«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: إِنَّمَا أَخْشَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٨٤٢

الحديث رقم ٢٨٤٢ من كتاب «كتاب الجهاد والسير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل النفقة في سبيل الله.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن رسول الله ﷺ قام على المنبر فقال: إنما…

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ. ثُمَّ ذَكَرَ زَهْرَةَ الدُّنْيَا فَبَدَأَ بِإِحْدَاهُمَا وَثَنَّى بِالْأُخْرَى فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ قُلْنَا: يُوحَى إِلَيْهِ وَسَكَتَ النَّاسُ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرَ ثُمَّ إِنَّهُ مَسَحَ

⦗٢٧⦘

عَنْ وَجْهِهِ الرُّحَضَاءَ فَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا أَوَخَيْرٌ هُوَ ثَلَاثًا إِنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِالْخَيْرِ وَإِنَّهُ كُلَّمَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ كُلَّمَا أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ ثُمَّ رَتَعَتْ وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ لِمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ فَجَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْهُ بِحَقِّهِ فَهُوَ كَالْآكِلِ الَّذِي لَا يَشْبَعُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.»

سند حديث: ٢٨٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ…

٢٨٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ : حَدَّثَنَا هِلَالٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن رسول الله ﷺ قام على المنبر فقال: إنما…

جَلَسَ النبيُّ صلى الله عليه ذات يوم على المنبر يُحدِّث أصحابَه فقال:

إنَّ أكثر ما أخاف وأخشى عليكم مِن بعدي ما يُفتَح عليكم من بركات الأرض وزهرة الدنيا وزينتها وبهجتها، وما فيها من أنواع المتاع والثياب والزروع وغيرها مما يفتخر الناس بحسنه مع قلة البقاء.

فقال رجل: زهرة الدنيا نعمة من الله، فهل تعود هذه النعمة وتصير نقمة وعقوبة؟!

فَلَامَ الناسُ السائلَ حيث رأوه صلى الله عليه وسلم سَكَتَ، وظنوا أنه أغضبه.

فتَبَيَّنَ أنه صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي، ثم جعل يَمسح عن جَبِيْنِه العَرَقَ، فقال: أين السائل؟

قال: أنا.

فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال صلى الله عليه وسلم: الخير الحقيقي لا يأتي إلا بخير، ولكن هذه الزهرة ليست بخير مَحْضٍ لما تؤدي إليه من الفتنة والمنافسة والاشتغال بها عن كمال الإقبال على الآخرة، ثم ضَرَبَ لذلك مَثلًا فقال: إنّ نبات الربيع وخَضِره؛ وهو نوع من الزرع يُعجب الماشية فيَقْتُل لكثرة الأكل بالتُّخَمَة أو يقارب القتل، إلا آكلة الخَضِر أكلت حتى امتلأ جانبا بطنها، فاستقبلت الشمس وأَلْقَت الرجيع من بطنها رقيقًا أو بالت، ثم استرفعت ما في كرشها فمضغتْه ثم بَلَعتْه، ثم عادت فأكلت.

فإن هذا المال كالبَقْلة الخضراء الحلوة، يَقتل أو يكاد يقتل بكثرته؛ إلا إذا اقتصر منه على اليسير الذي تدعو إليه الحاجة وتحصل به الكفاية من طريق حلال فإنه لا يضر، ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل، ومن يأخذه بحقه يبارك له فيه، ومن يأخذه بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيدًا عليه يوم القيامة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • قال النووي: فيه: فضيلة المال لمن أخذه بحقه وصرفه في وجوه الخير.
  • إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم عن حال أمته، وما سيفتح عليها من زينة الحياة الدنيا وفتنتها.
  • من هدي النبي النبي صلى الله عليه وسلم ضرب الأمثال لتقريب المعاني.
  • الحث على الصدقة وصَرْف المال في وجوه الخير، والتحذير من الإمساك.
  • يؤخذ من قوله: "إنه لا يأتي الخير بالشر" أن الرزق ولو كثر فهو من جملة الخير، إنما يعرض له الشر بعارض البخل به عمن يستحقه، والإسراف في إنفاقه فيما لم يشرع، وأن كل شيء قضى الله أن يكون خيرًا فلا يكون شرًا وبالعكس، ولكن يخشى على من رُزِق الخير أن يعرض له في تَصَرُّفِه فيه ما يَجْلِبُ له الشر.
  • ترك العَجلة في الجواب إذا كان يحتاج إلى التأمل.
  • قال الطيبي: يؤخذ منه أربعة أصناف، فمن أَكَل منه أَكْل مُستَلِذٍّ مُفرط منهَمِك حتى تنتفخ أضلاعه ولا يُقلع فيسرع إليه الهلاك، ومن أكل كذلك لكنه أخذ في الاحتيال لدفع الداء بعد أن استحكم فغلبه فأهلكه، ومن أكل كذلك لكنه بادر إلى إزالة ما يضره ويُحيل في دفعه حتى انهضم فيسلم، ومن أكل غير مفرط ولا منهمك، وإنما اقتصر على ما يَسُد جوعتَه ويُمسك رَمَقَه، فالأول مثال الكافر، والثاني مثال العاصي الغافل عن الإقلاع والتوبة إلا عند فوتها، والثالث مثال للمخلط المبادر للتوبة حيث تكون مقبولة، والرابع مثال الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة.
  • قال ابن المنير: في هذا الحديث وجوه من التشبيهات بديعة، أولها: تشبيه المال ونموُّه بالنبات وظهوره، ثانيها: تشبيه المُنْهَمِك في الاكتساب والأسباب بالبهائم المنهمكة في الأعشاب، وثالثها: تشبيه الاستكثار منه والادّخار له بالشَّرَهِ في الأكل والامتلاء منه، ورابعها: تشبيه الخارج من المال مع عظمته في النفوس حتى أدّى إلى المبالغة في البخل به بما تطرحه البهيمة من السَّلْح، ففيه إشارة بديعة إلى استقذاره شرعًا، وخامسها: تشبيه المتقاعد عن جمعه وضمه بالشاة إذا استراحت وحطّت جانبها مستقبلة عين الشمس؛ فإنها من أحسن حالاتها سكونًا وسَكِيْنة، وفيه إشارة إلى إدراكها لمصالحها، وسادسها: تشبيه موت الجامع المانع بموت البهيمة الغافلة عن دفع ما يضرها، وسابعها: تشبيه المال بالصاحب الذي لا يُؤمَن أن ينقلب عدوًّا؛ فإن المال من شأنه أن يُحْرَز ويُشدّ وثاقه حبًّا له؛ وذلك يقتضي منعه من مستحقه فيكون سببًا لعقاب مقتنيه، وثامنها: تشبيه آخذه بغير حق بالذي يأكل ولا يشبع.
  • قال السندي: فلا بد في الخبر من أمرين، أحدهما: تحصيله بوجهه، والثاني: صرفه في مصارفه، وعند انتفاء أحدهما يصير ضررًا... وقد يقال: فيه إشارة إلى الملازمة بين القَيْدَين؛ فلا يوفَّق المرء للصرف في المصارف إلا إذا أخذه بوجهه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن رسول الله ﷺ قام على المنبر فقال: إنما…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ترخيم: فلان، فحذف النُّون للتَّرخيم والألف لسكونها، وتُفتَح اللَّام وتُضَمُّ على مذهبَي التَّرخيم، قاله ابن الأثير، أي: فلانٌ (هَلُمَّ) بفتح الهاء وضمِّ اللَّام وتشديد الميم، أي: تعال (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّديق : (يَا رَسُولَ اللهِ، ذَاكَ الَّذِي) يدعوه خزنة كلِّ باب: (لَا تَوَى عَلَيْهِ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة والواو مقصورًا، أي: لا بأس عليه أن يدخل بابًا ويترك آخر (فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ) أي: ممَّن يُدعَى من تلك الأبواب كلِّها.

وهذا الحديث قد سبق في «الصِّيام» [خ¦١٨٩٧] وأخرجه (١) أيضًا في «فضل أبي بكر» [خ¦٣٦٦٦]، ومسلمٌ في «الزَّكاة».

٢٨٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين المهملة وتخفيف النُّون، العوقيُّ الباهليُّ الأعمى قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) هو ابن سليمان قال: (حَدَّثَنَا هِلَالٌ) هو ابن أبي (٢) ميمونة الفهريُّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالمهملة المخفَّفة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَامَ

عَلَى المِنْبَرِ) وفي طريق معاذ بن فَضَالة، عن هشامٍ، عن هلالٍ في «باب الصَّدقة على اليتامى» [خ¦١٤٦٥] جلس ذات يومٍ على المنبر وجلسنا حوله (فَقَالَ: إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ. ثُمَّ ذَكَرَ زَهْرَةَ الدُّنْيَا) أي: حُسْنها وبهجتها الفانية (فَبَدَأَ بِإِحْدَاهُمَا) أي: ببركات الأرض (وَثَنَّى بِالأُخْرَى) أي: بزهرة الدُّنيا (فَقَامَ رَجُلٌ) لم أعرف (١) اسمه (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَ يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟) بفتح الواو، أي: أتصير النِّعمة عقوبةً؟ (فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ ، قُلْنَا: يُوحَى إِلَيْهِ، وَسَكَتَ النَّاسُ كَأَنَّ عَلَى رُؤوْسِهِمِ الطَّيْرَ) كأنَّهم يريدون صيدَه، فلا يتحرَّكون مخافة أن يطير (ثُمَّ إِنَّهُ) (مَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ الرُّحَضَاءَ) بضمِّ الرَّاء وفتح الحاء المهملة والضَّاد المعجمة ممدودًا: العَرَقُ الَّذي أدرَّه عند نزول الوحي عليه (فَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا)؟ بمدِّ الهمزة وكسر النُّونِ، الآن (أَوَ خَيْرٌ هُوَ؟) بفتح الواو والهمزة؛ استفهامٌ على سبيل الإنكار، أي: المال هو خيرٌ، قالها (ثَلَاثًا: إِنَّ الخَيْرَ) الحقيقيَّ (لَا يَأْتِي إِلَّا بِالخَيْرِ) وهذا ليس بخيرٍ حقيقيٍّ لما فيه من الفتنة، والاشتغال عن كمال الإقبال إلى الآخرة (وَإِنَّهُ كُلَّمَا) بفتح اللَّام، ولأبي ذرٍّ: «كلُّ ما» بضمِّها (يُنْبِتُ الرَّبِيعُ) بضمِّ التَّحتيَّة، من الإنبات، و «الرَّبيعُ»: رفعٌ على الفاعليَّة، وهو الجدول الَّذي يُستقى به (مَا يَقْتُلُ) قتلًا (حَبَطًا) بفتح الحاء المهملة والموحَّدة والطَّاء المهملة، منصوبٌ على التَّمييز، وهو انتفاخ البطن من كثرة الأكل، وسقط قوله «ما» لأبي ذَرٍّ وحده، وقوله: «حبطًا» له ولأبي الوقت والأَصيليِّ (أَوْ يُلِمُّ) بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه وتشديد ثالثه، أي: يقرب أن يقتل (كُلَّمَا أَكَلَتْ) ضبَّب على: «كلَّما» في «اليونينيَّة» وكتب على (٢) الحاشية صوابه: «إلَّا آكلة الخُضَر» بضمِّ الخاء وفتح الضَّاد المعجمتين، و «آكلة»: بمدِّ الهمزة، والاستثناء مفرَّغٌ،

والأصل: كلَّما ينبت الرَّبيع ما يقتل آكِلهُ إلَّا الدَّابة الَّتي تأكل الخُضَر فقط، أكلت -أي: آكلة الخضر- (حَتَّى إِذَا امْتَلأَتْ) ولأبي ذَرٍّ: «حتى إذا امتدَّت» (خَاصِرَتَاهَا) شبعًا (اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ فَثَلَطَتْ) بفتح المثلَّثة واللَّام المخفَّفة والطَّاء المهملة، آخره فوقيَّةٌ، أي: ألقت بعرها سهلًا رقيقًا (وَبَالَتْ) فزال عنها الحبط، وإنَّما تحبط الماشية لأنَّها تمتلئ بطونها ولا تثلط ولا تبول، فتنتفخ بطونها، فيعرض لها المرض فتهلك (ثُمَّ رَتَعَتْ) وهذا مَثَلٌ ضربه للمقتصد في جمع الدُّنيا المؤدِّي حقَّها النَّاجي من وبالها، كما نجت آكلة الخُضَر (وَإِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ) بفتح الخاء وكسر الضَّاد المعجمتين، أي: من حيث المنظر، وأنَّثه مع أنَّ المال مذكَّرٌ (١) باعتبار أنَّه زهرة الدُّنيا، فالتَّأنيث وقع على التَّشبيه، أو التَّاء للمبالغة، كراوية وعلَّامة (حُلْوَةٌ) أي: من حيث الذَّوق (وَنِعْمَ) أي: المال (صَاحِبُ المُسْلِمِ لِمَنْ (٢) أَخَذَهُ بِحَقِّهِ) بأن جمعه من حلالٍ (فَجَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ) جميع أنواع الخير، ومنها الجهاد، وهو موضع التَّرجمة. وقد روى النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ -وقال: حسنٌ- وابن حبَّان في «صحيحه»، وصحَّحه الحاكم من حديث خُرَيم -بالرَّاء مصغَّرًا- ابن فَاتِكٍ -بالفاء والفوقيَّة المكسورة- ورفعه: «من أنفق نفقةً في سبيل الله كُتِبت له بسبع مئة ضعفٍ» وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة وغيره مرفوعًا: «مَن أرسل نفقةً في سبيل الله، وأقام في بيته فله بكلِّ درهمٍ سبع مئة درهمٍ، ومَن غزا في سبيل الله بنفسه، وأنفق في وجه ذلك فله بكلِّ درهمٍ سبع مئة ألف درهمٍ»، ثمَّ تلا هذه الآية: ﴿وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء﴾ [البقرة: ٢٦١] (وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ زيادة: «وابن السَّبيل» (وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْهُ) أي: المال (بِحَقِّهِ) ولأبي ذَرٍّ: «يأخذها» أي: زهرة الدُّنيا (فَهْوَ كَالآكِلِ الَّذِي لَا يَشْبَعُ) لأنَّه كلَّما نال منه شيئًا؛ ازدادت رغبته، واستقلَّ ما عنده، ونظر إلى ما فوقه، وسقط لأبي ذَرٍّ لفظ «الَّذي» (وَيَكُونُ) ماله (عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ القِيَامَةِ) بأن يُنطِقَ الله الصَّامت منه بما فعل، أو يمثِّل (٣) مثاله (٤).

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ترخيم: فلان، فحذف النُّون للتَّرخيم والألف لسكونها، وتُفتَح اللَّام وتُضَمُّ على مذهبَي التَّرخيم، قاله ابن الأثير، أي: فلانٌ (هَلُمَّ) بفتح الهاء وضمِّ اللَّام وتشديد الميم، أي: تعال (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّديق : (يَا رَسُولَ اللهِ، ذَاكَ الَّذِي) يدعوه خزنة كلِّ باب: (لَا تَوَى عَلَيْهِ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة والواو مقصورًا، أي: لا بأس عليه أن يدخل بابًا ويترك آخر (فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ) أي: ممَّن يُدعَى من تلك الأبواب كلِّها.

وهذا الحديث قد سبق في «الصِّيام» [خ¦١٨٩٧] وأخرجه (١) أيضًا في «فضل أبي بكر» [خ¦٣٦٦٦]، ومسلمٌ في «الزَّكاة».

٢٨٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين المهملة وتخفيف النُّون، العوقيُّ الباهليُّ الأعمى قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) هو ابن سليمان قال: (حَدَّثَنَا هِلَالٌ) هو ابن أبي (٢) ميمونة الفهريُّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالمهملة المخفَّفة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَامَ

عَلَى المِنْبَرِ) وفي طريق معاذ بن فَضَالة، عن هشامٍ، عن هلالٍ في «باب الصَّدقة على اليتامى» [خ¦١٤٦٥] جلس ذات يومٍ على المنبر وجلسنا حوله (فَقَالَ: إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ. ثُمَّ ذَكَرَ زَهْرَةَ الدُّنْيَا) أي: حُسْنها وبهجتها الفانية (فَبَدَأَ بِإِحْدَاهُمَا) أي: ببركات الأرض (وَثَنَّى بِالأُخْرَى) أي: بزهرة الدُّنيا (فَقَامَ رَجُلٌ) لم أعرف (١) اسمه (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَ يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟) بفتح الواو، أي: أتصير النِّعمة عقوبةً؟ (فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ ، قُلْنَا: يُوحَى إِلَيْهِ، وَسَكَتَ النَّاسُ كَأَنَّ عَلَى رُؤوْسِهِمِ الطَّيْرَ) كأنَّهم يريدون صيدَه، فلا يتحرَّكون مخافة أن يطير (ثُمَّ إِنَّهُ) (مَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ الرُّحَضَاءَ) بضمِّ الرَّاء وفتح الحاء المهملة والضَّاد المعجمة ممدودًا: العَرَقُ الَّذي أدرَّه عند نزول الوحي عليه (فَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا)؟ بمدِّ الهمزة وكسر النُّونِ، الآن (أَوَ خَيْرٌ هُوَ؟) بفتح الواو والهمزة؛ استفهامٌ على سبيل الإنكار، أي: المال هو خيرٌ، قالها (ثَلَاثًا: إِنَّ الخَيْرَ) الحقيقيَّ (لَا يَأْتِي إِلَّا بِالخَيْرِ) وهذا ليس بخيرٍ حقيقيٍّ لما فيه من الفتنة، والاشتغال عن كمال الإقبال إلى الآخرة (وَإِنَّهُ كُلَّمَا) بفتح اللَّام، ولأبي ذرٍّ: «كلُّ ما» بضمِّها (يُنْبِتُ الرَّبِيعُ) بضمِّ التَّحتيَّة، من الإنبات، و «الرَّبيعُ»: رفعٌ على الفاعليَّة، وهو الجدول الَّذي يُستقى به (مَا يَقْتُلُ) قتلًا (حَبَطًا) بفتح الحاء المهملة والموحَّدة والطَّاء المهملة، منصوبٌ على التَّمييز، وهو انتفاخ البطن من كثرة الأكل، وسقط قوله «ما» لأبي ذَرٍّ وحده، وقوله: «حبطًا» له ولأبي الوقت والأَصيليِّ (أَوْ يُلِمُّ) بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه وتشديد ثالثه، أي: يقرب أن يقتل (كُلَّمَا أَكَلَتْ) ضبَّب على: «كلَّما» في «اليونينيَّة» وكتب على (٢) الحاشية صوابه: «إلَّا آكلة الخُضَر» بضمِّ الخاء وفتح الضَّاد المعجمتين، و «آكلة»: بمدِّ الهمزة، والاستثناء مفرَّغٌ،

والأصل: كلَّما ينبت الرَّبيع ما يقتل آكِلهُ إلَّا الدَّابة الَّتي تأكل الخُضَر فقط، أكلت -أي: آكلة الخضر- (حَتَّى إِذَا امْتَلأَتْ) ولأبي ذَرٍّ: «حتى إذا امتدَّت» (خَاصِرَتَاهَا) شبعًا (اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ فَثَلَطَتْ) بفتح المثلَّثة واللَّام المخفَّفة والطَّاء المهملة، آخره فوقيَّةٌ، أي: ألقت بعرها سهلًا رقيقًا (وَبَالَتْ) فزال عنها الحبط، وإنَّما تحبط الماشية لأنَّها تمتلئ بطونها ولا تثلط ولا تبول، فتنتفخ بطونها، فيعرض لها المرض فتهلك (ثُمَّ رَتَعَتْ) وهذا مَثَلٌ ضربه للمقتصد في جمع الدُّنيا المؤدِّي حقَّها النَّاجي من وبالها، كما نجت آكلة الخُضَر (وَإِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ) بفتح الخاء وكسر الضَّاد المعجمتين، أي: من حيث المنظر، وأنَّثه مع أنَّ المال مذكَّرٌ (١) باعتبار أنَّه زهرة الدُّنيا، فالتَّأنيث وقع على التَّشبيه، أو التَّاء للمبالغة، كراوية وعلَّامة (حُلْوَةٌ) أي: من حيث الذَّوق (وَنِعْمَ) أي: المال (صَاحِبُ المُسْلِمِ لِمَنْ (٢) أَخَذَهُ بِحَقِّهِ) بأن جمعه من حلالٍ (فَجَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ) جميع أنواع الخير، ومنها الجهاد، وهو موضع التَّرجمة. وقد روى النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ -وقال: حسنٌ- وابن حبَّان في «صحيحه»، وصحَّحه الحاكم من حديث خُرَيم -بالرَّاء مصغَّرًا- ابن فَاتِكٍ -بالفاء والفوقيَّة المكسورة- ورفعه: «من أنفق نفقةً في سبيل الله كُتِبت له بسبع مئة ضعفٍ» وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة وغيره مرفوعًا: «مَن أرسل نفقةً في سبيل الله، وأقام في بيته فله بكلِّ درهمٍ سبع مئة درهمٍ، ومَن غزا في سبيل الله بنفسه، وأنفق في وجه ذلك فله بكلِّ درهمٍ سبع مئة ألف درهمٍ»، ثمَّ تلا هذه الآية: ﴿وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء﴾ [البقرة: ٢٦١] (وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ زيادة: «وابن السَّبيل» (وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْهُ) أي: المال (بِحَقِّهِ) ولأبي ذَرٍّ: «يأخذها» أي: زهرة الدُّنيا (فَهْوَ كَالآكِلِ الَّذِي لَا يَشْبَعُ) لأنَّه كلَّما نال منه شيئًا؛ ازدادت رغبته، واستقلَّ ما عنده، ونظر إلى ما فوقه، وسقط لأبي ذَرٍّ لفظ «الَّذي» (وَيَكُونُ) ماله (عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ القِيَامَةِ) بأن يُنطِقَ الله الصَّامت منه بما فعل، أو يمثِّل (٣) مثاله (٤).

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.5 / 29.5
الإضاءة 67%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد