«مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4612

الحديث رقم 4612 من كتاب «سورة المائدة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «من حدثك أن محمدا ﷺ كتم شيئا مما أنزل عليه…

«مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ، وَاللهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ الْآيَةَ».

﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾

سند حديث: ٤٦١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ…

٤٦١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «من حدثك أن محمدا ﷺ كتم شيئا مما أنزل عليه…

كان التابعي الجليل مسروقٌ متكئًا عند أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، فقالت له: ثلاثة أشياء من تكلم بواحدة منها فقد كذب على الله كذبًا عظيمًا. فقال لها: ما هذه الأشياء؟ فأجابته بها:
الأول: من ادَّعى أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه فقد كذب على الله كذبًا عظيمًا. وكان مسروق متكئا فاعتدل، فقال لها: كيف تقولين: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم ير ربه، وقد قال الله تعالى : {ولقد رآه بالأُفُق المبين} [التكوير: 23]، {ولقد رآه نَزْلَةً أخرى} [النجم: 13]؟ فأخبرته أنها أولُ مَن سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن هاتين الآيتين، فأخبرها صلى الله عليه وسلم أنه إنما رأى جبريلَ -عليه السلام-، ولم يره على صورتِه التي خلقه الله تعالى عليها غير هاتين المرتين، مرة في الأرض بناحية مطلع الشمس حيث تبدو الأشياء واضحة ظاهرة، ومرة أخرى في أعلى الجنة، رآه مُنهبِطًا من السماء يملأ خَلقُه العظيم ما بين السماء إلى الأرض، ثم استدلت لعدم رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه بقوله تعالى : {لا تُدْرِكه الأبصارُ وهو يُدْرِكُ الأبصارَ وهو اللطيفُ الخبيرُ} [الأنعام: 103]، وقوله تعالى : {وما كان لبشرٍ أن يُكلِّمه اللهُ إلا وحيًا أو من وراء حِجاب أو يُرسل رسولا فيوحيَ بإذنه ما يشاء إنَّه عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51]
الثاني: أن مَن ادَّعى أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا مِن كتاب الله، فقد كذب على الله كذبًا عظيمًا، واللهُ يقول: {يا أيها الرسول بَلِّغْ ما أُنزِل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلَّغتَ رسالتَه} [المائدة: 67].
الثالث: أن مَن ادَّعى أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخبر بالذي سيحدث في المستقبل من تلقاء نفسه دون وحيٍ من الله تعالى فقد كذب على الله كذبًا عظيمًا، والله يقول: {قل لا يعلمُ مِن في السماوات والأرض الغيبَ إلَّا الله} [النمل: 65].

الفوائد المستفادة من الحديث

  • أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يرَ ربه -عز وجل- بعينيه.
  • رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- جبريل على صورته الحقيقية مرتين.
  • لم يكتم النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئًا من الوحي.
  • النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يعلم الغيب.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «من حدثك أن محمدا ﷺ كتم شيئا مما أنزل عليه…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ كَذَا لِلْمُسْتَمْلِيِّ، وَلِغَيْرِهِ: بَابُ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ.

وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ: أَنَّ الرُّبَيِّعَ أَيْ: بِالتَّشْدِيدِ، عَمَّتَهُ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الدِّيَاتِ.

(تَنْبِيهٌ): الْفَزَارِيُّ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ هُوَ مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَبُو إِسْحَاقَ.

٧ - بَاب ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾

٤٦١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ؛ وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ مَعَ كَمَالِ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٨ - بَاب ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾

٤٦١٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ.

[الحديث ٤٦١٣ - طرفه في: ٦٦٦٣]

٤٦١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ حَدَّثَنَا النَّضْرُ عَنْ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ أَبَاهَا كَانَ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا أَرَى يَمِينًا أُرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ قَبِلْتُ رُخْصَةَ اللَّهِ وَفَعَلْتُ الَّذِي هُوَ خَيْر"

[الحديث ٤٦١٦ - طرفه في: ٦٦٣١]

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ سَقَطَ: بَابُ قَوْلِهِ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَفَسَّرَتْ عَائِشَةُ لَغْوَ الْيَمِينِ بِمَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِ الْمُكَلَّفِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَقِيلَ: هُوَ الْحَلِفُ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَقِيلَ: فِي الْغَضَبِ، وَقِيلَ: فِي الْمَعْصِيَةِ، وَفِيهِ خِلَافٌ آخَرُ، سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهَا: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا قَالَهَا لَغْوٌ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ الْكَلِمَتَيْنِ مَعًا فَالْأُولَى لَغْوٌ وَالثَّانِيَةُ مُنْعَقِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا اسْتِدْرَاكٌ مَقْصُودَةٌ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْحَمَوِيِّ، وَلَهُ عَنِ الْمُسْتَمْلِي: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ وَهِيَ رِوَايَةُ الْبَاقِينَ إِلَّا النَّسَفِيَّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ فَلَمْ يَنْسُبْهُ، وَعَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ هَذَا يُقَالُ لَهُ: اللَّبَقِيُّ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا قَافٌ خَفِيفَةٌ، وَهُوَ ثِقَةٌ مِنْ صِغَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَلَمْ يَقَعْ لَهُ عِنْدَهُ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فِي الشُّفْعَةِ، وَيَأْتِي آخَرُ فِي الدَّعَوَاتِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

اللَّفظ الواحد في الشَّرط والجزاء، وهذا من محاسن علم البيان، وقُدِّر المضاف وهو قوله: جميع ما أُنزِل؛ لأنَّه صلوات الله وسلامه عليه كان مبلِّغًا، فعلى هذا: فائدة الأمر المبالغة والكمال؛ يعني: ربَّما أتاك الوحي بما تكره أن تبلغه خوفًا من قومك، فبلِّغ الكلَّ ولا تخف، وقال الرَّاغب -فيما حكاه الطِّيبيُّ-: فإن قيل: كيف قال: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ وذلك كقولك (١): إن لم تبلِّغ فما بلَّغت؟ قيل: معناه: وإن لم تبلِّغ كلَّ ما أُنزِل إليك؛ تكون في حكم من لم يبلِّغ شيئًا ممَّا أنزل الله، بخلاف ما قالت الشِّيعة: إنَّه (٢) قد كتم أشياء على سبيل التَّقيَّة، وعن بعض الصُّوفيَّة: ما يتعلَّق به مصالح العباد وأُمِر بإطلاعهم عليه؛ فهو مُنزَّه عن كتمانه، وأمَّا ما خُصَّ به من الغيب ولم يتعلَّق به مصالح أمَّته؛ فله بل عليه كتمانه.

٤٦١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) هو ابن أبي خالدٍ البجليُّ الكوفيُّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ممَّا أنزل الله عليه» (فَقَدْ كَذَبَ، وَاللهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ الاية [المائدة: ٦٧]) وسقط لفظ «من ربك» لغير أبي ذرٍّ، وفي «الصَّحيحين» عنها [خ¦٧٤٢٠]: لو كان محمَّدٌ (٣) ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب ٣٧] وقد شهدت له أمَّته بإبلاغ الرِّسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته (٤) يوم حجَّة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحوٌ من أربعين ألفًا، كما ثبت في «صحيح مسلمٍ».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٧ - (بابٌ: {يَا أيُّها الرَّسولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} (الْمَائِدَة: ٦٧)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الرَّسُول} الْآيَة، ذكر الواحدي من حَدِيث الْحسن بن مُحَمَّد قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن عَبَّاس عَن الْأَعْمَش وَأبي الحجاف عَن عَطِيَّة عَن أبي سعيد، قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة: {يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك} يَوْم غَدِير خم فِي عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ مقَاتل: قَوْله: {بلغ مَا أنزل إِلَيْك} وَذَلِكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعَا الْيَهُود إِلَى الْإِسْلَام فَأكْثر الدُّعَاء فَجعلُوا يستهزؤن بِهِ وَيَقُولُونَ: أَتُرِيدُ يَا مُحَمَّد أَن نتخذك حنانا كَمَا اتَّخذت النَّصَارَى عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حنانا؟ فَلَمَّا رأى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك سكت عَنْهُم، فحرض الله تَعَالَى نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الدُّعَاء إِلَى دينه لَا يمنعهُ تكذيبهم إِيَّاه واستهزاؤهم بِهِ عَن الدُّعَاء، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: نزلت هَذِه الْآيَة بعد أحد، وَذكر الثَّعْلَبِيّ عَن الْحسن: قَالَ سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لما بَعَثَنِي الله عز وَجل برسالته ضقت بهَا ذرعا وَعرفت أَن من النَّاس من يكذبنِي، وَكَانَ يهاب قُريْشًا وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى، فَنزلت، وَقيل: نزلت فِي عُيَيْنَة بن حُصَيْن وفقراء أهل الصّفة، وَقيل: فِي الْجِهَاد، وَذَلِكَ أَن الْمُنَافِقين كرهوه وَكَرِهَهُ أَيْضا بعض الْمُؤمنِينَ، فَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يمسك فِي بعض الْأَحَايِين عَن الْحَث على الْجِهَاد لما يعرف من كَرَاهِيَة الْقَوْم لَهُ، فَنزلت: وَقيل: {بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك} فِي أَمر زَيْنَب بنت جحش، وَهُوَ مَذْكُور فِي البُخَارِيّ. وَقيل: {بلغ مَا أنزل إِلَيْك} أَي: فِي أَمر نِسَائِك، وَقَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن مَعْنَاهُ بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك فِي فضل عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة أَخذ بيد عَليّ، وَقَالَ: من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ، وَقيل: بلغ مَا أنزل إِلَيْك من حُقُوق الْمُسلمين، فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة خطب صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَل بلغت؟ وَعند الْجَوْزِيّ: بلغ مَا أنزل إِلَيْك من الرَّجْم وَالْقصاص.

٤٦١٢ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنَ يُوسُفَ حدَّثنا سُفْيانُ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوق عَنْ عَائِشةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قَالَتْ مَنْ حَدَّثَكَ أنَّ مُحَمَّدا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَتَمَ شَيْئا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ وَالله يَقولُ: {يَا أيُّها الرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} الْآيَة.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ صرح بِهِ أَبُو نعيم وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد البَجلِيّ الْكُوفِي، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر، ومسروق هُوَ ابْن الأجدع. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ مطولا ومختصرا وَأخرجه فِي التَّوْحِيد مقطعا. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن ابْن نمير وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن منيع وَعَن ابْن أبي عَمْرو. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى مطولا. وَفِيه الزِّيَادَة، وَأخرجه عَن آخَرين أَيْضا.

٨ - (بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذُكُمْ الله بِاللَّغْوِ فِي أيْمَانِكُمْ} (الْبَقَرَة: ٢٢٥)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم} وَلَيْسَ لفظ: بَاب، إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر واللغو فِي الْيَمين هُوَ قَوْلك: لَا وَالله، ويلي وَالله، وَقيل: معنى اللَّغْو الْإِثْم، وَالْمعْنَى لَا يُؤَاخِذكُم الله بالإثم فِي الْحلف إِذا كَفرْتُمْ، وَقَالَ ابْن جُبَير: هُوَ الرجل يحلف على الْمعْصِيَة، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: هُوَ أَن ينسى، وَقَالَ زيد بن أسلم: هُوَ قَول الرجل: أعمى الله بَصرِي إِن لم أفعل كَذَا وَكَذَا وَنَحْوه، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ أَن يحرم مَا أحل الله لَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَة، وَقَالَ طَاوس وَالْقَاضِي إِسْمَاعِيل: هُوَ أَن يحلف وَهُوَ غَضْبَان، وَعند الشَّافِعِي، هُوَ سبق اللِّسَان من غير قصد، وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد بن رشيد، ذهب مَالك وَأَبُو حنيفَة إِلَى أَنَّهَا الْيَمين على شَيْء يظنّ الرجل أَنه على يَقِين مِنْهُ فَيخرج الشَّيْء على خلاف مَا حلف عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَغْو الْيَمين مَا لم تَنْعَقِد النِّيَّة عَلَيْهِ مثل مَا جرت بِهِ الْعَادة من قَول الرجل فِي أثْنَاء المخاطبة، لَا وَالله وبلى وَالله من غير أَن يعْتَقد لُزُومه انْتهى، يُقَال: لَغَا فِي القَوْل يَلْغُو ويلغى لَغوا ولغى لَغَا ولغاة، اخطأ، وَكلمَة لاغية فَاحِشَة، ولغا يَلْغُو لَغوا، تكلم، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: لَغَا يَلْغُو، لَغوا: أَي قَالَ بَاطِلا يُقَال: لغوت بِالْيَمِينِ، ونباح الْكَلْب لَغْو أَيْضا، ولغى: بِالْكَسْرِ يلغى لغى مثله، واللغي الصَّوْت مثل الوغي، وَيُقَال أَيْضا: لغى بِهِ يلغى لَغَا أَي: لهج بِهِ، واللغة

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ كَذَا لِلْمُسْتَمْلِيِّ، وَلِغَيْرِهِ: بَابُ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ.

وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ: أَنَّ الرُّبَيِّعَ أَيْ: بِالتَّشْدِيدِ، عَمَّتَهُ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الدِّيَاتِ.

(تَنْبِيهٌ): الْفَزَارِيُّ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ هُوَ مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَبُو إِسْحَاقَ.

٧ - بَاب ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾

٤٦١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ؛ وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ مَعَ كَمَالِ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٨ - بَاب ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾

٤٦١٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ.

[الحديث ٤٦١٣ - طرفه في: ٦٦٦٣]

٤٦١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ حَدَّثَنَا النَّضْرُ عَنْ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ أَبَاهَا كَانَ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا أَرَى يَمِينًا أُرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ قَبِلْتُ رُخْصَةَ اللَّهِ وَفَعَلْتُ الَّذِي هُوَ خَيْر"

[الحديث ٤٦١٦ - طرفه في: ٦٦٣١]

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ سَقَطَ: بَابُ قَوْلِهِ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَفَسَّرَتْ عَائِشَةُ لَغْوَ الْيَمِينِ بِمَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِ الْمُكَلَّفِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَقِيلَ: هُوَ الْحَلِفُ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَقِيلَ: فِي الْغَضَبِ، وَقِيلَ: فِي الْمَعْصِيَةِ، وَفِيهِ خِلَافٌ آخَرُ، سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهَا: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا قَالَهَا لَغْوٌ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ الْكَلِمَتَيْنِ مَعًا فَالْأُولَى لَغْوٌ وَالثَّانِيَةُ مُنْعَقِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا اسْتِدْرَاكٌ مَقْصُودَةٌ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْحَمَوِيِّ، وَلَهُ عَنِ الْمُسْتَمْلِي: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ وَهِيَ رِوَايَةُ الْبَاقِينَ إِلَّا النَّسَفِيَّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ فَلَمْ يَنْسُبْهُ، وَعَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ هَذَا يُقَالُ لَهُ: اللَّبَقِيُّ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا قَافٌ خَفِيفَةٌ، وَهُوَ ثِقَةٌ مِنْ صِغَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَلَمْ يَقَعْ لَهُ عِنْدَهُ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فِي الشُّفْعَةِ، وَيَأْتِي آخَرُ فِي الدَّعَوَاتِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

اللَّفظ الواحد في الشَّرط والجزاء، وهذا من محاسن علم البيان، وقُدِّر المضاف وهو قوله: جميع ما أُنزِل؛ لأنَّه صلوات الله وسلامه عليه كان مبلِّغًا، فعلى هذا: فائدة الأمر المبالغة والكمال؛ يعني: ربَّما أتاك الوحي بما تكره أن تبلغه خوفًا من قومك، فبلِّغ الكلَّ ولا تخف، وقال الرَّاغب -فيما حكاه الطِّيبيُّ-: فإن قيل: كيف قال: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ وذلك كقولك (١): إن لم تبلِّغ فما بلَّغت؟ قيل: معناه: وإن لم تبلِّغ كلَّ ما أُنزِل إليك؛ تكون في حكم من لم يبلِّغ شيئًا ممَّا أنزل الله، بخلاف ما قالت الشِّيعة: إنَّه (٢) قد كتم أشياء على سبيل التَّقيَّة، وعن بعض الصُّوفيَّة: ما يتعلَّق به مصالح العباد وأُمِر بإطلاعهم عليه؛ فهو مُنزَّه عن كتمانه، وأمَّا ما خُصَّ به من الغيب ولم يتعلَّق به مصالح أمَّته؛ فله بل عليه كتمانه.

٤٦١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) هو ابن أبي خالدٍ البجليُّ الكوفيُّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ممَّا أنزل الله عليه» (فَقَدْ كَذَبَ، وَاللهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ الاية [المائدة: ٦٧]) وسقط لفظ «من ربك» لغير أبي ذرٍّ، وفي «الصَّحيحين» عنها [خ¦٧٤٢٠]: لو كان محمَّدٌ (٣) ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب ٣٧] وقد شهدت له أمَّته بإبلاغ الرِّسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته (٤) يوم حجَّة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحوٌ من أربعين ألفًا، كما ثبت في «صحيح مسلمٍ».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٧ - (بابٌ: {يَا أيُّها الرَّسولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} (الْمَائِدَة: ٦٧)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الرَّسُول} الْآيَة، ذكر الواحدي من حَدِيث الْحسن بن مُحَمَّد قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن عَبَّاس عَن الْأَعْمَش وَأبي الحجاف عَن عَطِيَّة عَن أبي سعيد، قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة: {يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك} يَوْم غَدِير خم فِي عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ مقَاتل: قَوْله: {بلغ مَا أنزل إِلَيْك} وَذَلِكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعَا الْيَهُود إِلَى الْإِسْلَام فَأكْثر الدُّعَاء فَجعلُوا يستهزؤن بِهِ وَيَقُولُونَ: أَتُرِيدُ يَا مُحَمَّد أَن نتخذك حنانا كَمَا اتَّخذت النَّصَارَى عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حنانا؟ فَلَمَّا رأى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك سكت عَنْهُم، فحرض الله تَعَالَى نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الدُّعَاء إِلَى دينه لَا يمنعهُ تكذيبهم إِيَّاه واستهزاؤهم بِهِ عَن الدُّعَاء، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: نزلت هَذِه الْآيَة بعد أحد، وَذكر الثَّعْلَبِيّ عَن الْحسن: قَالَ سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لما بَعَثَنِي الله عز وَجل برسالته ضقت بهَا ذرعا وَعرفت أَن من النَّاس من يكذبنِي، وَكَانَ يهاب قُريْشًا وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى، فَنزلت، وَقيل: نزلت فِي عُيَيْنَة بن حُصَيْن وفقراء أهل الصّفة، وَقيل: فِي الْجِهَاد، وَذَلِكَ أَن الْمُنَافِقين كرهوه وَكَرِهَهُ أَيْضا بعض الْمُؤمنِينَ، فَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يمسك فِي بعض الْأَحَايِين عَن الْحَث على الْجِهَاد لما يعرف من كَرَاهِيَة الْقَوْم لَهُ، فَنزلت: وَقيل: {بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك} فِي أَمر زَيْنَب بنت جحش، وَهُوَ مَذْكُور فِي البُخَارِيّ. وَقيل: {بلغ مَا أنزل إِلَيْك} أَي: فِي أَمر نِسَائِك، وَقَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن مَعْنَاهُ بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك فِي فضل عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة أَخذ بيد عَليّ، وَقَالَ: من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ، وَقيل: بلغ مَا أنزل إِلَيْك من حُقُوق الْمُسلمين، فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة خطب صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَل بلغت؟ وَعند الْجَوْزِيّ: بلغ مَا أنزل إِلَيْك من الرَّجْم وَالْقصاص.

٤٦١٢ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنَ يُوسُفَ حدَّثنا سُفْيانُ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوق عَنْ عَائِشةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قَالَتْ مَنْ حَدَّثَكَ أنَّ مُحَمَّدا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَتَمَ شَيْئا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ وَالله يَقولُ: {يَا أيُّها الرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} الْآيَة.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ صرح بِهِ أَبُو نعيم وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد البَجلِيّ الْكُوفِي، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر، ومسروق هُوَ ابْن الأجدع. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ مطولا ومختصرا وَأخرجه فِي التَّوْحِيد مقطعا. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن ابْن نمير وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن منيع وَعَن ابْن أبي عَمْرو. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى مطولا. وَفِيه الزِّيَادَة، وَأخرجه عَن آخَرين أَيْضا.

٨ - (بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذُكُمْ الله بِاللَّغْوِ فِي أيْمَانِكُمْ} (الْبَقَرَة: ٢٢٥)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم} وَلَيْسَ لفظ: بَاب، إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر واللغو فِي الْيَمين هُوَ قَوْلك: لَا وَالله، ويلي وَالله، وَقيل: معنى اللَّغْو الْإِثْم، وَالْمعْنَى لَا يُؤَاخِذكُم الله بالإثم فِي الْحلف إِذا كَفرْتُمْ، وَقَالَ ابْن جُبَير: هُوَ الرجل يحلف على الْمعْصِيَة، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: هُوَ أَن ينسى، وَقَالَ زيد بن أسلم: هُوَ قَول الرجل: أعمى الله بَصرِي إِن لم أفعل كَذَا وَكَذَا وَنَحْوه، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ أَن يحرم مَا أحل الله لَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَة، وَقَالَ طَاوس وَالْقَاضِي إِسْمَاعِيل: هُوَ أَن يحلف وَهُوَ غَضْبَان، وَعند الشَّافِعِي، هُوَ سبق اللِّسَان من غير قصد، وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد بن رشيد، ذهب مَالك وَأَبُو حنيفَة إِلَى أَنَّهَا الْيَمين على شَيْء يظنّ الرجل أَنه على يَقِين مِنْهُ فَيخرج الشَّيْء على خلاف مَا حلف عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَغْو الْيَمين مَا لم تَنْعَقِد النِّيَّة عَلَيْهِ مثل مَا جرت بِهِ الْعَادة من قَول الرجل فِي أثْنَاء المخاطبة، لَا وَالله وبلى وَالله من غير أَن يعْتَقد لُزُومه انْتهى، يُقَال: لَغَا فِي القَوْل يَلْغُو ويلغى لَغوا ولغى لَغَا ولغاة، اخطأ، وَكلمَة لاغية فَاحِشَة، ولغا يَلْغُو لَغوا، تكلم، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: لَغَا يَلْغُو، لَغوا: أَي قَالَ بَاطِلا يُقَال: لغوت بِالْيَمِينِ، ونباح الْكَلْب لَغْو أَيْضا، ولغى: بِالْكَسْرِ يلغى لغى مثله، واللغي الصَّوْت مثل الوغي، وَيُقَال أَيْضا: لغى بِهِ يلغى لَغَا أَي: لهج بِهِ، واللغة

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 8 جمادى الأولى
التربيع الأول اليوم 8.7 / 29.5
الإضاءة 64%
البدر بعد 6 يوم
الحمد لله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56