الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٣٧
الحديث رقم ٢٥٣٧ من كتاب «كتاب العتق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا أسر أخو الرجل أو عمه هل يفادى إذا كان مشركا.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢٥٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُوسَى، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسٌ ﵁:
استأذن رجال من الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم عقب غزوة بدر، فقالوا: اسمح لنا أن نترك لابن أختنا عباس بن عبد المطلب فداءه وماله الذي يستنقذ به نفسه من الأسر، وليسوا بأخواله مباشرةً، إنما هم أخوال أبيه عبد المطلب، لأن أخواله من بني النجار من الأنصار، وإنما قالوا: (ابن أختنا) لتكون المنة عليهم في إطلاقه، بخلاف ما لو قالوا اسمح لنا فلنترك لعمك، وهذا من الأدب الرفيع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجابهم عليه الصلاة والسلام: لا تتركون من فدائه وماله درهمًا، وإنما لم يجبهم عليه الصلاة والسلام إلى ذلك لئلا يكون في الدين نوع محاباة، وكان العباس ذا مال فاستوفيت منه الفدية وصُرِفت للغانمين.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
فلا يكون لغيره معه (١) منه شيءٌ.
(١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أُسِرَ أَخُو الرَّجُلِ أَوْ عَمُّهُ، هَلْ يُفَادَى) بضمِّ الياء وفتح الدَّال المُهمَلة بأن يعطي مالًا ويستنقذه من الأسر (إِذَا كَانَ) أخوه أو عمُّه (مُشْرِكًا؟ وَقَالَ أَنَسٌ) ﵁ في حديثٍ سبق موصولًا في «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٢١]: (قَالَ العَبَّاسُ) ﵁ (لِلنَّبِيِّ ﷺ: فَادَيْتُ نَفْسِي، وَفَادَيْتُ عَقِيلًا) بفتح العين وكسر القاف، ابن أبي طالبٍ، وكان العبَّاس قد أُسِر في وقعة بدرٍ، فأفدى نفسه بمئة أوقيةٍ من ذهبٍ، قاله ابن إسحاق، وقال ابن كثيرٍ في «تفسيره»: وهذه المئة عن نفسه وعن ابني أخيه عقيلٍ ونوفلٍ. قال البخاري: (وَكَانَ عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالبٍ (لَهُ نَصِيبٌ فِي تِلْكَ الغَنِيمَةِ الَّتِي أَصَابَ مِنْ أَخِيهِ عَقِيلٍ وَعَمِّهِ عَبَّاسٍ) فلو كان الأخ ونحوه من ذوي الرَّحم يُعتَق بمُجرَّد المِلْك لَعَتَقَ العبَّاس وعَقيلٌ في حصَّته من الغنيمة، وكذلك في نصيبه ﷺ، وهو حجَّةٌ على أبي حنيفة ﵀ في أنَّ من ملك ذا رحمٍ محرمٍ عتق عليه، وأُجيب: بأنَّ الكافر لا يملك بالغنيمة ابتداءً، بل يتخيَّر الإمام فيه بين القتل والاسترقاق والفداء والمنِّ، فالغنيمة سببٌ في (٢) الملك بشرط اختيار الإرقاق، فلا يلزم العتق بمجرَّد الغنيمة.
٢٥٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي أويسٍ، ابن أخت الإمام مالك بن أنسٍ،
احتجَّ به الشَّيخان، ولم يُخرِج له البخاريُّ ممَّا ينفرد به سوى حديثين، وروى له الباقون إلَّا النَّسائيَّ؛ فإنَّه أطلق القول بضعفه؛ لأنَّه أخطأ في أحاديث رواها من حفظه، لكن الذي أخرجه له البخاريُّ من صحيحِ حديثِه فلا يُحتَجُّ بشيءٍ من حديثه غير ما في «الصَّحيح» (١) من أجل ذلك. وقدح فيه النَّسائيُّ وغيره إلَّا أن يشاركه غيره فيُعتبَر به، قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف، وثَّقه النَّسائيُّ ويحيى بن معينٍ وأبو حاتمٍ، وتكلَّم فيه السَّاجي (٢) بكلامٍ لا يستلزم قدحًا، وقد احتجَّ به البخاريُّ والنَّسائيُّ، لكن لم يُكثِرا عنه (عَنْ مُوسَى) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن عقبة» الإمام في المغازي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسٌ ﵁: أَنَّ رِجَالًا مِنَ الأَنْصَارِ) لم يعرف الحافظ ابن حجرٍ أسماءهم (اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: ائْذَنْ) زاد أبو ذرٍّ: «لنا» (فَلْنَتْرُكْ لاِبْنِ أُخْتِنَا) بالمُثنَّاة الفوقيَّة (عَبَّاسٍ) هو ابن عبد المطَّلب، وليسوا بأخواله، إنَّما هم أخوال أبيه عبد المطَّلب؛ لأنَّ أمَّه سلمى بنت عمرو بن (٣) أُحَيْحَة -بمُهمَلتين مُصغَّرًا- وهي (٤) من بني النَّجار، وأمَّا أمُّ عبَّاسٍ فهي نُتَيلة -بالنُّون والمُثنَّاة الفوقيَّة مُصغَّرًا- بنت جَنَابٍ -بالجيم والنُّون وبعد الألف مُوحَّدةٌ- وليست من الأنصار اتِّفاقًا، وإنَّما قالوا: «ابن أختنا» لتكون المنَّة عليهم في إطلاقه بخلاف ما لو قالوا: ائذن لنا فلنترك لعمِّك (فِدَاءَهُ) أي: المال الذي يستنقذ به نفسه من الأسر (فَقَالَ) ﵊: (لَا تَدَعُونَ مِنْهُ) أي: لا تتركون من فدائه (دِرْهَمًا) وإنَّما لم يجبهم ﵊ إلى ذلك؛ لئلَّا يكون في الدِّين نوعٌ من (٥) محاباة، وكان العبَّاس ذا مالٍ، فاستُوفيت منه الفدية، وصُرِفت إلى الغانمين، وأراد المؤلِّف بإيراده هنا الإشارة إلى أنَّ العمَّ وابن العمِّ لا يَعتِقَان على من ملكهما من ذوي رحمهما؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قد ملك من عمِّه العبَّاس ومن ابن عمِّه عقيلٍ بالغنيمة التي له فيها نصيبٌ، وكذلك عليٌّ ﵁ قد ملك من أخيه عقيلٍ وعمِّه العبَّاس ولم يَعْتِقا
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة. وَأخرجه هُنَا عَن عُثْمَان عَن جرير بن عبد الحميد عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن الْأسود بن يزِيد عَن عَائِشَة، وَأخرجه أَيْضا فِي الْفَرَائِض عَن مُحَمَّد بن جرير وَفِيه أَيْضا عَن مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبيُوع وَفِي الْوَلَاء عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيُوع وَفِي الطَّلَاق وَفِي الْفَرَائِض عَن قُتَيْبَة عَن جرير بِهِ، وَذكر قصَّة التَّخْيِير فِي الْبيُوع وَفِي الطَّلَاق دون الْفَرَائِض.
قَوْله: (بَرِيرَة) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الرَّاء الأولى، وَكَانَت وليدة لبني هِلَال، كَذَا فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَن أبي الزبير عَن عُرْوَة، قَوْله: (لم أعْطى الْوَرق) ، بِفَتْح الْوَاو وَكسر الرَّاء، وَهِي الدَّرَاهِم المضروبة، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: وَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعْطى الثّمن أَو لمن مَعَه النِّعْمَة. قَوْله: (فَخَيرهَا من زَوجهَا) لِأَن زَوجهَا كَانَ عبدا على الْأَصَح، وَإِذا كَانَ زوج الْأمة حرا خيرت عندنَا أَيْضا. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا تخير، وروى مُسلم عَن عَائِشَة أَن زَوجهَا كَانَ عبدا فَخَيرهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وروى البُخَارِيّ وَمُسلم أَيْضا عَنْهَا أَن زوج بَرِيرَة كَانَ حرا حِين أعتقت، وَالْعَمَل بِهَذَا أولى لثُبُوت الْحُرِّيَّة لاتفاقهم أَنه كَانَ قتل عبدا. ونقول بِمُوجب الْحَدِيثين جمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ، وَلَا فرق فِي هَذَا بَين القنة وَأم الْوَلَد والمدبرة وَالْمُكَاتبَة، وَزفر يخالفنا فِي الْكِتَابَة.
١١ - (بابٌ إذَا أُسِرَ أخُو الرَّجُلِ أوْ عَمُّهُ هَلْ يُفادَى إذَا كانَ مُشْرِكاً)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أسر أَخُو الرجل أَو عَمه هَل يفادى؟ من فاداه يفاديه مفاداة: إِذا أعْطى فداءه، وأنقذه. وَقيل: المفاداة أَن يَفتكَّ الْأَسير بأسير مثله، وَفِي (الْمغرب) : فدَاه من الْأسر فدَاء: استنقذه مِنْهُ بِمَال، والفدية اسْم ذَلِك المَال، والمفاداة بَين اثْنَيْنِ. وَقَالَ الْمبرد: المفاداة أَن تدفع رجلا وَتَأْخُذ رجلا وَالْفِدَاء أَن تشتريه. وَقيل: هما بِمَعْنى قلت: يفادى هُنَا بِمَعْنى: أَن يُعْطي مَالا ويستنقذ الْأَسير. قَوْله: (إِذا كَانَ) ، أَي: أَخُوهُ أَو عَمه مُشْركًا من أهل دَار الْحَرْب، وَإِنَّمَا قَالَ البُخَارِيّ: هَل يفادى؟ بالاستفهام على سَبِيل الاستخبار، وَلم يبين حكم الْمَسْأَلَة. وَاقْتصر على ذكر أخي الرجل وَعَمه من بَين سَائِر ذَوي رَحمَه، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ترك بَيَان حكم الْمَسْأَلَة لأجل الْخلاف فِيهِ على مَا نبينه، وَأما اقْتِصَاره على الْأَخ وَالْعم فَلِأَنَّهُ استنبط من حَدِيث الْبَاب أَن الْأَخ وَالْعم لَا يعتقان على من ملكهمَا، وَكَذَلِكَ ابْن الْعم، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد ملك من عَمه الْعَبَّاس وَمن ابْن عَمه عقيل بِالْغَنِيمَةِ الَّتِي لَهُ فِيهَا نصيب، وَكَذَلِكَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قد ملك من أَخِيه عقيل وَعَمه الْعَبَّاس وَلم يعتقا عَلَيْهِ.
وَأما بَيَان الِاخْتِلَاف فِيمَن يعْتق على الرجل إِذا ملكه، فَذهب مَالك إِلَى أَنه لَا يعْتق عَلَيْهِ إلَاّ أهل الْفَرَائِض فِي كتاب الله تَعَالَى، وهم: الْوَلَد ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، وَولد الْوَلَد، وَإِن سفلوا، وَأَبوهُ وأجداده وجداته من قبل الْأَب وَالأُم وَإِن بعدوا، وَإِخْوَته لِأَبَوَيْنِ أَو لأَب أَو لأم، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي إلَاّ فِي الْأُخوة: فَإِنَّهُم لَا يعتقون، وحجته فِيهِ: أَن عقيلاً كَانَ أَخا عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَلم يعْتق عَلَيْهِ بِمَا ملك من نَفسه من الْغَنِيمَة مِنْهُ. وَعند الْحَنَفِيَّة: كل من ملك ذَا رحم محرم مِنْهُ عتق عَلَيْهِ، وَذُو الرَّحِم الْمحرم كل شَخْصَيْنِ يدليان إِلَى أصل وَاحِد بِغَيْر وَاسِطَة: كالأخوين، أَو أَحدهمَا بِوَاسِطَة، وَالْآخر بواسطتين، كالعم وَابْن الْعم، وَلَا يعْتق ذُو رحم غير محرم كبني الْأَعْمَام والأخوال وَبني العمات والخالات، وَلَا محرم غير ذِي رحم كالمحرمات بالصهرية، أَو الرَّضَاع إِجْمَاعًا، وَيَقُول الْحَنَفِيَّة قَالَ أَحْمد وَعنهُ كَقَوْل الشَّافِعِي. وَفِي (حاوي) الْحَنَابِلَة: وَمن ملك ذَا رحم محرم عتق عَلَيْهِ، وَعنهُ: لَا يعْتق إلَاّ عَمُود النّسَب. وَحجَّة الْحَنَفِيَّة فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة من حَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب، قَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَا: حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة بن جُنْدُب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ مُوسَى فِي مَوضِع آخر: عَن سَمُرَة بن جُنْدُب فِيمَا يحْسب حَمَّاد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من ملك ذَا رحم محرم فَهُوَ حر) ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا عبد الله بن مُعَاوِيَة الجُمَحِي الْبَصْرِيّ حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من ملك ذَا رحم محرم فَهُوَ حر) . وَقَالَ النَّسَائِيّ: أخبرنَا مُحَمَّد بن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا حجاج وَأَبُو دَاوُد، قَالَا: حَدثنَا حَمَّاد عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من ملك ذَا محرم فَهُوَ حر) ، وَقَالَ ابْن مَاجَه: حَدثنَا عقبَة بن مكرم وَإِسْحَاق بن مَنْصُور، قَالَا: حَدثنَا مُحَمَّد بن بكر البرْسَانِي عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة وَعَاصِم عَن الْحسن عَن سَمُرَة بن جُنْدُب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من ملك ذَا رحم محرم فَهُوَ حر) ، وَقَالَ بَعضهم: أَشَارَ البُخَارِيّ بترجمة هَذَا الْبَاب
إِلَى تَضْعِيف حَدِيث سَمُرَة هَذَا، واستنكره ابْن الْمَدِينِيّ، وَرجح التِّرْمِذِيّ إرْسَاله، وَقَالَ البُخَارِيّ: لَا يَصح. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: وَتفرد بِهِ حَمَّاد، وَكَانَ يشك فِي وَصله، وَغَيره يرويهِ عَن قَتَادَة عَن الْحسن. قَوْله: وَعَن قَتَادَة عَن عمر قَوْله: مُنْقَطِعًا، أخرج ذَلِك النَّسَائِيّ. قلت: مَا وَجه دلَالَة هَذِه التَّرْجَمَة على ضعف هَذَا الحَدِيث؟ فَمَا هَذِه الدّلَالَة؟ هَل هِيَ لفظية أَو عقلية؟ والْحَدِيث أخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من طَرِيق أَحْمد بن حَنْبَل عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَاصِم الْأَحول وَقَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة مَرْفُوعا، وَسكت عَنهُ، ثمَّ أخرجه عَن ضَمرَة بن ربيعَة عَن سُفْيَان عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: (من ملك ذَا رحم فَهُوَ حر) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، والمحفوط: عَن سَمُرَة بن جُنْدُب، وَصَححهُ أَيْضا ابْن حزم وَابْن الْقطَّان، وَقَالَ ابْن حزم: هَذَا خبر صَحِيح تقوم بِهِ الْحجَّة كل من رُوَاته ثِقَات. انْتهى. وَلَئِن سلمنَا مَا قَالُوا، فَمَا يقلون فِي حَدِيث ضَمرَة ابْن ربيعَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَهَذَا فِيهِ الْكِفَايَة فِي الِاحْتِجَاج؟ فَإِن قلت: قَالُوا: تفرد بِهِ ضَمرَة. قلت: لَيْسَ انْفِرَاده بِهِ دَلِيلا على أَنه غير مَحْفُوظ وَلَا يُوجب ذَلِك عِلّة فِيهِ، لِأَنَّهُ من الثِّقَات المأمونين لم يكن بِالشَّام رجل يُشبههُ، كَذَا قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل. وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة مَأْمُونا لم يكن هُنَاكَ أفضل مِنْهُ، وَقَالَ ابْن يُونُس: كَانَ فَقِيه أهل فلسطين فِي زَمَانه. والْحَدِيث إِذا انْفَرد بِهِ مثل هَذَا كَانَ صَحِيحا، وَلَا يضرّهُ تفرده.
وقالَ أنَسٌ قَالَ العَبَّاسُ لِلْنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فأدَّيْتُ نَفْسِي وفاديْتُ عَقيلاً
هَذَا التَّعْلِيق جُزْء من حَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الْقِسْمَة، وَتَعْلِيق القنو فِي الْمَسْجِد. أخرجه هُنَاكَ فَقَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس، قَالَ: أُتِي النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِمَال من الْبَحْرين ... الحَدِيث، وَفِيه: جَاءَهُ الْعَبَّاس فَقَالَ: يَا رَسُول الله {أَعْطِنِي، فَإِنِّي فاديت نَفسِي وفاديت عقيلاً ... إِلَى آخِره. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ مَوْصُولا، فَقَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الطّيب مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله، حَدثنَا مُحَمَّد بن عِصَام حَدثنَا حَفْص بن عبد الله حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن طهْمَان ... إِلَى آخِره وعباس عَم النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لما أسر فِي وقْعَة بدر فَأدى نَفسه بِمِائَة أُوقِيَّة من ذهب، قَالَه ابْن إِسْحَاق، وَقَالَ ابْن كثير فِي (تَفْسِيره) : وَهَذِه الْمِائَة عَن نَفسه وَعَن بني أَخِيه عقيل وَنَوْفَل، وروى هِشَام بن الْكَلْبِيّ عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ: فدى الْعَبَّاس نَفسه بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ من كل وَاحِد من الأسرى أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أضعفوها على الْعَبَّاس، فَقَالَ: تَرَكتنِي فَقِيرا مَا عِشْت أسأَل الله. قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (فَأَيْنَ المَال الَّذِي تركته عِنْد أم الْفضل) ، وَذكره فَقَالَ: يَا ابْن أخي من أعلمك؟ فوَاللَّه مَا كَانَ عندنَا ثَالِث. فَقَالَ: (أَخْبرنِي الله) ، فَقَالَ أشهد أَنَّك لصَادِق وَمَا علمت أَنَّك رَسُول الله قبل الْيَوْم، وَأسلم وَأمر إبني إخيه، فَأَسْلمَا. قَالَ ابْن عَبَّاس: وَفِيه نزل: {يَا أَيهَا النَّبِي قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الْأُسَارَى أَن يعلم الله فِي قُلُوبكُمْ} (الْأَنْفَال: ٠٧) . الْآيَة، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: عَن يزِيد بن رُومَان عَن عُرْوَة عَن الزُّهْرِيّ عَن جمَاعَة، سماهم. قَالُوا: بعثت قُرَيْش إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي فدَاء أسرائهم، ففدى كل قوم أسيرهم بِمَا رَضوا، وَقَالَ الْعَبَّاس: يَا رَسُول الله قد كنت مُسلما. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الله أعلم بِإِسْلَامِك، فَإِن يكن كَمَا تَقول فَالله يجْزِيك، وَأما ظاهرك فقد كَانَ علينا فافتدِ نَفسك وَابْني أَخِيك نَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَعقيل بن أبي طَالب بن عبد الْمطلب، وَحَلِيفك عتبَة بن عَمْرو أخي بني الْحَارِث بن فهر) قَالَ: مَا ذَاك عِنْدِي يَا رَسُول الله} قَالَ: (فإين المَال الَّذِي دَفَنته أَنْت وَأم الْفضل؟ قَالَ: فَقلت لَهَا: إِن أصبت فِي سَفَرِي هَذَا فَهَذَا المَال الَّذِي دَفَنته لبني الْفضل وَعبد الله وَقثم) قَالَ: وَالله إِنِّي لأعْلم أَنَّك رَسُول الله إِن هَذَا شَيْء مَا علمه أحد غَيْرِي وَغير أم الْفضل، فَاحْسبْ لي يَا رَسُول الله مَا أصبْتُم مني عشْرين أُوقِيَّة من مَال كَانَ معي. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا، ذَاك شَيْء أَعْطَانَا الله مِنْك، ففدى نَفسه وَابْني أَخَوَيْهِ وَحَلِيفه، فَأنْزل الله عزوجل فِيهِ: {يَا أَيهَا النَّبِي قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الْأُسَارَى ... } (الْأَنْفَال: ٠٧) . الْآيَة قَالَ الْعَبَّاس: فَأَعْطَانِي الله مَكَان الْعشْرين أُوقِيَّة فِي الْإِسْلَام عشْرين عبدا، كلهم فِي يَده مَال يضْرب بِهِ مَعَ مَا أَرْجُو من مغْفرَة الله، عز وَجل.
وَاخْتلفُوا فِي الَّذِي أسر الْعَبَّاس، فَقيل: ملك من الْمَلَائِكَة، وَقيل: أسره أَبُو الْيُسْر كَعْب بن عَمْرو وأخو بني سَلمَة الْأنْصَارِيّ وَكَانَ الْعَبَّاس جسيماً وَأَبُو الْيُسْر مجموعاً، فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كَيفَ أسرت الْعَبَّاس؟) فَقَالَ: أعانني عَلَيْهِ رجل مَا رَأَيْته قطّ، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أعانك عَلَيْهِ ملك كريم) . وَقيل
أسره عبيد الله بن أَوْس الْأنْصَارِيّ من بني ظفر وَسمي: بمقرن، قَالَ الْوَاقِدِيّ: وَإِنَّمَا سمي بِهِ لِأَنَّهُ قرن بَين الْعَبَّاس وَنَوْفَل وَعقيل بجبل، فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لقد أعانك عَلَيْهِم ملك كريم) ، وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق وَلما أسر الْعَبَّاس بَات رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ساهراً تِلْكَ اللَّيْلَة، فَقيل لَهُ: مَالك لَا تنام؟ فَقَالَ: (يَمْنعنِي أَمر الْعَبَّاس) ، وَكَانَ موثقًا بالقيد، فأطلقوه فَنَامَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
وكانَ عَلِيٌّ لَهُ نَصِيبٌ فِي تِلْكَ الْغَنِيمَةِ الَّتِي أصابَ مِنْ أخِيهِ عَقِيلٍ ومِنْ عَمِّهِ عَبَّاسٍ
هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ ذكره فِي معرض الِاسْتِدْلَال على أَنه لَا يعْتق الْأَخ وَلَا الْعم بِمُجَرَّد الْملك، إِذْ لَو عتقا لعتق الْعَبَّاس وَعقيل على عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي حِصَّته من الْغَنِيمَة، وَأجِيب: بِأَن الْكَافِر لَا يملك بِالْغَنِيمَةِ ابْتِدَاء، بل يتَخَيَّر فِيهِ بَين الْقَتْل والاسترقاق وَالْفِدَاء، فَلَا يلْزم الْعتْق بِمُجَرَّد الْغَنِيمَة.
٢١ - (بابُ عِتْق الْمُشرِكِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم عتق الْمُشرك والمصدر مُضَاف إِلَى فَاعله، وَالْمَفْعُول مَتْرُوك، وَقَالَ بَعضهم يحْتَمل أَن يكون مُضَافا إِلَى الْفَاعِل أَو إِلَى الْمَفْعُول، وعَلى الثَّانِي جرى ابْن بطال، فَقَالَ: لَا خلاف فِي جَوَاز عتق الْمُشرك تَطَوّعا، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي عتقه عَن الْكَفَّارَة. انْتهى. قلت: الِاحْتِمَال الَّذِي ذكره مَوْجُود، وَلَكِن المُرَاد الْإِضَافَة إِلَى الْفَاعِل وإلَاّ لَا تقع الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة. وَقَول ابْن بطال: لَا خلاف فِي جَوَاز عتق الْمُشرك تَطَوّعا، لَا يسْتَلْزم تعْيين كَون الْإِضَافَة إِلَى الْمَفْعُول، وَلَو كَانَ قصد هَذَا يرد لِئَلَّا تنخرم الْمُطَابقَة.
٨٣٥٢ - حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أَبُو أُسَامةَ عنْ هِشَامٍ قَالَ أخْبَرَنِي أبي أنَّ حكِيمَ ابنَ حِزَامٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أعْتَقَ فِي الجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبةٍ وحَمَلَ عَلى بَعِيرٍ فلَمَّا أسْلَمَ حَمَلَ عَلى مائَةِ بَعِيرٍ وأعْتَقَ مِائَةَ رَقَبةٍ قَالَ فَسَألْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقلْتُ يَا رسولَ الله أرَأيْتَ أشْيَاءَ كُنْتُ أصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كُنْتُ أتَحَنَّثُ بِها يَعْنِي أتَبَرَّرُ بِها قَالَ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أسْلَمْتَ علَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة كَمَا نبهنا عَلَيْهِ الْآن. وَعبيد، بِضَم الْعين: ابْن إِسْمَاعِيل، واسْمه فِي الأَصْل: عبد الله يعْنى أَبَا مُحَمَّد الْقرشِي الْكُوفِي وَهُوَ من أَفْرَاده. وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة. وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير يروي عَن أَبِيه عُرْوَة. وَحَكِيم، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْكَاف: ابْن حزَام، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي المخففة: ابْن خويلد بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي الْقرشِي الْأَسدي، وَهُوَ ابْن أخي خَدِيجَة بنت خويلد، وَابْن عَم الزبير بن الْعَوام، ولد فِي بطن الْكَعْبَة لِأَن أمه صَفِيَّة وَقيل: فَاخِتَة بنت زُهَيْر بن الْحَارِث دخلت الْكَعْبَة فِي نسْوَة من قُرَيْش وَهِي حَامِل، فَأَخذهَا الطلق فَولدت حكيماً بهَا، وَهُوَ من مُسلم الْفَتْح، وعاش مائَة وَعشْرين سنة، سِتُّونَ سنة فِي الْإِسْلَام وَسِتُّونَ سنة فِي الْجَاهِلِيَّة، وَمَات سنة أَربع وَخمسين فِي أَيَّام مُعَاوِيَة، وَقد مضى بعض هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب من تصدق فِي الشّرك ثمَّ أسلم، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ تعدد مَوْضِعه وَأَن مُسلما أخرجه. قَوْله: (إِن حَكِيم بن حزَام) ، ظَاهره الْإِرْسَال، لِأَن عُرْوَة لم يدْرك زمن ذَلِك، لَكِن. قَوْله: (قَالَ: فَسَأَلت) يُوضح الْوَصْل، لِأَن فَاعل: قَالَ، هُوَ: حَكِيم، فَكَأَن عُرْوَة قَالَ: قَالَ حَكِيم، فَيكون بِمَنْزِلَة قَوْله عَن حَكِيم، وَالدَّلِيل على ذَلِك رِوَايَة مُسلم فَإِنَّهُ أخرجه من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن هِشَام، فَقَالَ عَن أَبِيه عَن حَكِيم بن حزَام. قَوْله: (حمل على مائَة بعير) ، أَي: فِي الْحَج، لما رُوِيَ: أَنه حج فِي الْإِسْلَام وَمَعَهُ مائَة بَدَنَة قد جللها بالحبرة، ووقف بِمِائَة عبد، وَفِي أَعْنَاقهم أطواق الْفضة فَنحر وَأعْتق الْجَمِيع. قَوْله: (أَرَأَيْت؟) مَعْنَاهُ: أَخْبرنِي. قَوْله: (أتحنث) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة. قَوْله: (يَعْنِي: أتبرَّر بهَا) ، هَذَا تَفْسِير الْحِنْث، وَهُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة وبراءين: أولاهما ثَقيلَة أَي: أطلب بهَا الْبر وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس، والتقرب إِلَى الله تَعَالَى. وَالْبر، بِكَسْر الْبَاء: الطَّاعَة وَالْعِبَادَة، وَهَذَا التَّفْسِير من هِشَام بن عُرْوَة دلّ عَلَيْهِ رِوَايَة مُسلم حَيْثُ قَالَ: عَن حَكِيم بن حزَام، قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله! أَشْيَاء كنت أَفعَلهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، قَالَ هِشَام: يَعْنِي: أتبرر بهَا، وَهَذَا صَرِيح أَن الَّذِي فسر بقوله، يَعْنِي: أتبرر بهَا، هُوَ هِشَام بن عُرْوَة دون غَيره من الروَاة، وَلَا البُخَارِيّ نَفسه فَافْهَم.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن عتق الْمُشرك على وَجه التَّطَوُّع جَائِز لهَذَا الحَدِيث حَيْثُ جعل عتق الْمِائَة رَقَبَة فِي الْجَاهِلِيَّة من فعال الْخَيْر المجازى بهَا عِنْد الله المتقرب بهَا إِلَيْهِ بعد الْإِسْلَام، وَهُوَ قَوْله: (أسلمت على مَا سلم لَك من خير) ، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ صِحَة التَّقَرُّب فِي حَال الْكفْر، بل إِذا أسلم ينْتَفع بذلك الْخَيْر الَّذِي فعله فِي الْكفْر، وَدلّ ذَلِك على أَن مُسلما لَو أعتق كَافِرًا لَكَانَ مأجوراً على عتقه، لِأَن حكيماً لما جعل لَهُ الْأجر على مَا فعل فِي الْجَاهِلِيَّة بِالْإِسْلَامِ الَّذِي صَار إِلَيْهِ فَلم يكن الْمُسلم الَّذِي فعل مثل فعله فِي الْإِسْلَام بِدُونِ حَال حَكِيم، بل هُوَ أولى بِالْأَجْرِ، وَاخْتلف فِي عتق الْمُشرك فِي كَفَّارَة الْيَمين، وَالظِّهَار، فعندنا يجوز،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
فلا يكون لغيره معه (١) منه شيءٌ.
(١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أُسِرَ أَخُو الرَّجُلِ أَوْ عَمُّهُ، هَلْ يُفَادَى) بضمِّ الياء وفتح الدَّال المُهمَلة بأن يعطي مالًا ويستنقذه من الأسر (إِذَا كَانَ) أخوه أو عمُّه (مُشْرِكًا؟ وَقَالَ أَنَسٌ) ﵁ في حديثٍ سبق موصولًا في «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٢١]: (قَالَ العَبَّاسُ) ﵁ (لِلنَّبِيِّ ﷺ: فَادَيْتُ نَفْسِي، وَفَادَيْتُ عَقِيلًا) بفتح العين وكسر القاف، ابن أبي طالبٍ، وكان العبَّاس قد أُسِر في وقعة بدرٍ، فأفدى نفسه بمئة أوقيةٍ من ذهبٍ، قاله ابن إسحاق، وقال ابن كثيرٍ في «تفسيره»: وهذه المئة عن نفسه وعن ابني أخيه عقيلٍ ونوفلٍ. قال البخاري: (وَكَانَ عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالبٍ (لَهُ نَصِيبٌ فِي تِلْكَ الغَنِيمَةِ الَّتِي أَصَابَ مِنْ أَخِيهِ عَقِيلٍ وَعَمِّهِ عَبَّاسٍ) فلو كان الأخ ونحوه من ذوي الرَّحم يُعتَق بمُجرَّد المِلْك لَعَتَقَ العبَّاس وعَقيلٌ في حصَّته من الغنيمة، وكذلك في نصيبه ﷺ، وهو حجَّةٌ على أبي حنيفة ﵀ في أنَّ من ملك ذا رحمٍ محرمٍ عتق عليه، وأُجيب: بأنَّ الكافر لا يملك بالغنيمة ابتداءً، بل يتخيَّر الإمام فيه بين القتل والاسترقاق والفداء والمنِّ، فالغنيمة سببٌ في (٢) الملك بشرط اختيار الإرقاق، فلا يلزم العتق بمجرَّد الغنيمة.
٢٥٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي أويسٍ، ابن أخت الإمام مالك بن أنسٍ،
احتجَّ به الشَّيخان، ولم يُخرِج له البخاريُّ ممَّا ينفرد به سوى حديثين، وروى له الباقون إلَّا النَّسائيَّ؛ فإنَّه أطلق القول بضعفه؛ لأنَّه أخطأ في أحاديث رواها من حفظه، لكن الذي أخرجه له البخاريُّ من صحيحِ حديثِه فلا يُحتَجُّ بشيءٍ من حديثه غير ما في «الصَّحيح» (١) من أجل ذلك. وقدح فيه النَّسائيُّ وغيره إلَّا أن يشاركه غيره فيُعتبَر به، قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف، وثَّقه النَّسائيُّ ويحيى بن معينٍ وأبو حاتمٍ، وتكلَّم فيه السَّاجي (٢) بكلامٍ لا يستلزم قدحًا، وقد احتجَّ به البخاريُّ والنَّسائيُّ، لكن لم يُكثِرا عنه (عَنْ مُوسَى) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن عقبة» الإمام في المغازي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسٌ ﵁: أَنَّ رِجَالًا مِنَ الأَنْصَارِ) لم يعرف الحافظ ابن حجرٍ أسماءهم (اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: ائْذَنْ) زاد أبو ذرٍّ: «لنا» (فَلْنَتْرُكْ لاِبْنِ أُخْتِنَا) بالمُثنَّاة الفوقيَّة (عَبَّاسٍ) هو ابن عبد المطَّلب، وليسوا بأخواله، إنَّما هم أخوال أبيه عبد المطَّلب؛ لأنَّ أمَّه سلمى بنت عمرو بن (٣) أُحَيْحَة -بمُهمَلتين مُصغَّرًا- وهي (٤) من بني النَّجار، وأمَّا أمُّ عبَّاسٍ فهي نُتَيلة -بالنُّون والمُثنَّاة الفوقيَّة مُصغَّرًا- بنت جَنَابٍ -بالجيم والنُّون وبعد الألف مُوحَّدةٌ- وليست من الأنصار اتِّفاقًا، وإنَّما قالوا: «ابن أختنا» لتكون المنَّة عليهم في إطلاقه بخلاف ما لو قالوا: ائذن لنا فلنترك لعمِّك (فِدَاءَهُ) أي: المال الذي يستنقذ به نفسه من الأسر (فَقَالَ) ﵊: (لَا تَدَعُونَ مِنْهُ) أي: لا تتركون من فدائه (دِرْهَمًا) وإنَّما لم يجبهم ﵊ إلى ذلك؛ لئلَّا يكون في الدِّين نوعٌ من (٥) محاباة، وكان العبَّاس ذا مالٍ، فاستُوفيت منه الفدية، وصُرِفت إلى الغانمين، وأراد المؤلِّف بإيراده هنا الإشارة إلى أنَّ العمَّ وابن العمِّ لا يَعتِقَان على من ملكهما من ذوي رحمهما؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قد ملك من عمِّه العبَّاس ومن ابن عمِّه عقيلٍ بالغنيمة التي له فيها نصيبٌ، وكذلك عليٌّ ﵁ قد ملك من أخيه عقيلٍ وعمِّه العبَّاس ولم يَعْتِقا
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة. وَأخرجه هُنَا عَن عُثْمَان عَن جرير بن عبد الحميد عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن الْأسود بن يزِيد عَن عَائِشَة، وَأخرجه أَيْضا فِي الْفَرَائِض عَن مُحَمَّد بن جرير وَفِيه أَيْضا عَن مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبيُوع وَفِي الْوَلَاء عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيُوع وَفِي الطَّلَاق وَفِي الْفَرَائِض عَن قُتَيْبَة عَن جرير بِهِ، وَذكر قصَّة التَّخْيِير فِي الْبيُوع وَفِي الطَّلَاق دون الْفَرَائِض.
قَوْله: (بَرِيرَة) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الرَّاء الأولى، وَكَانَت وليدة لبني هِلَال، كَذَا فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَن أبي الزبير عَن عُرْوَة، قَوْله: (لم أعْطى الْوَرق) ، بِفَتْح الْوَاو وَكسر الرَّاء، وَهِي الدَّرَاهِم المضروبة، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: وَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعْطى الثّمن أَو لمن مَعَه النِّعْمَة. قَوْله: (فَخَيرهَا من زَوجهَا) لِأَن زَوجهَا كَانَ عبدا على الْأَصَح، وَإِذا كَانَ زوج الْأمة حرا خيرت عندنَا أَيْضا. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا تخير، وروى مُسلم عَن عَائِشَة أَن زَوجهَا كَانَ عبدا فَخَيرهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وروى البُخَارِيّ وَمُسلم أَيْضا عَنْهَا أَن زوج بَرِيرَة كَانَ حرا حِين أعتقت، وَالْعَمَل بِهَذَا أولى لثُبُوت الْحُرِّيَّة لاتفاقهم أَنه كَانَ قتل عبدا. ونقول بِمُوجب الْحَدِيثين جمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ، وَلَا فرق فِي هَذَا بَين القنة وَأم الْوَلَد والمدبرة وَالْمُكَاتبَة، وَزفر يخالفنا فِي الْكِتَابَة.
١١ - (بابٌ إذَا أُسِرَ أخُو الرَّجُلِ أوْ عَمُّهُ هَلْ يُفادَى إذَا كانَ مُشْرِكاً)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أسر أَخُو الرجل أَو عَمه هَل يفادى؟ من فاداه يفاديه مفاداة: إِذا أعْطى فداءه، وأنقذه. وَقيل: المفاداة أَن يَفتكَّ الْأَسير بأسير مثله، وَفِي (الْمغرب) : فدَاه من الْأسر فدَاء: استنقذه مِنْهُ بِمَال، والفدية اسْم ذَلِك المَال، والمفاداة بَين اثْنَيْنِ. وَقَالَ الْمبرد: المفاداة أَن تدفع رجلا وَتَأْخُذ رجلا وَالْفِدَاء أَن تشتريه. وَقيل: هما بِمَعْنى قلت: يفادى هُنَا بِمَعْنى: أَن يُعْطي مَالا ويستنقذ الْأَسير. قَوْله: (إِذا كَانَ) ، أَي: أَخُوهُ أَو عَمه مُشْركًا من أهل دَار الْحَرْب، وَإِنَّمَا قَالَ البُخَارِيّ: هَل يفادى؟ بالاستفهام على سَبِيل الاستخبار، وَلم يبين حكم الْمَسْأَلَة. وَاقْتصر على ذكر أخي الرجل وَعَمه من بَين سَائِر ذَوي رَحمَه، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ترك بَيَان حكم الْمَسْأَلَة لأجل الْخلاف فِيهِ على مَا نبينه، وَأما اقْتِصَاره على الْأَخ وَالْعم فَلِأَنَّهُ استنبط من حَدِيث الْبَاب أَن الْأَخ وَالْعم لَا يعتقان على من ملكهمَا، وَكَذَلِكَ ابْن الْعم، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد ملك من عَمه الْعَبَّاس وَمن ابْن عَمه عقيل بِالْغَنِيمَةِ الَّتِي لَهُ فِيهَا نصيب، وَكَذَلِكَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قد ملك من أَخِيه عقيل وَعَمه الْعَبَّاس وَلم يعتقا عَلَيْهِ.
وَأما بَيَان الِاخْتِلَاف فِيمَن يعْتق على الرجل إِذا ملكه، فَذهب مَالك إِلَى أَنه لَا يعْتق عَلَيْهِ إلَاّ أهل الْفَرَائِض فِي كتاب الله تَعَالَى، وهم: الْوَلَد ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، وَولد الْوَلَد، وَإِن سفلوا، وَأَبوهُ وأجداده وجداته من قبل الْأَب وَالأُم وَإِن بعدوا، وَإِخْوَته لِأَبَوَيْنِ أَو لأَب أَو لأم، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي إلَاّ فِي الْأُخوة: فَإِنَّهُم لَا يعتقون، وحجته فِيهِ: أَن عقيلاً كَانَ أَخا عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَلم يعْتق عَلَيْهِ بِمَا ملك من نَفسه من الْغَنِيمَة مِنْهُ. وَعند الْحَنَفِيَّة: كل من ملك ذَا رحم محرم مِنْهُ عتق عَلَيْهِ، وَذُو الرَّحِم الْمحرم كل شَخْصَيْنِ يدليان إِلَى أصل وَاحِد بِغَيْر وَاسِطَة: كالأخوين، أَو أَحدهمَا بِوَاسِطَة، وَالْآخر بواسطتين، كالعم وَابْن الْعم، وَلَا يعْتق ذُو رحم غير محرم كبني الْأَعْمَام والأخوال وَبني العمات والخالات، وَلَا محرم غير ذِي رحم كالمحرمات بالصهرية، أَو الرَّضَاع إِجْمَاعًا، وَيَقُول الْحَنَفِيَّة قَالَ أَحْمد وَعنهُ كَقَوْل الشَّافِعِي. وَفِي (حاوي) الْحَنَابِلَة: وَمن ملك ذَا رحم محرم عتق عَلَيْهِ، وَعنهُ: لَا يعْتق إلَاّ عَمُود النّسَب. وَحجَّة الْحَنَفِيَّة فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة من حَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب، قَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَا: حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة بن جُنْدُب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ مُوسَى فِي مَوضِع آخر: عَن سَمُرَة بن جُنْدُب فِيمَا يحْسب حَمَّاد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من ملك ذَا رحم محرم فَهُوَ حر) ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا عبد الله بن مُعَاوِيَة الجُمَحِي الْبَصْرِيّ حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من ملك ذَا رحم محرم فَهُوَ حر) . وَقَالَ النَّسَائِيّ: أخبرنَا مُحَمَّد بن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا حجاج وَأَبُو دَاوُد، قَالَا: حَدثنَا حَمَّاد عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من ملك ذَا محرم فَهُوَ حر) ، وَقَالَ ابْن مَاجَه: حَدثنَا عقبَة بن مكرم وَإِسْحَاق بن مَنْصُور، قَالَا: حَدثنَا مُحَمَّد بن بكر البرْسَانِي عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة وَعَاصِم عَن الْحسن عَن سَمُرَة بن جُنْدُب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من ملك ذَا رحم محرم فَهُوَ حر) ، وَقَالَ بَعضهم: أَشَارَ البُخَارِيّ بترجمة هَذَا الْبَاب
إِلَى تَضْعِيف حَدِيث سَمُرَة هَذَا، واستنكره ابْن الْمَدِينِيّ، وَرجح التِّرْمِذِيّ إرْسَاله، وَقَالَ البُخَارِيّ: لَا يَصح. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: وَتفرد بِهِ حَمَّاد، وَكَانَ يشك فِي وَصله، وَغَيره يرويهِ عَن قَتَادَة عَن الْحسن. قَوْله: وَعَن قَتَادَة عَن عمر قَوْله: مُنْقَطِعًا، أخرج ذَلِك النَّسَائِيّ. قلت: مَا وَجه دلَالَة هَذِه التَّرْجَمَة على ضعف هَذَا الحَدِيث؟ فَمَا هَذِه الدّلَالَة؟ هَل هِيَ لفظية أَو عقلية؟ والْحَدِيث أخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من طَرِيق أَحْمد بن حَنْبَل عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَاصِم الْأَحول وَقَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة مَرْفُوعا، وَسكت عَنهُ، ثمَّ أخرجه عَن ضَمرَة بن ربيعَة عَن سُفْيَان عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: (من ملك ذَا رحم فَهُوَ حر) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، والمحفوط: عَن سَمُرَة بن جُنْدُب، وَصَححهُ أَيْضا ابْن حزم وَابْن الْقطَّان، وَقَالَ ابْن حزم: هَذَا خبر صَحِيح تقوم بِهِ الْحجَّة كل من رُوَاته ثِقَات. انْتهى. وَلَئِن سلمنَا مَا قَالُوا، فَمَا يقلون فِي حَدِيث ضَمرَة ابْن ربيعَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَهَذَا فِيهِ الْكِفَايَة فِي الِاحْتِجَاج؟ فَإِن قلت: قَالُوا: تفرد بِهِ ضَمرَة. قلت: لَيْسَ انْفِرَاده بِهِ دَلِيلا على أَنه غير مَحْفُوظ وَلَا يُوجب ذَلِك عِلّة فِيهِ، لِأَنَّهُ من الثِّقَات المأمونين لم يكن بِالشَّام رجل يُشبههُ، كَذَا قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل. وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة مَأْمُونا لم يكن هُنَاكَ أفضل مِنْهُ، وَقَالَ ابْن يُونُس: كَانَ فَقِيه أهل فلسطين فِي زَمَانه. والْحَدِيث إِذا انْفَرد بِهِ مثل هَذَا كَانَ صَحِيحا، وَلَا يضرّهُ تفرده.
وقالَ أنَسٌ قَالَ العَبَّاسُ لِلْنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فأدَّيْتُ نَفْسِي وفاديْتُ عَقيلاً
هَذَا التَّعْلِيق جُزْء من حَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الْقِسْمَة، وَتَعْلِيق القنو فِي الْمَسْجِد. أخرجه هُنَاكَ فَقَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس، قَالَ: أُتِي النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِمَال من الْبَحْرين ... الحَدِيث، وَفِيه: جَاءَهُ الْعَبَّاس فَقَالَ: يَا رَسُول الله {أَعْطِنِي، فَإِنِّي فاديت نَفسِي وفاديت عقيلاً ... إِلَى آخِره. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ مَوْصُولا، فَقَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الطّيب مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله، حَدثنَا مُحَمَّد بن عِصَام حَدثنَا حَفْص بن عبد الله حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن طهْمَان ... إِلَى آخِره وعباس عَم النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لما أسر فِي وقْعَة بدر فَأدى نَفسه بِمِائَة أُوقِيَّة من ذهب، قَالَه ابْن إِسْحَاق، وَقَالَ ابْن كثير فِي (تَفْسِيره) : وَهَذِه الْمِائَة عَن نَفسه وَعَن بني أَخِيه عقيل وَنَوْفَل، وروى هِشَام بن الْكَلْبِيّ عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ: فدى الْعَبَّاس نَفسه بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ من كل وَاحِد من الأسرى أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أضعفوها على الْعَبَّاس، فَقَالَ: تَرَكتنِي فَقِيرا مَا عِشْت أسأَل الله. قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (فَأَيْنَ المَال الَّذِي تركته عِنْد أم الْفضل) ، وَذكره فَقَالَ: يَا ابْن أخي من أعلمك؟ فوَاللَّه مَا كَانَ عندنَا ثَالِث. فَقَالَ: (أَخْبرنِي الله) ، فَقَالَ أشهد أَنَّك لصَادِق وَمَا علمت أَنَّك رَسُول الله قبل الْيَوْم، وَأسلم وَأمر إبني إخيه، فَأَسْلمَا. قَالَ ابْن عَبَّاس: وَفِيه نزل: {يَا أَيهَا النَّبِي قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الْأُسَارَى أَن يعلم الله فِي قُلُوبكُمْ} (الْأَنْفَال: ٠٧) . الْآيَة، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: عَن يزِيد بن رُومَان عَن عُرْوَة عَن الزُّهْرِيّ عَن جمَاعَة، سماهم. قَالُوا: بعثت قُرَيْش إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي فدَاء أسرائهم، ففدى كل قوم أسيرهم بِمَا رَضوا، وَقَالَ الْعَبَّاس: يَا رَسُول الله قد كنت مُسلما. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الله أعلم بِإِسْلَامِك، فَإِن يكن كَمَا تَقول فَالله يجْزِيك، وَأما ظاهرك فقد كَانَ علينا فافتدِ نَفسك وَابْني أَخِيك نَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَعقيل بن أبي طَالب بن عبد الْمطلب، وَحَلِيفك عتبَة بن عَمْرو أخي بني الْحَارِث بن فهر) قَالَ: مَا ذَاك عِنْدِي يَا رَسُول الله} قَالَ: (فإين المَال الَّذِي دَفَنته أَنْت وَأم الْفضل؟ قَالَ: فَقلت لَهَا: إِن أصبت فِي سَفَرِي هَذَا فَهَذَا المَال الَّذِي دَفَنته لبني الْفضل وَعبد الله وَقثم) قَالَ: وَالله إِنِّي لأعْلم أَنَّك رَسُول الله إِن هَذَا شَيْء مَا علمه أحد غَيْرِي وَغير أم الْفضل، فَاحْسبْ لي يَا رَسُول الله مَا أصبْتُم مني عشْرين أُوقِيَّة من مَال كَانَ معي. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا، ذَاك شَيْء أَعْطَانَا الله مِنْك، ففدى نَفسه وَابْني أَخَوَيْهِ وَحَلِيفه، فَأنْزل الله عزوجل فِيهِ: {يَا أَيهَا النَّبِي قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الْأُسَارَى ... } (الْأَنْفَال: ٠٧) . الْآيَة قَالَ الْعَبَّاس: فَأَعْطَانِي الله مَكَان الْعشْرين أُوقِيَّة فِي الْإِسْلَام عشْرين عبدا، كلهم فِي يَده مَال يضْرب بِهِ مَعَ مَا أَرْجُو من مغْفرَة الله، عز وَجل.
وَاخْتلفُوا فِي الَّذِي أسر الْعَبَّاس، فَقيل: ملك من الْمَلَائِكَة، وَقيل: أسره أَبُو الْيُسْر كَعْب بن عَمْرو وأخو بني سَلمَة الْأنْصَارِيّ وَكَانَ الْعَبَّاس جسيماً وَأَبُو الْيُسْر مجموعاً، فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كَيفَ أسرت الْعَبَّاس؟) فَقَالَ: أعانني عَلَيْهِ رجل مَا رَأَيْته قطّ، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أعانك عَلَيْهِ ملك كريم) . وَقيل
أسره عبيد الله بن أَوْس الْأنْصَارِيّ من بني ظفر وَسمي: بمقرن، قَالَ الْوَاقِدِيّ: وَإِنَّمَا سمي بِهِ لِأَنَّهُ قرن بَين الْعَبَّاس وَنَوْفَل وَعقيل بجبل، فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لقد أعانك عَلَيْهِم ملك كريم) ، وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق وَلما أسر الْعَبَّاس بَات رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ساهراً تِلْكَ اللَّيْلَة، فَقيل لَهُ: مَالك لَا تنام؟ فَقَالَ: (يَمْنعنِي أَمر الْعَبَّاس) ، وَكَانَ موثقًا بالقيد، فأطلقوه فَنَامَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
وكانَ عَلِيٌّ لَهُ نَصِيبٌ فِي تِلْكَ الْغَنِيمَةِ الَّتِي أصابَ مِنْ أخِيهِ عَقِيلٍ ومِنْ عَمِّهِ عَبَّاسٍ
هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ ذكره فِي معرض الِاسْتِدْلَال على أَنه لَا يعْتق الْأَخ وَلَا الْعم بِمُجَرَّد الْملك، إِذْ لَو عتقا لعتق الْعَبَّاس وَعقيل على عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي حِصَّته من الْغَنِيمَة، وَأجِيب: بِأَن الْكَافِر لَا يملك بِالْغَنِيمَةِ ابْتِدَاء، بل يتَخَيَّر فِيهِ بَين الْقَتْل والاسترقاق وَالْفِدَاء، فَلَا يلْزم الْعتْق بِمُجَرَّد الْغَنِيمَة.
٢١ - (بابُ عِتْق الْمُشرِكِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم عتق الْمُشرك والمصدر مُضَاف إِلَى فَاعله، وَالْمَفْعُول مَتْرُوك، وَقَالَ بَعضهم يحْتَمل أَن يكون مُضَافا إِلَى الْفَاعِل أَو إِلَى الْمَفْعُول، وعَلى الثَّانِي جرى ابْن بطال، فَقَالَ: لَا خلاف فِي جَوَاز عتق الْمُشرك تَطَوّعا، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي عتقه عَن الْكَفَّارَة. انْتهى. قلت: الِاحْتِمَال الَّذِي ذكره مَوْجُود، وَلَكِن المُرَاد الْإِضَافَة إِلَى الْفَاعِل وإلَاّ لَا تقع الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة. وَقَول ابْن بطال: لَا خلاف فِي جَوَاز عتق الْمُشرك تَطَوّعا، لَا يسْتَلْزم تعْيين كَون الْإِضَافَة إِلَى الْمَفْعُول، وَلَو كَانَ قصد هَذَا يرد لِئَلَّا تنخرم الْمُطَابقَة.
٨٣٥٢ - حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أَبُو أُسَامةَ عنْ هِشَامٍ قَالَ أخْبَرَنِي أبي أنَّ حكِيمَ ابنَ حِزَامٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أعْتَقَ فِي الجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبةٍ وحَمَلَ عَلى بَعِيرٍ فلَمَّا أسْلَمَ حَمَلَ عَلى مائَةِ بَعِيرٍ وأعْتَقَ مِائَةَ رَقَبةٍ قَالَ فَسَألْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقلْتُ يَا رسولَ الله أرَأيْتَ أشْيَاءَ كُنْتُ أصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كُنْتُ أتَحَنَّثُ بِها يَعْنِي أتَبَرَّرُ بِها قَالَ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أسْلَمْتَ علَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة كَمَا نبهنا عَلَيْهِ الْآن. وَعبيد، بِضَم الْعين: ابْن إِسْمَاعِيل، واسْمه فِي الأَصْل: عبد الله يعْنى أَبَا مُحَمَّد الْقرشِي الْكُوفِي وَهُوَ من أَفْرَاده. وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة. وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير يروي عَن أَبِيه عُرْوَة. وَحَكِيم، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْكَاف: ابْن حزَام، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي المخففة: ابْن خويلد بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي الْقرشِي الْأَسدي، وَهُوَ ابْن أخي خَدِيجَة بنت خويلد، وَابْن عَم الزبير بن الْعَوام، ولد فِي بطن الْكَعْبَة لِأَن أمه صَفِيَّة وَقيل: فَاخِتَة بنت زُهَيْر بن الْحَارِث دخلت الْكَعْبَة فِي نسْوَة من قُرَيْش وَهِي حَامِل، فَأَخذهَا الطلق فَولدت حكيماً بهَا، وَهُوَ من مُسلم الْفَتْح، وعاش مائَة وَعشْرين سنة، سِتُّونَ سنة فِي الْإِسْلَام وَسِتُّونَ سنة فِي الْجَاهِلِيَّة، وَمَات سنة أَربع وَخمسين فِي أَيَّام مُعَاوِيَة، وَقد مضى بعض هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب من تصدق فِي الشّرك ثمَّ أسلم، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ تعدد مَوْضِعه وَأَن مُسلما أخرجه. قَوْله: (إِن حَكِيم بن حزَام) ، ظَاهره الْإِرْسَال، لِأَن عُرْوَة لم يدْرك زمن ذَلِك، لَكِن. قَوْله: (قَالَ: فَسَأَلت) يُوضح الْوَصْل، لِأَن فَاعل: قَالَ، هُوَ: حَكِيم، فَكَأَن عُرْوَة قَالَ: قَالَ حَكِيم، فَيكون بِمَنْزِلَة قَوْله عَن حَكِيم، وَالدَّلِيل على ذَلِك رِوَايَة مُسلم فَإِنَّهُ أخرجه من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن هِشَام، فَقَالَ عَن أَبِيه عَن حَكِيم بن حزَام. قَوْله: (حمل على مائَة بعير) ، أَي: فِي الْحَج، لما رُوِيَ: أَنه حج فِي الْإِسْلَام وَمَعَهُ مائَة بَدَنَة قد جللها بالحبرة، ووقف بِمِائَة عبد، وَفِي أَعْنَاقهم أطواق الْفضة فَنحر وَأعْتق الْجَمِيع. قَوْله: (أَرَأَيْت؟) مَعْنَاهُ: أَخْبرنِي. قَوْله: (أتحنث) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة. قَوْله: (يَعْنِي: أتبرَّر بهَا) ، هَذَا تَفْسِير الْحِنْث، وَهُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة وبراءين: أولاهما ثَقيلَة أَي: أطلب بهَا الْبر وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس، والتقرب إِلَى الله تَعَالَى. وَالْبر، بِكَسْر الْبَاء: الطَّاعَة وَالْعِبَادَة، وَهَذَا التَّفْسِير من هِشَام بن عُرْوَة دلّ عَلَيْهِ رِوَايَة مُسلم حَيْثُ قَالَ: عَن حَكِيم بن حزَام، قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله! أَشْيَاء كنت أَفعَلهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، قَالَ هِشَام: يَعْنِي: أتبرر بهَا، وَهَذَا صَرِيح أَن الَّذِي فسر بقوله، يَعْنِي: أتبرر بهَا، هُوَ هِشَام بن عُرْوَة دون غَيره من الروَاة، وَلَا البُخَارِيّ نَفسه فَافْهَم.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن عتق الْمُشرك على وَجه التَّطَوُّع جَائِز لهَذَا الحَدِيث حَيْثُ جعل عتق الْمِائَة رَقَبَة فِي الْجَاهِلِيَّة من فعال الْخَيْر المجازى بهَا عِنْد الله المتقرب بهَا إِلَيْهِ بعد الْإِسْلَام، وَهُوَ قَوْله: (أسلمت على مَا سلم لَك من خير) ، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ صِحَة التَّقَرُّب فِي حَال الْكفْر، بل إِذا أسلم ينْتَفع بذلك الْخَيْر الَّذِي فعله فِي الْكفْر، وَدلّ ذَلِك على أَن مُسلما لَو أعتق كَافِرًا لَكَانَ مأجوراً على عتقه، لِأَن حكيماً لما جعل لَهُ الْأجر على مَا فعل فِي الْجَاهِلِيَّة بِالْإِسْلَامِ الَّذِي صَار إِلَيْهِ فَلم يكن الْمُسلم الَّذِي فعل مثل فعله فِي الْإِسْلَام بِدُونِ حَال حَكِيم، بل هُوَ أولى بِالْأَجْرِ، وَاخْتلف فِي عتق الْمُشرك فِي كَفَّارَة الْيَمين، وَالظِّهَار، فعندنا يجوز،