(م) - وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٩٣

الحديث رقم ٣٩٣ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل استقبال القبلة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: (م) - وقال علي بن عبد الله : حدثنا خالد بن…

(م) - وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ قَالَ: «سَأَلَ مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ: أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا يُحَرِّمُ دَمَ الْعَبْدِ وَمَالَهُ؟ فَقَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلَاتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَهُوَ الْمُسْلِمُ لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ، وَعَلَيْهِ

⦗٨٨⦘

مَا عَلَى الْمُسْلِمِ».

سند حديث: ٣٩٣ - قَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ…

٣٩٣ - قَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى : حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ : حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ .

٣٩٣

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: (م) - وقال علي بن عبد الله : حدثنا خالد بن…

وُجِد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم جاريةٌ قد دُقَّ رأسها بين حَجَرين و بها بقية من حياة، فسألوها عن قاتلها يُعدِّدون عليها من يظنون أنهم قتلوها، حتى أتَوا على اسم يهودي فأومأت برأسها أي نعم، هو الذي رضَّ رأسها، فصار متهماً بقتلها، فأخذوه وقرروه حتى اعترف بقتلها، من أجل حُلي فضة عليها فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُجازَى بمثل ما فعل، فرُضَّ رأسه بين حجرين.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • أن الرجل يُقتَل بالمرأة.
  • القاتلُ يُقتَل بمثلِ ما قَتَلَ به، إلا في المحرم كالتحريق والقتل بفعل الفاحشة.
  • قبول قول الْمَجْنِي عليه في اتهام أحد فيقرر ويحبس حتى يقر.
  • قتل الذِّمي بالمسلم.
  • يشهد لهذا الحديث قوله -تعالى-: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ).
  • ثبوت القصاص في القتل بالمثقل، كالحجر، وأنه لا يختص بالمحدد، كالسيف، وهو مذهب الجمهور.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: (م) - وقال علي بن عبد الله : حدثنا خالد بن…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٣٩٣ - (وقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد بن الحكم المصريُّ: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى) وللأربعة: «يحيى بن أيُّوب الغافقيُّ» قال (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل، ولابن عساكر: «وقال محمَّدٌ» أي: المؤلِّف: «قال ابن أبي مريم: حدَّثني» بالإفراد «حُمَيْدٌ» (١) قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) (عَنِ النَّبِيِّ ) وقد وصله محمَّد بن نصرٍ وابن منده في «الإيمان» من طريق ابن أبي مريم، وقد ذكره المؤلِّف استشهادًا وتقويةً (٢)، وإِلَّا فيحيى بن أيُّوب مطعونٌ فيه، قال أحمد: سيِّئ الحفظ. (وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أي: المدينيُّ: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) الجُهيميُّ (٣) البصريُّ (٤) (قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (قَالَ: سَأَلَ مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ) بكسر السِّين المُهمَلة آخره هاءٌ (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: «فقال» وسقطت هذه الكلمة بالكليَّة عند الأَصيليِّ (يَا أَبَا حَمْزَةَ) بالحاء والزَّاي، كنية أنسٍ (ومَا يُحَرِّمُ) بواو العطف على معطوفٍ محذوفٍ، كأنَّه سأل عن شيْءٍ مثل هذا وغير هذا (٥)، وقول ابن حجرٍ: أو الواو استئنافيَّةٌ. تعقَّبه العينيُّ بأنَّ الاستئنافَ كلامٌ مُبتدَأٌ، وحينئذٍ لا يبقى مقولٌ لـ «قال» فيحتاج إلى تقديرٍ، وفي رواية كريمة والأَصيليِّ: «ما يحرِّم» (دَمَ العَبْدِ وَمَالَهُ؟ فَقَالَ) أنسٌ: (مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلَاتَنَا (٦)، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ

المُسْلِمُ، لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ) من النَّفع (وَعَلَيْهِ مَا عَلَى المُسْلِمِ) من المضرَّة.

ووجه مطابقة جواب أنسٍ للسُّؤال عن سبب التَّحريم أنَّه يتضمَّنه لأنَّه لمَّا ذكر الشَّهادة وما عُطِف عليها علِم أنَّ الَّذي يفعل هذا هو المسلم، والمسلم يحرم دمه وماله إِلَّا بحقِّه، فهو مطابقٌ له وزيادة.

(٢٩) (بابُ) حكم (قِبْلَةِ أَهْلِ المَدِينَةِ وَأَهْلِ الشَّأمِ وَ) قبلة أهل (١) (المَشْرِقِ) أي: وأهل المغرب في (٢) استقبالها واستدبارها المنهيِّ عنه، و «أهلِ» بالجرِّ، عطفًا على المضاف إليه، و «المشرِق» عطفًا على المجرور قبله، والمراد بـ «المشرِق»: مشرق الأرض كلِّها، المدينة والشَّام وغيرهما، ولم يذكر المؤلِّف المغرب -مع أنَّ العلَّة فيهما مشتركةٌ- اكتفاءً بذلك عنه كما في: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وخصَّ المشرق بالذِّكر لأنَّ أكثر بلاد الإسلام في جهته، ولمَّا ذكر المؤلِّف ذلك كأنَّ سائلًا سأله فقال (٣): كيف قبلة هذه المواضع؟ فقال: (لَيْسَ فِي المَشْرِقِ وَلَا فِي المَغْرِبِ قِبْلَةٌ) أي: ليس في التَّشريق والتَّغريب في المدينة والشَّام ومَن يلحق بهم ممَّن هو على سَمْتهم قبلةٌ، فأطلق المشرق والمغرب على التَّشريق والتَّغريب، والجملة استئنافيَّةٌ من تفقُّه المؤلِّف، جوابٌ عن سؤالٍ مقدَّر كما مرَّ، وفي رواية الأربعة بإسقاط: «قبلةٌ» هذه،

وحينئذٍ يتعيَّن تنوين بابٍ، بتقدير: هذا بابٌ، ورفع «قبلة أهل المدينة» على الابتداء، وجرُّ «أهل» عطفًا على المضاف إليه، وكذا «المشرق» و «المغرب» عطفًا على المجرور، وخبر المبتدأ قوله: «ليس في المشرق»، لكن بتأويل «قبلة» بلفظِ مُستقبَلٍ لأنَّ التَّطابق في التَّذكير والتَّأنيث بين المبتدأ والخبر واجبٌ، والمشرقِ بالتَّشريق والمغرب بالتَّغريب، أي: هذا بابٌ -بالتَّنوين- مُستقبَل (١) أهل المدينة وأهل الشَّام ليس في التَّشريق ولا في التَّغريب منه (٢)، وقد سقطت التَّاء من «ليس»، فلا تطابق بينه وبين قبلةٍ، فلذا أُوِّل بمُستقبَل ليتطابقا تذكيرًا، وحكى الزَّركشيُّ ضمَّ قاف «مشرقٍ» للأكثرين عن عياضٍ، عطفًا على باب، أي: وباب حكم المشرق، ثمَّ حذف من الثَّاني «باب» و «حكم»، وأُقِيم المشرق مقام الأوَّل، وصوَّبه الزَّركشيُّ لِمَا في الكسر من إشكالٍ وهو إثبات قبلةٍ لهم، أي: لأهل المشرق، وتعقَّبه الدَّمامينيُّ فقال: إثبات قبلةٍ لأهل المشرق في الجملة لا إشكال فيه لأنَّهم لا بدَّ لهم أن يصلُّوا إلى الكعبة، فلهم قبلةٌ يستقبلونها قطعًا، إنَّما الإشكال لو جُعِل المشرق نفسه قبلةً مع استدبار الكعبة، وليس في جرِّ المشرق ما يقتضي أن يكون المشرق (٣) نفسه قبلةً، وكيف يُتوهَّم هذا والمؤلِّف قد ألصق بهذا الكلام قوله: ليس في المشرق ولا في المغرب قبلةٌ، ثمَّ إنَّ ما وُجِّه به الرَّفع يمكن أن يُوجَّه به الكسر، وذلك بأن يكون المشرق معطوفًا على ما أُضيف إليه الباب، وهو «قبلةٌ» لا على المدينة ولا على الشَّام، فكأنَّه قال: باب حكم قبلة أهل المدينة وحكم المشرق، ولا إشكال البتَّة. انتهى. ومراده بالمشرق والمغرب -كما مرَّ- اللَّذان (٤) من ناحية المدينة والشَّام بخلاف مشرق مكّة ومغربها، وكلِّ البلاد الَّتي تحت الخطِّ المارِّ عليها من مشرقها إلى مغربها، فإنَّها

مخالفةُ المشرقِ والمغربِ للمدينة والشَّام، وما كان من (١) جهتهما في حكم اجتناب الاستقبال والاستدبار بالتَّشريق والتَّغريب، فإنَّ أولئك إذا شرَّقوا أو غرَّبوا لا يكونون مستقبلي الكعبة ولا مستدبريها، ومشرق مكَّة ومغربها وما بينهما متى شرَّقوا استدبروا الكعبة (٢)، أو غرَّبوا استقبلوها، فينحرفون (٣) حينئذٍ للجنوب أو الشَّمال، وهو معنى قول المؤلِّف: (لَيْسَ (٤) فِي المَشْرِقِ وَلَا فِي المَغْرِبِ قِبْلَةٌ) (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ) فيما وصله النَّسائيُّ، والمؤلِّف في الباب غيره: (لَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا) ظاهره التَّسوية بين الصَّحارى والأبنية، فيكون مطابقًا للتَّرجمة، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في روايةٍ عنه، وقال مالك والشَّافعيُّ: يحرم في الصَّحراء لا في البنيان لحديث الباب، ولأنَّه قضى حاجته في بيت حفصة مستقبل الشَّام مستدبر الكعبة، فجمع الشَّافعيُّ بينهما بحمل حديث الباب المفيد (٥) للتَّحريم على الصَّحراء لأنَّها لسعتها لا يشقُّ فيها اجتناب الاستقبال والاستدبار، بخلاف البنيان فقد يشقُّ فيه اجتناب ذلك، فيجوز فعله كما فعله لبيان الجواز، وإن كان الأَوْلى لنا تركُه، وتقدَّم مزيدٌ لذلك في «كتاب الوضوء» [خ¦١٤٤].

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ابْن أبي عَيَّاش قَالَ " شَكَوْنَا إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْإِدْغَام والاعتماد فِي الصَّلَاة فَرخص لَهُم أَن يَسْتَعِين الرجل بمرفقيه على رُكْبَتَيْهِ أَو فَخذيهِ " وَعند التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة " أَنه اشْتَكَى أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مشقة السُّجُود عَلَيْهِم فَقَالَ اسْتَعِينُوا بالركب " وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا وَلَفظه " اشْتَكَى أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مشقة السُّجُود عَلَيْهِم إِذا انفرجوا فَقَالَ اسْتَعِينُوا بالركب وَفِي المُصَنّف حَدثنَا يزِيد بن هَارُون عَن ابْن عون قَالَ " قلت لمُحَمد الرجل يسْجد إِذا اعْتمد بمرفقيه على رُكْبَتَيْهِ قَالَ مَا أعلم بِهِ بَأْسا حَدثنَا عَاصِم عَن ابْن جريج عَن نَافِع قَالَ كَانَ ابْن عمر يضم يَدَيْهِ إِلَى جَنْبَيْهِ إِذا سجد حَدثنَا ابْن نمير حَدثنَا الْأَعْمَش عَن حبيب قَالَ " سَأَلَ رجل ابْن عمر أَضَع مرفقي على فَخذي إِذا سجدت فَقَالَ اسجد كَيفَ تيَسّر عَلَيْك " حَدثنَا وَكِيع عَن أَبِيه عَن أَشْعَث بن أبي الشعْثَاء عَن قيس بن السكن قَالَ كل ذَلِك قد كَانُوا يَفْعَلُونَ ويضمون ويتجافون كَانَ بَعضهم يضم وَبَعْضهمْ يتجافى. وَفِي الْأُم للشَّافِعِيّ يسن للرجل أَن يُجَافِي مرفقيه عَن جَنْبَيْهِ وَيرْفَع بَطْنه عَن فَخذيهِ وتضم الْمَرْأَة بَعْضهَا إِلَى بعض وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَحكم الْفَرَائِض والنوافل فِي هَذَا سَوَاء

(وَقَالَ اللَّيْث حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة نَحوه) هَذَا التَّعْلِيق أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه فَقَالَ حَدثنَا عَمْرو بن سَواد عَن ابْن وهب عَن عَمْرو بن الْحَارِث وَاللَّيْث بن سعد كِلَاهُمَا عَن جَعْفَر بن ربيعَة وَفِي رِوَايَة عَمْرو بن الْحَارِث " إِذا سجد يجنح فِي سُجُوده حَتَّى يرى وضح إبطَيْهِ " وَفِي رِوَايَة اللَّيْث " كَانَ إِذا سجد فرج يَدَيْهِ عَن إبطَيْهِ حَتَّى أَنِّي لأرى بَيَاض إبطَيْهِ " وَقَالَ الْكرْمَانِي وَقَالَ اللَّيْث عطف على بكر أَي حَدثنَا يحيى قَالَ اللَّيْث حَدثنِي جَعْفَر بِلَفْظ التحديث وَمَا روى بكر عَنهُ بطرِيق العنعنة

٨٢ - (بابُ فَضْلِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ)

لما فرغ من بَيَان أَحْكَام ستر الْعَوْرَة بأنواعها شرع فِي بَيَان اسْتِقْبَال الْقبْلَة على التَّرْتِيب، لِأَن الَّذِي يُرِيد الشُّرُوع فِي الصَّلَاة يحْتَاج أَولا إِلَى ستر الْعَوْرَة، ثمَّ إِلَى اسْتِقْبَال الْقبْلَة، وَذكر مَا يتبعهَا من أَحْكَام الْمَسَاجِد.

يَسْتَقْبِلُ بِأطْرَافِ رِجْلَيْهِ قالَهُ أبُو حُمَيْدٍ عنِ النبيِّ.

٠ - أَي: يسْتَقْبل الْمُصَلِّي برؤوس أَصَابِع رجلَيْهِ نَحْو الْقبْلَة، هَذَا تَعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث طَوِيل فِي صفة الصَّلَاة، رَوَاهُ أَبُو حميد عَن النَّبِي، وخرجه البُخَارِيّ مُسْندًا فِيمَا بعد فِي بَاب سنة الْجُلُوس فِي التَّشَهُّد، وَجعل هَذِه الْقطعَة تَرْجَمَة لباب آخر فِيمَا بعد، حَيْثُ قَالَ: بَاب يسْتَقْبل الْقبْلَة بأطراف رجلَيْهِ، قَالَ أَبُو حميد عَن النَّبِي، وَاسم أبي حميد: عبد الرَّحْمَن بن سعد السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، قيل: اسْمه الْمُنْذر، غلبت عَلَيْهِ كنيته، مَاتَ فِي آخر زمن مُعَاوِيَة.

فَإِن قلت: مَا مُطَابقَة هَذِه الْقطعَة للتَّرْجَمَة؟ قلت: إِذا عرف فرض الِاسْتِقْبَال وَعرف فَضله عرفت الْمُطَابقَة؛ أما فَرْضه فَهُوَ توجه الْمُصَلِّي بكليته إِلَى الْقبْلَة، وَأما فَضله فَهُوَ استقباله بِجَمِيعِ مَا يُمكن من أَعْضَائِهِ حَتَّى بأطراف أَصَابِع رجلَيْهِ فِي التَّشَهُّد، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ النَّسَائِيّ، فَقَالَ: الِاسْتِقْبَال بأطراف أَصَابِع الْقدَم الْقبْلَة عِنْد الْقعُود للتَّشَهُّد، ثمَّ روى حَدِيث عبد ابْن عمر رَضِي اتعالى عَنْهُمَا، قَالَ: من سنة الصَّلَاة أَن تنصب الْقدَم الْيُمْنَى، واستقباله بأصابعها الْقبْلَة وَالْجُلُوس على الْيُسْرَى. وَقَالَ بَعضهم: أَرَادَ بِذكرِهِ بَيَان مَشْرُوعِيَّة الِاسْتِقْبَال بِجَمِيعِ مَا يُمكن من الْأَعْضَاء. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، لِأَن التَّرْجَمَة فِي فضل الِاسْتِقْبَال لَا فِي مشروعيته، على مَا لَا يخفى.

١٩٣٧٥ - ح دّثنا عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ قَالَ حدّثنا ابنُ مَهْدِيَ قَالَ حدّثنا مَنْصُورُ بنُ سَعْدٍ عنْ مَيْمُونِ بنِ سِيَاهٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ قَالَ قَالَ رسولُ اللَّهِ (مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا واسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وأكَلَ ذَبيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وذِمَّةُ رَسُولِهِ فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ) . (الحَدِيث ١٩٣ طرفاه فِي: ٢٩٣، ٣٩٣) .

مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (واستقبل قبلتنا) ، بَيَانه أَنه أفرد بِذكر اسْتِقْبَال الْقبْلَة بعد قَوْله: (من صلى

صَلَاتنَا) مَعَ كَونه دَاخِلا فِيهَا، لِأَنَّهُ من شرائطها، وَذَلِكَ للتّنْبِيه على تَعْظِيم شَأْن الْقبْلَة وَعظم فضل استقبالها، وَهُوَ غير مقتصر على حَالَة الصَّلَاة، بل أَعم من ذَلِك على مَا لَا يخفى.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عَمْرو، بِالْوَاو: ابْن عَبَّاس، بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: أَبُو عُثْمَان الْأَهْوَازِي الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الرَّحْمَن بن مهْدي بن حسان أَبُو سعيد الْبَصْرِيّ اللؤْلُؤِي. الثَّالِث: مَنْصُور بن سعد، وَهُوَ صَاحب اللؤْلُؤِي الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: مَيْمُون بن سياه، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف هَاء، وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ، وَمَعْنَاهُ: الْأسود، وَيجوز فِيهِ الصّرْف وَمنعه، أما مَنعه فللعلمية والعجمة، وَأما صرفه فلعدم شَرط الْمَنْع، وَهُوَ أَن يكون علما فِي الْعَجم. وَلَفظ: سياه، لَيْسَ بِعلم فِي الْعَجم، فَلذَلِك يكون صرفه أولى. وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ فَارسي، وَقيل: عَرَبِيّ. قلت: قَوْله: وَقيل عَرَبِيّ، غير صَحِيح لعدم تصرف وُجُوه الِاشْتِقَاق فِيهِ. الْخَامِس: أنس بن مَالك.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون.

ذكر من أخرجه غَيره أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان عَن حَفْص بن عمر عَن عبد الرَّحْمَن بِهِ.

ذكر لغاته وَمَعْنَاهُ وَإِعْرَابه. قَوْله: (من صلى صَلَاتنَا) أَي: صلى كَمَا نصلي، وَلَا يُوجد إلَاّ من معترف بِالتَّوْحِيدِ والنبوة، وَمن اعْترف بنبوة مُحَمَّد فقد اعْترف بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ عَن اتعالى، فَلهَذَا جعل الصَّلَاة علما لإسلامه، وَلم يذكر الشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا داخلتان فِي الصَّلَاة، وَإِنَّمَا ذكر اسْتِقْبَال الْقبْلَة وَالصَّلَاة متضمنة لَهُ مَشْرُوطَة بِهِ، لِأَن الْقبْلَة أعرف من الصَّلَاة، فَإِن كل أحد يعرف قبلته وَإِن كَانَ لَا يعرف صلَاته، وَلِأَن من أَعمال صَلَاتنَا مَا هُوَ يُوجد فِي صَلَاة غَيرنَا: كالقيام وَالْقِرَاءَة، واستقبال قبلتنا مَخْصُوص بِنَا، ثمَّ لما ذكر من الْعِبَادَات مَا يُمَيّز الْمُسلم من غَيره أعقبه بِذكر مَا يميزه عَادَة وَعبادَة: فَقَالَ: (وَأكل ذبيحتنا) ، فَإِن التَّوَقُّف عَن أكل الذَّبَائِح كَمَا هُوَ من الْعَادَات، فَكَذَلِك هُوَ من الْعِبَادَات الثَّابِتَة فِي كل مِلَّة. قَالَ الطَّيِّبِيّ: وَأَقُول، وَا أعلم، إِذا أجري الْكَلَام على الْيَهُود سهل تعَاطِي عطف الِاسْتِقْبَال على الصَّلَاة بعد الدُّخُول فِيهَا، ويعضده اخْتِصَاص ذكر الذَّبِيحَة، لِأَن الْيَهُود خُصُوصا يمتنعون من أكل ذبيحتنا، وهم الَّذين حِين تحولت الْقبْلَة شنعوا بقَوْلهمْ: {مَا ولاهم عَن قبلتهم الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} (الْبَقَرَة: ٢٤١) أَي: صلوا صَلَاتنَا وَتركُوا الْمُنَازعَة فِي أَمر الْقبْلَة والامتناع عَن أكل الذَّبِيحَة، لِأَنَّهُ من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام، فَلَمَّا ذكر الصَّلَاة عطف مَا كَانَ الْكَلَام فِيهِ وَمَا هُوَ مهتم بِشَأْنِهِ عَلَيْهَا، كَمَا أَنه يجب عَلَيْهِم أَيْضا عِنْد الدُّخُول فِي الْإِسْلَام أَن يقرُّوا بِبُطْلَان مَا يخالفون بِهِ الْمُسلمين فِي الِاعْتِقَاد بعد إقرارهم بِالشَّهَادَتَيْنِ.

قَوْله: (صَلَاتنَا) ، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض، وَهُوَ فِي نفس الْأَمر صفة لمصدر مَحْذُوف أَي: من صلى صَلَاة كصلاتنا، كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (فَذَلِك الْمُسلم) ، جَوَاب الشَّرْط، وَذَلِكَ، مُبْتَدأ وَخَبره: الْمُسلم، وَقَوله: (الَّذِي) صفته، وَقَوله: (ذمَّة ا) ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ وَخَبره. هُوَ قَوْله: لَهُ، وَالْجُمْلَة صلَة الْمَوْصُول. قَوْله: (ذمَّة ا) ، الذِّمَّة: الْأمان والعهد، وَمَعْنَاهُ فِي أَمَان اوضمانه، وَيجوز أَن يُرَاد بهَا الذمام وَهُوَ الْحُرْمَة. وَيُقَال: الذِّمَّة الْحُرْمَة أَيْضا. قَالَ الْقَزاز: الذمام كل حُرْمَة تلزمك مِنْهَا مذمة، تَقول: ألزمني لفُلَان ذمام وَذمَّة ومذمة، هَذَا بِكَسْر الذَّال، وَكَذَا لزمتني لَهُ ذمَامَة، مَفْتُوح الأول. وَفِي (الْمُحكم) : الذمام والمذمة: الْحق، وَالْجمع: أذمة، والذمة: الْعَهْد وَالْكَفَالَة، وَالْجمع: ذمم، وَفِي (الغريبين) : قَالَ ابْن عَرَفَة: الذِّمَّة الضَّمَان وَبِه سمي أهل الذِّمَّة لدخولهم فِي ضَمَان الْمُسلمين. قَالَ الْأَزْهَرِي فِي قَوْله تَعَالَى: {إلاًّ وَلَا ذمَّة} أَي: وَلَا أَمَانًا. قَوْله: (فَلَا تخفروا ا) ، قَالَ ثَعْلَب فِي (فصيحه) : خفرت الرجل إِذا أجرته وأخفرته إِذا نقضت عَهده. وَقَالَ كرَاع فِي (الْمُجَرّد) وَابْن القطاع فِي كتاب (الْأَفْعَال) أخفرته بعثت مَعَه خفيراً، وَقَالَ الْقَزاز، خفر فلَان بفلان وأخفره إِذا غدر بِهِ، وَقَالَ ابْن سَيّده: خفره خفراً وخفراً وأخفره: نقض عَهده وغدره، وأخفر الذِّمَّة: لم يَفِ بهَا. قلت: لَا تخفروا، بِضَم التَّاء من الإخفار، والهمزة فِيهِ للسلب، أَي: لسلب الْفَاعِل عَن الْمَفْعُول أصل الْفِعْل نَحْو أشكيته، أَي: أزلت شكايته، وَكَذَلِكَ: أخفرته، أَي: أزلت خفارته. وَقَالَ الْخطابِيّ: فَلَا تخفروا ا، مَعْنَاهُ: وَلَا تخونوا افي تَضْييع حق من هَذَا سَبيله، وَإِنَّمَا اكْتفى فِي النَّهْي بِذِمَّة اوحده، وَلم يذكر الرَّسُول كَمَا ذكر أَولا، لِأَنَّهُ ذكر الأَصْل لحُصُول الْمَقْصُود بِهِ ولاستلزامه عدم إخفاره ذمَّة الرَّسُول، وَأما ذكره أَولا فللتأكيد وَتَحْقِيق عصمته مُطلقًا، وَالضَّمِير فِي ذمَّته يرجع إِلَى الْمُسلم أَو إِلَى اتعالى، فَافْهَم.

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: فِيهِ: أَن أُمُور النَّاس مَحْمُولَة على الظَّاهِر دون بَاطِنهَا، فَمن أظهر شَعَائِر الدّين أجريت عَلَيْهِ أَحْكَام أَهله مَا لم يظْهر مِنْهُ خلاف ذَلِك، فَإِذا دخل رجل غَرِيب فِي بلد من بِلَاد الْمُسلمين بدين أَو مَذْهَب فِي الْبَاطِن

غير أَنه عَلَيْهِ زِيّ الْمُسلمين حمل على ظَاهر أمره على أَنه مُسلم حَتَّى يظْهر خلاف ذَلِك. وَفِيه: مَا يدل على تَعْظِيم شان الْقبْلَة، وَهِي من فَرَائض الصَّلَاة، وَالصَّلَاة أعظم قربات الدّين، وَمن ترك الْقبْلَة مُتَعَمدا فَلَا صَلَاة لَهُ، وَمن لَا صَلَاة لَهُ فَلَا دين لَهُ. وَفِيه: أَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة شَرط للصَّلَاة مُطلقًا، إلَاّ فِي حَالَة الْخَوْف، ثمَّ من كَانَ بِمَكَّة شرفها اتعالى فالفرض فِي حَقه إِصَابَة عينهَا سَوَاء كَانَ بَين الْمُصَلِّي وَبَين الْكَعْبَة حَائِل بجدار أَو لم يكن، حَتَّى لَو اجْتهد وَصلى فَبَان خَطؤُهُ، فَقَالَ الرَّازِيّ: يُعِيد، وَنقل ابْن رستم عَن مُحَمَّد بن الْحسن: لَا يُعِيد إِذا بَان خَطؤُهُ بِمَكَّة أَو بِالْمَدِينَةِ، قَالَ: وَهُوَ الأقيس لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا فِي وَسعه، وَذكر أَبُو الْبَقَاء أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وضع محراب رَسُول الله مسامت الْكَعْبَة، وَقيل: كَانَ ذَلِك بالمعاينة، بِأَن كشف الْحَال وأزيلت الحوائل، فَرَأى رَسُول الله الْكَعْبَة فَوضع قبْلَة مَسْجده عَلَيْهَا، وَأما من كَانَ غَائِبا عَن الْكَعْبَة ففرضه جِهَة الْكَعْبَة لَا عينهَا، وَهُوَ قَول الْكَرْخِي وَأبي بكر الرَّازِيّ وَعَامة مَشَايِخ الْحَنَفِيَّة. وَقَالَ أَبُو عبد االجرجاني، شيخ أبي الْحسن الْقَدُورِيّ الْفَرْض إِصَابَة عينهَا فِي حق الْحَاضِر وَالْغَائِب، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي. قَالَ النوووي: الصَّحِيح عَن الشَّافِعِي فرض الْمُجْتَهد مطلوبية عينهَا. وَفِي تعلم أَدِلَّة الْقبْلَة ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَنه فرض كِفَايَة. الثَّانِي: فرض عين وَلَا يَصح. الثَّالِث: فرض كِفَايَة إلَاّ أَن يُرِيد سفرا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) : وَالَّذِي رُوِيَ مَرْفُوعا: (الْكَعْبَة قبْلَة من يُصَلِّي فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، وَالْمَسْجِد الْحَرَام قبْلَة أهل مَكَّة مِمَّن يُصَلِّي فِي بَيته أَو فِي الْبَطْحَاء، وَمَكَّة قبْلَة أهل الْحرم، وَالْحرم قبْلَة لأهل الْآفَاق) . فَهُوَ حَدِيث ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ. وَفِيه: أَن من جملَة الشواهد بِحَال الْمُسلم أكل ذَبِيحَة الْمُسلمين، وَذَلِكَ أَن طوائف من الكتابيين والوثنيين يتحرجون من أكل ذَبَائِح الْمُسلمين، والوثني الَّذِي يعبد الوثن أَي الصَّنَم.

٢٩٣٨٥ - ح دّثنا نُعَيْمٌ قَالَ حدّثنا ابنُ المبارَك عِنْ حُمَيْدِ الطَّوِيل عنْ أنسَ بن مالكٍ قَالَ قَالَ رَسُول الله أَمرتُ أَن أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقولوا لَا إلَهَ إِلَاّ اللَّهُ فإِذَا قالُوها وصَلَّوْا صَلَاتَنا واسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا فَقَدْ حَرُمَتْ عَليْنا دِماؤُهُمْ وأمْوالُهُمْ إلَاّ بِحَقِّها وحسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ. .

حَدِيث أنس هَذَا أخرجه البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب من ثَلَاثَة أوجه. الأول: مُسْند عَن عَمْرو بن عَبَّاس الخ، وَقد مر. وَالثَّانِي: فِيهِ خلاف بَين الروَاة من أَرْبَعَة أوجه. الأول: حَدثهُ البُخَارِيّ عَن نعيم بن حَمَّاد الْخُزَاعِيّ، ونعيم خرجه مُعَلّقا من حَيْثُ قَالَ: قَالَ ابْن الْمُبَارك، وَهُوَ عبد ابْن الْمُبَارك، وَهَذَا هُوَ الْمَذْكُور فِي نسختنا. الثَّانِي: قَالَ ابْن شَاكر رَاوِي البُخَارِيّ عَنهُ: قَالَ نعيم بن حَمَّاد: فَالْبُخَارِي علقه. وَالثَّالِث: رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة، قَالَ ابْن الْمُبَارك بِغَيْر ذكر نعيم: فَالْبُخَارِي أَيْضا علقه. وَالرَّابِع: وَقع مُسْندًا حَيْثُ قَالَ فِي بعض النّسخ: حدّثنا نعيم حدّثنا ابْن الْمُبَارك ... الخ. وَالثَّالِث من الْأَوْجه: الَّتِي ذكرهَا البُخَارِيّ: مُعَلّق مَوْقُوف على مَا يَأْتِي عَن قريب.

وَأخرج أَبُو دَاوُد هَذَا الحَدِيث فِي الْجِهَاد وَالتِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن سعيد بن يَعْقُوب عَن ابْن الْمُبَارك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْمُحَاربَة عَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن حبَان عَن ابْن الْمُبَارك.

قَوْله: (أمرت) أَي: أَمرنِي اتعالى، وَإِنَّمَا طوى ذكر الْفَاعِل لشهرته ولتعظيمه. قَوْله: (أَن أقَاتل النَّاس) أَي: بِأَن أقَاتل، وكملة: أَن، مَصْدَرِيَّة، وَأَرَادَ بِالنَّاسِ: الْمُشْركين. قَوْله: (حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إلَاّ ا) ، إِنَّمَا اكْتفى بِذكر هَذَا الشَّرْط من غير انضمام: مُحَمَّد رَسُول ا، لِأَنَّهُ عبر على طَرِيق الْكِنَايَة عَن الْإِقْرَار برسالته بِالصَّلَاةِ والاستقبال وَالذّبْح، لِأَن هَذِه الثَّلَاثَة من خَواص دينه، لِأَن الْقَائِلين: لَا إِلَه إِلَّا ا، كاليهود فصلاتهم بِدُونِ الرُّكُوع، وقبلتهم غير الْكَعْبَة، وذبيحتهم لَيست كذبيحتنا. وَقد يُجَاب بِأَن هَذَا الشَّرْط الأول من كلمة الشَّهَادَة شعار لمجموعها، كَمَا يُقَال قَرَأت: {ألم ذَلِك الْكتاب} (الْبَقَرَة: ١ ٢) وَالْمرَاد كل السُّورَة، لَا يُقَال: فعلى هَذَا لَا يحْتَاج إِلَى الْأُمُور الثَّلَاثَة، لِأَن مُجَرّد هَذِه الْكَلِمَة الَّتِي هِيَ شعار الْإِسْلَام مُحرمَة للدماء وَالْأَمْوَال، لأَنا نقُول: الْغَرَض مِنْهُ بَيَان تَحْقِيق القَوْل بِالْفِعْلِ وتأكيد أمره، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذا قالوها وحققوا مَعْنَاهَا بموافقة الْفِعْل لَهَا فَتكون مُحرمَة. وَأما تَخْصِيص هَذِه الثَّلَاثَة من بَين سَائِر الْأَركان وواجبات الدّين فلكونها أظهرها وَأَعْظَمهَا وأسرعها علما بهَا، إِذْ فِي الْيَوْم الأول من الملاقاة مَعَ الشَّخْص يعلم صلَاته وَطَعَامه، غَالِبا، بِخِلَاف نَحْو الصَّوْم فَإِنَّهُ لَا يظْهر الامتياز بَيْننَا وَبينهمْ بِهِ وَنَحْو الْحَج فَإِنَّهُ قد يتَأَخَّر إِلَى شهور وسنين، وَقد لَا يجب عَلَيْهِ أصلا. قَوْله: (وذبحوا ذبيحتنا) أَي: ذَبَحُوا الْمَذْبُوح مثل مذبوحنا،

والذبيحة على وزن: فعيلة بِمَعْنى: الْمَذْبُوح. فَإِن قلت: فعيل: إِذا كَانَ بِمَعْنى الْمَفْعُول يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث فَلَا تدخله التَّاء. قلت: لما زَالَ عَنهُ معنى الوصفية وغلبت الإسمية عَلَيْهِ واستوى فِيهِ الْمُذكر والمؤنث فدخله التَّاء، وَقد يُقَال: إِن الاسْتوَاء فِيهِ عِنْد ذكر الْمَوْصُوف مَعَه، وَأما إِذا انْفَرد عَنهُ فَلَا. قَوْله: (إِلَّا بِحَقِّهَا) . أَي: إلَاّ بِحَق الدِّمَاء وَالْأَمْوَال، وَفِي حَدِيث ابْن عمر: (فَإِذا فعلوا ذَلِك عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إلَاّ بِحَق الْإِسْلَام) . قَوْله: (وحسابهم على ا) ، على سَبِيل التَّشْبِيه أَي: هُوَ كالواجب على افي تحقق الْوُقُوع، وإلَاّ فَلَا يجب على اشيء، وَكَانَ الأَصْل فِيهِ أَن يُقَال: وحسابهم أَو إِلَى ا، وَقد مر تَحْقِيق الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب مُسْتَوفى فِي بَاب {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة} (التَّوْبَة: ٥، ١١) .

وقالَ عَلِيُّ بنُ عبْدِ اللَّهِ حدّثنا خالِدُ بنُ الْحَارِثِ قَالَ حدّثنا حُمَيْدٌ قَالَ سَأَلَ مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ أنَسَ بْنَ مالِكٍ قَالَ يَا أَبَا حَمْزَةَ وَمَا يُحَرِّمُ دَمَ الْعَبْدِ ومالَهُ فَقَالَ مَنْ شَهِدَ أنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ واسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَصَلَّى صَلَاتَنا وأكَلَ ذَبِيحَتَنا فَهْوَ الْمُسْلِمُ لهُ مَا لِلْمُسْلِمِ وعلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ.

هَذَا مُعَلّق وَمَوْقُوف أما التَّعْلِيق فَإِنَّهُ قَالَ: قَالَ عَليّ بن عبد اهو ابْن الْمَدِينِيّ. وفاعل قَالَ الأول: هُوَ: البُخَارِيّ، وفاعل قَالَ الثَّانِي: ظَاهر وَهُوَ شَيْخه عَليّ بن الْمَدِينِيّ. وَأما الْوَقْف فَإِن أنسا لم يرفعهُ. قَوْله: (يَا با حَمْزَة) أَصله: يَا أَبَا حَمْزَة، فحذفت الْهمزَة للتَّخْفِيف، وَأَبُو حَمْزَة كنية أنس. قَوْله: (وَمَا يحرم؟) ، بِالتَّشْدِيدِ من التَّحْرِيم، وَكلمَة: مَا، استفهامية. فَإِن قلت: و: مَا يحرم، عطف على: مَاذَا؟ قلت: على شَيْء مَحْذُوف كَأَنَّهُ سَأَلَ عَن شَيْء قبل هَذَا، ثمَّ قَالَ: وَمَا يحرم، وَلم تقع: الْوَاو، فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة. وَقَالَ بَعضهم: الْوَاو استئنافية. قلت: الِاسْتِئْنَاف كَلَام مُبْتَدأ فعلى هَذَا لَا يبْقى مقول لقَالَ، فَيحْتَاج إِلَى تَقْدِير. فَإِن قلت: الْجَواب: يَنْبَغِي أَن يكون مطابقاً للسؤال، وَالسُّؤَال هُنَا عَن سَبَب التَّحْرِيم، فَالْجَوَاب كَيفَ يطابقه؟ قلت: الْمُطَابقَة ظَاهِرَة لِأَن قَوْله: من شهد، الخ هُوَ الْجَواب وَزِيَادَة، لِأَنَّهُ لما ذكر الشَّهَادَة وَمَا عطف عَلَيْهَا علم أَن الَّذِي يفعل هَذَا هُوَ الْمُسلم، وَالْمُسلم يحرم دَمه وَمَاله إِلَّا بِحقِّهِ. قَوْله: (لَهُ) أَي: من النَّفْع، و: (عَلَيْهِ) أَي: من الْمضرَّة، والتقديم يُفِيد الْحصْر أَي: لَهُ ذَلِك لَا لغيره.

(٣٩٣) قَالَ ابنُ أبي مَرْيَمَ أخْبَرَنَا يَحْيَى قالَ حدّثنا حُمَيْدٌ قالَ حدّثنا أنَسٌ عنِ النبيِّ.

هَذَا أَيْضا مُعَلّق رَوَاهُ ابْن أبي مَرْيَم، وَهُوَ سعيد بن الحكم الْمصْرِيّ عَن يحيى بن أَيُّوب الغافقي الْمصْرِيّ عَن حميد الطَّوِيل عَن أنس بن مَالك، وَقد وَصله أَبُو نعيم: حدّثنا أَبُو أَحْمد الْجِرْجَانِيّ حدّثنا، إِبْرَاهِيم بن مُوسَى حدّثنا إِبْرَاهِيم بن هانىء حدّثنا عَمْرو بن الرّبيع (ح) وحدّثنا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد حدّثنا أَبُو عرُوبَة حدّثنا عمر بن الْخطاب حدّثنا ابْن أبي مَرْيَم، قَالَا: حدّثنا يحيى بن أَيُّوب أَخْبرنِي حميد سمع أنسا ... فَذكره، وَفِي هَذَا فَائِدَة وَهِي: تَصْرِيح حميد بِسَمَاعِهِ إِيَّاه من أنس، وَلَكِن طعن فِيهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَقَالَ: الحَدِيث حَدِيث مَيْمُون وَإِنَّمَا سَمعه حميد مِنْهُ، وَلَا يحْتَج بِيَحْيَى بن أَيُّوب فِي قَوْله: عَن حميد حدّثنا أنس قَالَ، وَيدل على ذَلِك مَا أخبرنَا يحيى بن مُحَمَّد بن البحتري حدّثنا عبيد ابْن معَاذ حدّثنا أبي عَن حميد عَن مَيْمُون، قَالَ: (سَأَلت أنسا مَا يحرم مَال الْمُسلم وَدَمه؟) الحَدِيث

قلت: رِوَايَة معَاذ لَا دَلِيل فِيهَا على أَن حميدا لم يسمعهُ من أنس، لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون سَمعه من أنس ثمَّ استثبت فِيهِ عَن مَيْمُون، فَكَأَنَّهُ تَارَة يحدث بِهِ عَن أنس لأجل الْعُلُوّ، وَتارَة عَن مَيْمُون للاستثبات، وَقد جرت عَادَة حميد وَغَيره بِهَذِهِ الطَّرِيقَة. فَإِن قلت: جَاءَ عَن أبي هُرَيْرَة: (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَه إِلَّا ا، فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا) . وَجَاء عَن ابْن عمر: (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَه إِلَّا اويقيموا الصَّلَاة ويؤتوا الزَّكَاة، فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ) ، وَجَاء عَن أنس الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب، فَمَا التَّوْفِيق بَين هَذِه الرِّوَايَات الثَّلَاث؟ قلت: إِنَّمَا اخْتلفت هَذِه الْأَلْفَاظ فزادت ونقصت لاخْتِلَاف الْأَحْوَال والأوقات الَّتِي وَقعت هَذِه الْأَقْوَال فِيهَا، وَكَانَت أُمُور الشَّرِيعَة تشرع شَيْئا فَشَيْئًا فَخرج كل قَول فِيهَا على شَرط الْمَفْرُوض فِي حِينه، فَصَارَ كل مِنْهَا فِي زَمَانه شرطا لحقن الدَّم وَحُرْمَة المَال، وَلَا مُنَافَاة بَين الرِّوَايَات وَلَا اخْتِلَاف.

٩٢ - (بابُ قِبْلَةِ أهْلِ المَدِينةِ وأهْلِ الشَّأَمِ والمَشْرِقِ لَيْسَ فِي المَشْرِقِ ولَا فِي المَغْرِبِ قِبْلَة)

هَذَا الْموضع يحْتَاج إِلَى تَحْرِير قوي، فَإِن أَكثر من تصدى لشرحه لم يغنِ شَيْئا بل بَعضهم ركب البعاد وخرط القتاد، فَنَقُول، وبا التَّوْفِيق: إِن قَوْله: بَاب، إِمَّا أَن يُضَاف إِلَى مَا بعده أَو يقطع عَنهُ، وَإِن لَفْظَة: قبْلَة، بعد قَوْله: وَلَا فِي الْمغرب، إِمَّا أَن تكون مَوْجُودَة أَو لَا، وَلكُل وَاحِد من ذَلِك وَجه.

فَفِي الْقطع وَعدم وجود لَفْظَة: قبْلَة، يكون لَفْظَة. بَاب، منوناً على تَقْدِير: هَذَا بَاب. وَيجوز أَن يكون سَاكِنا مثل تعداد الْأَسْمَاء لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ بِالْعقدِ والتركيب، وَيكون قَوْله: قبْلَة أهل الْمَدِينَة، الَّذِي هُوَ كَلَام إضافي مُبْتَدأ، أَو، قَوْله: وَأهل الشَّام، بِالْجَرِّ عطفا على الْمُضَاف إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ قَوْله: والمشرق، بِالْجَرِّ. وَقَوله: لَيْسَ فِي الْمشرق، خبر الْمُبْتَدَأ. وَلَكِن لَا بُد فِيهِ من تقديرين: أَحدهمَا: أَن يقدر لفظ: قبْلَة، الَّذِي هُوَ الْمُبْتَدَأ بِلَفْظ: مُسْتَقْبل أهل الشَّام، لوُجُوب التطابق بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر فِي التَّذْكِير والتأنيث. وَالثَّانِي: أَن يؤول لفظ: الْمشرق، بالتشريق، وَلَفظ: الْمغرب، بالتغريب، وَالْعرب تطلق الْمشرق وَالْمغْرب لِمَعْنى التَّشْرِيق والتغريب، قَالَه ثَعْلَب وَأنْشد.

أبعد مغربهم بَغْدَاد ساحتها

وَقَالَ ثَعْلَب: مَعْنَاهُ أبعد تغريبهم؟ فَإِن قلت: لم لم يذكر: الْمغرب، بعد قَوْله: والمشرق، مَعَ أَن الْعلَّة فيهمَا مُشْتَركَة؟ قلت: اكْتفى بذلك عَنهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {سرابيل تقيكم الْحر} (النَّحْل: ١٨) أَي: وَالْبرد، وَأما تَخْصِيص الْمشرق فَلِأَن أَكثر بِلَاد الْإِسْلَام فِي جِهَة الْمشرق.

وَأما فِي الْإِضَافَة، وَتَقْدِير وجود لفظ: قبْلَة، بعد قَوْله: وَلَا فِي الْمغرب، فتقديره؛ هَذَا بَاب فِي بَيَان قبْلَة أهل الْمَدِينَة وقبلة أهل الشَّام وقبلة أهل الْمشرق، ثمَّ بَين ذَلِك بِالْجُمْلَةِ الاستئنافية، وَهِي قَوْله: لَيْسَ فِي الْمشرق وَلَا فِي الْمغرب قبْلَة، وَلِهَذَا ترك العاطف، وَالْجُمْلَة الاستئنافية فِي الْحَقِيقَة جَوَاب عَن سُؤال مُقَدّر، وَهُوَ أَنه: لما قَالَ: بَاب قبْلَة أهل الْمَدِينَة وَأهل الشَّام والمشرق، انتصب سَائل فَقَالَ: كَيفَ قبْلَة هَذِه الْمَوَاضِع؟ فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْمشرق وَلَا فِي الْمغرب قبْلَة. وَقَالَ السفاقسي: يُرِيد أَن قبْلَة هَؤُلَاءِ الْمُسلمين لَيست فِي الْمشرق مِنْهُم وَلَا فِي الْمغرب، بِدَلِيل أَن النَّبِي، أَبَاحَ لَهُم قَضَاء الْحَاجة فِي جِهَة الْمشرق مِنْهُم وَالْمغْرب. قلت: مَعْنَاهُ: الْقبْلَة مَا بَينهمَا، لما روى التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ النَّبِي: (مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة) . ثمَّ قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن غير وَاحِد من أَصْحَاب النَّبِي: مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة، مِنْهُم عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب وَابْن عَبَّاس، وَقَالَ ابْن عمر: (إِذا جعلت الْمغرب عَن يَمِينك والمشرق عَن يسارك فَمَا بَينهمَا قبْلَة إِذا اسْتقْبلت الْقبْلَة) وَقَوله: (مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة) ، لَيْسَ عَاما فِي سَائِر الْبِلَاد، وَإِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة، وَمَا وَافق قبلتها، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الخلافيات) : وَالْمرَاد، وَا أعلم، أهل الْمَدِينَة. وَمن كَانَت قبلته على سمت أهل الْمَدِينَة. وَقَالَ أَحْمد بن خَالِد الذَّهَبِيّ: قَول عمر بن الْخطاب، رَضِي اتعالى عَنهُ: مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة، قَالَه بِالْمَدِينَةِ، فَمن كَانَت قبلته مثل قبْلَة الْمَدِينَة فَهُوَ من سَعَة مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب، ولسائر الْبلدَانِ من السعَة فِي الْقبْلَة مثل ذَلِك بَين الْجنُوب وَالشمَال، وَنَحْو ذَلِك؛ وَقَالَ ابْن بطال: تَفْسِير هَذِه التَّرْجَمَة يَعْنِي: وقبلة مشرق الأَرْض كلهَا إلَاّ مَا قَابل مشرق مَكَّة من الْبِلَاد الَّتِي تكون تَحت الْخط الْمَار عَلَيْهَا من الْمشرق إِلَى الْمغرب، فَحكم مشرق الأَرْض كلهَا كَحكم مشرق أهل الْمَدِينَة وَالشَّام فِي الْأَمر بالانحراف عِنْد الْغَائِط، لأَنهم إِذا شرقوا أَو غربوا لم يستقبلوا الْقبْلَة وَلم يستدبروها. قَالَ: وَأما مَا قَابل مشرق مَكَّة من الْبِلَاد الَّتِي تكون تَحت الْخط الْمَار عَلَيْهَا من مشرقها، إِلَى مغْرِبهَا فَلَا يجوز لَهُم اسْتِعْمَال هَذَا الحَدِيث، وَلَا يَصح لَهُم أَن يشرقوا. وَلَا أَن يغربوا لأَنهم إِذا شرقوا استدبروا الْقبْلَة، وَإِذا غربوا استقبلوها، وَكَذَلِكَ من كَانَ موازياً بمغرب مَكَّة إِن غرب استدبر الْقبْلَة، وَإِن شَرق اسْتَقْبلهَا، وَإِنَّمَا ينحرف إِلَى الْجنُوب أَو الشمَال، فَهَذَا هُوَ تغريبه وتشريقه.

قَالَ: وَتَقْدِير التَّرْجَمَة: بَاب قبْلَة أهل الْمَدِينَة وَأهل الشَّام والمشرق وَالْمغْرب لَيْسَ فِي التَّشْرِيق وَلَا فِي التَّغْرِيب يَعْنِي أَنهم عِنْد الانحراف للتشريق والتغريب لَيْسُوا مواجهين للْقبْلَة وَلَا مستدبرين لَهَا.

لقوْلِ النَّبيِّ (لَا تسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِغَائِطٍ أوْ بَوْلٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أوْ غَرِّبُوا) . هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ النَّسَائِيّ مَوْصُولا. فَقَالَ: أخبرنَا مَنْصُور، قَالَ: حدّثنا سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن عَطاء بن يزِيد عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أَن النَّبِي، قَالَ: (لَا تستقبلوا الْقبْلَة بغائط وَلَا بَوْل وَلَكِن شرقوا أَو غربوا) . وَاحْتج البُخَارِيّ

بِعُمُوم هَذَا الحَدِيث، وَسوى بَين الصَّحَارِي والأبنية، وَجعله دَلِيلا للتَّرْجَمَة الَّتِي وَضعهَا، وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن فِي نفس حَدِيثه الَّذِي ذكره أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) وَالْبُخَارِيّ أَيْضا على مَا يَجِيء الْآن، مَا يدل على عكس مَا أَرَادَهُ وَذَلِكَ أَن أَبَا أَيُّوب رَضِي اتعالى عَنهُ، قَالَ فِي حَدِيثه، (فقدمنا الشَّام فَوَجَدنَا مراحيض قد بنيت نَحْو الْكَعْبَة، لَكنا ننحرف عَنْهَا، ونستغفر اعز وَجل) . قلت: لَا يرد عَلَيْهِ هَذَا أصلا لِأَن الْمَنْع لأجل تَعْظِيم الْقبْلَة وَهُوَ مَوْجُود فِي الصَّحرَاء والبنيان، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو أَيُّوب: (لَكنا ننحرف عَنْهَا ونستغفر اعز وَجل) ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة، وَبِه قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة، وَذهب الشَّافِعِي وَمَالك إِلَى أَنه يحرم اسْتِقْبَال الْقبْلَة فِي الصَّحرَاء بالبول وَالْغَائِط، وَلَا يحرم ذَلِك فِي الْبُنيان، وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الْوضُوء.

٤٩٣٩٥ - ح دّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حدّثنا سُفْيانُ قَالَ حدّثنا الزُّهْرِيُّ عنْ عَطاءِ بنِ يَزِيدَ عنْ أبي أيُّوب الأَنْصارِيِّ أنَّ النبيَّ قَالَ: (إِذَا أَتَيْتُمُ الْغائِطَ فَلَا تَسْتَقْبلوا القِبْلَةَ ولَا تَسْتَدْبِرُوها ولَكنْ شَرِّقُوا أوْ غَرِّبُوا) قَالَ أبُو أيُّوبَ فَقَدِمْنا الشَّأَمَ فَوَجَدْنا مَراحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ القِبْلَةِ فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى. (انْظُر الحَدِيث ٤٤١) .

مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (شرقوا أَو غربوا) لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا: لَيْسَ فِي الْمشرق وَلَا فِي الْمغرب قبْلَة، فَإِذا لم تكن فيهمَا قبْلَة يتَوَجَّه المستنجي إِلَيْهَا إِمَّا يشرق وَإِمَّا يغرب.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: عَليّ بن عبد االمديني، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَاسم أبي أَيُّوب خَالِد بن زيد رَضِي اتعالى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومكي ومدني.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ، وَأخرجه مُسلم فِيهَا عَن يحيى بن يحيى وَزُهَيْر وَابْن نمير، وَأَبُو دَاوُد فِيهَا أَيْضا عَن مُسَدّد، وَالتِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي، خمستهم عَن سُفْيَان بِهِ، وَالنَّسَائِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بِهِ، وَابْن مَاجَه كَذَلِك عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح عَن ابْن وهب عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ نَحوه.

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (الْغَائِط) ، اسْم للْأَرْض المطمئنة لقَضَاء الْحَاجة. قَوْله: (فقدمنا الشَّام) ، وَهُوَ إقليم مَشْهُور يذكر وَيُؤَنث، وَيُقَال مهموزاً ومسهلاً، وَسميت بسام بن نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لِأَنَّهُ أول من نزلها، فَجعلت السِّين شيناً مُعْجمَة تغييراً للفظ الأعجمي، وَقيل: سميت بذلك لِكَثْرَة قراها وتداني بَعْضهَا من بعض فشبهت بالشامات. قَوْله: (مراحيض) ، بِفَتْح الْمِيم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة: جمع مرحاض، بِكَسْر الْمِيم، وَهُوَ الْبَيْت الْمُتَّخذ لقَضَاء حَاجَة الْإِنْسَان، أَي: التغوط، قَوْله: (قبل الْكَعْبَة) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، أَي: مقابلها. قَوْله: (فننحرف) أَي: عَن جِهَة الْقبْلَة من الانحراف. ويروى: (فنتحرف) من التحرف. قَوْله: (ونستغفر اتعالى) ، قيل: نَسْتَغْفِر الْمَنّ بناها فَإِن الاسْتِغْفَار للمذنبين سنة. وَقيل: نَسْتَغْفِر امن الِاسْتِقْبَال، وَقيل: نَسْتَغْفِر امن ذنُوبه. وَيُقَال: لَعَلَّ أَبَا أَيُّوب لم يبلغهُ حَدِيث ابْن عمر فِي ذَلِك وَلم يره مُخَصّصا. وَحمل مَا رَوَاهُ على الْعُمُوم، وَهَذَا الاسْتِغْفَار لنَفسِهِ لَا للنَّاس على هَذِه الْهَيْئَة. فَإِن قلت: الغالط والساهي لم يفعل إِثْمًا فَلَا حَاجَة فِيهِ إِلَى الاسْتِغْفَار. قلت: أهل الْوَرع والمناصب الْعلية فِي التَّقْوَى قد يَفْعَلُونَ مثل هَذَا بِنَاء على نسبتهم التَّقْصِير إِلَى أنفسهم فِي التحفظ ابْتِدَاء، وَقد مر مَا يستنبط مِنْهُ فِيمَا مضى فِي كتاب الْوضُوء.

وعنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عَطاءٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا أيُّوبَ عنِ النبيِّ مِثْلَهُ.

قَوْله: (وَعَن الزُّهْرِيّ) عطف على قَوْله: (حدّثنا سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ) يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور أَيْضا عَن الزُّهْرِيّ عَن عَطاء بن يزِيد الْمَذْكُور، سَمِعت أَبَا أَيُّوب. وَفَائِدَة ذكره مكرراً أَن فِي الطّرق الأول عنعن الزُّهْرِيّ عَن عَطاء عَن أبي أَيُّوب، وَفِي هَذَا الطَّرِيق صرح عَطاء بِالسَّمَاعِ عَن أبي أَيُّوب، وَالسَّمَاع أقوى من العنعنة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: السماع أقوى من العنعنة. وَهِي أقوى من أَن، لَكِن فِيهِ ضعف من جِهَة التَّعْلِيق عَن الزُّهْرِيّ. قلت: الظَّاهِر مَعَ الْكرْمَانِي، وَلَكِن الحَدِيث بِهَذَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٣٩٣ - (وقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد بن الحكم المصريُّ: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى) وللأربعة: «يحيى بن أيُّوب الغافقيُّ» قال (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل، ولابن عساكر: «وقال محمَّدٌ» أي: المؤلِّف: «قال ابن أبي مريم: حدَّثني» بالإفراد «حُمَيْدٌ» (١) قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) (عَنِ النَّبِيِّ ) وقد وصله محمَّد بن نصرٍ وابن منده في «الإيمان» من طريق ابن أبي مريم، وقد ذكره المؤلِّف استشهادًا وتقويةً (٢)، وإِلَّا فيحيى بن أيُّوب مطعونٌ فيه، قال أحمد: سيِّئ الحفظ. (وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أي: المدينيُّ: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) الجُهيميُّ (٣) البصريُّ (٤) (قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (قَالَ: سَأَلَ مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ) بكسر السِّين المُهمَلة آخره هاءٌ (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: «فقال» وسقطت هذه الكلمة بالكليَّة عند الأَصيليِّ (يَا أَبَا حَمْزَةَ) بالحاء والزَّاي، كنية أنسٍ (ومَا يُحَرِّمُ) بواو العطف على معطوفٍ محذوفٍ، كأنَّه سأل عن شيْءٍ مثل هذا وغير هذا (٥)، وقول ابن حجرٍ: أو الواو استئنافيَّةٌ. تعقَّبه العينيُّ بأنَّ الاستئنافَ كلامٌ مُبتدَأٌ، وحينئذٍ لا يبقى مقولٌ لـ «قال» فيحتاج إلى تقديرٍ، وفي رواية كريمة والأَصيليِّ: «ما يحرِّم» (دَمَ العَبْدِ وَمَالَهُ؟ فَقَالَ) أنسٌ: (مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلَاتَنَا (٦)، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ

المُسْلِمُ، لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ) من النَّفع (وَعَلَيْهِ مَا عَلَى المُسْلِمِ) من المضرَّة.

ووجه مطابقة جواب أنسٍ للسُّؤال عن سبب التَّحريم أنَّه يتضمَّنه لأنَّه لمَّا ذكر الشَّهادة وما عُطِف عليها علِم أنَّ الَّذي يفعل هذا هو المسلم، والمسلم يحرم دمه وماله إِلَّا بحقِّه، فهو مطابقٌ له وزيادة.

(٢٩) (بابُ) حكم (قِبْلَةِ أَهْلِ المَدِينَةِ وَأَهْلِ الشَّأمِ وَ) قبلة أهل (١) (المَشْرِقِ) أي: وأهل المغرب في (٢) استقبالها واستدبارها المنهيِّ عنه، و «أهلِ» بالجرِّ، عطفًا على المضاف إليه، و «المشرِق» عطفًا على المجرور قبله، والمراد بـ «المشرِق»: مشرق الأرض كلِّها، المدينة والشَّام وغيرهما، ولم يذكر المؤلِّف المغرب -مع أنَّ العلَّة فيهما مشتركةٌ- اكتفاءً بذلك عنه كما في: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وخصَّ المشرق بالذِّكر لأنَّ أكثر بلاد الإسلام في جهته، ولمَّا ذكر المؤلِّف ذلك كأنَّ سائلًا سأله فقال (٣): كيف قبلة هذه المواضع؟ فقال: (لَيْسَ فِي المَشْرِقِ وَلَا فِي المَغْرِبِ قِبْلَةٌ) أي: ليس في التَّشريق والتَّغريب في المدينة والشَّام ومَن يلحق بهم ممَّن هو على سَمْتهم قبلةٌ، فأطلق المشرق والمغرب على التَّشريق والتَّغريب، والجملة استئنافيَّةٌ من تفقُّه المؤلِّف، جوابٌ عن سؤالٍ مقدَّر كما مرَّ، وفي رواية الأربعة بإسقاط: «قبلةٌ» هذه،

وحينئذٍ يتعيَّن تنوين بابٍ، بتقدير: هذا بابٌ، ورفع «قبلة أهل المدينة» على الابتداء، وجرُّ «أهل» عطفًا على المضاف إليه، وكذا «المشرق» و «المغرب» عطفًا على المجرور، وخبر المبتدأ قوله: «ليس في المشرق»، لكن بتأويل «قبلة» بلفظِ مُستقبَلٍ لأنَّ التَّطابق في التَّذكير والتَّأنيث بين المبتدأ والخبر واجبٌ، والمشرقِ بالتَّشريق والمغرب بالتَّغريب، أي: هذا بابٌ -بالتَّنوين- مُستقبَل (١) أهل المدينة وأهل الشَّام ليس في التَّشريق ولا في التَّغريب منه (٢)، وقد سقطت التَّاء من «ليس»، فلا تطابق بينه وبين قبلةٍ، فلذا أُوِّل بمُستقبَل ليتطابقا تذكيرًا، وحكى الزَّركشيُّ ضمَّ قاف «مشرقٍ» للأكثرين عن عياضٍ، عطفًا على باب، أي: وباب حكم المشرق، ثمَّ حذف من الثَّاني «باب» و «حكم»، وأُقِيم المشرق مقام الأوَّل، وصوَّبه الزَّركشيُّ لِمَا في الكسر من إشكالٍ وهو إثبات قبلةٍ لهم، أي: لأهل المشرق، وتعقَّبه الدَّمامينيُّ فقال: إثبات قبلةٍ لأهل المشرق في الجملة لا إشكال فيه لأنَّهم لا بدَّ لهم أن يصلُّوا إلى الكعبة، فلهم قبلةٌ يستقبلونها قطعًا، إنَّما الإشكال لو جُعِل المشرق نفسه قبلةً مع استدبار الكعبة، وليس في جرِّ المشرق ما يقتضي أن يكون المشرق (٣) نفسه قبلةً، وكيف يُتوهَّم هذا والمؤلِّف قد ألصق بهذا الكلام قوله: ليس في المشرق ولا في المغرب قبلةٌ، ثمَّ إنَّ ما وُجِّه به الرَّفع يمكن أن يُوجَّه به الكسر، وذلك بأن يكون المشرق معطوفًا على ما أُضيف إليه الباب، وهو «قبلةٌ» لا على المدينة ولا على الشَّام، فكأنَّه قال: باب حكم قبلة أهل المدينة وحكم المشرق، ولا إشكال البتَّة. انتهى. ومراده بالمشرق والمغرب -كما مرَّ- اللَّذان (٤) من ناحية المدينة والشَّام بخلاف مشرق مكّة ومغربها، وكلِّ البلاد الَّتي تحت الخطِّ المارِّ عليها من مشرقها إلى مغربها، فإنَّها

مخالفةُ المشرقِ والمغربِ للمدينة والشَّام، وما كان من (١) جهتهما في حكم اجتناب الاستقبال والاستدبار بالتَّشريق والتَّغريب، فإنَّ أولئك إذا شرَّقوا أو غرَّبوا لا يكونون مستقبلي الكعبة ولا مستدبريها، ومشرق مكَّة ومغربها وما بينهما متى شرَّقوا استدبروا الكعبة (٢)، أو غرَّبوا استقبلوها، فينحرفون (٣) حينئذٍ للجنوب أو الشَّمال، وهو معنى قول المؤلِّف: (لَيْسَ (٤) فِي المَشْرِقِ وَلَا فِي المَغْرِبِ قِبْلَةٌ) (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ) فيما وصله النَّسائيُّ، والمؤلِّف في الباب غيره: (لَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا) ظاهره التَّسوية بين الصَّحارى والأبنية، فيكون مطابقًا للتَّرجمة، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في روايةٍ عنه، وقال مالك والشَّافعيُّ: يحرم في الصَّحراء لا في البنيان لحديث الباب، ولأنَّه قضى حاجته في بيت حفصة مستقبل الشَّام مستدبر الكعبة، فجمع الشَّافعيُّ بينهما بحمل حديث الباب المفيد (٥) للتَّحريم على الصَّحراء لأنَّها لسعتها لا يشقُّ فيها اجتناب الاستقبال والاستدبار، بخلاف البنيان فقد يشقُّ فيه اجتناب ذلك، فيجوز فعله كما فعله لبيان الجواز، وإن كان الأَوْلى لنا تركُه، وتقدَّم مزيدٌ لذلك في «كتاب الوضوء» [خ¦١٤٤].

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ابْن أبي عَيَّاش قَالَ " شَكَوْنَا إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْإِدْغَام والاعتماد فِي الصَّلَاة فَرخص لَهُم أَن يَسْتَعِين الرجل بمرفقيه على رُكْبَتَيْهِ أَو فَخذيهِ " وَعند التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة " أَنه اشْتَكَى أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مشقة السُّجُود عَلَيْهِم فَقَالَ اسْتَعِينُوا بالركب " وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا وَلَفظه " اشْتَكَى أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مشقة السُّجُود عَلَيْهِم إِذا انفرجوا فَقَالَ اسْتَعِينُوا بالركب وَفِي المُصَنّف حَدثنَا يزِيد بن هَارُون عَن ابْن عون قَالَ " قلت لمُحَمد الرجل يسْجد إِذا اعْتمد بمرفقيه على رُكْبَتَيْهِ قَالَ مَا أعلم بِهِ بَأْسا حَدثنَا عَاصِم عَن ابْن جريج عَن نَافِع قَالَ كَانَ ابْن عمر يضم يَدَيْهِ إِلَى جَنْبَيْهِ إِذا سجد حَدثنَا ابْن نمير حَدثنَا الْأَعْمَش عَن حبيب قَالَ " سَأَلَ رجل ابْن عمر أَضَع مرفقي على فَخذي إِذا سجدت فَقَالَ اسجد كَيفَ تيَسّر عَلَيْك " حَدثنَا وَكِيع عَن أَبِيه عَن أَشْعَث بن أبي الشعْثَاء عَن قيس بن السكن قَالَ كل ذَلِك قد كَانُوا يَفْعَلُونَ ويضمون ويتجافون كَانَ بَعضهم يضم وَبَعْضهمْ يتجافى. وَفِي الْأُم للشَّافِعِيّ يسن للرجل أَن يُجَافِي مرفقيه عَن جَنْبَيْهِ وَيرْفَع بَطْنه عَن فَخذيهِ وتضم الْمَرْأَة بَعْضهَا إِلَى بعض وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَحكم الْفَرَائِض والنوافل فِي هَذَا سَوَاء

(وَقَالَ اللَّيْث حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة نَحوه) هَذَا التَّعْلِيق أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه فَقَالَ حَدثنَا عَمْرو بن سَواد عَن ابْن وهب عَن عَمْرو بن الْحَارِث وَاللَّيْث بن سعد كِلَاهُمَا عَن جَعْفَر بن ربيعَة وَفِي رِوَايَة عَمْرو بن الْحَارِث " إِذا سجد يجنح فِي سُجُوده حَتَّى يرى وضح إبطَيْهِ " وَفِي رِوَايَة اللَّيْث " كَانَ إِذا سجد فرج يَدَيْهِ عَن إبطَيْهِ حَتَّى أَنِّي لأرى بَيَاض إبطَيْهِ " وَقَالَ الْكرْمَانِي وَقَالَ اللَّيْث عطف على بكر أَي حَدثنَا يحيى قَالَ اللَّيْث حَدثنِي جَعْفَر بِلَفْظ التحديث وَمَا روى بكر عَنهُ بطرِيق العنعنة

٨٢ - (بابُ فَضْلِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ)

لما فرغ من بَيَان أَحْكَام ستر الْعَوْرَة بأنواعها شرع فِي بَيَان اسْتِقْبَال الْقبْلَة على التَّرْتِيب، لِأَن الَّذِي يُرِيد الشُّرُوع فِي الصَّلَاة يحْتَاج أَولا إِلَى ستر الْعَوْرَة، ثمَّ إِلَى اسْتِقْبَال الْقبْلَة، وَذكر مَا يتبعهَا من أَحْكَام الْمَسَاجِد.

يَسْتَقْبِلُ بِأطْرَافِ رِجْلَيْهِ قالَهُ أبُو حُمَيْدٍ عنِ النبيِّ.

٠ - أَي: يسْتَقْبل الْمُصَلِّي برؤوس أَصَابِع رجلَيْهِ نَحْو الْقبْلَة، هَذَا تَعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث طَوِيل فِي صفة الصَّلَاة، رَوَاهُ أَبُو حميد عَن النَّبِي، وخرجه البُخَارِيّ مُسْندًا فِيمَا بعد فِي بَاب سنة الْجُلُوس فِي التَّشَهُّد، وَجعل هَذِه الْقطعَة تَرْجَمَة لباب آخر فِيمَا بعد، حَيْثُ قَالَ: بَاب يسْتَقْبل الْقبْلَة بأطراف رجلَيْهِ، قَالَ أَبُو حميد عَن النَّبِي، وَاسم أبي حميد: عبد الرَّحْمَن بن سعد السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، قيل: اسْمه الْمُنْذر، غلبت عَلَيْهِ كنيته، مَاتَ فِي آخر زمن مُعَاوِيَة.

فَإِن قلت: مَا مُطَابقَة هَذِه الْقطعَة للتَّرْجَمَة؟ قلت: إِذا عرف فرض الِاسْتِقْبَال وَعرف فَضله عرفت الْمُطَابقَة؛ أما فَرْضه فَهُوَ توجه الْمُصَلِّي بكليته إِلَى الْقبْلَة، وَأما فَضله فَهُوَ استقباله بِجَمِيعِ مَا يُمكن من أَعْضَائِهِ حَتَّى بأطراف أَصَابِع رجلَيْهِ فِي التَّشَهُّد، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ النَّسَائِيّ، فَقَالَ: الِاسْتِقْبَال بأطراف أَصَابِع الْقدَم الْقبْلَة عِنْد الْقعُود للتَّشَهُّد، ثمَّ روى حَدِيث عبد ابْن عمر رَضِي اتعالى عَنْهُمَا، قَالَ: من سنة الصَّلَاة أَن تنصب الْقدَم الْيُمْنَى، واستقباله بأصابعها الْقبْلَة وَالْجُلُوس على الْيُسْرَى. وَقَالَ بَعضهم: أَرَادَ بِذكرِهِ بَيَان مَشْرُوعِيَّة الِاسْتِقْبَال بِجَمِيعِ مَا يُمكن من الْأَعْضَاء. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، لِأَن التَّرْجَمَة فِي فضل الِاسْتِقْبَال لَا فِي مشروعيته، على مَا لَا يخفى.

١٩٣٧٥ - ح دّثنا عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ قَالَ حدّثنا ابنُ مَهْدِيَ قَالَ حدّثنا مَنْصُورُ بنُ سَعْدٍ عنْ مَيْمُونِ بنِ سِيَاهٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ قَالَ قَالَ رسولُ اللَّهِ (مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا واسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وأكَلَ ذَبيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وذِمَّةُ رَسُولِهِ فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ) . (الحَدِيث ١٩٣ طرفاه فِي: ٢٩٣، ٣٩٣) .

مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (واستقبل قبلتنا) ، بَيَانه أَنه أفرد بِذكر اسْتِقْبَال الْقبْلَة بعد قَوْله: (من صلى

صَلَاتنَا) مَعَ كَونه دَاخِلا فِيهَا، لِأَنَّهُ من شرائطها، وَذَلِكَ للتّنْبِيه على تَعْظِيم شَأْن الْقبْلَة وَعظم فضل استقبالها، وَهُوَ غير مقتصر على حَالَة الصَّلَاة، بل أَعم من ذَلِك على مَا لَا يخفى.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عَمْرو، بِالْوَاو: ابْن عَبَّاس، بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: أَبُو عُثْمَان الْأَهْوَازِي الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الرَّحْمَن بن مهْدي بن حسان أَبُو سعيد الْبَصْرِيّ اللؤْلُؤِي. الثَّالِث: مَنْصُور بن سعد، وَهُوَ صَاحب اللؤْلُؤِي الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: مَيْمُون بن سياه، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف هَاء، وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ، وَمَعْنَاهُ: الْأسود، وَيجوز فِيهِ الصّرْف وَمنعه، أما مَنعه فللعلمية والعجمة، وَأما صرفه فلعدم شَرط الْمَنْع، وَهُوَ أَن يكون علما فِي الْعَجم. وَلَفظ: سياه، لَيْسَ بِعلم فِي الْعَجم، فَلذَلِك يكون صرفه أولى. وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ فَارسي، وَقيل: عَرَبِيّ. قلت: قَوْله: وَقيل عَرَبِيّ، غير صَحِيح لعدم تصرف وُجُوه الِاشْتِقَاق فِيهِ. الْخَامِس: أنس بن مَالك.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون.

ذكر من أخرجه غَيره أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان عَن حَفْص بن عمر عَن عبد الرَّحْمَن بِهِ.

ذكر لغاته وَمَعْنَاهُ وَإِعْرَابه. قَوْله: (من صلى صَلَاتنَا) أَي: صلى كَمَا نصلي، وَلَا يُوجد إلَاّ من معترف بِالتَّوْحِيدِ والنبوة، وَمن اعْترف بنبوة مُحَمَّد فقد اعْترف بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ عَن اتعالى، فَلهَذَا جعل الصَّلَاة علما لإسلامه، وَلم يذكر الشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا داخلتان فِي الصَّلَاة، وَإِنَّمَا ذكر اسْتِقْبَال الْقبْلَة وَالصَّلَاة متضمنة لَهُ مَشْرُوطَة بِهِ، لِأَن الْقبْلَة أعرف من الصَّلَاة، فَإِن كل أحد يعرف قبلته وَإِن كَانَ لَا يعرف صلَاته، وَلِأَن من أَعمال صَلَاتنَا مَا هُوَ يُوجد فِي صَلَاة غَيرنَا: كالقيام وَالْقِرَاءَة، واستقبال قبلتنا مَخْصُوص بِنَا، ثمَّ لما ذكر من الْعِبَادَات مَا يُمَيّز الْمُسلم من غَيره أعقبه بِذكر مَا يميزه عَادَة وَعبادَة: فَقَالَ: (وَأكل ذبيحتنا) ، فَإِن التَّوَقُّف عَن أكل الذَّبَائِح كَمَا هُوَ من الْعَادَات، فَكَذَلِك هُوَ من الْعِبَادَات الثَّابِتَة فِي كل مِلَّة. قَالَ الطَّيِّبِيّ: وَأَقُول، وَا أعلم، إِذا أجري الْكَلَام على الْيَهُود سهل تعَاطِي عطف الِاسْتِقْبَال على الصَّلَاة بعد الدُّخُول فِيهَا، ويعضده اخْتِصَاص ذكر الذَّبِيحَة، لِأَن الْيَهُود خُصُوصا يمتنعون من أكل ذبيحتنا، وهم الَّذين حِين تحولت الْقبْلَة شنعوا بقَوْلهمْ: {مَا ولاهم عَن قبلتهم الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} (الْبَقَرَة: ٢٤١) أَي: صلوا صَلَاتنَا وَتركُوا الْمُنَازعَة فِي أَمر الْقبْلَة والامتناع عَن أكل الذَّبِيحَة، لِأَنَّهُ من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام، فَلَمَّا ذكر الصَّلَاة عطف مَا كَانَ الْكَلَام فِيهِ وَمَا هُوَ مهتم بِشَأْنِهِ عَلَيْهَا، كَمَا أَنه يجب عَلَيْهِم أَيْضا عِنْد الدُّخُول فِي الْإِسْلَام أَن يقرُّوا بِبُطْلَان مَا يخالفون بِهِ الْمُسلمين فِي الِاعْتِقَاد بعد إقرارهم بِالشَّهَادَتَيْنِ.

قَوْله: (صَلَاتنَا) ، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض، وَهُوَ فِي نفس الْأَمر صفة لمصدر مَحْذُوف أَي: من صلى صَلَاة كصلاتنا، كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (فَذَلِك الْمُسلم) ، جَوَاب الشَّرْط، وَذَلِكَ، مُبْتَدأ وَخَبره: الْمُسلم، وَقَوله: (الَّذِي) صفته، وَقَوله: (ذمَّة ا) ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ وَخَبره. هُوَ قَوْله: لَهُ، وَالْجُمْلَة صلَة الْمَوْصُول. قَوْله: (ذمَّة ا) ، الذِّمَّة: الْأمان والعهد، وَمَعْنَاهُ فِي أَمَان اوضمانه، وَيجوز أَن يُرَاد بهَا الذمام وَهُوَ الْحُرْمَة. وَيُقَال: الذِّمَّة الْحُرْمَة أَيْضا. قَالَ الْقَزاز: الذمام كل حُرْمَة تلزمك مِنْهَا مذمة، تَقول: ألزمني لفُلَان ذمام وَذمَّة ومذمة، هَذَا بِكَسْر الذَّال، وَكَذَا لزمتني لَهُ ذمَامَة، مَفْتُوح الأول. وَفِي (الْمُحكم) : الذمام والمذمة: الْحق، وَالْجمع: أذمة، والذمة: الْعَهْد وَالْكَفَالَة، وَالْجمع: ذمم، وَفِي (الغريبين) : قَالَ ابْن عَرَفَة: الذِّمَّة الضَّمَان وَبِه سمي أهل الذِّمَّة لدخولهم فِي ضَمَان الْمُسلمين. قَالَ الْأَزْهَرِي فِي قَوْله تَعَالَى: {إلاًّ وَلَا ذمَّة} أَي: وَلَا أَمَانًا. قَوْله: (فَلَا تخفروا ا) ، قَالَ ثَعْلَب فِي (فصيحه) : خفرت الرجل إِذا أجرته وأخفرته إِذا نقضت عَهده. وَقَالَ كرَاع فِي (الْمُجَرّد) وَابْن القطاع فِي كتاب (الْأَفْعَال) أخفرته بعثت مَعَه خفيراً، وَقَالَ الْقَزاز، خفر فلَان بفلان وأخفره إِذا غدر بِهِ، وَقَالَ ابْن سَيّده: خفره خفراً وخفراً وأخفره: نقض عَهده وغدره، وأخفر الذِّمَّة: لم يَفِ بهَا. قلت: لَا تخفروا، بِضَم التَّاء من الإخفار، والهمزة فِيهِ للسلب، أَي: لسلب الْفَاعِل عَن الْمَفْعُول أصل الْفِعْل نَحْو أشكيته، أَي: أزلت شكايته، وَكَذَلِكَ: أخفرته، أَي: أزلت خفارته. وَقَالَ الْخطابِيّ: فَلَا تخفروا ا، مَعْنَاهُ: وَلَا تخونوا افي تَضْييع حق من هَذَا سَبيله، وَإِنَّمَا اكْتفى فِي النَّهْي بِذِمَّة اوحده، وَلم يذكر الرَّسُول كَمَا ذكر أَولا، لِأَنَّهُ ذكر الأَصْل لحُصُول الْمَقْصُود بِهِ ولاستلزامه عدم إخفاره ذمَّة الرَّسُول، وَأما ذكره أَولا فللتأكيد وَتَحْقِيق عصمته مُطلقًا، وَالضَّمِير فِي ذمَّته يرجع إِلَى الْمُسلم أَو إِلَى اتعالى، فَافْهَم.

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ: فِيهِ: أَن أُمُور النَّاس مَحْمُولَة على الظَّاهِر دون بَاطِنهَا، فَمن أظهر شَعَائِر الدّين أجريت عَلَيْهِ أَحْكَام أَهله مَا لم يظْهر مِنْهُ خلاف ذَلِك، فَإِذا دخل رجل غَرِيب فِي بلد من بِلَاد الْمُسلمين بدين أَو مَذْهَب فِي الْبَاطِن

غير أَنه عَلَيْهِ زِيّ الْمُسلمين حمل على ظَاهر أمره على أَنه مُسلم حَتَّى يظْهر خلاف ذَلِك. وَفِيه: مَا يدل على تَعْظِيم شان الْقبْلَة، وَهِي من فَرَائض الصَّلَاة، وَالصَّلَاة أعظم قربات الدّين، وَمن ترك الْقبْلَة مُتَعَمدا فَلَا صَلَاة لَهُ، وَمن لَا صَلَاة لَهُ فَلَا دين لَهُ. وَفِيه: أَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة شَرط للصَّلَاة مُطلقًا، إلَاّ فِي حَالَة الْخَوْف، ثمَّ من كَانَ بِمَكَّة شرفها اتعالى فالفرض فِي حَقه إِصَابَة عينهَا سَوَاء كَانَ بَين الْمُصَلِّي وَبَين الْكَعْبَة حَائِل بجدار أَو لم يكن، حَتَّى لَو اجْتهد وَصلى فَبَان خَطؤُهُ، فَقَالَ الرَّازِيّ: يُعِيد، وَنقل ابْن رستم عَن مُحَمَّد بن الْحسن: لَا يُعِيد إِذا بَان خَطؤُهُ بِمَكَّة أَو بِالْمَدِينَةِ، قَالَ: وَهُوَ الأقيس لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا فِي وَسعه، وَذكر أَبُو الْبَقَاء أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وضع محراب رَسُول الله مسامت الْكَعْبَة، وَقيل: كَانَ ذَلِك بالمعاينة، بِأَن كشف الْحَال وأزيلت الحوائل، فَرَأى رَسُول الله الْكَعْبَة فَوضع قبْلَة مَسْجده عَلَيْهَا، وَأما من كَانَ غَائِبا عَن الْكَعْبَة ففرضه جِهَة الْكَعْبَة لَا عينهَا، وَهُوَ قَول الْكَرْخِي وَأبي بكر الرَّازِيّ وَعَامة مَشَايِخ الْحَنَفِيَّة. وَقَالَ أَبُو عبد االجرجاني، شيخ أبي الْحسن الْقَدُورِيّ الْفَرْض إِصَابَة عينهَا فِي حق الْحَاضِر وَالْغَائِب، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي. قَالَ النوووي: الصَّحِيح عَن الشَّافِعِي فرض الْمُجْتَهد مطلوبية عينهَا. وَفِي تعلم أَدِلَّة الْقبْلَة ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَنه فرض كِفَايَة. الثَّانِي: فرض عين وَلَا يَصح. الثَّالِث: فرض كِفَايَة إلَاّ أَن يُرِيد سفرا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) : وَالَّذِي رُوِيَ مَرْفُوعا: (الْكَعْبَة قبْلَة من يُصَلِّي فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، وَالْمَسْجِد الْحَرَام قبْلَة أهل مَكَّة مِمَّن يُصَلِّي فِي بَيته أَو فِي الْبَطْحَاء، وَمَكَّة قبْلَة أهل الْحرم، وَالْحرم قبْلَة لأهل الْآفَاق) . فَهُوَ حَدِيث ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ. وَفِيه: أَن من جملَة الشواهد بِحَال الْمُسلم أكل ذَبِيحَة الْمُسلمين، وَذَلِكَ أَن طوائف من الكتابيين والوثنيين يتحرجون من أكل ذَبَائِح الْمُسلمين، والوثني الَّذِي يعبد الوثن أَي الصَّنَم.

٢٩٣٨٥ - ح دّثنا نُعَيْمٌ قَالَ حدّثنا ابنُ المبارَك عِنْ حُمَيْدِ الطَّوِيل عنْ أنسَ بن مالكٍ قَالَ قَالَ رَسُول الله أَمرتُ أَن أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقولوا لَا إلَهَ إِلَاّ اللَّهُ فإِذَا قالُوها وصَلَّوْا صَلَاتَنا واسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا فَقَدْ حَرُمَتْ عَليْنا دِماؤُهُمْ وأمْوالُهُمْ إلَاّ بِحَقِّها وحسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ. .

حَدِيث أنس هَذَا أخرجه البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب من ثَلَاثَة أوجه. الأول: مُسْند عَن عَمْرو بن عَبَّاس الخ، وَقد مر. وَالثَّانِي: فِيهِ خلاف بَين الروَاة من أَرْبَعَة أوجه. الأول: حَدثهُ البُخَارِيّ عَن نعيم بن حَمَّاد الْخُزَاعِيّ، ونعيم خرجه مُعَلّقا من حَيْثُ قَالَ: قَالَ ابْن الْمُبَارك، وَهُوَ عبد ابْن الْمُبَارك، وَهَذَا هُوَ الْمَذْكُور فِي نسختنا. الثَّانِي: قَالَ ابْن شَاكر رَاوِي البُخَارِيّ عَنهُ: قَالَ نعيم بن حَمَّاد: فَالْبُخَارِي علقه. وَالثَّالِث: رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة، قَالَ ابْن الْمُبَارك بِغَيْر ذكر نعيم: فَالْبُخَارِي أَيْضا علقه. وَالرَّابِع: وَقع مُسْندًا حَيْثُ قَالَ فِي بعض النّسخ: حدّثنا نعيم حدّثنا ابْن الْمُبَارك ... الخ. وَالثَّالِث من الْأَوْجه: الَّتِي ذكرهَا البُخَارِيّ: مُعَلّق مَوْقُوف على مَا يَأْتِي عَن قريب.

وَأخرج أَبُو دَاوُد هَذَا الحَدِيث فِي الْجِهَاد وَالتِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن سعيد بن يَعْقُوب عَن ابْن الْمُبَارك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْمُحَاربَة عَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن حبَان عَن ابْن الْمُبَارك.

قَوْله: (أمرت) أَي: أَمرنِي اتعالى، وَإِنَّمَا طوى ذكر الْفَاعِل لشهرته ولتعظيمه. قَوْله: (أَن أقَاتل النَّاس) أَي: بِأَن أقَاتل، وكملة: أَن، مَصْدَرِيَّة، وَأَرَادَ بِالنَّاسِ: الْمُشْركين. قَوْله: (حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إلَاّ ا) ، إِنَّمَا اكْتفى بِذكر هَذَا الشَّرْط من غير انضمام: مُحَمَّد رَسُول ا، لِأَنَّهُ عبر على طَرِيق الْكِنَايَة عَن الْإِقْرَار برسالته بِالصَّلَاةِ والاستقبال وَالذّبْح، لِأَن هَذِه الثَّلَاثَة من خَواص دينه، لِأَن الْقَائِلين: لَا إِلَه إِلَّا ا، كاليهود فصلاتهم بِدُونِ الرُّكُوع، وقبلتهم غير الْكَعْبَة، وذبيحتهم لَيست كذبيحتنا. وَقد يُجَاب بِأَن هَذَا الشَّرْط الأول من كلمة الشَّهَادَة شعار لمجموعها، كَمَا يُقَال قَرَأت: {ألم ذَلِك الْكتاب} (الْبَقَرَة: ١ ٢) وَالْمرَاد كل السُّورَة، لَا يُقَال: فعلى هَذَا لَا يحْتَاج إِلَى الْأُمُور الثَّلَاثَة، لِأَن مُجَرّد هَذِه الْكَلِمَة الَّتِي هِيَ شعار الْإِسْلَام مُحرمَة للدماء وَالْأَمْوَال، لأَنا نقُول: الْغَرَض مِنْهُ بَيَان تَحْقِيق القَوْل بِالْفِعْلِ وتأكيد أمره، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذا قالوها وحققوا مَعْنَاهَا بموافقة الْفِعْل لَهَا فَتكون مُحرمَة. وَأما تَخْصِيص هَذِه الثَّلَاثَة من بَين سَائِر الْأَركان وواجبات الدّين فلكونها أظهرها وَأَعْظَمهَا وأسرعها علما بهَا، إِذْ فِي الْيَوْم الأول من الملاقاة مَعَ الشَّخْص يعلم صلَاته وَطَعَامه، غَالِبا، بِخِلَاف نَحْو الصَّوْم فَإِنَّهُ لَا يظْهر الامتياز بَيْننَا وَبينهمْ بِهِ وَنَحْو الْحَج فَإِنَّهُ قد يتَأَخَّر إِلَى شهور وسنين، وَقد لَا يجب عَلَيْهِ أصلا. قَوْله: (وذبحوا ذبيحتنا) أَي: ذَبَحُوا الْمَذْبُوح مثل مذبوحنا،

والذبيحة على وزن: فعيلة بِمَعْنى: الْمَذْبُوح. فَإِن قلت: فعيل: إِذا كَانَ بِمَعْنى الْمَفْعُول يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث فَلَا تدخله التَّاء. قلت: لما زَالَ عَنهُ معنى الوصفية وغلبت الإسمية عَلَيْهِ واستوى فِيهِ الْمُذكر والمؤنث فدخله التَّاء، وَقد يُقَال: إِن الاسْتوَاء فِيهِ عِنْد ذكر الْمَوْصُوف مَعَه، وَأما إِذا انْفَرد عَنهُ فَلَا. قَوْله: (إِلَّا بِحَقِّهَا) . أَي: إلَاّ بِحَق الدِّمَاء وَالْأَمْوَال، وَفِي حَدِيث ابْن عمر: (فَإِذا فعلوا ذَلِك عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إلَاّ بِحَق الْإِسْلَام) . قَوْله: (وحسابهم على ا) ، على سَبِيل التَّشْبِيه أَي: هُوَ كالواجب على افي تحقق الْوُقُوع، وإلَاّ فَلَا يجب على اشيء، وَكَانَ الأَصْل فِيهِ أَن يُقَال: وحسابهم أَو إِلَى ا، وَقد مر تَحْقِيق الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب مُسْتَوفى فِي بَاب {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة} (التَّوْبَة: ٥، ١١) .

وقالَ عَلِيُّ بنُ عبْدِ اللَّهِ حدّثنا خالِدُ بنُ الْحَارِثِ قَالَ حدّثنا حُمَيْدٌ قَالَ سَأَلَ مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ أنَسَ بْنَ مالِكٍ قَالَ يَا أَبَا حَمْزَةَ وَمَا يُحَرِّمُ دَمَ الْعَبْدِ ومالَهُ فَقَالَ مَنْ شَهِدَ أنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ واسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَصَلَّى صَلَاتَنا وأكَلَ ذَبِيحَتَنا فَهْوَ الْمُسْلِمُ لهُ مَا لِلْمُسْلِمِ وعلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ.

هَذَا مُعَلّق وَمَوْقُوف أما التَّعْلِيق فَإِنَّهُ قَالَ: قَالَ عَليّ بن عبد اهو ابْن الْمَدِينِيّ. وفاعل قَالَ الأول: هُوَ: البُخَارِيّ، وفاعل قَالَ الثَّانِي: ظَاهر وَهُوَ شَيْخه عَليّ بن الْمَدِينِيّ. وَأما الْوَقْف فَإِن أنسا لم يرفعهُ. قَوْله: (يَا با حَمْزَة) أَصله: يَا أَبَا حَمْزَة، فحذفت الْهمزَة للتَّخْفِيف، وَأَبُو حَمْزَة كنية أنس. قَوْله: (وَمَا يحرم؟) ، بِالتَّشْدِيدِ من التَّحْرِيم، وَكلمَة: مَا، استفهامية. فَإِن قلت: و: مَا يحرم، عطف على: مَاذَا؟ قلت: على شَيْء مَحْذُوف كَأَنَّهُ سَأَلَ عَن شَيْء قبل هَذَا، ثمَّ قَالَ: وَمَا يحرم، وَلم تقع: الْوَاو، فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة. وَقَالَ بَعضهم: الْوَاو استئنافية. قلت: الِاسْتِئْنَاف كَلَام مُبْتَدأ فعلى هَذَا لَا يبْقى مقول لقَالَ، فَيحْتَاج إِلَى تَقْدِير. فَإِن قلت: الْجَواب: يَنْبَغِي أَن يكون مطابقاً للسؤال، وَالسُّؤَال هُنَا عَن سَبَب التَّحْرِيم، فَالْجَوَاب كَيفَ يطابقه؟ قلت: الْمُطَابقَة ظَاهِرَة لِأَن قَوْله: من شهد، الخ هُوَ الْجَواب وَزِيَادَة، لِأَنَّهُ لما ذكر الشَّهَادَة وَمَا عطف عَلَيْهَا علم أَن الَّذِي يفعل هَذَا هُوَ الْمُسلم، وَالْمُسلم يحرم دَمه وَمَاله إِلَّا بِحقِّهِ. قَوْله: (لَهُ) أَي: من النَّفْع، و: (عَلَيْهِ) أَي: من الْمضرَّة، والتقديم يُفِيد الْحصْر أَي: لَهُ ذَلِك لَا لغيره.

(٣٩٣) قَالَ ابنُ أبي مَرْيَمَ أخْبَرَنَا يَحْيَى قالَ حدّثنا حُمَيْدٌ قالَ حدّثنا أنَسٌ عنِ النبيِّ.

هَذَا أَيْضا مُعَلّق رَوَاهُ ابْن أبي مَرْيَم، وَهُوَ سعيد بن الحكم الْمصْرِيّ عَن يحيى بن أَيُّوب الغافقي الْمصْرِيّ عَن حميد الطَّوِيل عَن أنس بن مَالك، وَقد وَصله أَبُو نعيم: حدّثنا أَبُو أَحْمد الْجِرْجَانِيّ حدّثنا، إِبْرَاهِيم بن مُوسَى حدّثنا إِبْرَاهِيم بن هانىء حدّثنا عَمْرو بن الرّبيع (ح) وحدّثنا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد حدّثنا أَبُو عرُوبَة حدّثنا عمر بن الْخطاب حدّثنا ابْن أبي مَرْيَم، قَالَا: حدّثنا يحيى بن أَيُّوب أَخْبرنِي حميد سمع أنسا ... فَذكره، وَفِي هَذَا فَائِدَة وَهِي: تَصْرِيح حميد بِسَمَاعِهِ إِيَّاه من أنس، وَلَكِن طعن فِيهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَقَالَ: الحَدِيث حَدِيث مَيْمُون وَإِنَّمَا سَمعه حميد مِنْهُ، وَلَا يحْتَج بِيَحْيَى بن أَيُّوب فِي قَوْله: عَن حميد حدّثنا أنس قَالَ، وَيدل على ذَلِك مَا أخبرنَا يحيى بن مُحَمَّد بن البحتري حدّثنا عبيد ابْن معَاذ حدّثنا أبي عَن حميد عَن مَيْمُون، قَالَ: (سَأَلت أنسا مَا يحرم مَال الْمُسلم وَدَمه؟) الحَدِيث

قلت: رِوَايَة معَاذ لَا دَلِيل فِيهَا على أَن حميدا لم يسمعهُ من أنس، لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون سَمعه من أنس ثمَّ استثبت فِيهِ عَن مَيْمُون، فَكَأَنَّهُ تَارَة يحدث بِهِ عَن أنس لأجل الْعُلُوّ، وَتارَة عَن مَيْمُون للاستثبات، وَقد جرت عَادَة حميد وَغَيره بِهَذِهِ الطَّرِيقَة. فَإِن قلت: جَاءَ عَن أبي هُرَيْرَة: (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَه إِلَّا ا، فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا) . وَجَاء عَن ابْن عمر: (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَه إِلَّا اويقيموا الصَّلَاة ويؤتوا الزَّكَاة، فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ) ، وَجَاء عَن أنس الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب، فَمَا التَّوْفِيق بَين هَذِه الرِّوَايَات الثَّلَاث؟ قلت: إِنَّمَا اخْتلفت هَذِه الْأَلْفَاظ فزادت ونقصت لاخْتِلَاف الْأَحْوَال والأوقات الَّتِي وَقعت هَذِه الْأَقْوَال فِيهَا، وَكَانَت أُمُور الشَّرِيعَة تشرع شَيْئا فَشَيْئًا فَخرج كل قَول فِيهَا على شَرط الْمَفْرُوض فِي حِينه، فَصَارَ كل مِنْهَا فِي زَمَانه شرطا لحقن الدَّم وَحُرْمَة المَال، وَلَا مُنَافَاة بَين الرِّوَايَات وَلَا اخْتِلَاف.

٩٢ - (بابُ قِبْلَةِ أهْلِ المَدِينةِ وأهْلِ الشَّأَمِ والمَشْرِقِ لَيْسَ فِي المَشْرِقِ ولَا فِي المَغْرِبِ قِبْلَة)

هَذَا الْموضع يحْتَاج إِلَى تَحْرِير قوي، فَإِن أَكثر من تصدى لشرحه لم يغنِ شَيْئا بل بَعضهم ركب البعاد وخرط القتاد، فَنَقُول، وبا التَّوْفِيق: إِن قَوْله: بَاب، إِمَّا أَن يُضَاف إِلَى مَا بعده أَو يقطع عَنهُ، وَإِن لَفْظَة: قبْلَة، بعد قَوْله: وَلَا فِي الْمغرب، إِمَّا أَن تكون مَوْجُودَة أَو لَا، وَلكُل وَاحِد من ذَلِك وَجه.

فَفِي الْقطع وَعدم وجود لَفْظَة: قبْلَة، يكون لَفْظَة. بَاب، منوناً على تَقْدِير: هَذَا بَاب. وَيجوز أَن يكون سَاكِنا مثل تعداد الْأَسْمَاء لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ بِالْعقدِ والتركيب، وَيكون قَوْله: قبْلَة أهل الْمَدِينَة، الَّذِي هُوَ كَلَام إضافي مُبْتَدأ، أَو، قَوْله: وَأهل الشَّام، بِالْجَرِّ عطفا على الْمُضَاف إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ قَوْله: والمشرق، بِالْجَرِّ. وَقَوله: لَيْسَ فِي الْمشرق، خبر الْمُبْتَدَأ. وَلَكِن لَا بُد فِيهِ من تقديرين: أَحدهمَا: أَن يقدر لفظ: قبْلَة، الَّذِي هُوَ الْمُبْتَدَأ بِلَفْظ: مُسْتَقْبل أهل الشَّام، لوُجُوب التطابق بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر فِي التَّذْكِير والتأنيث. وَالثَّانِي: أَن يؤول لفظ: الْمشرق، بالتشريق، وَلَفظ: الْمغرب، بالتغريب، وَالْعرب تطلق الْمشرق وَالْمغْرب لِمَعْنى التَّشْرِيق والتغريب، قَالَه ثَعْلَب وَأنْشد.

أبعد مغربهم بَغْدَاد ساحتها

وَقَالَ ثَعْلَب: مَعْنَاهُ أبعد تغريبهم؟ فَإِن قلت: لم لم يذكر: الْمغرب، بعد قَوْله: والمشرق، مَعَ أَن الْعلَّة فيهمَا مُشْتَركَة؟ قلت: اكْتفى بذلك عَنهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {سرابيل تقيكم الْحر} (النَّحْل: ١٨) أَي: وَالْبرد، وَأما تَخْصِيص الْمشرق فَلِأَن أَكثر بِلَاد الْإِسْلَام فِي جِهَة الْمشرق.

وَأما فِي الْإِضَافَة، وَتَقْدِير وجود لفظ: قبْلَة، بعد قَوْله: وَلَا فِي الْمغرب، فتقديره؛ هَذَا بَاب فِي بَيَان قبْلَة أهل الْمَدِينَة وقبلة أهل الشَّام وقبلة أهل الْمشرق، ثمَّ بَين ذَلِك بِالْجُمْلَةِ الاستئنافية، وَهِي قَوْله: لَيْسَ فِي الْمشرق وَلَا فِي الْمغرب قبْلَة، وَلِهَذَا ترك العاطف، وَالْجُمْلَة الاستئنافية فِي الْحَقِيقَة جَوَاب عَن سُؤال مُقَدّر، وَهُوَ أَنه: لما قَالَ: بَاب قبْلَة أهل الْمَدِينَة وَأهل الشَّام والمشرق، انتصب سَائل فَقَالَ: كَيفَ قبْلَة هَذِه الْمَوَاضِع؟ فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْمشرق وَلَا فِي الْمغرب قبْلَة. وَقَالَ السفاقسي: يُرِيد أَن قبْلَة هَؤُلَاءِ الْمُسلمين لَيست فِي الْمشرق مِنْهُم وَلَا فِي الْمغرب، بِدَلِيل أَن النَّبِي، أَبَاحَ لَهُم قَضَاء الْحَاجة فِي جِهَة الْمشرق مِنْهُم وَالْمغْرب. قلت: مَعْنَاهُ: الْقبْلَة مَا بَينهمَا، لما روى التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ النَّبِي: (مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة) . ثمَّ قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن غير وَاحِد من أَصْحَاب النَّبِي: مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة، مِنْهُم عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب وَابْن عَبَّاس، وَقَالَ ابْن عمر: (إِذا جعلت الْمغرب عَن يَمِينك والمشرق عَن يسارك فَمَا بَينهمَا قبْلَة إِذا اسْتقْبلت الْقبْلَة) وَقَوله: (مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة) ، لَيْسَ عَاما فِي سَائِر الْبِلَاد، وَإِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة، وَمَا وَافق قبلتها، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الخلافيات) : وَالْمرَاد، وَا أعلم، أهل الْمَدِينَة. وَمن كَانَت قبلته على سمت أهل الْمَدِينَة. وَقَالَ أَحْمد بن خَالِد الذَّهَبِيّ: قَول عمر بن الْخطاب، رَضِي اتعالى عَنهُ: مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قبْلَة، قَالَه بِالْمَدِينَةِ، فَمن كَانَت قبلته مثل قبْلَة الْمَدِينَة فَهُوَ من سَعَة مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب، ولسائر الْبلدَانِ من السعَة فِي الْقبْلَة مثل ذَلِك بَين الْجنُوب وَالشمَال، وَنَحْو ذَلِك؛ وَقَالَ ابْن بطال: تَفْسِير هَذِه التَّرْجَمَة يَعْنِي: وقبلة مشرق الأَرْض كلهَا إلَاّ مَا قَابل مشرق مَكَّة من الْبِلَاد الَّتِي تكون تَحت الْخط الْمَار عَلَيْهَا من الْمشرق إِلَى الْمغرب، فَحكم مشرق الأَرْض كلهَا كَحكم مشرق أهل الْمَدِينَة وَالشَّام فِي الْأَمر بالانحراف عِنْد الْغَائِط، لأَنهم إِذا شرقوا أَو غربوا لم يستقبلوا الْقبْلَة وَلم يستدبروها. قَالَ: وَأما مَا قَابل مشرق مَكَّة من الْبِلَاد الَّتِي تكون تَحت الْخط الْمَار عَلَيْهَا من مشرقها، إِلَى مغْرِبهَا فَلَا يجوز لَهُم اسْتِعْمَال هَذَا الحَدِيث، وَلَا يَصح لَهُم أَن يشرقوا. وَلَا أَن يغربوا لأَنهم إِذا شرقوا استدبروا الْقبْلَة، وَإِذا غربوا استقبلوها، وَكَذَلِكَ من كَانَ موازياً بمغرب مَكَّة إِن غرب استدبر الْقبْلَة، وَإِن شَرق اسْتَقْبلهَا، وَإِنَّمَا ينحرف إِلَى الْجنُوب أَو الشمَال، فَهَذَا هُوَ تغريبه وتشريقه.

قَالَ: وَتَقْدِير التَّرْجَمَة: بَاب قبْلَة أهل الْمَدِينَة وَأهل الشَّام والمشرق وَالْمغْرب لَيْسَ فِي التَّشْرِيق وَلَا فِي التَّغْرِيب يَعْنِي أَنهم عِنْد الانحراف للتشريق والتغريب لَيْسُوا مواجهين للْقبْلَة وَلَا مستدبرين لَهَا.

لقوْلِ النَّبيِّ (لَا تسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِغَائِطٍ أوْ بَوْلٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أوْ غَرِّبُوا) . هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ النَّسَائِيّ مَوْصُولا. فَقَالَ: أخبرنَا مَنْصُور، قَالَ: حدّثنا سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن عَطاء بن يزِيد عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أَن النَّبِي، قَالَ: (لَا تستقبلوا الْقبْلَة بغائط وَلَا بَوْل وَلَكِن شرقوا أَو غربوا) . وَاحْتج البُخَارِيّ

بِعُمُوم هَذَا الحَدِيث، وَسوى بَين الصَّحَارِي والأبنية، وَجعله دَلِيلا للتَّرْجَمَة الَّتِي وَضعهَا، وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن فِي نفس حَدِيثه الَّذِي ذكره أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) وَالْبُخَارِيّ أَيْضا على مَا يَجِيء الْآن، مَا يدل على عكس مَا أَرَادَهُ وَذَلِكَ أَن أَبَا أَيُّوب رَضِي اتعالى عَنهُ، قَالَ فِي حَدِيثه، (فقدمنا الشَّام فَوَجَدنَا مراحيض قد بنيت نَحْو الْكَعْبَة، لَكنا ننحرف عَنْهَا، ونستغفر اعز وَجل) . قلت: لَا يرد عَلَيْهِ هَذَا أصلا لِأَن الْمَنْع لأجل تَعْظِيم الْقبْلَة وَهُوَ مَوْجُود فِي الصَّحرَاء والبنيان، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو أَيُّوب: (لَكنا ننحرف عَنْهَا ونستغفر اعز وَجل) ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة، وَبِه قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة، وَذهب الشَّافِعِي وَمَالك إِلَى أَنه يحرم اسْتِقْبَال الْقبْلَة فِي الصَّحرَاء بالبول وَالْغَائِط، وَلَا يحرم ذَلِك فِي الْبُنيان، وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الْوضُوء.

٤٩٣٩٥ - ح دّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حدّثنا سُفْيانُ قَالَ حدّثنا الزُّهْرِيُّ عنْ عَطاءِ بنِ يَزِيدَ عنْ أبي أيُّوب الأَنْصارِيِّ أنَّ النبيَّ قَالَ: (إِذَا أَتَيْتُمُ الْغائِطَ فَلَا تَسْتَقْبلوا القِبْلَةَ ولَا تَسْتَدْبِرُوها ولَكنْ شَرِّقُوا أوْ غَرِّبُوا) قَالَ أبُو أيُّوبَ فَقَدِمْنا الشَّأَمَ فَوَجَدْنا مَراحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ القِبْلَةِ فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى. (انْظُر الحَدِيث ٤٤١) .

مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (شرقوا أَو غربوا) لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا: لَيْسَ فِي الْمشرق وَلَا فِي الْمغرب قبْلَة، فَإِذا لم تكن فيهمَا قبْلَة يتَوَجَّه المستنجي إِلَيْهَا إِمَّا يشرق وَإِمَّا يغرب.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: عَليّ بن عبد االمديني، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَاسم أبي أَيُّوب خَالِد بن زيد رَضِي اتعالى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومكي ومدني.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ، وَأخرجه مُسلم فِيهَا عَن يحيى بن يحيى وَزُهَيْر وَابْن نمير، وَأَبُو دَاوُد فِيهَا أَيْضا عَن مُسَدّد، وَالتِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي، خمستهم عَن سُفْيَان بِهِ، وَالنَّسَائِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بِهِ، وَابْن مَاجَه كَذَلِك عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح عَن ابْن وهب عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ نَحوه.

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (الْغَائِط) ، اسْم للْأَرْض المطمئنة لقَضَاء الْحَاجة. قَوْله: (فقدمنا الشَّام) ، وَهُوَ إقليم مَشْهُور يذكر وَيُؤَنث، وَيُقَال مهموزاً ومسهلاً، وَسميت بسام بن نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لِأَنَّهُ أول من نزلها، فَجعلت السِّين شيناً مُعْجمَة تغييراً للفظ الأعجمي، وَقيل: سميت بذلك لِكَثْرَة قراها وتداني بَعْضهَا من بعض فشبهت بالشامات. قَوْله: (مراحيض) ، بِفَتْح الْمِيم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة: جمع مرحاض، بِكَسْر الْمِيم، وَهُوَ الْبَيْت الْمُتَّخذ لقَضَاء حَاجَة الْإِنْسَان، أَي: التغوط، قَوْله: (قبل الْكَعْبَة) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، أَي: مقابلها. قَوْله: (فننحرف) أَي: عَن جِهَة الْقبْلَة من الانحراف. ويروى: (فنتحرف) من التحرف. قَوْله: (ونستغفر اتعالى) ، قيل: نَسْتَغْفِر الْمَنّ بناها فَإِن الاسْتِغْفَار للمذنبين سنة. وَقيل: نَسْتَغْفِر امن الِاسْتِقْبَال، وَقيل: نَسْتَغْفِر امن ذنُوبه. وَيُقَال: لَعَلَّ أَبَا أَيُّوب لم يبلغهُ حَدِيث ابْن عمر فِي ذَلِك وَلم يره مُخَصّصا. وَحمل مَا رَوَاهُ على الْعُمُوم، وَهَذَا الاسْتِغْفَار لنَفسِهِ لَا للنَّاس على هَذِه الْهَيْئَة. فَإِن قلت: الغالط والساهي لم يفعل إِثْمًا فَلَا حَاجَة فِيهِ إِلَى الاسْتِغْفَار. قلت: أهل الْوَرع والمناصب الْعلية فِي التَّقْوَى قد يَفْعَلُونَ مثل هَذَا بِنَاء على نسبتهم التَّقْصِير إِلَى أنفسهم فِي التحفظ ابْتِدَاء، وَقد مر مَا يستنبط مِنْهُ فِيمَا مضى فِي كتاب الْوضُوء.

وعنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عَطاءٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا أيُّوبَ عنِ النبيِّ مِثْلَهُ.

قَوْله: (وَعَن الزُّهْرِيّ) عطف على قَوْله: (حدّثنا سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ) يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور أَيْضا عَن الزُّهْرِيّ عَن عَطاء بن يزِيد الْمَذْكُور، سَمِعت أَبَا أَيُّوب. وَفَائِدَة ذكره مكرراً أَن فِي الطّرق الأول عنعن الزُّهْرِيّ عَن عَطاء عَن أبي أَيُّوب، وَفِي هَذَا الطَّرِيق صرح عَطاء بِالسَّمَاعِ عَن أبي أَيُّوب، وَالسَّمَاع أقوى من العنعنة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: السماع أقوى من العنعنة. وَهِي أقوى من أَن، لَكِن فِيهِ ضعف من جِهَة التَّعْلِيق عَن الزُّهْرِيّ. قلت: الظَّاهِر مَعَ الْكرْمَانِي، وَلَكِن الحَدِيث بِهَذَا

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
أستغفر الله