الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٠٣
الحديث رقم ٣٠٣ من كتاب «كتاب الحيض» في صحيح البخاري، تحت باب: باب مباشرة الحائض.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٣٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٣٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ تَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ أَمَرَهَا فَاتَّزَرَتْ وَهِيَ حَائِضٌ. وَرَوَاهُ سُفْيَانُ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ عَارِمٌ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ هُوَ ابْنُ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ) أَيِ ابْنُ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَوْلَادِ الصَّحَابَةِ، لَهُ رُؤْيَةٌ.
قَوْلُهُ: (أَمَرَهَا) أَيْ بِالِاتِّزَارِ (فَاتَّزَرَتْ) وَهُوَ فِي رِوَايَتِنَا بِإِثْبَاتِ الْهَمْزَةِ عَلَى اللُّغَةِ الْفُصْحَى.
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ سُفْيَانُ) يَعْنِي الثَّوْرِيَّ (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) يَعْنِي بِسَنَدِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ نَحْوُهُ. وَقَدْ رَوَاهُ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ أَيْضًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَذَلِكَ مِمَّا يَدْفَعُ عَنْهُ تَوَهُّمَ الِاضْطِرَابِ، وَكَأَنَّ الشَّيْبَانِيَّ كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ تَارَةً مِنْ مُسْنَدِ عَائِشَةَ وَتَارَةً مِنْ مُسْنَدِ مَيْمُونَةَ، فَسَمِعَهُ مِنْهُ جَرِيرٌ، وَخَالِدٌ بِالْإِسْنَادَيْنِ، وَسَمِعَهُ غَيْرُهُمَا بِأَحَدِهِمَا. وَرَوَاهُ عَنْهُ أَيْضًا - بِإِسْنَادِ مَيْمُونَةَ - حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ بِإِسْنَادِ عَائِشَةَ.
٦ - بَاب تَرْكِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ
٣٠٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَضْحَى - أَوْ فِطْرٍ - إِلَى الْمُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ. فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ. قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا. أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا.
[الحديث ٣٠٤ - أطرافه في: ٢٦٥٨، ١٩٥١، ١٤٦٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ تَرْكِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ وَغَيْرُهُ: جَرَى الْبُخَارِيُّ عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيضَاحِ الْمُشْكِلِ دُونَ الْجَلِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ تَرْكَهَا الصَّلَاةَ وَاضِحٌ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الطَّهَارَةَ مُشْتَرَطَةٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَهِيَ غَيْرُ طَاهِر، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ، فَكَانَ تَرْكُهَا لَهُ تَعَبُّدًا مَحْضًا، فَاحْتَاجَ إِلَى التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هُوَ سَعِيدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ الْمِصْرِيُّ الْجُمَحِيُّ، لَقِيَهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ أَخُو إِسْمَاعِيلَ، وَالْإِسْنَادُ مِنْهُ فَصَاعِدًا مَدَنِيُّونَ، وَفِيهِ تَابِعِيٌّ عَنْ تَابِعِيٍّ، زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيُّ، لِأَبِيهِ صُحْبَةٌ.
قَوْلُهُ: (فِي أَضْحى أَوْ فِطْرٍ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي.
قَوْلُهُ: (إِلَى الْمُصَلَّى فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ) اخْتَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا، وَقَدْ سَاقَهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ تَامًّا وَلَفْظُهُ: إِلَى الْمُصَلَّى فَوَعَظَ
النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ كَانَ وَعَدَ النِّسَاءَ بِأَنْ يُفْرِدَهُنَّ بِالْمَوْعِظَةِ، فَأَنْجَزَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَفِيهِ أَنَّهُ وَعَظَهُنَّ وَبَشَّرَهُنَّ.
قَوْلُهُ: (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ) الْمَعْشَرُ كُلُّ جَمَاعَةٍ أَمْرُهُمْ وَاحِدٌ، وَنُقِلَ عَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالرِّجَالِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِ، إِلَّا إِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِالتَّخْصِيصِ حَالَةَ إِطْلَاقِ الْمَعْشَرِ لَا تَقْيِيدَهُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (أُرِيتُكُنَّ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَاهُنَّ لَهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِلَفْظِ: أُرِيتُ النَّارَ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الرُّؤْيَةَ الْمَذْكُورَةَ وَقَعَتْ فِي حَالِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا فِي بَابِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ جَمَاعَةً.
قَوْلُهُ: (وَبِمَ؟) الْوَاوُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ وَالْبَاءُ تَعْلِيلِيَّةٌ وَالْمِيمُ أَصْلُهَا مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةُ، فَحُذِفَتْ مِنْهَا الْأَلِفُ تَخْفِيفًا.
قَوْلُهُ: (وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ) أَيْ تَجْحَدْنَ حَقَّ الْخَلِيطِ - وَهُوَ الزَّوْجُ - أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ نَاقِصَاتِ) صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتٍ إِلَخْ زِيَادَةٌ عَلَى الْجَوَابِ تُسَمَّى الِاسْتِتْبَاعَ، كَذَا قَالَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ كَوْنِهِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ ; لِأَنَّهُنَّ إِذَا كُنَّ سَبَبًا لِإِذْهَابِ عَقْلِ الرَّجُلِ الْحَازِمِ حَتَّى يَفْعَلَ أَوْ يَقُولَ مَا لَا يَنْبَغِي، فَقَدْ شَارَكْنَهُ فِي الْإِثْمِ وَزِدْنَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَذْهَبَ) أَيْ أَشَدَّ إِذْهَابًا، وَاللُّبُّ أَخَصُّ مِنَ الْعَقْلِ، وَهُوَ الْخَالِصُ مِنْهُ، (الْحَازِمِ) الضَّابِطِ لِأَمْرِهِ، وَهَذِهِ مُبَالَغَةٌ فِي وَصْفِهِنَّ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الضَّابِطَ لِأَمْرِهِ إِذَا كَانَ يَنْقَادُ لَهُنَّ فَغَيْرُ الضَّابِطِ أَوْلَى، وَاسْتِعْمَالُ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ مِنَ الْإِذْهَابِ جَائِزٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ حَيْثُ جَوَّزَهُ مِنَ الثُّلَاثِيِّ وَالْمَزِيدِ.
قَوْلُهُ: (قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا)؟ كَأَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِنَّ ذَلِكَ حَتَّى سَأَلْنَ عَنْهُ، وَنَفْسُ السُّؤَالِ دَالٌّ عَلَى النُّقْصَانِ ; لِأَنَّهُنَّ سَلَّمْنَ مَا نُسِبَ إِلَيْهِنَّ مِنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ - الْإِكْثَارِ وَالْكُفْرَانِ وَالْإِذْهَابِ - ثُمَّ اسْتَشْكَلْنَ كَوْنَهُنَّ نَاقِصَاتٍ. وَمَا أَلْطَفَ مَا أَجَابَهُنَّ بِهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ تَعْنِيفٍ وَلَا لَوْمٍ، بَلْ خَاطَبَهُنَّ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِنَّ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: مِثْلُ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ، إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ لِأَنَّ الِاسْتِظْهَارَ بِأُخْرَى مُؤْذِنٌ بِقِلَّةِ ضَبْطِهَا، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِنَقْصِ عَقْلِهَا، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ حَمَلَ الْعَقْلَ هُنَا عَلَى الدِّيَةِ، وَفِيهِ بُعْدٌ، قُلْتُ: بَلْ سِيَاقُ الْكَلَامِ يَأْبَاهُ.
قَوْلُهُ: (فَذَلِكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ خِطَابًا الَّتِي تَوَلَّتِ الْخِطَابَ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا عَلَى أَنَّهُ لِلْخِطَابِ الْعَامِّ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ مَنْعِ الْحَائِضِ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ كَانَ ثَابِتًا بِحُكْمِ الشَّرْعِ قَبْلَ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ: مَشْرُوعِيَّةُ الْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى فِي الْعِيدِ، وَأَمْرُ الْإِمَامِ النَّاسَ بِالصَّدَقَةِ فِيهِ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ جَوَازَ الطَّلَبِ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ لِلْفُقَرَاءِ وَلَهُ شُرُوطٌ، وَفِيهِ حُضُورُ النِّسَاءِ الْعِيدَ، لَكِنْ بِحَيْثُ يَنْفَرِدْنَ عَنِ الرِّجَالِ خَوْفَ الْفِتْنَةِ، وَفِيهِ جَوَازُ عِظَةِ الْإِمَامِ النِّسَاءَ عَلَى حِدَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ، وَفِيهِ أَنَّ جَحْدَ النِّعَمِ حَرَامٌ، وَكَذَا كَثْرَةُ اسْتِعْمَالِ الْكَلَامِ الْقَبِيحِ كَاللَّعْنِ وَالشَّتْمِ، اسْتَدَلَّ النَّوَوِيُّ عَلَى أَنَّهُمَا مِنَ الْكَبَائِرِ بِالتَّوَعُّدِ عَلَيْهَا بِالنَّارِ، وَفِيهِ ذَمُّ اللَّعْنِ وَهُوَ الدُّعَاءُ بِالْإِبْعَادِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ فِي مُعَيَّنٍ، وَفِيهِ إِطْلَاقُ الْكُفْرِ عَلَى الذُّنُوبِ الَّتِي لَا تُخْرِجُ عَنِ الْمِلَّةِ تَغْلِيظًا عَلَى فَاعِلِهَا؛ لِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِكُفْرِهِنَّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ، وَهُوَ كَإِطْلَاقِ نَفْيِ الْإِيمَانِ، وَفِيهِ الْإِغْلَاظُ فِي النُّصْحِ بِمَا يَكُونُ سَبَبًا لِإِزَالَةِ الصِّفَةِ الَّتِي تُعَابُ، وَأَنْ لَا يُوَاجَهُ بِذَلِكَ الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ ; لِأَنَّ فِي التَّعْمِيمَ تَسْهِيلًا عَلَى السَّامِعِ، وَفِيهِ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَدْفَعُ الْعَذَابَ، وَأَنَّهَا قَدْ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ الَّتِي بَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَأَنَّ الْعَقْلَ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِذِكْرِ النَّقْصِ فِي النِّسَاءِ لَوْمَهُنَّ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، لَكِنَّ التَّنْبِيهَ عَلَى ذَلِكَ تَحْذِيرٌ مِنَ الِافْتِتَانِ بِهِنَّ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
كونهما (١) عورةً، قال في «المهمَّات»: وقد نصَّ في «الأمِّ» على الحلِّ في السُّرَّة.
ورواة الحديث السِّتَّة إلى عائشة كوفيُّون، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن تابعيٍّ (٢) عن صحابيَّةٍ، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود وابن ماجه في «الطَّهارة».
(تَابَعَهُ) أي: تابع عليَّ بن مُسْهِرٍ في رواية (٣) هذا الحديث (خَالِدٌ) هو ابن عبد الله الواسطيُّ ممَّا وصله أبو القاسم التَّنوخيُّ في «فوائده» من طريق وهب بن بقيَّة (٤) عنه (وَ) تابعه (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد ممَّا وصله أبو داود والإسماعيليُّ (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) أبي إسحاق المذكور، أي: عن عبد الرَّحمن إلى آخر الحديث.
٣٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ، المعروف بعارمٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) أبو إسحاق (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ) بتشديد الدَّال، ابن أسامة بن الهاد اللَّيثيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ) أمَّ المؤمنين ﵂ (تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ) وفي روايةٍ: «سمعت ميمونة أمَّ المؤمنين ﵂ تقول: كان» ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «قالت: كان النَّبيُّ» (ﷺ (٥) إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ) ﵅ (أَمَرَهَا) بالاتِّزار (فَاتَّزَرَتْ) كما في فرع «اليونينيَّة»، وقال ابن حجرٍ: في روايتنا
بإثبات الهمزة على اللُّغة الفصحى (وَهْيَ حَائِضٌ) جملةٌ حاليَّةٌ من مفعول «يباشر» على الظَّاهر، أو من مفعول «أمر»، أو من فاعل «اتَّزرت»، وقال الكِرمانيُّ: يحتمل أنَّه حالٌ مِنَ الثَّلاثة جميعًا.
ورواة الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والسَّماع ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ (١) عن صحابيَّةٍ، وأخرجه مسلمٌ في «الطَّهارة»، وأبو داود في «النِّكاح» وابن ماجه.
(رَوَاهُ) أي: الحديث، وللأَصيليِّ وكريمة (٢): «ورواه» (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ ممَّا (٣) وصله أحمد في «مُسنَده» (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) أبي إسحاق وعبَّر بقوله: «رواه» دون تابعه لأنَّ الرِّواية أعمُّ من المُتابَعة، فلعلَّه لم يروِه مُتابَعةً، وقِيلَ: المُراد بسفيان هنا: ابن عُيَيْنة، وعلى كلِّ تقديرٍ فلا يضرُّ إبهامه لأنَّهما على شرطه، لكن جزم بالأوَّل ابن حجرٍ وغيره كما عند أحمد -كما مرَّ- فافهم.
(٦) (بابُ تَرْكِ الحَائِضِ الصَّوْمَ) في أيَّام حيضها.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٥ - (بابُ مُبَاشَرَةِ الحَائِضِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمُبَاشرَة مَعَ زَوجته الْحَائِض وَأَرَادَ بِالْمُبَاشرَةِ هُنَا مماسة الخلدين لَا الْجِمَاع، فَإِن جماع الْحَائِض حرَام على مَا نذكرهُ مفصلا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة جدا، وَهُوَ وجود الْمُبَاشرَة فِي كل مِنْهُمَا.
٢٩٩ - حدّثنا قَبِيصَةُ قالَ حدّثنا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا والنَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ كَلانَا جُنُبٌ.
حدّثنا وَكانَ يَأْمُرُنِي فَاتزِرُ فَيُبَاشِرُنِي وَأَنا حائِضُ. حدّثنا وَكانَ يُخْرُجُ رَأْسَهُ إلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأْغْتَسِلُهُ وَأَنَا حائِضٌ. .
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْلهَا: (فيباشرني) .
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: قبيصَة، بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَفِي آخِره تَاء ابْن عقبَة أَبُو عَامر الْكُوفِي، وسُفْيَان الثَّوْريّ، وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وخَالِد الْأسود بن يزِيد كلهم تقدمُوا فِي بَاب عَلامَة الْمُنَافِق.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم إِلَى عَائِشَة كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. فَإِن قلت: إِبْرَاهِيم، هَل أدْرك أحدا من الصَّحَابَة، أَو سمع من أحد مِنْهُم؟ قلت: ذكر الْعجلِيّ: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ لم يحدث عَن أحد من الصَّحَابَة، وَقد أدْرك مِنْهُم جمَاعَة، وَقد رأى عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَيُقَال: رأى أَبَا جُحَيْفَة وَزيد بن أَرقم وَابْن أبي أوفى وَلم يسمع مِنْهُم، وَعَن ابْن حبَان بِأَنَّهُ سمع الْمُغيرَة وَالله تَعَالَى أعلم.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي آخر الصَّوْم عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ، وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم ثَلَاثَتهمْ عَن جرير عَن مَنْصُور بِهِ أخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن شُعْبَة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار عَن ابْن مهْدي عَن سُفْيَان بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بِهِ، وَفِي عشرَة النِّسَاء عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن وَكِيع عَن سُفْيَان بِهِ وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْلهَا: (أَنا وَالنَّبِيّ) النَّبِي بِالرَّفْع وَالنّصب وَأما الرّفْع فبالعطف على الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي: كنت، وَأما النصب فعلى أَن: الْوَاو، بِمَعْنى المصاحبة. وَقَوْلها: (أَنا) ذكر لِأَن فِي عطف الظَّاهِر على الضَّمِير الْمَرْفُوع المستكن بِدُونِ التَّأْكِيد خلافًا، كَمَا ذكر فِي مَوْضِعه. قَوْلهَا: (كِلَانَا جنب) وَقع حَالا، وَإِنَّمَا لم تقل: كِلَانَا جنبان، لِأَنَّهَا اخْتَارَتْ اللُّغَة الفصيحة وَقد ذكرنَا أَن الْجنب يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد والمثنى وَالْجمع فِي اللُّغَة الفصحى، وَإِن كَانَ يُقَال: جنبان وجنبون. قَوْلهَا: (وَكَانَ يَأْمُرنِي) أَي: وَكَانَ النَّبِي ت يَأْمُرنِي بالاتزال قَوْلهَا: (فاتزر) بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَأَصله ائتزر، بالهمزتين أولاهما مَفْتُوحَة، وَالثَّانيَِة سَاكِنة، لِأَن أَصله من أزر، فَنقل إِلَى بَاب، افتعل، فَصَارَ، اتزر يتزر، وَكَذَا اسْتعْمل من غير إدغام فِي حَدِيث آخر، وَهُوَ: (كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُبَاشر بعض نِسَائِهِ وَهِي مؤتزرة فِي حَالَة الْحيض) . وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَقد جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات: وَهِي متزرة، وَهُوَ خطأ، لِأَن الْهمزَة لَا تُدْغَم فِي التَّاء. قلت: فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يقْرَأ: فآتزر بِالْمدِّ، لِأَن الهمزتين إِذا اجتمعتا وَكَانَت الأولى متحركة وَالثَّانيَِة سَاكِنة أبدلت الثَّانِيَة حرف عِلّة من جنس حَرَكَة الأولى، فتبدل ألفا بعد الفتحة، فَكَذَلِك هَاهُنَا، لِأَن أَصله أتزر، بهمزتين الأولى متحركة وَالثَّانيَِة سَاكِنة، فأبدلت الثَّانِيَة ألفا فَصَارَت: آتزر بِالْمدِّ. وَقَالَ ابْن هِشَام: وعوام الْمُحدثين يحرفونه فيقرؤونه بِأَلف وتاء مُشَدّدَة، وَلَا وَجه لَهُ لِأَنَّهُ افتعل من الْإِزَار، ففاؤه همزَة فساكنة بعد همزَة المضارعة الْمَفْتُوحَة، وَكَذَا الزَّمَخْشَرِيّ أنكر الْإِدْغَام. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لَا يجوز الْإِدْغَام فِيهِ عِنْد التصريف، قَالَ صَاحب (الْمفصل) قَول من قَالَ: اتزر خطأ. قلت: قَول عَائِشَة، وَهِي من فصحاء الْعَرَب، حجَّة فِي جَوَازه، فالمخطىء، قلت: إِنَّمَا يَصح مَا ادَّعَاهُ إِذا ثَبت عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت بِالْإِدْغَامِ، فَلم لَا يجوز أَن يكون
هَذَا خطأ مثل مَا قَالَ مُعظم أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن، وَيكون الْخَطَأ من بعض الروَاة أَو من عوام الْمُحدثين لَا من عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْلهَا: (وَأَنا حَائِض) فِي الْمَوْضِعَيْنِ جملَة حَالية، وَكَذَلِكَ قَوْلهَا: (وَهُوَ معتكف) الِاعْتِكَاف فِي اللُّغَة مُجَرّد اللّّبْث، وَفِي الشَّرِيعَة: لبث فِي الْمَسْجِد مَعَ الصَّوْم، وَالِاعْتِكَاف من بَاب الافتعال من: عكف يعكف عكوفاً إِذا أَقَامَ، وعكفه عكفاً إِذا حبس.
ذكر استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: جَوَاز اغتسال الرجل مَعَ امْرَأَته من إِنَاء وَاحِد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. وَمِنْهَا: جَوَاز مُبَاشرَة الْحَائِض وَهِي: الْمُلَامسَة، من لمس بشرة الرجل بشرة الْمَرْأَة، وَقد ترد الْمُبَاشرَة بِمَعْنى الْجِمَاع، وَالْمرَاد هَهُنَا الْمَعْنى الأول بِالْإِجْمَاع.
ثمَّ اعْلَم أَن مُبَاشرَة الْحَائِض على أَقسَام: أَحدهَا: حرَام بِالْإِجْمَاع، وَلَو اعْتقد حلّه يكفر، وَهُوَ أَن يُبَاشِرهَا فِي الْفرج عَامِدًا، فَإِن فعله غير مستحل يسْتَغْفر الله تَعَالَى وَلَا يعود إِلَيْهِ، وَهل يجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة أَو لَا؟ فِيهِ خلاف، فَذهب جمَاعَة إِلَى وجوب الْكَفَّارَة، مِنْهُم: قَتَادَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم، وَقَالَ فِي الْجَدِيد: لَا شَيْء عَلَيْهِ، وَلَا يُنكر أَن يكون فِيهِ كَفَّارَة لِأَنَّهُ وَطْء مَحْظُور كَالْوَطْءِ فِي رَمَضَان. وَقَالَ أَكثر الْعلمَاء، لَا شَيْء عَلَيْهِ سوى الاسْتِغْفَار، وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا أَيْضا. وَقَالَ الثَّوْريّ: وَلَو فعله غير مُعْتَقد حلّه، فَإِن كَانَ نَاسِيا أَو جَاهِلا بِوُجُود الْحيض أَو جَاهِلا تَحْرِيمه أَو مكْرها فَلَا إِثْم عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَة، وَإِن كَانَ عَالما بِالْحيضِ وبالتحريم مُخْتَارًا عَامِدًا فقد ارْتكب مَعْصِيّة نَص الشَّافِعِي على أَنَّهَا كَبِيرَة، وَيجب عَلَيْهِ التَّوْبَة وَفِي وجوب الْكَفَّارَة قَولَانِ: أصَحهمَا، وَهُوَ قَول الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة: لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ. ثمَّ اخْتلفُوا فِي الْكَفَّارَة، فَقيل: عتق رَقَبَة، وَقيل: دِينَار وَنصف دِينَار على اخْتِلَاف بَينهم، هَل الدِّينَار فِي أول الدَّم وَنصفه فِي آخِره؟ أَو الدِّينَار فِي زمن الدَّم وَنصفه بعد انْقِطَاعه؟ فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَته وَهِي حَائِض، قَالَ: (يتَصَدَّق بِدِينَار أَو بِنصْف دِينَار) وَرَوَاهُ بَقِيَّة الْأَرْبَعَة: قلت: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَأعله بأَشْيَاء: مِنْهَا: أَن جمَاعَة رَوَوْهُ عَن شُعْبَة، مَوْقُوفا على ابْن عَبَّاس، وَأَن شُعْبَة رَجَعَ عَن رَفعه، وَمِنْهَا: أَنه رُوِيَ مُرْسلا. وَمِنْهَا: أَنه رُوِيَ معضلاً، وَهُوَ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن يزِيد بن أبي مَالك عَن عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أمرت أَن يتَصَدَّق بخمسي دِينَار) ، والمعضل نوع خَاص من الْمُنْقَطع، فَكل معضل مُنْقَطع، وَلَيْسَ كل مُنْقَطع معضلاً، وَقوم يسمونه مُرْسلا، وَمِنْهَا: أَن فِي مَتنه اضطراباً، لِأَنَّهُ رُوِيَ: بِدِينَار، أَو نصف دِينَار على الشَّك، وَرُوِيَ: يتَصَدَّق بدينارد فَإِن لم يجد فبنصف دِينَار، وَرُوِيَ: يتَصَدَّق بِنصْف دِينَار، وَرُوِيَ: إِن كَانَ دَمًا أَحْمَر فدينار، وَإِن كَانَ أصفر فَنصف دِينَار، وَرُوِيَ: إِن كَانَ الدَّم عبيطاً فليتصدق بِدِينَار، وَإِن كَانَ صفرَة فَنصف دِينَار. قلت: هَذَا الحَدِيث صَححهُ الْحَاكِم وَابْن الْقطَّان، وَذكر الْحَلَال عَن أبي دَاوُد أَن أَحْمد قَالَ: مَا أحسن حَدِيث عبد الحميد، وَهُوَ أحد رُوَاة هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ من رجال الصَّحِيحَيْنِ، وَهُوَ عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن بن زيد بن الْخطاب بن نفَيْل الْقرشِي الْهَاشِمِي الْعَدوي، عَامل عمر بن عبد الْعَزِيز على الْكُوفَة، رأى عبد الله بن عَبَّاس وَسَأَلَهُ، وروى عَن حَفْصَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقيل لِأَحْمَد: تذْهب إِلَيْهِ؟ قَالَ: نعم، إِنَّمَا هُوَ كَفَّارَة، ثمَّ إِن شُعْبَة إِن كَانَ رَجَعَ عَن رَفعه فَإِن غَيره رَوَاهُ مَرْفُوعا، وَهُوَ عَمْرو بن قيس الْملَائي وَهُوَ ثِقَة، وَمن طَرِيقه أخرجه النَّسَائِيّ، وَكَذَا رَوَاهُ قَتَادَة مَرْفُوعا وأسقطا فِي روايتهما عبد الحميد، وَمُقْتَضى الْقَوَاعِد أَن رِوَايَة الرّفْع أشبه بِالصَّوَابِ لِأَنَّهُ زِيَادَة ثِقَة، وَأما مَا لاوي فِيهِ من خمسي دِينَارا، أَو عتق نسمَة، وَغير ذَلِك، فَمَا مِنْهَا شَيْء يعول عَلَيْهِ، ثمَّ إِن الَّذين ذَهَبُوا إِلَى عدم وجوب الصَّدَقَة، أجابوا أَن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يتَصَدَّق) ، مَحْمُول على الِاسْتِحْبَاب، إِن شَاءَ تصدق وإلَاّ لَا وَعَن الْحسن أَنه قَالَ: عَلَيْهِ مَا على من وَاقع أَهله فِي رَمَضَان.
النَّوْع الثَّانِي من الْمُبَاشرَة: فِيمَا فَوق السُّرَّة وَتَحْت الرّكْبَة بالذكرة أَو بالقبلة أَو المعانقة أَو اللَّمْس أَو غَيره ذَلِك، فَهَذَا حَلَال بِالْإِجْمَاع، إلَاّ مَا حُكيَ عَن عُبَيْدَة السَّلمَانِي وَغَيره من أَنه لَا يُبَاشر شَيْئا مِنْهَا، فَهُوَ شَاذ مُنكر مَرْدُود بالأحاديث الصَّحِيحَة الْمَذْكُورَة فِي (الصَّحِيحَيْنِ) وَغَيرهمَا فِي مُبَاشرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَوق الْإِزَار.
النَّوْع الثَّالِث: الْمُبَاشرَة فِيمَا بَين السُّرَّة وَالركبَة فِي غير الْقبل والدبر، فَعِنْدَ أبي حنيفَة حرَام، وَهُوَ رِوَايَة عَن أبي يُوسُف، وَهُوَ الْوَجْه الصَّحِيح للشَّافِعِيَّة، وَهُوَ قَول مَالك: وَقَول أَكثر الْعلمَاء مِنْهُم: سعيد بن الْمسيب وَشُرَيْح وَطَاوُس وَعَطَاء وَسليمَان بن يسَار وَقَتَادَة. وَعند مُحَمَّد بن الْحسن وَأبي يُوسُف فِي رِوَايَة يتَجَنَّب شعار الدَّم
فَقَط، وَمِمَّنْ ذهب إِلَيْهِ عِكْرِمَة وَمُجاهد وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحكم وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَأصبغ وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأَبُو ثورة وَابْن الْمُنْذر وَدَاوُد، وَهَذَا أقوى دَلِيلا لحَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (اصنعوا كل شَيْء إلَاّ النِّكَاح) اقْتِصَار النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مُبَاشَرَته على مَا فَوق الْإِزَار مَحْمُول على الِاسْتِحْبَاب، وَقَول مُحَمَّد هُوَ الْمَنْقُول عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَأبي طَلْحَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَذكر الْقُرْطُبِيّ عَن مُجَاهِد: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يتجنبون النِّسَاء فِي الْحيض، ويأتونهن فِي أدبارهن فِي مدَّته. وَالنَّصَارَى كَانُوا بجامعونهن فِي فروجهن، وَالْيَهُود وَالْمَجُوس كَانُوا يبالغون فِي هجرانهن وتجنبهن فيعتزلونهن بعد انْقِطَاع الدَّم وارتفاعه سَبْعَة أَيَّام، ويزعمون أَن ذَلِك فِي كِتَابهمْ.
وَمِنْهَا: جَوَاز اسْتِخْدَام الزَّوْجَات. وَمِنْهَا: فِيهِ طَهَارَة عرق الْحَائِض. وَمِنْهَا: أَن إِخْرَاج الرَّأْس من الْمَسْجِد لَا يبطل الِاعْتِكَاف.
٣٠٢ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ قالَ أَخْبَرنا عَليُّ بْنُ مُسْهِرٍ قالَ أَخْبَرَنا أبُو إسْحاقَ هُوَ الشُيْبَانِي عَنُ عَبْدِ الرِّحْمنَ بْنِ الأسْوَدِ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ كانتْ إحْدَانَا إذَا كانَتْ حائِضاً فأرَادَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَها أنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرُ حَيْضَتِها ثُمَّ يُبَاشِرُها قالَتْ وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إرْبَهُ كَما كَانَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَمْلِكُ إرْبَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٣٠٠ وطرفه) .
مطابقتة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْمَاعِيل بن خَلِيل أَبُو عبد الله الْكُوفِي فِي الخزاز، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة والزايين المعجمتين أولاهما مُشَدّدَة، قَالَ البُخَارِيّ: جَاءَنَا نعيه سنة خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عَليّ بن مسْهر، بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْهَاء وبالراء أَبُو الْحسن الْقرشِي الْكُوفِي، مَاتَ سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: أَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ سُلَيْمَان بن فَيْرُوز، من مشاهير التَّابِعين، مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة. الرَّابِع: عبد الرَّحْمَن بن الْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ، من خِيَار التَّابِعين وَالْعُلَمَاء العاملين، مَاتَ سنة تسع وَتِسْعين. الْخَامِس: أَبوهُ الْأسود بن يزِيد، وَقد مر غير مرّة. السَّادِس: عاشة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: خَلِيل، بِدُونِ الْألف وَاللَّام فِي رِوَايَة أبي ذكر وكريمة، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: الْخَلِيل، بِالْألف وَاللَّام. فَإِن قلت: هُوَ علم فَلَا تدخله أَدَاة التَّعْرِيف. قلت: إِذا قصد بِهِ لمح الصّفة يجوز كَمَا فِي: الْعَبَّاس والْحَارث وَنَحْوهمَا وَفِيه: التحديث، أَشَارَ إِلَى أَنه تَعْرِيف لَهُ من تِلْقَاء نَفسه، وَلَيْسَ من كَلَام شَيْخه. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم إِلَى عَائِشَة كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابَة.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الطهاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعلي بن حجر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ، وَعَن أبي سَلمَة يحيى بن خلف.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْلهَا: (كَانَت إحدانا) أَرَادَت: إِحْدَى زَوْجَات النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (كَانَ إحدانا) بِدُونِ التَّاء، وَحكى سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه أَنه قَالَ بعض الْعَرَب، قَالَ امْرَأَة قَوْله: (أَن يُبَاشِرهَا) من الْمُبَاشرَة الَّتِي هِيَ أَن يمس الْجلد الْجلد، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ الْجِمَاع، كَمَا ذكرنَا فِيمَا مضى. قَوْله: (أَن تتزر) قد ذكرنَا أَن اللُّغَة الفصحى بأتزر بِالْهَمْزَةِ بِلَا إدغام. قَوْله: (فِي فَور حَيْضَتهَا) بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْوَاو، وَفِي آخِره رَاء، وأرادت بِهِ مُعظم حَيْضَتهَا وَوقت كثرتها، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: فورة الْحر شدته، وفار الْقدر فَوْرًا إِذا حاشت، وحيضتها بِفَتْح الْحَاء لَا غير. قَوْله: (إربه) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وبالباء الْمُوَحدَة، وَقيل: المُرَاد عضوه الَّذِي يستمنع بِهِ، وَقيل: حَاجته، وَفِي كتاب (الْمُنْتَهى) فِيهِ لُغَات إرب وإربة وأراب ومأربة ومأربة ومأربة، عَن أبي سَلمَة، وَفِي الحَدِيث: وَلكنه (أملككم لإربه) قَالَ الْأَصْمَعِي: هِيَ الْحَاجة، أَي: أضبطكم لشهوته، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: أَي: لجزمه، وَضبط نَفسه وَقد أرب يأرب إرباً إِذا احْتَاجَ. يُقَال آإن فلَانا لأرب بفلانة إِذا كَانَ ذاهم بهَا، وَيشْهد لقَوْل ابْن الْأَعرَابِي مَا جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات: (أملككم لنَفسِهِ) وَفِي (الْمُحكم) و (الْجَامِع) والمأرب، وَهِي الإراب والأرب، وَقَالَ الْخطابِيّ: وَأكْثر الروَاة يَقُولُونَ: لإربه، والإرب الْعُضْو، وَإِنَّمَا هُوَ الأرب
مَفْتُوحَة الرَّاء، وَهِي الْوَطْء وحاجة النَّفس، وَقد يكون الإرب، الْحَاجة أَيْضا، وَالْأول أميز، وَكَذَا حَكَاهُ صَاحب (الواعي) وَأما ابْن سَيّده وَابْن عديس فِي كتاب (الباهر) فَقَالَا الإرب بِكَسْر الْهَمْز جمع إربه، وَهِي الْحَاجة، وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس: أَخطَأ من رَوَاهُ بِكَسْر الْهمزَة. قَالَ: وَإِنَّمَا هِيَ بِفَتْحِهَا. وَفِي (مجمع الغرائب) لعبد الغافر هُوَ فِي الْكَلَام مَعْرُوف الإرب والإربة بِمَعْنى الْحَاجة، فَإِن كَانَ الأول مَحْفُوظًا، يَعْنِي فِي حَدِيث عَائِشَة فَفِيهِ ثَلَاث لُغَات، الإرب والأرب والإربة، والإرب يكون بِمَعْنى الْعُضْو فَيحْتَمل أَنَّهَا أَرَادَ كَانَ، أملككم لعضوه، لِأَنَّهَا ذكرت التَّقْبِيل فِي الصَّوْم وَفِي (المغيث) لأبي مُوسَى: أرب فِي الشَّيْء رغب فِيهِ، وَالْحَاصِل أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ أملك النَّاس لأَمره، فَلَا يخْشَى عَلَيْهِ مَا يخْشَى على غيرهممن يحوم حول الْحمى، وَكَانَ يُبَاشر فَوق الْإِزَار تشريعاً لغيره.
ذكر استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: جَوَاز مُبَاشرَة الْحَائِض فِيمَا فَوق الْإِزَار، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي وَمِنْهَا: أَن الْحَائِض لَا بُد لَهَا من الاتزار فِي أَيَّام حَيْضهَا، إِلَّا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر عَائِشَة بذلك، وَذَلِكَ لتمتنع الْمَرْأَة بِهِ عَن الْجِمَاع، وروى أَبُو دَاوُد عَن مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كَانَ يُبَاشر الْمَرْأَة من نِسَائِهِ وَهِي حَائِض إِذا كَانَ عَلَيْهَا إِزَار إِلَى اتصاف الْفَخْذ أَو الرُّكْبَتَيْنِ تحتجز بِهِ) أَي: بالإزار عَن الْجِمَاع فِي رِوَايَة محتجزه بِهِ، أَي: حَال كَون الْمَرْأَة ممتنعة بِهِ عَن الْجِمَاع، وَأَصله من حجزه يحجزه حجزاً أَي: مَنعه من بَاب: نصر ينصر، وَمِنْه الحاجز بَين الشَّيْئَيْنِ، وَهُوَ الْحَائِل بَينهمَا. وَمِنْهَا: أَن هَذِه الْمُبَاشرَة إِنَّمَا تجوز لَهُ إِذا كَانَ يضْبط نَفسه ويمنعها من الْوُقُوع فِي الْجِمَاع، وَإِن كَانَ لَا يملك ذَلِك فَلَا يجوز لَهُ ذَلِك، لِأَن من رعى حول الْحمى يُوشك أَن يَقع فِيهِ، وَعَلِيهِ بعض الشَّافِعِيَّة، وَاسْتَحْسنهُ النَّوَوِيّ. وَمِنْهَا: أَن التَّقْيِيد بقولِهَا: فِي فَور حَيْضَتهَا، يدل على الْفرق بَين ابْتِدَاء الْحيض وَمَا بعده، وَيشْهد لذَلِك مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي (سنَنه) بِإِسْنَاد حسن عَن أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كَانَ يتفي سُورَة الدَّم ثَلَاثًا ثمَّ يُبَاشِرهَا بعد ذَلِك) وَلَا مُنَافَاة بَينه وَبَين الْأَحَادِيث الدَّالَّة على الْمُبَاشرَة مُطلقًا، لِأَنَّهَا تجمع بَينهَا على اخْتِلَاف الْحَالَتَيْنِ، وَالله تَعَالَى أعلم.
تابعَهُ خَالِدٌ وَجَرِيرٌ عَنِ الشيْبَانِيِّ
أَي تَابع عَليّ بن مسْهر خَالِد بن عبد الله الوَاسِطِيّ فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن أبي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ، وَقد وَصلهَا أَبُو الْقَاسِم التنوخي من طَرِيق وهب بن بَقِيَّة عَنهُ. قَوْله: (وَجَرِير) عطف على: خَالِد، أَي: وَتَابعه أَيْضا جرير بن عبد الحميد فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن الشَّيْبَانِيّ عَن عبد الرَّحْمَن، وَقد وصل هَذِه الْمُتَابَعَة أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: حَدثنَا عُثْمَان بن أبي شيبَة، وَقَالَ: حَدثنَا جرير عَن الشَّيْبَانِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، قَالَت: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَأْمُرنَا فِي فوح حيضتنا أَن نتزر ثمَّ يباشرنا، وَأَيكُمْ كَانَ يملك إربه؟ كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يملك إربه) رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) أَيْضا قَوْله: (فِي فوح حيضتنا) فوح الْحيض، بِالْفَاءِ والحاء الْمُهْملَة، معظمة وأوله، مثله، فوعة الدَّم، يُقَال: فاع وفاح بِمَعْنى وَاحِد، وفوعة الطّيب أول مَا يفوح مِنْهُ، ويروي بالغين الْمُعْجَمَة وَهُوَ لُغَة فِيهِ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَمُسلم: (فِي فَور حيضتنا) كَمَا ذَكرْنَاهُ.
٣٠٣ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ قالَ حدّثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ قالَ حدّثنا الشَّيْبَانِيُّ قالَ حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ ابنْ شَدَّادٍ قالَ سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ تقولُ كانَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ أَمَرَها فَاتَّزَرَتْ وَهِيَ حائِضٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي الْمَعْرُوف بعارم. الثَّانِي: عبد الْوَاحِد بن زِيَاد الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: أَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ. الرَّابِع: عبد الله بن شَدَّاد، بتَشْديد الدَّال ابْن الْهَاد اللَّيْثِيّ. الْخَامِس: مَيْمُونَة، أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي، وكوفي ومدني.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى عَن خَالِد بن عبد الله عَن الشَّيْبَانِيّ بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي النِّكَاح عَن مُسَدّد، وَمُحَمّد بن الْعَلَاء، كِلَاهُمَا عَن حَفْص بن غياث عَن الشَّيْبَانِيّ، وَأخرجه ابْن مَاجَه بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث أم حَبِيبَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: [حم (كَانَت إحدانا فِي فورها أول مَا تحيض تشد عَلَيْهَا إزاراً إِلَى أَنْصَاف فخذيها ثمَّ تضطجع مَعَه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) [/ حم وَأخرج أَبُو يعلى الْموصِلِي، من حَدِيث عَمْرو رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لَهُ مَا فَوق الْإِزَار وَلَيْسَ لَهُ مَا تَحْتَهُ) وَفِي لفظ: [حم (لَا يطلعن إِلَى مَا تَحْتَهُ حَتَّى يطهرن) [/ حم وَأخرج أَبُو دَاوُد بِسَنَد صَحِيح عَن بعض أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: [حم (أَنه كَانَ إِذا أَرَادَ من الْحَائِض شَيْئا ألْقى على فرجهَا ثوبا) [/ حم وَأخرج ابْن أبي دَاوُد بِسَنَد جيد عَن أم سَلمَة: [حم (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُبَاشِرهَا وعَلى قبلهَا ثوب) [/ حم تَعْنِي: وَهِي حَائِض، وَأخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث معَاذ وَعبد الله بن سعد: (مَا يحل للرجل من امْرَأَته وَهِي حَائِض؟ قَالَ: مَا فَوق الْإِزَار) وَفِي حَدِيث معَاذ: (وَالتَّعَفُّف عَن ذَلِك أجمل) ، وَأخرج عبد الله بن وهب بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث كريب، قَالَ: سَمِعت أم الْمُؤمنِينَ تَقول: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يضطجع معي وَأَنا حَائِض، وبيني وَبَينه ثوب) وَأخرج الدَّارمِيّ فِي (مُسْنده) من حَدِيث أبي ميسرَة عَمْرو بن شُرَحْبِيل، قَالَ: (قَالَت أم الْمُؤمنِينَ: كنت أتزر وَأَنا حَائِض وَأدْخل مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي لِحَافه) وَإِسْنَاده صَحِيح، وَفِي (الْمُوَطَّأ) عَن زيد بن أسلم: (سَأَلَ رجل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا يحل لي من امْرَأَتي وَهِي حَائِض؟ قَالَ لِتشد عَلَيْهَا إزَارهَا ثمَّ شَأْنك بِأَعْلَاهَا) قَالَ أَبُو عمر: لَا أعلم أحدا روى هَذَا الحَدِيث مُسْندًا بِهَذَا اللَّفْظ.
ورَوَاهُ سُفْيَانُ عَنِ الشَّيْبَانِي
يَعْنِي: روى هَذَا الحَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ، كَذَا قَالَ بَعضهم، سُفْيَان هُوَ: الثَّوْريّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي سَوَاء كَانَ هُوَ الثَّوْريّ أَو ابْن عُيَيْنَة فَهُوَ على شَرط البُخَارِيّ فَلَا بَأْس فِي إبهامه وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَكَانَ البُخَارِيّ يُرِيد بمتابعة سُفْيَان هُنَا الْمَعْنى لَا اللَّفْظ، وَذَلِكَ أَن أَبَا دَاوُد قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الصَّباح عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أبي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ سمع عبد الله بن شَدَّاد عَن مَيْمُونَة: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرط على بعض أَزوَاجه مِنْهُ وَهِي حَائِض) وَقد رَوَاهُ عَن الشَّيْبَانِيّ أَيْضا بِهَذَا الْإِسْنَاد خَالِد بن عبد الله عِنْد مُسلم وَجَرِير بن عبد الحميد عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَرَوَاهُ عَنهُ أَيْضا بِإِسْنَاد مَيْمُونَة حَفْص بن غياث عِنْد أبي دَاوُد، رَحمَه الله، وَأَبُو مُعَاوِيَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وأسباط بن مُحَمَّد عَن أبي عوَانَة فِي (صَحِيحه) وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: قَالَ رَوَاهُ، وَلم يقل تَابعه؟ قلت: الرِّوَايَة أَعم مِنْهَا، فَلَعَلَّهُ لم يروها مُتَابعَة.
٦ - (بابُ تَرْكِ الحَائِضِ الصَّوْمَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ترك الْحَائِض الصَّوْم فِي أَيَّام حَيْضَتهَا.
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن كلاًّ مِنْهُمَا مُشْتَمل على حكم من أَحْكَام الْحيض. فَإِن قلت: الْحَائِض تتْرك الصَّلَاة أَيْضا فَمَا وَجه ذكر الصَّوْم فِي تَركهَا دون الصَّلَاة، مَعَ أَنَّهُمَا مذكوران فِي حَدِيث الْبَاب؟ قلت: تَركهَا الصَّلَاة لعدم وجود شَرطهَا وَهِي الطَّهَارَة، فَكَانَت ملجأة إِلَى ذَلِك بِخِلَاف الصَّوْم فَإِن الطَّهَارَة لَيست بِشَرْط فَكَانَ تَركهَا إِيَّاه من بَاب التَّعَبُّد وَأَيْضًا فَإِن تَركهَا للصَّلَاة لَا إِلَى خلف بِخِلَاف الصَّوْم، فخصص الصَّوْم بِالذكر دون الصَّلَاة إشعاراً لما ذكرنَا.
٣٠٤ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ أبي مَرْيَمَ قالَ أخبرنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قالَ أخبَرَنِي زَيْدٌ هُوَ ابنُ أسْلَمَ عَنْ عِياضٍ بنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِي قالَ خَرَجَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى عَلَى النِّساء تَصَدَّقْنَ فَانِّى أُرِيتُكُنَّ أَكْثَر أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَيِمَ يَا رسولَ اللَّهِ قالَ تُكْبِرْنَ اللَّعْنَ وَتكْفُرْنَ العَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ ناقِصاتِ عَقْلٍ وَدينٍ أذْهَبَ لِلُبِ الرَّجْلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْداكُنَّ قُلْنَ وَمَا نُقْصانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رسولَ اللَّهِ قالَ أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ قُلْنَ بَلَى قالَ فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِها أَلَيْسَ إِذا
حاضَتْ لَمْ تصَلِّ وَلَمْ تَصُمَّ قُلَّنَ بَلَى قالَ فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِها. .
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلم تصم) .
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: سعيد بن أبي مَرْيَم وَهُوَ سعيد بن الحكم ابْن مُحَمَّد بن سَالم الْمَعْرُوف بِابْن أبي مَرْيَم الجُمَحِي، أَبُو مُحَمَّد الْمصْرِيّ، مر ذكره فِي بَاب من سمع شَيْئا فِي كتاب الْعلم. الثَّانِي: مُحَمَّد بن جَعْفَر وَهُوَ ابْن أبي كثير، بِفَتْح الْكَاف وبالتاء الْمُثَلَّثَة الْأنْصَارِيّ. الثَّالِث: زيد بن أسلم، بِلَفْظ الْمَاضِي، أَبُو أُسَامَة الْمدنِي، مر فِي بَاب كفران العشير. الرَّابِع: عِيَاض، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة بن عبد الله وَهُوَ ابْن أبي سرح العامري، لِأَبِيهِ صُحْبَة. الْخَامِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: واسْمه سعد بن مَالك.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين: وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد: وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ عَن صَحَابِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون مَا خلا ابْن أبي مَرْيَم فَإِنَّهُ مصري.
ذكر تعدده وَضعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ مقطعاً فِي الصَّوْم وَالطَّهَارَة وَفِي الزَّكَاة، وَأخرجه فِي الْعِيدَيْنِ بِطُولِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن حسن الْحلْوانِي وَمُحَمّد بن إِسْحَاق الصَّاغَانِي، كِلَاهُمَا عَن ابْن أبي مَرْيَم عَن يحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَعلي بن حجر، ثَلَاثَتهمْ عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن دَاوُد بن قيس عَنهُ بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى بن سعيد. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي كريب عَن أبي أُسَامَة، ثَلَاثَتهمْ عَن دَاوُد بن قيس نَحوه.
بَيَان لغاته وَمَعْنَاهُ قَوْله: (خرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) يَعْنِي: خرج إِمَّا من بَيته أَو من مَسْجده. قَوْله: (فِي أضحى) أَي: فِي يَوْم أضحى، قَالَ الْخطابِيّ: الْأُضْحِية شَاة تذبح يَوْم الْأَضْحَى، وفيهَا أَربع لُغَات: أضْحِية، بِضَم الْهمزَة وبكسرها، وضحية وأضحاة، وَالْجمع: أضحى، وَبهَا سمي يَوْم الْأَضْحَى، والأضحى يذكر وَيُؤَنث، وَقيل: سميت بذلك لِأَنَّهَا تفعل فِي الْأَضْحَى وَهُوَ ارْتِفَاع النَّهَار. قَوْله: (أَو فطر) أَي: أَو يَوْم فطر، وَهُوَ يَوْم عيد الْفطر، وَالشَّكّ من الرَّاوِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الشَّك من أبي سعيد. قلت: لَا يتَعَيَّن ذَلِك. قَوْله: (إِلَى الْمصلى) هُوَ مَوضِع صَلَاة الْعِيد فِي الْجَبانَة. قَوْله: (فَقَالَ: يَا معشر النِّسَاء) ، المعشر: الْجَمَاعَة متخالطين كَانُوا أَو غير ذَلِك، قَالَ الْأَزْهَرِي: أَخْبرنِي الْمُنْذر عَن أَحْمد بن يحيى، قَالَ: المعشر والنفر وَالْقَوْم والرهط، هَؤُلَاءِ معناهم: الْجمع لَا وَاحِد لَهُم من لَفظهمْ للرِّجَال دون النِّسَاء، وَعَن اللَّيْث: المعشر كل جمَاعَة أَمرهم وَاحِد، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر، وَقَول أَحْمد بن يحيى مَرْدُود بِالْحَدِيثِ، وَيجمع على معاشر. قَوْله: (اللَّعْن) فِي اللُّغَة الطَّرْد والإيعاد من الْخَيْر، واللعنة وَالِاسْم، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُنَّ يتلفظن باللعنة كثيرا. قَوْله: (ويكفرن) من الْكفْر وَهُوَ السّتْر، وكفران النِّعْمَة وكفرها سترهَا بترك أَدَاء شكرها، وَالْمرَاد يجحدن نعْمَة الزَّوْج ويستقللن مَا كَانَ مِنْهُ. قَوْله: (العشير) هُوَ: الزَّوْج سمي بذلك لمعاشرته إِيَّاهَا. وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني: عشيرك الَّذِي يعاشرك أَيْدِيكُم وأمركما وَاحِد، لَا يكادون يَقُولُونَ فِي جمعه عشراء وَلَكنهُمْ، معاشروك وعشيرون. وَقَالَ بَعضهم: هم عشراؤك. وَقَالَ الْفراء: يجمع العشير على عشراء، مثل: جليس وجلساء، وَإِن الْعَرَب لتكرهه كَرَاهَة أَن يشاكل قَوْلهم، نَاقَة عشراء، والعشير: الخليط، والعشير: الصّديق وَالزَّوْج وَابْن الْعم. قَوْله: (عقل) الْعقل فِي اللُّغَة ضد، الْحمق، وَعَن الْأَصْمَعِي: هُوَ مصدر: عقل الْإِنْسَان يعقل، وَعَن ابْن دُرَيْد، اشتق من عقال النَّاقة، لِأَنَّهُ يعقل صَاحبه عَن الْجَهْل، أَي: يحْبسهُ وَلِهَذَا قيل: عقل الدَّوَاء بَطْنه، أَي أمْسكهُ، وَفِي (الْعين) عقلت بعد الصِّبَا، أَي: عرفت بعد الْخَطَأ الَّذِي كنت فِيهِ، واللغة الْغَالِبَة، عقل، وَقَالُوا: عقل يعقل مثل حكم يحكم الَّذِي يحبس نَفسه ويردها عَن هَواهَا، أخذا من قَوْلهم: أعتقل لِسَانه إِذا حبس، وَمنع من الْكَلَام. وَفِي (الْمُخَصّص) قَالَ سِيبَوَيْهٍ، قَالُوا: الْعقل، كَمَا قَالُوا: الظّرْف، أدخلوه فِي بَاب عجز، لِأَنَّهُ مثله، وَالْعقل من المصادر الْمَجْمُوعَة من غير أَن تخْتَلف أَنْوَاعهَا. وَقَالَ أَبُو عَليّ: الْعقل والحجى، وَالنَّهْي، كلهَا مُتَقَارِبَة الْمعَانِي، وَعَن الْأَصْمَعِي: هُوَ الْإِمْسَاك عَن الْقَبِيح وَقصر النَّفس وحبسها على الْحسن، وَقَالُوا: عَاقل وعقلاء وَهُوَ: الْحلم واللب وَالْحجر والعظم والمحت والمرجح والجول وَالْخَوْف والذهن والهرمان والحصاة، وَفِي (الْمُحكم) وَجمعه عقول. وَقَالَ الْقَزاز: مَسْكَنه عِنْد قوم فِي الدِّمَاغ، وَعند آخَرين فِي الْقلب الأول قَول أبي
حنيفَة، وَالثَّانِي قَول الشَّافِعِي. وَقيل: مَسْكَنه الدِّمَاغ وتدبيره فِي الْقلب. قلت: وَعَن هَذَا قَالُوا: الْعقل جَوْهَر خلقه الله فِي الدِّمَاغ وَجعل نوره فِي الْقلب، تدْرك بِهِ المغيبات بالوسائط والمحسوسات بِالْمُشَاهَدَةِ، وَعند الْمُتَكَلِّمين، الْعقل الْعلم، وَقيل: بعض الْعُلُوم هِيَ الضرورية، وَقيل: قُوَّة يُمَيّز بهَا حقائق المعلومات، وَفِي كتاب (الْحُدُود) لأبي عَليّ بن سينا، هُوَ اسْم مُشْتَرك لمعان عدَّة: عقل لصِحَّة الْفطْرَة الأولى فِي الناى، وَهُوَ قُوَّة يُمَيّز بهَا بَين الْأُمُور القبيحة والحسنة، وعقل لما يكتسبه بالتجارب بَين الْأَحْكَام تكون مُقَدّمَة يحصل بهَا الْأَغْرَاض والمصالح، وعقل لِمَعْنى آخر، وَهَذِه هَيْئَة محمودة للْإنْسَان فِي حركاته وَكَلَامه، وَأما الْحُكَمَاء فقد فرقوا بَينه وَبَين الْعلم، وَقَالُوا: الْعقل النظري، وبالفعل والفعال، وتحقيقه فِي كتبهمْ، وَإِنَّمَا سمي: الْعقل، عقلا من قَوْلهم: ظَبْي عَاقل، إِذا امْتنع فِي أَعلَى الْجَبَل، يُسمى هَذَا بِهِ لِأَنَّهُ فِي أَعلَى الْجَسَد بِمَنْزِلَة الَّذِي فِي أَعلَى الْجَبَل. وَقيل: الْعَاقِل: الْجَامِع لأموره بِرَأْيهِ، مَأْخُوذ من قَوْلهم: عقلت الْفرس إِذا جمعت قوائمه وَحكى ابْن التِّين عَن بَعضهم: أَن المُرَاد من الْعقل الدِّيَة، لِأَن دِيَتهَا على النّصْف من دِيَة الرجل. قلت: ظَاهر الحَدِيث يأباه.
بَيَان إعرابه قَوْله: (إِلَى الْمصلى) يتَعَلَّق بقوله: (خرج) . قَوْله: (يتصدقن) مقول القَوْل، وَالْفَاء، فِي: فَانِي، للتَّعْلِيل قَوْله: (أريتكن) بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْمعْنَى أَرَانِي الله إياكن أَكثر أهل النَّار، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) أَكثر، بِنصب الرَّاء على أَن أريت، يتَعَدَّى إِلَى مفعولين. أَو على الْحَال إِذا قُلْنَا أَن أفعل لَا يتعرف بِالْإِضَافَة، كَمَا صَار إِلَيْهِ الْفَارِسِي وَغَيره وَقيل: إِنَّه بدل من الْكَاف فِي: أريتكن. انْتهى قلت: نقل هَذَا من صَاحب (التَّلْوِيح) وَلَيْسَ كَذَلِك، بل قَوْله: أريتكن مُتَعَدٍّ إِلَى ثَلَاثَة مفاعيل: الأول التَّاء الَّتِي هِيَ مفعول نَاب عَن الْفَاعِل. وَالثَّانِي:. قَوْله: (كنَّ) . وَالثَّالِث:. قَوْله: (أَكثر أهل النَّار) فَإِن قلت: فِي أَيْن أريهن أَكثر أهل النَّار؟ قلت: فِي لَيْلَة الْإِسْرَاء، وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، بِلَفْظ (أريت النَّار فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا النِّسَاء) فَإِن قلت: ورد فِي الحَدِيث، قَالَ: لكل رجل زوجتان من الْآدَمِيّين. قلت: لَعَلَّ هَذَا قبل وُقُوع الشَّفَاعَة. قَوْله: (ويم يَا رَسُول الله) قَالَ بَعضهم: الْوَاو، استئنافية. قلت: للْعَطْف على مُقَدّر تَقْدِيره، مَا دنبنا، وَبِمَ، الْبَاء للسبيبة، وَكلمَة استفهامية. وَقَالَ الْكرْمَانِي: حذفت الفها تَخْفِيفًا. قلت: يجب حذف ألف، مَا الاستفهامية إِذا جرت، وإبقاء الفتحة دَلِيل عَلَيْهَا وَنَحْوهَا، إلَاّمَ، وَعَلَامَ، وَعلة حذف الْألف، الْفرق بَين الِاسْتِفْهَام وَالْخَبَر، فَلهَذَا حذفت فِي نَحْو: {فيمَ أَنْت من ذكرَاهَا} (سُورَة النَّحْل: ٣٥) {فناظرة بِمَ يرجع المُرْسَلُونَ} (سُورَة النازعات: ٤٣) وَأما قِرَاءَة عِكْرِمَة وَعِيسَى: {عَمَّا يتساءلون} (سُورَة النبإ: ١) فنادر. قَوْله: (تكثرن اللَّعْن) فِي مقَام التَّعْلِيل، وَكَانَ الْمَعْنى: لأنكن تكثرن اللَّعْن، الْإِكْثَار، قَالَ الطَّيِّبِيّ: الْجَواب من الأسلوب الْحَكِيم لِأَن قَوْله: (مَا رَأَيْت) إِلَخ زِيَادَة، فَإِن قَوْله: (تكثرن اللَّعْن وتكفرن العشير) جَوَاب تَامّ، فَكَأَنَّهُ من بَاب الاتتباع، إِذا الذَّم بِالنُّقْصَانِ استتبع للذم بِأَمْر آخر غَرِيب، وَهُوَ كَون الرجل الْكَامِل الحازم منقاداً للنِّسَاء الناقصات عقلاء دينا. قَوْله: (من ناقصات عقل) صفة مَوْصُوف مَحْذُوف أَي: مَا رَأَيْت أحدا من ناقصات. قَوْله: (أذهب) أفعل التَّفْضِيل من الإذهاب، هَذَا على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ حَيْثُ جوز بِنَاء أفعل التَّفْضِيل من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ، وَكَانَ الْقيَاس فِيهِ أَشد إذهاباً.
بَقِيَّة مَا فِيهِ من الْمعَانِي والأسئلة والأجوبة قَوْله: (قُلْنَ وَمَا نُقْصَان ديننَا) ويروي: (فَقُلْنَ) بِالْفَاءِ، وَهَذَا استفسار مِنْهُنَّ عَن وَجه نُقْصَان دينهن وعقلهن، وَفك لِأَنَّهُ خفى عَلَيْهِنَّ ذَلِك حَتَّى استفسرن. وَقَالَ بَعضهم: وَنَفس هَذَا السُّؤَال دَال على النُّقْصَان لِأَنَّهُنَّ سلمن مَا نسب إلَيْهِنَّ من الْأُمُور الثَّلَاثَة: الْإِكْثَار والكفران والإذهاب، ثمَّ استشكلن كونهن ناقصات. قلت: هَذَا استفسار وَلَيْسَ باستشكال، لِأَنَّهُنَّ بعد أَن سلمن هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة، لَا يكون عَلَيْهِنَّ إِشْكَال، وَلَكِن لما خَفِي سَبَب نُقْصَان دينهن وعقلهن سَأَلَهُنَّ عَن ذَلِك بقولهن: مَا نُقْصَان ديننَا وعقلنا، وَالتَّسْلِيم بِهَذِهِ الْأُمُور كَيفَ يدل على النُّقْصَان، وبَيْنَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مَا خَفِي عَلَيْهِنَّ من ذَلِك بقوله: (أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَة) إِلَى آخِره؟ وَهَذَا جَوَاب مِنْهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بلطف وإرشاد من غير تعفيف وَلَا لوم، بِحَيْثُ خاطبهن على قدر فهمهن، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر أَن يُخَاطب النَّاس على قدر عُقُولهمْ، قَوَّال النَّوَوِيّ: وَأما وَصفه النِّسَاء بِنُقْصَان الدّين لتركهن الصَّلَاة وَالصَّوْم فقد يسْتَشْكل مَعْنَاهُ وَلَيْسَ بمشكل، فَإِن الدّين وَالْإِيمَان وَالْإِسْلَام مُشْتَرك فِي معنى وَاحِد، فَإِن من كثرت عِبَادَته زَاد إيمَانه وَدينه، وَمن نقصت عِبَادَته نقص دينه. قلت: دَعْوَاهُ الِاشْتِرَاك فِي هَذِه الثَّلَاثَة غير مسلمة، لِأَن بَينهَا فرقا لُغَة وَشرعا، وَقَوله: زَاد إيمَانه أَو نقص، لَيْسَ براجع إِلَى الذَّات، بل هُوَ رَاجع إِلَى الصّفة
كَمَا تقرر هَذَا فِي مَوْضِعه. قَوْله: (أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَة مثل نصف شَهَادَة الرجل) إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَرجل وَامْرَأَتَانِ مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء} (سُورَة الْبَقَرَة: ٢٨٢) فَإِن قلت: النُّكْتَة فِي تَعْبِيره بِهَذِهِ الْعبارَة وَلم يقل: أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَتَيْنِ مثل شَهَادَة الرجل؟ قلت: لِأَن فِي عِبَارَته تِلْكَ تنصيصاً على النَّقْص صَرِيحًا. بِخِلَاف مَا ذكرت، فَإِنَّهُ يدل عَلَيْهِ ضمنا فَافْهَم، فَإِنَّهُ دَقِيق فَإِن قلت: أَلَيْسَ ذَلِك ذماً لَهُنَّ؟ قلت: لَا وَإِنَّمَا هُوَ على معنى التَّعَجُّب بأنهن مَعَ اتصافهن بِهَذِهِ الْحَالة يفعلن بِالرجلِ الحازم كَذَا وَكَذَا فَإِن قلت: هَذَا الْعُمُوم فِيهِنَّ يُعَارضهُ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كمل من الرِّجَال كثير، وَلم يكمل من النِّسَاء إلَاّ مَرْيَم بنت عمرَان وآسية بنت مُزَاحم) وَفِي رِوَايَة أَربع، وَهُوَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَأحمد من حَدِيث أنس: رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَسبك من نسَاء الْعَالمين بِأَرْبَع: مَرْيَم بنت عمرَان، وآسية امْرَأَة فِرْعَوْن، وَخَدِيجَة بنت خويلد، وَفَاطِمَة بنت مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) قلت: أجَاب بَعضهم بِأَن الْإِفْرَاد خرج عَن ذَلِك لِأَنَّهُ نَادِر قَلِيل، وَالْجَوَاب السديد فِي ذَلِك هُوَ أَن الحكم على الْكل بِشَيْء لَا يسْتَلْزم الحكم على كل فَرد من أَفْرَاده بذلك الشَّيْء وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَنقص الدّين قد يكون على وَجه يَأْثَم بِهِ، كمن ترك الصَّلَاة بِلَا عذر، وَقد يكون على وَجه لَا يَأْثَم لَهُ، كمن ترك الْجُمُعَة بِعُذْر، وَقد يكون على وَجه هُوَ مُكَلّف بِهِ كَتَرْكِ الْحَائِض الصَّلَاة وَالصَّوْم. فَإِن قيل: فَإِذا كَانَت معذورة، فَهَل تثاب على ترك الصَّلَاة فِي زمن الْحيض؟ وَإِن كَانَت لَا تقضيها كَمَا يُثَاب الْمَرِيض، وَيكْتب لَهُ فِي مَرضه مثل نوافل الصَّلَوَات الَّتِي كَانَ يَفْعَلهَا فِي صِحَّته. وَالْجَوَاب أَن ظَاهر هَذَا الحَدِيث أَنَّهَا لَا تثاب، وَالْفرق أَن الْمَرِيض كَانَ يَفْعَلهَا بنية الدَّوَام عَلَيْهَا مَعَ أَهْلِيَّته لَهَا، وَالْحَائِض لَيست كَذَلِك، بل نِيَّتهَا ترك الصَّلَاة فِي زمن الْحيض، وَكَيف لَا وَهِي حرَام عَلَيْهَا؟ قلت: يَنْبَغِي أَن يُثَاب على ترك الْحَرَام. قَوْله: (فَذَلِك) إِشَارَة إِلَى مَا ذكر من. قَوْله: (أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَة مثل نصف شَهَادَة الرجل) . قَوْله: (فَذَلِك) بِكَسْر الْكَاف، خطابا للواحدة الَّتِي تولت الْخطاب، وَيجوز فتح الْكَاف على أَنه للخطاب الْعَام.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام وهوعلى وُجُوه: الأول: فِيهِ اسْتِحْبَاب خُرُوج الإِمَام مَعَ الْقَوْم إِلَى مصلى الْعِيد فِي الْجَبانَة لأجل صَلَاة الْعِيد، وَلم يزل الصَّدْر الأول كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك، ثمَّ تَركه أَكْثَرهم لِكَثْرَة الْجَوَامِع، وَمَعَ هَذَا فَإِن أهل بِلَاد شَتَّى لم يتْركُوا ذَلِك. الثَّانِي: فِيهِ الْحَث على الصَّدَقَة لِأَنَّهَا من أَفعَال الْخيرَات وَالْمِيرَاث فَإِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات، وَلَا سِيمَا فِي مثل يَوْم الْعِيدَيْنِ لِاجْتِمَاع الْأَغْنِيَاء والفقراء، وتحسر الْفُقَرَاء عِنْد رُؤْيَتهمْ الْأَغْنِيَاء وَعَلَيْهِم الثِّيَاب الفاخرة، وَلَا سِيمَا الْأَيْتَام الْفُقَرَاء والأرامل الفقيرات، فَإِن الصَّدَقَة عَلَيْهِم فِي مثل هَذَا الْيَوْم مِمَّا يقل تحسرهم وهمهم، وَإِمَّا تَخْصِيصه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النِّسَاء فِي ذَلِك الْيَوْم، حَيْثُ أمرهن بِالصَّدَقَةِ فلغلبة الْبُخْل عَلَيْهِنَّ، وَقلة معرفتهن بِثَوَاب الصَّدَقَة وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا من الْحسن وَالْفضل فِي الدُّنْيَا قبل يَوْم الْآخِرَة. الثَّالِث: فِيهِ جَوَاز خُرُوج النِّسَاء أَيَّام الْعِيد إِلَى الْمصلى للصَّلَاة مَعَ النَّاس. وَقَالَت الْعلمَاء: كَانَ هَذَا فِي زَمَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما الْيَوْم فَلَا تخرج الشَّابَّة ذَات الْهَيْئَة، وَلِهَذَا قَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا لَو رأى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أحدث النِّسَاء بعده لمنعهن الْمَسَاجِد، كَمَا منعت نسَاء بني إِسْرَائِيل. قلت: هَذَا الْكَلَام من عَائِشَة بِعُذْر من يسير جدا بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما الْيَوْم فنعوذ بِاللَّه من ذَلِك، فَلَا يرخص فِي خروجهن مُطلقًا للعيد وَغَيره، وَلَا سِيمَا نسَاء مصر، على مَا لَا يخفى. وَفِي (التَّوْضِيح) رأى جمَاعَة ذَلِك حَقًا عَلَيْهِنَّ، يَعْنِي: فِي خروجهن للعيد مِنْهُم: أَبُو بكر وَعلي وَابْن عمر وَغَيرهم، وَمِنْهُم من منعن ذَلِك، مِنْهُم: عُرْوَة وَالقَاسِم وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَمَالك وَأَبُو يُوسُف، وَأَجَازَهُ أَبُو حنيفَة مرّة وَمنعه أُخْرَى، وَمنع بَعضهم فِي الشَّابَّة دون غَيرهَا، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَأبي يُوسُف، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: كَانَ الْأَمر بخروجهن أول الْإِسْلَام لتكثير الْمُسلمين فِي أعين الْعَدو. قلت: كَانَ ذَلِك لوُجُود الْأَمْن أَيْضا، وَالْيَوْم قلَّ الأمنُ، والمسلمون كثير، وَمذهب أَصْحَابنَا فِي هَذَا الْبَاب مَا ذكره صَاحب (الْبَدَائِع) أَجمعُوا على أَنه لَا يرخص للشابة الْخُرُوج فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَة وَشَيْء من الصَّلَوَات، لقَوْله تَعَالَى: {وقرون فِي بُيُوتكُمْ} (سُورَة الْأَحْزَاب: ٣٣) وَلِأَن خروجهن سَبَب للفتنة وَأما الْعَجَائِز فيرخص لَهُنَّ الْخُرُوج فِي الْعِيدَيْنِ، وَلَا خلاف أَن الْأَفْضَل أَن لَا يخْرجن فِي صَلَاة مَا، فَإِذا خرجن يصلين صَلَاة الْعِيد، فِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة، وَفِي رِوَايَة أبي يُوسُف عَنهُ، لَا يصلين، بل يكثرن سَواد الْمُسلمين وينتفعن بدعائهم، وَفِي حَدِيث أم عَطِيَّة، قَالَت: [حم (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يخرج الْعَوَاتِق ذَوَات الْخُدُور وَالْحيض
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٣٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ تَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ أَمَرَهَا فَاتَّزَرَتْ وَهِيَ حَائِضٌ. وَرَوَاهُ سُفْيَانُ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ عَارِمٌ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ هُوَ ابْنُ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ) أَيِ ابْنُ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَوْلَادِ الصَّحَابَةِ، لَهُ رُؤْيَةٌ.
قَوْلُهُ: (أَمَرَهَا) أَيْ بِالِاتِّزَارِ (فَاتَّزَرَتْ) وَهُوَ فِي رِوَايَتِنَا بِإِثْبَاتِ الْهَمْزَةِ عَلَى اللُّغَةِ الْفُصْحَى.
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ سُفْيَانُ) يَعْنِي الثَّوْرِيَّ (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) يَعْنِي بِسَنَدِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ نَحْوُهُ. وَقَدْ رَوَاهُ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ أَيْضًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَذَلِكَ مِمَّا يَدْفَعُ عَنْهُ تَوَهُّمَ الِاضْطِرَابِ، وَكَأَنَّ الشَّيْبَانِيَّ كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ تَارَةً مِنْ مُسْنَدِ عَائِشَةَ وَتَارَةً مِنْ مُسْنَدِ مَيْمُونَةَ، فَسَمِعَهُ مِنْهُ جَرِيرٌ، وَخَالِدٌ بِالْإِسْنَادَيْنِ، وَسَمِعَهُ غَيْرُهُمَا بِأَحَدِهِمَا. وَرَوَاهُ عَنْهُ أَيْضًا - بِإِسْنَادِ مَيْمُونَةَ - حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ بِإِسْنَادِ عَائِشَةَ.
٦ - بَاب تَرْكِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ
٣٠٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَضْحَى - أَوْ فِطْرٍ - إِلَى الْمُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ. فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ. قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا. أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا.
[الحديث ٣٠٤ - أطرافه في: ٢٦٥٨، ١٩٥١، ١٤٦٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ تَرْكِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ وَغَيْرُهُ: جَرَى الْبُخَارِيُّ عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيضَاحِ الْمُشْكِلِ دُونَ الْجَلِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ تَرْكَهَا الصَّلَاةَ وَاضِحٌ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الطَّهَارَةَ مُشْتَرَطَةٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَهِيَ غَيْرُ طَاهِر، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ، فَكَانَ تَرْكُهَا لَهُ تَعَبُّدًا مَحْضًا، فَاحْتَاجَ إِلَى التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هُوَ سَعِيدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ الْمِصْرِيُّ الْجُمَحِيُّ، لَقِيَهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ أَخُو إِسْمَاعِيلَ، وَالْإِسْنَادُ مِنْهُ فَصَاعِدًا مَدَنِيُّونَ، وَفِيهِ تَابِعِيٌّ عَنْ تَابِعِيٍّ، زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيُّ، لِأَبِيهِ صُحْبَةٌ.
قَوْلُهُ: (فِي أَضْحى أَوْ فِطْرٍ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي.
قَوْلُهُ: (إِلَى الْمُصَلَّى فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ) اخْتَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا، وَقَدْ سَاقَهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ تَامًّا وَلَفْظُهُ: إِلَى الْمُصَلَّى فَوَعَظَ
النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ كَانَ وَعَدَ النِّسَاءَ بِأَنْ يُفْرِدَهُنَّ بِالْمَوْعِظَةِ، فَأَنْجَزَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَفِيهِ أَنَّهُ وَعَظَهُنَّ وَبَشَّرَهُنَّ.
قَوْلُهُ: (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ) الْمَعْشَرُ كُلُّ جَمَاعَةٍ أَمْرُهُمْ وَاحِدٌ، وَنُقِلَ عَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالرِّجَالِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِ، إِلَّا إِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِالتَّخْصِيصِ حَالَةَ إِطْلَاقِ الْمَعْشَرِ لَا تَقْيِيدَهُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (أُرِيتُكُنَّ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَاهُنَّ لَهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِلَفْظِ: أُرِيتُ النَّارَ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الرُّؤْيَةَ الْمَذْكُورَةَ وَقَعَتْ فِي حَالِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا فِي بَابِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ جَمَاعَةً.
قَوْلُهُ: (وَبِمَ؟) الْوَاوُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ وَالْبَاءُ تَعْلِيلِيَّةٌ وَالْمِيمُ أَصْلُهَا مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةُ، فَحُذِفَتْ مِنْهَا الْأَلِفُ تَخْفِيفًا.
قَوْلُهُ: (وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ) أَيْ تَجْحَدْنَ حَقَّ الْخَلِيطِ - وَهُوَ الزَّوْجُ - أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ نَاقِصَاتِ) صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتٍ إِلَخْ زِيَادَةٌ عَلَى الْجَوَابِ تُسَمَّى الِاسْتِتْبَاعَ، كَذَا قَالَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ كَوْنِهِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ ; لِأَنَّهُنَّ إِذَا كُنَّ سَبَبًا لِإِذْهَابِ عَقْلِ الرَّجُلِ الْحَازِمِ حَتَّى يَفْعَلَ أَوْ يَقُولَ مَا لَا يَنْبَغِي، فَقَدْ شَارَكْنَهُ فِي الْإِثْمِ وَزِدْنَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَذْهَبَ) أَيْ أَشَدَّ إِذْهَابًا، وَاللُّبُّ أَخَصُّ مِنَ الْعَقْلِ، وَهُوَ الْخَالِصُ مِنْهُ، (الْحَازِمِ) الضَّابِطِ لِأَمْرِهِ، وَهَذِهِ مُبَالَغَةٌ فِي وَصْفِهِنَّ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الضَّابِطَ لِأَمْرِهِ إِذَا كَانَ يَنْقَادُ لَهُنَّ فَغَيْرُ الضَّابِطِ أَوْلَى، وَاسْتِعْمَالُ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ مِنَ الْإِذْهَابِ جَائِزٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ حَيْثُ جَوَّزَهُ مِنَ الثُّلَاثِيِّ وَالْمَزِيدِ.
قَوْلُهُ: (قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا)؟ كَأَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِنَّ ذَلِكَ حَتَّى سَأَلْنَ عَنْهُ، وَنَفْسُ السُّؤَالِ دَالٌّ عَلَى النُّقْصَانِ ; لِأَنَّهُنَّ سَلَّمْنَ مَا نُسِبَ إِلَيْهِنَّ مِنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ - الْإِكْثَارِ وَالْكُفْرَانِ وَالْإِذْهَابِ - ثُمَّ اسْتَشْكَلْنَ كَوْنَهُنَّ نَاقِصَاتٍ. وَمَا أَلْطَفَ مَا أَجَابَهُنَّ بِهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ تَعْنِيفٍ وَلَا لَوْمٍ، بَلْ خَاطَبَهُنَّ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِنَّ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: مِثْلُ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ، إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ لِأَنَّ الِاسْتِظْهَارَ بِأُخْرَى مُؤْذِنٌ بِقِلَّةِ ضَبْطِهَا، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِنَقْصِ عَقْلِهَا، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ حَمَلَ الْعَقْلَ هُنَا عَلَى الدِّيَةِ، وَفِيهِ بُعْدٌ، قُلْتُ: بَلْ سِيَاقُ الْكَلَامِ يَأْبَاهُ.
قَوْلُهُ: (فَذَلِكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ خِطَابًا الَّتِي تَوَلَّتِ الْخِطَابَ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا عَلَى أَنَّهُ لِلْخِطَابِ الْعَامِّ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ مَنْعِ الْحَائِضِ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ كَانَ ثَابِتًا بِحُكْمِ الشَّرْعِ قَبْلَ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ: مَشْرُوعِيَّةُ الْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى فِي الْعِيدِ، وَأَمْرُ الْإِمَامِ النَّاسَ بِالصَّدَقَةِ فِيهِ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ جَوَازَ الطَّلَبِ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ لِلْفُقَرَاءِ وَلَهُ شُرُوطٌ، وَفِيهِ حُضُورُ النِّسَاءِ الْعِيدَ، لَكِنْ بِحَيْثُ يَنْفَرِدْنَ عَنِ الرِّجَالِ خَوْفَ الْفِتْنَةِ، وَفِيهِ جَوَازُ عِظَةِ الْإِمَامِ النِّسَاءَ عَلَى حِدَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ، وَفِيهِ أَنَّ جَحْدَ النِّعَمِ حَرَامٌ، وَكَذَا كَثْرَةُ اسْتِعْمَالِ الْكَلَامِ الْقَبِيحِ كَاللَّعْنِ وَالشَّتْمِ، اسْتَدَلَّ النَّوَوِيُّ عَلَى أَنَّهُمَا مِنَ الْكَبَائِرِ بِالتَّوَعُّدِ عَلَيْهَا بِالنَّارِ، وَفِيهِ ذَمُّ اللَّعْنِ وَهُوَ الدُّعَاءُ بِالْإِبْعَادِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ فِي مُعَيَّنٍ، وَفِيهِ إِطْلَاقُ الْكُفْرِ عَلَى الذُّنُوبِ الَّتِي لَا تُخْرِجُ عَنِ الْمِلَّةِ تَغْلِيظًا عَلَى فَاعِلِهَا؛ لِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِكُفْرِهِنَّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ، وَهُوَ كَإِطْلَاقِ نَفْيِ الْإِيمَانِ، وَفِيهِ الْإِغْلَاظُ فِي النُّصْحِ بِمَا يَكُونُ سَبَبًا لِإِزَالَةِ الصِّفَةِ الَّتِي تُعَابُ، وَأَنْ لَا يُوَاجَهُ بِذَلِكَ الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ ; لِأَنَّ فِي التَّعْمِيمَ تَسْهِيلًا عَلَى السَّامِعِ، وَفِيهِ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَدْفَعُ الْعَذَابَ، وَأَنَّهَا قَدْ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ الَّتِي بَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَأَنَّ الْعَقْلَ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِذِكْرِ النَّقْصِ فِي النِّسَاءِ لَوْمَهُنَّ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، لَكِنَّ التَّنْبِيهَ عَلَى ذَلِكَ تَحْذِيرٌ مِنَ الِافْتِتَانِ بِهِنَّ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
كونهما (١) عورةً، قال في «المهمَّات»: وقد نصَّ في «الأمِّ» على الحلِّ في السُّرَّة.
ورواة الحديث السِّتَّة إلى عائشة كوفيُّون، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن تابعيٍّ (٢) عن صحابيَّةٍ، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود وابن ماجه في «الطَّهارة».
(تَابَعَهُ) أي: تابع عليَّ بن مُسْهِرٍ في رواية (٣) هذا الحديث (خَالِدٌ) هو ابن عبد الله الواسطيُّ ممَّا وصله أبو القاسم التَّنوخيُّ في «فوائده» من طريق وهب بن بقيَّة (٤) عنه (وَ) تابعه (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد ممَّا وصله أبو داود والإسماعيليُّ (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) أبي إسحاق المذكور، أي: عن عبد الرَّحمن إلى آخر الحديث.
٣٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ، المعروف بعارمٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) أبو إسحاق (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ) بتشديد الدَّال، ابن أسامة بن الهاد اللَّيثيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ) أمَّ المؤمنين ﵂ (تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ) وفي روايةٍ: «سمعت ميمونة أمَّ المؤمنين ﵂ تقول: كان» ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «قالت: كان النَّبيُّ» (ﷺ (٥) إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ) ﵅ (أَمَرَهَا) بالاتِّزار (فَاتَّزَرَتْ) كما في فرع «اليونينيَّة»، وقال ابن حجرٍ: في روايتنا
بإثبات الهمزة على اللُّغة الفصحى (وَهْيَ حَائِضٌ) جملةٌ حاليَّةٌ من مفعول «يباشر» على الظَّاهر، أو من مفعول «أمر»، أو من فاعل «اتَّزرت»، وقال الكِرمانيُّ: يحتمل أنَّه حالٌ مِنَ الثَّلاثة جميعًا.
ورواة الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والسَّماع ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ (١) عن صحابيَّةٍ، وأخرجه مسلمٌ في «الطَّهارة»، وأبو داود في «النِّكاح» وابن ماجه.
(رَوَاهُ) أي: الحديث، وللأَصيليِّ وكريمة (٢): «ورواه» (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ ممَّا (٣) وصله أحمد في «مُسنَده» (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) أبي إسحاق وعبَّر بقوله: «رواه» دون تابعه لأنَّ الرِّواية أعمُّ من المُتابَعة، فلعلَّه لم يروِه مُتابَعةً، وقِيلَ: المُراد بسفيان هنا: ابن عُيَيْنة، وعلى كلِّ تقديرٍ فلا يضرُّ إبهامه لأنَّهما على شرطه، لكن جزم بالأوَّل ابن حجرٍ وغيره كما عند أحمد -كما مرَّ- فافهم.
(٦) (بابُ تَرْكِ الحَائِضِ الصَّوْمَ) في أيَّام حيضها.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٥ - (بابُ مُبَاشَرَةِ الحَائِضِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمُبَاشرَة مَعَ زَوجته الْحَائِض وَأَرَادَ بِالْمُبَاشرَةِ هُنَا مماسة الخلدين لَا الْجِمَاع، فَإِن جماع الْحَائِض حرَام على مَا نذكرهُ مفصلا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة جدا، وَهُوَ وجود الْمُبَاشرَة فِي كل مِنْهُمَا.
٢٩٩ - حدّثنا قَبِيصَةُ قالَ حدّثنا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا والنَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ كَلانَا جُنُبٌ.
حدّثنا وَكانَ يَأْمُرُنِي فَاتزِرُ فَيُبَاشِرُنِي وَأَنا حائِضُ. حدّثنا وَكانَ يُخْرُجُ رَأْسَهُ إلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأْغْتَسِلُهُ وَأَنَا حائِضٌ. .
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْلهَا: (فيباشرني) .
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: قبيصَة، بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَفِي آخِره تَاء ابْن عقبَة أَبُو عَامر الْكُوفِي، وسُفْيَان الثَّوْريّ، وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وخَالِد الْأسود بن يزِيد كلهم تقدمُوا فِي بَاب عَلامَة الْمُنَافِق.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم إِلَى عَائِشَة كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. فَإِن قلت: إِبْرَاهِيم، هَل أدْرك أحدا من الصَّحَابَة، أَو سمع من أحد مِنْهُم؟ قلت: ذكر الْعجلِيّ: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ لم يحدث عَن أحد من الصَّحَابَة، وَقد أدْرك مِنْهُم جمَاعَة، وَقد رأى عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَيُقَال: رأى أَبَا جُحَيْفَة وَزيد بن أَرقم وَابْن أبي أوفى وَلم يسمع مِنْهُم، وَعَن ابْن حبَان بِأَنَّهُ سمع الْمُغيرَة وَالله تَعَالَى أعلم.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي آخر الصَّوْم عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ، وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم ثَلَاثَتهمْ عَن جرير عَن مَنْصُور بِهِ أخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن شُعْبَة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار عَن ابْن مهْدي عَن سُفْيَان بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بِهِ، وَفِي عشرَة النِّسَاء عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن وَكِيع عَن سُفْيَان بِهِ وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْلهَا: (أَنا وَالنَّبِيّ) النَّبِي بِالرَّفْع وَالنّصب وَأما الرّفْع فبالعطف على الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي: كنت، وَأما النصب فعلى أَن: الْوَاو، بِمَعْنى المصاحبة. وَقَوْلها: (أَنا) ذكر لِأَن فِي عطف الظَّاهِر على الضَّمِير الْمَرْفُوع المستكن بِدُونِ التَّأْكِيد خلافًا، كَمَا ذكر فِي مَوْضِعه. قَوْلهَا: (كِلَانَا جنب) وَقع حَالا، وَإِنَّمَا لم تقل: كِلَانَا جنبان، لِأَنَّهَا اخْتَارَتْ اللُّغَة الفصيحة وَقد ذكرنَا أَن الْجنب يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد والمثنى وَالْجمع فِي اللُّغَة الفصحى، وَإِن كَانَ يُقَال: جنبان وجنبون. قَوْلهَا: (وَكَانَ يَأْمُرنِي) أَي: وَكَانَ النَّبِي ت يَأْمُرنِي بالاتزال قَوْلهَا: (فاتزر) بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَأَصله ائتزر، بالهمزتين أولاهما مَفْتُوحَة، وَالثَّانيَِة سَاكِنة، لِأَن أَصله من أزر، فَنقل إِلَى بَاب، افتعل، فَصَارَ، اتزر يتزر، وَكَذَا اسْتعْمل من غير إدغام فِي حَدِيث آخر، وَهُوَ: (كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُبَاشر بعض نِسَائِهِ وَهِي مؤتزرة فِي حَالَة الْحيض) . وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَقد جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات: وَهِي متزرة، وَهُوَ خطأ، لِأَن الْهمزَة لَا تُدْغَم فِي التَّاء. قلت: فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يقْرَأ: فآتزر بِالْمدِّ، لِأَن الهمزتين إِذا اجتمعتا وَكَانَت الأولى متحركة وَالثَّانيَِة سَاكِنة أبدلت الثَّانِيَة حرف عِلّة من جنس حَرَكَة الأولى، فتبدل ألفا بعد الفتحة، فَكَذَلِك هَاهُنَا، لِأَن أَصله أتزر، بهمزتين الأولى متحركة وَالثَّانيَِة سَاكِنة، فأبدلت الثَّانِيَة ألفا فَصَارَت: آتزر بِالْمدِّ. وَقَالَ ابْن هِشَام: وعوام الْمُحدثين يحرفونه فيقرؤونه بِأَلف وتاء مُشَدّدَة، وَلَا وَجه لَهُ لِأَنَّهُ افتعل من الْإِزَار، ففاؤه همزَة فساكنة بعد همزَة المضارعة الْمَفْتُوحَة، وَكَذَا الزَّمَخْشَرِيّ أنكر الْإِدْغَام. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لَا يجوز الْإِدْغَام فِيهِ عِنْد التصريف، قَالَ صَاحب (الْمفصل) قَول من قَالَ: اتزر خطأ. قلت: قَول عَائِشَة، وَهِي من فصحاء الْعَرَب، حجَّة فِي جَوَازه، فالمخطىء، قلت: إِنَّمَا يَصح مَا ادَّعَاهُ إِذا ثَبت عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت بِالْإِدْغَامِ، فَلم لَا يجوز أَن يكون
هَذَا خطأ مثل مَا قَالَ مُعظم أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن، وَيكون الْخَطَأ من بعض الروَاة أَو من عوام الْمُحدثين لَا من عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْلهَا: (وَأَنا حَائِض) فِي الْمَوْضِعَيْنِ جملَة حَالية، وَكَذَلِكَ قَوْلهَا: (وَهُوَ معتكف) الِاعْتِكَاف فِي اللُّغَة مُجَرّد اللّّبْث، وَفِي الشَّرِيعَة: لبث فِي الْمَسْجِد مَعَ الصَّوْم، وَالِاعْتِكَاف من بَاب الافتعال من: عكف يعكف عكوفاً إِذا أَقَامَ، وعكفه عكفاً إِذا حبس.
ذكر استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: جَوَاز اغتسال الرجل مَعَ امْرَأَته من إِنَاء وَاحِد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. وَمِنْهَا: جَوَاز مُبَاشرَة الْحَائِض وَهِي: الْمُلَامسَة، من لمس بشرة الرجل بشرة الْمَرْأَة، وَقد ترد الْمُبَاشرَة بِمَعْنى الْجِمَاع، وَالْمرَاد هَهُنَا الْمَعْنى الأول بِالْإِجْمَاع.
ثمَّ اعْلَم أَن مُبَاشرَة الْحَائِض على أَقسَام: أَحدهَا: حرَام بِالْإِجْمَاع، وَلَو اعْتقد حلّه يكفر، وَهُوَ أَن يُبَاشِرهَا فِي الْفرج عَامِدًا، فَإِن فعله غير مستحل يسْتَغْفر الله تَعَالَى وَلَا يعود إِلَيْهِ، وَهل يجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة أَو لَا؟ فِيهِ خلاف، فَذهب جمَاعَة إِلَى وجوب الْكَفَّارَة، مِنْهُم: قَتَادَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم، وَقَالَ فِي الْجَدِيد: لَا شَيْء عَلَيْهِ، وَلَا يُنكر أَن يكون فِيهِ كَفَّارَة لِأَنَّهُ وَطْء مَحْظُور كَالْوَطْءِ فِي رَمَضَان. وَقَالَ أَكثر الْعلمَاء، لَا شَيْء عَلَيْهِ سوى الاسْتِغْفَار، وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا أَيْضا. وَقَالَ الثَّوْريّ: وَلَو فعله غير مُعْتَقد حلّه، فَإِن كَانَ نَاسِيا أَو جَاهِلا بِوُجُود الْحيض أَو جَاهِلا تَحْرِيمه أَو مكْرها فَلَا إِثْم عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَة، وَإِن كَانَ عَالما بِالْحيضِ وبالتحريم مُخْتَارًا عَامِدًا فقد ارْتكب مَعْصِيّة نَص الشَّافِعِي على أَنَّهَا كَبِيرَة، وَيجب عَلَيْهِ التَّوْبَة وَفِي وجوب الْكَفَّارَة قَولَانِ: أصَحهمَا، وَهُوَ قَول الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة: لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ. ثمَّ اخْتلفُوا فِي الْكَفَّارَة، فَقيل: عتق رَقَبَة، وَقيل: دِينَار وَنصف دِينَار على اخْتِلَاف بَينهم، هَل الدِّينَار فِي أول الدَّم وَنصفه فِي آخِره؟ أَو الدِّينَار فِي زمن الدَّم وَنصفه بعد انْقِطَاعه؟ فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَته وَهِي حَائِض، قَالَ: (يتَصَدَّق بِدِينَار أَو بِنصْف دِينَار) وَرَوَاهُ بَقِيَّة الْأَرْبَعَة: قلت: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَأعله بأَشْيَاء: مِنْهَا: أَن جمَاعَة رَوَوْهُ عَن شُعْبَة، مَوْقُوفا على ابْن عَبَّاس، وَأَن شُعْبَة رَجَعَ عَن رَفعه، وَمِنْهَا: أَنه رُوِيَ مُرْسلا. وَمِنْهَا: أَنه رُوِيَ معضلاً، وَهُوَ رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن يزِيد بن أبي مَالك عَن عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أمرت أَن يتَصَدَّق بخمسي دِينَار) ، والمعضل نوع خَاص من الْمُنْقَطع، فَكل معضل مُنْقَطع، وَلَيْسَ كل مُنْقَطع معضلاً، وَقوم يسمونه مُرْسلا، وَمِنْهَا: أَن فِي مَتنه اضطراباً، لِأَنَّهُ رُوِيَ: بِدِينَار، أَو نصف دِينَار على الشَّك، وَرُوِيَ: يتَصَدَّق بدينارد فَإِن لم يجد فبنصف دِينَار، وَرُوِيَ: يتَصَدَّق بِنصْف دِينَار، وَرُوِيَ: إِن كَانَ دَمًا أَحْمَر فدينار، وَإِن كَانَ أصفر فَنصف دِينَار، وَرُوِيَ: إِن كَانَ الدَّم عبيطاً فليتصدق بِدِينَار، وَإِن كَانَ صفرَة فَنصف دِينَار. قلت: هَذَا الحَدِيث صَححهُ الْحَاكِم وَابْن الْقطَّان، وَذكر الْحَلَال عَن أبي دَاوُد أَن أَحْمد قَالَ: مَا أحسن حَدِيث عبد الحميد، وَهُوَ أحد رُوَاة هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ من رجال الصَّحِيحَيْنِ، وَهُوَ عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن بن زيد بن الْخطاب بن نفَيْل الْقرشِي الْهَاشِمِي الْعَدوي، عَامل عمر بن عبد الْعَزِيز على الْكُوفَة، رأى عبد الله بن عَبَّاس وَسَأَلَهُ، وروى عَن حَفْصَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقيل لِأَحْمَد: تذْهب إِلَيْهِ؟ قَالَ: نعم، إِنَّمَا هُوَ كَفَّارَة، ثمَّ إِن شُعْبَة إِن كَانَ رَجَعَ عَن رَفعه فَإِن غَيره رَوَاهُ مَرْفُوعا، وَهُوَ عَمْرو بن قيس الْملَائي وَهُوَ ثِقَة، وَمن طَرِيقه أخرجه النَّسَائِيّ، وَكَذَا رَوَاهُ قَتَادَة مَرْفُوعا وأسقطا فِي روايتهما عبد الحميد، وَمُقْتَضى الْقَوَاعِد أَن رِوَايَة الرّفْع أشبه بِالصَّوَابِ لِأَنَّهُ زِيَادَة ثِقَة، وَأما مَا لاوي فِيهِ من خمسي دِينَارا، أَو عتق نسمَة، وَغير ذَلِك، فَمَا مِنْهَا شَيْء يعول عَلَيْهِ، ثمَّ إِن الَّذين ذَهَبُوا إِلَى عدم وجوب الصَّدَقَة، أجابوا أَن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يتَصَدَّق) ، مَحْمُول على الِاسْتِحْبَاب، إِن شَاءَ تصدق وإلَاّ لَا وَعَن الْحسن أَنه قَالَ: عَلَيْهِ مَا على من وَاقع أَهله فِي رَمَضَان.
النَّوْع الثَّانِي من الْمُبَاشرَة: فِيمَا فَوق السُّرَّة وَتَحْت الرّكْبَة بالذكرة أَو بالقبلة أَو المعانقة أَو اللَّمْس أَو غَيره ذَلِك، فَهَذَا حَلَال بِالْإِجْمَاع، إلَاّ مَا حُكيَ عَن عُبَيْدَة السَّلمَانِي وَغَيره من أَنه لَا يُبَاشر شَيْئا مِنْهَا، فَهُوَ شَاذ مُنكر مَرْدُود بالأحاديث الصَّحِيحَة الْمَذْكُورَة فِي (الصَّحِيحَيْنِ) وَغَيرهمَا فِي مُبَاشرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَوق الْإِزَار.
النَّوْع الثَّالِث: الْمُبَاشرَة فِيمَا بَين السُّرَّة وَالركبَة فِي غير الْقبل والدبر، فَعِنْدَ أبي حنيفَة حرَام، وَهُوَ رِوَايَة عَن أبي يُوسُف، وَهُوَ الْوَجْه الصَّحِيح للشَّافِعِيَّة، وَهُوَ قَول مَالك: وَقَول أَكثر الْعلمَاء مِنْهُم: سعيد بن الْمسيب وَشُرَيْح وَطَاوُس وَعَطَاء وَسليمَان بن يسَار وَقَتَادَة. وَعند مُحَمَّد بن الْحسن وَأبي يُوسُف فِي رِوَايَة يتَجَنَّب شعار الدَّم
فَقَط، وَمِمَّنْ ذهب إِلَيْهِ عِكْرِمَة وَمُجاهد وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحكم وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَأصبغ وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأَبُو ثورة وَابْن الْمُنْذر وَدَاوُد، وَهَذَا أقوى دَلِيلا لحَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (اصنعوا كل شَيْء إلَاّ النِّكَاح) اقْتِصَار النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مُبَاشَرَته على مَا فَوق الْإِزَار مَحْمُول على الِاسْتِحْبَاب، وَقَول مُحَمَّد هُوَ الْمَنْقُول عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَأبي طَلْحَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَذكر الْقُرْطُبِيّ عَن مُجَاهِد: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يتجنبون النِّسَاء فِي الْحيض، ويأتونهن فِي أدبارهن فِي مدَّته. وَالنَّصَارَى كَانُوا بجامعونهن فِي فروجهن، وَالْيَهُود وَالْمَجُوس كَانُوا يبالغون فِي هجرانهن وتجنبهن فيعتزلونهن بعد انْقِطَاع الدَّم وارتفاعه سَبْعَة أَيَّام، ويزعمون أَن ذَلِك فِي كِتَابهمْ.
وَمِنْهَا: جَوَاز اسْتِخْدَام الزَّوْجَات. وَمِنْهَا: فِيهِ طَهَارَة عرق الْحَائِض. وَمِنْهَا: أَن إِخْرَاج الرَّأْس من الْمَسْجِد لَا يبطل الِاعْتِكَاف.
٣٠٢ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ قالَ أَخْبَرنا عَليُّ بْنُ مُسْهِرٍ قالَ أَخْبَرَنا أبُو إسْحاقَ هُوَ الشُيْبَانِي عَنُ عَبْدِ الرِّحْمنَ بْنِ الأسْوَدِ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ كانتْ إحْدَانَا إذَا كانَتْ حائِضاً فأرَادَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَها أنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرُ حَيْضَتِها ثُمَّ يُبَاشِرُها قالَتْ وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إرْبَهُ كَما كَانَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَمْلِكُ إرْبَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٣٠٠ وطرفه) .
مطابقتة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْمَاعِيل بن خَلِيل أَبُو عبد الله الْكُوفِي فِي الخزاز، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة والزايين المعجمتين أولاهما مُشَدّدَة، قَالَ البُخَارِيّ: جَاءَنَا نعيه سنة خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عَليّ بن مسْهر، بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْهَاء وبالراء أَبُو الْحسن الْقرشِي الْكُوفِي، مَاتَ سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: أَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ سُلَيْمَان بن فَيْرُوز، من مشاهير التَّابِعين، مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة. الرَّابِع: عبد الرَّحْمَن بن الْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ، من خِيَار التَّابِعين وَالْعُلَمَاء العاملين، مَاتَ سنة تسع وَتِسْعين. الْخَامِس: أَبوهُ الْأسود بن يزِيد، وَقد مر غير مرّة. السَّادِس: عاشة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: خَلِيل، بِدُونِ الْألف وَاللَّام فِي رِوَايَة أبي ذكر وكريمة، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: الْخَلِيل، بِالْألف وَاللَّام. فَإِن قلت: هُوَ علم فَلَا تدخله أَدَاة التَّعْرِيف. قلت: إِذا قصد بِهِ لمح الصّفة يجوز كَمَا فِي: الْعَبَّاس والْحَارث وَنَحْوهمَا وَفِيه: التحديث، أَشَارَ إِلَى أَنه تَعْرِيف لَهُ من تِلْقَاء نَفسه، وَلَيْسَ من كَلَام شَيْخه. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم إِلَى عَائِشَة كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابَة.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الطهاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعلي بن حجر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ، وَعَن أبي سَلمَة يحيى بن خلف.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْلهَا: (كَانَت إحدانا) أَرَادَت: إِحْدَى زَوْجَات النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (كَانَ إحدانا) بِدُونِ التَّاء، وَحكى سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه أَنه قَالَ بعض الْعَرَب، قَالَ امْرَأَة قَوْله: (أَن يُبَاشِرهَا) من الْمُبَاشرَة الَّتِي هِيَ أَن يمس الْجلد الْجلد، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ الْجِمَاع، كَمَا ذكرنَا فِيمَا مضى. قَوْله: (أَن تتزر) قد ذكرنَا أَن اللُّغَة الفصحى بأتزر بِالْهَمْزَةِ بِلَا إدغام. قَوْله: (فِي فَور حَيْضَتهَا) بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْوَاو، وَفِي آخِره رَاء، وأرادت بِهِ مُعظم حَيْضَتهَا وَوقت كثرتها، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: فورة الْحر شدته، وفار الْقدر فَوْرًا إِذا حاشت، وحيضتها بِفَتْح الْحَاء لَا غير. قَوْله: (إربه) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وبالباء الْمُوَحدَة، وَقيل: المُرَاد عضوه الَّذِي يستمنع بِهِ، وَقيل: حَاجته، وَفِي كتاب (الْمُنْتَهى) فِيهِ لُغَات إرب وإربة وأراب ومأربة ومأربة ومأربة، عَن أبي سَلمَة، وَفِي الحَدِيث: وَلكنه (أملككم لإربه) قَالَ الْأَصْمَعِي: هِيَ الْحَاجة، أَي: أضبطكم لشهوته، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: أَي: لجزمه، وَضبط نَفسه وَقد أرب يأرب إرباً إِذا احْتَاجَ. يُقَال آإن فلَانا لأرب بفلانة إِذا كَانَ ذاهم بهَا، وَيشْهد لقَوْل ابْن الْأَعرَابِي مَا جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات: (أملككم لنَفسِهِ) وَفِي (الْمُحكم) و (الْجَامِع) والمأرب، وَهِي الإراب والأرب، وَقَالَ الْخطابِيّ: وَأكْثر الروَاة يَقُولُونَ: لإربه، والإرب الْعُضْو، وَإِنَّمَا هُوَ الأرب
مَفْتُوحَة الرَّاء، وَهِي الْوَطْء وحاجة النَّفس، وَقد يكون الإرب، الْحَاجة أَيْضا، وَالْأول أميز، وَكَذَا حَكَاهُ صَاحب (الواعي) وَأما ابْن سَيّده وَابْن عديس فِي كتاب (الباهر) فَقَالَا الإرب بِكَسْر الْهَمْز جمع إربه، وَهِي الْحَاجة، وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس: أَخطَأ من رَوَاهُ بِكَسْر الْهمزَة. قَالَ: وَإِنَّمَا هِيَ بِفَتْحِهَا. وَفِي (مجمع الغرائب) لعبد الغافر هُوَ فِي الْكَلَام مَعْرُوف الإرب والإربة بِمَعْنى الْحَاجة، فَإِن كَانَ الأول مَحْفُوظًا، يَعْنِي فِي حَدِيث عَائِشَة فَفِيهِ ثَلَاث لُغَات، الإرب والأرب والإربة، والإرب يكون بِمَعْنى الْعُضْو فَيحْتَمل أَنَّهَا أَرَادَ كَانَ، أملككم لعضوه، لِأَنَّهَا ذكرت التَّقْبِيل فِي الصَّوْم وَفِي (المغيث) لأبي مُوسَى: أرب فِي الشَّيْء رغب فِيهِ، وَالْحَاصِل أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ أملك النَّاس لأَمره، فَلَا يخْشَى عَلَيْهِ مَا يخْشَى على غيرهممن يحوم حول الْحمى، وَكَانَ يُبَاشر فَوق الْإِزَار تشريعاً لغيره.
ذكر استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: جَوَاز مُبَاشرَة الْحَائِض فِيمَا فَوق الْإِزَار، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي وَمِنْهَا: أَن الْحَائِض لَا بُد لَهَا من الاتزار فِي أَيَّام حَيْضهَا، إِلَّا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر عَائِشَة بذلك، وَذَلِكَ لتمتنع الْمَرْأَة بِهِ عَن الْجِمَاع، وروى أَبُو دَاوُد عَن مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كَانَ يُبَاشر الْمَرْأَة من نِسَائِهِ وَهِي حَائِض إِذا كَانَ عَلَيْهَا إِزَار إِلَى اتصاف الْفَخْذ أَو الرُّكْبَتَيْنِ تحتجز بِهِ) أَي: بالإزار عَن الْجِمَاع فِي رِوَايَة محتجزه بِهِ، أَي: حَال كَون الْمَرْأَة ممتنعة بِهِ عَن الْجِمَاع، وَأَصله من حجزه يحجزه حجزاً أَي: مَنعه من بَاب: نصر ينصر، وَمِنْه الحاجز بَين الشَّيْئَيْنِ، وَهُوَ الْحَائِل بَينهمَا. وَمِنْهَا: أَن هَذِه الْمُبَاشرَة إِنَّمَا تجوز لَهُ إِذا كَانَ يضْبط نَفسه ويمنعها من الْوُقُوع فِي الْجِمَاع، وَإِن كَانَ لَا يملك ذَلِك فَلَا يجوز لَهُ ذَلِك، لِأَن من رعى حول الْحمى يُوشك أَن يَقع فِيهِ، وَعَلِيهِ بعض الشَّافِعِيَّة، وَاسْتَحْسنهُ النَّوَوِيّ. وَمِنْهَا: أَن التَّقْيِيد بقولِهَا: فِي فَور حَيْضَتهَا، يدل على الْفرق بَين ابْتِدَاء الْحيض وَمَا بعده، وَيشْهد لذَلِك مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي (سنَنه) بِإِسْنَاد حسن عَن أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كَانَ يتفي سُورَة الدَّم ثَلَاثًا ثمَّ يُبَاشِرهَا بعد ذَلِك) وَلَا مُنَافَاة بَينه وَبَين الْأَحَادِيث الدَّالَّة على الْمُبَاشرَة مُطلقًا، لِأَنَّهَا تجمع بَينهَا على اخْتِلَاف الْحَالَتَيْنِ، وَالله تَعَالَى أعلم.
تابعَهُ خَالِدٌ وَجَرِيرٌ عَنِ الشيْبَانِيِّ
أَي تَابع عَليّ بن مسْهر خَالِد بن عبد الله الوَاسِطِيّ فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن أبي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ، وَقد وَصلهَا أَبُو الْقَاسِم التنوخي من طَرِيق وهب بن بَقِيَّة عَنهُ. قَوْله: (وَجَرِير) عطف على: خَالِد، أَي: وَتَابعه أَيْضا جرير بن عبد الحميد فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن الشَّيْبَانِيّ عَن عبد الرَّحْمَن، وَقد وصل هَذِه الْمُتَابَعَة أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: حَدثنَا عُثْمَان بن أبي شيبَة، وَقَالَ: حَدثنَا جرير عَن الشَّيْبَانِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، قَالَت: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَأْمُرنَا فِي فوح حيضتنا أَن نتزر ثمَّ يباشرنا، وَأَيكُمْ كَانَ يملك إربه؟ كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يملك إربه) رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) أَيْضا قَوْله: (فِي فوح حيضتنا) فوح الْحيض، بِالْفَاءِ والحاء الْمُهْملَة، معظمة وأوله، مثله، فوعة الدَّم، يُقَال: فاع وفاح بِمَعْنى وَاحِد، وفوعة الطّيب أول مَا يفوح مِنْهُ، ويروي بالغين الْمُعْجَمَة وَهُوَ لُغَة فِيهِ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَمُسلم: (فِي فَور حيضتنا) كَمَا ذَكرْنَاهُ.
٣٠٣ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ قالَ حدّثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ قالَ حدّثنا الشَّيْبَانِيُّ قالَ حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ ابنْ شَدَّادٍ قالَ سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ تقولُ كانَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ أَمَرَها فَاتَّزَرَتْ وَهِيَ حائِضٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي الْمَعْرُوف بعارم. الثَّانِي: عبد الْوَاحِد بن زِيَاد الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: أَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ. الرَّابِع: عبد الله بن شَدَّاد، بتَشْديد الدَّال ابْن الْهَاد اللَّيْثِيّ. الْخَامِس: مَيْمُونَة، أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي، وكوفي ومدني.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى عَن خَالِد بن عبد الله عَن الشَّيْبَانِيّ بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي النِّكَاح عَن مُسَدّد، وَمُحَمّد بن الْعَلَاء، كِلَاهُمَا عَن حَفْص بن غياث عَن الشَّيْبَانِيّ، وَأخرجه ابْن مَاجَه بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث أم حَبِيبَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: [حم (كَانَت إحدانا فِي فورها أول مَا تحيض تشد عَلَيْهَا إزاراً إِلَى أَنْصَاف فخذيها ثمَّ تضطجع مَعَه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) [/ حم وَأخرج أَبُو يعلى الْموصِلِي، من حَدِيث عَمْرو رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لَهُ مَا فَوق الْإِزَار وَلَيْسَ لَهُ مَا تَحْتَهُ) وَفِي لفظ: [حم (لَا يطلعن إِلَى مَا تَحْتَهُ حَتَّى يطهرن) [/ حم وَأخرج أَبُو دَاوُد بِسَنَد صَحِيح عَن بعض أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: [حم (أَنه كَانَ إِذا أَرَادَ من الْحَائِض شَيْئا ألْقى على فرجهَا ثوبا) [/ حم وَأخرج ابْن أبي دَاوُد بِسَنَد جيد عَن أم سَلمَة: [حم (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُبَاشِرهَا وعَلى قبلهَا ثوب) [/ حم تَعْنِي: وَهِي حَائِض، وَأخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث معَاذ وَعبد الله بن سعد: (مَا يحل للرجل من امْرَأَته وَهِي حَائِض؟ قَالَ: مَا فَوق الْإِزَار) وَفِي حَدِيث معَاذ: (وَالتَّعَفُّف عَن ذَلِك أجمل) ، وَأخرج عبد الله بن وهب بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث كريب، قَالَ: سَمِعت أم الْمُؤمنِينَ تَقول: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يضطجع معي وَأَنا حَائِض، وبيني وَبَينه ثوب) وَأخرج الدَّارمِيّ فِي (مُسْنده) من حَدِيث أبي ميسرَة عَمْرو بن شُرَحْبِيل، قَالَ: (قَالَت أم الْمُؤمنِينَ: كنت أتزر وَأَنا حَائِض وَأدْخل مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي لِحَافه) وَإِسْنَاده صَحِيح، وَفِي (الْمُوَطَّأ) عَن زيد بن أسلم: (سَأَلَ رجل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا يحل لي من امْرَأَتي وَهِي حَائِض؟ قَالَ لِتشد عَلَيْهَا إزَارهَا ثمَّ شَأْنك بِأَعْلَاهَا) قَالَ أَبُو عمر: لَا أعلم أحدا روى هَذَا الحَدِيث مُسْندًا بِهَذَا اللَّفْظ.
ورَوَاهُ سُفْيَانُ عَنِ الشَّيْبَانِي
يَعْنِي: روى هَذَا الحَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ، كَذَا قَالَ بَعضهم، سُفْيَان هُوَ: الثَّوْريّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي سَوَاء كَانَ هُوَ الثَّوْريّ أَو ابْن عُيَيْنَة فَهُوَ على شَرط البُخَارِيّ فَلَا بَأْس فِي إبهامه وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَكَانَ البُخَارِيّ يُرِيد بمتابعة سُفْيَان هُنَا الْمَعْنى لَا اللَّفْظ، وَذَلِكَ أَن أَبَا دَاوُد قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الصَّباح عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أبي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ سمع عبد الله بن شَدَّاد عَن مَيْمُونَة: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرط على بعض أَزوَاجه مِنْهُ وَهِي حَائِض) وَقد رَوَاهُ عَن الشَّيْبَانِيّ أَيْضا بِهَذَا الْإِسْنَاد خَالِد بن عبد الله عِنْد مُسلم وَجَرِير بن عبد الحميد عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَرَوَاهُ عَنهُ أَيْضا بِإِسْنَاد مَيْمُونَة حَفْص بن غياث عِنْد أبي دَاوُد، رَحمَه الله، وَأَبُو مُعَاوِيَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وأسباط بن مُحَمَّد عَن أبي عوَانَة فِي (صَحِيحه) وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: قَالَ رَوَاهُ، وَلم يقل تَابعه؟ قلت: الرِّوَايَة أَعم مِنْهَا، فَلَعَلَّهُ لم يروها مُتَابعَة.
٦ - (بابُ تَرْكِ الحَائِضِ الصَّوْمَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ترك الْحَائِض الصَّوْم فِي أَيَّام حَيْضَتهَا.
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن كلاًّ مِنْهُمَا مُشْتَمل على حكم من أَحْكَام الْحيض. فَإِن قلت: الْحَائِض تتْرك الصَّلَاة أَيْضا فَمَا وَجه ذكر الصَّوْم فِي تَركهَا دون الصَّلَاة، مَعَ أَنَّهُمَا مذكوران فِي حَدِيث الْبَاب؟ قلت: تَركهَا الصَّلَاة لعدم وجود شَرطهَا وَهِي الطَّهَارَة، فَكَانَت ملجأة إِلَى ذَلِك بِخِلَاف الصَّوْم فَإِن الطَّهَارَة لَيست بِشَرْط فَكَانَ تَركهَا إِيَّاه من بَاب التَّعَبُّد وَأَيْضًا فَإِن تَركهَا للصَّلَاة لَا إِلَى خلف بِخِلَاف الصَّوْم، فخصص الصَّوْم بِالذكر دون الصَّلَاة إشعاراً لما ذكرنَا.
٣٠٤ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ أبي مَرْيَمَ قالَ أخبرنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قالَ أخبَرَنِي زَيْدٌ هُوَ ابنُ أسْلَمَ عَنْ عِياضٍ بنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِي قالَ خَرَجَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى عَلَى النِّساء تَصَدَّقْنَ فَانِّى أُرِيتُكُنَّ أَكْثَر أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَيِمَ يَا رسولَ اللَّهِ قالَ تُكْبِرْنَ اللَّعْنَ وَتكْفُرْنَ العَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ ناقِصاتِ عَقْلٍ وَدينٍ أذْهَبَ لِلُبِ الرَّجْلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْداكُنَّ قُلْنَ وَمَا نُقْصانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رسولَ اللَّهِ قالَ أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ قُلْنَ بَلَى قالَ فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِها أَلَيْسَ إِذا
حاضَتْ لَمْ تصَلِّ وَلَمْ تَصُمَّ قُلَّنَ بَلَى قالَ فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِها. .
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلم تصم) .
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: سعيد بن أبي مَرْيَم وَهُوَ سعيد بن الحكم ابْن مُحَمَّد بن سَالم الْمَعْرُوف بِابْن أبي مَرْيَم الجُمَحِي، أَبُو مُحَمَّد الْمصْرِيّ، مر ذكره فِي بَاب من سمع شَيْئا فِي كتاب الْعلم. الثَّانِي: مُحَمَّد بن جَعْفَر وَهُوَ ابْن أبي كثير، بِفَتْح الْكَاف وبالتاء الْمُثَلَّثَة الْأنْصَارِيّ. الثَّالِث: زيد بن أسلم، بِلَفْظ الْمَاضِي، أَبُو أُسَامَة الْمدنِي، مر فِي بَاب كفران العشير. الرَّابِع: عِيَاض، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة بن عبد الله وَهُوَ ابْن أبي سرح العامري، لِأَبِيهِ صُحْبَة. الْخَامِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: واسْمه سعد بن مَالك.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين: وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد: وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ عَن صَحَابِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون مَا خلا ابْن أبي مَرْيَم فَإِنَّهُ مصري.
ذكر تعدده وَضعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ مقطعاً فِي الصَّوْم وَالطَّهَارَة وَفِي الزَّكَاة، وَأخرجه فِي الْعِيدَيْنِ بِطُولِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن حسن الْحلْوانِي وَمُحَمّد بن إِسْحَاق الصَّاغَانِي، كِلَاهُمَا عَن ابْن أبي مَرْيَم عَن يحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَعلي بن حجر، ثَلَاثَتهمْ عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن دَاوُد بن قيس عَنهُ بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى بن سعيد. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي كريب عَن أبي أُسَامَة، ثَلَاثَتهمْ عَن دَاوُد بن قيس نَحوه.
بَيَان لغاته وَمَعْنَاهُ قَوْله: (خرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) يَعْنِي: خرج إِمَّا من بَيته أَو من مَسْجده. قَوْله: (فِي أضحى) أَي: فِي يَوْم أضحى، قَالَ الْخطابِيّ: الْأُضْحِية شَاة تذبح يَوْم الْأَضْحَى، وفيهَا أَربع لُغَات: أضْحِية، بِضَم الْهمزَة وبكسرها، وضحية وأضحاة، وَالْجمع: أضحى، وَبهَا سمي يَوْم الْأَضْحَى، والأضحى يذكر وَيُؤَنث، وَقيل: سميت بذلك لِأَنَّهَا تفعل فِي الْأَضْحَى وَهُوَ ارْتِفَاع النَّهَار. قَوْله: (أَو فطر) أَي: أَو يَوْم فطر، وَهُوَ يَوْم عيد الْفطر، وَالشَّكّ من الرَّاوِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الشَّك من أبي سعيد. قلت: لَا يتَعَيَّن ذَلِك. قَوْله: (إِلَى الْمصلى) هُوَ مَوضِع صَلَاة الْعِيد فِي الْجَبانَة. قَوْله: (فَقَالَ: يَا معشر النِّسَاء) ، المعشر: الْجَمَاعَة متخالطين كَانُوا أَو غير ذَلِك، قَالَ الْأَزْهَرِي: أَخْبرنِي الْمُنْذر عَن أَحْمد بن يحيى، قَالَ: المعشر والنفر وَالْقَوْم والرهط، هَؤُلَاءِ معناهم: الْجمع لَا وَاحِد لَهُم من لَفظهمْ للرِّجَال دون النِّسَاء، وَعَن اللَّيْث: المعشر كل جمَاعَة أَمرهم وَاحِد، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر، وَقَول أَحْمد بن يحيى مَرْدُود بِالْحَدِيثِ، وَيجمع على معاشر. قَوْله: (اللَّعْن) فِي اللُّغَة الطَّرْد والإيعاد من الْخَيْر، واللعنة وَالِاسْم، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُنَّ يتلفظن باللعنة كثيرا. قَوْله: (ويكفرن) من الْكفْر وَهُوَ السّتْر، وكفران النِّعْمَة وكفرها سترهَا بترك أَدَاء شكرها، وَالْمرَاد يجحدن نعْمَة الزَّوْج ويستقللن مَا كَانَ مِنْهُ. قَوْله: (العشير) هُوَ: الزَّوْج سمي بذلك لمعاشرته إِيَّاهَا. وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني: عشيرك الَّذِي يعاشرك أَيْدِيكُم وأمركما وَاحِد، لَا يكادون يَقُولُونَ فِي جمعه عشراء وَلَكنهُمْ، معاشروك وعشيرون. وَقَالَ بَعضهم: هم عشراؤك. وَقَالَ الْفراء: يجمع العشير على عشراء، مثل: جليس وجلساء، وَإِن الْعَرَب لتكرهه كَرَاهَة أَن يشاكل قَوْلهم، نَاقَة عشراء، والعشير: الخليط، والعشير: الصّديق وَالزَّوْج وَابْن الْعم. قَوْله: (عقل) الْعقل فِي اللُّغَة ضد، الْحمق، وَعَن الْأَصْمَعِي: هُوَ مصدر: عقل الْإِنْسَان يعقل، وَعَن ابْن دُرَيْد، اشتق من عقال النَّاقة، لِأَنَّهُ يعقل صَاحبه عَن الْجَهْل، أَي: يحْبسهُ وَلِهَذَا قيل: عقل الدَّوَاء بَطْنه، أَي أمْسكهُ، وَفِي (الْعين) عقلت بعد الصِّبَا، أَي: عرفت بعد الْخَطَأ الَّذِي كنت فِيهِ، واللغة الْغَالِبَة، عقل، وَقَالُوا: عقل يعقل مثل حكم يحكم الَّذِي يحبس نَفسه ويردها عَن هَواهَا، أخذا من قَوْلهم: أعتقل لِسَانه إِذا حبس، وَمنع من الْكَلَام. وَفِي (الْمُخَصّص) قَالَ سِيبَوَيْهٍ، قَالُوا: الْعقل، كَمَا قَالُوا: الظّرْف، أدخلوه فِي بَاب عجز، لِأَنَّهُ مثله، وَالْعقل من المصادر الْمَجْمُوعَة من غير أَن تخْتَلف أَنْوَاعهَا. وَقَالَ أَبُو عَليّ: الْعقل والحجى، وَالنَّهْي، كلهَا مُتَقَارِبَة الْمعَانِي، وَعَن الْأَصْمَعِي: هُوَ الْإِمْسَاك عَن الْقَبِيح وَقصر النَّفس وحبسها على الْحسن، وَقَالُوا: عَاقل وعقلاء وَهُوَ: الْحلم واللب وَالْحجر والعظم والمحت والمرجح والجول وَالْخَوْف والذهن والهرمان والحصاة، وَفِي (الْمُحكم) وَجمعه عقول. وَقَالَ الْقَزاز: مَسْكَنه عِنْد قوم فِي الدِّمَاغ، وَعند آخَرين فِي الْقلب الأول قَول أبي
حنيفَة، وَالثَّانِي قَول الشَّافِعِي. وَقيل: مَسْكَنه الدِّمَاغ وتدبيره فِي الْقلب. قلت: وَعَن هَذَا قَالُوا: الْعقل جَوْهَر خلقه الله فِي الدِّمَاغ وَجعل نوره فِي الْقلب، تدْرك بِهِ المغيبات بالوسائط والمحسوسات بِالْمُشَاهَدَةِ، وَعند الْمُتَكَلِّمين، الْعقل الْعلم، وَقيل: بعض الْعُلُوم هِيَ الضرورية، وَقيل: قُوَّة يُمَيّز بهَا حقائق المعلومات، وَفِي كتاب (الْحُدُود) لأبي عَليّ بن سينا، هُوَ اسْم مُشْتَرك لمعان عدَّة: عقل لصِحَّة الْفطْرَة الأولى فِي الناى، وَهُوَ قُوَّة يُمَيّز بهَا بَين الْأُمُور القبيحة والحسنة، وعقل لما يكتسبه بالتجارب بَين الْأَحْكَام تكون مُقَدّمَة يحصل بهَا الْأَغْرَاض والمصالح، وعقل لِمَعْنى آخر، وَهَذِه هَيْئَة محمودة للْإنْسَان فِي حركاته وَكَلَامه، وَأما الْحُكَمَاء فقد فرقوا بَينه وَبَين الْعلم، وَقَالُوا: الْعقل النظري، وبالفعل والفعال، وتحقيقه فِي كتبهمْ، وَإِنَّمَا سمي: الْعقل، عقلا من قَوْلهم: ظَبْي عَاقل، إِذا امْتنع فِي أَعلَى الْجَبَل، يُسمى هَذَا بِهِ لِأَنَّهُ فِي أَعلَى الْجَسَد بِمَنْزِلَة الَّذِي فِي أَعلَى الْجَبَل. وَقيل: الْعَاقِل: الْجَامِع لأموره بِرَأْيهِ، مَأْخُوذ من قَوْلهم: عقلت الْفرس إِذا جمعت قوائمه وَحكى ابْن التِّين عَن بَعضهم: أَن المُرَاد من الْعقل الدِّيَة، لِأَن دِيَتهَا على النّصْف من دِيَة الرجل. قلت: ظَاهر الحَدِيث يأباه.
بَيَان إعرابه قَوْله: (إِلَى الْمصلى) يتَعَلَّق بقوله: (خرج) . قَوْله: (يتصدقن) مقول القَوْل، وَالْفَاء، فِي: فَانِي، للتَّعْلِيل قَوْله: (أريتكن) بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْمعْنَى أَرَانِي الله إياكن أَكثر أهل النَّار، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) أَكثر، بِنصب الرَّاء على أَن أريت، يتَعَدَّى إِلَى مفعولين. أَو على الْحَال إِذا قُلْنَا أَن أفعل لَا يتعرف بِالْإِضَافَة، كَمَا صَار إِلَيْهِ الْفَارِسِي وَغَيره وَقيل: إِنَّه بدل من الْكَاف فِي: أريتكن. انْتهى قلت: نقل هَذَا من صَاحب (التَّلْوِيح) وَلَيْسَ كَذَلِك، بل قَوْله: أريتكن مُتَعَدٍّ إِلَى ثَلَاثَة مفاعيل: الأول التَّاء الَّتِي هِيَ مفعول نَاب عَن الْفَاعِل. وَالثَّانِي:. قَوْله: (كنَّ) . وَالثَّالِث:. قَوْله: (أَكثر أهل النَّار) فَإِن قلت: فِي أَيْن أريهن أَكثر أهل النَّار؟ قلت: فِي لَيْلَة الْإِسْرَاء، وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، بِلَفْظ (أريت النَّار فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا النِّسَاء) فَإِن قلت: ورد فِي الحَدِيث، قَالَ: لكل رجل زوجتان من الْآدَمِيّين. قلت: لَعَلَّ هَذَا قبل وُقُوع الشَّفَاعَة. قَوْله: (ويم يَا رَسُول الله) قَالَ بَعضهم: الْوَاو، استئنافية. قلت: للْعَطْف على مُقَدّر تَقْدِيره، مَا دنبنا، وَبِمَ، الْبَاء للسبيبة، وَكلمَة استفهامية. وَقَالَ الْكرْمَانِي: حذفت الفها تَخْفِيفًا. قلت: يجب حذف ألف، مَا الاستفهامية إِذا جرت، وإبقاء الفتحة دَلِيل عَلَيْهَا وَنَحْوهَا، إلَاّمَ، وَعَلَامَ، وَعلة حذف الْألف، الْفرق بَين الِاسْتِفْهَام وَالْخَبَر، فَلهَذَا حذفت فِي نَحْو: {فيمَ أَنْت من ذكرَاهَا} (سُورَة النَّحْل: ٣٥) {فناظرة بِمَ يرجع المُرْسَلُونَ} (سُورَة النازعات: ٤٣) وَأما قِرَاءَة عِكْرِمَة وَعِيسَى: {عَمَّا يتساءلون} (سُورَة النبإ: ١) فنادر. قَوْله: (تكثرن اللَّعْن) فِي مقَام التَّعْلِيل، وَكَانَ الْمَعْنى: لأنكن تكثرن اللَّعْن، الْإِكْثَار، قَالَ الطَّيِّبِيّ: الْجَواب من الأسلوب الْحَكِيم لِأَن قَوْله: (مَا رَأَيْت) إِلَخ زِيَادَة، فَإِن قَوْله: (تكثرن اللَّعْن وتكفرن العشير) جَوَاب تَامّ، فَكَأَنَّهُ من بَاب الاتتباع، إِذا الذَّم بِالنُّقْصَانِ استتبع للذم بِأَمْر آخر غَرِيب، وَهُوَ كَون الرجل الْكَامِل الحازم منقاداً للنِّسَاء الناقصات عقلاء دينا. قَوْله: (من ناقصات عقل) صفة مَوْصُوف مَحْذُوف أَي: مَا رَأَيْت أحدا من ناقصات. قَوْله: (أذهب) أفعل التَّفْضِيل من الإذهاب، هَذَا على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ حَيْثُ جوز بِنَاء أفعل التَّفْضِيل من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ، وَكَانَ الْقيَاس فِيهِ أَشد إذهاباً.
بَقِيَّة مَا فِيهِ من الْمعَانِي والأسئلة والأجوبة قَوْله: (قُلْنَ وَمَا نُقْصَان ديننَا) ويروي: (فَقُلْنَ) بِالْفَاءِ، وَهَذَا استفسار مِنْهُنَّ عَن وَجه نُقْصَان دينهن وعقلهن، وَفك لِأَنَّهُ خفى عَلَيْهِنَّ ذَلِك حَتَّى استفسرن. وَقَالَ بَعضهم: وَنَفس هَذَا السُّؤَال دَال على النُّقْصَان لِأَنَّهُنَّ سلمن مَا نسب إلَيْهِنَّ من الْأُمُور الثَّلَاثَة: الْإِكْثَار والكفران والإذهاب، ثمَّ استشكلن كونهن ناقصات. قلت: هَذَا استفسار وَلَيْسَ باستشكال، لِأَنَّهُنَّ بعد أَن سلمن هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة، لَا يكون عَلَيْهِنَّ إِشْكَال، وَلَكِن لما خَفِي سَبَب نُقْصَان دينهن وعقلهن سَأَلَهُنَّ عَن ذَلِك بقولهن: مَا نُقْصَان ديننَا وعقلنا، وَالتَّسْلِيم بِهَذِهِ الْأُمُور كَيفَ يدل على النُّقْصَان، وبَيْنَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مَا خَفِي عَلَيْهِنَّ من ذَلِك بقوله: (أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَة) إِلَى آخِره؟ وَهَذَا جَوَاب مِنْهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بلطف وإرشاد من غير تعفيف وَلَا لوم، بِحَيْثُ خاطبهن على قدر فهمهن، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر أَن يُخَاطب النَّاس على قدر عُقُولهمْ، قَوَّال النَّوَوِيّ: وَأما وَصفه النِّسَاء بِنُقْصَان الدّين لتركهن الصَّلَاة وَالصَّوْم فقد يسْتَشْكل مَعْنَاهُ وَلَيْسَ بمشكل، فَإِن الدّين وَالْإِيمَان وَالْإِسْلَام مُشْتَرك فِي معنى وَاحِد، فَإِن من كثرت عِبَادَته زَاد إيمَانه وَدينه، وَمن نقصت عِبَادَته نقص دينه. قلت: دَعْوَاهُ الِاشْتِرَاك فِي هَذِه الثَّلَاثَة غير مسلمة، لِأَن بَينهَا فرقا لُغَة وَشرعا، وَقَوله: زَاد إيمَانه أَو نقص، لَيْسَ براجع إِلَى الذَّات، بل هُوَ رَاجع إِلَى الصّفة
كَمَا تقرر هَذَا فِي مَوْضِعه. قَوْله: (أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَة مثل نصف شَهَادَة الرجل) إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَرجل وَامْرَأَتَانِ مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء} (سُورَة الْبَقَرَة: ٢٨٢) فَإِن قلت: النُّكْتَة فِي تَعْبِيره بِهَذِهِ الْعبارَة وَلم يقل: أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَتَيْنِ مثل شَهَادَة الرجل؟ قلت: لِأَن فِي عِبَارَته تِلْكَ تنصيصاً على النَّقْص صَرِيحًا. بِخِلَاف مَا ذكرت، فَإِنَّهُ يدل عَلَيْهِ ضمنا فَافْهَم، فَإِنَّهُ دَقِيق فَإِن قلت: أَلَيْسَ ذَلِك ذماً لَهُنَّ؟ قلت: لَا وَإِنَّمَا هُوَ على معنى التَّعَجُّب بأنهن مَعَ اتصافهن بِهَذِهِ الْحَالة يفعلن بِالرجلِ الحازم كَذَا وَكَذَا فَإِن قلت: هَذَا الْعُمُوم فِيهِنَّ يُعَارضهُ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كمل من الرِّجَال كثير، وَلم يكمل من النِّسَاء إلَاّ مَرْيَم بنت عمرَان وآسية بنت مُزَاحم) وَفِي رِوَايَة أَربع، وَهُوَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَأحمد من حَدِيث أنس: رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَسبك من نسَاء الْعَالمين بِأَرْبَع: مَرْيَم بنت عمرَان، وآسية امْرَأَة فِرْعَوْن، وَخَدِيجَة بنت خويلد، وَفَاطِمَة بنت مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) قلت: أجَاب بَعضهم بِأَن الْإِفْرَاد خرج عَن ذَلِك لِأَنَّهُ نَادِر قَلِيل، وَالْجَوَاب السديد فِي ذَلِك هُوَ أَن الحكم على الْكل بِشَيْء لَا يسْتَلْزم الحكم على كل فَرد من أَفْرَاده بذلك الشَّيْء وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَنقص الدّين قد يكون على وَجه يَأْثَم بِهِ، كمن ترك الصَّلَاة بِلَا عذر، وَقد يكون على وَجه لَا يَأْثَم لَهُ، كمن ترك الْجُمُعَة بِعُذْر، وَقد يكون على وَجه هُوَ مُكَلّف بِهِ كَتَرْكِ الْحَائِض الصَّلَاة وَالصَّوْم. فَإِن قيل: فَإِذا كَانَت معذورة، فَهَل تثاب على ترك الصَّلَاة فِي زمن الْحيض؟ وَإِن كَانَت لَا تقضيها كَمَا يُثَاب الْمَرِيض، وَيكْتب لَهُ فِي مَرضه مثل نوافل الصَّلَوَات الَّتِي كَانَ يَفْعَلهَا فِي صِحَّته. وَالْجَوَاب أَن ظَاهر هَذَا الحَدِيث أَنَّهَا لَا تثاب، وَالْفرق أَن الْمَرِيض كَانَ يَفْعَلهَا بنية الدَّوَام عَلَيْهَا مَعَ أَهْلِيَّته لَهَا، وَالْحَائِض لَيست كَذَلِك، بل نِيَّتهَا ترك الصَّلَاة فِي زمن الْحيض، وَكَيف لَا وَهِي حرَام عَلَيْهَا؟ قلت: يَنْبَغِي أَن يُثَاب على ترك الْحَرَام. قَوْله: (فَذَلِك) إِشَارَة إِلَى مَا ذكر من. قَوْله: (أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَة مثل نصف شَهَادَة الرجل) . قَوْله: (فَذَلِك) بِكَسْر الْكَاف، خطابا للواحدة الَّتِي تولت الْخطاب، وَيجوز فتح الْكَاف على أَنه للخطاب الْعَام.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام وهوعلى وُجُوه: الأول: فِيهِ اسْتِحْبَاب خُرُوج الإِمَام مَعَ الْقَوْم إِلَى مصلى الْعِيد فِي الْجَبانَة لأجل صَلَاة الْعِيد، وَلم يزل الصَّدْر الأول كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك، ثمَّ تَركه أَكْثَرهم لِكَثْرَة الْجَوَامِع، وَمَعَ هَذَا فَإِن أهل بِلَاد شَتَّى لم يتْركُوا ذَلِك. الثَّانِي: فِيهِ الْحَث على الصَّدَقَة لِأَنَّهَا من أَفعَال الْخيرَات وَالْمِيرَاث فَإِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات، وَلَا سِيمَا فِي مثل يَوْم الْعِيدَيْنِ لِاجْتِمَاع الْأَغْنِيَاء والفقراء، وتحسر الْفُقَرَاء عِنْد رُؤْيَتهمْ الْأَغْنِيَاء وَعَلَيْهِم الثِّيَاب الفاخرة، وَلَا سِيمَا الْأَيْتَام الْفُقَرَاء والأرامل الفقيرات، فَإِن الصَّدَقَة عَلَيْهِم فِي مثل هَذَا الْيَوْم مِمَّا يقل تحسرهم وهمهم، وَإِمَّا تَخْصِيصه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النِّسَاء فِي ذَلِك الْيَوْم، حَيْثُ أمرهن بِالصَّدَقَةِ فلغلبة الْبُخْل عَلَيْهِنَّ، وَقلة معرفتهن بِثَوَاب الصَّدَقَة وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا من الْحسن وَالْفضل فِي الدُّنْيَا قبل يَوْم الْآخِرَة. الثَّالِث: فِيهِ جَوَاز خُرُوج النِّسَاء أَيَّام الْعِيد إِلَى الْمصلى للصَّلَاة مَعَ النَّاس. وَقَالَت الْعلمَاء: كَانَ هَذَا فِي زَمَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما الْيَوْم فَلَا تخرج الشَّابَّة ذَات الْهَيْئَة، وَلِهَذَا قَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا لَو رأى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أحدث النِّسَاء بعده لمنعهن الْمَسَاجِد، كَمَا منعت نسَاء بني إِسْرَائِيل. قلت: هَذَا الْكَلَام من عَائِشَة بِعُذْر من يسير جدا بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما الْيَوْم فنعوذ بِاللَّه من ذَلِك، فَلَا يرخص فِي خروجهن مُطلقًا للعيد وَغَيره، وَلَا سِيمَا نسَاء مصر، على مَا لَا يخفى. وَفِي (التَّوْضِيح) رأى جمَاعَة ذَلِك حَقًا عَلَيْهِنَّ، يَعْنِي: فِي خروجهن للعيد مِنْهُم: أَبُو بكر وَعلي وَابْن عمر وَغَيرهم، وَمِنْهُم من منعن ذَلِك، مِنْهُم: عُرْوَة وَالقَاسِم وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَمَالك وَأَبُو يُوسُف، وَأَجَازَهُ أَبُو حنيفَة مرّة وَمنعه أُخْرَى، وَمنع بَعضهم فِي الشَّابَّة دون غَيرهَا، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَأبي يُوسُف، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: كَانَ الْأَمر بخروجهن أول الْإِسْلَام لتكثير الْمُسلمين فِي أعين الْعَدو. قلت: كَانَ ذَلِك لوُجُود الْأَمْن أَيْضا، وَالْيَوْم قلَّ الأمنُ، والمسلمون كثير، وَمذهب أَصْحَابنَا فِي هَذَا الْبَاب مَا ذكره صَاحب (الْبَدَائِع) أَجمعُوا على أَنه لَا يرخص للشابة الْخُرُوج فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَة وَشَيْء من الصَّلَوَات، لقَوْله تَعَالَى: {وقرون فِي بُيُوتكُمْ} (سُورَة الْأَحْزَاب: ٣٣) وَلِأَن خروجهن سَبَب للفتنة وَأما الْعَجَائِز فيرخص لَهُنَّ الْخُرُوج فِي الْعِيدَيْنِ، وَلَا خلاف أَن الْأَفْضَل أَن لَا يخْرجن فِي صَلَاة مَا، فَإِذا خرجن يصلين صَلَاة الْعِيد، فِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة، وَفِي رِوَايَة أبي يُوسُف عَنهُ، لَا يصلين، بل يكثرن سَواد الْمُسلمين وينتفعن بدعائهم، وَفِي حَدِيث أم عَطِيَّة، قَالَت: [حم (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يخرج الْعَوَاتِق ذَوَات الْخُدُور وَالْحيض