«حَزِنْتُ عَلَى مَنْ أُصِيبَ بِالْحَرَّةِ، فَكَتَبَ إِلَيَّ زَيْدُ بْنُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩٠٦

الحديث رقم ٤٩٠٦ من كتاب «سورة المنافقين» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «حزنت على من أصيب بالحرة، فكتب إلي زيد بن…

«حَزِنْتُ عَلَى مَنْ أُصِيبَ بِالْحَرَّةِ، فَكَتَبَ إِلَيَّ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَبَلَغَهُ شِدَّةُ حُزْنِي، يَذْكُرُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ، وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ.

وَشَكَّ ابْنُ الْفَضْلِ فِي: أَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ، فَسَأَلَ أَنَسًا بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ، فَقَالَ: هُوَ الَّذِي يَقُولُ رَسُولُ اللهِ : هَذَا الَّذِي أَوْفَى اللهُ لَهُ بِأُذُنِهِ».

قَوْلُهُ: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾

سند حديث: ٤٩٠٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ…

٤٩٠٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الْفَضْلِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «حزنت على من أصيب بالحرة، فكتب إلي زيد بن…

يذكر زيد بن الأرْقَم رضي الله عنه أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر وكان معه المؤمنون والمنافقون فأصاب الناس ضِيق وشدة لقلة ما عندهم من الزاد، فتكلم عبد الله بن أُبي بن سَلول -رأس الكفر والنفاق-، فقال: (لاَ تُنْفِقُوا على مَنْ عند رسول الله حتى يَنْفَضُّوا) [المنافقون: 7] يعني: لا تعطوهم شيئاً من النفقة، حتى يجوعوا ويتفرقوا ويتركوا النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال أيضًا : (لَئِنْ رجعنا إلى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ منها الأَذَلَّ) [المنافقون: 8] ويعني بالأعَزِّ نفسه وقومه، وبالأذَلِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع ذلك زيد بن الأرْقَم رضي الله عنه فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره؛ بأن عبد الله بن أبي بن سلول يقول كذا وكذا، يحذره منه، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فحلف واشتد في الحلف أنه لم يَقْل ذلك، وهذا هو دأب المنافقين، يحلفون على الكذب وهم يعلمون فأقسم أنه ما قال ذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يَقبل علانيتهم ويترك سريرتهم إلى الله، فلما بَلَغ ذلك زيد بن الأرْقَم اشتد عليه الأمر؛ لأن الرجل حَلَف وأقسم عند الرسول الله صلى الله عليه وسلم واجتهد يمينه في ذلك ، فقالوا: كَذَب زيد بن الأرْقَم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني أخبر زيدٌ بن الأرقَم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر كَذَب، فاشتد ذلك على زيد بن الأرْقَم حتى أنزل الله تصديق وبينه بقوله : "إذا جاءك المنافقون" أي: سورة المنافقين ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم : المنافقين وعلى رأسهم عبد الله بن أبي؛ ليستغفر لهم عمَّا صدر منهم من فُحش القول، فاعرضوا عن ذلك استكبارا، واحتقارا للنبي صلى الله عليه وسلم ، في كونه يَسْتَغِفر لهم عند الله تعالى .

الفوائد المستفادة من الحديث

  • تحمل النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم- ما يلاقونه من ضنك العيش في سبيل الله -تعالى-.
  • عدم الاغترار بمن خرج للقتال في سبيل الله تعالى، فقد كان المنافقون يخرجون مع النبي -صلى الله وعليه وسلم- وهم في الدرك الأسفل من النار.
  • جواز إفشاء أسرار المنافقين، والخائنين، ولا يعتبر ذلك من الغِيبَة.
  • في الحديث: إحدى وسائل أهل النفاق في محاربة الدِّين وأهله [لا تنفقوا..] لأجل تفريقهم بعد اجتماعهم على النبي -صلى الله عليه وسلم-.
  • من صدق مع الله لم يَكِله إلى نفسه، بل قَوَّاه وبَرَّأه وجعل له شأنا.
  • فيه إقرار أهل الكفر والنفاق برسالة النبي -صلى الله عليه وسلم- ولولا إقرارهم لقالوا: (لا تنفقوا على من عند محمد).
  • فيه فضيلة زيد بن أرْقَم -رضي الله عنه- وأن الله تعالى صَدَّقه من فوق سبع سماوات.
  • في الحديث التثبت من الأخبار ولو كان ناقل الخبر من العدول.
  • رحمة النبي -صلى الله عليه وسلم- وشفقته بالمنافقين؛ فقد دعاهم ليستغفر لهم مع ما صدر منهم.
  • فيه حُلم النبي -صلى الله عليه وسلم- وصبره على أهل النفاق.
  • فيه تكذيب الله -تعالى- للمنافقين والرِّد عليهم.
  • فيه كذب المنافقين واتخاذهم آيات الله هزوا، فقد حلفوا أيمانا فاجرة، أنهم لم يقولوا، فكذبهم الله تعالى.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «حزنت على من أصيب بالحرة، فكتب إلي زيد بن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَفَعَلُوهَا؟ أَيِ الْأَثَرَةَ؛ أَيْ شَرِكْنَاهُمْ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَأَرَادُوا الِاسْتِبْدَادَ بِهِ عَلَيْنَا. وَفِي مُرْسَلِ قَتَادَةَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ عَظِيمُ النِّفَاقِ: مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُهُمْ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ. وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: أَقَدْ فَعَلُوهَا؟ نَافَرُونَا وَكَاثَرُونَا فِي بِلَادِنَا، وَاللَّهِ مَا مَثَلُنَا وَجَلَابِيبُ قُرَيْشٍ هَذِهِ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ.

قَوْلُهُ: (فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَهُ) فِي مُرْسَلِ قَتَادَةَ: فَقَالَ عُمَرُ: مُرْ مُعَاذًا أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ مُعَاذًا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَوْمِهِ.

قَوْلُهُ: (دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ)؛ أَيْ أَتْبَاعَهُ، وَيَجُوزُ فِي يَتَحَدَّثَ الرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَالْكَسْرِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ. وَفِي مُرْسَلِ قَتَادَةَ: فَقَالَ: لَا، وَاللَّهِ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَقَالَ: مُرْ بِهِ مُعَاذَ بْنَ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ فَلْيَقْتُلْهُ، فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَذِّنْ بِالرَّحِيلِ. فَرَاحَ فِي سَاعَةٍ مَا كَانَ يَرْحَلُ فِيهَا، فَلَقِيَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْأَعَزُّ وَهُوَ الْأَذَلُّ. قَالَ: وَبَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ أَبِيهِ، فَأَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ أَبِي فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَمُرْنِي بِهِ فَأَنَا أَحْمِلْ إِلَيْكَ رَأْسَهُ. فَقَالَ: بَلْ تُرْفِقُ بِهِ وَتُحْسِنُ صُحْبَتَهُ. قَالَ: فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَحْدَثَ الْحَدَثَ كَانَ قَوْمُهُ هُمُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَرَى؟ وَوَقَعَ فِي مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ قَالَ لِلنَّبِيِّ : إِنَّ وَالِدِي يُؤْذِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَذَرْنِي حَتَّى أَقْتُلَهُ. قَالَ: لَا تَقْتُلْ أَبَاكَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَثُرُوا بَعْدُ) هَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ تَقَدُّمَ الْقِصَّةِ، وَيُوَضِّحُ وَهْمَ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا كَانَتْ بِتَبُوكَ؛ لِأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ حِينَئِذٍ كَانُوا كَثِيرًا جِدًّا، وَقَدِ انْضَافَتْ إِلَيْهِمْ مُسْلِمَةُ الْفَتْحِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانُوا حِينَئِذٍ أَكْثَرَ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٦ - بَاب قَوْلُهُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ يَنْفَضُّوا: يَتَفَرَّقُوا

الْبَابِ أَوْ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، لِأَنَّ الْكَسْعَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: الْكَسْعُ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدِكَ عَلَى دُبُرِ شَيْءٍ أَوْ بِرِجْلِكَ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَنْ تَضْرِبَ عَجُزَ إِنْسَانٍ بِقَدَمِكَ، وَقِيلَ: الضَّرْبُ بِالسَّيْفِ عَلَى الْمُؤَخَّرِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّاعِ: كَسَعَ الْقَوْمَ ضَرَبَ أَدْبَارَهُمْ بِالسَّيْفِ، وَكَسَعَ الرَّجُلَ ضَرَبَ دُبُرَهُ بِظَهْرِ قَدَمِهِ، وَكَذَا إِذَا تَكَلَّمَ فَأَثَّرَ كَلَامُهُ بِمَا سَاءَهُ، وَنَحْوُهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَزْهَرِيِّ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ)؛ أَيِ ابْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ، تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ مَدَنِيٌّ ثِقَةٌ، مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَنَسٍ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ الرَّاوِي عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (حَزِنْتُ عَلَى مَنْ أُصِيبَ بِالْحَرَّةِ) هُوَ بِكَسْرِ الزَّايِ مِنَ الْحُزْنِ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: مِنْ قَوْمِي، وَكَانَتْ وَقْعَةُ الْحَرَّةِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَسَبَبُهَا أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ خَلَعُوا بَيْعَةَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لَمَّا بَلَغَهُمْ مَا يَتَعَمَّدُهُ مِنَ الْفَسَادِ (١)، فَأَمَّرَ الْأَنْصَارُ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، وَأَمَّرَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ الْعَدَوِيَّ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ الْمُرِّيَّ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ فَهَزَمَهُمْ وَاسْتَبَاحُوا الْمَدِينَةَ وَقَتَلُوا ابْنَ حَنْظَلَةَ، وَقُتِلَ مِنْ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا. وَكَانَ أَنَسٌ يَوْمَئِذٍ بِالْبَصْرَةِ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَحَزِنَ عَلَى مَنْ أُصِيبَ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ - وَكَانَ يَوْمَئِذٍ بِالْكُوفَةِ - يُسَلِّيهِ، وَمُحَصَّلُ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَصِيرُ إِلَى مَغْفِرَةِ اللَّهِ لَا يَشْتَدُّ الْحُزْنُ عَلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ تَعْزِيَةً لِأَنَسٍ فِيهِمْ.

قَوْلُهُ: (وَشَكَّ ابْنُ الْفَضْلِ فِي أَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ) رَوَاهُ النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مَرْفُوعًا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يُعَزِّيهِ فِيمَنْ أُصِيبَ مِنْ أَهْلِهِ وَبَنِي عَمِّهِ يَوْمَ الْحَرَّةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي أُبَشِّرُكَ بِبُشْرَى مِنَ اللَّهِ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِذَرَارِيِّ الْأَنْصَارِ وَلِذَرَارِيِّ ذَرَارِيِّهِمْ.

قَوْلُهُ: (فَسَأَلَ أَنَسًا بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ) هَذَا السَّائِلُ لَمْ أَعْرِفِ اسْمَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّضْرَ بْنَ أَنَسٍ؛ فَإِنَّهُ رَوَى حَدِيثَ الْبَابِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ كَمَا تَرَى، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الْقَابِسِيِّ: فَسَأَلَ أَنَسٌ بَعْضَ، بِالنَّصْبِ، وَأَنَسٌ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِلُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ، قَالَ الْقَابِسِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّ الْمَسْئُولَ أَنَسٌ.

قَوْلُهُ: (أَوْفَى اللَّهُ لَهُ بِأُذُنِهِ)؛ أَيْ بِسَمْعِهِ، وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهُمَا، أَيْ أَظْهَرَ صِدْقَهُ فِيمَا أَعْلَمَ بِهِ، وَالْمَعْنَى أَوْفَى صِدْقَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ فِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ أَنَّ النَّبِيَّ أَخَذَ بِأُذُنِهِ فَقَالَ: وَفَّى اللَّهُ بِأُذُنِكَ يَا غُلَامُ، كَأَنَّهُ جَعَلَ أُذُنَهُ ضَامِنَةً بِتَصْدِيقِ مَا ذَكَرَتْ أَنَّهَا سَمِعَتْ، فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِتَصْدِيقِهِ صَارَتْ كَأَنَّهَا وَافِيَةٌ بِضَمَانِهَا.

(تَكْمِيلٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: سَمِعَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَقُولُ وَالنَّبِيُّ يَخْطُبُ: لَئِنْ كَانَ هَذَا صَادِقًا لِنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ. فَقَالَ زَيْدٌ: قَدْ وَاللَّهِ صَدَقَ، وَلَأَنْتَ شَرٌّ مِنَ الْحِمَارِ. وَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ فَجَحَدَهُ الْقَائِلُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الْآيَةَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَصْدِيقًا لِزَيْدٍ، انْتَهَى. وَهَذَا مُرْسَلٌ جَيِّدٌ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ حَذَفَهُ لِكَوْنِهِ عَلَى غَيْرِ شَرْطِهِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ نُزُولِ الْآيَتَيْنِ فِي الْقِصَّتَيْنِ فِي تَصْدِيقِ زَيْدٍ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بدل الفاء وتشديد الفاء مفتوحة (مِنْ عَمْرٍو) هو ابنُ دينارٍ (قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرًا (١): كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ) زادَ أبو ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «الكَسع: أن تضربَ بيدكَ على شيءٍ أو برجلِكَ، ويكون أيضًا إذا رميتَهُ بشيءٍ يسوءُه».

(٦) (قَوْلُهُ (٢): ﴿هُمُ الَّذِينَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قوله ﷿: ﴿هُمُ الَّذِينَ﴾ (﴿يَقُولُونَ﴾) للأنصارِ (﴿لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ﴾) من فقراءِ المهاجِرين (﴿حَتَّى يَنفَضُّوا﴾ وَيَتَفَرَّقُوا (٣)) هو تفسيرُ ﴿يَنفَضُّوا﴾.

(﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾) بيدهِ الأرزاقُ والقسم، فهو يرزقُ رسولَه ومن عندهُ (﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧]) ذلك لجهلِهم باللهِ، فإن قلتَ: فلمَ قال هنا: ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾ وقال في الآيةِ اللَّاحقة: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾؟ أُجيب بأنَّ إثباتَ الفقهِ للإنسانِ أبلغُ من إثباتِ العلمِ له، فنفيُ العلمِ أبلغُ من نفي الفقهِ، فآثرَ ما هو أبلغُ لما هُو أدعَى له، وسقطَ لفظ قوله: «ويتفرَّقوا … » إلى آخره (٤) لأبي ذرٍّ، وقال بعدَ قوله: ﴿حَتَّى يَنفَضُّوا﴾: «الآية».

٤٩٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ، ابنُ أختِ إمامِ الأئمَّة مالك (٥) (قَالَ:

حَدَّثَنِي) بالإفراد (١) (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ) عمِّه (مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) الإمام في المغازي (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عَبْدُ اللهِ بْنُ الفَضْلِ) بنِ العبَّاس بنِ ربيعةَ بنِ الحارثِ ابنِ عبدِ المطَّلب الهاشميُّ المدنيُّ: (أنَّه سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) (يَقُولُ: حَزِنْتُ) بكسر الزاي (عَلَى مَنْ أُصِيبَ) بالقتلِ (بِالحَرَّةِ) بفتح الحاء والراء المشددة المهملتين، عندَ الوقعةِ بها، سنة ثلاث وستين، لمَّا خلعَ أهلُ المدينةِ بيعةَ يزيدِ بنِ معاويةَ، فأرسلَ يزيدُ جيشًا كثيرًا فاستباحُوا المدينةَ، وقُتل من الأنصارِ خلقٌ كثيرٌ جدًّا (٢)، وكان أنس يومئذٍ بالبَصرة، فبلغهُ ذلك فحزنَ على من أصيبَ من الأنصارِ. قال أنسٌ: (فَكَتَبَ إِلَيَّ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَ) الحال أنَّه (بَلَغَهُ شِدَّةُ حُزْنِي) على من أصيبَ من الأنصارِ (يَذْكُرُ أنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَلأَبْنَاءِ الأَنْصَارِ -وَشَكَّ ابْنُ الفَضْلِ) عبدُ اللهِ (فِي: أَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ-) هل ذكرهُم أم لا؟ وهو ثابتٌ عندَ مسلمٍ من غيرِ شكٍّ (فَسَأَلَ أَنَسًا بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ) قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: لم أعرفِ السَّائل، ويحتمل أن يكون النَّضر بن أنسٍ، فإنَّه روى حديثَ البابِ عن زيدِ بنِ أرقم (فَقَالَ: هُوَ) أي: زيدُ بنُ أرقم (الَّذِي يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ) فيه: (هَذَا الَّذِي أَوْفَى اللهُ) أي: صدق (لَهُ بِأُذُنِهِ) قال الكَرْمانيُّ: كأنَّه جعل أذنَه في السَّماع كالضَّامنةِ بتصديقِ ما سَمِعتْ، فلمَّا نزلَ القرآنُ بهِ صارتْ كأنَّها وافيةً بضمانِها، وزادَ في «النِّهاية»: خارجةٌ من (٣) التُّهمة فيما أدَّتْه إلى اللِّسان. وفي مرسلِ الحسن أنَّه أخذَ بأُذُنهِ فقال: «وفَّى الله بأُذُنِك يا غلامُ» وكان لمَّا حلَفَ له ابنُ أُبيٍّ قال لابنِ أرقم: «لعلَّه أخطأَ سمعُكَ» وللكُشمِيهنيِّ: «بأَذَنه» بفتح الهمزة والذال (٤)، أي: أظهرَ صدقَه فيمَا أخبرَ.

وهذا الحديثُ من أفرادِ البخاريِّ.

(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مَا بَال دَعْوَى جَاهِلِيَّة قَالُوا يَا رَسُول الله كسع رجل من الْمُهَاجِرين رجلا من الْأَنْصَار فَقَالَ دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَة فَسمع بذلك عبد الله بن أبي فَقَالَ فَعَلُوهَا أما وَالله لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل فَبلغ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَامَ عمر فَقَالَ يَا رَسُول الله دَعْنِي أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دَعه لَا يتحدث النَّاس أَن مُحَمَّدًا يقتل أَصْحَابه وَكَانَت الْأَنْصَار أَكثر من الْمُهَاجِرين حِين قدمُوا الْمَدِينَة ثمَّ إِن الْمُهَاجِرين كَثُرُوا بعد قَالَ سُفْيَان فحفظته من عَمْرو قَالَ عَمْرو سَمِعت جَابِرا كُنَّا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -) مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله فَسمع بذلك عبد الله بن أبي إِلَى قَوْله الْأَذَل فوجهه أَن الْآيَة الْمَذْكُورَة نزلت فِيهِ فَمن هَذَا الْوَجْه تَأتي الْمُطَابقَة وَقد أخرج عبد بن حميد من طَرِيق قَتَادَة وَمن طَرِيق مُجَاهِد وَمن طَرِيق عِكْرِمَة أَنَّهَا نزلت فِي عبد الله بن أبي وَعلي هُوَ ابْن عبد الله بن الْمَدِينِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار أَبُو مُحَمَّد الْمَكِّيّ والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن الْحميدِي وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن أبي عَمْرو وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عبد الْجَبَّار وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور قَوْله " فِي غزَاة " وَهِي غَزْوَة بني المصطلق قَالَه ابْن إِسْحَاق قَوْله " فَكَسَعَ " من الكسع وَهُوَ ضرب الدبر بِالْيَدِ أَو بِالرجلِ وَيُقَال هُوَ ضرب دبر الْإِنْسَان بصدر قدمه وَنَحْوه وَالرجل الْمُهَاجِرِي هُوَ جَهْجَاه بن قيس وَيُقَال ابْن سعيد الْغِفَارِيّ وَكَانَ مَعَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُود فرسه وَالرجل الْأنْصَارِيّ هُوَ سِنَان بن وبرة الْجُهَنِيّ حَلِيف الْأَنْصَار قَوْله " يَا للْأَنْصَار " اللَّام فِيهِ لَام الاستغاثة وَهِي مَفْتُوحَة وَمَعْنَاهَا أغيثوني قَوْله " مَا بَال دَعْوَى جَاهِلِيَّة " أَي مَا شَأْنهَا وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة إِنْكَار وَمنع عَن قَول يَا لفُلَان وَنَحْوه قَوْله " دَعُوهَا " أَي اتْرُكُوا هَذِه الْمقَالة وَهِي دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة وَهِي قبل الْإِسْلَام قَوْله " فَإِنَّهَا مُنْتِنَة " بِضَم الْمِيم وَسُكُون النُّون وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق من النتن أَي أَنَّهَا كلمة قبيحة خبيثة وَكَذَا ثَبت فِي بعض الرِّوَايَات قَوْله " فَقَالَ فَعَلُوهَا " أَي أفعلوها بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام فحذفت أَي فعلوا الأثرة أَي تركناهم فِيمَا نَحن فِيهِ فأرادوا الاستبداد بِهِ علينا وَفِي مُرْسل قَتَادَة فَقَالَ رجل مِنْهُم عَظِيم النِّفَاق مَا مثلنَا وَمثلهمْ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِل سمن كلبك يَأْكُلك قَوْله " دَعه " أَي اتركه قَوْله " لَا يتحدث النَّاس " بِرَفْع يتحدث على الِاسْتِئْنَاف وَيجوز الْكسر على أَنه جَوَاب قَوْله دَعه قَوْله " فحفظته من عَمْرو " كَلَام سُفْيَان أَي حفظت الحَدِيث من عَمْرو بن دِينَار وَعَمْرو قَالَ سَمِعت جَابِرا كُنَّا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَي قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْغُزَاة -

٦ - (بابٌ قَوْلُهُ: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله حَتَّى يَنْفَضُّوا وَيَتَفَرَّقُوا وَلله خَزَائِنُ السَّمَواتِ وَالأرْضِ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ} (المُنَافِقُونَ: ٧)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {هم الَّذين} إِلَى آخِره، هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره إِلَى قَوْله: {حَتَّى يَنْفضوا} قَوْله: (ويتفرقوا) ، لَيْسَ من الْقُرْآن بل هُوَ تَفْسِير يَنْفضوا وَسقط فِي رِوَايَة أبي ذَر وَهُوَ الصَّوَاب.

٦٠٩٤ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْد الله. قَالَ حدَّثني إسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ عُقْبَةَ عَنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ. قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ الفَضْلِ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مَالِكٍ يَقُولُ حَزِنْتُ عَلَى مَنْ أُصِيبَ بِالْحَرَّةِ فَكَتَبَ إلَى زَيْدُ بنُ أرْقَمَ وَبَلَغَهُ شِدَّةُ حُزْنِي يَذْكُرُ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَلأَبْنَاءِ الأنْصَارِ وَشَكَّ ابنُ الفَضْلِ فِي أبْنَاءِ أبْنَاءِ

الأَنْصَارِ فَسَأَلَ أنَسا بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ، فَقَالَ هُوَ الَّذِي يَقُولُ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هاذا الَّذِي أوْ فِي الله لَهُ يَا ذُنِهِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من آخر الحَدِيث وَهُوَ قَوْله: هَذَا الَّذِي أوفى الله لَهُ بِإِذْنِهِ، وَذَلِكَ أَن زيد بن أَرقم لما حكى لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَول عبد الله بن أبي بن سلول، قَالَ لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَعَلَّه أَخطَأ سَمعك. قَالَ: لَا، فَلَمَّا نزلت الْآيَة الَّتِي هِيَ التَّرْجَمَة لحق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زيدا من خَلفه فَعَرَكَ أُذُنه فَقَالَ: وَقت أُذُنك يَا غُلَام، وَهُوَ معنى قَوْله: هَذَا الَّذِي أوفى الله لَهُ بِإِذْنِهِ بِضَم الْهمزَة، أَي صدق الله لَهُ بِإِذْنِهِ. أَي: يسمعهُ، وَكَأَنَّهُ جعل أُذُنه كالضامنة بِتَصْدِيق مَا سَمِعت، فَلَمَّا نزل الْقُرْآن بِهِ صَارَت كَأَنَّهَا واقية بضمانها.

وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده، وَذكره الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) فِي تَرْجَمَة أنس بن مَالك عَن زيد بن أَرقم. قَوْله: (حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عبد الله) ، هُوَ ابْن أبي أويس الْمدنِي ابْن أُخْت الإِمَام مَالك بن أنس، وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن عقبَة بِضَم الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف ابْن أخي مُوسَى بن عقبَة يروي عَن عَمه مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْأَسدي الْمَدِينِيّ، وَعبد الله بن الْفضل بن الْعَبَّاس بن ربيعَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب الْهَاشِمِي الْمدنِي من التَّابِعين الصغار الثِّقَات، وَمَاله من البُخَارِيّ عَن أنس إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ من أَقْرَان مُوسَى بن عقبَة الرَّاوِي عَنهُ. قَوْله: (حزنت) ، بِكَسْر الزَّاي من الْحزن. قَوْله: (على من أُصِيب بِالْحرَّةِ) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء وَهِي أَرض بِظَاهِر الْمَدِينَة فِيهَا حِجَارَة سود كَثِيرَة كَانَت بهَا وقْعَة فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ، وسببها أَن أهل الْمَدِينَة خلعوا بيعَة يزِيد بن مُعَاوِيَة لما بَلغهُمْ مَا يعتمده من الْفساد، فَأمر الْأَنْصَار عَلَيْهِم عبد الله بن حَنْظَلَة بن أبي عَامر وَأمر الْمُهَاجِرُونَ عَلَيْهِم عبد الله بن مُطِيع الْعَدوي، وَأرْسل إِلَيْهِم يزِيد بن مُعَاوِيَة مُسلم بن عقبَة الْمزي فِي جَيش كثير فَهَزَمَهُمْ واستباحوا الْمَدِينَة. وَقتل من الْأَنْصَار خلق كثير جدا. وَكَانَ أنس يَوْمئِذٍ بِالْبَصْرَةِ قبلغه ذَلِك فَحزن على من أُصِيب من الْأَنْصَار، فَكتب إِلَيْهِ زيد بن أَرقم، وَكَانَ يَوْمئِذٍ بِالْكُوفَةِ وَهُوَ معنى قَول أنس: فَكتب إِلَيّ، بتَشْديد الْيَاء زيد بن أَرقم الحَدِيث الَّذِي ذكره، وَهُوَ قَوْله: اللَّهُمَّ أَغفر للْأَنْصَار الحَدِيث، وعزى أنسا بذلك. قَوْله: (وبلغه شدَّة حزني) ، جملَة حَالية أَي: وَالْحَال أَنه قد بلغ زيد بن أَرقم شدَّة حزني الْقَائِل بذلك أنس. قَوْله: (يذكر) ، أَيْضا حَال. أَي: حَال كَون كِتَابَته يذكر أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَشك ابْن الْفضل) أَي: شكّ عبد الله بن الْفضل: هَل ذكر أَبنَاء الْأَبْنَاء أم لَا، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق قَتَادَة: اللَّهُمَّ اغْفِر للْأَنْصَار ولأبناء الْأَنْصَار وَأَبْنَاء أَبنَاء الْأَنْصَار، من غير شكّ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة عَليّ بن زيد عَن النَّضر بن أنس عَن زيد بن أَرقم أَنه كتب إِلَى أنس بن مَالك يعزيه فِيمَن أُصِيب من أَهله وَبني عَمه يَوْم الْحرَّة فَكتب إِلَيْهِ إِنِّي أُبَشِّرك ببشرى من الله إِنِّي سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر للْأَنْصَار ولذراري الْأَنْصَار ولذراري ذَرَارِيهمْ قَوْله: (فَسَأَلَ أنسا بعض من كَانَ عِنْده) لم يعرف هَذَا السَّائِل من هُوَ، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون النَّضر بن أنس فَإِنَّهُ روى حَدِيث الْبَاب عَن زيد بن أَرقم. قلت: هَذَا احْتِمَال بالتخمين فَلَا يُفِيد شَيْئا على أَن عِنْد أنس كَانَت جمَاعَة حِينَئِذٍ، وَزعم ابْن التِّين أَنه وَقع عِنْد الْقَابِسِيّ، فَسَأَلَ أنس بعض من عِنْده: بِرَفْع أنس على الفاعلية، وَنصب بعض على المفعولية، وَالْأول هُوَ الصَّوَاب. قَوْله: (هُوَ الَّذِي) أَي: زيد بن أَرقم هُوَ الَّذِي يَقُول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَقه هَذَا الَّذِي أوفى الله لَهُ بأذنه، وَقد مر تَفْسِيره الْآن، وَقيل: يجوز فتح الْهمزَة والذال من أُذُنه أَي: أظهر صدقه فِيمَا أعلم بِهِ، وَمعنى: أوفى صدق.

٧ - (بابُ قَوْلِهِ: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزَّ مِنْهَا الأذَلَّ وَلله العزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقينَ لَا يَعْلَمُونَ} (المُنَافِقُونَ: ٨)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {يَقُولُونَ لَئِن رَجعْنَا} الْآيَة إِلَى آخرهَا، هَكَذَا سَاقهَا الْأَكْثَرُونَ إِلَى آخرهَا. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَمن قَوْله: (يَقُولُونَ) إِلَى قَوْله: (الْأَذَل) .

٧٠٩٤ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْناهُ مِنْ عَمْروٍ بنِ دِينارٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِيَ الله عَنْهُمَا يَقُولُ كُنَّا فِي غزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَفَعَلُوهَا؟ أَيِ الْأَثَرَةَ؛ أَيْ شَرِكْنَاهُمْ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَأَرَادُوا الِاسْتِبْدَادَ بِهِ عَلَيْنَا. وَفِي مُرْسَلِ قَتَادَةَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ عَظِيمُ النِّفَاقِ: مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُهُمْ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ. وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: أَقَدْ فَعَلُوهَا؟ نَافَرُونَا وَكَاثَرُونَا فِي بِلَادِنَا، وَاللَّهِ مَا مَثَلُنَا وَجَلَابِيبُ قُرَيْشٍ هَذِهِ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ.

قَوْلُهُ: (فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَهُ) فِي مُرْسَلِ قَتَادَةَ: فَقَالَ عُمَرُ: مُرْ مُعَاذًا أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ مُعَاذًا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَوْمِهِ.

قَوْلُهُ: (دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ)؛ أَيْ أَتْبَاعَهُ، وَيَجُوزُ فِي يَتَحَدَّثَ الرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَالْكَسْرِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ. وَفِي مُرْسَلِ قَتَادَةَ: فَقَالَ: لَا، وَاللَّهِ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَقَالَ: مُرْ بِهِ مُعَاذَ بْنَ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ فَلْيَقْتُلْهُ، فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَذِّنْ بِالرَّحِيلِ. فَرَاحَ فِي سَاعَةٍ مَا كَانَ يَرْحَلُ فِيهَا، فَلَقِيَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْأَعَزُّ وَهُوَ الْأَذَلُّ. قَالَ: وَبَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ أَبِيهِ، فَأَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ أَبِي فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَمُرْنِي بِهِ فَأَنَا أَحْمِلْ إِلَيْكَ رَأْسَهُ. فَقَالَ: بَلْ تُرْفِقُ بِهِ وَتُحْسِنُ صُحْبَتَهُ. قَالَ: فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَحْدَثَ الْحَدَثَ كَانَ قَوْمُهُ هُمُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَرَى؟ وَوَقَعَ فِي مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ قَالَ لِلنَّبِيِّ : إِنَّ وَالِدِي يُؤْذِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَذَرْنِي حَتَّى أَقْتُلَهُ. قَالَ: لَا تَقْتُلْ أَبَاكَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَثُرُوا بَعْدُ) هَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ تَقَدُّمَ الْقِصَّةِ، وَيُوَضِّحُ وَهْمَ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا كَانَتْ بِتَبُوكَ؛ لِأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ حِينَئِذٍ كَانُوا كَثِيرًا جِدًّا، وَقَدِ انْضَافَتْ إِلَيْهِمْ مُسْلِمَةُ الْفَتْحِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانُوا حِينَئِذٍ أَكْثَرَ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٦ - بَاب قَوْلُهُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ يَنْفَضُّوا: يَتَفَرَّقُوا

الْبَابِ أَوْ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، لِأَنَّ الْكَسْعَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: الْكَسْعُ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدِكَ عَلَى دُبُرِ شَيْءٍ أَوْ بِرِجْلِكَ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَنْ تَضْرِبَ عَجُزَ إِنْسَانٍ بِقَدَمِكَ، وَقِيلَ: الضَّرْبُ بِالسَّيْفِ عَلَى الْمُؤَخَّرِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّاعِ: كَسَعَ الْقَوْمَ ضَرَبَ أَدْبَارَهُمْ بِالسَّيْفِ، وَكَسَعَ الرَّجُلَ ضَرَبَ دُبُرَهُ بِظَهْرِ قَدَمِهِ، وَكَذَا إِذَا تَكَلَّمَ فَأَثَّرَ كَلَامُهُ بِمَا سَاءَهُ، وَنَحْوُهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَزْهَرِيِّ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ)؛ أَيِ ابْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ، تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ مَدَنِيٌّ ثِقَةٌ، مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَنَسٍ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ الرَّاوِي عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (حَزِنْتُ عَلَى مَنْ أُصِيبَ بِالْحَرَّةِ) هُوَ بِكَسْرِ الزَّايِ مِنَ الْحُزْنِ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: مِنْ قَوْمِي، وَكَانَتْ وَقْعَةُ الْحَرَّةِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَسَبَبُهَا أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ خَلَعُوا بَيْعَةَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لَمَّا بَلَغَهُمْ مَا يَتَعَمَّدُهُ مِنَ الْفَسَادِ (١)، فَأَمَّرَ الْأَنْصَارُ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، وَأَمَّرَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ الْعَدَوِيَّ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ الْمُرِّيَّ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ فَهَزَمَهُمْ وَاسْتَبَاحُوا الْمَدِينَةَ وَقَتَلُوا ابْنَ حَنْظَلَةَ، وَقُتِلَ مِنْ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا. وَكَانَ أَنَسٌ يَوْمَئِذٍ بِالْبَصْرَةِ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَحَزِنَ عَلَى مَنْ أُصِيبَ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ - وَكَانَ يَوْمَئِذٍ بِالْكُوفَةِ - يُسَلِّيهِ، وَمُحَصَّلُ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَصِيرُ إِلَى مَغْفِرَةِ اللَّهِ لَا يَشْتَدُّ الْحُزْنُ عَلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ تَعْزِيَةً لِأَنَسٍ فِيهِمْ.

قَوْلُهُ: (وَشَكَّ ابْنُ الْفَضْلِ فِي أَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ) رَوَاهُ النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مَرْفُوعًا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يُعَزِّيهِ فِيمَنْ أُصِيبَ مِنْ أَهْلِهِ وَبَنِي عَمِّهِ يَوْمَ الْحَرَّةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي أُبَشِّرُكَ بِبُشْرَى مِنَ اللَّهِ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِذَرَارِيِّ الْأَنْصَارِ وَلِذَرَارِيِّ ذَرَارِيِّهِمْ.

قَوْلُهُ: (فَسَأَلَ أَنَسًا بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ) هَذَا السَّائِلُ لَمْ أَعْرِفِ اسْمَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّضْرَ بْنَ أَنَسٍ؛ فَإِنَّهُ رَوَى حَدِيثَ الْبَابِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ كَمَا تَرَى، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الْقَابِسِيِّ: فَسَأَلَ أَنَسٌ بَعْضَ، بِالنَّصْبِ، وَأَنَسٌ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِلُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ، قَالَ الْقَابِسِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّ الْمَسْئُولَ أَنَسٌ.

قَوْلُهُ: (أَوْفَى اللَّهُ لَهُ بِأُذُنِهِ)؛ أَيْ بِسَمْعِهِ، وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهُمَا، أَيْ أَظْهَرَ صِدْقَهُ فِيمَا أَعْلَمَ بِهِ، وَالْمَعْنَى أَوْفَى صِدْقَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ فِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ أَنَّ النَّبِيَّ أَخَذَ بِأُذُنِهِ فَقَالَ: وَفَّى اللَّهُ بِأُذُنِكَ يَا غُلَامُ، كَأَنَّهُ جَعَلَ أُذُنَهُ ضَامِنَةً بِتَصْدِيقِ مَا ذَكَرَتْ أَنَّهَا سَمِعَتْ، فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِتَصْدِيقِهِ صَارَتْ كَأَنَّهَا وَافِيَةٌ بِضَمَانِهَا.

(تَكْمِيلٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: سَمِعَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَقُولُ وَالنَّبِيُّ يَخْطُبُ: لَئِنْ كَانَ هَذَا صَادِقًا لِنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ. فَقَالَ زَيْدٌ: قَدْ وَاللَّهِ صَدَقَ، وَلَأَنْتَ شَرٌّ مِنَ الْحِمَارِ. وَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ فَجَحَدَهُ الْقَائِلُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الْآيَةَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَصْدِيقًا لِزَيْدٍ، انْتَهَى. وَهَذَا مُرْسَلٌ جَيِّدٌ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ حَذَفَهُ لِكَوْنِهِ عَلَى غَيْرِ شَرْطِهِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ نُزُولِ الْآيَتَيْنِ فِي الْقِصَّتَيْنِ فِي تَصْدِيقِ زَيْدٍ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بدل الفاء وتشديد الفاء مفتوحة (مِنْ عَمْرٍو) هو ابنُ دينارٍ (قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرًا (١): كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ) زادَ أبو ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «الكَسع: أن تضربَ بيدكَ على شيءٍ أو برجلِكَ، ويكون أيضًا إذا رميتَهُ بشيءٍ يسوءُه».

(٦) (قَوْلُهُ (٢): ﴿هُمُ الَّذِينَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قوله ﷿: ﴿هُمُ الَّذِينَ﴾ (﴿يَقُولُونَ﴾) للأنصارِ (﴿لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ﴾) من فقراءِ المهاجِرين (﴿حَتَّى يَنفَضُّوا﴾ وَيَتَفَرَّقُوا (٣)) هو تفسيرُ ﴿يَنفَضُّوا﴾.

(﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾) بيدهِ الأرزاقُ والقسم، فهو يرزقُ رسولَه ومن عندهُ (﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧]) ذلك لجهلِهم باللهِ، فإن قلتَ: فلمَ قال هنا: ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾ وقال في الآيةِ اللَّاحقة: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾؟ أُجيب بأنَّ إثباتَ الفقهِ للإنسانِ أبلغُ من إثباتِ العلمِ له، فنفيُ العلمِ أبلغُ من نفي الفقهِ، فآثرَ ما هو أبلغُ لما هُو أدعَى له، وسقطَ لفظ قوله: «ويتفرَّقوا … » إلى آخره (٤) لأبي ذرٍّ، وقال بعدَ قوله: ﴿حَتَّى يَنفَضُّوا﴾: «الآية».

٤٩٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ، ابنُ أختِ إمامِ الأئمَّة مالك (٥) (قَالَ:

حَدَّثَنِي) بالإفراد (١) (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ) عمِّه (مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) الإمام في المغازي (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عَبْدُ اللهِ بْنُ الفَضْلِ) بنِ العبَّاس بنِ ربيعةَ بنِ الحارثِ ابنِ عبدِ المطَّلب الهاشميُّ المدنيُّ: (أنَّه سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) (يَقُولُ: حَزِنْتُ) بكسر الزاي (عَلَى مَنْ أُصِيبَ) بالقتلِ (بِالحَرَّةِ) بفتح الحاء والراء المشددة المهملتين، عندَ الوقعةِ بها، سنة ثلاث وستين، لمَّا خلعَ أهلُ المدينةِ بيعةَ يزيدِ بنِ معاويةَ، فأرسلَ يزيدُ جيشًا كثيرًا فاستباحُوا المدينةَ، وقُتل من الأنصارِ خلقٌ كثيرٌ جدًّا (٢)، وكان أنس يومئذٍ بالبَصرة، فبلغهُ ذلك فحزنَ على من أصيبَ من الأنصارِ. قال أنسٌ: (فَكَتَبَ إِلَيَّ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَ) الحال أنَّه (بَلَغَهُ شِدَّةُ حُزْنِي) على من أصيبَ من الأنصارِ (يَذْكُرُ أنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَلأَبْنَاءِ الأَنْصَارِ -وَشَكَّ ابْنُ الفَضْلِ) عبدُ اللهِ (فِي: أَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ-) هل ذكرهُم أم لا؟ وهو ثابتٌ عندَ مسلمٍ من غيرِ شكٍّ (فَسَأَلَ أَنَسًا بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ) قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: لم أعرفِ السَّائل، ويحتمل أن يكون النَّضر بن أنسٍ، فإنَّه روى حديثَ البابِ عن زيدِ بنِ أرقم (فَقَالَ: هُوَ) أي: زيدُ بنُ أرقم (الَّذِي يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ) فيه: (هَذَا الَّذِي أَوْفَى اللهُ) أي: صدق (لَهُ بِأُذُنِهِ) قال الكَرْمانيُّ: كأنَّه جعل أذنَه في السَّماع كالضَّامنةِ بتصديقِ ما سَمِعتْ، فلمَّا نزلَ القرآنُ بهِ صارتْ كأنَّها وافيةً بضمانِها، وزادَ في «النِّهاية»: خارجةٌ من (٣) التُّهمة فيما أدَّتْه إلى اللِّسان. وفي مرسلِ الحسن أنَّه أخذَ بأُذُنهِ فقال: «وفَّى الله بأُذُنِك يا غلامُ» وكان لمَّا حلَفَ له ابنُ أُبيٍّ قال لابنِ أرقم: «لعلَّه أخطأَ سمعُكَ» وللكُشمِيهنيِّ: «بأَذَنه» بفتح الهمزة والذال (٤)، أي: أظهرَ صدقَه فيمَا أخبرَ.

وهذا الحديثُ من أفرادِ البخاريِّ.

(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مَا بَال دَعْوَى جَاهِلِيَّة قَالُوا يَا رَسُول الله كسع رجل من الْمُهَاجِرين رجلا من الْأَنْصَار فَقَالَ دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَة فَسمع بذلك عبد الله بن أبي فَقَالَ فَعَلُوهَا أما وَالله لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل فَبلغ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَامَ عمر فَقَالَ يَا رَسُول الله دَعْنِي أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دَعه لَا يتحدث النَّاس أَن مُحَمَّدًا يقتل أَصْحَابه وَكَانَت الْأَنْصَار أَكثر من الْمُهَاجِرين حِين قدمُوا الْمَدِينَة ثمَّ إِن الْمُهَاجِرين كَثُرُوا بعد قَالَ سُفْيَان فحفظته من عَمْرو قَالَ عَمْرو سَمِعت جَابِرا كُنَّا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -) مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله فَسمع بذلك عبد الله بن أبي إِلَى قَوْله الْأَذَل فوجهه أَن الْآيَة الْمَذْكُورَة نزلت فِيهِ فَمن هَذَا الْوَجْه تَأتي الْمُطَابقَة وَقد أخرج عبد بن حميد من طَرِيق قَتَادَة وَمن طَرِيق مُجَاهِد وَمن طَرِيق عِكْرِمَة أَنَّهَا نزلت فِي عبد الله بن أبي وَعلي هُوَ ابْن عبد الله بن الْمَدِينِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار أَبُو مُحَمَّد الْمَكِّيّ والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن الْحميدِي وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن أبي عَمْرو وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عبد الْجَبَّار وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور قَوْله " فِي غزَاة " وَهِي غَزْوَة بني المصطلق قَالَه ابْن إِسْحَاق قَوْله " فَكَسَعَ " من الكسع وَهُوَ ضرب الدبر بِالْيَدِ أَو بِالرجلِ وَيُقَال هُوَ ضرب دبر الْإِنْسَان بصدر قدمه وَنَحْوه وَالرجل الْمُهَاجِرِي هُوَ جَهْجَاه بن قيس وَيُقَال ابْن سعيد الْغِفَارِيّ وَكَانَ مَعَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُود فرسه وَالرجل الْأنْصَارِيّ هُوَ سِنَان بن وبرة الْجُهَنِيّ حَلِيف الْأَنْصَار قَوْله " يَا للْأَنْصَار " اللَّام فِيهِ لَام الاستغاثة وَهِي مَفْتُوحَة وَمَعْنَاهَا أغيثوني قَوْله " مَا بَال دَعْوَى جَاهِلِيَّة " أَي مَا شَأْنهَا وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة إِنْكَار وَمنع عَن قَول يَا لفُلَان وَنَحْوه قَوْله " دَعُوهَا " أَي اتْرُكُوا هَذِه الْمقَالة وَهِي دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة وَهِي قبل الْإِسْلَام قَوْله " فَإِنَّهَا مُنْتِنَة " بِضَم الْمِيم وَسُكُون النُّون وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق من النتن أَي أَنَّهَا كلمة قبيحة خبيثة وَكَذَا ثَبت فِي بعض الرِّوَايَات قَوْله " فَقَالَ فَعَلُوهَا " أَي أفعلوها بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام فحذفت أَي فعلوا الأثرة أَي تركناهم فِيمَا نَحن فِيهِ فأرادوا الاستبداد بِهِ علينا وَفِي مُرْسل قَتَادَة فَقَالَ رجل مِنْهُم عَظِيم النِّفَاق مَا مثلنَا وَمثلهمْ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِل سمن كلبك يَأْكُلك قَوْله " دَعه " أَي اتركه قَوْله " لَا يتحدث النَّاس " بِرَفْع يتحدث على الِاسْتِئْنَاف وَيجوز الْكسر على أَنه جَوَاب قَوْله دَعه قَوْله " فحفظته من عَمْرو " كَلَام سُفْيَان أَي حفظت الحَدِيث من عَمْرو بن دِينَار وَعَمْرو قَالَ سَمِعت جَابِرا كُنَّا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَي قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْغُزَاة -

٦ - (بابٌ قَوْلُهُ: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله حَتَّى يَنْفَضُّوا وَيَتَفَرَّقُوا وَلله خَزَائِنُ السَّمَواتِ وَالأرْضِ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ} (المُنَافِقُونَ: ٧)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {هم الَّذين} إِلَى آخِره، هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره إِلَى قَوْله: {حَتَّى يَنْفضوا} قَوْله: (ويتفرقوا) ، لَيْسَ من الْقُرْآن بل هُوَ تَفْسِير يَنْفضوا وَسقط فِي رِوَايَة أبي ذَر وَهُوَ الصَّوَاب.

٦٠٩٤ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْد الله. قَالَ حدَّثني إسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ عُقْبَةَ عَنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ. قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ الفَضْلِ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مَالِكٍ يَقُولُ حَزِنْتُ عَلَى مَنْ أُصِيبَ بِالْحَرَّةِ فَكَتَبَ إلَى زَيْدُ بنُ أرْقَمَ وَبَلَغَهُ شِدَّةُ حُزْنِي يَذْكُرُ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَلأَبْنَاءِ الأنْصَارِ وَشَكَّ ابنُ الفَضْلِ فِي أبْنَاءِ أبْنَاءِ

الأَنْصَارِ فَسَأَلَ أنَسا بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ، فَقَالَ هُوَ الَّذِي يَقُولُ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هاذا الَّذِي أوْ فِي الله لَهُ يَا ذُنِهِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من آخر الحَدِيث وَهُوَ قَوْله: هَذَا الَّذِي أوفى الله لَهُ بِإِذْنِهِ، وَذَلِكَ أَن زيد بن أَرقم لما حكى لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَول عبد الله بن أبي بن سلول، قَالَ لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَعَلَّه أَخطَأ سَمعك. قَالَ: لَا، فَلَمَّا نزلت الْآيَة الَّتِي هِيَ التَّرْجَمَة لحق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زيدا من خَلفه فَعَرَكَ أُذُنه فَقَالَ: وَقت أُذُنك يَا غُلَام، وَهُوَ معنى قَوْله: هَذَا الَّذِي أوفى الله لَهُ بِإِذْنِهِ بِضَم الْهمزَة، أَي صدق الله لَهُ بِإِذْنِهِ. أَي: يسمعهُ، وَكَأَنَّهُ جعل أُذُنه كالضامنة بِتَصْدِيق مَا سَمِعت، فَلَمَّا نزل الْقُرْآن بِهِ صَارَت كَأَنَّهَا واقية بضمانها.

وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده، وَذكره الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) فِي تَرْجَمَة أنس بن مَالك عَن زيد بن أَرقم. قَوْله: (حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عبد الله) ، هُوَ ابْن أبي أويس الْمدنِي ابْن أُخْت الإِمَام مَالك بن أنس، وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن عقبَة بِضَم الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف ابْن أخي مُوسَى بن عقبَة يروي عَن عَمه مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْأَسدي الْمَدِينِيّ، وَعبد الله بن الْفضل بن الْعَبَّاس بن ربيعَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب الْهَاشِمِي الْمدنِي من التَّابِعين الصغار الثِّقَات، وَمَاله من البُخَارِيّ عَن أنس إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ من أَقْرَان مُوسَى بن عقبَة الرَّاوِي عَنهُ. قَوْله: (حزنت) ، بِكَسْر الزَّاي من الْحزن. قَوْله: (على من أُصِيب بِالْحرَّةِ) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء وَهِي أَرض بِظَاهِر الْمَدِينَة فِيهَا حِجَارَة سود كَثِيرَة كَانَت بهَا وقْعَة فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ، وسببها أَن أهل الْمَدِينَة خلعوا بيعَة يزِيد بن مُعَاوِيَة لما بَلغهُمْ مَا يعتمده من الْفساد، فَأمر الْأَنْصَار عَلَيْهِم عبد الله بن حَنْظَلَة بن أبي عَامر وَأمر الْمُهَاجِرُونَ عَلَيْهِم عبد الله بن مُطِيع الْعَدوي، وَأرْسل إِلَيْهِم يزِيد بن مُعَاوِيَة مُسلم بن عقبَة الْمزي فِي جَيش كثير فَهَزَمَهُمْ واستباحوا الْمَدِينَة. وَقتل من الْأَنْصَار خلق كثير جدا. وَكَانَ أنس يَوْمئِذٍ بِالْبَصْرَةِ قبلغه ذَلِك فَحزن على من أُصِيب من الْأَنْصَار، فَكتب إِلَيْهِ زيد بن أَرقم، وَكَانَ يَوْمئِذٍ بِالْكُوفَةِ وَهُوَ معنى قَول أنس: فَكتب إِلَيّ، بتَشْديد الْيَاء زيد بن أَرقم الحَدِيث الَّذِي ذكره، وَهُوَ قَوْله: اللَّهُمَّ أَغفر للْأَنْصَار الحَدِيث، وعزى أنسا بذلك. قَوْله: (وبلغه شدَّة حزني) ، جملَة حَالية أَي: وَالْحَال أَنه قد بلغ زيد بن أَرقم شدَّة حزني الْقَائِل بذلك أنس. قَوْله: (يذكر) ، أَيْضا حَال. أَي: حَال كَون كِتَابَته يذكر أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَشك ابْن الْفضل) أَي: شكّ عبد الله بن الْفضل: هَل ذكر أَبنَاء الْأَبْنَاء أم لَا، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق قَتَادَة: اللَّهُمَّ اغْفِر للْأَنْصَار ولأبناء الْأَنْصَار وَأَبْنَاء أَبنَاء الْأَنْصَار، من غير شكّ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة عَليّ بن زيد عَن النَّضر بن أنس عَن زيد بن أَرقم أَنه كتب إِلَى أنس بن مَالك يعزيه فِيمَن أُصِيب من أَهله وَبني عَمه يَوْم الْحرَّة فَكتب إِلَيْهِ إِنِّي أُبَشِّرك ببشرى من الله إِنِّي سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر للْأَنْصَار ولذراري الْأَنْصَار ولذراري ذَرَارِيهمْ قَوْله: (فَسَأَلَ أنسا بعض من كَانَ عِنْده) لم يعرف هَذَا السَّائِل من هُوَ، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون النَّضر بن أنس فَإِنَّهُ روى حَدِيث الْبَاب عَن زيد بن أَرقم. قلت: هَذَا احْتِمَال بالتخمين فَلَا يُفِيد شَيْئا على أَن عِنْد أنس كَانَت جمَاعَة حِينَئِذٍ، وَزعم ابْن التِّين أَنه وَقع عِنْد الْقَابِسِيّ، فَسَأَلَ أنس بعض من عِنْده: بِرَفْع أنس على الفاعلية، وَنصب بعض على المفعولية، وَالْأول هُوَ الصَّوَاب. قَوْله: (هُوَ الَّذِي) أَي: زيد بن أَرقم هُوَ الَّذِي يَقُول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَقه هَذَا الَّذِي أوفى الله لَهُ بأذنه، وَقد مر تَفْسِيره الْآن، وَقيل: يجوز فتح الْهمزَة والذال من أُذُنه أَي: أظهر صدقه فِيمَا أعلم بِهِ، وَمعنى: أوفى صدق.

٧ - (بابُ قَوْلِهِ: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزَّ مِنْهَا الأذَلَّ وَلله العزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقينَ لَا يَعْلَمُونَ} (المُنَافِقُونَ: ٨)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {يَقُولُونَ لَئِن رَجعْنَا} الْآيَة إِلَى آخرهَا، هَكَذَا سَاقهَا الْأَكْثَرُونَ إِلَى آخرهَا. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَمن قَوْله: (يَقُولُونَ) إِلَى قَوْله: (الْأَذَل) .

٧٠٩٤ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْناهُ مِنْ عَمْروٍ بنِ دِينارٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِيَ الله عَنْهُمَا يَقُولُ كُنَّا فِي غزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
أستغفر الله