«خَرَجْنَا لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٩٤

الحديث رقم ٢٩٤ من كتاب «كتاب الحيض» في صحيح البخاري، تحت باب: كتاب الحيض.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «خرجنا لا نرى إلا الحج، فلما كنا بسرف حضت…

«خَرَجْنَا لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَأَنَا أَبْكِي، قَالَ: مَا لَكِ، أَنُفِسْتِ؟. قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ. قَالَتْ: وَضَحَّى رَسُولُ اللهِ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ».

سند حديث: ٢٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ…

٢٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ

⦗٦٧⦘

يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «خرجنا لا نرى إلا الحج، فلما كنا بسرف حضت…

معنى حديث عائشة رضي الله عنها : "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نَذْكُرُ إلا الحج".
أي: من المدينة وكان خروجه صلى الله عليه وسلم يوم السَبت لخمس ليالٍ بَقَيْنَ من ذي القِعدة بعد أن صلى بها الظهر أربع ركعات، ثم سَار إلى ذي الحليفة فَصَلى بها العصر ركعتين.
"لا نَذْكُرُ إلا الحج".
وفي رواية :"لا نَرَى إلا الحج". لكن جاء عنها في حديث آخر صحيح: "فمنَّا من أهَلَّ بِعمرة، ومنَّا من أهَلَّ بحج، وكنت ممن أَهَلَّ بِعمرة"، وعلى هذا يكون قولها رضي الله عنها : "لا نَذْكر إلا الحج"، وقولها: "لا نَرى إلا الحج" لا يخلو من الأحوال التالية:
الحال الأولى: تريد بذلك فريضة الحج من حيث الأصل، لا بيان نوع النُّسك الذي أحرموا به.
الحال الثانية: تريد بذلك عند خروجهم وقبل وصولهم إلى الميقات، والدخول في الإحرام.
الحال الثالثة : تريد بذلك حال غيرها من الصحابة، ولم تقصد نفسها.
"حتى جِئْنَا سَرِف".
يعني: حتى وصلوا موضِعا يُقال له: "سَرِفُ"، وهو مَوضع قريب من مكة.
"فَطَمِثْتُ" يعني: حاضت رضي الله عنها .
"فدخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبْكِي، فقال: «ما يُبْكِيك؟» فقلت: والله، لوَدِدْتُ أنَّي لم أكُن خرجت العَام".
لما حصل معها ما حصل بَكَت رضي الله عنها وتَمَنَّت أنها لم تحج معهم هذه السَّنة؛ ظنا منها أنها لما حاضت قد تنقطع عن أعمال الحج، ويفوتها بذلك الخير.
" قال: «ما لك؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟»".
أي: حِضْت .
" قلت: نعم، قال: «هذا شيء كَتَبه الله على بَنَات آدم»".
أي: أن الحيض أمْر مُقَدَّر ومكتوب على بنات آدم، فليس خاصًا بك وليس بيدك؛ فلا داعي للبكاء.
"افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تَطُوفي بالبيت حتى تَطْهُري".
فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن الحيض لا يمنعها من المضي في نسكها، ولا يُخِلُّ بإحرامها، وأنها تفعل ما يفعله الحاج: من الوقوف بعرفة ومنى ومزدلفة ورمي الجماروسائر أفعال الحج غير الطواف، فإنها تمتنع منه حتى تَطْهر من حيضها وتغتسل.
"قالت: فلمَّا قَدمت مكة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه «اجْعَلُوها عُمرة»".
تعني لما قَدِم النبي صلى الله عليه وسلم مكة أمَر من لم يسوقوا الهدي أن يجعلوا إحرامهم عمرة، فمن أحرم بالحج ولم يكن ساق الهدي فإنه يَقْلب إحرامه بالحج عمرة، فيطوف ويسعى ويقصر، ثم هو قد حَلَّ من إحرامه، وفي رواية أخرى لمسلم: "فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَحِلَّ منَّا من لم يكن معه هدى، قال: فقلنا: حِلُّ ماذا؟ قال: "الحِلُّ كُلُّه".
"قالت: فأحَلَّ الناس إلا من كان معه الهَدْي، قالت: فكان الهَدْي مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وذَوِي اليَسَارَة".
تعني أن من لم يكن معه الهدي حلُّوا من إحرامهم بعد أن طافوا وسعوا وقصروا، وبقي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما ومن ساق الهدي ممن وسَّعَ الله عليهم بقوا على إحرامهم؛ لأنهم ساقوا الهدي ومن ساق الهدي لم يَجز له فسخ إحرامه إلى عمرة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : "لولا أني سُقْتُ الهَدْي، لفعلت مثل الذي أمَرْتُكم به".
"قالت: ثم أهَلُّوا حين راحُوا".
تعني أن الذين طافوا وسعوا وقصروا، أهلوا بالحج حين راحُوا إلى منى وذلك يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحِجة.
"قالت: فلمَّا كان يوم النَّحر طَهَرْت".
أي: أنها طَهَرت من حيضها يوم النحر، وهو يوم العاشر من ذِي الحِجَّة، سُمي بذلك؛ لنَحر الأضاحي فيه.
"فأمَرَني رسول الله صلى الله عليه وسلم فَأَفَضْتُ".
أي: بعد أن طَهَرت من حيضها رضي الله عنها يوم النَّحر أمَرَها النبي صلى الله عليه وسلم بأداء طواف الإفاضة فَفَعَلت.
"قالت: فَأُتِيَنَا بِلَحم بَقَر، فقلت: ما هذا؟".
يعني: أُرسل لها ولمن معها من النساء لحم بقر، ثم إنها سَألت عنه.
"فقالوا: أَهْدَى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن نِسَائه البَقر".
أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم نَحَر عن كل واحدة من نسائه بقرة.
"فلمَّا كانت ليلة الحَصْبَةِ".
يعني لمَّا كانت ليلة النزول من منى، وهي الليلة التي بعد أيام التشريق وسميت بذلك؛ لأنهم نَفَروا من منى فنزلوا في المُحَصَّب وباتوا به، وفي البخاري : "أن النبي صلى الله عليه وسلم رقَد رقْدَةً في المُحصَّب، ثم ركِبَ إلى البيت فطاف به".
"قلت: يا رسول الله، يرجع الناس بِحَجَّة وعُمرة وأرجع بِحَجَّة؟".
أي يرجعون بحج منفرد وعمرة منفردة؛ لأنهم كانوا متمتعين، وأرجع أنا وليس لي عمرة منفردة؛ لأنها كانت قارنة، والعمرة في القران داخلة في الحج بالنية، وفي رواية لمسلم "أيرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر؟"، فهي أرادت أن يكون لها عمرة منفردة عن الحج، كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة، وأتموا العمرة وتحللوا منها قبل يوم التروية، ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية، فحصل لهم عمرة منفردة وحجة منفردة، وأما عائشة فإنما حصل لها عمرة مندرجة في حجة بالقران، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوم النفر يسعك طوافك لحجك وعمرتك، أي: وقد تما وحسبا لك جميعا، فأبت وأرادت عمرة منفردة كما حصل لباقي الناس.
"قالت: فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر، فَأَرْدَفَنِي على جَمَلِه".
أي : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما بأن يخرج بها إلى التَّنْعِيم؛ لتأتي منه بعمرة، حتى تكون مثل بقية الناس، فأردفَها رضي الله عنه خَلفه كما في رواية مسلم الأخرى.
"قالت: فإني لأذْكُر، وأنا جَارية حَدِيثَةُ السِّن، أَنْعَسُ فيُصِيب وجْهِي مُؤْخِرَة الرَّحْل".
أي: عندما أردفها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه خلفه، وسار بها إلى التنعيم كانت تَنْعَس حتى أنها رأسها يسقط من شِدَّة النُّعاس، فيضرب في مؤخرة الرَّحْل.
"حتى جِئْنَا إلى التَّنْعِيم، فَأَهْلَلْتُ منها بِعُمْرة؛ جزاء بِعُمْرَة الناس التي اعْتَمَرُوا".
أي لما وصلا إلى التنعيم، أهلت رضي الله عنها بعمرة مستقلة بأعمالها مقام عمرة الناس التي اعتمروها أولا.
وفي رواية في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها بعد أن أدَّت العمرة : "هذه مكان عمرتك" أي: هذه العمرة مكان العمرة التي كنت تريدين حصولها منفردة غير مندرجة مع الحج، فمنعك الحيض من القيام بها.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • مشروعية خروج النساء للحج متى ما توفرت شروطه، ومنها المحرم.
  • جواز السفر يوم السبت، وكانت أكثر أسفاره -صلى الله عليه وسلم- يوم الخميس.
  • جواز استعمال: "لو" إذا لم يترتب عليها محذور شرعي، ويؤكده قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت" الحديث.
  • حرص عائشة -رضي الله عنها- على إكمال الطاعة على أفضل وجه، ولهذا تمنت أنها لم تحج معهم تلك السَّنة، ظنًّا منها أنها لن تكمل نسكها؛ بسبب حيضها.
  • تسمية الحيض نفاساً.
  • أنه ينبغي تَسْلِية المُصَاب بذكر ما كان مثل مُصيبته أو أشد.
  • أن دم الحيض دم طبيعة بخلاف من قال أنه دَم عقوبة عُوقبت به نساء بني إسرائيل، والحديث يرده؛ لأنه قال: "كتبه الله على بنات آدم".
  • أن ما قُدِّر على بَني آدم رجالهم ونِسَائهم لا يمكن تخلُّفه بحال من الأحوال.
  • صحة جميع أعمال الحج من الحائض والنفساء: من الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والمبيت بمنى، والسعي بين الصفا والمروة.
  • إدخال الحج على العمرة؛ لأن عائشة -رضي الله عنها- أحرمت بعمرة وعندما حاضَت مُنعت من الطواف لأداء العمرة؛ فأدخلت الحج على العمرة، فصارت قارنة.
  • أن جميع أعمال الحج لا تُشترط لها الطهارة من الحَدَث الأكبر عدا الطواف بالبيت.
  • اشتراط الطهارة من الحدث الأكبر للطواف؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) فدل ذلك على أن الطهارة شرط لصحة الطواف.
  • لا تشترط الطهارة للإحرام، فيصح أن يحرم الإنسان وهو على غير طهارة، والأفضل أن يكون على طهارة إن أمكن ذلك.
  • أن الحائض ممنوعة من دخول المسجد.
  • قَلْب الإحرام بالحج إلى عمرة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (اجْعَلُوها عُمرة) وكان ذلك واجبًا على الصحابة -رضي الله عنهم- في ذلك العام.
  • أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قارنا في حَجَّته.
  • أن أبا بَكر وعمر وجمع من الصحابة -رضي الله عنهم- المَيْسُوِرين منهم قَرَنوا بين الحج والعُمرة.
  • أن الأفضل في حق من كان بمكة أن يُحرم بالحج يوم التروية ولا يُقَدِّمه عليه؛ لقولها -رضي الله عنها-: "أحرموا حين راحُوا"، ورواحهم كان يوم الثامن، وهو يوم التروية.
  • استحباب المُبادرة بطواف الإفاضة يوم النَّحَر.
  • لا حرج في السؤال عمَّا خَفِي أمره؛ لأن عائشة -رضي الله عنها- سألت عن اللحم الذي أرسل لها؛ لجهلها بحاله.
  • جواز إهداء البقر.
  • وجوب الهَدي على القَارن؛ لأن عائشة -رضي الله عنها- حَجَّت قارنة وأهدى عنها -عليه الصلاة والسلام-.
  • لا يلزم الزوج أن يهدي زوجته، وما فعله -صلى الله عليه وسلم- مع نسائه، فهذا من كريم خلقه، وحسن عشرته.
  • نزوله -صلى الله عليه وسلم- المُحَصَّب؛ لكونه أسمح لخروجه، ولا علاقة له بالمناسك إلا من جهة التخفيف على الحجيج.
  • دليل على جواز الإرْدَاف إذا كانت الدَّابة مُطيقة، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بذلك .
  • جواز إردَاف الرجل المرأة إذا كانت من محارمه والخلوة بها.
  • وجوب خروج المكي ومن أخذ حكمه من مكة، إذا أراد أن يحرم بعمرة، فيخرج إلى أدنى الحِل، سواء كان التنعيم أو غيره.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «خرجنا لا نرى إلا الحج، فلما كنا بسرف حضت…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١ - بَاب كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْحَيْضِ

وَقَوْلُ النَّبِيِّ : هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ الْحَيْضُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَحَدِيثُ النَّبِيِّ أَكْثَرُ

قَوْلُهُ: (بَابُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْحَيْضِ) أَيِ ابْتِدَاؤُهُ، وَفِي إِعْرَابِ بَابٍ الْأَوْجُهُ الْمُتَقَدِّمَةُ أَوَّلَ الْكِتَابِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ النَّبِيِّ : هَذَا شَيْءٌ) يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ عَقِبَهُ، لَكِنْ بِلَفْظِ هَذَا أَمْرٌ وَقَدْ وَصَلَهُ بِلَفْظِ شَيْءٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ أَوْ سِتَّةٍ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ هَذَا إِلَى الْحَيْضِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ أَوَّلُ) بِالرَّفْعِ ; لِأَنَّهُ اسْمُ كَانَ وَالْخَبَرُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَيْ عَلَى نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُصَلُّونَ جَمِيعًا، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَتَشَرَّفُ لِلرَّجُلِ، فَأَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِنَّ الْحَيْضَ، وَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ، وَعِنْدَهُ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ.

قَوْلُهُ: (وَحَدِيثُ النَّبِيِّ أَكْثَرُ) قِيلَ مَعْنَاهُ أَشْمَلُ ; لِأَنَّهُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ بَنَاتِ آدَمَ، فَيَتَنَاوَلُ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ وَمَنْ قَبْلَهُنَّ، أَوِ الْمُرَادُ أَكْثَرُ شَوَاهِدَ أَوْ أَكْثَرُ قُوَّةً، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَيْسَ بَيْنَهُمَا مُخَالَفَةٌ، فَإِنَّ نِسَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: بَنَاتُ آدَمَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا مَعَ الْقَوْلِ بِالتَّعْمِيمِ بِأَنَّ الَّذِي أُرْسِلَ عَلَى نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ طُولُ مُكْثِهِ بِهِنَّ عُقُوبَةً لَهُنَّ لَا ابْتِدَاءُ وُجُودِهِ.

وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ أَيْ حَاضَتْ. وَالْقِصَّةُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِلَا رَيْبٍ، وَرَوَى الْحَاكِمُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْحَيْضِ كَانَ عَلَى حَوَّاءَ بَعْدَ أَنْ أُهْبِطَتْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَبَنَاتُ آدَمَ بَنَاتُهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١ م) (بابُ الأَمْرِ للنِّسَاءِ إِذَا نَفِسْنَ) بفتح النُّون، وكسر الفاء، وسكون السِّين آخره نونٌ، أي: حِضْنَ، وقد تُضَمُّ النُّون، وقِيلَ: إنَّها تُضَمُّ في الولادة، وبالفتح في الحيض، وهذه التَّرجمة لفظ (١) رواية أبوي الوقت وذَرٍّ كما في الفرع، وفي غيره: «بابُ الأمرِ بالنُّفَساء إذا نُفِسْنَ» والضَّمير الذي فيه يرجع إلى النُّفَساء، وتذكيره باعتبار الشَّخص، أو لعدم الإلباس لاختصاص الحيض بالنِّساء، والجمع باعتبار الجنس، والباء في: «بالنُّفَساء» زائدةٌ لأنَّ النُّفَساء مأمورةٌ لا مأمورٌ بها، وفي أكثر الرِّوايات (٢): الباب والتَّرجمة ساقطان.

٢٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ولابن عساكر: «عليّ، يعني: ابن عبد الله» أي: المَدِينيُّ، بفتح الميم وكسر الدَّال (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ قَالَ: سَمِعْتُ) أبي (القَاسِمَ) «بن محمَّدٍ» كما زِيد (٣) في رواية الأَصيليِّ، ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، حال كونه (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) حال كونها (تَقُولُ: خَرَجْنَا) حال كوننا (لَا نُرَى) بضمِّ النُّون، أي: لا نظنُّ، وفي الفرع: «لا نَرى» بفتحها (إِلَّا الحَجَّ) إلَّاقصده؛ لأنَّهم كانوا يظنُّون امتناع العمرة في أشهر الحجِّ، فأخبرت عنِ اعتقادها، أو عنِ الغالب عن (٤) حال النَّاس، أو حال الشَّارع (فَلَمَّا كُنَّا) وللكُشْمِيْهَنِيِّوالأَصيليِّ: «فلمَّا كنتُ» (بِسَرِفَ) بفتح السِّين المُهمَلة وكسر الرَّاء آخره فاءٌ، موضعٌ على عشرة أميالٍأو تسعةٍ أو سبعةٍ أو ستَّةٍ من مكَّة، غير منصرفٍ للعلميَّة والتَّأنيث، وقد يُصرَف باعتبار إرادة المكان (حِضْتُ) بكسر الحاء (فَدَخَلَ

عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَأَنَا أَبْكِي) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ) ولأبي الوقت: «قال»: (مَا لَكِ) بكسر الكاف (أَنَُفِسْتِ؟) بهمزة الاستفهام وضمِّ النُّون في فرع «اليونينية»، لكنَّه مُضبَّبٌ (١) عليها، قال النَّوويُّ: الضَّمُّ في الولادة أكثر من الفتح، والفتح في الحيض أكثر من الضَّمِّ، وقال الهرويُّ: الضَّمُّ والفتح في الولادة، وأمَّا الحيض فبالفتح لا غير (قُلْتُ: نَعَمْ) نَُفِسْتُ (قَالَ) : (إِنَّ هَذَا) الحيض (أَمْرٌ) أي: شأنٌ (كَتَبَهُ اللَّهُ) ﷿ (عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) امتحنهنَّ به، وتعبدهنَّ بالصَّبر عليه (فَاقْضِي مَا يَقْضِي) بإثبات الياء في «اقضي» لأنَّه خطابٌ لعائشة، أي: أدِّي الذي يؤدِّيه (الحَاجُّ) من المناسك (غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالبَيْتِ) أي: غير أن تطوفي، فـ «لا» زائدةٌ (٢)، وإلَّا فغير عدم الطَّواف هو نفس الطَّواف، أو «تطوفي» مجزومٌ بـ «لا» أي: لا تطوفي ما دمتِ حائضًا، وزاد في الرِّواية الآتية [خ¦٣٠٥]: «حتَّى تطهري» و «أن» مُخفَّفةٌ مِنَ الثَّقيلة، وفيها ضمير الشَّأن (٣) (قَالَتْ) عائشة: (وَضَحَّى رَسُولُ اللهِ عَنْ نِسَائِهِ) التِّسع بإذنهنَّ (بِالبَقَرِ) ولأبي ذَرٍّ والحَمُّويي (٤) والمُستملي (٥): «بالبقرة» أي: عن سبعٍ منهنَّ، ويُفهَم منه: جواز التَّضحية ببقرةٍ واحدةٍ عنِ النِّساء،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٢ - (بابُ غَسْلِ الحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِها وَتَرْجِيلِهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان غسل الْحَائِض رَأس زَوجهَا، وَحكم ترجيل رَأسه، والترجيل مجرور عطف على غسل، وَهُوَ بِالْجِيم: تَسْرِيح شعر الرَّأْس. وَقَالَ ابْن السّكيت، شعر رجل، بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا، إِذا لم يكن شَدِيد الجعودة وَلَا سبطاً، تَقول مِنْهُ: رجل شعره ترجيلاً.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن كلاًّ مِنْهُمَا مُشْتَمل على حكم مُتَعَلق بالحائض.

٢٩٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ حدّثنا مالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسُ رسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا حائِضٌ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي ترجيل رَأس رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما أَمر الْغسْل فَلَا مُطَابقَة لَهُ، وَقَالَ بَعضهم: الْحق بِهِ الْغسْل قِيَاسا أَو إِشَارَة إِلَى الطَّرِيق الْآتِيَة فِي بَاب مُبَاشرَة الْحَائِض، فَإِنَّهُ صَرِيح فِي ذَلِك، والوجهان اللَّذَان ذكرهمَا هَذَا الْقَائِل لَا وَجه لَهما أصلا. أما الأول: فَلِأَن وضع التراجم من الْأَبْوَاب هَل هُوَ حكم من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة حَتَّى يُقَاس حكم مِنْهَا على حكم آخر. وَأما الثَّانِي: فَهَل وَجه الْوَضع تَرْجَمَة فِي بَاب، وَالْإِشَارَة إِلَى المترجم الَّذِي وضع لَهَا فِي الْبَاب الثَّالِث.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة ذكرُوا فِي بَاب الْوَحْي على هَذَا التَّرْتِيب.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع: وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون مَا خلا عبد الله فَإِنَّهُ تنيسي.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن عبد الله بن يُوسُف، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة، وَفِي الِاعْتِكَاف عَن قُتَيْبَة، ثَلَاثَتهمْ عَن مَالك. قَوْله: (كنت أرجل رَأس رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) فِيهِ الْإِضْمَار تَقْدِيره: كنت أرجل شعر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَن الترجيل للشعر لَا للرأس، وَيجوز أَن يكون من بَاب إِطْلَاق الْمحل وَإِرَادَة الْحَال. قَوْله: (وَأَنا حَائِض) جملَة أسمية وَقعت حَالا.

وَمِمَّا يستنبط مِنْهُ جَوَاز ترجيل الْحَائِض شعر رَأس زَوجهَا، وَاعْلَم أَنه لم يخْتَلف أحد فِي غسل الْحَائِض رَأس زَوجهَا وترجيله إلَاّ مَا نقل عَن ابْن عَبَّاس أَنه دخل على مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. فَقَالَت: (أَي بني مَالِي أَرَاك شعث الرَّأْس، فَقَالَ: إِن أم عمار ترجلني وَهِي الْآن حَائِض. فَقَالَت: أَي بني لَيست الْحَيْضَة بِالْيَدِ، كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يضع رَأسه فِي حجر إحدانا وَهِي حَائِض) ذكره ابْن أبي شيبَة. فَقَالَ: حدّثنا ابْن عُيَيْنَة، قَالَ: حَدثنَا منبوذ عَن أَبِيه بِهِ. وَمِمَّا يُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز اسْتِخْدَام الزَّوْجَة بِرِضَاهَا وَهُوَ إِجْمَاع.

٢٩٦ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قالَ أخْبَرَنَا هِشَامُ بنُ يُوسِفَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قالَ أخْبَرَنِي هِشَامٌ عَنْ عُرْوَةَ أنَّهُ سُئِلَ أَتَخْدُمُنِي الحَائِضُ أَوْ تَدْنُو مِنِّي المَرْأَةُ وَهِيَ جُنُبٌ فَقالَ عُرْوَةُ كُلُّ ذِلِكَ عَلَى هَيْنٌ وكُلُّ ذَلِكَ تَخْدُمُنِي وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ فِي ذِلِكَ بَأْسٌ أَخْبَرْتَنِي عائِشَةُ أنَّهَا كانَتْ ترَجِّلُ تَعْني رَأَسَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهِيَ حائِضٌ ورسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حينَئِذٍ مُجَاوِرُ فِي المَسْجِدِ يُدْنَى لَهَا رَأْسَهُ وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا فَتُرَجِّلُهُ وَهِيَ حائِضٌ. .

مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة كمطابقة الحَدِيث السَّابِق.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد التَّمِيمِي الرَّازِيّ أَبُو إِسْحَاق الْفراء، يعرف بالصغير، وَكَانَ أَحْمد يُنكر على من يَقُول لَهُ الصَّغِير، وَقَالَ: هُوَ كَبِير فِي الْعلم وَالْجَلالَة. الثَّانِي: هِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ أَبُو عبد الرَّحْمَن قَاضِي صنعاء من أَبنَاء الْفرس، وَهُوَ أكبر اليمانيين وأحفظهم وأتقنهم، مَاتَ سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث: ابْن جريح، بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء واسْمه عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريح الْمَكِّيّ القريشي الْمدنِي، أَصله رومي، وَهُوَ أحد الْعلمَاء الْمَشْهُورين، وَهُوَ أول من صنف فِي الْإِسْلَام فِي قَول: وَكَانَت لَهُ كنيتان أَبُو الْوَلِيد وَأَبُو خَالِد، مَاتَ سنة خمسين وَمِائَة، وَهُوَ جَاوز السّبْعين. الرَّابِع: هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس: عَائِشَة الصديقة بنت الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١ - بَاب كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْحَيْضِ

وَقَوْلُ النَّبِيِّ : هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ الْحَيْضُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَحَدِيثُ النَّبِيِّ أَكْثَرُ

قَوْلُهُ: (بَابُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْحَيْضِ) أَيِ ابْتِدَاؤُهُ، وَفِي إِعْرَابِ بَابٍ الْأَوْجُهُ الْمُتَقَدِّمَةُ أَوَّلَ الْكِتَابِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ النَّبِيِّ : هَذَا شَيْءٌ) يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ عَقِبَهُ، لَكِنْ بِلَفْظِ هَذَا أَمْرٌ وَقَدْ وَصَلَهُ بِلَفْظِ شَيْءٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ أَوْ سِتَّةٍ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ هَذَا إِلَى الْحَيْضِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ أَوَّلُ) بِالرَّفْعِ ; لِأَنَّهُ اسْمُ كَانَ وَالْخَبَرُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَيْ عَلَى نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُصَلُّونَ جَمِيعًا، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَتَشَرَّفُ لِلرَّجُلِ، فَأَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِنَّ الْحَيْضَ، وَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ، وَعِنْدَهُ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ.

قَوْلُهُ: (وَحَدِيثُ النَّبِيِّ أَكْثَرُ) قِيلَ مَعْنَاهُ أَشْمَلُ ; لِأَنَّهُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ بَنَاتِ آدَمَ، فَيَتَنَاوَلُ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ وَمَنْ قَبْلَهُنَّ، أَوِ الْمُرَادُ أَكْثَرُ شَوَاهِدَ أَوْ أَكْثَرُ قُوَّةً، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَيْسَ بَيْنَهُمَا مُخَالَفَةٌ، فَإِنَّ نِسَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: بَنَاتُ آدَمَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا مَعَ الْقَوْلِ بِالتَّعْمِيمِ بِأَنَّ الَّذِي أُرْسِلَ عَلَى نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ طُولُ مُكْثِهِ بِهِنَّ عُقُوبَةً لَهُنَّ لَا ابْتِدَاءُ وُجُودِهِ.

وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ أَيْ حَاضَتْ. وَالْقِصَّةُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِلَا رَيْبٍ، وَرَوَى الْحَاكِمُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْحَيْضِ كَانَ عَلَى حَوَّاءَ بَعْدَ أَنْ أُهْبِطَتْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَبَنَاتُ آدَمَ بَنَاتُهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١ م) (بابُ الأَمْرِ للنِّسَاءِ إِذَا نَفِسْنَ) بفتح النُّون، وكسر الفاء، وسكون السِّين آخره نونٌ، أي: حِضْنَ، وقد تُضَمُّ النُّون، وقِيلَ: إنَّها تُضَمُّ في الولادة، وبالفتح في الحيض، وهذه التَّرجمة لفظ (١) رواية أبوي الوقت وذَرٍّ كما في الفرع، وفي غيره: «بابُ الأمرِ بالنُّفَساء إذا نُفِسْنَ» والضَّمير الذي فيه يرجع إلى النُّفَساء، وتذكيره باعتبار الشَّخص، أو لعدم الإلباس لاختصاص الحيض بالنِّساء، والجمع باعتبار الجنس، والباء في: «بالنُّفَساء» زائدةٌ لأنَّ النُّفَساء مأمورةٌ لا مأمورٌ بها، وفي أكثر الرِّوايات (٢): الباب والتَّرجمة ساقطان.

٢٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ولابن عساكر: «عليّ، يعني: ابن عبد الله» أي: المَدِينيُّ، بفتح الميم وكسر الدَّال (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ قَالَ: سَمِعْتُ) أبي (القَاسِمَ) «بن محمَّدٍ» كما زِيد (٣) في رواية الأَصيليِّ، ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، حال كونه (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) حال كونها (تَقُولُ: خَرَجْنَا) حال كوننا (لَا نُرَى) بضمِّ النُّون، أي: لا نظنُّ، وفي الفرع: «لا نَرى» بفتحها (إِلَّا الحَجَّ) إلَّاقصده؛ لأنَّهم كانوا يظنُّون امتناع العمرة في أشهر الحجِّ، فأخبرت عنِ اعتقادها، أو عنِ الغالب عن (٤) حال النَّاس، أو حال الشَّارع (فَلَمَّا كُنَّا) وللكُشْمِيْهَنِيِّوالأَصيليِّ: «فلمَّا كنتُ» (بِسَرِفَ) بفتح السِّين المُهمَلة وكسر الرَّاء آخره فاءٌ، موضعٌ على عشرة أميالٍأو تسعةٍ أو سبعةٍ أو ستَّةٍ من مكَّة، غير منصرفٍ للعلميَّة والتَّأنيث، وقد يُصرَف باعتبار إرادة المكان (حِضْتُ) بكسر الحاء (فَدَخَلَ

عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَأَنَا أَبْكِي) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ) ولأبي الوقت: «قال»: (مَا لَكِ) بكسر الكاف (أَنَُفِسْتِ؟) بهمزة الاستفهام وضمِّ النُّون في فرع «اليونينية»، لكنَّه مُضبَّبٌ (١) عليها، قال النَّوويُّ: الضَّمُّ في الولادة أكثر من الفتح، والفتح في الحيض أكثر من الضَّمِّ، وقال الهرويُّ: الضَّمُّ والفتح في الولادة، وأمَّا الحيض فبالفتح لا غير (قُلْتُ: نَعَمْ) نَُفِسْتُ (قَالَ) : (إِنَّ هَذَا) الحيض (أَمْرٌ) أي: شأنٌ (كَتَبَهُ اللَّهُ) ﷿ (عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) امتحنهنَّ به، وتعبدهنَّ بالصَّبر عليه (فَاقْضِي مَا يَقْضِي) بإثبات الياء في «اقضي» لأنَّه خطابٌ لعائشة، أي: أدِّي الذي يؤدِّيه (الحَاجُّ) من المناسك (غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالبَيْتِ) أي: غير أن تطوفي، فـ «لا» زائدةٌ (٢)، وإلَّا فغير عدم الطَّواف هو نفس الطَّواف، أو «تطوفي» مجزومٌ بـ «لا» أي: لا تطوفي ما دمتِ حائضًا، وزاد في الرِّواية الآتية [خ¦٣٠٥]: «حتَّى تطهري» و «أن» مُخفَّفةٌ مِنَ الثَّقيلة، وفيها ضمير الشَّأن (٣) (قَالَتْ) عائشة: (وَضَحَّى رَسُولُ اللهِ عَنْ نِسَائِهِ) التِّسع بإذنهنَّ (بِالبَقَرِ) ولأبي ذَرٍّ والحَمُّويي (٤) والمُستملي (٥): «بالبقرة» أي: عن سبعٍ منهنَّ، ويُفهَم منه: جواز التَّضحية ببقرةٍ واحدةٍ عنِ النِّساء،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٢ - (بابُ غَسْلِ الحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِها وَتَرْجِيلِهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان غسل الْحَائِض رَأس زَوجهَا، وَحكم ترجيل رَأسه، والترجيل مجرور عطف على غسل، وَهُوَ بِالْجِيم: تَسْرِيح شعر الرَّأْس. وَقَالَ ابْن السّكيت، شعر رجل، بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا، إِذا لم يكن شَدِيد الجعودة وَلَا سبطاً، تَقول مِنْهُ: رجل شعره ترجيلاً.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن كلاًّ مِنْهُمَا مُشْتَمل على حكم مُتَعَلق بالحائض.

٢٩٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ حدّثنا مالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسُ رسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا حائِضٌ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي ترجيل رَأس رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما أَمر الْغسْل فَلَا مُطَابقَة لَهُ، وَقَالَ بَعضهم: الْحق بِهِ الْغسْل قِيَاسا أَو إِشَارَة إِلَى الطَّرِيق الْآتِيَة فِي بَاب مُبَاشرَة الْحَائِض، فَإِنَّهُ صَرِيح فِي ذَلِك، والوجهان اللَّذَان ذكرهمَا هَذَا الْقَائِل لَا وَجه لَهما أصلا. أما الأول: فَلِأَن وضع التراجم من الْأَبْوَاب هَل هُوَ حكم من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة حَتَّى يُقَاس حكم مِنْهَا على حكم آخر. وَأما الثَّانِي: فَهَل وَجه الْوَضع تَرْجَمَة فِي بَاب، وَالْإِشَارَة إِلَى المترجم الَّذِي وضع لَهَا فِي الْبَاب الثَّالِث.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة ذكرُوا فِي بَاب الْوَحْي على هَذَا التَّرْتِيب.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع: وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون مَا خلا عبد الله فَإِنَّهُ تنيسي.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن عبد الله بن يُوسُف، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة، وَفِي الِاعْتِكَاف عَن قُتَيْبَة، ثَلَاثَتهمْ عَن مَالك. قَوْله: (كنت أرجل رَأس رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) فِيهِ الْإِضْمَار تَقْدِيره: كنت أرجل شعر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَن الترجيل للشعر لَا للرأس، وَيجوز أَن يكون من بَاب إِطْلَاق الْمحل وَإِرَادَة الْحَال. قَوْله: (وَأَنا حَائِض) جملَة أسمية وَقعت حَالا.

وَمِمَّا يستنبط مِنْهُ جَوَاز ترجيل الْحَائِض شعر رَأس زَوجهَا، وَاعْلَم أَنه لم يخْتَلف أحد فِي غسل الْحَائِض رَأس زَوجهَا وترجيله إلَاّ مَا نقل عَن ابْن عَبَّاس أَنه دخل على مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. فَقَالَت: (أَي بني مَالِي أَرَاك شعث الرَّأْس، فَقَالَ: إِن أم عمار ترجلني وَهِي الْآن حَائِض. فَقَالَت: أَي بني لَيست الْحَيْضَة بِالْيَدِ، كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يضع رَأسه فِي حجر إحدانا وَهِي حَائِض) ذكره ابْن أبي شيبَة. فَقَالَ: حدّثنا ابْن عُيَيْنَة، قَالَ: حَدثنَا منبوذ عَن أَبِيه بِهِ. وَمِمَّا يُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز اسْتِخْدَام الزَّوْجَة بِرِضَاهَا وَهُوَ إِجْمَاع.

٢٩٦ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قالَ أخْبَرَنَا هِشَامُ بنُ يُوسِفَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قالَ أخْبَرَنِي هِشَامٌ عَنْ عُرْوَةَ أنَّهُ سُئِلَ أَتَخْدُمُنِي الحَائِضُ أَوْ تَدْنُو مِنِّي المَرْأَةُ وَهِيَ جُنُبٌ فَقالَ عُرْوَةُ كُلُّ ذِلِكَ عَلَى هَيْنٌ وكُلُّ ذَلِكَ تَخْدُمُنِي وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ فِي ذِلِكَ بَأْسٌ أَخْبَرْتَنِي عائِشَةُ أنَّهَا كانَتْ ترَجِّلُ تَعْني رَأَسَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهِيَ حائِضٌ ورسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حينَئِذٍ مُجَاوِرُ فِي المَسْجِدِ يُدْنَى لَهَا رَأْسَهُ وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا فَتُرَجِّلُهُ وَهِيَ حائِضٌ. .

مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة كمطابقة الحَدِيث السَّابِق.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد التَّمِيمِي الرَّازِيّ أَبُو إِسْحَاق الْفراء، يعرف بالصغير، وَكَانَ أَحْمد يُنكر على من يَقُول لَهُ الصَّغِير، وَقَالَ: هُوَ كَبِير فِي الْعلم وَالْجَلالَة. الثَّانِي: هِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ أَبُو عبد الرَّحْمَن قَاضِي صنعاء من أَبنَاء الْفرس، وَهُوَ أكبر اليمانيين وأحفظهم وأتقنهم، مَاتَ سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث: ابْن جريح، بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء واسْمه عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريح الْمَكِّيّ القريشي الْمدنِي، أَصله رومي، وَهُوَ أحد الْعلمَاء الْمَشْهُورين، وَهُوَ أول من صنف فِي الْإِسْلَام فِي قَول: وَكَانَت لَهُ كنيتان أَبُو الْوَلِيد وَأَبُو خَالِد، مَاتَ سنة خمسين وَمِائَة، وَهُوَ جَاوز السّبْعين. الرَّابِع: هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس: عَائِشَة الصديقة بنت الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.1 / 29.5
الإضاءة 61%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
الله أكبر