الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣١٦
الحديث رقم ٣١٦ من كتاب «كتاب الحيض» في صحيح البخاري، تحت باب: باب امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٣١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
اسْتَحْيَى فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ، أَوْ قَالَ: تَوَضَّئِي بِهَا، فَأَخَذْتُهَا، فَجَذَبْتُهَا، فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (بَابُ غُسْلِ الْمَحِيضِ) تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمُ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ صَفِيَّةَ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَتَوَضَّئِي ثَلَاثًا) يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ ثَلَاثًا بِتَوَضَّئِي أَيْ كَرِّرِي الْوُضُوءَ ثَلَاثًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَالَ وَيُؤَيِّدُهُ السِّيَاقُ الْمُتَقَدِّمُ، أَيْ قَالَ لَهَا ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَالَ) كَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ وَقَالَ بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ، وَالْأُولَى أَظْهَرُ، وَمَحَلُّ التَّرَدُّدِ فِي لَفْظِ بِهَا هَلْ هُوَ ثَابِتٌ أَمْ لَا، أَوِ التَّرَدُّدُ وَاقِعٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَفْظِ ثَلَاثًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٥ - بَاب امْتِشَاطِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنْ الْمَحِيضِ
٣١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ، فَفَعَلْتُ فَلَمَّا قَضَيْتُ الْحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ فَأَعْمَرَنِي مِنْ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي نَسَكْتُ قَوْلُهُ: (بَابُ امْتِشَاطِ الْمَرْأَةِ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) هوَ ابْنُ سَعْدٍ.
قَوْلُهُ: (انْقُضِي رَأْسَكِ) أَيْ حُلِّي ضَفْرَهُ (وَامْتَشِطِي) قِيلَ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى التَّرْجَمَةِ، قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، قَالُوا: لِأَنَّ أَمْرَهَا بِالِامْتِشَاطِ كَانَ لِلْإِهْلَالِ وَهِيَ حَائِضٌ لَا عِنْدَ غُسْلِهَا، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِهْلَالَ بِالْحَجِّ يَقْتَضِي الِاغْتِسَالَ ; لِأَنَّهُ مِنْ سُنَّةِ الْإِحْرَامِ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالِاغْتِسَالِ صَرِيحًا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ وَلَفْظُهُ: فَاغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي الْإِشَارَةِ إِلَى مَا تَضَمَّنَهُ بَعْضُ طُرُقِ الْحَدِيثِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا فِيمَا سَاقَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الدَّاوُدِيُّ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَا عِنْدَ غُسْلِهَا أَيْ مِنَ الْحَيْضِ وَلَمْ يُرِدْ نَفْيَ الِاغْتِسَالِ مُطْلَقًا، وَالْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ عَائِشَةَ إِنَّمَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا يَوْمَ النَّحْرِ فَلَمْ تَغْتَسِلْ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَّا لِلْإِحْرَامِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا حَاضَتْ بِسَرِفَ وَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غُسْلِ الْإِحْرَامِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ غُسْلَهَا إِذْ ذَاكَ كَانَ لِلْإِحْرَامِ اسْتُفِيدَ مَعْنَى التَّرْجَمَةِ مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ ; لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ لَهَا الِامْتِشَاطُ فِي غُسْلِ الْإِحْرَامِ وَهُوَ مَنْدُوبٌ كَانَ جَوَازُهُ لِغُسْلِ الْمَحِيضِ وَهُوَ وَاجِبٌ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (أَمَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) يَعْنِي ابْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَلَيْلَةُ الْحَصْبَةِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي نَزَلُوا فِيهَا فِي الْمُحَصَّبِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي نَزَلُوهُ بَعْدَ النَّفْرِ مِنْ مِنًى خَارِجَ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (الَّتِي نَسَكْتُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ النُّسُكِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ سَكَتُّ بِحَذْفِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ آخِرِهِ أَيْ عَنْهَا، وَالْقَابِسِيِّ بِمُعْجَمَةٍ وَالتَّخْفِيفِ، وَالضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ إِلَى عَائِشَةَ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِفَاتِ، وَفِي السِّيَاقِ الْتِفَاتٌ آخَرُ بَعْدَ الْتِفَاتٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِلْمُتَأَمِّلِ.
١٦ - بَاب نَقْضِ الْمَرْأَةِ شَعَرَهَا عِنْدَ غُسْلِ الْمَحِيضِ
٣١٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الكريم (أَوْ قَالَ): شكٌّ من عائشة (تَوَضَّئِي بِهَا) ولابن عساكر: «وقال» فزاد في هذه الرِّواية (١) كالرواية السَّابقة لفظة: «بها» أي: بالفرصة، قالت عائشة: (فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ) من التَّتبُّع وإزالة الرَّائحة الكريهة.
والمُطابَقة بين الحديث والتَّرجمة على رواية فتح غين «غَسل»، وتفسير المحيض باسم المكان ظاهرٌ، وعلى رواية ضمِّ الغين، والمحيض بمعنى «الحيض»، فالإضافة بمعنى اللَّام الاختصاصيَّة لأنَّه ذكر لها خاصَّةً هذا الغسل.
(١٥) (بابُ امْتِشَاطِ المَرْأَةِ) أي: تسريح شعر رأسها (٢) (عِنْدَ غُسْلِهَا) بفتح الغَيْن وضمِّها (مِنَ المَحِيضِ) أي: الحيض.
٣١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بن سعد بن إبراهيم ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، المدنيُّ نزيل بغداد قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (عَنْ عُرْوَةَ) ابن الزُّبير بن العوَّام (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: أَهْلَلْتُ) أي: أحرمت ورفعت صوتي بالتَّلبية (مَعَ رَسُولِ اللهِ) وللأَصيليِّ: «مع النَّبيِّ» (ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَسُقِ الهَدْيَ) بفتح الهاء وسكون الدَّال (٣) المُهمَلة وتخفيف الياء، أو بكسر المُهمَلة مع تشديد الياء، اسمٌ لِمَا يُهدَى بمكَّة من الأنعام، وفيه التفاتٌ من المتكلِّم إلى الغائب؛ لأنَّ الأصل أن
تقول: ممَّن تمتَّعت، لكن ذُكِّر باعتبار لفظ «مَنْ» (فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ) من حيضها (حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ) فيه دلالةٌ على أنَّ حيضها كان (١) ثلاثة أيَّام خاصَّةً لأنَّ دخوله ﵊ مكَّة كان في الخامس من ذي الحجَّة، فحاضت يومئذٍ فطَهُرَت يوم عرفة، ويدلُّ على أنَّها حاضت يومئذٍ قوله ﵊ في «بابكيف تهلُّ الحائض بالحجِّ والعمرة؟» [خ¦٣١٩]: «من أحرم بعمرةٍ … » الحديث (٢)، قالت: فحِضْتُ، ففيه دليلٌ على أنَّ حيضها كان يوم القدوم إلىمكَّة، قالت: فلم أَزَلْ حائضًا حتَّى كان يوم عرفة، قاله البدر (فَقَالَتْ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «قالت»: (يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ) وفي بعض النُّسخ: «هذا ليلة عرفة»، قال البدر: أي: هذا الوقت، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر والأَصيليِّ: «يوم عرفة» (٣) (وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ) أي: وأنا حائضٌ، وفيه تصريحٌ بما تضمَّنه التَّمتُّع لأنَّه إحرامٌ بعمرةٍ في أشهر الحجِّ ممَّن على مسافة القصر من الحرم، ثمَّ يحجُّ في (٤) سنته (فَقَالَ (٥) لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: انْقُضِيرَأْسَكِ) بضمِّ القاف، أي: حُلِّي شعرك (وَامْتَشِطِي وَأَمْسِكِي) بهمزة قطعٍ (عَنْ عُمْرَتِكِ) أي: اتركي العمل في العمرة وإتمامها، فليس المراد الخروج منها، فإنَّ الحجَّ والعمرة لا يُخرَج منهما إلَّابالتَّحلُّل، وحينئذٍ فتكون (٦) قارنةً، ويؤيِّده قوله ﵊: «يكفيك طوافك لحجِّك وعمرتك»، ولا يلزم من نقض الرَّأس والامتشاط إبطالها لجوازهما عندنا حال الإحرام، لكن يُكرَهان خوف نتف الشَّعر، وقد حملوا فعلها ذلك على أنَّه كان برأسها أذًى، وقِيلَ: المُراد: أبطلي عمرتك، ويؤيِّده قولها في العمرة: «وأرجع بحجَّةٍ واحدةٍ»، وقولها: «ترجع صواحبي بحجٍّ وعمرةٍ وأرجع أنا بالحجِّ»، وقوله ﵊: «هذه مكان عمرتك»، قالت عائشة:
(فَفَعَلْتُ) النَّقض والامتشاط والإمساك (١) (فَلَمَّا قَضَيْتُ) أي: أدَّيت (الحَجَّ) أي: بعد إحرامي به (أَمَرَ) ﷺ أخي (عَبْدَ الرَّحْمَنِ) بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ (لَيْلَةَ الحَصْبَةِ) بفتح الحاء وسكون الصَّاد المُهمَلتين (٢) وفتح المُوحَّدة، التي نزلوا فيها بالمُحَصَّب، موضعٌ بين مكَّة ومنى يبيتون فيه (٣) إذا نفروا من منى (٤) (فَأَعْمَرَنِي) أي: اعتمر بي (مِنَ التَّنْعِيمِ) موضعٌ على فرسخٍ من مكَّة، فيه مسجد عائشة (مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي نَسَكْتُ) مِنَ النُّسك، أي: التي أحرمت بها، وأردت أوَّلًا (٥) حصولها منفردةً غير مندرجةٍ ومنعني الحيض، وفي رواية أبي زيدٍ المروزيِّ: «التي سكتُّ» بلفظ التَّكلُّم من السُّكوت، أي: الَّتي تركت أعمالها وسكتُّ عنها، وللقابسيِّ: «شكت» بالشِّين المُعجَمة والتَّخفيف، والضَّمير فيه (٦) راجعٌ إلى عائشة على سبيل الالتفات مِنَ التَّكلُّم (٧) للغيبة، أوِ المعنى: شكَّت العمرة من الحيض، وإطلاق الشِّكاية عليها كنايةٌ عن اختلالها (٨) وعدم بقاء استقلالها، وإنَّما أمرها بالعمرة بعد الفراغ، وهي قد كانت حصلت لها مندرجةً مع الحجِّ لقصدها عمرةً منفردةً كما حصل لسائر أزواجه ﵊، حيث اعتمرْن بعد الفراغ من حجِّهن المُفرَد عمرةً منفردةً عن حجِّهنَّ حرصًا على كثرة العبادة.
وتمام مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الحجِّ» [خ¦١٥٥٦] بعون الله وقوَّته.
ورواته الخمسة ما بين بصريٍّ (٩) ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة.
(١٦) (بابُ) حكم (نَقْضِ المَرْأَةِ شَعَرَهَا) أي: شعر رأسها (عِنْدَ غُسْلِ المَحِيضِ) هل هو واجبٌ أم لا؟ ولابن عساكر: «باب من رأى نقض المرأة .... » إلى آخره.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
بَيَان استنباط الْأَحْكَام فِيهِ: اسْتِحْبَاب التَّطَيُّب للمغتسلة من الْحيض وَالنّفاس على جَمِيع الْمَوَاضِع الَّتِي أَصَابَهَا الدَّم من بدها قَالَ المحالي: لِأَنَّهُ أسْرع إِلَى الْعلُوق وأدفع للرائحة الكريهة، وَاخْتلف فِي وَقت اسْتِعْمَالهَا لذَلِك: فَقَالَ بَعضهم: بعد الْغسْل، وَقَالَ آخرونه قبله. وَفِيه: أَنه لَا عَار على من سَأَلَ عَن أَمر دينه. وَفِيه: اسْتِحْبَاب تطييب فرج الْمَرْأَة يَأْخُذ قِطْعَة من صوف وَنَحْوهَا، وَتجْعَل عَلَيْهَا مسكاً أَو نَحوه وَتدْخلهَا فِي فرجهَا بعد الْغسْل، وَالنُّفَسَاء مثلهَا. وَفِيه: التَّسْبِيح عِنْد التَّعَجُّب. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الْكِنَايَات بِمَا يتَعَلَّق بالعورات. وَفِيه: سُؤال الْمَرْأَة الْعَالم عَن أحوالها الَّتِي تحتشم مِنْهَا وَلِهَذَا قَالَت عَائِشَة فِي نسَاء الْأَنْصَار: (لم يمنعهن الحاير أَن يتفقهن فِي الدّين) وَفِيه الِاكْتِفَاء بالتعريض وَالْإِشَارَة فِي الْأُمُور المستهجنة. وَفِيه: تَكْرِير الْجَواب لإفهام السَّائِل. وَفِيه: تَفْسِير كَلَام الْعَالم بِحَضْرَتِهِ لمن خَفِي عَلَيْهِ إِذا عرف أَن ذَلِك يُعجبهُ. وَفِيه: أَن السَّائِل إِذا لم يفهم فهمه بعض من فِي مجْلِس الْعَالم والعالم يسمع، وَأَن ذَلِك سَماع من الْعَالم يجوز أَن يَقُول فِيهِ: حَدثنِي وَأَخْبرنِي. وَفِيه: الْأَخْذ عَن الْمَفْضُول مَعَ وجود الْفَاضِل وحضرته. وَفِيه: صِحَة الْعرض على الْمُحدث إِذا أقره، وَلَو لم يقل عَقِيبه نعم. وَفِيه: أَنه لَا يشْتَرط فهم السَّامع لجَمِيع مَا يسمعهُ. وَفِيه: الرِّفْق بالمتعلم وَإِقَامَة الغذر لمن لَا يفهم. وَفِيه: أَن الْمَرْء مَطْلُوب بستر عيوبه. وَفِيه: دلَالَة على حسن خلقه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام.
١٤ - (بابُ غُسْلِ المَحِيضِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْغسْل من الْحيض، وَغسل الْمَرْأَة من الْحيض كغسلها من الْجَنَابَة سَوَاء، غير أَنَّهَا تزيد على ذَلِك اسْتِعْمَال الطّيب، وَهَذَا الْبَاب فِي الْحَقِيقَة لَا فَائِدَة فِي ذكره، لِأَن الحَدِيث الَّذِي فِيهِ هُوَ الحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قبله، غير أَن ذَلِك عَن يحيى عَن ابْن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور، وَهَذَا عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن وهيب بن خَالِد عَن مَنْصُور.
٣١٥ - حدّثنا مُسْلِمٌ قالَ حدّثنا وُهَيْبٌ حدّثنا مَنْصُورٌ عَنْ أُمَّهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قالَتْ ل لنَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَيْفَ اغْتَسِلُ مِنَ المَحيضِ قالَ خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةٌ فَتَوَضَئِي ثَلَاثًا ثُمَّ أنَّ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْتَحْيَا فاعْرِضَ بِوَجْهِهِ أَو قالَ تَوَضَئِي بِهَا فَاخَذْتُهَا فَجَذِبْتَها فأخْبَرْتُها بِمَا يُرِيدُ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
(انْظُر الحَدِيث ٣١٤ وطرفه) [/ ح.
قيل: التَّرْجَمَة لغسل الْمَحِيض، والْحَدِيث لم يدل عَلَيْهَا فَلَا مُطَابقَة. قلت: إِن كَانَ لفظ الْغسْل فِي التَّرْجَمَة بِفَتْح الْغَيْن، والمحيض اسْم مَكَان، فَالْمَعْنى ظَاهر، وَإِن كَانَ بِضَم الْغَيْن والمحيض مصدر فالإضافة بِمَعْنى اللَّام الاختصاصية، فَلهَذَا ذكر خَاصَّة هَذَا الْغسْل وَمَا بِهِ يمتاز عَن سَائِر الِاغْتِسَال.
الْكَلَام فِيمَا يتَعَلَّق بِهِ قد مضى فِي الْبَاب الَّذِي قبله. قَوْله: (وتوضئي ثَلَاثًا) وَفِي بَعْضهَا: فتوضئي. قَوْله: (ثَلَاثًا) يتَعَلَّق: يُقَال، أَي: يُقَال ثَلَاث مَرَّات لَا تتوضئي، وَيحْتَمل تعلقه بقالت أَيْضا بِدَلِيل الحَدِيث الْمُتَقَدّم. قَوْله: (أَو قَالَ) شكّ من عَائِشَة، وَالْفرق بَين الرِّوَايَتَيْنِ زِيَادَة لَفظه بهَا يَعْنِي: تطهري بالفرصة، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر بِالْوَاو من غير شكّ. قَوْله: (مِمَّا يُرِيد) أَي: يتتبع أثر الدَّم وَإِزَالَة الرَّائِحَة الكريهة من الْفرج.
١٥ - (بابُ امْتِشاطِ المَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِها مِنَ المَحِيضِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان امتشاط الْمَرْأَة، وَهُوَ تَسْرِيح رَأسهَا عِنْد غسلهَا من الْمَحِيض أَي: الْحيض.
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي كل مِنْهُمَا مَا يشْعر بِزِيَادَة التَّنْظِيف والنقاء، وَلَا يحفى ذَلِك على المتأمل.
٣١٦ - حدّثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ قالَ حدّثنا إبْرَاهِيمُ قالَ حدّثنا ابْنُ شِهابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَن عائِشَةَ قالَتْ أهْلْلتُ مَعَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَسُقِ الهَدْيَ فَزَعَمَتْ أنَّها حاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ فقالَتْ يَا رسولَ اللَّهِ هاذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ وَإنَّما كُنْتُ تَمَتَّعْتُ فَقَالَ لَها رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي
وأَمْسِكِي عَنْ عَمْرتِكِ فَفَعَلْتُ فَلَمَّا قَضَيْتُ الحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمانِ لَيْلَةَ الحَصبةِ فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعيمِ مَكانَ عَمْرَتِي الَّتي نَسَكْتُ.
قَالَ الدَّاودِيّ وَمن تبعه لَيْسَ فِيهِ دَلِيل على التَّرْجَمَة لِأَن أمرهَا بالامتشاط كَانَ للإهلال وَهِي حَائِض، لَا عِنْد غسلهَا أجَاب الْكرْمَانِي عَن هَذَا بِأَن الْإِحْرَام بِالْحَجِّ يدل على غسل الْإِحْرَام لِأَنَّهُ سنة، وَلما سنّ الامتشاط عِنْد غسله فَعِنْدَ غسل الْحيض بِالطَّرِيقِ الأولى، لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ التَّنْظِيف، وَذَلِكَ عِنْد إِرَادَة إِزَالَة أثر الْحيض الَّذِي هُوَ نَجَاسَة غَلِيظَة أهم أَو لأنَّه إِذا سنّ فِي النَّفْل فَفِي الْفَرْض أولى، وَقيل: إِن الإهلال بِالْحَجِّ يَقْتَضِي الِاغْتِسَال صَرِيحًا فِي هَذِه الْقِصَّة، فِيمَا أخرجه مُسلم من طَرِيق ابْن الزبير عَن جَابر وَلَفظه: (فاغتسلي ثمَّ أَهلِي بِالْحَجِّ) وَقيل: جرت عَادَة البُخَارِيّ فِي كثير من التراجم أَنه يُشِير إِلَى مَا تضمنه بعض طرق الحَدِيث، وَإِن لم يكن مَنْصُوصا فِيمَا سَاقه كَمَا ذكرنَا فِي بَاب الْمَرْأَة نَفسهَا.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل النبوذكي. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْمدنِي نزيل بَغْدَاد. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع: وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدنيين. وَفِيه: أَن إِبْرَاهِيم يروي عَن الزُّهْرِيّ بِلَا وَاسِطَة، وَرُوِيَ عَنهُ فِي بَاب تفاضل أهل الْإِيمَان بِوَاسِطَة، روى عَن صَالح عَن الزُّهْرِيّ.
ذكر مَعَانِيه قَوْلهَا: (أَهلَلْت) أَي: أَحرمت وَرفعت الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ، قَوْلهَا: (فِيمَن تمتّع) فِيهِ الْتِفَات من الْمُتَكَلّم إِلَى الْغَائِب لِأَن أَصله أَن يُقَال: تمتعت، وَلَكِن ذكر بِاعْتِبَار لفظ من قَوْلهَا: (الْهدى) بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الدَّال وبكسرها مَعَ تَشْدِيد الْبَاء، وَهُوَ اسْم لما يهدى إِلَى مَكَّة من الْأَنْعَام قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (وَلم يسق الْهدى) كالتأكيد لبَيَان التَّمَتُّع، إِذْ الْمُتَمَتّع لَا يكون مَعَه الْهَدْي. قلت: الْمُتَمَتّع على نَوْعَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه يَسُوق الْهَدْي مَعَه، وَالْآخر: لَا يَسُوق. وحكمهما مُخْتَلف كَمَا ذكر فِي فروع الْفِقْه قَوْلهَا: (فَزَعَمت) إِنَّمَا لم يقل، فَقَالَت: لِأَنَّهَا لم تَتَكَلَّم بِهِ صَرِيحًا إِذْ هُوَ مِمَّا يستحي فِي تصريحه، قَوْله: وَقَالَت: عطف على حَاضَت، ويروي، قَالَت، بِغَيْر عطف قَوْلهَا: (تمتعت بِعُمْرَة) تَصْرِيح بِمَا علم ضمنا إِذا التَّمَتُّع هُوَ أَن يحرم بِالْعُمْرَةِ فِي أشهر الْحجر من على مَسَافَة الْقصر من الْحرم، ثمَّ يحرم بِالْحَجِّ فِي سنة تِلْكَ الْعمرَة بِلَا عود إِلَى مِيقَات، وَبعد فَفِي هَذَا الْكَلَام مُقَدّر، تَقْدِيره، تمتعت بِعُمْرَة، وَأَنا حَائِض. قَوْله: (انْقَضى) بِضَم الْقَاف، وَفِي بعض الرِّوَايَات انفضى، بِالْفَاءِ، والمضاف مَحْذُوف أَي: شعر رَأسك، قَوْلهَا: (فَفعلت) أَي: فعلت النَّقْض والامتشاط والإمساك، وَهَاهُنَا، أَيْضا مُقَدّر، وَهُوَ فِي قَوْلهَا: (فَلَمَّا قضيت الْحَج) أَي: بعد إحرامي بِهِ، وقضيت، أَي: أدّيت قَوْلهَا: (أَمر عبد الرَّحْمَن) أَي امْر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عبد الرَّحْمَن بن ابي بكر قَوْلهَا (لَيْلَة الحصبة) ، بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ ثمَّ بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَهِي اللَّيْلَة الَّتِي نزلُوا فِيهَا فِي المحصب، وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي نزلوه بعد النَّفر من منى خَارج مَكَّة، وَهِي اللَّيْلَة الَّتِي بعد أَيَّام التَّشْرِيق سميت بذلك لأَنهم نفروا من منى، فنزلوا فِي المحصب وَبَاتُوا بِهِ، والحصبة والحصباء والأبطح والبطحاء والمحصب وَخيف بني كنَانَة يُرَاد بهَا مَوضِع وَاحِد، وَهُوَ بَين مَكَّة وَمنى، قَوْلهَا: (فأعمرني) ويروي (فاعتمرني) قَوْلهَا: (من التَّنْعِيم) ، وَهُوَ تفعيل من النِّعْمَة، وَهُوَ مَوضِع على فَرسَخ من مَكَّة على طَرِيق الْمَدِينَة، وَفِيه مَسْجِد عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَوْلهَا: (الَّتِي نسكت) من النّسك، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَمَعْنَاهُ: أَحرمت بهَا، أَو قصدت النّسك بهَا، وَفِي رِوَايَة أبي زيد الْمروزِي: (سكت) من السُّكُوت أَي: عمرتي الَّتِي تركت أَعمالهَا، وَسكت عَنْهَا وروى القايسي: (شكت) بالشين الْمُعْجَمَة. أَي: شكت الْعمرَة، من الْحيض وَإِطْلَاق الشكاية عَلَيْهَا كِنَايَة عَن إخلالها وَعدم بَقَاء استقلالها، وَيجوز أَن يكون الضَّمِير فِيهِ رَاجعا، إِلَى عَائِشَة، وَكَانَ حَقه التَّكَلُّم، وَذكره بِلَفْظ الْغَيْبَة التفاتاً.
ذكر استنباط الْأَحْكَام الأول: أَن ظَاهر هَذَا الحَدِيث أَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَحرمت بِعُمْرَة أَولا، وَهُوَ صَرِيح حَدِيثهَا الْآتِي فِي الْبَاب الَّذِي بعده، لَكِن قَوْلهَا فِي الحَدِيث الَّذِي مضى: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله
عَلَيْهِ وَسلم لَا نذْكر إِلَّا الْحَج " وَقد اخْتلفت الرِّوَايَات عَن عَائِشَة فِي مَا أَحرمت بِهِ اخْتِلَافا كثيرا كَمَا ذكره القَاضِي عِيَاض فَفِي رِوَايَة عُرْوَة " فأهلنا بِعُمْرَة " وَفِي رِوَايَة أُخْرَى " وَلم أهل إِلَّا بِعُمْرَة " وَفِي رِوَايَة " لَا نذْكر إِلَّا الْحَج " وَفِي أُخْرَى " لَا نرى إِلَّا الْحَج " وَفِي رِوَايَة الْقَاسِم عَنْهَا " لبينا بِالْحَجِّ " وَفِي أُخْرَى " مهلين بِالْحَجِّ " وَاخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك فَمنهمْ من رجح رِوَايَات الْحَج وَغلظ رِوَايَات الْعمرَة وَإِلَيْهِ ذهب إِسْمَاعِيل القَاضِي وَمِنْهُم من جمع لثقة رواتها لِأَنَّهَا أَحرمت أَولا بِالْحَجِّ وَلم تسق الْهَدْي فَلَمَّا أَمر الشَّارِع من لم يسق الْهَدْي بِفَسْخ الْحَج إِلَى الْعمرَة إِن شَاءَ فسخت هِيَ فِيمَن فسخ وَجَعَلته عمْرَة وأهلت بهَا ثمَّ إِنَّهَا لم تحل مِنْهَا حَتَّى حَاضَت فَتعذر عَلَيْهَا إِتْمَامهَا والتحلل مِنْهَا فَأمرهَا أَن تحرم بِالْحَجِّ فأحرمت فَصَارَت قارنة ووقفت وَهِي حَائِض ثمَّ طهرت يَوْم النَّحْر فأفاضت وَذكر ابْن حزم أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَيرهمْ بسرف بَين فَسخه إِلَى الْعمرَة والتمادي عَلَيْهِ وَأَنه بِمَكَّة أوجب عَلَيْهِم التَّحَلُّل إِلَّا من صَحَّ مَعَه الْهَدْي وَالصَّحِيح أَنَّهَا حَاضَت بسرف أَو قريب مِنْهَا فَلَمَّا قدم مَكَّة قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اجْعَلُوهَا عمْرَة. وَقَالَ أَبُو عمر الِاضْطِرَاب عَن عَائِشَة فِي حَدِيثهَا فِي الْحَج عَظِيم وَقد أَكثر الْعلمَاء فِي تَوْجِيه الرِّوَايَات فِيهِ وَدفع بَعضهم بَعْضهَا فِيهِ بِبَعْض وَلم يستطيعوا الْجمع بَينهَا ورام قوم الْجمع فِي بعض مَعَانِيهَا. روى مُحَمَّد بن عبيد عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن ابْن أبي مليكَة قَالَ أَلا تعجب من اخْتِلَاف عُرْوَة وَالقَاسِم قَالَ الْقَاسِم أهلت عَائِشَة بِالْحَجِّ وَقَالَ عُرْوَة أهلت بِالْعُمْرَةِ وَذكر الْحَارِث بن مِسْكين عَن يُوسُف بن عَمْرو عَن ابْن وهب عَن مَالك أَنه قَالَ لَيْسَ الْعَمَل فِي رفض الْعمرَة لِأَن الْعَمَل عَلَيْهِ عِنْده فِي أَشْيَاء كَثِيرَة. مِنْهَا أَنه جَائِز للْإنْسَان أَن يهل بِعُمْرَة. وَمِنْهَا أَن الْقَارِن يطوف وَاحِدًا أَو غير ذَلِك وَقَالَ ابْن حزم فِي الْمحلى حَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة مُنكر وَخطأ عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ ثمَّ روى بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَحْمد بن حَنْبَل فَذكر حَدِيث مَالك عَن أبي الْأسود عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة " خرجنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَام حجَّة الْوَدَاع " الحَدِيث فَقَالَ أَحْمد أشعر فِي هَذَا الحَدِيث من الْعجب خطأ قَالَ الْأَثْرَم فَقلت لَهُ الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة بِخِلَافِهِ قَالَ نعم وَهِشَام بن عُرْوَة وَفِي التَّمْهِيد دفع الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَابْن علية حَدِيث عُرْوَة هَذَا وَقَالُوا هُوَ غلط لم يُتَابع عُرْوَة على ذَلِك أحد من أَصْحَاب عَائِشَة وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن اسحق قد اجْتمع هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْقَاسِم وَالْأسود وَعمرَة على أَن أم الْمُؤمنِينَ كَانَت مُحرمَة بِحجَّة لَا بِعُمْرَة فَعلمنَا بذلك أَن الرِّوَايَة عَن عُرْوَة غلط الثَّانِي أَن ظَاهر قَوْلهَا يَا رَسُول الله هَذِه لَيْلَة عَرَفَة إِلَى آخِره يدل على أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أمرهَا برفض عمرتها وَأَن تخرج مِنْهَا قبل تَمامهَا وَفِي التَّوْضِيح وَبِه قَالَ الْكُوفِيُّونَ فِي الْمَرْأَة تحيض قبل الطّواف وتخشى فَوَات الْحَج أَنَّهَا ترفض الْعمرَة وَقَالَ الْجُمْهُور أَنَّهَا تردف الْحَج وَتَكون قارنة وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو ثَوْر وَحمله بعض الْمَالِكِيَّة على أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أمرهَا بالإرداف لَا بِنَقْض الْعمرَة وَاعْتَذَرُوا عَن هَذِه الْأَلْفَاظ بتأويلات. أَحدهَا أَنَّهَا كَانَت مضطرة إِلَى ذَلِك فَرخص لَهَا كَمَا رخص لكعب بن عجْرَة فِي الْحلق للأذى ثَانِيهَا أَنه خص بهَا. ثَالِثهَا أَن المُرَاد بِالنَّقْضِ والامتشاط تَسْرِيح الشّعْر لغسل الإهلال بِالْحَجِّ ولعلها كَانَت لبدت رَأسهَا وَلَا يتأنى إِيصَال المَاء إِلَى الْبشرَة مَعَ التلبيد إِلَّا بِحل الظفر والتسريح وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي نقض الْمَرْأَة شعرهَا عِنْد الِاغْتِسَال فَأمر بِهِ ابْن عمر وَالنَّخَعِيّ وَوَافَقَهُمَا طَاوُوس فِي الْحيض دون الْجَنَابَة وَلَا يتَبَيَّن بَينهمَا فرق وَلم توجبه عَلَيْهَا فِيهَا عَائِشَة وَأم سَلمَة وَابْن عمر وَجَابِر وَبِه قَالَ مَالك والكوفيون وَالشَّافِعِيّ وَعَامة الْفُقَهَاء وَالْعبْرَة بالوصول فَإِن لم يصل فتنقض. الثَّالِث أَن قَول عَائِشَة تمتعت بِعُمْرَة يدل على أَنَّهَا كَانَت معتمرة أَولا. قَالَ النَّوَوِيّ فَإِن قلت أصح الرِّوَايَات عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت لَا نرى إِلَّا الْحَج وَلَا نذْكر إِلَّا الْحَج وَخَرجْنَا مهلين بِالْحَجِّ فَكيف الْجمع بَينهَا وَبَين مَا قَالَت تمتعت بِعُمْرَة قلت الْحَاصِل أَنَّهَا أَحرمت بِالْحَجِّ ثمَّ فسخته إِلَى الْعمرَة حِين أَمر النَّاس بِالْفَسْخِ فَلَمَّا حَاضَت وَتعذر عَلَيْهَا إتْمَام الْعمرَة أمرهَا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فأحرمت بِهِ فَصَارَت مدخلة الْحَج على الْعمرَة وقارنة لما ثَبت من قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " يكفك طوافك لحجك وعمرتك " وَمعنى امسكي من عمرتك لَيْسَ إبِْطَال لَهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَالْخُرُوج مِنْهَا بعد الْإِحْرَام بنية الْخُرُوج وَإِنَّمَا تخرج مِنْهَا بالتحلل بعد فراغها بل مَعْنَاهُ إمضي الْعَمَل فيهمَا وإتمام أفعالها وأعرضي عَنْهَا وَلَا يلْزم من نقض الرَّأْس والامتشاط إبِْطَال الْعمرَة لِأَنَّهَا جائزان عندنَا فِي الْإِحْرَام بِحَيْثُ لَا ينتف شعر الْكن يكره الامتشاط إِلَّا لعذر وتأولوا فعلهَا على أَنَّهَا كَانَت معذورة بِأَن كَانَ برأسها أَذَى وَقيل لَيْسَ المُرَاد -
بالامتشاط حَقِيقَته، بل تَسْرِيح الشّعْر بالأصابع للْغسْل لإحرامها بِالْحَجِّ، لَا سِيمَا إِن كَانَت لبدت رَأسهَا فَلَا يَصح غسلهَا إِلَّا بإيصال المَاء إِلَى جَمِيع شعرهَا، وَيلْزم مِنْهُ نقضه، فَإِن قلت: اذا كَانَت قارنة فَلم امرها بِالْعُمْرَةِ بعد الْفَرَاغ من الْحَج (قلت) مَعْنَاهُ أَرَادَت أَن يكون لَهَا عمْرَة مُنْفَرِدَة عَن الْحَج كَمَا حصل لسَائِر أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وغيرهن من الصَّحَابَة الَّذِي فسخوا الْحَج إِلَى الْعمرَة، وَأَتمُّوا الْعمرَة ثمَّ أَحْرمُوا بِالْحَجِّ، فَحصل لَهُم عمْرَة مُنْفَرِدَة وَحج مُنْفَرد فَلم يحصل لَهَا إلَاّ عمْرَة مندرجة فِي حجَّة الْقُرْآن فاعتمرت بعد ذَلِك مَكَان عمرتها الَّتِي كَانَت أَرَادَت أَولا حُصُولهَا مُنْفَرِدَة غير مندرجة، ومنعها الْحيض عَنهُ، وَإِنَّمَا فعلت كَذَلِك حرصاً على كَثْرَة الْعِبَادَات انْتهى. قلت: الْمَشْهُور الثَّابِت أَن عَائِشَة كَانَت مُنْفَرِدَة بِالْحَجِّ وَأَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أمرهَا برفض الْعمرَة، وَقَوْلها فِي الحَدِيث وأرجع بِحجَّة وَاحِدَة، دَلِيل وَاضح على ذَلِك، وَقَوْلها: ترجع صواحبي بِحَجّ وَعمرَة، وأرجع أَنا بِالْحَجِّ، صَرِيح فِي رفض الْعمرَة، إِذْ لَو دخل الْحَج على الْعمرَة لكَانَتْ هِيَ وَغَيرهَا سَوَاء، وَلما احْتَاجَت إِلَى عمْرَة أُخْرَى بعد الْعمرَة وَالْحج الَّذِي فعلتهما وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد عمرتها الْأَخِيرَة: (هَذِه مَكَان عمرتك) صَرِيح فِي أَنَّهَا خرجت من عمرتها الأولى ورفضتها إِذْ لَا تكون الثَّانِيَة مَكَان الأولى، وَالْأولَى مُنْفَرِدَة وَفِي بعض الرِّوَايَات هَذِه قَضَاء من عمرتك. فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) يَعْنِي قَوْله: ودعي الْعمرَة أمسكي عَن أفعالها، وأدخلي عَلَيْهَا الْحَج قلت: هَذَا خلاف حَقِيقَة قَوْله: دعِي الْعمرَة: بل حَقِيقَته أَنه أمرهَا برفض الْعمرَة بِالْحَجِّ، وَقَوْلها: انقضي رَأسك وامتشطي، يدل على ذَلِك، وَيدْفَع تَأْوِيل الْبَيْهَقِيّ بالإمساك عَن أَفعَال الْعمرَة، إِذا الْمحرم لَيْسَ لَهُ أَن يعفل ذَلِك. فَإِن قلت: قَالَ الشَّافِعِي: لَا يعرف فِي الشَّرْع رفض الْعمرَة بِالْحيضِ. قلت: قَالَ الْقَدُورِيّ فِي (التَّجْرِيد) مَا رفضتها بِالْحيضِ، لَكِن تَعَذَّرَتْ أفعالها، وَكَانَت ترفضها بِالْوُقُوفِ، فَأَمرهمْ بتعجيل الرَّفْض.
١٦ - (بابُ نَقْضِ المَرْأَةِ شَعْرَهَا عِنْدَ غُسَلِ المَحِيضِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نقض الْمَرْأَة شعر رَأسهَا، عِنْد غسل الْمَحِيض أَي: الْحيض، وَجَوَابه مُقَدّر أَي: هَل يجب أم لَا؟ وَظَاهر الحَدِيث الْوُجُوب، وَقد ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِي الْبَاب السَّابِق.
والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لِأَن النَّقْض والامتشاط من جنس وَاحِد وَحكم وَاحِد.
٣١٧ - حدّثنا عُبَيْدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ قالَ حدّثنا أبُو أسامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ خَرَجْنَا مُوافينَ لِهلالِ ذِي الحِجَّةِ فقالَ رسولُ اللَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ أحَبَّ أنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلُ فإنِّى لَوْلَا أنِّي أهْدَيْتُ لَاهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بُعُمْرَةٍ وَأَهْلُ بَعْضُهُمْ بِخحَجٍ وَكُنْتُ أَنَّا مِمَّنْ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ فأَدْرَكَنِي يَوْمَ عَرَفَةَ وَأَنا حائِضٌ فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَ دَعِي عُمْرَتَكِ وانْقُضَي رَأْسَكِ وامْتَشِطِي وَأْهِلِّى بِحَجٍ فَفَعَلْتُ حَتَّى كانَ لَيْلَةُ الخَصْبَةِ أرْسَلَ مَعِي أخِي عَبُدَ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي بَكْرً فَخَرَجَتْ إلىَ التَنْعِيمِ فَأَهَلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي قالَ هِشامٌ وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْىٌ وَلا صَوْمٌ وَلا صَدَقَةٌ.
مُطَابقَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: عبيد بن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْهَبَّاري، بِفَتْح الْهَاء وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء الْمُهْملَة. الْكُوفِي، وَيُقَال اسْمه عبيد الله مَاتَ سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة الْهَاشِمِي الْكُوفِي، مر فِي بَاب فضل من علم. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومدني.
ذكر بَقِيَّة الْكَلَام قَوْلهَا: (موافين لهِلَال ذِي الْحجَّة) أَي: مكملين ذِي الْقعدَة مُسْتَقْبلين لهلاله، وَقَالَ النَّوَوِيّ: أَي مقارنين لاستهلاله، وَكَانَ خُرُوجهمْ قبله لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَيُقَال موافين أَي: مشرفين يُقَال: أوفى على كَذَا أَي:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
اسْتَحْيَى فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ، أَوْ قَالَ: تَوَضَّئِي بِهَا، فَأَخَذْتُهَا، فَجَذَبْتُهَا، فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (بَابُ غُسْلِ الْمَحِيضِ) تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمُ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ صَفِيَّةَ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَتَوَضَّئِي ثَلَاثًا) يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ ثَلَاثًا بِتَوَضَّئِي أَيْ كَرِّرِي الْوُضُوءَ ثَلَاثًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَالَ وَيُؤَيِّدُهُ السِّيَاقُ الْمُتَقَدِّمُ، أَيْ قَالَ لَهَا ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَالَ) كَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ وَقَالَ بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ، وَالْأُولَى أَظْهَرُ، وَمَحَلُّ التَّرَدُّدِ فِي لَفْظِ بِهَا هَلْ هُوَ ثَابِتٌ أَمْ لَا، أَوِ التَّرَدُّدُ وَاقِعٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَفْظِ ثَلَاثًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٥ - بَاب امْتِشَاطِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنْ الْمَحِيضِ
٣١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ، فَفَعَلْتُ فَلَمَّا قَضَيْتُ الْحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ فَأَعْمَرَنِي مِنْ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي نَسَكْتُ قَوْلُهُ: (بَابُ امْتِشَاطِ الْمَرْأَةِ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) هوَ ابْنُ سَعْدٍ.
قَوْلُهُ: (انْقُضِي رَأْسَكِ) أَيْ حُلِّي ضَفْرَهُ (وَامْتَشِطِي) قِيلَ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى التَّرْجَمَةِ، قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، قَالُوا: لِأَنَّ أَمْرَهَا بِالِامْتِشَاطِ كَانَ لِلْإِهْلَالِ وَهِيَ حَائِضٌ لَا عِنْدَ غُسْلِهَا، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِهْلَالَ بِالْحَجِّ يَقْتَضِي الِاغْتِسَالَ ; لِأَنَّهُ مِنْ سُنَّةِ الْإِحْرَامِ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالِاغْتِسَالِ صَرِيحًا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ وَلَفْظُهُ: فَاغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي الْإِشَارَةِ إِلَى مَا تَضَمَّنَهُ بَعْضُ طُرُقِ الْحَدِيثِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا فِيمَا سَاقَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الدَّاوُدِيُّ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَا عِنْدَ غُسْلِهَا أَيْ مِنَ الْحَيْضِ وَلَمْ يُرِدْ نَفْيَ الِاغْتِسَالِ مُطْلَقًا، وَالْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ عَائِشَةَ إِنَّمَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا يَوْمَ النَّحْرِ فَلَمْ تَغْتَسِلْ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَّا لِلْإِحْرَامِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا حَاضَتْ بِسَرِفَ وَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غُسْلِ الْإِحْرَامِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ غُسْلَهَا إِذْ ذَاكَ كَانَ لِلْإِحْرَامِ اسْتُفِيدَ مَعْنَى التَّرْجَمَةِ مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ ; لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ لَهَا الِامْتِشَاطُ فِي غُسْلِ الْإِحْرَامِ وَهُوَ مَنْدُوبٌ كَانَ جَوَازُهُ لِغُسْلِ الْمَحِيضِ وَهُوَ وَاجِبٌ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (أَمَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) يَعْنِي ابْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَلَيْلَةُ الْحَصْبَةِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي نَزَلُوا فِيهَا فِي الْمُحَصَّبِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي نَزَلُوهُ بَعْدَ النَّفْرِ مِنْ مِنًى خَارِجَ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (الَّتِي نَسَكْتُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ النُّسُكِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ سَكَتُّ بِحَذْفِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ آخِرِهِ أَيْ عَنْهَا، وَالْقَابِسِيِّ بِمُعْجَمَةٍ وَالتَّخْفِيفِ، وَالضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ إِلَى عَائِشَةَ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِفَاتِ، وَفِي السِّيَاقِ الْتِفَاتٌ آخَرُ بَعْدَ الْتِفَاتٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِلْمُتَأَمِّلِ.
١٦ - بَاب نَقْضِ الْمَرْأَةِ شَعَرَهَا عِنْدَ غُسْلِ الْمَحِيضِ
٣١٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الكريم (أَوْ قَالَ): شكٌّ من عائشة (تَوَضَّئِي بِهَا) ولابن عساكر: «وقال» فزاد في هذه الرِّواية (١) كالرواية السَّابقة لفظة: «بها» أي: بالفرصة، قالت عائشة: (فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ) من التَّتبُّع وإزالة الرَّائحة الكريهة.
والمُطابَقة بين الحديث والتَّرجمة على رواية فتح غين «غَسل»، وتفسير المحيض باسم المكان ظاهرٌ، وعلى رواية ضمِّ الغين، والمحيض بمعنى «الحيض»، فالإضافة بمعنى اللَّام الاختصاصيَّة لأنَّه ذكر لها خاصَّةً هذا الغسل.
(١٥) (بابُ امْتِشَاطِ المَرْأَةِ) أي: تسريح شعر رأسها (٢) (عِنْدَ غُسْلِهَا) بفتح الغَيْن وضمِّها (مِنَ المَحِيضِ) أي: الحيض.
٣١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بن سعد بن إبراهيم ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، المدنيُّ نزيل بغداد قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (عَنْ عُرْوَةَ) ابن الزُّبير بن العوَّام (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: أَهْلَلْتُ) أي: أحرمت ورفعت صوتي بالتَّلبية (مَعَ رَسُولِ اللهِ) وللأَصيليِّ: «مع النَّبيِّ» (ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَسُقِ الهَدْيَ) بفتح الهاء وسكون الدَّال (٣) المُهمَلة وتخفيف الياء، أو بكسر المُهمَلة مع تشديد الياء، اسمٌ لِمَا يُهدَى بمكَّة من الأنعام، وفيه التفاتٌ من المتكلِّم إلى الغائب؛ لأنَّ الأصل أن
تقول: ممَّن تمتَّعت، لكن ذُكِّر باعتبار لفظ «مَنْ» (فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ) من حيضها (حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ) فيه دلالةٌ على أنَّ حيضها كان (١) ثلاثة أيَّام خاصَّةً لأنَّ دخوله ﵊ مكَّة كان في الخامس من ذي الحجَّة، فحاضت يومئذٍ فطَهُرَت يوم عرفة، ويدلُّ على أنَّها حاضت يومئذٍ قوله ﵊ في «بابكيف تهلُّ الحائض بالحجِّ والعمرة؟» [خ¦٣١٩]: «من أحرم بعمرةٍ … » الحديث (٢)، قالت: فحِضْتُ، ففيه دليلٌ على أنَّ حيضها كان يوم القدوم إلىمكَّة، قالت: فلم أَزَلْ حائضًا حتَّى كان يوم عرفة، قاله البدر (فَقَالَتْ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «قالت»: (يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ) وفي بعض النُّسخ: «هذا ليلة عرفة»، قال البدر: أي: هذا الوقت، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر والأَصيليِّ: «يوم عرفة» (٣) (وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ) أي: وأنا حائضٌ، وفيه تصريحٌ بما تضمَّنه التَّمتُّع لأنَّه إحرامٌ بعمرةٍ في أشهر الحجِّ ممَّن على مسافة القصر من الحرم، ثمَّ يحجُّ في (٤) سنته (فَقَالَ (٥) لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: انْقُضِيرَأْسَكِ) بضمِّ القاف، أي: حُلِّي شعرك (وَامْتَشِطِي وَأَمْسِكِي) بهمزة قطعٍ (عَنْ عُمْرَتِكِ) أي: اتركي العمل في العمرة وإتمامها، فليس المراد الخروج منها، فإنَّ الحجَّ والعمرة لا يُخرَج منهما إلَّابالتَّحلُّل، وحينئذٍ فتكون (٦) قارنةً، ويؤيِّده قوله ﵊: «يكفيك طوافك لحجِّك وعمرتك»، ولا يلزم من نقض الرَّأس والامتشاط إبطالها لجوازهما عندنا حال الإحرام، لكن يُكرَهان خوف نتف الشَّعر، وقد حملوا فعلها ذلك على أنَّه كان برأسها أذًى، وقِيلَ: المُراد: أبطلي عمرتك، ويؤيِّده قولها في العمرة: «وأرجع بحجَّةٍ واحدةٍ»، وقولها: «ترجع صواحبي بحجٍّ وعمرةٍ وأرجع أنا بالحجِّ»، وقوله ﵊: «هذه مكان عمرتك»، قالت عائشة:
(فَفَعَلْتُ) النَّقض والامتشاط والإمساك (١) (فَلَمَّا قَضَيْتُ) أي: أدَّيت (الحَجَّ) أي: بعد إحرامي به (أَمَرَ) ﷺ أخي (عَبْدَ الرَّحْمَنِ) بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ (لَيْلَةَ الحَصْبَةِ) بفتح الحاء وسكون الصَّاد المُهمَلتين (٢) وفتح المُوحَّدة، التي نزلوا فيها بالمُحَصَّب، موضعٌ بين مكَّة ومنى يبيتون فيه (٣) إذا نفروا من منى (٤) (فَأَعْمَرَنِي) أي: اعتمر بي (مِنَ التَّنْعِيمِ) موضعٌ على فرسخٍ من مكَّة، فيه مسجد عائشة (مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي نَسَكْتُ) مِنَ النُّسك، أي: التي أحرمت بها، وأردت أوَّلًا (٥) حصولها منفردةً غير مندرجةٍ ومنعني الحيض، وفي رواية أبي زيدٍ المروزيِّ: «التي سكتُّ» بلفظ التَّكلُّم من السُّكوت، أي: الَّتي تركت أعمالها وسكتُّ عنها، وللقابسيِّ: «شكت» بالشِّين المُعجَمة والتَّخفيف، والضَّمير فيه (٦) راجعٌ إلى عائشة على سبيل الالتفات مِنَ التَّكلُّم (٧) للغيبة، أوِ المعنى: شكَّت العمرة من الحيض، وإطلاق الشِّكاية عليها كنايةٌ عن اختلالها (٨) وعدم بقاء استقلالها، وإنَّما أمرها بالعمرة بعد الفراغ، وهي قد كانت حصلت لها مندرجةً مع الحجِّ لقصدها عمرةً منفردةً كما حصل لسائر أزواجه ﵊، حيث اعتمرْن بعد الفراغ من حجِّهن المُفرَد عمرةً منفردةً عن حجِّهنَّ حرصًا على كثرة العبادة.
وتمام مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الحجِّ» [خ¦١٥٥٦] بعون الله وقوَّته.
ورواته الخمسة ما بين بصريٍّ (٩) ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة.
(١٦) (بابُ) حكم (نَقْضِ المَرْأَةِ شَعَرَهَا) أي: شعر رأسها (عِنْدَ غُسْلِ المَحِيضِ) هل هو واجبٌ أم لا؟ ولابن عساكر: «باب من رأى نقض المرأة .... » إلى آخره.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
بَيَان استنباط الْأَحْكَام فِيهِ: اسْتِحْبَاب التَّطَيُّب للمغتسلة من الْحيض وَالنّفاس على جَمِيع الْمَوَاضِع الَّتِي أَصَابَهَا الدَّم من بدها قَالَ المحالي: لِأَنَّهُ أسْرع إِلَى الْعلُوق وأدفع للرائحة الكريهة، وَاخْتلف فِي وَقت اسْتِعْمَالهَا لذَلِك: فَقَالَ بَعضهم: بعد الْغسْل، وَقَالَ آخرونه قبله. وَفِيه: أَنه لَا عَار على من سَأَلَ عَن أَمر دينه. وَفِيه: اسْتِحْبَاب تطييب فرج الْمَرْأَة يَأْخُذ قِطْعَة من صوف وَنَحْوهَا، وَتجْعَل عَلَيْهَا مسكاً أَو نَحوه وَتدْخلهَا فِي فرجهَا بعد الْغسْل، وَالنُّفَسَاء مثلهَا. وَفِيه: التَّسْبِيح عِنْد التَّعَجُّب. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الْكِنَايَات بِمَا يتَعَلَّق بالعورات. وَفِيه: سُؤال الْمَرْأَة الْعَالم عَن أحوالها الَّتِي تحتشم مِنْهَا وَلِهَذَا قَالَت عَائِشَة فِي نسَاء الْأَنْصَار: (لم يمنعهن الحاير أَن يتفقهن فِي الدّين) وَفِيه الِاكْتِفَاء بالتعريض وَالْإِشَارَة فِي الْأُمُور المستهجنة. وَفِيه: تَكْرِير الْجَواب لإفهام السَّائِل. وَفِيه: تَفْسِير كَلَام الْعَالم بِحَضْرَتِهِ لمن خَفِي عَلَيْهِ إِذا عرف أَن ذَلِك يُعجبهُ. وَفِيه: أَن السَّائِل إِذا لم يفهم فهمه بعض من فِي مجْلِس الْعَالم والعالم يسمع، وَأَن ذَلِك سَماع من الْعَالم يجوز أَن يَقُول فِيهِ: حَدثنِي وَأَخْبرنِي. وَفِيه: الْأَخْذ عَن الْمَفْضُول مَعَ وجود الْفَاضِل وحضرته. وَفِيه: صِحَة الْعرض على الْمُحدث إِذا أقره، وَلَو لم يقل عَقِيبه نعم. وَفِيه: أَنه لَا يشْتَرط فهم السَّامع لجَمِيع مَا يسمعهُ. وَفِيه: الرِّفْق بالمتعلم وَإِقَامَة الغذر لمن لَا يفهم. وَفِيه: أَن الْمَرْء مَطْلُوب بستر عيوبه. وَفِيه: دلَالَة على حسن خلقه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام.
١٤ - (بابُ غُسْلِ المَحِيضِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْغسْل من الْحيض، وَغسل الْمَرْأَة من الْحيض كغسلها من الْجَنَابَة سَوَاء، غير أَنَّهَا تزيد على ذَلِك اسْتِعْمَال الطّيب، وَهَذَا الْبَاب فِي الْحَقِيقَة لَا فَائِدَة فِي ذكره، لِأَن الحَدِيث الَّذِي فِيهِ هُوَ الحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قبله، غير أَن ذَلِك عَن يحيى عَن ابْن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور، وَهَذَا عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن وهيب بن خَالِد عَن مَنْصُور.
٣١٥ - حدّثنا مُسْلِمٌ قالَ حدّثنا وُهَيْبٌ حدّثنا مَنْصُورٌ عَنْ أُمَّهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قالَتْ ل لنَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَيْفَ اغْتَسِلُ مِنَ المَحيضِ قالَ خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةٌ فَتَوَضَئِي ثَلَاثًا ثُمَّ أنَّ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْتَحْيَا فاعْرِضَ بِوَجْهِهِ أَو قالَ تَوَضَئِي بِهَا فَاخَذْتُهَا فَجَذِبْتَها فأخْبَرْتُها بِمَا يُرِيدُ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
(انْظُر الحَدِيث ٣١٤ وطرفه) [/ ح.
قيل: التَّرْجَمَة لغسل الْمَحِيض، والْحَدِيث لم يدل عَلَيْهَا فَلَا مُطَابقَة. قلت: إِن كَانَ لفظ الْغسْل فِي التَّرْجَمَة بِفَتْح الْغَيْن، والمحيض اسْم مَكَان، فَالْمَعْنى ظَاهر، وَإِن كَانَ بِضَم الْغَيْن والمحيض مصدر فالإضافة بِمَعْنى اللَّام الاختصاصية، فَلهَذَا ذكر خَاصَّة هَذَا الْغسْل وَمَا بِهِ يمتاز عَن سَائِر الِاغْتِسَال.
الْكَلَام فِيمَا يتَعَلَّق بِهِ قد مضى فِي الْبَاب الَّذِي قبله. قَوْله: (وتوضئي ثَلَاثًا) وَفِي بَعْضهَا: فتوضئي. قَوْله: (ثَلَاثًا) يتَعَلَّق: يُقَال، أَي: يُقَال ثَلَاث مَرَّات لَا تتوضئي، وَيحْتَمل تعلقه بقالت أَيْضا بِدَلِيل الحَدِيث الْمُتَقَدّم. قَوْله: (أَو قَالَ) شكّ من عَائِشَة، وَالْفرق بَين الرِّوَايَتَيْنِ زِيَادَة لَفظه بهَا يَعْنِي: تطهري بالفرصة، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر بِالْوَاو من غير شكّ. قَوْله: (مِمَّا يُرِيد) أَي: يتتبع أثر الدَّم وَإِزَالَة الرَّائِحَة الكريهة من الْفرج.
١٥ - (بابُ امْتِشاطِ المَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِها مِنَ المَحِيضِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان امتشاط الْمَرْأَة، وَهُوَ تَسْرِيح رَأسهَا عِنْد غسلهَا من الْمَحِيض أَي: الْحيض.
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي كل مِنْهُمَا مَا يشْعر بِزِيَادَة التَّنْظِيف والنقاء، وَلَا يحفى ذَلِك على المتأمل.
٣١٦ - حدّثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ قالَ حدّثنا إبْرَاهِيمُ قالَ حدّثنا ابْنُ شِهابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَن عائِشَةَ قالَتْ أهْلْلتُ مَعَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَسُقِ الهَدْيَ فَزَعَمَتْ أنَّها حاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ فقالَتْ يَا رسولَ اللَّهِ هاذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ وَإنَّما كُنْتُ تَمَتَّعْتُ فَقَالَ لَها رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي
وأَمْسِكِي عَنْ عَمْرتِكِ فَفَعَلْتُ فَلَمَّا قَضَيْتُ الحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمانِ لَيْلَةَ الحَصبةِ فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعيمِ مَكانَ عَمْرَتِي الَّتي نَسَكْتُ.
قَالَ الدَّاودِيّ وَمن تبعه لَيْسَ فِيهِ دَلِيل على التَّرْجَمَة لِأَن أمرهَا بالامتشاط كَانَ للإهلال وَهِي حَائِض، لَا عِنْد غسلهَا أجَاب الْكرْمَانِي عَن هَذَا بِأَن الْإِحْرَام بِالْحَجِّ يدل على غسل الْإِحْرَام لِأَنَّهُ سنة، وَلما سنّ الامتشاط عِنْد غسله فَعِنْدَ غسل الْحيض بِالطَّرِيقِ الأولى، لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ التَّنْظِيف، وَذَلِكَ عِنْد إِرَادَة إِزَالَة أثر الْحيض الَّذِي هُوَ نَجَاسَة غَلِيظَة أهم أَو لأنَّه إِذا سنّ فِي النَّفْل فَفِي الْفَرْض أولى، وَقيل: إِن الإهلال بِالْحَجِّ يَقْتَضِي الِاغْتِسَال صَرِيحًا فِي هَذِه الْقِصَّة، فِيمَا أخرجه مُسلم من طَرِيق ابْن الزبير عَن جَابر وَلَفظه: (فاغتسلي ثمَّ أَهلِي بِالْحَجِّ) وَقيل: جرت عَادَة البُخَارِيّ فِي كثير من التراجم أَنه يُشِير إِلَى مَا تضمنه بعض طرق الحَدِيث، وَإِن لم يكن مَنْصُوصا فِيمَا سَاقه كَمَا ذكرنَا فِي بَاب الْمَرْأَة نَفسهَا.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل النبوذكي. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْمدنِي نزيل بَغْدَاد. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع: وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومدنيين. وَفِيه: أَن إِبْرَاهِيم يروي عَن الزُّهْرِيّ بِلَا وَاسِطَة، وَرُوِيَ عَنهُ فِي بَاب تفاضل أهل الْإِيمَان بِوَاسِطَة، روى عَن صَالح عَن الزُّهْرِيّ.
ذكر مَعَانِيه قَوْلهَا: (أَهلَلْت) أَي: أَحرمت وَرفعت الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ، قَوْلهَا: (فِيمَن تمتّع) فِيهِ الْتِفَات من الْمُتَكَلّم إِلَى الْغَائِب لِأَن أَصله أَن يُقَال: تمتعت، وَلَكِن ذكر بِاعْتِبَار لفظ من قَوْلهَا: (الْهدى) بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الدَّال وبكسرها مَعَ تَشْدِيد الْبَاء، وَهُوَ اسْم لما يهدى إِلَى مَكَّة من الْأَنْعَام قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (وَلم يسق الْهدى) كالتأكيد لبَيَان التَّمَتُّع، إِذْ الْمُتَمَتّع لَا يكون مَعَه الْهَدْي. قلت: الْمُتَمَتّع على نَوْعَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه يَسُوق الْهَدْي مَعَه، وَالْآخر: لَا يَسُوق. وحكمهما مُخْتَلف كَمَا ذكر فِي فروع الْفِقْه قَوْلهَا: (فَزَعَمت) إِنَّمَا لم يقل، فَقَالَت: لِأَنَّهَا لم تَتَكَلَّم بِهِ صَرِيحًا إِذْ هُوَ مِمَّا يستحي فِي تصريحه، قَوْله: وَقَالَت: عطف على حَاضَت، ويروي، قَالَت، بِغَيْر عطف قَوْلهَا: (تمتعت بِعُمْرَة) تَصْرِيح بِمَا علم ضمنا إِذا التَّمَتُّع هُوَ أَن يحرم بِالْعُمْرَةِ فِي أشهر الْحجر من على مَسَافَة الْقصر من الْحرم، ثمَّ يحرم بِالْحَجِّ فِي سنة تِلْكَ الْعمرَة بِلَا عود إِلَى مِيقَات، وَبعد فَفِي هَذَا الْكَلَام مُقَدّر، تَقْدِيره، تمتعت بِعُمْرَة، وَأَنا حَائِض. قَوْله: (انْقَضى) بِضَم الْقَاف، وَفِي بعض الرِّوَايَات انفضى، بِالْفَاءِ، والمضاف مَحْذُوف أَي: شعر رَأسك، قَوْلهَا: (فَفعلت) أَي: فعلت النَّقْض والامتشاط والإمساك، وَهَاهُنَا، أَيْضا مُقَدّر، وَهُوَ فِي قَوْلهَا: (فَلَمَّا قضيت الْحَج) أَي: بعد إحرامي بِهِ، وقضيت، أَي: أدّيت قَوْلهَا: (أَمر عبد الرَّحْمَن) أَي امْر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عبد الرَّحْمَن بن ابي بكر قَوْلهَا (لَيْلَة الحصبة) ، بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ ثمَّ بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَهِي اللَّيْلَة الَّتِي نزلُوا فِيهَا فِي المحصب، وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي نزلوه بعد النَّفر من منى خَارج مَكَّة، وَهِي اللَّيْلَة الَّتِي بعد أَيَّام التَّشْرِيق سميت بذلك لأَنهم نفروا من منى، فنزلوا فِي المحصب وَبَاتُوا بِهِ، والحصبة والحصباء والأبطح والبطحاء والمحصب وَخيف بني كنَانَة يُرَاد بهَا مَوضِع وَاحِد، وَهُوَ بَين مَكَّة وَمنى، قَوْلهَا: (فأعمرني) ويروي (فاعتمرني) قَوْلهَا: (من التَّنْعِيم) ، وَهُوَ تفعيل من النِّعْمَة، وَهُوَ مَوضِع على فَرسَخ من مَكَّة على طَرِيق الْمَدِينَة، وَفِيه مَسْجِد عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَوْلهَا: (الَّتِي نسكت) من النّسك، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَمَعْنَاهُ: أَحرمت بهَا، أَو قصدت النّسك بهَا، وَفِي رِوَايَة أبي زيد الْمروزِي: (سكت) من السُّكُوت أَي: عمرتي الَّتِي تركت أَعمالهَا، وَسكت عَنْهَا وروى القايسي: (شكت) بالشين الْمُعْجَمَة. أَي: شكت الْعمرَة، من الْحيض وَإِطْلَاق الشكاية عَلَيْهَا كِنَايَة عَن إخلالها وَعدم بَقَاء استقلالها، وَيجوز أَن يكون الضَّمِير فِيهِ رَاجعا، إِلَى عَائِشَة، وَكَانَ حَقه التَّكَلُّم، وَذكره بِلَفْظ الْغَيْبَة التفاتاً.
ذكر استنباط الْأَحْكَام الأول: أَن ظَاهر هَذَا الحَدِيث أَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَحرمت بِعُمْرَة أَولا، وَهُوَ صَرِيح حَدِيثهَا الْآتِي فِي الْبَاب الَّذِي بعده، لَكِن قَوْلهَا فِي الحَدِيث الَّذِي مضى: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله
عَلَيْهِ وَسلم لَا نذْكر إِلَّا الْحَج " وَقد اخْتلفت الرِّوَايَات عَن عَائِشَة فِي مَا أَحرمت بِهِ اخْتِلَافا كثيرا كَمَا ذكره القَاضِي عِيَاض فَفِي رِوَايَة عُرْوَة " فأهلنا بِعُمْرَة " وَفِي رِوَايَة أُخْرَى " وَلم أهل إِلَّا بِعُمْرَة " وَفِي رِوَايَة " لَا نذْكر إِلَّا الْحَج " وَفِي أُخْرَى " لَا نرى إِلَّا الْحَج " وَفِي رِوَايَة الْقَاسِم عَنْهَا " لبينا بِالْحَجِّ " وَفِي أُخْرَى " مهلين بِالْحَجِّ " وَاخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك فَمنهمْ من رجح رِوَايَات الْحَج وَغلظ رِوَايَات الْعمرَة وَإِلَيْهِ ذهب إِسْمَاعِيل القَاضِي وَمِنْهُم من جمع لثقة رواتها لِأَنَّهَا أَحرمت أَولا بِالْحَجِّ وَلم تسق الْهَدْي فَلَمَّا أَمر الشَّارِع من لم يسق الْهَدْي بِفَسْخ الْحَج إِلَى الْعمرَة إِن شَاءَ فسخت هِيَ فِيمَن فسخ وَجَعَلته عمْرَة وأهلت بهَا ثمَّ إِنَّهَا لم تحل مِنْهَا حَتَّى حَاضَت فَتعذر عَلَيْهَا إِتْمَامهَا والتحلل مِنْهَا فَأمرهَا أَن تحرم بِالْحَجِّ فأحرمت فَصَارَت قارنة ووقفت وَهِي حَائِض ثمَّ طهرت يَوْم النَّحْر فأفاضت وَذكر ابْن حزم أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَيرهمْ بسرف بَين فَسخه إِلَى الْعمرَة والتمادي عَلَيْهِ وَأَنه بِمَكَّة أوجب عَلَيْهِم التَّحَلُّل إِلَّا من صَحَّ مَعَه الْهَدْي وَالصَّحِيح أَنَّهَا حَاضَت بسرف أَو قريب مِنْهَا فَلَمَّا قدم مَكَّة قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اجْعَلُوهَا عمْرَة. وَقَالَ أَبُو عمر الِاضْطِرَاب عَن عَائِشَة فِي حَدِيثهَا فِي الْحَج عَظِيم وَقد أَكثر الْعلمَاء فِي تَوْجِيه الرِّوَايَات فِيهِ وَدفع بَعضهم بَعْضهَا فِيهِ بِبَعْض وَلم يستطيعوا الْجمع بَينهَا ورام قوم الْجمع فِي بعض مَعَانِيهَا. روى مُحَمَّد بن عبيد عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن ابْن أبي مليكَة قَالَ أَلا تعجب من اخْتِلَاف عُرْوَة وَالقَاسِم قَالَ الْقَاسِم أهلت عَائِشَة بِالْحَجِّ وَقَالَ عُرْوَة أهلت بِالْعُمْرَةِ وَذكر الْحَارِث بن مِسْكين عَن يُوسُف بن عَمْرو عَن ابْن وهب عَن مَالك أَنه قَالَ لَيْسَ الْعَمَل فِي رفض الْعمرَة لِأَن الْعَمَل عَلَيْهِ عِنْده فِي أَشْيَاء كَثِيرَة. مِنْهَا أَنه جَائِز للْإنْسَان أَن يهل بِعُمْرَة. وَمِنْهَا أَن الْقَارِن يطوف وَاحِدًا أَو غير ذَلِك وَقَالَ ابْن حزم فِي الْمحلى حَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة مُنكر وَخطأ عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ ثمَّ روى بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَحْمد بن حَنْبَل فَذكر حَدِيث مَالك عَن أبي الْأسود عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة " خرجنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَام حجَّة الْوَدَاع " الحَدِيث فَقَالَ أَحْمد أشعر فِي هَذَا الحَدِيث من الْعجب خطأ قَالَ الْأَثْرَم فَقلت لَهُ الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة بِخِلَافِهِ قَالَ نعم وَهِشَام بن عُرْوَة وَفِي التَّمْهِيد دفع الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَابْن علية حَدِيث عُرْوَة هَذَا وَقَالُوا هُوَ غلط لم يُتَابع عُرْوَة على ذَلِك أحد من أَصْحَاب عَائِشَة وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن اسحق قد اجْتمع هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْقَاسِم وَالْأسود وَعمرَة على أَن أم الْمُؤمنِينَ كَانَت مُحرمَة بِحجَّة لَا بِعُمْرَة فَعلمنَا بذلك أَن الرِّوَايَة عَن عُرْوَة غلط الثَّانِي أَن ظَاهر قَوْلهَا يَا رَسُول الله هَذِه لَيْلَة عَرَفَة إِلَى آخِره يدل على أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أمرهَا برفض عمرتها وَأَن تخرج مِنْهَا قبل تَمامهَا وَفِي التَّوْضِيح وَبِه قَالَ الْكُوفِيُّونَ فِي الْمَرْأَة تحيض قبل الطّواف وتخشى فَوَات الْحَج أَنَّهَا ترفض الْعمرَة وَقَالَ الْجُمْهُور أَنَّهَا تردف الْحَج وَتَكون قارنة وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو ثَوْر وَحمله بعض الْمَالِكِيَّة على أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أمرهَا بالإرداف لَا بِنَقْض الْعمرَة وَاعْتَذَرُوا عَن هَذِه الْأَلْفَاظ بتأويلات. أَحدهَا أَنَّهَا كَانَت مضطرة إِلَى ذَلِك فَرخص لَهَا كَمَا رخص لكعب بن عجْرَة فِي الْحلق للأذى ثَانِيهَا أَنه خص بهَا. ثَالِثهَا أَن المُرَاد بِالنَّقْضِ والامتشاط تَسْرِيح الشّعْر لغسل الإهلال بِالْحَجِّ ولعلها كَانَت لبدت رَأسهَا وَلَا يتأنى إِيصَال المَاء إِلَى الْبشرَة مَعَ التلبيد إِلَّا بِحل الظفر والتسريح وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي نقض الْمَرْأَة شعرهَا عِنْد الِاغْتِسَال فَأمر بِهِ ابْن عمر وَالنَّخَعِيّ وَوَافَقَهُمَا طَاوُوس فِي الْحيض دون الْجَنَابَة وَلَا يتَبَيَّن بَينهمَا فرق وَلم توجبه عَلَيْهَا فِيهَا عَائِشَة وَأم سَلمَة وَابْن عمر وَجَابِر وَبِه قَالَ مَالك والكوفيون وَالشَّافِعِيّ وَعَامة الْفُقَهَاء وَالْعبْرَة بالوصول فَإِن لم يصل فتنقض. الثَّالِث أَن قَول عَائِشَة تمتعت بِعُمْرَة يدل على أَنَّهَا كَانَت معتمرة أَولا. قَالَ النَّوَوِيّ فَإِن قلت أصح الرِّوَايَات عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت لَا نرى إِلَّا الْحَج وَلَا نذْكر إِلَّا الْحَج وَخَرجْنَا مهلين بِالْحَجِّ فَكيف الْجمع بَينهَا وَبَين مَا قَالَت تمتعت بِعُمْرَة قلت الْحَاصِل أَنَّهَا أَحرمت بِالْحَجِّ ثمَّ فسخته إِلَى الْعمرَة حِين أَمر النَّاس بِالْفَسْخِ فَلَمَّا حَاضَت وَتعذر عَلَيْهَا إتْمَام الْعمرَة أمرهَا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فأحرمت بِهِ فَصَارَت مدخلة الْحَج على الْعمرَة وقارنة لما ثَبت من قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " يكفك طوافك لحجك وعمرتك " وَمعنى امسكي من عمرتك لَيْسَ إبِْطَال لَهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَالْخُرُوج مِنْهَا بعد الْإِحْرَام بنية الْخُرُوج وَإِنَّمَا تخرج مِنْهَا بالتحلل بعد فراغها بل مَعْنَاهُ إمضي الْعَمَل فيهمَا وإتمام أفعالها وأعرضي عَنْهَا وَلَا يلْزم من نقض الرَّأْس والامتشاط إبِْطَال الْعمرَة لِأَنَّهَا جائزان عندنَا فِي الْإِحْرَام بِحَيْثُ لَا ينتف شعر الْكن يكره الامتشاط إِلَّا لعذر وتأولوا فعلهَا على أَنَّهَا كَانَت معذورة بِأَن كَانَ برأسها أَذَى وَقيل لَيْسَ المُرَاد -
بالامتشاط حَقِيقَته، بل تَسْرِيح الشّعْر بالأصابع للْغسْل لإحرامها بِالْحَجِّ، لَا سِيمَا إِن كَانَت لبدت رَأسهَا فَلَا يَصح غسلهَا إِلَّا بإيصال المَاء إِلَى جَمِيع شعرهَا، وَيلْزم مِنْهُ نقضه، فَإِن قلت: اذا كَانَت قارنة فَلم امرها بِالْعُمْرَةِ بعد الْفَرَاغ من الْحَج (قلت) مَعْنَاهُ أَرَادَت أَن يكون لَهَا عمْرَة مُنْفَرِدَة عَن الْحَج كَمَا حصل لسَائِر أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وغيرهن من الصَّحَابَة الَّذِي فسخوا الْحَج إِلَى الْعمرَة، وَأَتمُّوا الْعمرَة ثمَّ أَحْرمُوا بِالْحَجِّ، فَحصل لَهُم عمْرَة مُنْفَرِدَة وَحج مُنْفَرد فَلم يحصل لَهَا إلَاّ عمْرَة مندرجة فِي حجَّة الْقُرْآن فاعتمرت بعد ذَلِك مَكَان عمرتها الَّتِي كَانَت أَرَادَت أَولا حُصُولهَا مُنْفَرِدَة غير مندرجة، ومنعها الْحيض عَنهُ، وَإِنَّمَا فعلت كَذَلِك حرصاً على كَثْرَة الْعِبَادَات انْتهى. قلت: الْمَشْهُور الثَّابِت أَن عَائِشَة كَانَت مُنْفَرِدَة بِالْحَجِّ وَأَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أمرهَا برفض الْعمرَة، وَقَوْلها فِي الحَدِيث وأرجع بِحجَّة وَاحِدَة، دَلِيل وَاضح على ذَلِك، وَقَوْلها: ترجع صواحبي بِحَجّ وَعمرَة، وأرجع أَنا بِالْحَجِّ، صَرِيح فِي رفض الْعمرَة، إِذْ لَو دخل الْحَج على الْعمرَة لكَانَتْ هِيَ وَغَيرهَا سَوَاء، وَلما احْتَاجَت إِلَى عمْرَة أُخْرَى بعد الْعمرَة وَالْحج الَّذِي فعلتهما وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد عمرتها الْأَخِيرَة: (هَذِه مَكَان عمرتك) صَرِيح فِي أَنَّهَا خرجت من عمرتها الأولى ورفضتها إِذْ لَا تكون الثَّانِيَة مَكَان الأولى، وَالْأولَى مُنْفَرِدَة وَفِي بعض الرِّوَايَات هَذِه قَضَاء من عمرتك. فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) يَعْنِي قَوْله: ودعي الْعمرَة أمسكي عَن أفعالها، وأدخلي عَلَيْهَا الْحَج قلت: هَذَا خلاف حَقِيقَة قَوْله: دعِي الْعمرَة: بل حَقِيقَته أَنه أمرهَا برفض الْعمرَة بِالْحَجِّ، وَقَوْلها: انقضي رَأسك وامتشطي، يدل على ذَلِك، وَيدْفَع تَأْوِيل الْبَيْهَقِيّ بالإمساك عَن أَفعَال الْعمرَة، إِذا الْمحرم لَيْسَ لَهُ أَن يعفل ذَلِك. فَإِن قلت: قَالَ الشَّافِعِي: لَا يعرف فِي الشَّرْع رفض الْعمرَة بِالْحيضِ. قلت: قَالَ الْقَدُورِيّ فِي (التَّجْرِيد) مَا رفضتها بِالْحيضِ، لَكِن تَعَذَّرَتْ أفعالها، وَكَانَت ترفضها بِالْوُقُوفِ، فَأَمرهمْ بتعجيل الرَّفْض.
١٦ - (بابُ نَقْضِ المَرْأَةِ شَعْرَهَا عِنْدَ غُسَلِ المَحِيضِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نقض الْمَرْأَة شعر رَأسهَا، عِنْد غسل الْمَحِيض أَي: الْحيض، وَجَوَابه مُقَدّر أَي: هَل يجب أم لَا؟ وَظَاهر الحَدِيث الْوُجُوب، وَقد ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِي الْبَاب السَّابِق.
والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لِأَن النَّقْض والامتشاط من جنس وَاحِد وَحكم وَاحِد.
٣١٧ - حدّثنا عُبَيْدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ قالَ حدّثنا أبُو أسامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ خَرَجْنَا مُوافينَ لِهلالِ ذِي الحِجَّةِ فقالَ رسولُ اللَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ أحَبَّ أنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلُ فإنِّى لَوْلَا أنِّي أهْدَيْتُ لَاهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بُعُمْرَةٍ وَأَهْلُ بَعْضُهُمْ بِخحَجٍ وَكُنْتُ أَنَّا مِمَّنْ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ فأَدْرَكَنِي يَوْمَ عَرَفَةَ وَأَنا حائِضٌ فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَ دَعِي عُمْرَتَكِ وانْقُضَي رَأْسَكِ وامْتَشِطِي وَأْهِلِّى بِحَجٍ فَفَعَلْتُ حَتَّى كانَ لَيْلَةُ الخَصْبَةِ أرْسَلَ مَعِي أخِي عَبُدَ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي بَكْرً فَخَرَجَتْ إلىَ التَنْعِيمِ فَأَهَلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي قالَ هِشامٌ وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْىٌ وَلا صَوْمٌ وَلا صَدَقَةٌ.
مُطَابقَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: عبيد بن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْهَبَّاري، بِفَتْح الْهَاء وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء الْمُهْملَة. الْكُوفِي، وَيُقَال اسْمه عبيد الله مَاتَ سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة الْهَاشِمِي الْكُوفِي، مر فِي بَاب فضل من علم. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومدني.
ذكر بَقِيَّة الْكَلَام قَوْلهَا: (موافين لهِلَال ذِي الْحجَّة) أَي: مكملين ذِي الْقعدَة مُسْتَقْبلين لهلاله، وَقَالَ النَّوَوِيّ: أَي مقارنين لاستهلاله، وَكَانَ خُرُوجهمْ قبله لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَيُقَال موافين أَي: مشرفين يُقَال: أوفى على كَذَا أَي: