُ) لم يُسَمَّ (وَهْوَ يَطْلُبُ الإِسْلَامَ) جملةٌ حاليَّةٌ (فَضَلَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) بالنَّصب على نزع الخافض، أي: من صاحبه، كما في الطَّريق الأولى [خ¦٢٥٣٠] (بِهَذَا) اللَّفظ (٣) السَّابق، وقوله: «فضلَّ» كذا هو في رواية أبي ذرٍّ، لكنَّه ضُبِّب عليه في فرع «اليونينيَّة»، وقال في الهامش: إنَّ الصَّواب: «فأضلَّ» أي: مُعدًّى بالهمزة، وحينئذٍ لا يحتاج إلى تقديرٍ (وَقَالَ: أَمَا) بالتَّخفيف (إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ) أي: الغلام (للهِ) وهذا من الكناية كقوله: لا ملك لي عليك ولا سبيل ولا سلطان، أو أزلتُ ملكي عنك، وأمَّا قوله: هو حرٌّ، أو مُحرَّرٌ، أو حرَّرته فصريحٌ لا يحتاج إلى نيَّةٍ، ولا أثر للخطأ في التَّذكير والتَّأنيث بأن يقول للعبد: أنتِ حرَّةٌ، وللأمة: أنتَ حرٌّ، وفكُّ الرَّقبة صريحٌ على الأصحِّ، ولو كانت أمته تُسمَّى قبل جريان الرِّقِّ عليها حرَّةً، فقال
لها: يا حرَّةُ، فإن لم يخطر له (١) النِّداء باسمها القديم عَتَقَتْ، وإن قصد نداءها لم تُعتَق على الأصحِّ، وقيل: تُعتَق لأنَّه صريحٌ، ولو كان اسمها في الحال حرَّةً، أو اسم العبد حرٌّ أو عتيقٌ، فإن قصد النِّداء لم يُعتَق، وكذا إن أطلق على الأصحِّ، وفي «فتاوى» الغزاليِّ: أنَّه لو اجتاز بالمَكَّاس فخاف أن يطالبه بالمَكْس عن عبده، فقال: هو حرٌّ وليس بعبدٍ، وقصد الإخبار، لم يُعتَق فيما بينه وبين الله تعالى، وهو كاذبٌ في خبره ومقتضى (٢) هذا ألَّا يُقبَل ظاهرًا، ولو قيل لرجلٍ استخبارًا: أطلَّقتَ زوجتك؟ فقال: نعم، فإقرارٌ بالطَّلاق، فإن كان كاذبًا فهي زوجته في الباطن، فإن قال: أردتُ طلاقًا ماضيًا وراجعتُ، صُدِّق بيمينه في ذلك، وإن قيل له ذلك التماسًا لإنشاءٍ (٣)، فقال: نعم فصريحٌ؛ لأنَّ «نعم» قائمٌ مقام «طلَّقتها» المراد بذكره في السُّؤال، وأنَّه لو قال لعبده: افرغ من هذا العمل قبل العشيِّ وأنت حرٌّ، وقال: أردت حرًّا من العمل دون العتق دِينَ، فلا يُقبَل ظاهرًا، ولو قال لعبده: يا مولاي فكنايةٌ، ولو قال له: يا سيِّدي، قال القاضي حُسَينٌ والغزاليُّ: هو لغوٌ، وقال الإمام: الذي أراه أنَّه كنايةٌ، ولو قال لعبد غيره: أنت حرٌّ، فهو إقرارٌ بحرِّيَّته، وهو باطلٌ في الحال، فلو مَلَكَهُ حَكَمْنا بعتقه، مُؤَاخَذةً له بإقراره.
(٨) (باب) حكم (أُمِّ الوَلَدِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ فيما تقدَّم بمعناه موصولًا في «الإيمان» [خ¦٥٠] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّهَا) أي: سيِّدها؛ لأنَّ ولدها من سيِّدها ينزل منزلة سيِّدها لمصير (٤) مال الإنسان إلى ولده (٥) غالبًا، ولا دلالة فيه على جواز بيع أمِّ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الأعْمَالُ بالنِّيَّةِ ولاِمْرِىءٍ مَا نَوَى فَمَنْ كانتُ هِجْرَتُهُ إِلَى الله ورسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى الله ورسولِهِ ومَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهجْرَتُه إِلَى مَا هاجَرَ إلَيْهِ..
قد مر هَذَا الحَدِيث فِي أول الْكتاب فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان ... إِلَى آخِره، وَهنا: عَن مُحَمَّد بن كثير ضد قَلِيل عَن سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ.
قَوْله: (الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ ولامرىء مَا نوى) ، كَذَا أخرجه مُحَمَّد بن كثير بِخِلَاف: إِنَّمَا، فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وٌ د أخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُحَمَّد بن كثير شيخ البُخَارِيّ فِيهِ، فَقَالَ: (إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لامرىء مَا نوى) . قَوْله: (إِلَى دنيا) فِي رِوَايَة الْكشميهني: للدنيا، وَهِي رِوَايَة أبي دَاوُد أَيْضا، وَوجه إِعَادَة هَذَا الحَدِيث وَذكره هُنَا لأجل ذكر قِطْعَة مِنْهُ، وَهُوَ قَوْله: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لكل امرىء مَا نوى، وَقد ذكرنَا وَجه ذكر الْقطعَة، وللإشارة أَيْضا إِلَى أَنه أخرج هَذَا الحَدِيث من شيخين وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
٧ - (بابٌ إذَا قَالَ رجُلٌ لِعَبْدِهِ هُوَ لله ونَوَى الْعِتْقَ والإشْهَادُ فِي العِتْقِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ رجل لعَبْدِهِ هُوَ لله، هَذَا هَكَذَا روى الْأصيلِيّ وكريمة، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: بَاب إِذا قَالَ لعَبْدِهِ، الْفَاعِل مُضْمر، وَهُوَ رجل أَو شخص. قَوْله: (وَنوى الْعتْق) ، أَي: وَالْحَال أَنه نوى عتق العَبْد بِهَذَا اللَّفْظ، وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره: صَحَّ أَو عتق العَبْد. قَوْله: (وَالْإِشْهَاد) بِالرَّفْع، وَفِيه حذف تَقْدِيره: وَبَاب يذكر فِيهِ الْإِشْهَاد فِي الْعتْق، فَيكون ارتفاعه بِالْفِعْلِ الْمُقدر، وَتَكون هَذِه الْجُمْلَة أَعنِي: قَوْلنَا: وَبَاب يذكر فِيهِ الْإِشْهَاد على الْعتْق معطوفة على: بَاب إِذا قَالَ أَي بَاب يذكر فِيهِ، إِذا قَالَ، وَلَفظ: بَاب، منون فِي الظَّاهِر، وَفِي الْمُقدر، وَهَذَا هُوَ الْوَجْه، وَمن جر الْإِشْهَاد فقد جر مَا لَا يُطيق حمله.
٠٣٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ نُمَيْرٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ بِشْرٍ عنْ إسْمَاعِيلَ عنْ قَيْسٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ لَمَّا أقْبَلَ يُرِيدُ الأسْلامَ ومَعَهُ غُلامُهُ ضَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما مِنْ صاحِبِهِ فأقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وأبُو هُرَيْرَةَ جالِسٌ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا غُلَامُكَ قَدْ أتَاكَ فَقَالَ أما أنِّي أُشْهِدُكَ أنَّهُ حُرٌّ فَهْوَ حينَ يَقُولُ:
(يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وعَنائِها ... علَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ)
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أما أَنِّي أشهدك أَنه حر) ، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده.
وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد الأحمسي البَجلِيّ، وَاسم أبي خَالِد سعد، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: واسْمه عَوْف، قدم الْمَدِينَة بَعْدَمَا قبض النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَؤُلَاء كلهم كوفيون
قَوْله: (يُرِيد الْإِسْلَام) جملَة حَالية، وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَمَعَهُ غُلَامه) ، جملَة حَالية إسمية أَي: وَمَعَ أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (ضل) ، أَي: تاه كل وَاحِد مِنْهُمَا ذهب إِلَى نَاحيَة وَفَسرهُ الْكرْمَانِي بقوله: ضَاعَ، وَتَبعهُ بَعضهم على ذَلِك وَلَيْسَ مَعْنَاهُ إلَاّ مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (أما) ، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْمِيم وتستعمل هَذِه الْكَلِمَة على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن تكون حرف استفتاح بِمَنْزِلَة أَلا. وَالثَّانِي: أَن تكون بِمَعْنى حَقًا. وَأما، هُنَا على هَذَا الْمَعْنى. قَوْله: (أَنِّي) ، بِفَتْح الْهمزَة كَمَا تفتح الْهمزَة بعد قَوْلهم: حَقًا، لِأَنَّهَا بِمَعْنَاهُ. قَوْله: (فَهُوَ حِين يَقُول) ، أَي: الْوَقْت الَّذِي وصل فِيهِ إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: (يَا لَيْلَة) ، هَذَا من بَحر الطَّوِيل، وَقد دخله الخرم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة وَسُكُون الرَّاء، وَهُوَ حذف الْحَرْف من أول الْجُزْء، وللطويل ثَمَانِيَة أَجزَاء وَقد حذف الْحَرْف من أول جزئه وَهُوَ: يَا لَيْلَة، لِأَن تَقْدِيره: فيا لَيْلَة، لِأَن وَزنه فيالي: فعولن، لَهُ من طو: مفاعيلن، لَهَا و: فعول، عنائها: مفاعلن. وَفِيه الْقَبْض، وَقَول الْكرْمَانِي: وَلَا بُد من زِيَادَة وَلَو أوفاء فِي أول الْبَيْت ليَكُون مَوْزُونا، كَلَام من يقف على علم الْعرُوض، لِأَن مَا جَازَ حذفه كَيفَ يُقَال فِيهِ لَا بُد من إثْبَاته؟ قَوْله: (عنائها) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وبتخفيف النُّون وبالمد: أَي تعبها ومشقتها. قَوْله: (دارة
الْكفْر) ، هِيَ دَار الْحَرْب، والدارة أخص من الدَّار، ويروى: (دَاره) ، بِالْإِضَافَة إِلَى الضَّمِير، وَحِينَئِذٍ يكون الْكفْر بَدَلا مِنْهُ بدل الْكل من الْكل، وَكَثِيرًا مَا تسْتَعْمل الدارة فِي أشعار الْعَرَب، كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
(وَلَا سِيمَا يَوْم بدارة جلجل)
ودارات كَثِيرَة، وَقَالَ أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي: الدارة جوفة تحف الْجبَال، وَقَالَ عَنهُ فِي مَوضِع آخر: الدارة رمل مستدير قدر ميلين تحفه الْجبَال. وَقَالَ الهجري: الدارة النبكة السهلة حفتها جبال، وَمِقْدَار الدارة خَمْسَة أَمْيَال فِي مثلهَا. قلت: النبكة، بِفَتْح النُّون وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْكَاف: وَهِي أكمة محددة الرَّأْس، وَيجمع على: نبك، بِالتَّحْرِيكِ. فَإِن قلت: الشّعْر لمن؟ قلت: ظَاهره أَنه لأبي هُرَيْرَة، وَلكنه غير مَشْهُور بالشعر. وَحكى ابْن التِّين: أَنه لغلامه، وَحكى الفاكهي فِي (كتاب مَكَّة) : عَن مقدم بن حجاج السوَائِي أَن الْبَيْت الْمَذْكُور لأبي مرْثَد الغنوي فِي قصَّة لَهُ، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون أَبُو هُرَيْرَة قد تمثل بِهِ. وَالله أعلم.
وَقَالَ الْمُهلب: لَا خلاف بَين الْعلمَاء فِيمَا علمت إِذا قَالَ رجل لعَبْدِهِ: هُوَ حر، أَو: هُوَ لله، وَنوى الْعتْق أَنه يلْزمه الْعتْق. وكل مَا يفهم بِهِ عَن الْمُتَكَلّم أَنه أَرَادَ بِهِ الْعتْق لزمَه وَنفذ عَلَيْهِ، وروى ابْن أبي شيبَة عَن هشيم عَن مُغيرَة: أَن رجلا قَالَ لغلامه: أَنْت لله. فَسئلَ الشّعبِيّ وَالْمُسَيب بن رَافع وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، فَقَالُوا: هُوَ حر. وَعَن إِبْرَاهِيم كَذَلِك، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: وَإِن قَالَ: إِنَّك لحر النَّفس، فَهُوَ حر، وَعَن الْحسن: إِذا قَالَ: مَا أَنْت إلَاّ حر، نِيَّته. وَعَن الشّعبِيّ مثله.
وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ: الْعتْق عِنْد بُلُوغ الأمل والنجاة مِمَّا يخَاف، كَمَا فعل أَبُو هُرَيْرَة حِين أَنْجَاهُ الله من دَار الْكفْر وَمن ضلاله فِي اللَّيْل عَن الطَّرِيق، وَكَانَ إِسْلَام أبي هُرَيْرَة فِي سنة سِتّ من الْهِجْرَة.
٢٣٥٢ - حدَّثنا شِهَابُ بنُ عَبَّادٍ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ حُمَيْدٍ عنْ إسْمَاعِيلَ عنْ قَيْسٍ قَالَ لَ مَّا أقْبَلَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ ومَعَهُ غُلَامَهُ وهْوَ يَطْلُبُ الإسْلامَ فَضَلَّ أحَدُهُمَا صاحِبَهُ بِهاذَا وَقَالَ أما أنِّي أشْهِدُكَ أنَّهُ لله.
هَذَا طَرِيق آخر عَن شهَاب بن عباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء: الْعَبْدي الْكُوفِي أَبُو عَمْرو عَن إِبْرَاهِيم بن حميد بن عبد الرَّحْمَن الرُّؤَاسِي من قيس غيلَان الْكُوفِي ... إِلَى آخِره. قَوْله: (وَهُوَ يطْلب الْإِسْلَام) جملَة حَالية، وَيحْتَمل أَن يكون حَقِيقَة، وَإِن لم يسلم وَأسلم بعد، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد يظْهر الْإِسْلَام. قَوْله: (فضل) ، أَصله التَّعْدِيَة بالحرف لِأَنَّهُ قَالَ فِي الطَّرِيق الأول. فضل كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن صَاحبه، وَيكون نصب (صاحبَه) هُنَا بِنَزْع الْخَافِض، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قومَه سبعين} (الْأَعْرَاف: ٥٥١) . أَي: من قومه، وَالتَّقْدِير هُنَا: فضل أَحدهمَا عَن صَاحبه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقد جَاءَ مُتَعَدِّيا بِنَفسِهِ فِي الْأَشْيَاء الثَّابِتَة، كَمَا يُقَال: ضللت الْمَسْجِد وَالدَّار، إِذا لم يعرف موضعهما قلت: هَذَا من بَاب التَّوَسُّع، كَمَا يُقَال: دخلت الْمَسْجِد، حَتَّى قيل: إِن الصَّوَاب: فأضل أَحدهمَا صَاحبه.
٨ - (بابُ أُمِّ الوَلَدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم أم الْوَلَد، وَلم يذكر الحكم مَا هُوَ، فَكَأَنَّهُ تَركه للْخلاف فِيهِ. قَالَ أَبُو عمر: اخْتلف السّلف وَالْخلف من الْعلمَاء فِي عتق أم الْوَلَد وَفِي جَوَاز بيعهَا، فالثابت عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عدم جَوَاز بيعهَا، وروى مثل ذَلِك عَن عُثْمَان وَعمر بن عبد الْعَزِيز، وَهُوَ قَول أَكثر التَّابِعين مِنْهُم: الْحسن وَعَطَاء ومحاهد وَسَالم وَابْن شهَاب وَإِبْرَاهِيم، وَإِلَى ذَلِك ذهب مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، فِي أَكثر كتبه، وَقد أجَاز بيعهَا فِي بعض كتبه، وَقَالَ الْمُزنِيّ: قطع فِي أَرْبَعَة عشر موضعا من كتبه بِأَن لَا تبَاع، وَهُوَ الصَّحِيح من مذْهبه، وَعَلِيهِ جُمْهُور أَصْحَابه، وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر وَالْحسن بن صَالح وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي عبيد وَأبي ثَوْر، وَكَانَ أَبُو بكر الصّديق وَعلي بن أبي طَالب وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَجَابِر وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يجيزون بيع أم الْوَلَد، وَبِه قَالَ دَاوُد، وَقَالَ جَابر وَأَبُو سعيد: (كُنَّا نبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَذكر عبد الرَّزَّاق: أَنبأَنَا ابْن جريج أَخْبرنِي أَبُو الزبير سمع جَابِرا، يَقُول: (كُنَّا نبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِينَا لَا يرى بذلك بَأْسا) . وأنبأنا ابْن جريج أَنبأَنَا عبد الرَّحْمَن بن الْوَلِيد أَن أَبَا إِسْحَاق الْهَمدَانِي أخبرهُ أَن أَبَا بكر الصّديق (كَانَ يَبِيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد فِي آمارته وَعمر فِي نصف إمارته) . وَقَالَ ابْن مَسْعُود: (تعْتق فِي نصيب وَلَدهَا) ، وَقد رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير. قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي مَارِيَة سريته: لما ولدت إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَالَ: (أعْتقهَا وَلَدهَا) ، من وَجه لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَلَا يُثبتهُ أهل الحَدِيث، وَكَذَا حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه قَالَ: (إيما أمة ولدت من سَيِّدهَا فَإِنَّهَا حرَّة إِذا مَاتَ سَيِّدهَا) ، فَقيل لَهُ: عَمَّن هَذَا؟ قَالَ: (عَن الْقُرْآن هَذَا) ، قَالَ الله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم} (النِّسَاء: ٩٥) . وَكَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من أولي الْأَمر، وَقد قَالَ: أعْتقهَا وَلَدهَا وَإِن كَانَ سِقطاً.
قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ أشْرَاطِ السَّاعَةِ أنْ تَلِدَ الأمَةِ رَبَّها
هَذَا التَّعْلِيق مر مَوْصُولا مطولا فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب سُؤال جِبْرِيل النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن الْإِيمَان، وَتقدم الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَجه إِيرَاد هَذَا هُنَا هُوَ أَن مِنْهُم من اسْتدلَّ على جَوَاز بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد، وَمِنْهُم من منع ذَلِك فَكَانَ البُخَارِيّ أَرَادَ بِذكرِهِ هَذَا الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنه لَا يدل على الْجَوَاز وَلَا الْمَنْع. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) وَقد اسْتدلَّ إمامان من كبار الْعلمَاء على ذَلِك، اسْتدلَّ أَحدهمَا على الْإِبَاحَة، وَالْآخر على الْمَنْع، وَذَلِكَ عَجِيب مِنْهُمَا، وَقد أنكر عَلَيْهِمَا فَإِنَّهُ لَيْسَ كل مَا أخبر، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِكَوْنِهِ من عَلَامَات السَّاعَة يكون محرما أَو مذموماً كتطاول الرعاء فِي الْبُنيان وفشو المَال وَكَون خمسين امْرَأَة لَهُنَّ قيم وَاحِد لَيْسَ بِحرَام بِلَا شكّ، وَإِنَّمَا هَذِه عَلَامَات، والعلامة لَا يشْتَرط فِيهَا شَيْء من ذَلِك، بل تكون بِالْخَيرِ وَالشَّر والمباح وَالْمحرم وَالْوَاجِب وَغَيره. انْتهى. قلت: وَجه اسْتِدْلَال الْمُجِيز أَن ظَاهر قَوْله:
(رَبهَا) ، أَن المُرَاد بِهِ سَيِّدهَا لِأَن وَلَدهَا من سَيِّدهَا يتنزل منزلَة سَيِّدهَا لمصير مآل الْإِنْسَان إِلَى وَلَده غَالِبا، وَوجه اسْتِدْلَال الْمَانِع أَن هَذَا إِخْبَار عَن غَلَبَة الْجَهْل فِي آخر الزَّمَان حَتَّى تبَاع أُمَّهَات الْأَوْلَاد، فيكثر تردد الْأمة فِي الْأَيْدِي حَتَّى يَشْتَرِيهَا وَلَدهَا وَهُوَ لَا يدْرِي، فَيكون فِيهِ إِشَارَة إِلَى تَحْرِيم بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد، وَلَا يخفى تعسف الْوَجْهَيْنِ.
٣٣٥٢ - حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني عُرْوَةَ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ إنَّ عُتْبَةَ بنَ أبِي وقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أخِيهِ سَعْدِ بنِ أبِي وقَّاصٍ أنْ يَقْبِضَ إلَيْهِ ابنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ قَالَ عُتْبَةُ إنَّهُ ابْني فلَمَّا قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَمَنَ الْفَتْحِ أخَذَ سَعْدٌ ابنُ ولِيدَةِ زَمْعَةَ فَأقْبَلَ بِهِ إلَى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأقْبَلَ معَهُ بِعَبْدِ بنِ زَمْعَةَ فقالَ سَعْدٌ يَا رسُولَ الله هَذَا ابنُ أخِي عَهِدَ إلَيَّ أنَّهُ ابْنُهُ فَقَالَ عبدُ بنُ زَمْعَةَ يَا رسولَ الله هَذَا أخِي ابنُ ولِيدَةِ زَمعَة وُلدَ عَلى فِراشِهِ فنَظَرَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى ابنُ وليدَةِ زَمْعَةَ فإذَا هُوَ أشْبَهُ النًّاسِ بهِ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بنَ زَمْعَةَ مِنْ أجْلِ أنَّهُ وُلِدَ علَى فِرَاشِ أَبِيه وَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بنْتَ زَمْعَةَ مِمَّا رَأى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ وكانتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (هَذَا أخي، ولد على فرَاش أبي) وَحكمه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِأَنَّهُ أَخُوهُ، فَإِن فِيهِ ثُبُوت أميَّة الْوَلَد. فَإِن قلت: لَيْسَ فِيهِ تعرض لحريتها وَلَا لرقيتها. قلت: التَّرْجَمَة فِي بَاب أم الْوَلَد مُطلقًا من غير تعرض للْحكم، كَمَا ذكرنَا فَتحصل الْمُطَابقَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة، وَقيل: فِيهِ: إِشَارَة إِلَى حريَّة أم الْوَلَد لِأَنَّهُ جعلهَا فراشا، فسوى بَينهَا وَبَين الزَّوْجَة فِي ذَلِك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: زَاد فِي بعض النّسخ بعد تَمام الحَدِيث، قَالَ أَبُو عبد الله: سمى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أمة زَمعَة أمة ووليدة، فَدلَّ على أَنَّهَا لم تكن عتيقة بِهَذَا الحَدِيث. قلت: هَذَا يدل على أَن ميله إِلَى عدم عتق أم الْوَلَد بِمَوْت السَّيِّد، ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي: وَقد يُقَال غَرَض البُخَارِيّ فِيهِ بَيَان أَن بعض الْحَنَفِيَّة لَا يَقُولُونَ بِأَن الْوَلَد للْفراش فِي الْأمة إِذْ لَا يلحقون الْوَلَد بالسيد إلَاّ بِإِقْرَارِهِ، بل يخصصونه بفراش الْحرَّة، فَإِذا أَرَادوا تَأْوِيل مَا فِي هَذَا الحَدِيث فِي بعض الرِّوَايَات من أَن الْوَلَد للْفراش يَقُولُونَ: إِن أم الْوَلَد الْمُتَنَازع فِيهَا كَانَت حرَّة لَا أمة، ثمَّ إِن هَذَا الحَدِيث مضى فِي أَوَائِل كتاب الْبيُوع فِي: بَاب تَفْسِير الشُّبُهَات، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَلَكِن نذْكر هُنَا بعض شيى لزِيَادَة الْفَائِدَة.
وَقَالَ ابْن بطال: الْقَضِيَّة مشكلة من جِهَة أَن عبدا ادّعى على أمة ولدا بقوله: أخي، وَلم يَأْتِ بِبَيِّنَة تشهد على إِقْرَار أَبِيه، فَكيف قبل دَعْوَاهُ؟ فَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ إِلَى: أَن الْأمة إِذا وَطئهَا مَوْلَاهَا فقد لزمَه كل ولد تَجِيء بِهِ بعد ذَلِك، إدعاه أم لَا. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَا يلْزم مَوْلَاهَا إلَاّ أَن يقرَّ بِهِ، وَقَالَ: إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (هولك) ، وَلم يقل: هُوَ أَخُوك، فَيجوز أَن يُرِيد بِهِ: هُوَ مَمْلُوك لَك بِحَق مَا لَك عَلَيْهِ من الْيَد، وَلِهَذَا أَمر سَوْدَة بالاحتجاب مِنْهُ، فَلَو جعله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ابْن زَمعَة لما حجب مِنْهُ أُخْته. وَقَالَت طَائِفَة: مَعْنَاهُ: هُوَ أَخُوك كَمَا ادعيت، قَضَاء مِنْهُ فِي ذَلِك بِعَمَلِهِ، لِأَن زَمعَة كَانَ صهره فَألْحق وَلَده بِهِ لما علمه من فراسته، لَا أَنه قضى بذلك لاستلحاق عبد لَهُ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: (هُوَ لَك) ، أَي: بِيَدِك عَلَيْهِ لَا إِنَّك تملكه، وَلَكِن يمنه مِنْهُ كل من سواك، كَمَا قَالَ فِي اللّقطَة: هِيَ لَك تدفع غَيْرك عَنْهَا حَتَّى يَجِيء صَاحبهَا، وَلما كَانَ لعبد شريك وَهُوَ أُخْته سَوْدَة، وَلم يعلم مِنْهَا تَصْدِيق فِي ذَلِك، ألزم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عبدا مَا أقرَّ بِهِ على نَفسه، وَلم يَجْعَل ذَلِك حجَّة على أُخْته، فَأمرهَا بالاحتجاب. وَقَالَ الشَّافِعِي: رُؤْيَة ابْن زَمعَة لسودة مُبَاحَة، لكنه كرهه للشُّبْهَة، وأمرها بالتنزه عَنهُ اخْتِيَارا. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: هُوَ لَك ملك، يَعْنِي عبدا لِأَنَّهُ بَان وليدة أَبِيك، وكل أمة تَلد من غير سَيِّدهَا فولدها عبد، وَلم ينْقل فِي الحَدِيث اعْتِرَاف سَيِّدهَا بِوَطْئِهَا، وَلَا شهد بذلك عَلَيْهِ، فَلم يبْق إلَاّ الْقَضَاء بِأَنَّهُ عبد تبيع لأمه، لَا أَنه قضى لَهُ بِبَيِّنَة. وَأجَاب ابْن الْقصار بجوابين: أَحدهمَا: أَنه كَانَ يدعى: عبد بن زَمعَة، أَنه حر وَأَنه أَخُوهُ ولد على فرَاش أَبِيه،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
فِي الطَّرِيقِ، قَالَ) أبو هريرة: (فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَايَعْتُهُ) على الإسلام، ولأبي ذرٍّ: «فبايعته» (فَبَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا عِنْدَهُ) وجواب «بينا» قوله: (إِذْ طَلَعَ الغُلَامُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا غُلَامُكَ) يحتمل أن يكون وَصَفَه أبو هريرة له ﵊ فعرفه، أو رآه مقبلًا إليه، أو أخبره المَلَك، قال أبو هريرة: (فَقُلْتُ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَأَعْتَقْتُهُ) (١) أي: باللَّفظ المذكور، فالفاء تفسيريَّةٌ، وليس المراد أنَّه أعتقه بعد هذا بلفظٍ آخر (لَمْ يَقُلْ) ولأبي ذرٍّ: «قال أبو عبد الله» البخاريُّ: «لم يقل» (أَبُو كُرَيْبٍ) هو محمَّد بن العلاء أحد مشايخه في روايته (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ: حُرٌّ) بل قال: هو لوجه الله، فأعتقه، وهذا وصله في أواخر «المغازي» [خ¦٤٣٩٣].
٢٥٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ) بفتح العين وتشديد المُوحَّدة، أبو عمر (٢) العبديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ) الرُّؤَاسيُّ -بضمِّ الرَّاء وبعدها همزةٌ فسينٌ مُهمَلةٌ- الكوفيُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ البجليِّ، أنَّه (قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ وَمَعَهُ غُلَامُهُ) لم يُسَمَّ (وَهْوَ يَطْلُبُ الإِسْلَامَ) جملةٌ حاليَّةٌ (فَضَلَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) بالنَّصب على نزع الخافض، أي: من صاحبه، كما في الطَّريق الأولى [خ¦٢٥٣٠] (بِهَذَا) اللَّفظ (٣) السَّابق، وقوله: «فضلَّ» كذا هو في رواية أبي ذرٍّ، لكنَّه ضُبِّب عليه في فرع «اليونينيَّة»، وقال في الهامش: إنَّ الصَّواب: «فأضلَّ» أي: مُعدًّى بالهمزة، وحينئذٍ لا يحتاج إلى تقديرٍ (وَقَالَ: أَمَا) بالتَّخفيف (إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ) أي: الغلام (للهِ) وهذا من الكناية كقوله: لا ملك لي عليك ولا سبيل ولا سلطان، أو أزلتُ ملكي عنك، وأمَّا قوله: هو حرٌّ، أو مُحرَّرٌ، أو حرَّرته فصريحٌ لا يحتاج إلى نيَّةٍ، ولا أثر للخطأ في التَّذكير والتَّأنيث بأن يقول للعبد: أنتِ حرَّةٌ، وللأمة: أنتَ حرٌّ، وفكُّ الرَّقبة صريحٌ على الأصحِّ، ولو كانت أمته تُسمَّى قبل جريان الرِّقِّ عليها حرَّةً، فقال
لها: يا حرَّةُ، فإن لم يخطر له (١) النِّداء باسمها القديم عَتَقَتْ، وإن قصد نداءها لم تُعتَق على الأصحِّ، وقيل: تُعتَق لأنَّه صريحٌ، ولو كان اسمها في الحال حرَّةً، أو اسم العبد حرٌّ أو عتيقٌ، فإن قصد النِّداء لم يُعتَق، وكذا إن أطلق على الأصحِّ، وفي «فتاوى» الغزاليِّ: أنَّه لو اجتاز بالمَكَّاس فخاف أن يطالبه بالمَكْس عن عبده، فقال: هو حرٌّ وليس بعبدٍ، وقصد الإخبار، لم يُعتَق فيما بينه وبين الله تعالى، وهو كاذبٌ في خبره ومقتضى (٢) هذا ألَّا يُقبَل ظاهرًا، ولو قيل لرجلٍ استخبارًا: أطلَّقتَ زوجتك؟ فقال: نعم، فإقرارٌ بالطَّلاق، فإن كان كاذبًا فهي زوجته في الباطن، فإن قال: أردتُ طلاقًا ماضيًا وراجعتُ، صُدِّق بيمينه في ذلك، وإن قيل له ذلك التماسًا لإنشاءٍ (٣)، فقال: نعم فصريحٌ؛ لأنَّ «نعم» قائمٌ مقام «طلَّقتها» المراد بذكره في السُّؤال، وأنَّه لو قال لعبده: افرغ من هذا العمل قبل العشيِّ وأنت حرٌّ، وقال: أردت حرًّا من العمل دون العتق دِينَ، فلا يُقبَل ظاهرًا، ولو قال لعبده: يا مولاي فكنايةٌ، ولو قال له: يا سيِّدي، قال القاضي حُسَينٌ والغزاليُّ: هو لغوٌ، وقال الإمام: الذي أراه أنَّه كنايةٌ، ولو قال لعبد غيره: أنت حرٌّ، فهو إقرارٌ بحرِّيَّته، وهو باطلٌ في الحال، فلو مَلَكَهُ حَكَمْنا بعتقه، مُؤَاخَذةً له بإقراره.
(٨) (باب) حكم (أُمِّ الوَلَدِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ فيما تقدَّم بمعناه موصولًا في «الإيمان» [خ¦٥٠] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّهَا) أي: سيِّدها؛ لأنَّ ولدها من سيِّدها ينزل منزلة سيِّدها لمصير (٤) مال الإنسان إلى ولده (٥) غالبًا، ولا دلالة فيه على جواز بيع أمِّ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الأعْمَالُ بالنِّيَّةِ ولاِمْرِىءٍ مَا نَوَى فَمَنْ كانتُ هِجْرَتُهُ إِلَى الله ورسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى الله ورسولِهِ ومَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهجْرَتُه إِلَى مَا هاجَرَ إلَيْهِ..
قد مر هَذَا الحَدِيث فِي أول الْكتاب فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان ... إِلَى آخِره، وَهنا: عَن مُحَمَّد بن كثير ضد قَلِيل عَن سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ.
قَوْله: (الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ ولامرىء مَا نوى) ، كَذَا أخرجه مُحَمَّد بن كثير بِخِلَاف: إِنَّمَا، فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وٌ د أخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُحَمَّد بن كثير شيخ البُخَارِيّ فِيهِ، فَقَالَ: (إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لامرىء مَا نوى) . قَوْله: (إِلَى دنيا) فِي رِوَايَة الْكشميهني: للدنيا، وَهِي رِوَايَة أبي دَاوُد أَيْضا، وَوجه إِعَادَة هَذَا الحَدِيث وَذكره هُنَا لأجل ذكر قِطْعَة مِنْهُ، وَهُوَ قَوْله: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لكل امرىء مَا نوى، وَقد ذكرنَا وَجه ذكر الْقطعَة، وللإشارة أَيْضا إِلَى أَنه أخرج هَذَا الحَدِيث من شيخين وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
٧ - (بابٌ إذَا قَالَ رجُلٌ لِعَبْدِهِ هُوَ لله ونَوَى الْعِتْقَ والإشْهَادُ فِي العِتْقِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ رجل لعَبْدِهِ هُوَ لله، هَذَا هَكَذَا روى الْأصيلِيّ وكريمة، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: بَاب إِذا قَالَ لعَبْدِهِ، الْفَاعِل مُضْمر، وَهُوَ رجل أَو شخص. قَوْله: (وَنوى الْعتْق) ، أَي: وَالْحَال أَنه نوى عتق العَبْد بِهَذَا اللَّفْظ، وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره: صَحَّ أَو عتق العَبْد. قَوْله: (وَالْإِشْهَاد) بِالرَّفْع، وَفِيه حذف تَقْدِيره: وَبَاب يذكر فِيهِ الْإِشْهَاد فِي الْعتْق، فَيكون ارتفاعه بِالْفِعْلِ الْمُقدر، وَتَكون هَذِه الْجُمْلَة أَعنِي: قَوْلنَا: وَبَاب يذكر فِيهِ الْإِشْهَاد على الْعتْق معطوفة على: بَاب إِذا قَالَ أَي بَاب يذكر فِيهِ، إِذا قَالَ، وَلَفظ: بَاب، منون فِي الظَّاهِر، وَفِي الْمُقدر، وَهَذَا هُوَ الْوَجْه، وَمن جر الْإِشْهَاد فقد جر مَا لَا يُطيق حمله.
٠٣٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ نُمَيْرٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ بِشْرٍ عنْ إسْمَاعِيلَ عنْ قَيْسٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ لَمَّا أقْبَلَ يُرِيدُ الأسْلامَ ومَعَهُ غُلامُهُ ضَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما مِنْ صاحِبِهِ فأقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وأبُو هُرَيْرَةَ جالِسٌ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا غُلَامُكَ قَدْ أتَاكَ فَقَالَ أما أنِّي أُشْهِدُكَ أنَّهُ حُرٌّ فَهْوَ حينَ يَقُولُ:
(يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وعَنائِها ... علَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ)
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أما أَنِّي أشهدك أَنه حر) ، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده.
وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد الأحمسي البَجلِيّ، وَاسم أبي خَالِد سعد، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: واسْمه عَوْف، قدم الْمَدِينَة بَعْدَمَا قبض النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَؤُلَاء كلهم كوفيون
قَوْله: (يُرِيد الْإِسْلَام) جملَة حَالية، وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَمَعَهُ غُلَامه) ، جملَة حَالية إسمية أَي: وَمَعَ أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (ضل) ، أَي: تاه كل وَاحِد مِنْهُمَا ذهب إِلَى نَاحيَة وَفَسرهُ الْكرْمَانِي بقوله: ضَاعَ، وَتَبعهُ بَعضهم على ذَلِك وَلَيْسَ مَعْنَاهُ إلَاّ مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (أما) ، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْمِيم وتستعمل هَذِه الْكَلِمَة على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن تكون حرف استفتاح بِمَنْزِلَة أَلا. وَالثَّانِي: أَن تكون بِمَعْنى حَقًا. وَأما، هُنَا على هَذَا الْمَعْنى. قَوْله: (أَنِّي) ، بِفَتْح الْهمزَة كَمَا تفتح الْهمزَة بعد قَوْلهم: حَقًا، لِأَنَّهَا بِمَعْنَاهُ. قَوْله: (فَهُوَ حِين يَقُول) ، أَي: الْوَقْت الَّذِي وصل فِيهِ إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: (يَا لَيْلَة) ، هَذَا من بَحر الطَّوِيل، وَقد دخله الخرم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة وَسُكُون الرَّاء، وَهُوَ حذف الْحَرْف من أول الْجُزْء، وللطويل ثَمَانِيَة أَجزَاء وَقد حذف الْحَرْف من أول جزئه وَهُوَ: يَا لَيْلَة، لِأَن تَقْدِيره: فيا لَيْلَة، لِأَن وَزنه فيالي: فعولن، لَهُ من طو: مفاعيلن، لَهَا و: فعول، عنائها: مفاعلن. وَفِيه الْقَبْض، وَقَول الْكرْمَانِي: وَلَا بُد من زِيَادَة وَلَو أوفاء فِي أول الْبَيْت ليَكُون مَوْزُونا، كَلَام من يقف على علم الْعرُوض، لِأَن مَا جَازَ حذفه كَيفَ يُقَال فِيهِ لَا بُد من إثْبَاته؟ قَوْله: (عنائها) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وبتخفيف النُّون وبالمد: أَي تعبها ومشقتها. قَوْله: (دارة
الْكفْر) ، هِيَ دَار الْحَرْب، والدارة أخص من الدَّار، ويروى: (دَاره) ، بِالْإِضَافَة إِلَى الضَّمِير، وَحِينَئِذٍ يكون الْكفْر بَدَلا مِنْهُ بدل الْكل من الْكل، وَكَثِيرًا مَا تسْتَعْمل الدارة فِي أشعار الْعَرَب، كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
(وَلَا سِيمَا يَوْم بدارة جلجل)
ودارات كَثِيرَة، وَقَالَ أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي: الدارة جوفة تحف الْجبَال، وَقَالَ عَنهُ فِي مَوضِع آخر: الدارة رمل مستدير قدر ميلين تحفه الْجبَال. وَقَالَ الهجري: الدارة النبكة السهلة حفتها جبال، وَمِقْدَار الدارة خَمْسَة أَمْيَال فِي مثلهَا. قلت: النبكة، بِفَتْح النُّون وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْكَاف: وَهِي أكمة محددة الرَّأْس، وَيجمع على: نبك، بِالتَّحْرِيكِ. فَإِن قلت: الشّعْر لمن؟ قلت: ظَاهره أَنه لأبي هُرَيْرَة، وَلكنه غير مَشْهُور بالشعر. وَحكى ابْن التِّين: أَنه لغلامه، وَحكى الفاكهي فِي (كتاب مَكَّة) : عَن مقدم بن حجاج السوَائِي أَن الْبَيْت الْمَذْكُور لأبي مرْثَد الغنوي فِي قصَّة لَهُ، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون أَبُو هُرَيْرَة قد تمثل بِهِ. وَالله أعلم.
وَقَالَ الْمُهلب: لَا خلاف بَين الْعلمَاء فِيمَا علمت إِذا قَالَ رجل لعَبْدِهِ: هُوَ حر، أَو: هُوَ لله، وَنوى الْعتْق أَنه يلْزمه الْعتْق. وكل مَا يفهم بِهِ عَن الْمُتَكَلّم أَنه أَرَادَ بِهِ الْعتْق لزمَه وَنفذ عَلَيْهِ، وروى ابْن أبي شيبَة عَن هشيم عَن مُغيرَة: أَن رجلا قَالَ لغلامه: أَنْت لله. فَسئلَ الشّعبِيّ وَالْمُسَيب بن رَافع وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، فَقَالُوا: هُوَ حر. وَعَن إِبْرَاهِيم كَذَلِك، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: وَإِن قَالَ: إِنَّك لحر النَّفس، فَهُوَ حر، وَعَن الْحسن: إِذا قَالَ: مَا أَنْت إلَاّ حر، نِيَّته. وَعَن الشّعبِيّ مثله.
وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ: الْعتْق عِنْد بُلُوغ الأمل والنجاة مِمَّا يخَاف، كَمَا فعل أَبُو هُرَيْرَة حِين أَنْجَاهُ الله من دَار الْكفْر وَمن ضلاله فِي اللَّيْل عَن الطَّرِيق، وَكَانَ إِسْلَام أبي هُرَيْرَة فِي سنة سِتّ من الْهِجْرَة.
٢٣٥٢ - حدَّثنا شِهَابُ بنُ عَبَّادٍ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ حُمَيْدٍ عنْ إسْمَاعِيلَ عنْ قَيْسٍ قَالَ لَ مَّا أقْبَلَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ ومَعَهُ غُلَامَهُ وهْوَ يَطْلُبُ الإسْلامَ فَضَلَّ أحَدُهُمَا صاحِبَهُ بِهاذَا وَقَالَ أما أنِّي أشْهِدُكَ أنَّهُ لله.
هَذَا طَرِيق آخر عَن شهَاب بن عباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء: الْعَبْدي الْكُوفِي أَبُو عَمْرو عَن إِبْرَاهِيم بن حميد بن عبد الرَّحْمَن الرُّؤَاسِي من قيس غيلَان الْكُوفِي ... إِلَى آخِره. قَوْله: (وَهُوَ يطْلب الْإِسْلَام) جملَة حَالية، وَيحْتَمل أَن يكون حَقِيقَة، وَإِن لم يسلم وَأسلم بعد، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد يظْهر الْإِسْلَام. قَوْله: (فضل) ، أَصله التَّعْدِيَة بالحرف لِأَنَّهُ قَالَ فِي الطَّرِيق الأول. فضل كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن صَاحبه، وَيكون نصب (صاحبَه) هُنَا بِنَزْع الْخَافِض، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قومَه سبعين} (الْأَعْرَاف: ٥٥١) . أَي: من قومه، وَالتَّقْدِير هُنَا: فضل أَحدهمَا عَن صَاحبه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقد جَاءَ مُتَعَدِّيا بِنَفسِهِ فِي الْأَشْيَاء الثَّابِتَة، كَمَا يُقَال: ضللت الْمَسْجِد وَالدَّار، إِذا لم يعرف موضعهما قلت: هَذَا من بَاب التَّوَسُّع، كَمَا يُقَال: دخلت الْمَسْجِد، حَتَّى قيل: إِن الصَّوَاب: فأضل أَحدهمَا صَاحبه.
٨ - (بابُ أُمِّ الوَلَدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم أم الْوَلَد، وَلم يذكر الحكم مَا هُوَ، فَكَأَنَّهُ تَركه للْخلاف فِيهِ. قَالَ أَبُو عمر: اخْتلف السّلف وَالْخلف من الْعلمَاء فِي عتق أم الْوَلَد وَفِي جَوَاز بيعهَا، فالثابت عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عدم جَوَاز بيعهَا، وروى مثل ذَلِك عَن عُثْمَان وَعمر بن عبد الْعَزِيز، وَهُوَ قَول أَكثر التَّابِعين مِنْهُم: الْحسن وَعَطَاء ومحاهد وَسَالم وَابْن شهَاب وَإِبْرَاهِيم، وَإِلَى ذَلِك ذهب مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، فِي أَكثر كتبه، وَقد أجَاز بيعهَا فِي بعض كتبه، وَقَالَ الْمُزنِيّ: قطع فِي أَرْبَعَة عشر موضعا من كتبه بِأَن لَا تبَاع، وَهُوَ الصَّحِيح من مذْهبه، وَعَلِيهِ جُمْهُور أَصْحَابه، وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر وَالْحسن بن صَالح وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي عبيد وَأبي ثَوْر، وَكَانَ أَبُو بكر الصّديق وَعلي بن أبي طَالب وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَجَابِر وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يجيزون بيع أم الْوَلَد، وَبِه قَالَ دَاوُد، وَقَالَ جَابر وَأَبُو سعيد: (كُنَّا نبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَذكر عبد الرَّزَّاق: أَنبأَنَا ابْن جريج أَخْبرنِي أَبُو الزبير سمع جَابِرا، يَقُول: (كُنَّا نبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِينَا لَا يرى بذلك بَأْسا) . وأنبأنا ابْن جريج أَنبأَنَا عبد الرَّحْمَن بن الْوَلِيد أَن أَبَا إِسْحَاق الْهَمدَانِي أخبرهُ أَن أَبَا بكر الصّديق (كَانَ يَبِيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد فِي آمارته وَعمر فِي نصف إمارته) . وَقَالَ ابْن مَسْعُود: (تعْتق فِي نصيب وَلَدهَا) ، وَقد رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير. قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي مَارِيَة سريته: لما ولدت إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَالَ: (أعْتقهَا وَلَدهَا) ، من وَجه لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَلَا يُثبتهُ أهل الحَدِيث، وَكَذَا حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه قَالَ: (إيما أمة ولدت من سَيِّدهَا فَإِنَّهَا حرَّة إِذا مَاتَ سَيِّدهَا) ، فَقيل لَهُ: عَمَّن هَذَا؟ قَالَ: (عَن الْقُرْآن هَذَا) ، قَالَ الله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم} (النِّسَاء: ٩٥) . وَكَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من أولي الْأَمر، وَقد قَالَ: أعْتقهَا وَلَدهَا وَإِن كَانَ سِقطاً.
قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ أشْرَاطِ السَّاعَةِ أنْ تَلِدَ الأمَةِ رَبَّها
هَذَا التَّعْلِيق مر مَوْصُولا مطولا فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب سُؤال جِبْرِيل النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن الْإِيمَان، وَتقدم الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَجه إِيرَاد هَذَا هُنَا هُوَ أَن مِنْهُم من اسْتدلَّ على جَوَاز بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد، وَمِنْهُم من منع ذَلِك فَكَانَ البُخَارِيّ أَرَادَ بِذكرِهِ هَذَا الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنه لَا يدل على الْجَوَاز وَلَا الْمَنْع. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) وَقد اسْتدلَّ إمامان من كبار الْعلمَاء على ذَلِك، اسْتدلَّ أَحدهمَا على الْإِبَاحَة، وَالْآخر على الْمَنْع، وَذَلِكَ عَجِيب مِنْهُمَا، وَقد أنكر عَلَيْهِمَا فَإِنَّهُ لَيْسَ كل مَا أخبر، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِكَوْنِهِ من عَلَامَات السَّاعَة يكون محرما أَو مذموماً كتطاول الرعاء فِي الْبُنيان وفشو المَال وَكَون خمسين امْرَأَة لَهُنَّ قيم وَاحِد لَيْسَ بِحرَام بِلَا شكّ، وَإِنَّمَا هَذِه عَلَامَات، والعلامة لَا يشْتَرط فِيهَا شَيْء من ذَلِك، بل تكون بِالْخَيرِ وَالشَّر والمباح وَالْمحرم وَالْوَاجِب وَغَيره. انْتهى. قلت: وَجه اسْتِدْلَال الْمُجِيز أَن ظَاهر قَوْله:
(رَبهَا) ، أَن المُرَاد بِهِ سَيِّدهَا لِأَن وَلَدهَا من سَيِّدهَا يتنزل منزلَة سَيِّدهَا لمصير مآل الْإِنْسَان إِلَى وَلَده غَالِبا، وَوجه اسْتِدْلَال الْمَانِع أَن هَذَا إِخْبَار عَن غَلَبَة الْجَهْل فِي آخر الزَّمَان حَتَّى تبَاع أُمَّهَات الْأَوْلَاد، فيكثر تردد الْأمة فِي الْأَيْدِي حَتَّى يَشْتَرِيهَا وَلَدهَا وَهُوَ لَا يدْرِي، فَيكون فِيهِ إِشَارَة إِلَى تَحْرِيم بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد، وَلَا يخفى تعسف الْوَجْهَيْنِ.
٣٣٥٢ - حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني عُرْوَةَ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ إنَّ عُتْبَةَ بنَ أبِي وقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أخِيهِ سَعْدِ بنِ أبِي وقَّاصٍ أنْ يَقْبِضَ إلَيْهِ ابنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ قَالَ عُتْبَةُ إنَّهُ ابْني فلَمَّا قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَمَنَ الْفَتْحِ أخَذَ سَعْدٌ ابنُ ولِيدَةِ زَمْعَةَ فَأقْبَلَ بِهِ إلَى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأقْبَلَ معَهُ بِعَبْدِ بنِ زَمْعَةَ فقالَ سَعْدٌ يَا رسُولَ الله هَذَا ابنُ أخِي عَهِدَ إلَيَّ أنَّهُ ابْنُهُ فَقَالَ عبدُ بنُ زَمْعَةَ يَا رسولَ الله هَذَا أخِي ابنُ ولِيدَةِ زَمعَة وُلدَ عَلى فِراشِهِ فنَظَرَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى ابنُ وليدَةِ زَمْعَةَ فإذَا هُوَ أشْبَهُ النًّاسِ بهِ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بنَ زَمْعَةَ مِنْ أجْلِ أنَّهُ وُلِدَ علَى فِرَاشِ أَبِيه وَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بنْتَ زَمْعَةَ مِمَّا رَأى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ وكانتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (هَذَا أخي، ولد على فرَاش أبي) وَحكمه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِأَنَّهُ أَخُوهُ، فَإِن فِيهِ ثُبُوت أميَّة الْوَلَد. فَإِن قلت: لَيْسَ فِيهِ تعرض لحريتها وَلَا لرقيتها. قلت: التَّرْجَمَة فِي بَاب أم الْوَلَد مُطلقًا من غير تعرض للْحكم، كَمَا ذكرنَا فَتحصل الْمُطَابقَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة، وَقيل: فِيهِ: إِشَارَة إِلَى حريَّة أم الْوَلَد لِأَنَّهُ جعلهَا فراشا، فسوى بَينهَا وَبَين الزَّوْجَة فِي ذَلِك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: زَاد فِي بعض النّسخ بعد تَمام الحَدِيث، قَالَ أَبُو عبد الله: سمى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أمة زَمعَة أمة ووليدة، فَدلَّ على أَنَّهَا لم تكن عتيقة بِهَذَا الحَدِيث. قلت: هَذَا يدل على أَن ميله إِلَى عدم عتق أم الْوَلَد بِمَوْت السَّيِّد، ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي: وَقد يُقَال غَرَض البُخَارِيّ فِيهِ بَيَان أَن بعض الْحَنَفِيَّة لَا يَقُولُونَ بِأَن الْوَلَد للْفراش فِي الْأمة إِذْ لَا يلحقون الْوَلَد بالسيد إلَاّ بِإِقْرَارِهِ، بل يخصصونه بفراش الْحرَّة، فَإِذا أَرَادوا تَأْوِيل مَا فِي هَذَا الحَدِيث فِي بعض الرِّوَايَات من أَن الْوَلَد للْفراش يَقُولُونَ: إِن أم الْوَلَد الْمُتَنَازع فِيهَا كَانَت حرَّة لَا أمة، ثمَّ إِن هَذَا الحَدِيث مضى فِي أَوَائِل كتاب الْبيُوع فِي: بَاب تَفْسِير الشُّبُهَات، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَلَكِن نذْكر هُنَا بعض شيى لزِيَادَة الْفَائِدَة.
وَقَالَ ابْن بطال: الْقَضِيَّة مشكلة من جِهَة أَن عبدا ادّعى على أمة ولدا بقوله: أخي، وَلم يَأْتِ بِبَيِّنَة تشهد على إِقْرَار أَبِيه، فَكيف قبل دَعْوَاهُ؟ فَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ إِلَى: أَن الْأمة إِذا وَطئهَا مَوْلَاهَا فقد لزمَه كل ولد تَجِيء بِهِ بعد ذَلِك، إدعاه أم لَا. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَا يلْزم مَوْلَاهَا إلَاّ أَن يقرَّ بِهِ، وَقَالَ: إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (هولك) ، وَلم يقل: هُوَ أَخُوك، فَيجوز أَن يُرِيد بِهِ: هُوَ مَمْلُوك لَك بِحَق مَا لَك عَلَيْهِ من الْيَد، وَلِهَذَا أَمر سَوْدَة بالاحتجاب مِنْهُ، فَلَو جعله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ابْن زَمعَة لما حجب مِنْهُ أُخْته. وَقَالَت طَائِفَة: مَعْنَاهُ: هُوَ أَخُوك كَمَا ادعيت، قَضَاء مِنْهُ فِي ذَلِك بِعَمَلِهِ، لِأَن زَمعَة كَانَ صهره فَألْحق وَلَده بِهِ لما علمه من فراسته، لَا أَنه قضى بذلك لاستلحاق عبد لَهُ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: (هُوَ لَك) ، أَي: بِيَدِك عَلَيْهِ لَا إِنَّك تملكه، وَلَكِن يمنه مِنْهُ كل من سواك، كَمَا قَالَ فِي اللّقطَة: هِيَ لَك تدفع غَيْرك عَنْهَا حَتَّى يَجِيء صَاحبهَا، وَلما كَانَ لعبد شريك وَهُوَ أُخْته سَوْدَة، وَلم يعلم مِنْهَا تَصْدِيق فِي ذَلِك، ألزم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عبدا مَا أقرَّ بِهِ على نَفسه، وَلم يَجْعَل ذَلِك حجَّة على أُخْته، فَأمرهَا بالاحتجاب. وَقَالَ الشَّافِعِي: رُؤْيَة ابْن زَمعَة لسودة مُبَاحَة، لكنه كرهه للشُّبْهَة، وأمرها بالتنزه عَنهُ اخْتِيَارا. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: هُوَ لَك ملك، يَعْنِي عبدا لِأَنَّهُ بَان وليدة أَبِيك، وكل أمة تَلد من غير سَيِّدهَا فولدها عبد، وَلم ينْقل فِي الحَدِيث اعْتِرَاف سَيِّدهَا بِوَطْئِهَا، وَلَا شهد بذلك عَلَيْهِ، فَلم يبْق إلَاّ الْقَضَاء بِأَنَّهُ عبد تبيع لأمه، لَا أَنه قضى لَهُ بِبَيِّنَة. وَأجَاب ابْن الْقصار بجوابين: أَحدهمَا: أَنه كَانَ يدعى: عبد بن زَمعَة، أَنه حر وَأَنه أَخُوهُ ولد على فرَاش أَبِيه،