الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩٠٧
الحديث رقم ٤٩٠٧ من كتاب «سورة المنافقين» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله يقولون لئن رجعنا إلى المدينة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗١٥٥⦘
يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ. قَالَ جَابِرٌ: وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَ، ثُمَّ كَثُرَ الْمُهَاجِرُونَ بَعْدُ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ: أَوَقَدْ فَعَلُوا، وَاللهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللهِ، أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ».
سُورَةُ التَّغَابُنِ
وَقَالَ عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللهِ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ هُوَ الَّذِي إِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ رَضِيَ وَعَرَفَ أَنَّهَا مِنَ اللهِ.
سُورَةُ الطَّلَاقِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ جَزَاءَ أَمْرِهَا.
٤٩٠٧ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ:
كان النبي صلى الله عليه وسلم مسافرًا في غزوة ومعه أصحابه من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، فضرب رجل من المهاجرين دبر رجل من الأنصار بيده.
فقال الأنصاري: أغيثوني أيها الأنصار، وقال المهاجري: أغيثوني أيها المهاجرون، فسمعها رسول صلى الله عليه وسلم قال: ما هذا؟
فقالوا: ضرب رجل من المهاجرين دبر رجل من الأنصار بيده، فقال الأنصاري: أغيثوني أيها الأنصار، وقال المهاجري: أغيثوني أيها المهاجرون.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوا هذه العادة الجاهلية فإنها قبيحة كريهة مؤذية؛ وهي أن الرجل إذا غلب عليه خصمه نادى قومه فيبتدرون إلى نصرته ظالمًا كان أو مظلومًا جهلًا منهم وعصبية.
قال جابر: وكانت الأنصار حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرًا أكثر، ثم كثر المهاجرون بعد.
فقال رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول: أوقد وصل الأمر لهذا الحد؟! والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزاء -يعني نفسه ومن معه- من المدينة الأذلاء -يعني النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه-.
فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أتباعه ولو في الظاهر.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٧ - بَاب قَوْلُهُ: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾
٤٩٠٧ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ، فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ! وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! فَسَمَّعَهَا اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ، قَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ! وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ. قَالَ جَابِرٌ: وَكَانَتْ الْأَنْصَارُ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَ، ثُمَّ كَثُرَ الْمُهَاجِرُونَ بَعْدُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: أَوَقَدْ فَعَلُوا؟ وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ إِلَى (يَعْلَمُونَ).
ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ الْمَاضِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَبْلُ بِبَابٍ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّ التِّرْمِذِيَّ لَمَّا أَخْرَجَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بِإِسْنَادِ حَدِيثِ الْبَابِ قَالَ فِي آخِرِهِ: وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: وَاللَّهِ لَا يَنْقَلِبُ أَبِي إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى تَقُولَ إِنَّكَ أَنْتَ الذَّلِيلَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَزِيزُ، فَفَعَلَ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَخْرَجَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنْ شُيُوخِهِ، وَذَكَرَهَا أَيْضًا الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ.
٦٤ - سُورَةُ التَّغَابُنِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَقَالَ عَلْقَمَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ هُوَ الَّذِي إِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ رَضِيَ بِهَا وَعَرَفَ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: التَّغَابُنُ غَبْنُ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ. إِنِ ارْتَبْتُمْ: إِنْ لَمْ تَعْلَمُوا أَتَحِيضُ أَمْ لَا تَحِيضُ، فَاللَّائِي قَعَدْنَ عَنِ الْمَحِيضِ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ بَعْدُ فَعِدَّتُهُم ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ التَّغَابُنِ وَالطَّلَاقِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ: وَالطَّلَاقِ بَلِ اقْتَصَرُوا عَلَى التَّغَابُنِ وَأَفْرَدُوا الطَّلَاقَ بِتَرْجَمَةٍ، وَهُوَ الْأَلْيَقُ لِمُنَاسَبَةِ مَا تَقَدَّمَ.
قوله: (وَقَالَ عَلْقَمَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ إِلَخْ)؛ أَيْ يَهْتَدِي إِلَى التَّسْلِيمِ فَيَصْبِرُ وَيَشْكُرُ. وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ مِثْلَهُ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ ابْنَ مَسْعُودٍ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، نَعَمْ أَخْرَجَهُ الْبَرْقَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ: عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: شَهِدْنَا عِنْدَهُ - يَعْنِي عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ - عَرْضَ الْمَصَاحِفِ، فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قَالَ: هِيَ الْمُصِيبَاتُ تُصِيبُ الرَّجُلَ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيُسَلِّمْ وَيَرْضَى. وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَعْنَى يَهْدِي قَلْبَهُ لِلْيَقِينِ فَيَعْلَمُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: التَّغَابُنُ غَبْنُ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَهْلَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ [المنافقون: ٨]) الغلبةُ والقوَّةُ (﴿وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾) من فرطِ جهلِهم وغرورهِم أنَّه تعالى معزُّ أوليائهِ بطاعتِهم له، ومذلُّ أعدائهِ بمخالفتِهم (١) أمرَه، وسقطَ لأبي ذرٍّ ما بعد قولهِ: «﴿الْأَذَلَّ﴾» ولغيره: «باب» (٢).
٤٩٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ اللهِ بنُ الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينَة (قَالَ: حَفِظْنَاهُ) أي: الحديث (مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ) سبق أنَّها غزوةُ (٣) بني المُصطلق (فَكَسَعَ) بالعين والسين المهملتين (رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ) يسمَّى: جَهْجَاهًا الغِفاريَّ (رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) يسمَّى: سِنانًا الجُهني، أي: ضربَ بيدهِ على دبرِهِ (فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ) أَغيثوني (وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ) أَغيثوني (فَسَمَّعَهَا اللهُ) بتشديد الميم (رَسُولَهُ ﷺ قَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ) مستغيثًا بهم (وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ) مستغيثًا بهم (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: دَعُوهَا) أي: كلمة الاستغاثَة (فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) بضم الميم، خبيثةٌ.
(قَالَ جَابِرٌ) بالسَّند السَّابق: (وَكَانَتِ الأَنْصَارُ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَ) من المهاجرين (ثُمَّ كَثُرَ المُهَاجِرُونَ بَعْدُ) أي: بعدَ هذهِ القصَّة (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ: أَوَقَدْ فَعَلُوا) الأَثَرة؟ (وَاللهِ لَئِنْ
رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ) وفي التِّرمذي: فقال غيرُ عَمرو: فقال لهُ ابنه عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الله بنِ أُبيٍّ: واللهِ لا تنقلب (١) -أي: إلى المدينة- حتَّى تقول: إنَّك أنت الذَّليلُ ورسولُ الله العزيزُ، ففعلَ (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁) بعد أنْ بلغَ النَّبيَّ ﷺ ذلك: (دَعْنِي -يَا رَسُولَ اللهِ- أَضْرِبْ) بالجزم (عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ) ابن أبيٍّ (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقالَ» (النَّبِيُّ ﷺ: دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا) زاد في نسخةٍ: «ﷺ» وهي (٢) ثابتةٌ في «اليونينية» (٣) (يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) فإن قلت: الصَّحابي لا بدَّ أن يكون مسلمًا، والإسلامُ والنِّفاق لا يجتمعانِ، وهذا كان رأس المنافقين، فكيف أدخلَه في الأصحابِ؟ أُجيب: أدخلَه (٤) فيهم باعتبارِ الظَّاهر لنطقهِ بالشَّهادتين، وفي قتلهِ تنفيرُ غيرهِ عن الإسلامِ، والتزامُ مفسدةٍ لدفعِ أعظم المفسدتين جائزٌ.
(((٦٤))) (سورة التَّغَابُنِ) قيل (٥): مكِّيَّة، وقيل: مدنيَّة، وآيُها ثمان عشرة، ولأبي ذرٍّ زيادة (٦): «والطَّلاق».
(بسم الله الرحمن الرحيم) وسقطَتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ عَلْقَمَةُ) بنُ قيسٍ، فيما وصلَه عبدُ الرَّزَّاق: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ في قولهِ تعالى: (﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]) مجزومٌ بالشَّرط (هُوَ الَّذِي إِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ رَضِيَ) بِهَا (وَعَرَفَ أَنَّهَا مِنَ اللهِ) ﷿، فيسلِّم لقضائِه، وعن مُحيي السُّنة -فيما ذكرهُ في «فتوح الغيب» -: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يوفِّقه لليقينِ حتَّى يعلمَ أنَّ ما أصابهُ لم
يكن ليُخطئه، وما أخطأَهُ لم يكنْ ليصيبهُ، فيسلِّم لقضائهِ (١).
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِرْيابيُّ: (التَّغَابُنُ) هو (غَبْنُ أَهْلِ الجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ) لنزول أهلِ الجنَّة منازلَ أهلِ النَّار لو كانوا سعدَاء، وبالعكس، مستعارٌ من تغابنِ التُّجَّار، كذا قرَّره القاضي كـ «الكشَّاف»، لكن قالَ في «فتوح الغيبِ»: لا يستقيمُ باعتبارِ الأشقياء؛ لأنَّهم لا يغبنون السُّعداء بنزولِهم في منازلهم من (٢) النَّار، إلَّا بالاستعارةِ التَّهكميَّة، ولذا قال في «الكشَّاف»: وفيه تهكُّم بالأشقياءِ؛ لأنَّ نزولهم ليس يغبن، وجعلَ الواحديُّ التَّغابن من طرفٍ واحدٍ للمبالغة؛ حيث قال: ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩] يَغْبِنُ فيهِ أهلُ الحقِّ (٣) أهلَ الباطل، وأهلُ الإيمانِ أهل الكُفر، ولا غبنَ أبينَ من هذا، هؤلاء يدخلونَ الجنَّة وهؤلاء يدخلون النَّار، وأحسنُ منهما ما ذكرهُ محيي السُّنَّة قال: هو تفاعلٌ من الغُبن؛ وهو فوتُ الحظِّ، والمراد: فالمغبونُ من غبنَ في أهله ومنازله في الجنَّة (٤)، فظهر يومئذٍ غبن كلِّ كافرٍ بترك الإيمانِ، وغبنِ كلِّ مؤمنٍ بتقصيرهِ في الإحسانِ.
(((٦٥))) (سورة الطَّلَاقِ) مدنيَّة، وآيُها اثنتا عشرة، وسقطت لأبي ذرٍّ (٥).
(﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾) أي: (إِنْ لَمْ تَعْلَمُوا أَتَحِيضُ أَمْ لَا تَحِيضُ؛ فَالَّلَائِي قَعَدْنَ عَنْ المَحِيضِ) يئسنَ منه لكبرهنَّ (وَالَّلائِي لَمْ يَحِضْنَ) كذا قالَ (٦) مجاهد فيمَا وصله الفِرْيابيُّ، ولابنِ المنذر
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الأَنْصَارِ فَسَأَلَ أنَسا بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ، فَقَالَ هُوَ الَّذِي يَقُولُ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هاذا الَّذِي أوْ فِي الله لَهُ يَا ذُنِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من آخر الحَدِيث وَهُوَ قَوْله: هَذَا الَّذِي أوفى الله لَهُ بِإِذْنِهِ، وَذَلِكَ أَن زيد بن أَرقم لما حكى لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَول عبد الله بن أبي بن سلول، قَالَ لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَعَلَّه أَخطَأ سَمعك. قَالَ: لَا، فَلَمَّا نزلت الْآيَة الَّتِي هِيَ التَّرْجَمَة لحق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زيدا من خَلفه فَعَرَكَ أُذُنه فَقَالَ: وَقت أُذُنك يَا غُلَام، وَهُوَ معنى قَوْله: هَذَا الَّذِي أوفى الله لَهُ بِإِذْنِهِ بِضَم الْهمزَة، أَي صدق الله لَهُ بِإِذْنِهِ. أَي: يسمعهُ، وَكَأَنَّهُ جعل أُذُنه كالضامنة بِتَصْدِيق مَا سَمِعت، فَلَمَّا نزل الْقُرْآن بِهِ صَارَت كَأَنَّهَا واقية بضمانها.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده، وَذكره الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) فِي تَرْجَمَة أنس بن مَالك عَن زيد بن أَرقم. قَوْله: (حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عبد الله) ، هُوَ ابْن أبي أويس الْمدنِي ابْن أُخْت الإِمَام مَالك بن أنس، وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن عقبَة بِضَم الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف ابْن أخي مُوسَى بن عقبَة يروي عَن عَمه مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْأَسدي الْمَدِينِيّ، وَعبد الله بن الْفضل بن الْعَبَّاس بن ربيعَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب الْهَاشِمِي الْمدنِي من التَّابِعين الصغار الثِّقَات، وَمَاله من البُخَارِيّ عَن أنس إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ من أَقْرَان مُوسَى بن عقبَة الرَّاوِي عَنهُ. قَوْله: (حزنت) ، بِكَسْر الزَّاي من الْحزن. قَوْله: (على من أُصِيب بِالْحرَّةِ) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء وَهِي أَرض بِظَاهِر الْمَدِينَة فِيهَا حِجَارَة سود كَثِيرَة كَانَت بهَا وقْعَة فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ، وسببها أَن أهل الْمَدِينَة خلعوا بيعَة يزِيد بن مُعَاوِيَة لما بَلغهُمْ مَا يعتمده من الْفساد، فَأمر الْأَنْصَار عَلَيْهِم عبد الله بن حَنْظَلَة بن أبي عَامر وَأمر الْمُهَاجِرُونَ عَلَيْهِم عبد الله بن مُطِيع الْعَدوي، وَأرْسل إِلَيْهِم يزِيد بن مُعَاوِيَة مُسلم بن عقبَة الْمزي فِي جَيش كثير فَهَزَمَهُمْ واستباحوا الْمَدِينَة. وَقتل من الْأَنْصَار خلق كثير جدا. وَكَانَ أنس يَوْمئِذٍ بِالْبَصْرَةِ قبلغه ذَلِك فَحزن على من أُصِيب من الْأَنْصَار، فَكتب إِلَيْهِ زيد بن أَرقم، وَكَانَ يَوْمئِذٍ بِالْكُوفَةِ وَهُوَ معنى قَول أنس: فَكتب إِلَيّ، بتَشْديد الْيَاء زيد بن أَرقم الحَدِيث الَّذِي ذكره، وَهُوَ قَوْله: اللَّهُمَّ أَغفر للْأَنْصَار الحَدِيث، وعزى أنسا بذلك. قَوْله: (وبلغه شدَّة حزني) ، جملَة حَالية أَي: وَالْحَال أَنه قد بلغ زيد بن أَرقم شدَّة حزني الْقَائِل بذلك أنس. قَوْله: (يذكر) ، أَيْضا حَال. أَي: حَال كَون كِتَابَته يذكر أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَشك ابْن الْفضل) أَي: شكّ عبد الله بن الْفضل: هَل ذكر أَبنَاء الْأَبْنَاء أم لَا، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق قَتَادَة: اللَّهُمَّ اغْفِر للْأَنْصَار ولأبناء الْأَنْصَار وَأَبْنَاء أَبنَاء الْأَنْصَار، من غير شكّ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة عَليّ بن زيد عَن النَّضر بن أنس عَن زيد بن أَرقم أَنه كتب إِلَى أنس بن مَالك يعزيه فِيمَن أُصِيب من أَهله وَبني عَمه يَوْم الْحرَّة فَكتب إِلَيْهِ إِنِّي أُبَشِّرك ببشرى من الله إِنِّي سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر للْأَنْصَار ولذراري الْأَنْصَار ولذراري ذَرَارِيهمْ قَوْله: (فَسَأَلَ أنسا بعض من كَانَ عِنْده) لم يعرف هَذَا السَّائِل من هُوَ، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون النَّضر بن أنس فَإِنَّهُ روى حَدِيث الْبَاب عَن زيد بن أَرقم. قلت: هَذَا احْتِمَال بالتخمين فَلَا يُفِيد شَيْئا على أَن عِنْد أنس كَانَت جمَاعَة حِينَئِذٍ، وَزعم ابْن التِّين أَنه وَقع عِنْد الْقَابِسِيّ، فَسَأَلَ أنس بعض من عِنْده: بِرَفْع أنس على الفاعلية، وَنصب بعض على المفعولية، وَالْأول هُوَ الصَّوَاب. قَوْله: (هُوَ الَّذِي) أَي: زيد بن أَرقم هُوَ الَّذِي يَقُول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَقه هَذَا الَّذِي أوفى الله لَهُ بأذنه، وَقد مر تَفْسِيره الْآن، وَقيل: يجوز فتح الْهمزَة والذال من أُذُنه أَي: أظهر صدقه فِيمَا أعلم بِهِ، وَمعنى: أوفى صدق.
٧ - (بابُ قَوْلِهِ: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزَّ مِنْهَا الأذَلَّ وَلله العزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقينَ لَا يَعْلَمُونَ} (المُنَافِقُونَ: ٨)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {يَقُولُونَ لَئِن رَجعْنَا} الْآيَة إِلَى آخرهَا، هَكَذَا سَاقهَا الْأَكْثَرُونَ إِلَى آخرهَا. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَمن قَوْله: (يَقُولُونَ) إِلَى قَوْله: (الْأَذَل) .
٧٠٩٤ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْناهُ مِنْ عَمْروٍ بنِ دِينارٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِيَ الله عَنْهُمَا يَقُولُ كُنَّا فِي غزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ
الأنْصَارِ فَقَالَ الأنْصَارِيُّ يَا لِلأَنْصَارِ وَقَالَ المُهاجِريُّ يَا لِلْمُهَاجِرِينَ فَسَمَّعَها الله رَسُولَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَا هاذا فَقَالُوا كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ يَا للأَنْصَارِ وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ يَا لِلْمُهَاجِرِينَ فَقَال النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعُوهَا فَإنَّهَا مُنْتِنَةٌ قَالَ جِابِرٌ وَكَانَتْ الأنْصَارُ حِينَ قَدِمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أكْثَرَ ثُمَّ كَثُرَ المُهَاجِرُونَ بَعْدُ فَقَالَ عَبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ أوَقَدْ فَعَلُوا وَالله لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْها الأذَلَّ فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَابِ رَضِيَ الله عَنهُ دَعْنِي يَا رَسُولَ الله أضْرِبْ عُنْقَ هاذا المُنافِقِ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحَمَّدا يَقْتُلُ أصْحَابَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحميدِي عبد الله بن الزبير مَنْسُوب إِلَى أحد أجداده حميد، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، والْحَدِيث مضى قبل الْبَاب الَّذِي سبق هَذَا الْبَاب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
٤٦ - ( {سُورَةُ التغابُنِ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة التغابن، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر سُورَة التغابن وَالطَّلَاق، وَغَيره اقْتصر على سُورَة التغابن وأفرد الطَّلَاق بترجمة، وَهُوَ الْمُنَاسب واللائق. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: مَدَنِيَّة بِلَا خلاف، وَقَالَ مقَاتل: مَدَنِيَّة وفيهَا مكي. وَقَالَ الْكَلْبِيّ: مَكِّيَّة ومدنية، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: مَكِّيَّة إِلَّا آيَات من آخرهَا نزلت بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: والتغابن اسْم من أَسمَاء الْقِيَامَة وَسميت بذلك لِأَنَّهُ يغبن فِيهَا الْمَظْلُوم الظَّالِم، وَقيل: يغبن فِيهَا الْكفَّار فِي تِجَارَتهمْ الَّتِي أخبر الله أَنهم اشْتَروا الضَّلَالَة بِالْهدى، وَهِي ألف وَسَبْعُونَ حرفا، ومائتان وَإِحْدَى وَأَرْبَعُونَ كلمة وثمان عشرَة آيَة.
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
لَا خلاف فِي ثُبُوت الْبَسْمَلَة هَاهُنَا.
وَقَالَ عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ الله: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ} (التغابن: ١١) هُوَ الَّذِي إذَا أصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ رَضِيَ بِهَا وَعَرَفَ أنَّهَا مِنَ الله.
أَي: قَالَ عَلْقَمَة بن قيس عَن عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمن يُؤمن بِاللَّه يهد قلبه وَالله بِكُل شَيْء عليم هُوَ الَّذِي} إِلَى آخِره، وَوَصله عبد بن بن حميد فِي تَفْسِيره عَن عمر بن سعد عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن أبي ظبْيَان عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله. {وَمن يُؤمن بِاللَّه يهد قلبه} قَالَ: هُوَ الرجل يصاب بمصيبة فَيعلم أَنَّهَا من عِنْد الله فَيسلم ويرضى.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ التغابُنُ غَبْنُ أهْلِ الجَنَّةِ أهْلَ النَّار
كَذَا لأبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ وَحده، وَوَصله عبد بن حميد بِإِسْنَادِهِ عَن مُجَاهِد، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق شُعْبَة عَن قَتَادَة: يَوْم التغابن يَوْم غبن أهل الْجنَّة أهل النَّار، أَي: لكَون أهل الْجنَّة بَايعُوا على الْإِسْلَام بِالْجنَّةِ فَرَبِحُوا، وَأهل النَّار امْتَنعُوا من الْإِسْلَام فحسروا فشبهوا بالمتبايعين يغبن أَحدهمَا الآخر فِي بَيْعه.
٥٦ - ( {سُورَةُ الطلاقِ} )
أَي: هَذَا بَاب فِي تَفْسِير بعض سُورَة الطَّلَاق، هَكَذَا لغير أبي ذَر، وَفِي رِوَايَته سُورَة الطَّلَاق ذكرت مَعَ التغابن كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَهِي مَدَنِيَّة كلهَا بِلَا خلاف، وَقَالَ مقَاتل: وَهِي سُورَة النِّسَاء الصُّغْرَى، قيل: إِنَّهَا نزلت بعد {هَل أَتَى على الْإِنْسَان} (الْإِنْسَان: ١) وَقيل: {لم يكن} (الْبَيِّنَة: ١) وَهِي ألف وَسِتُّونَ حرفا، ومائتان وتسع وَأَرْبَعُونَ كلمة، واثنتا عشرَة آيَة.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَبَالَ أمْرِها جَزَاءَ أمْرِها
سقط هَذَا لأبي ذَر. أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {فذاقت وبال أمرهَا وَكَانَ عَافِيَة أمرهَا خسرا} (الطَّلَاق: ٩) وَفسّر الوبال بالجزاء،
رَوَاهُ الْحَنْظَلِي عَن حجاج عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ. وَالضَّمِير فِي: فذاقت، يرجع إِلَى قَوْله: {وكأين من قَرْيَة عنت عَن أَمر رَبهَا} (الطَّلَاق: ٨) .
إنَّ ارْتَبْتُمْ إنْ لَمْ تَعْلَمُوا أتَحِيض أمْ لَا تَحِيضُ: فَاللَاّئِي قَعَدْنَ عَنِ المَحِيضِ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ بَعْدُ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ
هَذَا لأبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ وَحده، وَأَشَارَ بقوله: (إِن ارتبتم) إِلَى قَوْله تَعَالَى: {واللائي يئسن من الْمَحِيض من نِسَائِكُم إِن ارتبتم فعدتهن ثَلَاثَة أشهر} (الطَّلَاق: ٤) الْآيَة. وَفسّر قَوْله: (ارتبتم) بقوله: (إِن لم تعلمُوا) إِلَى آخِره حَاصله إِن لم تعلمُوا حيضهن. قَوْله: (فعدن من الْمَحِيض) أَي: يئسن مِنْهُ لكبر عَن قَوْله: (واللائي لم يحضن بعد) أَي: من الصغر، وَقيل: مَعْنَاهُ إِن ارتبتم فِي حكمهن وَلم تدروا مَا الحكم فِي عدتهن.
٨٠٩٤ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني عُقَيْلٌ عَنْ ابنِ شهابٍ قَالَ أخْبَرَنِي سَالِمٌ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أخْبَرَهُ أنَّهُ طَلْقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثُمَّ قَالَ لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ فَإنْ بَدَا لَهُ أنْ يُطَلِّقَها فَلْيُطَلِّقْها طَاهِرا قَبْلَ أنْ يَمَسَّها فَتِلْكَ العِدَّةَ كَمَا أمَرَهُ الله.
مطابقته لما فِي السُّورَة ظَاهِرَة وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعقيل: بِضَم الْعين ابْن خَالِد.
قَوْله: (فتغيظ) ، أَي: غضب فِيهِ لِأَن الطَّلَاق فِي الْحيض بِدعَة. قَوْله: (فَإِن بدا لَهُ) أَي: فَإِن ظهر لَهُ أَن يطلقهَا، وَكلمَة: أَن مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (طَاهِرا) أَي: حَال كَونهَا طَاهِرَة وَإِنَّمَا ذكره بِلَفْظ التَّذْكِير لِأَن الطُّهْر من الْحيض من المختصات بِالنسَاء فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّاء، كَمَا فِي الْحَائِض. قَوْله: (قبل أَن يَمَسهَا) ، أَي: قبل أَن يُجَامِعهَا. قَوْله: (فَتلك الْعدة) ، أَي: هِيَ الْعدة الَّتِي أَمر الله أَن يُطلق لَهَا النِّسَاء حَيْثُ قَالَ: {فطلقوهن لعدتهن} ثمَّ أعلم أَن هَذَا الحَدِيث أخرجه الْأَئِمَّة السِّتَّة عَن ابْن عمر: فَالْبُخَارِي أخرجه هُنَا وَفِي الطَّلَاق وَفِي الْأَحْكَام وَالْبَاقُونَ فِي الطَّلَاق، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد روى هَذَا الحَدِيث من غير وَجه عَن ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله: رَوَاهُ عَن ابْن عمر نَافِع وَعبد الله بن دِينَار وَأنس بن سِيرِين وطاووس وَأَبُو الزبير وَسَعِيد بن جُبَير وَأَبُو وَائِل. فرواية نَافِع عِنْد السِّتَّة غير التِّرْمِذِيّ، وَرِوَايَة عبد الله بن دِينَار عِنْد مُسلم وَرِوَايَة أنس بن سِيرِين عِنْد الشَّيْخَيْنِ، وَرِوَايَة طَاوُوس عِنْد مُسلم وَالنَّسَائِيّ، وَرِوَايَة أبي الزبير عِنْد مُسلم وَأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَرِوَايَة سعيد بن جُبَير عِنْد النَّسَائِيّ. وَرِوَايَة أبي وَائِل عِنْد ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) .
ويستنبط مِنْهُ أَحْكَام: الأول: أَن طَلَاق السّنة أَن يكون فِي طهر، وَهَذَا بَاب اخْتلفُوا فِيهِ. فَقَالَ مَالك: طَلَاق السّنة أَن يُطلق الرجل امْرَأَته فِي طهر لم يَمَسهَا فِيهِ تَطْلِيقَة وَاحِدَة ثمَّ يَتْرُكهَا حَتَّى تَنْقَضِي الْعدة بِرُؤْيَة أول الدَّم من الْحَيْضَة الثَّالِثَة، وَهُوَ قَول اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هَذَا أحسن من الطَّلَاق، وَله فِي قَول آخر قَالَ إِذا أَرَادَ أَن يطلقهَا ثَلَاثًا، طَلقهَا عِنْد كل طهر وَاحِدَة من غير جماع، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأَشْهَب، وَزعم المرغيناني: أَن الطَّلَاق على ثَلَاثَة أوجه عِنْد أَصْحَاب أبي حنيفَة حسن وَأحسن وبدعي، فالحسن هُوَ طَلَاق السّنة وَهُوَ أَن يُطلق الْمَدْخُول بهَا ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَة أطهار، وَالْأَحْسَن أَن يطلقهَا تَطْلِيقَة وَاحِدَة فِي طهر لم يُجَامِعهَا فِيهِ وَيَتْرُكهَا حَتَّى تَنْقَضِي عدتهَا والبدعي أَن يطلقهَا ثَلَاثًا بِكَلِمَة وَاحِدَة أَو ثَلَاثًا فِي طهر وَاحِد فَإِذا فعل ذَلِك وَقع الطَّلَاق وَكَانَ عَاصِيا.
وَقَالَ عِيَاض: اخْتلف الْعلمَاء فِي صفة الطَّلَاق السّني. فَقَالَ مَالك وَعَامة أَصْحَابه، هُوَ أَن يُطلق الرجل امْرَأَته تَطْلِيقَة وَاحِدَة فِي طهر لم يَمَسهَا فِيهِ ثمَّ يَتْرُكهَا حَتَّى تكمل عدتهَا، وَبِه قَالَ اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: هَذَا أحسن الطَّلَاق، وَله قَول آخر إِنَّه إِن شَاءَ أَن يطلقهَا ثَلَاثًا طَلقهَا فِي كل طهر مرّة وَكِلَاهُمَا عِنْد الْكُوفِيّين طَلَاق سنة، وَهُوَ قَول ابْن مَسْعُود، وَاخْتلف فِيهِ قَول أَشهب فَقَالَ مثله مرّة وَأَجَازَ أَيْضا ارتجاعها ثمَّ يُطلق ثمَّ يرتجع ثمَّ يُطلق فَيتم الثَّلَاث وَقَالَ الشَّافِعِي
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٧ - بَاب قَوْلُهُ: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾
٤٩٠٧ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ، فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ! وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! فَسَمَّعَهَا اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ، قَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ! وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ. قَالَ جَابِرٌ: وَكَانَتْ الْأَنْصَارُ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَ، ثُمَّ كَثُرَ الْمُهَاجِرُونَ بَعْدُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: أَوَقَدْ فَعَلُوا؟ وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ إِلَى (يَعْلَمُونَ).
ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ الْمَاضِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَبْلُ بِبَابٍ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّ التِّرْمِذِيَّ لَمَّا أَخْرَجَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بِإِسْنَادِ حَدِيثِ الْبَابِ قَالَ فِي آخِرِهِ: وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: وَاللَّهِ لَا يَنْقَلِبُ أَبِي إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى تَقُولَ إِنَّكَ أَنْتَ الذَّلِيلَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَزِيزُ، فَفَعَلَ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَخْرَجَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنْ شُيُوخِهِ، وَذَكَرَهَا أَيْضًا الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ.
٦٤ - سُورَةُ التَّغَابُنِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَقَالَ عَلْقَمَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ هُوَ الَّذِي إِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ رَضِيَ بِهَا وَعَرَفَ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: التَّغَابُنُ غَبْنُ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ. إِنِ ارْتَبْتُمْ: إِنْ لَمْ تَعْلَمُوا أَتَحِيضُ أَمْ لَا تَحِيضُ، فَاللَّائِي قَعَدْنَ عَنِ الْمَحِيضِ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ بَعْدُ فَعِدَّتُهُم ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ التَّغَابُنِ وَالطَّلَاقِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ: وَالطَّلَاقِ بَلِ اقْتَصَرُوا عَلَى التَّغَابُنِ وَأَفْرَدُوا الطَّلَاقَ بِتَرْجَمَةٍ، وَهُوَ الْأَلْيَقُ لِمُنَاسَبَةِ مَا تَقَدَّمَ.
قوله: (وَقَالَ عَلْقَمَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ إِلَخْ)؛ أَيْ يَهْتَدِي إِلَى التَّسْلِيمِ فَيَصْبِرُ وَيَشْكُرُ. وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ مِثْلَهُ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ ابْنَ مَسْعُودٍ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، نَعَمْ أَخْرَجَهُ الْبَرْقَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ: عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: شَهِدْنَا عِنْدَهُ - يَعْنِي عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ - عَرْضَ الْمَصَاحِفِ، فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قَالَ: هِيَ الْمُصِيبَاتُ تُصِيبُ الرَّجُلَ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيُسَلِّمْ وَيَرْضَى. وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَعْنَى يَهْدِي قَلْبَهُ لِلْيَقِينِ فَيَعْلَمُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: التَّغَابُنُ غَبْنُ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَهْلَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ [المنافقون: ٨]) الغلبةُ والقوَّةُ (﴿وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾) من فرطِ جهلِهم وغرورهِم أنَّه تعالى معزُّ أوليائهِ بطاعتِهم له، ومذلُّ أعدائهِ بمخالفتِهم (١) أمرَه، وسقطَ لأبي ذرٍّ ما بعد قولهِ: «﴿الْأَذَلَّ﴾» ولغيره: «باب» (٢).
٤٩٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ اللهِ بنُ الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينَة (قَالَ: حَفِظْنَاهُ) أي: الحديث (مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ) سبق أنَّها غزوةُ (٣) بني المُصطلق (فَكَسَعَ) بالعين والسين المهملتين (رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ) يسمَّى: جَهْجَاهًا الغِفاريَّ (رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) يسمَّى: سِنانًا الجُهني، أي: ضربَ بيدهِ على دبرِهِ (فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ) أَغيثوني (وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ) أَغيثوني (فَسَمَّعَهَا اللهُ) بتشديد الميم (رَسُولَهُ ﷺ قَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ) مستغيثًا بهم (وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ) مستغيثًا بهم (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: دَعُوهَا) أي: كلمة الاستغاثَة (فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) بضم الميم، خبيثةٌ.
(قَالَ جَابِرٌ) بالسَّند السَّابق: (وَكَانَتِ الأَنْصَارُ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَ) من المهاجرين (ثُمَّ كَثُرَ المُهَاجِرُونَ بَعْدُ) أي: بعدَ هذهِ القصَّة (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ: أَوَقَدْ فَعَلُوا) الأَثَرة؟ (وَاللهِ لَئِنْ
رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ) وفي التِّرمذي: فقال غيرُ عَمرو: فقال لهُ ابنه عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الله بنِ أُبيٍّ: واللهِ لا تنقلب (١) -أي: إلى المدينة- حتَّى تقول: إنَّك أنت الذَّليلُ ورسولُ الله العزيزُ، ففعلَ (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁) بعد أنْ بلغَ النَّبيَّ ﷺ ذلك: (دَعْنِي -يَا رَسُولَ اللهِ- أَضْرِبْ) بالجزم (عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ) ابن أبيٍّ (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقالَ» (النَّبِيُّ ﷺ: دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا) زاد في نسخةٍ: «ﷺ» وهي (٢) ثابتةٌ في «اليونينية» (٣) (يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) فإن قلت: الصَّحابي لا بدَّ أن يكون مسلمًا، والإسلامُ والنِّفاق لا يجتمعانِ، وهذا كان رأس المنافقين، فكيف أدخلَه في الأصحابِ؟ أُجيب: أدخلَه (٤) فيهم باعتبارِ الظَّاهر لنطقهِ بالشَّهادتين، وفي قتلهِ تنفيرُ غيرهِ عن الإسلامِ، والتزامُ مفسدةٍ لدفعِ أعظم المفسدتين جائزٌ.
(((٦٤))) (سورة التَّغَابُنِ) قيل (٥): مكِّيَّة، وقيل: مدنيَّة، وآيُها ثمان عشرة، ولأبي ذرٍّ زيادة (٦): «والطَّلاق».
(بسم الله الرحمن الرحيم) وسقطَتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ عَلْقَمَةُ) بنُ قيسٍ، فيما وصلَه عبدُ الرَّزَّاق: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ في قولهِ تعالى: (﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]) مجزومٌ بالشَّرط (هُوَ الَّذِي إِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ رَضِيَ) بِهَا (وَعَرَفَ أَنَّهَا مِنَ اللهِ) ﷿، فيسلِّم لقضائِه، وعن مُحيي السُّنة -فيما ذكرهُ في «فتوح الغيب» -: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يوفِّقه لليقينِ حتَّى يعلمَ أنَّ ما أصابهُ لم
يكن ليُخطئه، وما أخطأَهُ لم يكنْ ليصيبهُ، فيسلِّم لقضائهِ (١).
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِرْيابيُّ: (التَّغَابُنُ) هو (غَبْنُ أَهْلِ الجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ) لنزول أهلِ الجنَّة منازلَ أهلِ النَّار لو كانوا سعدَاء، وبالعكس، مستعارٌ من تغابنِ التُّجَّار، كذا قرَّره القاضي كـ «الكشَّاف»، لكن قالَ في «فتوح الغيبِ»: لا يستقيمُ باعتبارِ الأشقياء؛ لأنَّهم لا يغبنون السُّعداء بنزولِهم في منازلهم من (٢) النَّار، إلَّا بالاستعارةِ التَّهكميَّة، ولذا قال في «الكشَّاف»: وفيه تهكُّم بالأشقياءِ؛ لأنَّ نزولهم ليس يغبن، وجعلَ الواحديُّ التَّغابن من طرفٍ واحدٍ للمبالغة؛ حيث قال: ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩] يَغْبِنُ فيهِ أهلُ الحقِّ (٣) أهلَ الباطل، وأهلُ الإيمانِ أهل الكُفر، ولا غبنَ أبينَ من هذا، هؤلاء يدخلونَ الجنَّة وهؤلاء يدخلون النَّار، وأحسنُ منهما ما ذكرهُ محيي السُّنَّة قال: هو تفاعلٌ من الغُبن؛ وهو فوتُ الحظِّ، والمراد: فالمغبونُ من غبنَ في أهله ومنازله في الجنَّة (٤)، فظهر يومئذٍ غبن كلِّ كافرٍ بترك الإيمانِ، وغبنِ كلِّ مؤمنٍ بتقصيرهِ في الإحسانِ.
(((٦٥))) (سورة الطَّلَاقِ) مدنيَّة، وآيُها اثنتا عشرة، وسقطت لأبي ذرٍّ (٥).
(﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾) أي: (إِنْ لَمْ تَعْلَمُوا أَتَحِيضُ أَمْ لَا تَحِيضُ؛ فَالَّلَائِي قَعَدْنَ عَنْ المَحِيضِ) يئسنَ منه لكبرهنَّ (وَالَّلائِي لَمْ يَحِضْنَ) كذا قالَ (٦) مجاهد فيمَا وصله الفِرْيابيُّ، ولابنِ المنذر
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الأَنْصَارِ فَسَأَلَ أنَسا بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ، فَقَالَ هُوَ الَّذِي يَقُولُ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هاذا الَّذِي أوْ فِي الله لَهُ يَا ذُنِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من آخر الحَدِيث وَهُوَ قَوْله: هَذَا الَّذِي أوفى الله لَهُ بِإِذْنِهِ، وَذَلِكَ أَن زيد بن أَرقم لما حكى لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَول عبد الله بن أبي بن سلول، قَالَ لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَعَلَّه أَخطَأ سَمعك. قَالَ: لَا، فَلَمَّا نزلت الْآيَة الَّتِي هِيَ التَّرْجَمَة لحق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زيدا من خَلفه فَعَرَكَ أُذُنه فَقَالَ: وَقت أُذُنك يَا غُلَام، وَهُوَ معنى قَوْله: هَذَا الَّذِي أوفى الله لَهُ بِإِذْنِهِ بِضَم الْهمزَة، أَي صدق الله لَهُ بِإِذْنِهِ. أَي: يسمعهُ، وَكَأَنَّهُ جعل أُذُنه كالضامنة بِتَصْدِيق مَا سَمِعت، فَلَمَّا نزل الْقُرْآن بِهِ صَارَت كَأَنَّهَا واقية بضمانها.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده، وَذكره الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) فِي تَرْجَمَة أنس بن مَالك عَن زيد بن أَرقم. قَوْله: (حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عبد الله) ، هُوَ ابْن أبي أويس الْمدنِي ابْن أُخْت الإِمَام مَالك بن أنس، وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن عقبَة بِضَم الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف ابْن أخي مُوسَى بن عقبَة يروي عَن عَمه مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْأَسدي الْمَدِينِيّ، وَعبد الله بن الْفضل بن الْعَبَّاس بن ربيعَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب الْهَاشِمِي الْمدنِي من التَّابِعين الصغار الثِّقَات، وَمَاله من البُخَارِيّ عَن أنس إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ من أَقْرَان مُوسَى بن عقبَة الرَّاوِي عَنهُ. قَوْله: (حزنت) ، بِكَسْر الزَّاي من الْحزن. قَوْله: (على من أُصِيب بِالْحرَّةِ) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء وَهِي أَرض بِظَاهِر الْمَدِينَة فِيهَا حِجَارَة سود كَثِيرَة كَانَت بهَا وقْعَة فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ، وسببها أَن أهل الْمَدِينَة خلعوا بيعَة يزِيد بن مُعَاوِيَة لما بَلغهُمْ مَا يعتمده من الْفساد، فَأمر الْأَنْصَار عَلَيْهِم عبد الله بن حَنْظَلَة بن أبي عَامر وَأمر الْمُهَاجِرُونَ عَلَيْهِم عبد الله بن مُطِيع الْعَدوي، وَأرْسل إِلَيْهِم يزِيد بن مُعَاوِيَة مُسلم بن عقبَة الْمزي فِي جَيش كثير فَهَزَمَهُمْ واستباحوا الْمَدِينَة. وَقتل من الْأَنْصَار خلق كثير جدا. وَكَانَ أنس يَوْمئِذٍ بِالْبَصْرَةِ قبلغه ذَلِك فَحزن على من أُصِيب من الْأَنْصَار، فَكتب إِلَيْهِ زيد بن أَرقم، وَكَانَ يَوْمئِذٍ بِالْكُوفَةِ وَهُوَ معنى قَول أنس: فَكتب إِلَيّ، بتَشْديد الْيَاء زيد بن أَرقم الحَدِيث الَّذِي ذكره، وَهُوَ قَوْله: اللَّهُمَّ أَغفر للْأَنْصَار الحَدِيث، وعزى أنسا بذلك. قَوْله: (وبلغه شدَّة حزني) ، جملَة حَالية أَي: وَالْحَال أَنه قد بلغ زيد بن أَرقم شدَّة حزني الْقَائِل بذلك أنس. قَوْله: (يذكر) ، أَيْضا حَال. أَي: حَال كَون كِتَابَته يذكر أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَشك ابْن الْفضل) أَي: شكّ عبد الله بن الْفضل: هَل ذكر أَبنَاء الْأَبْنَاء أم لَا، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق قَتَادَة: اللَّهُمَّ اغْفِر للْأَنْصَار ولأبناء الْأَنْصَار وَأَبْنَاء أَبنَاء الْأَنْصَار، من غير شكّ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة عَليّ بن زيد عَن النَّضر بن أنس عَن زيد بن أَرقم أَنه كتب إِلَى أنس بن مَالك يعزيه فِيمَن أُصِيب من أَهله وَبني عَمه يَوْم الْحرَّة فَكتب إِلَيْهِ إِنِّي أُبَشِّرك ببشرى من الله إِنِّي سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر للْأَنْصَار ولذراري الْأَنْصَار ولذراري ذَرَارِيهمْ قَوْله: (فَسَأَلَ أنسا بعض من كَانَ عِنْده) لم يعرف هَذَا السَّائِل من هُوَ، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون النَّضر بن أنس فَإِنَّهُ روى حَدِيث الْبَاب عَن زيد بن أَرقم. قلت: هَذَا احْتِمَال بالتخمين فَلَا يُفِيد شَيْئا على أَن عِنْد أنس كَانَت جمَاعَة حِينَئِذٍ، وَزعم ابْن التِّين أَنه وَقع عِنْد الْقَابِسِيّ، فَسَأَلَ أنس بعض من عِنْده: بِرَفْع أنس على الفاعلية، وَنصب بعض على المفعولية، وَالْأول هُوَ الصَّوَاب. قَوْله: (هُوَ الَّذِي) أَي: زيد بن أَرقم هُوَ الَّذِي يَقُول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَقه هَذَا الَّذِي أوفى الله لَهُ بأذنه، وَقد مر تَفْسِيره الْآن، وَقيل: يجوز فتح الْهمزَة والذال من أُذُنه أَي: أظهر صدقه فِيمَا أعلم بِهِ، وَمعنى: أوفى صدق.
٧ - (بابُ قَوْلِهِ: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزَّ مِنْهَا الأذَلَّ وَلله العزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقينَ لَا يَعْلَمُونَ} (المُنَافِقُونَ: ٨)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {يَقُولُونَ لَئِن رَجعْنَا} الْآيَة إِلَى آخرهَا، هَكَذَا سَاقهَا الْأَكْثَرُونَ إِلَى آخرهَا. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَمن قَوْله: (يَقُولُونَ) إِلَى قَوْله: (الْأَذَل) .
٧٠٩٤ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْناهُ مِنْ عَمْروٍ بنِ دِينارٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِيَ الله عَنْهُمَا يَقُولُ كُنَّا فِي غزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ
الأنْصَارِ فَقَالَ الأنْصَارِيُّ يَا لِلأَنْصَارِ وَقَالَ المُهاجِريُّ يَا لِلْمُهَاجِرِينَ فَسَمَّعَها الله رَسُولَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَا هاذا فَقَالُوا كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ يَا للأَنْصَارِ وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ يَا لِلْمُهَاجِرِينَ فَقَال النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعُوهَا فَإنَّهَا مُنْتِنَةٌ قَالَ جِابِرٌ وَكَانَتْ الأنْصَارُ حِينَ قَدِمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أكْثَرَ ثُمَّ كَثُرَ المُهَاجِرُونَ بَعْدُ فَقَالَ عَبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ أوَقَدْ فَعَلُوا وَالله لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْها الأذَلَّ فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَابِ رَضِيَ الله عَنهُ دَعْنِي يَا رَسُولَ الله أضْرِبْ عُنْقَ هاذا المُنافِقِ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحَمَّدا يَقْتُلُ أصْحَابَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحميدِي عبد الله بن الزبير مَنْسُوب إِلَى أحد أجداده حميد، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، والْحَدِيث مضى قبل الْبَاب الَّذِي سبق هَذَا الْبَاب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
٤٦ - ( {سُورَةُ التغابُنِ} )
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة التغابن، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر سُورَة التغابن وَالطَّلَاق، وَغَيره اقْتصر على سُورَة التغابن وأفرد الطَّلَاق بترجمة، وَهُوَ الْمُنَاسب واللائق. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: مَدَنِيَّة بِلَا خلاف، وَقَالَ مقَاتل: مَدَنِيَّة وفيهَا مكي. وَقَالَ الْكَلْبِيّ: مَكِّيَّة ومدنية، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: مَكِّيَّة إِلَّا آيَات من آخرهَا نزلت بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: والتغابن اسْم من أَسمَاء الْقِيَامَة وَسميت بذلك لِأَنَّهُ يغبن فِيهَا الْمَظْلُوم الظَّالِم، وَقيل: يغبن فِيهَا الْكفَّار فِي تِجَارَتهمْ الَّتِي أخبر الله أَنهم اشْتَروا الضَّلَالَة بِالْهدى، وَهِي ألف وَسَبْعُونَ حرفا، ومائتان وَإِحْدَى وَأَرْبَعُونَ كلمة وثمان عشرَة آيَة.
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
لَا خلاف فِي ثُبُوت الْبَسْمَلَة هَاهُنَا.
وَقَالَ عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ الله: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ} (التغابن: ١١) هُوَ الَّذِي إذَا أصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ رَضِيَ بِهَا وَعَرَفَ أنَّهَا مِنَ الله.
أَي: قَالَ عَلْقَمَة بن قيس عَن عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمن يُؤمن بِاللَّه يهد قلبه وَالله بِكُل شَيْء عليم هُوَ الَّذِي} إِلَى آخِره، وَوَصله عبد بن بن حميد فِي تَفْسِيره عَن عمر بن سعد عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن أبي ظبْيَان عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله. {وَمن يُؤمن بِاللَّه يهد قلبه} قَالَ: هُوَ الرجل يصاب بمصيبة فَيعلم أَنَّهَا من عِنْد الله فَيسلم ويرضى.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ التغابُنُ غَبْنُ أهْلِ الجَنَّةِ أهْلَ النَّار
كَذَا لأبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ وَحده، وَوَصله عبد بن حميد بِإِسْنَادِهِ عَن مُجَاهِد، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق شُعْبَة عَن قَتَادَة: يَوْم التغابن يَوْم غبن أهل الْجنَّة أهل النَّار، أَي: لكَون أهل الْجنَّة بَايعُوا على الْإِسْلَام بِالْجنَّةِ فَرَبِحُوا، وَأهل النَّار امْتَنعُوا من الْإِسْلَام فحسروا فشبهوا بالمتبايعين يغبن أَحدهمَا الآخر فِي بَيْعه.
٥٦ - ( {سُورَةُ الطلاقِ} )
أَي: هَذَا بَاب فِي تَفْسِير بعض سُورَة الطَّلَاق، هَكَذَا لغير أبي ذَر، وَفِي رِوَايَته سُورَة الطَّلَاق ذكرت مَعَ التغابن كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَهِي مَدَنِيَّة كلهَا بِلَا خلاف، وَقَالَ مقَاتل: وَهِي سُورَة النِّسَاء الصُّغْرَى، قيل: إِنَّهَا نزلت بعد {هَل أَتَى على الْإِنْسَان} (الْإِنْسَان: ١) وَقيل: {لم يكن} (الْبَيِّنَة: ١) وَهِي ألف وَسِتُّونَ حرفا، ومائتان وتسع وَأَرْبَعُونَ كلمة، واثنتا عشرَة آيَة.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَبَالَ أمْرِها جَزَاءَ أمْرِها
سقط هَذَا لأبي ذَر. أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {فذاقت وبال أمرهَا وَكَانَ عَافِيَة أمرهَا خسرا} (الطَّلَاق: ٩) وَفسّر الوبال بالجزاء،
رَوَاهُ الْحَنْظَلِي عَن حجاج عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ. وَالضَّمِير فِي: فذاقت، يرجع إِلَى قَوْله: {وكأين من قَرْيَة عنت عَن أَمر رَبهَا} (الطَّلَاق: ٨) .
إنَّ ارْتَبْتُمْ إنْ لَمْ تَعْلَمُوا أتَحِيض أمْ لَا تَحِيضُ: فَاللَاّئِي قَعَدْنَ عَنِ المَحِيضِ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ بَعْدُ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ
هَذَا لأبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ وَحده، وَأَشَارَ بقوله: (إِن ارتبتم) إِلَى قَوْله تَعَالَى: {واللائي يئسن من الْمَحِيض من نِسَائِكُم إِن ارتبتم فعدتهن ثَلَاثَة أشهر} (الطَّلَاق: ٤) الْآيَة. وَفسّر قَوْله: (ارتبتم) بقوله: (إِن لم تعلمُوا) إِلَى آخِره حَاصله إِن لم تعلمُوا حيضهن. قَوْله: (فعدن من الْمَحِيض) أَي: يئسن مِنْهُ لكبر عَن قَوْله: (واللائي لم يحضن بعد) أَي: من الصغر، وَقيل: مَعْنَاهُ إِن ارتبتم فِي حكمهن وَلم تدروا مَا الحكم فِي عدتهن.
٨٠٩٤ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني عُقَيْلٌ عَنْ ابنِ شهابٍ قَالَ أخْبَرَنِي سَالِمٌ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أخْبَرَهُ أنَّهُ طَلْقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثُمَّ قَالَ لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ فَإنْ بَدَا لَهُ أنْ يُطَلِّقَها فَلْيُطَلِّقْها طَاهِرا قَبْلَ أنْ يَمَسَّها فَتِلْكَ العِدَّةَ كَمَا أمَرَهُ الله.
مطابقته لما فِي السُّورَة ظَاهِرَة وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعقيل: بِضَم الْعين ابْن خَالِد.
قَوْله: (فتغيظ) ، أَي: غضب فِيهِ لِأَن الطَّلَاق فِي الْحيض بِدعَة. قَوْله: (فَإِن بدا لَهُ) أَي: فَإِن ظهر لَهُ أَن يطلقهَا، وَكلمَة: أَن مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (طَاهِرا) أَي: حَال كَونهَا طَاهِرَة وَإِنَّمَا ذكره بِلَفْظ التَّذْكِير لِأَن الطُّهْر من الْحيض من المختصات بِالنسَاء فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّاء، كَمَا فِي الْحَائِض. قَوْله: (قبل أَن يَمَسهَا) ، أَي: قبل أَن يُجَامِعهَا. قَوْله: (فَتلك الْعدة) ، أَي: هِيَ الْعدة الَّتِي أَمر الله أَن يُطلق لَهَا النِّسَاء حَيْثُ قَالَ: {فطلقوهن لعدتهن} ثمَّ أعلم أَن هَذَا الحَدِيث أخرجه الْأَئِمَّة السِّتَّة عَن ابْن عمر: فَالْبُخَارِي أخرجه هُنَا وَفِي الطَّلَاق وَفِي الْأَحْكَام وَالْبَاقُونَ فِي الطَّلَاق، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد روى هَذَا الحَدِيث من غير وَجه عَن ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله: رَوَاهُ عَن ابْن عمر نَافِع وَعبد الله بن دِينَار وَأنس بن سِيرِين وطاووس وَأَبُو الزبير وَسَعِيد بن جُبَير وَأَبُو وَائِل. فرواية نَافِع عِنْد السِّتَّة غير التِّرْمِذِيّ، وَرِوَايَة عبد الله بن دِينَار عِنْد مُسلم وَرِوَايَة أنس بن سِيرِين عِنْد الشَّيْخَيْنِ، وَرِوَايَة طَاوُوس عِنْد مُسلم وَالنَّسَائِيّ، وَرِوَايَة أبي الزبير عِنْد مُسلم وَأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَرِوَايَة سعيد بن جُبَير عِنْد النَّسَائِيّ. وَرِوَايَة أبي وَائِل عِنْد ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) .
ويستنبط مِنْهُ أَحْكَام: الأول: أَن طَلَاق السّنة أَن يكون فِي طهر، وَهَذَا بَاب اخْتلفُوا فِيهِ. فَقَالَ مَالك: طَلَاق السّنة أَن يُطلق الرجل امْرَأَته فِي طهر لم يَمَسهَا فِيهِ تَطْلِيقَة وَاحِدَة ثمَّ يَتْرُكهَا حَتَّى تَنْقَضِي الْعدة بِرُؤْيَة أول الدَّم من الْحَيْضَة الثَّالِثَة، وَهُوَ قَول اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هَذَا أحسن من الطَّلَاق، وَله فِي قَول آخر قَالَ إِذا أَرَادَ أَن يطلقهَا ثَلَاثًا، طَلقهَا عِنْد كل طهر وَاحِدَة من غير جماع، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأَشْهَب، وَزعم المرغيناني: أَن الطَّلَاق على ثَلَاثَة أوجه عِنْد أَصْحَاب أبي حنيفَة حسن وَأحسن وبدعي، فالحسن هُوَ طَلَاق السّنة وَهُوَ أَن يُطلق الْمَدْخُول بهَا ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَة أطهار، وَالْأَحْسَن أَن يطلقهَا تَطْلِيقَة وَاحِدَة فِي طهر لم يُجَامِعهَا فِيهِ وَيَتْرُكهَا حَتَّى تَنْقَضِي عدتهَا والبدعي أَن يطلقهَا ثَلَاثًا بِكَلِمَة وَاحِدَة أَو ثَلَاثًا فِي طهر وَاحِد فَإِذا فعل ذَلِك وَقع الطَّلَاق وَكَانَ عَاصِيا.
وَقَالَ عِيَاض: اخْتلف الْعلمَاء فِي صفة الطَّلَاق السّني. فَقَالَ مَالك وَعَامة أَصْحَابه، هُوَ أَن يُطلق الرجل امْرَأَته تَطْلِيقَة وَاحِدَة فِي طهر لم يَمَسهَا فِيهِ ثمَّ يَتْرُكهَا حَتَّى تكمل عدتهَا، وَبِه قَالَ اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: هَذَا أحسن الطَّلَاق، وَله قَول آخر إِنَّه إِن شَاءَ أَن يطلقهَا ثَلَاثًا طَلقهَا فِي كل طهر مرّة وَكِلَاهُمَا عِنْد الْكُوفِيّين طَلَاق سنة، وَهُوَ قَول ابْن مَسْعُود، وَاخْتلف فِيهِ قَول أَشهب فَقَالَ مثله مرّة وَأَجَازَ أَيْضا ارتجاعها ثمَّ يُطلق ثمَّ يرتجع ثمَّ يُطلق فَيتم الثَّلَاث وَقَالَ الشَّافِعِي