الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤١٩
الحديث رقم ٤١٩ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة وذكر القبلة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٤١٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَرَى بِهَا مَنْ وَرَاءَهُ دَائِمًا، وَقِيلَ: كَانَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَيْنَانِ مِثْلُ سَمِّ الْخِيَاطِ يُبْصِرُ بِهِمَا لَا يَحْجُبُهُمَا ثَوْبٌ وَلَا غَيْرُهُ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَتْ صُوَرُهُمْ تَنْطَبِعُ فِي حَائِطِ قِبْلَتِهِ كَمَا تَنْطَبِعُ فِي الْمِرْآةِ فَيَرَى أَمْثِلَتَهُمْ فِيهَا فَيُشَاهِدُ أَفْعَالَهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَلَا خُشُوعُكُمْ) أَيْ فِي جَمِيعِ الْأَرْكَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ السُّجُودَ؛ لِأَنَّ فِيهِ غَايَةَ الْخُشُوعِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالسُّجُودِ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ: (إِنِّي لَأَرَاكُمْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ.
٤١٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى لنا النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةً، ثُمَّ رَقِيَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ فِي الصَّلَاةِ وَفِي الرُّكُوعِ: إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَائِي كَمَا أَرَاكُمْ.
[الحديث ٤١٩ - طرفاه في: ٦٦٤٤، ٧٤٢]
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ (صَلَّى لَنَا) أَيْ لِأَجْلِنَا. وَقَوْلُهُ: (صَلَاةٌ) بِالتَّنْكِيرِ لِلْإِبْهَامِ. وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ رَقِيَ) بِكَسْرِ الْقَافِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ فِي شَأْنِ الصَّلَاةِ، أَوْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ بَعْدُ (إِنِّي لَأَرَاكُمْ) عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ تَقَدُّمَ الظَّرْفِ. وَقَوْلُهُ: (وَفِي الرُّكُوعِ) أفَرْده بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ اهْتِمَاما بِهِ إِمَّا لِكَوْنِ التَّقْصِيرِ فِيهِ كَانَ أَكْثَرَ، أَوْ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْأَرْكَانِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَسْبُوقَ يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ بِتَمَامِهَا بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا أَرَاكُمْ) يَعْنِي مِنْ أَمَامِي. وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى كَمَا سَيَأْتِي. وَلِمُسْلِمٍ: إِنِّي لَأُبْصِرُ مَنْ وَرَائِي كَمَا أُبْصِرُ مَنْ بَيْنَ يَدَيَّ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْمُخْتَارِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّؤْيَةِ الْإِبْصَارُ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاقِعًا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ. وَحَكَى بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُبْصِرُ فِي الظُّلْمَةِ كَمَا يُبْصِرُ فِي الضَّوْءِ. وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى إِتْمَامِ أَرْكَانِهَا وَأَبْعَاضِهَا، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَبِّهَ النَّاسَ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْوَالِ الصَّلَاةِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ رَأَى مِنْهُمْ مَا يُخَالِفُ الْأُولَى. وَسَأَذْكُرُ حُكْمَ الْخُشُوعِ فِي أَبْوَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ حَيْثُ تَرْجَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ مَعَ بَقِيَّةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٤١ - بَاب هَلْ يُقَالُ مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ
٤٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ مِنْ الْحَفْيَاءِ، وَأَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ. وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنْ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا.
[الحديث ٤٢٠ - أطرافه في: ٧٣٣٦، ٢٨٧٠، ٢٨٦٩، ٢٨٦٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ هَلْ يُقَالُ مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمُسَابَقَةِ، وَفِيهِ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ وَزُرَيْقٌ بِتَقْدِيمِ الزَّاي مُصَغَّرا، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ إِضَافَةِ الْمَسَاجِدِ إِلَى بَانِيهَا أَوِ الْمُصَلِّي فِيهَا، وَيَلْتَحِقُ بِهِ جَوَازُ إِضَافَةِ أَعْمَالِ الْبِرِّ إِلَى أَرْبَابِهَا، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ فِيهِ احْتِمَالًا إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ عَلِمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْإِضَافَةُ وَقَعَتْ فِي زَمَنِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا حَدَثَ بَعْدَهُ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْجَوَازِ، وَالْمُخَالِفُ فِي ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ: مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ وَيَقُولُ: مُصَلَّى بَنِي فُلَانٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْإِضَافَةَ فِي مِثْلِ هَذَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وإنَّما تلك (١) أمورٌ عاديَّةٌ يجوز حصول الإدراك مع عدمها عقلًا، أو كانت له ﵊ عينان بين كتفيه مثل سمِّ الخياط يبصر بهما لا تحجبهما الثِّياب، أو غير ذلك ممَّا ذكرته في «المواهب اللُّدنيَّة بالمنح المحمَّديَّة»، وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة».
٤١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوُحَاظِيُّ، بضمِّ الواو وتخفيف المُهمَلة ثمَّ مُعجمَةٍ، الحمصيُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئتين، وقد جاوز السَّبعين (قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره مُهمَلةٌ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وستِّين ومئةٍ (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ) الفهريِّ المدنيِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريِّ ﵁ (قَالَ: صَلَّى بِنَا) بالمُوحَّدة، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «صلَّى لنا» أي: لأجلنا (النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «رسول الله» (ﷺ صَلَاةً) بالتَّنكير للإبهام (ثُمَّ رَقِيَ) بفتح الرَّاء وكسر القاف
وفتح الياء، ويجوز فتح القاف على لغة طيءٍ، أي: صعد (المِنْبَرَ) بكسر الميم (فَقَالَ فِي) شأن (الصَّلَاةِ وَفِي الرُّكُوعِ: إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَائِي كَمَا أَرَاكُمْ) أي: من أمامي، وأفرد الرُّكوع بالذِّكر اهتمامًا به لكونه أعظم الأركان؛ لأنَّ المسبوق يدرك الرَّكعة بتمامها بإدراكه الركوع، أو لكون التَّقصير كان فيه أكثر، وإطلاق الرُّؤية من ورائه (١) يقتضي عمومه في الصَّلاة وغيرها. نعم السِّياق يقتضي أنَّ ذلك في الصَّلاة فقط، والكاف في «كما أراكم» للتَّشبيه، فالمُشبَّه به (٢) الرُّؤية المُقيَّدة بالقدَّام، والمُشبَّه المُقيَّدة بالوراء.
وقد أخرج المؤلِّف هذا الحديث في «الرِّقاق» [خ¦٦٦٤٤] أيضًا.
(٤١) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُقَالُ) أي: هل يجوز أن يُضَاف مسجدٌ من المساجد إلى بانيه، أو ملازم الصَّلاة فيه، أو نحو ذلك، فيقال: (مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ) والجمهور على الجواز خلافًا لإبراهيم النَّخعيِّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] وحديث الباب يردُّ عليه، وأُجيب عن الآية: بحمل الإضافة فيها إلى الله تعالى على الحقيقة، وإلى غيره على سبيل المجاز للتَّمييز والتَّعريف لا للمُلْك.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على شَيْئَيْنِ: أَولهمَا مبادرة البزاق، وَالْآخر هُوَ أَخذ الْمُصَلِّي بزاقه بِطرف ثَوْبه، وَفِي الحَدِيث مَا يُطَابق الثَّانِي وَهُوَ قَوْله: (ثمَّ أَخذ طرف رِدَائه فبزق فِيهِ) وَلَيْسَ للجزء الأول ذكر فِي الحَدِيث أصلا، وَلِهَذَا اعْترض عَلَيْهِ فِي ذَلِك، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال، وَإِن كَانَ فِيهِ تعسف: كَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى مَا فِي بعض طرق الحَدِيث، وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر بِلَفْظ: (وليبصق عَن يسَاره تَحت رجله الْيُسْرَى، فَإِن عجلت بِهِ بادرة فَلْيقل بِثَوْبِهِ هَكَذَا، ثمَّ طوى بعضه على بعض) . وروى أَبُو دَاوُد: (فَإِن عجلت بِهِ بادرة فَلْيقل بِثَوْبِهِ هَكَذَا، وَضعه على فِيهِ ثمَّ دلكه) . قَوْله: (بادرة) أَي: حِدة، وبادرة الْأَمر: حِدته، وَالْمعْنَى: إِذا غلب غليه البصاق والنخامة فَلْيقل بِثَوْبِهِ هَكَذَا. وَقَوله: (وَضعه على فِيهِ) تَفْسِير لقَوْله: (فَلْيقل بِهِ) ، وَلأَجل ذَلِك ترك العاطف أَي: وضع ثَوْبه على فَمه حَتَّى يتلاشى البزاق فِيهِ.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: مَالك بن إِسْمَاعِيل أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ، وَقد مر فِي بَاب المَاء الَّذِي يغسل بِهِ شعر الْإِنْسَان. الثَّانِي: زُهَيْر، بِالتَّصْغِيرِ: ابْن مُعَاوِيَة الْكُوفِي. الثَّالِث: حميد الطَّوِيل. الرَّابِع: أنس بن مَالك.
وَقد تقدم هَذَا الحَدِيث فِي بَاب حك البزاق بِالْيَدِ من الْمَسْجِد، وَذكرنَا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بِهِ من الأبحاث. ولنذكر هَهُنَا مَا لم نذكرهُ هُنَاكَ. قَوْله: (كَرَاهِيَة) ، مَرْفُوع بقوله: رُؤِيَ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَو رُؤِيَ كراهيته) شكّ من الرَّاوِي قَوْله: (لذَلِك) أَي: لأجل رُؤْيَة النخامة فِي الْقبْلَة. قَوْله: (وشدته عَلَيْهِ) يجوز فِيهِ الرّفْع والجر عطفا على الْكَرَاهِيَة أَو على لذَلِك قَوْله: (أَو ربه) مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: (بَينه وَبَين الْقبْلَة) ، وَالْجُمْلَة معطوفة على: (يُنَاجِي ربه) ، عطف الْجُمْلَة الإسمية على الفعلية. قَوْله: (وَقَالَ) فِي بعض النّسخ: (فَقَالَ) ، بِالْفَاءِ.
وَفِيه من الْفَوَائِد: اسْتِحْبَاب إِزَالَة مَا يستقذر أَو يتنزه عَنهُ من الْمَسْجِد. وَفِيه: تفقد الإِمَام أَحْوَال الْمَسَاجِد وتعظيمها وصيانتها. وَفِيه: أَن للْمُصَلِّي أَن يبصق فِي الصَّلَاة وَلَا تفْسد صلَاته. وَفِيه: أَنه إِذا نفخ أَو تنحنح جَازَ، كَذَا قَالُوا، وَلَكِن هَذَا بالتفصيل وَهُوَ أَن التنحنح لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون بِغَيْر اخْتِيَاره فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ بِاخْتِيَارِهِ فَإِن حصلت مِنْهُ حُرُوف ثَلَاثَة تفْسد صلَاته، وَفِي الحرفين قَولَانِ، وَعَن أبي حنيفَة: إِن النفخ إِذا كَانَ يسمع فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْكَلَام يقطع الصَّلَاة. وَفِيه: إِن البصاق طَاهِر، وَكَذَا النخامة والمخاط، خلافًا لمن يَقُول: كل مَا تستقذره النَّفس حرَام. وَمن فَوَائده: أَن التحسين والتقبيح إِنَّمَا هُوَ بِالشَّرْعِ، لكَون الْيَمين مفضلة على الْيَسَار، وَالْيَد مفضلة على الْقدَم.
٠٤ - (بَاب عِظَةِ الإمامِ النَّاسَ فِي إتْمَامِ الصَّلاةِ وذِكْرِ القِبْلَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وعظ الإِمَام النَّاس بِأَن يتموا صلَاتهم وَلَا يتْركُوا مِنْهَا شَيْئا، والعظة على وزن: عِلّة، مصدر من: وعظ يعظ وعظاً وعظة وموعظة، وأصل: عظة: وعظ، فَلَمَّا حذفت مِنْهُ الْوَاو عوضت مِنْهَا التَّاء فِي آخِره، أما الْحَذف فلوجوده فِي فعله، وَأما كسر الْعين فَمن الْوَاو. فَافْهَم. والوعظ: النصح والتذكير بالعواقب، وَيُقَال: وعظته فاتعظ أَي: قبل الموعظة.
وَجه الْمُنَاسبَة فِي ذكر هَذَا الْبَاب عقيب الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة من حَيْثُ إِنَّه كَانَ فِيهَا أَمر وَنهي وَتَشْديد فيهمَا، وَهِي كلهَا وعظ ونصح، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا فِي الْوَعْظ والنصح. قَوْله: (وَذكر الْقبْلَة) بِالْجَرِّ عطف على: (عظة) أَي: وَفِي بَيَان الْقبْلَة.
٨١٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّه بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أَن رَسُول الله قَالَ (هلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي ههُنا فَوَا مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشوُعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ إنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ ورَاءِ ظِهْرِي) . (الحَدِيث ٨١٤ طرفه فِي: ١٤٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي هَذَا الحديبث وعظاً لَهُم وتذكيراً وتنبيهاً لَا يخفى عَلَيْهِ ركوعهم وسجودهم، يظنون أَنه لَا يراهم لكَونه مستدبراً لَهُم، وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، لِأَنَّهُ يرى من خَلفه مثل مَا يرى من بَين يَدَيْهِ.
ذكر رِجَاله: وَقد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف النُّون: عبد اللَّه بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا هَهُنَا عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن مَالك.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (هَل ترَوْنَ قِبْلَتِي؟) اسْتِفْهَام على سَبِيل إِنْكَار مَا يلْزمه مِنْهُ، الْمَعْنى، أَنْتُم تحسبون قِبْلَتِي هَهُنَا، وإنني لَا أرى إلَاّ مَا فِي هَذِه الْجِهَة، فوا إِن رؤيتي لَا تخْتَص بِجِهَة قِبْلَتِي هَذِه، فَإِنِّي أرى من خَلْفي كَمَا أرى من جِهَة قِبْلَتِي، ثمَّ الْعلمَاء اخْتلفُوا هَهُنَا فِي موضِعين: الأول: فِي معنى هَذِه الرُّؤْيَة، فَقَالَ قوم: المُرَاد بهَا الْعلم إِمَّا بطرِيق أَنه كَانَ يُوحى إِلَيْهِ بَيَان كَيْفيَّة فعلهم، وَإِمَّا بطرِيق الإلهام، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء، لِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِك بطرِيق الْعلم مَا كَانَت فَائِدَة فِي التَّقْيِيد بقوله: (من وَرَاء ظَهْري) ، وَقَالَ قوم: المُرَاد بِهِ أَنه يرى من عَن يَمِينه وَمن عَن يسَاره، مِمَّن تُدْرِكهُ عينه مَعَ الْتِفَات يسير فِي بعض الْأَحْوَال وَهَذَا أَيْضا لَيْسَ بِشَيْء، وَهُوَ ظَاهر. وَقَالَ الْجُمْهُور، وَهُوَ الصَّوَاب: إِنَّه من خَصَائِصه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَإِن إبصاره إِدْرَاك حَقِيقِيّ انخرقت لَهُ فِيهِ الْعَادة، وَلِهَذَا أخرجه البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي عَلَامَات النُّبُوَّة، وَفِيه دلَالَة للأشاعرة حَيْثُ لَا يشترطون فِي الرُّؤْيَة مُوَاجهَة وَلَا مُقَابلَة، وجوزوا إبصار أعمى الصين بقْعَة أندلس قلت: هُوَ الْحق عِنْد أهل السّنة: إِن الرُّؤْيَة لَا يشْتَرط لَهَا عقلا عُضْو مَخْصُوص، وَلَا مُقَابلَة وَلَا قرب، فَلذَلِك حكمُوا بِجَوَاز رُؤْيَة اتعالى فِي الدَّار الْآخِرَة خلافًا للمعتزلة فِي الرُّؤْيَة مُطلقًا، وللمشبهة والكرامية فِي خلوها عَن المواجهة وَالْمَكَان، فَإِنَّهُم إِنَّمَا جوزوا رُؤْيَة اتعالى لاعتقادهم كَونه تَعَالَى فِي الْجِهَة وَالْمَكَان، وَأهل السّنة أثبتوا رُؤْيَة اتعالى بِالنَّقْلِ وَالْعقل، كَمَا ذكر فِي مَوْضِعه، وبينوا بالبرهان على أَن تِلْكَ الرُّؤْيَة مبرأة عَن الانطباع والمواجهة واتصال الشعاع بالمرئي. الْموضع الثَّانِي: اخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة رُؤْيَة النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من خلف ظَهره، فَقيل: كَانَت لَهُ عين خلف ظَهره يرى بهَا من وَرَائه دَائِما، وَقيل: كَانَت لَهُ بَين كَتفيهِ عينان مثل سم الْخياط، يَعْنِي: مثل خرق الإبرة يبصر بهما لَا يحجبهما ثوب وَلَا غَيره. وَقيل: بل كَانَت صورهم تنطبع فِي حَائِط قبلته كَمَا تنطبع فِي الْمرْآة أمثلتهم فِيهَا، فيشاهد بذلك أفعالهم. قَوْله: (لَا يخفى عَليّ ركوعكم وَلَا خُشُوعكُمْ) يَعْنِي: إِذا كنت فِي الصَّلَاة مستدبراً لكم؛ وَيجوز أَن يكون المُرَاد من الْخُشُوع السُّجُود لِأَنَّهُ غَايَة الْخُشُوع، وَقد صرح فِي رِوَايَة مُسلم بِالسُّجُود، وَيجوز أَن يُرَاد بِهِ أَعم من ذَلِك. فَيتَنَاوَل جَمِيع أفعالهم فِي صلَاتهم. فَإِن قلت: إِذا كَانَ الْخُشُوع بِمَعْنى الْأَعَمّ يتَنَاوَل الرُّكُوع أَيْضا، فَمَا فَائِدَة ذكره، قلت: لكَونه من أكبر عمد الصَّلَاة، وَذَلِكَ لِأَن الرجل مَا دَامَ فِي الْقيام لَا يتَحَقَّق أَنه فِي الصَّلَاة، فَإِذا ركع تحقق أَنه فِي الصَّلَاة، وَيكون فِيهِ عطف الْعَام على الْخَاص. قَوْله: (فوا) ، قسم مِنْهُ وَجَوَابه قَوْله: (لَا يخفى) . وَقَوله: (إِنِّي لأَرَاكُمْ) إِمَّا بَيَان وَإِمَّا بدل. قَوْله: (ركوعكم) بِالرَّفْع فَاعل (لَا يخفى) وَقَوله: (وَلَا خُشُوعكُمْ) ، عطف عَلَيْهِ، أَي: لَا يخفى عَليّ خُشُوعكُمْ، والهمزة فِي لأَرَاكُمْ مَفْتُوحَة، وَاللَّام للتَّأْكِيد.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنه يَنْبَغِي للْإِمَام إِذا رأى أحدا مقصراً فِي شَيْء من أُمُور دينه أَو نَاقِصا للكمال مِنْهُ أَن ينهاه عَن فعله، ويحضه على مَا فِيهِ جزيل الْحَظ. أَلا ترى أَنه كَيفَ وبخ من نقص كَمَال الرُّكُوع وَالسُّجُود، ووعظهم فِي ذَلِك بِأَنَّهُ يراهم من وَرَاء ظَهره كَمَا يراهم من بَين يَدَيْهِ؟ وَفِي تَفْسِير سنيد: حدّثنا حجاج عَن ابْن أبي ذِئْب حدّثنا يحيى بن صَالح حدّثنا فليح عَن هِلَال ابْن عَليّ عَن أنس قَالَ: (صلى لنا رَسُول الله صَلَاة، ثمَّ رقى الْمِنْبَر فَقَالَ، فِي الصَّلَاة وَفِي الرُّكُوع إِنِّي لأَرَاكُمْ من ورائي كَمَا أَرَاكُم) . وَفِي لفظ: (أُقِيمَت الصَّلَاة فَأقبل علينا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أقِيمُوا صفوفكم وتراصوا، فَإِنِّي أَرَاكُم من وَرَاء ظَهْري) . وَفِي لفظ: (أقِيمُوا الرُّكُوع وَالسُّجُود فوا إِنِّي لأَرَاكُمْ من بعدِي، وَرُبمَا قَالَ: من بعد ظَهْري، إِذا رَكَعْتُمْ وَإِذا سجدتم) . وَعند مُسلم: (صلى بِنَا ذَات يَوْم، فَلَمَّا قضى صلَاته أقبل علينا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: أَيهَا النَّاس: إِنِّي إمامكم فَلَا تسبقوني بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُود وَلَا بالانصراف، فَإِنِّي أَرَاكُم أَمَامِي وَمن خَلْفي، ثمَّ قَالَ. وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ، لَو رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْت لضحكتم قَلِيلا ولبكيتم كثيرا. قَالُوا: وَمَا رَأَيْت يَا رَسُول ا؟ قَالَ رَأَيْت: الْجنَّة وَالنَّار) .
٨١ - (حَدثنَا يحيى بن صَالح قَالَ حَدثنَا فليح بن سُلَيْمَان عَن هِلَال بن عَليّ عَن أنس بن مَالك قَالَ صلى بِنَا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَاة ثمَّ رقي الْمِنْبَر فَقَالَ فِي الصَّلَاة وَفِي الرُّكُوع إِنِّي لأَرَاكُمْ من ورائي كَمَا أَرَاكُم) مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث الَّذِي قبله. (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة. يحيى بن صَالح الوحاظي بِضَم
الْوَاو الثَّانِي فليح بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة وَقد مر ذكره الثَّالِث اهلال بن عَليّ وَيُقَال هِلَال بن أبي هِلَال بن عَليّ وَيُقَال ابْن أُسَامَة الفِهري الْمَدِينِيّ مَاتَ فِي آخر خلَافَة هِشَام بن عبد الْملك الرَّابِع أنس بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان عَن فليح وَأخرجه فِي الرقَاق عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن مُحَمَّد بن فليح عَن أَبِيه بِهِ. (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " صلى لنا " أَي صلى لأجلنا قَوْله " صَلَاة " بالتنكير للإبهام قَوْله " ثمَّ رقي الْمِنْبَر " بِكَسْر الْقَاف وَيجوز فتحهَا على لُغَة طَيء قَوْله " فَقَالَ فِي الصَّلَاة " فِيهِ حذف تَقْدِيره فَقَالَ فِي شَأْن الصَّلَاة وَفِي أمرهَا أَو يكون متعلقها محذوفا تَقْدِيره أَرَاكُم فِي الصَّلَاة وَقَالَ بَعضهم هُوَ مُتَعَلق بقوله بعد لأَرَاكُمْ (قلت) هَذَا غلط لِأَن مَا فِي حيّز ان لَا يتَقَدَّم عَلَيْهَا قَوْله " وَفِي الرُّكُوع " إِنَّمَا أفرده بِالذكر وَإِن كَانَ دَاخِلا فِي الصَّلَاة للاهتمام بِشَأْنِهِ إِمَّا لِأَنَّهُ أعظم أَرْكَانهَا بِدَلِيل أَن الْمَسْبُوق لَو أدْرك الرُّكُوع أدْرك تِلْكَ الرَّكْعَة بِتَمَامِهَا وَإِمَّا لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - علم أَنهم قصروا فِي حَال الرُّكُوع فَذكره لزِيَادَة التَّنْبِيه قَوْله " من ورائي " وَفِي بعض الرِّوَايَات " من وَرَاء " حذفت الْيَاء مِنْهُ وَاكْتفى بالكسرة عَنْهَا وَقَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) الرُّؤْيَة من الوراء كَانَت مَخْصُوصَة بِحَال الصَّلَاة أم هِيَ عَامَّة لجَمِيع الْأَحْوَال (قلت) اللَّفْظ سِيمَا فِي الحَدِيث السَّابِق يَقْتَضِي الْعُمُوم والسياق يَقْتَضِي الْخُصُوص (قلت) نقل عَن مُجَاهِد أَنه كَانَ فِي جَمِيع أَحْوَاله قَوْله " كَمَا أَرَاكُم " أَي كَمَا أَرَاكُم من أَمَامِي وَصرح بِهِ فِي رِوَايَة أُخْرَى كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَفِي رِوَايَة مُسلم " إِنِّي لَأبْصر من ورائي كَمَا أبْصر من بَين يَدي " وَعَن بَقِي بن مخلد أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يبصر فِي الظلمَة كَمَا يبصر فِي الضَّوْء وَالْكَاف فِي كَمَا أَرَاكُم للتشبيه فالمشبه بِهِ الرُّؤْيَة الْمقيدَة بالوراء وَبَقِيَّة الْكَلَام مرت فِي الحَدِيث السَّابِق
١٤ - (بابٌ هَلْ يُقالُ مَسْجِدُ بَنِي فلَانٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِضَافَة مَسْجِد من الْمَسَاجِد إِلَى قَبيلَة أَو إِلَى أحد مثل بانيه أَو الملازم للصَّلَاة فِيهِ، هَل يجوز أَن يُقَال ذَلِك؟ نعم يجوز، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ حَدِيث ابْن عمر الْآتِي ذكره، وَإِنَّمَا ترْجم الْبَاب بِلَفْظَة: هَل، الَّتِي للاستفهام لِأَن فِي هَذَا خلاف إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، فَإِنَّهُ كَانَ يكره أَن يُقَال: مَسْجِد بني فلَان، أَو: مصلى فلَان، لقَوْله تَعَالَى: {وَإِن الْمَسَاجِد} (الْجِنّ: ٨١) ذكره ابْن أبي شيبَة عَنهُ، وَحَدِيث الْبَاب يرد عَلَيْهِ، وَالْجَوَاب عَن تمسكه بِالْآيَةِ أَن الْإِضَافَة فِيهَا حَقِيقَة، وإضافتها إِلَى غَيره إِضَافَة تَمْيِيز وتعريف.
فَإِن قلت: مَا وَجه ذكر هَذَا الْبَاب هَهُنَا؟ وَمَا وَجه الْمُنَاسبَة بَينه وَبَين الْأَبْوَاب الْمُتَقَدّمَة؟ قلت: الْمَذْكُور فِي الْأَبْوَاب السَّابِقَة أَحْكَام تتَعَلَّق بالمساجد، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب أَيْضا حكم من أَحْكَامهَا، وَهَذَا الْمِقْدَار كَاف.
٠٢٤٢٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نَافِعٍ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عُمَرَ أنَّ رَسُول الله سَابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ مِنَ الحَفْياءِ وأَمَدُها ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ وسابَقَ بَيْنَ الخَيْل الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّة إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ وَأن عَبْدَ اللَّه بنَ عُمَرَ كانَ فِيمَنْ سابَقَ بهَا. (الحَدِيث ٠٢٤ أَطْرَافه فِي: ٨٦٨٢، ٩٦٨٢، ٠٧٨٢، ٦٣٣٧) .
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِلَى مَسْجِد بني زُرَيْق) ، وَرِجَاله تكرروا غير مرّة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْخَيل عَن مُحَمَّد بن مسلمة والْحَارث بن مِسْكين، كِلَاهُمَا عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سَابق) ، من الْمُسَابقَة وَهِي السَّبق الَّذِي يشْتَرك فِي الِاثْنَان، وَبَاب المفاعلة يَقْتَضِي ذَلِك، وَالْخَيْل الَّتِي أضمرت هِيَ الَّتِي كَانَت الْمُسَابقَة بَينهَا، وَكَانَ فرس النَّبِي، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم، بَينهَا يُسمى: السكب، وَكَانَ أغر محجلاً طلق الْيَمين لَهُ مسحة، وَهُوَ أول فرس ملكه، وَأول فرس غزا عَلَيْهِ، وَاشْتَرَاهُ من أَعْرَابِي من بني فَزَارَة بِعشر أَوَاقٍ، وَكَانَ إسمه عِنْد الْأَعرَابِي: الضرس، فَسَماهُ رَسُول اصلى اتعالى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: السكب، وسابق عَلَيْهِ فَسبق وَفَرح بِهِ، وَهُوَ أول فرس سَابق عَلَيْهِ فَسبق وَفَرح الْمُسلمُونَ بِهِ. قَوْله: (أضمرت) ، بِضَم الْهمزَة على صِيغَة
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَرَى بِهَا مَنْ وَرَاءَهُ دَائِمًا، وَقِيلَ: كَانَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَيْنَانِ مِثْلُ سَمِّ الْخِيَاطِ يُبْصِرُ بِهِمَا لَا يَحْجُبُهُمَا ثَوْبٌ وَلَا غَيْرُهُ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَتْ صُوَرُهُمْ تَنْطَبِعُ فِي حَائِطِ قِبْلَتِهِ كَمَا تَنْطَبِعُ فِي الْمِرْآةِ فَيَرَى أَمْثِلَتَهُمْ فِيهَا فَيُشَاهِدُ أَفْعَالَهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَلَا خُشُوعُكُمْ) أَيْ فِي جَمِيعِ الْأَرْكَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ السُّجُودَ؛ لِأَنَّ فِيهِ غَايَةَ الْخُشُوعِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالسُّجُودِ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ: (إِنِّي لَأَرَاكُمْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ.
٤١٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى لنا النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةً، ثُمَّ رَقِيَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ فِي الصَّلَاةِ وَفِي الرُّكُوعِ: إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَائِي كَمَا أَرَاكُمْ.
[الحديث ٤١٩ - طرفاه في: ٦٦٤٤، ٧٤٢]
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ (صَلَّى لَنَا) أَيْ لِأَجْلِنَا. وَقَوْلُهُ: (صَلَاةٌ) بِالتَّنْكِيرِ لِلْإِبْهَامِ. وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ رَقِيَ) بِكَسْرِ الْقَافِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ فِي شَأْنِ الصَّلَاةِ، أَوْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ بَعْدُ (إِنِّي لَأَرَاكُمْ) عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ تَقَدُّمَ الظَّرْفِ. وَقَوْلُهُ: (وَفِي الرُّكُوعِ) أفَرْده بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ اهْتِمَاما بِهِ إِمَّا لِكَوْنِ التَّقْصِيرِ فِيهِ كَانَ أَكْثَرَ، أَوْ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْأَرْكَانِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَسْبُوقَ يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ بِتَمَامِهَا بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا أَرَاكُمْ) يَعْنِي مِنْ أَمَامِي. وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى كَمَا سَيَأْتِي. وَلِمُسْلِمٍ: إِنِّي لَأُبْصِرُ مَنْ وَرَائِي كَمَا أُبْصِرُ مَنْ بَيْنَ يَدَيَّ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْمُخْتَارِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّؤْيَةِ الْإِبْصَارُ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاقِعًا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ. وَحَكَى بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُبْصِرُ فِي الظُّلْمَةِ كَمَا يُبْصِرُ فِي الضَّوْءِ. وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى إِتْمَامِ أَرْكَانِهَا وَأَبْعَاضِهَا، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَبِّهَ النَّاسَ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْوَالِ الصَّلَاةِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ رَأَى مِنْهُمْ مَا يُخَالِفُ الْأُولَى. وَسَأَذْكُرُ حُكْمَ الْخُشُوعِ فِي أَبْوَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ حَيْثُ تَرْجَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ مَعَ بَقِيَّةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٤١ - بَاب هَلْ يُقَالُ مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ
٤٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ مِنْ الْحَفْيَاءِ، وَأَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ. وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنْ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا.
[الحديث ٤٢٠ - أطرافه في: ٧٣٣٦، ٢٨٧٠، ٢٨٦٩، ٢٨٦٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ هَلْ يُقَالُ مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمُسَابَقَةِ، وَفِيهِ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ وَزُرَيْقٌ بِتَقْدِيمِ الزَّاي مُصَغَّرا، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ إِضَافَةِ الْمَسَاجِدِ إِلَى بَانِيهَا أَوِ الْمُصَلِّي فِيهَا، وَيَلْتَحِقُ بِهِ جَوَازُ إِضَافَةِ أَعْمَالِ الْبِرِّ إِلَى أَرْبَابِهَا، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ فِيهِ احْتِمَالًا إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ عَلِمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْإِضَافَةُ وَقَعَتْ فِي زَمَنِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا حَدَثَ بَعْدَهُ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْجَوَازِ، وَالْمُخَالِفُ فِي ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ: مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ وَيَقُولُ: مُصَلَّى بَنِي فُلَانٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْإِضَافَةَ فِي مِثْلِ هَذَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وإنَّما تلك (١) أمورٌ عاديَّةٌ يجوز حصول الإدراك مع عدمها عقلًا، أو كانت له ﵊ عينان بين كتفيه مثل سمِّ الخياط يبصر بهما لا تحجبهما الثِّياب، أو غير ذلك ممَّا ذكرته في «المواهب اللُّدنيَّة بالمنح المحمَّديَّة»، وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة».
٤١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوُحَاظِيُّ، بضمِّ الواو وتخفيف المُهمَلة ثمَّ مُعجمَةٍ، الحمصيُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئتين، وقد جاوز السَّبعين (قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره مُهمَلةٌ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وستِّين ومئةٍ (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ) الفهريِّ المدنيِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريِّ ﵁ (قَالَ: صَلَّى بِنَا) بالمُوحَّدة، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «صلَّى لنا» أي: لأجلنا (النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «رسول الله» (ﷺ صَلَاةً) بالتَّنكير للإبهام (ثُمَّ رَقِيَ) بفتح الرَّاء وكسر القاف
وفتح الياء، ويجوز فتح القاف على لغة طيءٍ، أي: صعد (المِنْبَرَ) بكسر الميم (فَقَالَ فِي) شأن (الصَّلَاةِ وَفِي الرُّكُوعِ: إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَائِي كَمَا أَرَاكُمْ) أي: من أمامي، وأفرد الرُّكوع بالذِّكر اهتمامًا به لكونه أعظم الأركان؛ لأنَّ المسبوق يدرك الرَّكعة بتمامها بإدراكه الركوع، أو لكون التَّقصير كان فيه أكثر، وإطلاق الرُّؤية من ورائه (١) يقتضي عمومه في الصَّلاة وغيرها. نعم السِّياق يقتضي أنَّ ذلك في الصَّلاة فقط، والكاف في «كما أراكم» للتَّشبيه، فالمُشبَّه به (٢) الرُّؤية المُقيَّدة بالقدَّام، والمُشبَّه المُقيَّدة بالوراء.
وقد أخرج المؤلِّف هذا الحديث في «الرِّقاق» [خ¦٦٦٤٤] أيضًا.
(٤١) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُقَالُ) أي: هل يجوز أن يُضَاف مسجدٌ من المساجد إلى بانيه، أو ملازم الصَّلاة فيه، أو نحو ذلك، فيقال: (مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ) والجمهور على الجواز خلافًا لإبراهيم النَّخعيِّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] وحديث الباب يردُّ عليه، وأُجيب عن الآية: بحمل الإضافة فيها إلى الله تعالى على الحقيقة، وإلى غيره على سبيل المجاز للتَّمييز والتَّعريف لا للمُلْك.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على شَيْئَيْنِ: أَولهمَا مبادرة البزاق، وَالْآخر هُوَ أَخذ الْمُصَلِّي بزاقه بِطرف ثَوْبه، وَفِي الحَدِيث مَا يُطَابق الثَّانِي وَهُوَ قَوْله: (ثمَّ أَخذ طرف رِدَائه فبزق فِيهِ) وَلَيْسَ للجزء الأول ذكر فِي الحَدِيث أصلا، وَلِهَذَا اعْترض عَلَيْهِ فِي ذَلِك، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال، وَإِن كَانَ فِيهِ تعسف: كَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى مَا فِي بعض طرق الحَدِيث، وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر بِلَفْظ: (وليبصق عَن يسَاره تَحت رجله الْيُسْرَى، فَإِن عجلت بِهِ بادرة فَلْيقل بِثَوْبِهِ هَكَذَا، ثمَّ طوى بعضه على بعض) . وروى أَبُو دَاوُد: (فَإِن عجلت بِهِ بادرة فَلْيقل بِثَوْبِهِ هَكَذَا، وَضعه على فِيهِ ثمَّ دلكه) . قَوْله: (بادرة) أَي: حِدة، وبادرة الْأَمر: حِدته، وَالْمعْنَى: إِذا غلب غليه البصاق والنخامة فَلْيقل بِثَوْبِهِ هَكَذَا. وَقَوله: (وَضعه على فِيهِ) تَفْسِير لقَوْله: (فَلْيقل بِهِ) ، وَلأَجل ذَلِك ترك العاطف أَي: وضع ثَوْبه على فَمه حَتَّى يتلاشى البزاق فِيهِ.
ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: مَالك بن إِسْمَاعِيل أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ، وَقد مر فِي بَاب المَاء الَّذِي يغسل بِهِ شعر الْإِنْسَان. الثَّانِي: زُهَيْر، بِالتَّصْغِيرِ: ابْن مُعَاوِيَة الْكُوفِي. الثَّالِث: حميد الطَّوِيل. الرَّابِع: أنس بن مَالك.
وَقد تقدم هَذَا الحَدِيث فِي بَاب حك البزاق بِالْيَدِ من الْمَسْجِد، وَذكرنَا هُنَاكَ مَا يتَعَلَّق بِهِ من الأبحاث. ولنذكر هَهُنَا مَا لم نذكرهُ هُنَاكَ. قَوْله: (كَرَاهِيَة) ، مَرْفُوع بقوله: رُؤِيَ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَو رُؤِيَ كراهيته) شكّ من الرَّاوِي قَوْله: (لذَلِك) أَي: لأجل رُؤْيَة النخامة فِي الْقبْلَة. قَوْله: (وشدته عَلَيْهِ) يجوز فِيهِ الرّفْع والجر عطفا على الْكَرَاهِيَة أَو على لذَلِك قَوْله: (أَو ربه) مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: (بَينه وَبَين الْقبْلَة) ، وَالْجُمْلَة معطوفة على: (يُنَاجِي ربه) ، عطف الْجُمْلَة الإسمية على الفعلية. قَوْله: (وَقَالَ) فِي بعض النّسخ: (فَقَالَ) ، بِالْفَاءِ.
وَفِيه من الْفَوَائِد: اسْتِحْبَاب إِزَالَة مَا يستقذر أَو يتنزه عَنهُ من الْمَسْجِد. وَفِيه: تفقد الإِمَام أَحْوَال الْمَسَاجِد وتعظيمها وصيانتها. وَفِيه: أَن للْمُصَلِّي أَن يبصق فِي الصَّلَاة وَلَا تفْسد صلَاته. وَفِيه: أَنه إِذا نفخ أَو تنحنح جَازَ، كَذَا قَالُوا، وَلَكِن هَذَا بالتفصيل وَهُوَ أَن التنحنح لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون بِغَيْر اخْتِيَاره فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ بِاخْتِيَارِهِ فَإِن حصلت مِنْهُ حُرُوف ثَلَاثَة تفْسد صلَاته، وَفِي الحرفين قَولَانِ، وَعَن أبي حنيفَة: إِن النفخ إِذا كَانَ يسمع فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْكَلَام يقطع الصَّلَاة. وَفِيه: إِن البصاق طَاهِر، وَكَذَا النخامة والمخاط، خلافًا لمن يَقُول: كل مَا تستقذره النَّفس حرَام. وَمن فَوَائده: أَن التحسين والتقبيح إِنَّمَا هُوَ بِالشَّرْعِ، لكَون الْيَمين مفضلة على الْيَسَار، وَالْيَد مفضلة على الْقدَم.
٠٤ - (بَاب عِظَةِ الإمامِ النَّاسَ فِي إتْمَامِ الصَّلاةِ وذِكْرِ القِبْلَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وعظ الإِمَام النَّاس بِأَن يتموا صلَاتهم وَلَا يتْركُوا مِنْهَا شَيْئا، والعظة على وزن: عِلّة، مصدر من: وعظ يعظ وعظاً وعظة وموعظة، وأصل: عظة: وعظ، فَلَمَّا حذفت مِنْهُ الْوَاو عوضت مِنْهَا التَّاء فِي آخِره، أما الْحَذف فلوجوده فِي فعله، وَأما كسر الْعين فَمن الْوَاو. فَافْهَم. والوعظ: النصح والتذكير بالعواقب، وَيُقَال: وعظته فاتعظ أَي: قبل الموعظة.
وَجه الْمُنَاسبَة فِي ذكر هَذَا الْبَاب عقيب الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة من حَيْثُ إِنَّه كَانَ فِيهَا أَمر وَنهي وَتَشْديد فيهمَا، وَهِي كلهَا وعظ ونصح، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا فِي الْوَعْظ والنصح. قَوْله: (وَذكر الْقبْلَة) بِالْجَرِّ عطف على: (عظة) أَي: وَفِي بَيَان الْقبْلَة.
٨١٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّه بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أَن رَسُول الله قَالَ (هلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي ههُنا فَوَا مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشوُعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ إنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ ورَاءِ ظِهْرِي) . (الحَدِيث ٨١٤ طرفه فِي: ١٤٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي هَذَا الحديبث وعظاً لَهُم وتذكيراً وتنبيهاً لَا يخفى عَلَيْهِ ركوعهم وسجودهم، يظنون أَنه لَا يراهم لكَونه مستدبراً لَهُم، وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، لِأَنَّهُ يرى من خَلفه مثل مَا يرى من بَين يَدَيْهِ.
ذكر رِجَاله: وَقد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف النُّون: عبد اللَّه بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا هَهُنَا عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن مَالك.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (هَل ترَوْنَ قِبْلَتِي؟) اسْتِفْهَام على سَبِيل إِنْكَار مَا يلْزمه مِنْهُ، الْمَعْنى، أَنْتُم تحسبون قِبْلَتِي هَهُنَا، وإنني لَا أرى إلَاّ مَا فِي هَذِه الْجِهَة، فوا إِن رؤيتي لَا تخْتَص بِجِهَة قِبْلَتِي هَذِه، فَإِنِّي أرى من خَلْفي كَمَا أرى من جِهَة قِبْلَتِي، ثمَّ الْعلمَاء اخْتلفُوا هَهُنَا فِي موضِعين: الأول: فِي معنى هَذِه الرُّؤْيَة، فَقَالَ قوم: المُرَاد بهَا الْعلم إِمَّا بطرِيق أَنه كَانَ يُوحى إِلَيْهِ بَيَان كَيْفيَّة فعلهم، وَإِمَّا بطرِيق الإلهام، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء، لِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِك بطرِيق الْعلم مَا كَانَت فَائِدَة فِي التَّقْيِيد بقوله: (من وَرَاء ظَهْري) ، وَقَالَ قوم: المُرَاد بِهِ أَنه يرى من عَن يَمِينه وَمن عَن يسَاره، مِمَّن تُدْرِكهُ عينه مَعَ الْتِفَات يسير فِي بعض الْأَحْوَال وَهَذَا أَيْضا لَيْسَ بِشَيْء، وَهُوَ ظَاهر. وَقَالَ الْجُمْهُور، وَهُوَ الصَّوَاب: إِنَّه من خَصَائِصه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَإِن إبصاره إِدْرَاك حَقِيقِيّ انخرقت لَهُ فِيهِ الْعَادة، وَلِهَذَا أخرجه البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي عَلَامَات النُّبُوَّة، وَفِيه دلَالَة للأشاعرة حَيْثُ لَا يشترطون فِي الرُّؤْيَة مُوَاجهَة وَلَا مُقَابلَة، وجوزوا إبصار أعمى الصين بقْعَة أندلس قلت: هُوَ الْحق عِنْد أهل السّنة: إِن الرُّؤْيَة لَا يشْتَرط لَهَا عقلا عُضْو مَخْصُوص، وَلَا مُقَابلَة وَلَا قرب، فَلذَلِك حكمُوا بِجَوَاز رُؤْيَة اتعالى فِي الدَّار الْآخِرَة خلافًا للمعتزلة فِي الرُّؤْيَة مُطلقًا، وللمشبهة والكرامية فِي خلوها عَن المواجهة وَالْمَكَان، فَإِنَّهُم إِنَّمَا جوزوا رُؤْيَة اتعالى لاعتقادهم كَونه تَعَالَى فِي الْجِهَة وَالْمَكَان، وَأهل السّنة أثبتوا رُؤْيَة اتعالى بِالنَّقْلِ وَالْعقل، كَمَا ذكر فِي مَوْضِعه، وبينوا بالبرهان على أَن تِلْكَ الرُّؤْيَة مبرأة عَن الانطباع والمواجهة واتصال الشعاع بالمرئي. الْموضع الثَّانِي: اخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة رُؤْيَة النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من خلف ظَهره، فَقيل: كَانَت لَهُ عين خلف ظَهره يرى بهَا من وَرَائه دَائِما، وَقيل: كَانَت لَهُ بَين كَتفيهِ عينان مثل سم الْخياط، يَعْنِي: مثل خرق الإبرة يبصر بهما لَا يحجبهما ثوب وَلَا غَيره. وَقيل: بل كَانَت صورهم تنطبع فِي حَائِط قبلته كَمَا تنطبع فِي الْمرْآة أمثلتهم فِيهَا، فيشاهد بذلك أفعالهم. قَوْله: (لَا يخفى عَليّ ركوعكم وَلَا خُشُوعكُمْ) يَعْنِي: إِذا كنت فِي الصَّلَاة مستدبراً لكم؛ وَيجوز أَن يكون المُرَاد من الْخُشُوع السُّجُود لِأَنَّهُ غَايَة الْخُشُوع، وَقد صرح فِي رِوَايَة مُسلم بِالسُّجُود، وَيجوز أَن يُرَاد بِهِ أَعم من ذَلِك. فَيتَنَاوَل جَمِيع أفعالهم فِي صلَاتهم. فَإِن قلت: إِذا كَانَ الْخُشُوع بِمَعْنى الْأَعَمّ يتَنَاوَل الرُّكُوع أَيْضا، فَمَا فَائِدَة ذكره، قلت: لكَونه من أكبر عمد الصَّلَاة، وَذَلِكَ لِأَن الرجل مَا دَامَ فِي الْقيام لَا يتَحَقَّق أَنه فِي الصَّلَاة، فَإِذا ركع تحقق أَنه فِي الصَّلَاة، وَيكون فِيهِ عطف الْعَام على الْخَاص. قَوْله: (فوا) ، قسم مِنْهُ وَجَوَابه قَوْله: (لَا يخفى) . وَقَوله: (إِنِّي لأَرَاكُمْ) إِمَّا بَيَان وَإِمَّا بدل. قَوْله: (ركوعكم) بِالرَّفْع فَاعل (لَا يخفى) وَقَوله: (وَلَا خُشُوعكُمْ) ، عطف عَلَيْهِ، أَي: لَا يخفى عَليّ خُشُوعكُمْ، والهمزة فِي لأَرَاكُمْ مَفْتُوحَة، وَاللَّام للتَّأْكِيد.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنه يَنْبَغِي للْإِمَام إِذا رأى أحدا مقصراً فِي شَيْء من أُمُور دينه أَو نَاقِصا للكمال مِنْهُ أَن ينهاه عَن فعله، ويحضه على مَا فِيهِ جزيل الْحَظ. أَلا ترى أَنه كَيفَ وبخ من نقص كَمَال الرُّكُوع وَالسُّجُود، ووعظهم فِي ذَلِك بِأَنَّهُ يراهم من وَرَاء ظَهره كَمَا يراهم من بَين يَدَيْهِ؟ وَفِي تَفْسِير سنيد: حدّثنا حجاج عَن ابْن أبي ذِئْب حدّثنا يحيى بن صَالح حدّثنا فليح عَن هِلَال ابْن عَليّ عَن أنس قَالَ: (صلى لنا رَسُول الله صَلَاة، ثمَّ رقى الْمِنْبَر فَقَالَ، فِي الصَّلَاة وَفِي الرُّكُوع إِنِّي لأَرَاكُمْ من ورائي كَمَا أَرَاكُم) . وَفِي لفظ: (أُقِيمَت الصَّلَاة فَأقبل علينا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أقِيمُوا صفوفكم وتراصوا، فَإِنِّي أَرَاكُم من وَرَاء ظَهْري) . وَفِي لفظ: (أقِيمُوا الرُّكُوع وَالسُّجُود فوا إِنِّي لأَرَاكُمْ من بعدِي، وَرُبمَا قَالَ: من بعد ظَهْري، إِذا رَكَعْتُمْ وَإِذا سجدتم) . وَعند مُسلم: (صلى بِنَا ذَات يَوْم، فَلَمَّا قضى صلَاته أقبل علينا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: أَيهَا النَّاس: إِنِّي إمامكم فَلَا تسبقوني بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُود وَلَا بالانصراف، فَإِنِّي أَرَاكُم أَمَامِي وَمن خَلْفي، ثمَّ قَالَ. وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ، لَو رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْت لضحكتم قَلِيلا ولبكيتم كثيرا. قَالُوا: وَمَا رَأَيْت يَا رَسُول ا؟ قَالَ رَأَيْت: الْجنَّة وَالنَّار) .
٨١ - (حَدثنَا يحيى بن صَالح قَالَ حَدثنَا فليح بن سُلَيْمَان عَن هِلَال بن عَليّ عَن أنس بن مَالك قَالَ صلى بِنَا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَاة ثمَّ رقي الْمِنْبَر فَقَالَ فِي الصَّلَاة وَفِي الرُّكُوع إِنِّي لأَرَاكُمْ من ورائي كَمَا أَرَاكُم) مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث الَّذِي قبله. (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة. يحيى بن صَالح الوحاظي بِضَم
الْوَاو الثَّانِي فليح بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة وَقد مر ذكره الثَّالِث اهلال بن عَليّ وَيُقَال هِلَال بن أبي هِلَال بن عَليّ وَيُقَال ابْن أُسَامَة الفِهري الْمَدِينِيّ مَاتَ فِي آخر خلَافَة هِشَام بن عبد الْملك الرَّابِع أنس بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان عَن فليح وَأخرجه فِي الرقَاق عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن مُحَمَّد بن فليح عَن أَبِيه بِهِ. (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " صلى لنا " أَي صلى لأجلنا قَوْله " صَلَاة " بالتنكير للإبهام قَوْله " ثمَّ رقي الْمِنْبَر " بِكَسْر الْقَاف وَيجوز فتحهَا على لُغَة طَيء قَوْله " فَقَالَ فِي الصَّلَاة " فِيهِ حذف تَقْدِيره فَقَالَ فِي شَأْن الصَّلَاة وَفِي أمرهَا أَو يكون متعلقها محذوفا تَقْدِيره أَرَاكُم فِي الصَّلَاة وَقَالَ بَعضهم هُوَ مُتَعَلق بقوله بعد لأَرَاكُمْ (قلت) هَذَا غلط لِأَن مَا فِي حيّز ان لَا يتَقَدَّم عَلَيْهَا قَوْله " وَفِي الرُّكُوع " إِنَّمَا أفرده بِالذكر وَإِن كَانَ دَاخِلا فِي الصَّلَاة للاهتمام بِشَأْنِهِ إِمَّا لِأَنَّهُ أعظم أَرْكَانهَا بِدَلِيل أَن الْمَسْبُوق لَو أدْرك الرُّكُوع أدْرك تِلْكَ الرَّكْعَة بِتَمَامِهَا وَإِمَّا لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - علم أَنهم قصروا فِي حَال الرُّكُوع فَذكره لزِيَادَة التَّنْبِيه قَوْله " من ورائي " وَفِي بعض الرِّوَايَات " من وَرَاء " حذفت الْيَاء مِنْهُ وَاكْتفى بالكسرة عَنْهَا وَقَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) الرُّؤْيَة من الوراء كَانَت مَخْصُوصَة بِحَال الصَّلَاة أم هِيَ عَامَّة لجَمِيع الْأَحْوَال (قلت) اللَّفْظ سِيمَا فِي الحَدِيث السَّابِق يَقْتَضِي الْعُمُوم والسياق يَقْتَضِي الْخُصُوص (قلت) نقل عَن مُجَاهِد أَنه كَانَ فِي جَمِيع أَحْوَاله قَوْله " كَمَا أَرَاكُم " أَي كَمَا أَرَاكُم من أَمَامِي وَصرح بِهِ فِي رِوَايَة أُخْرَى كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَفِي رِوَايَة مُسلم " إِنِّي لَأبْصر من ورائي كَمَا أبْصر من بَين يَدي " وَعَن بَقِي بن مخلد أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يبصر فِي الظلمَة كَمَا يبصر فِي الضَّوْء وَالْكَاف فِي كَمَا أَرَاكُم للتشبيه فالمشبه بِهِ الرُّؤْيَة الْمقيدَة بالوراء وَبَقِيَّة الْكَلَام مرت فِي الحَدِيث السَّابِق
١٤ - (بابٌ هَلْ يُقالُ مَسْجِدُ بَنِي فلَانٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِضَافَة مَسْجِد من الْمَسَاجِد إِلَى قَبيلَة أَو إِلَى أحد مثل بانيه أَو الملازم للصَّلَاة فِيهِ، هَل يجوز أَن يُقَال ذَلِك؟ نعم يجوز، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ حَدِيث ابْن عمر الْآتِي ذكره، وَإِنَّمَا ترْجم الْبَاب بِلَفْظَة: هَل، الَّتِي للاستفهام لِأَن فِي هَذَا خلاف إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، فَإِنَّهُ كَانَ يكره أَن يُقَال: مَسْجِد بني فلَان، أَو: مصلى فلَان، لقَوْله تَعَالَى: {وَإِن الْمَسَاجِد} (الْجِنّ: ٨١) ذكره ابْن أبي شيبَة عَنهُ، وَحَدِيث الْبَاب يرد عَلَيْهِ، وَالْجَوَاب عَن تمسكه بِالْآيَةِ أَن الْإِضَافَة فِيهَا حَقِيقَة، وإضافتها إِلَى غَيره إِضَافَة تَمْيِيز وتعريف.
فَإِن قلت: مَا وَجه ذكر هَذَا الْبَاب هَهُنَا؟ وَمَا وَجه الْمُنَاسبَة بَينه وَبَين الْأَبْوَاب الْمُتَقَدّمَة؟ قلت: الْمَذْكُور فِي الْأَبْوَاب السَّابِقَة أَحْكَام تتَعَلَّق بالمساجد، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب أَيْضا حكم من أَحْكَامهَا، وَهَذَا الْمِقْدَار كَاف.
٠٢٤٢٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نَافِعٍ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عُمَرَ أنَّ رَسُول الله سَابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ مِنَ الحَفْياءِ وأَمَدُها ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ وسابَقَ بَيْنَ الخَيْل الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّة إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ وَأن عَبْدَ اللَّه بنَ عُمَرَ كانَ فِيمَنْ سابَقَ بهَا. (الحَدِيث ٠٢٤ أَطْرَافه فِي: ٨٦٨٢، ٩٦٨٢، ٠٧٨٢، ٦٣٣٧) .
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِلَى مَسْجِد بني زُرَيْق) ، وَرِجَاله تكرروا غير مرّة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْخَيل عَن مُحَمَّد بن مسلمة والْحَارث بن مِسْكين، كِلَاهُمَا عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سَابق) ، من الْمُسَابقَة وَهِي السَّبق الَّذِي يشْتَرك فِي الِاثْنَان، وَبَاب المفاعلة يَقْتَضِي ذَلِك، وَالْخَيْل الَّتِي أضمرت هِيَ الَّتِي كَانَت الْمُسَابقَة بَينهَا، وَكَانَ فرس النَّبِي، صلى اتعالى عَلَيْهِ وَسلم، بَينهَا يُسمى: السكب، وَكَانَ أغر محجلاً طلق الْيَمين لَهُ مسحة، وَهُوَ أول فرس ملكه، وَأول فرس غزا عَلَيْهِ، وَاشْتَرَاهُ من أَعْرَابِي من بني فَزَارَة بِعشر أَوَاقٍ، وَكَانَ إسمه عِنْد الْأَعرَابِي: الضرس، فَسَماهُ رَسُول اصلى اتعالى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: السكب، وسابق عَلَيْهِ فَسبق وَفَرح بِهِ، وَهُوَ أول فرس سَابق عَلَيْهِ فَسبق وَفَرح الْمُسلمُونَ بِهِ. قَوْله: (أضمرت) ، بِضَم الْهمزَة على صِيغَة