«أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ، فَجَاءَ فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٣٠٧

الحديث رقم ٥٣٠٧ من كتاب «كتاب الطلاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب يبدأ الرجل بالتلاعن.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن هلال بن أمية قذف امرأته، فجاء فشهد…

«أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ، فَجَاءَ فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ.»

سند حديث: ٥٣٠٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ…

٥٣٠٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ،

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن هلال بن أمية قذف امرأته، فجاء فشهد…

أفاد الحديث أن هلال بن أمية رضي الله عنه قذف امرأته بالزنى عند النبي صلى الله عليه وسلم وفي حضوره، وأن الذي زنى بها شريك بن سحماء رضي الله عنه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أقم البينة على الزنى، فإلم تفعل تجلد حد القذف في ظهرك. فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا امرأته تزني أيذهب ويطلب البينة؟ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: البينة مقررة ومقدمة وإن لم تقم البينة فالثابت عندي حد في ظهرك.
وأخرجه أبو يعلى في مسنده بسنده عن أنس بن مالك قال: بلفظ (أربعة شهود وإلا فحد في ظهرك).
فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق في قذفي إياها، فلينزلن الله -وهو أمر بمعنى الدعاء- ما يدفع ويمنع ظهري من حد القذف؛ فنزل جبريل، وأنزل -عليه الصلاة والسلام- أي: {والذين يرمون أزواجهم} [النور: 6] : أي: يقذفون زوجاتهم فقرأ: أي: ما بعدها من الآيات حتى بلغ {إن كان من الصادقين} [النور: 9]. فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟" الأظهر أنه صلى الله عليه وسلم قال هذا القول بعد فراغهما من اللعان، والمراد أنه يلزم الكاذب التوبة، وقيل: قاله قبل اللعان تحذيرا لهما منه.
ثم قامت، فشهدت : أي: لاعنت؛ فلما كانت عند الخامسة من شهادتها حبسوها ومنعوها عن المضي فيها وهددوها، وقالوا: ألا إن الخامسة موجبة، وأن اللعان إنما يتم به ويترتب عليه آثاره، وأنها موجبة للعن مؤدية إلى العذاب إن كانت كاذبة.
قال ابن عباس: فتباطأت عنه وتوقفت فيه ورجعت وتأخرت، والمعنى أنها سكتت بعد الكلمة الرابعة، حتى ظننا أنها ترجع عن مقالها في تكذيب الزوج، ودعوى البراءة عما رماها به، ثم قالت: لا أفضح قومي أبد الدهر، أو فيما بقي من الأيام بالإعراض عن اللعان والرجوع إلى تصديق الزوج، فمضت في الخامسة وأتمت اللعان بها.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : انظروا وتأملوا فيما تأتي به من ولدها؛ فإن جاءت به أكحل العينين، أي: الذي يعلو جفون عينيه سواد مثل الكحل من غير اكتحال، عظيم الأليتين، وسمين الساقين فالولد لشريك بن سحماء، أي: في باطن الأمر لظهور الشبه، فجاءت به كذلك، والشبه قرينة معتبرة مع غير اللعان.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لولا ما سبق من حكمه بدرء الحد عن المرأة بلعانها لكان لي ولها شأن، أي: في إقامة الحد عليها، أو المعنى: لولا أن القرآن حكم بعدم الحد على المتلاعنين وعدم التعزير لفعلت بها ما يكون عبرة للناظرين وتذكرة للسامعين، وفي ذكر الشأن وتنكيره تهويل وتفخيم لما كان يريد أن يفعل بها لتضاعف ذنبها.
وهذا أول لعان كان في الإسلام، وفيه نزلت الآية.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • مشروعية التحقق في الأمر لقوله: (أبصروها) لتعلق حق الغير به وإلا الستر أولى.
  • جواز اللعان، وهو إجماع.
  • باللعان يقع التحريم المؤبد ولا تحل له زوجته بعد ذلك أبدًا.
  • أي منهما نكل حُد، إن كان الزوج فللقذف، والمرأة للزنا.
  • في قوله قذف امرأته بشريك بن سمحاء دليل على أنه لا حد على الرامي زوجته إذا لم يطالب المقذوف؛ لأنه ينبغي ألا يسمى؛ لأنه لاضرورة لذلك.
  • الحديث يدل على حقيقة انتقال الصفات الخلقية المنتقلة بالعوامل الوراثية، التي تكون سببًا في تشابه الذرية بأبويها، بواسطة عملية التناسل في النبات والحيوان، ومنه الإنسان.
  • تقديم ظاهر الأحكام الشرعية على القرائن، وإلاَّ إذا فُقدت أصول الأحكام، التي تبنى عليها القضايا.
  • قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لولا ما مضى من كتاب الله، لكان لي ولها شأن" دليلٌ على أن الأحكام الماضية لا تُنْقَض، ما لم تكن مخالفة لنصٍّ من الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
  • فيه اعتبار أخبار القافة، واعتبار إلحاقهم، إلاَّ إذا عارضها أصل؛ فإن القرائن لا تقدم على الأصول الثوابت، ومن ذلك الفراش، فإن الشارع الحكيم جعله أصلًا لصاحبه، ويدًا قوية، يثبُتُ له كل ما ولد عليه، فلا يقدم عليه شبه، أو تصادف فصيلة دم ونحوه.
  • الأصل أنَّ من قذف محصنًا بالزنا، فعليه إقامة البيِّنة، وبينة الزنا شهادة أربعة رجال، فإن لم يأت بهذه البينة، فعليه حد القذف: ثمانون جلدة.
  • انتفاء الولد بمجرد اللعان.
  • جواز ذكر الأوصاف المذمومة عند الضرورة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن هلال بن أمية قذف امرأته، فجاء فشهد…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَمِينٌ، فَمَنْ صَحَّ يَمِينُهُ صَحَّ لِعَانُهُ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ اللِّعَانُ إِلَّا مِنْ زَوْجَيْنِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ، لِأَنَّ اللِّعَانَ شَهَادَةٌ وَلَا يَصِحُّ مِنْ مَحْدُودٍ فِي قَذْفٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ لَلْأَوَّلِينَ لِتَسْوِيَةِ الرَّاوِي بَيْنَ لَاعَنَ وَحَلَفَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْيَمِينَ مَا دَلَّ عَلَى حَثٍّ أَوْ مَنْعٍ أَوْ تَحْقِيقِ خَبَرٍ وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ: احْلِفْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنِّي لِصَادِقٌ، يَقُولُ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا

شَأْنٌ وَاعْتَلَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ يَمِينًا لَمَا تَكَرَّرَتْ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنِ الْقِيَاسِ تَغْلِيظًا لِحُرْمَةِ الْفُرُوجِ كَمَا خَرَجَتِ الْقَسَامَةُ لِحُرْمَةِ الْأَنْفُسِ، وَبِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ شَهَادَةً لَمْ تُكَرَّرْ أَيْضًا. وَالَّذِي تَحَرَّرَ لِي أَنَّهَا مِنْ حَيْثُ الْجَزْمُ بِنَفْيِ الْكَذِبِ وَإِثْبَاتِ الصِّدْقِ يَمِينٌ، لَكِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهَا شَهَادَةٌ لِاشْتِرَاطِ أَنْ لَا يُكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِالظَّنِّ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ عِلْمِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْأَمْرَيْنِ عِلْمًا يَصِحُّ مَعَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ، وَيُؤَيِّدُ كَوْنَهَا يَمِينًا أَنَّ الشَّخْصَ لَوْ قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ كَانَ كَذَا لَعُدَّ حَالِفًا. وَقَدْ قَالَ الْقَفَّالُ فِي مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ: كُرِّرَتْ أَيْمَانُ اللِّعَانِ لِأَنَّهَا أُقِيمَتْ مَقَامَ أَرْبَعِ شُهُودٍ فِي غَيْرِهِ لِيُقَامَ عَلَيْهَا الْحَدُّ، وَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَتْ شَهَادَاتٍ.

٢٨ - بَاب يَبْدَأُ الرَّجُلُ بِالتَّلَاعُنِ

٥٣٠٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَجَاءَ، فَشَهِدَ، وَالنَّبِيُّ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ ثُمَّ قَامَتْ، فَشَهِدَتْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ يَبْدَأُ الرَّجُلِ بِالتَّلَاعُنِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ مُخْتَصَرًا وَكَأَنَّهُ أَخَذَ التَّرْجَمَةَ مِنْ قَوْلِهِ: ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الرَّجُلَ يُقَدَّمُ قَبْلَ الْمَرْأَةِ فِي الْمُلَاعَنَةِ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا سَأَذْكُرُهُ فِي بَابِ صَدَاقِ الْمُلَاعَنَةِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَأَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوِ ابْتَدَأَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ صَحَّ وَاعْتُدَّ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ عَطَفَهُ بِالْوَاوِ وَهِيَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ. وَاحْتُجَّ لَلْأَوَّلِينَ بِأَنَّ اللِّعَانَ شُرِعَ لِدَفْعِ الْحَدِّ عَنِ الرَّجُلِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ لِهِلَالٍ الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ فَلَوْ بُدِئَ بِالْمَرْأَةِ لَكَانَ دَفَعًا لَأَمْرٍ لَمْ يَثْبُتْ، وَبِأَنَّ الرَّجُلَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْجِعَ بَعْدَ أَنْ يَلْتَعْنَ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَنْدَفِعُ عَنِ الْمَرْأَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَدَأَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) كَذَا وَصَلَهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَتَابَعَهُ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ، وَسَاقَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مُطَوَّلًا، وَاخْتُلِفَ عَلَى أَيُّوبَ: فَرَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْهُ مَوْصُولًا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ وَغَيْرِهَا وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ مَوْصُولًا، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ مُرْسَلًا، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الِاخْتِلَافِ فَقَالَ: حَدِيثُ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا مَحْفُوظٌ.

قَوْلُهُ: (إنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَجَاءَ فَشَهِدَ) كَذَا أَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ النُّورِ مُطَوَّلًا، وَفِيهِ شَرْحُ قَوْلِهِ: الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ وَفِيهِ قَوْلُ هِلَالٍ: لَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

التَّكليف ويُلاعن الذِّمِّي والرَّقيق، وعلى الثَّاني لا يصحُّ إلَّا من حرَّين مسلمين، واحتجَّ بعض الحنفيَّة بأنَّها لو كانت يمينًا لما تكرَّرت. وأُجيب بأنَّها خرجت عن القياس تغليظًا لحرمةِ الفروج، كما خرجتِ القسامة لحرمةِ الأنفس، وفي «محاسن الشَّريعة» للقفَّال: كُرِّرت أيمان اللِّعان لأنَّها أُقيمت مقام أربع شهودٍ في غيره ليقام عليها الحدُّ، ومن ثمَّ سمِّيتْ شهادةً (ثُمَّ فَرَّقَ) (بَيْنَهُمَا) أي: بين المتحالفين المذكورين.

(٢٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (يَبْدَأُ الرَّجُلُ بِالتَّلَاعُنِ) قبل المرأة.

٥٣٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة، ابن عثمان، أبو بكر العبديُّ مولاهم، الحافظُ بُنْدار قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمَّد أبو عَمرو البصريُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ) الأزديُّ مولاهم الحافظ قال: (حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ) أحد الثَّلاثة الَّذين تخلَّفوا عن غزوةِ تبوك (قَذَفَ امْرَأَتَهُ) خولة بنت عاصمٍ بشريك بن سَحْماء (فَجَاءَ) إلى النَّبيِّ (فَشَهِدَ) أربع شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الصَّادقين فيما رماها به من الزِّنا (١)، والخامسة أنَّ لعنةَ الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به (وَالنَّبِيُّ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ) ظاهره أنَّ قوله: أنَّ أحدَكما كاذبٌ صدر منه في حال الملاعنة لتحقُّق الكذبِ حينئذٍ، وفي أحدكما تغليبُ المذكَّر على المؤنَّث (فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟) وزاد الطَّبريُّ والحاكم من رواية جريرِ بن حازمٍ، عن أيُّوب، عن عكرمةَ، فقال هلال: «والله إنِّي لصادقٌ» (ثُمَّ قَامَتْ) زوجته خولة (فَشَهِدَتْ) أربع شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الكاذبين فيما رماها به … الحديثَ. وسبقَ بتمامه في «تفسير سورة النُّور» [خ¦٤٧٤٧] وهو ظاهرٌ في تقدُّم الرَّجل على المرأةِ في اللِّعان وهو مذهب الشَّافعيِّ وأشهب من المالكيَّة ورجَّحه ابن العربيِّ، وقال ابنُ القاسم: لو ابتدأتْ به المرأة صحَّ واعتدَّ به، وهو قولُ أبي حنيفة،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَمِينٌ، فَمَنْ صَحَّ يَمِينُهُ صَحَّ لِعَانُهُ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ اللِّعَانُ إِلَّا مِنْ زَوْجَيْنِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ، لِأَنَّ اللِّعَانَ شَهَادَةٌ وَلَا يَصِحُّ مِنْ مَحْدُودٍ فِي قَذْفٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ لَلْأَوَّلِينَ لِتَسْوِيَةِ الرَّاوِي بَيْنَ لَاعَنَ وَحَلَفَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْيَمِينَ مَا دَلَّ عَلَى حَثٍّ أَوْ مَنْعٍ أَوْ تَحْقِيقِ خَبَرٍ وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ: احْلِفْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنِّي لِصَادِقٌ، يَقُولُ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا

شَأْنٌ وَاعْتَلَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ يَمِينًا لَمَا تَكَرَّرَتْ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنِ الْقِيَاسِ تَغْلِيظًا لِحُرْمَةِ الْفُرُوجِ كَمَا خَرَجَتِ الْقَسَامَةُ لِحُرْمَةِ الْأَنْفُسِ، وَبِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ شَهَادَةً لَمْ تُكَرَّرْ أَيْضًا. وَالَّذِي تَحَرَّرَ لِي أَنَّهَا مِنْ حَيْثُ الْجَزْمُ بِنَفْيِ الْكَذِبِ وَإِثْبَاتِ الصِّدْقِ يَمِينٌ، لَكِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهَا شَهَادَةٌ لِاشْتِرَاطِ أَنْ لَا يُكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِالظَّنِّ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ عِلْمِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْأَمْرَيْنِ عِلْمًا يَصِحُّ مَعَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ، وَيُؤَيِّدُ كَوْنَهَا يَمِينًا أَنَّ الشَّخْصَ لَوْ قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ كَانَ كَذَا لَعُدَّ حَالِفًا. وَقَدْ قَالَ الْقَفَّالُ فِي مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ: كُرِّرَتْ أَيْمَانُ اللِّعَانِ لِأَنَّهَا أُقِيمَتْ مَقَامَ أَرْبَعِ شُهُودٍ فِي غَيْرِهِ لِيُقَامَ عَلَيْهَا الْحَدُّ، وَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَتْ شَهَادَاتٍ.

٢٨ - بَاب يَبْدَأُ الرَّجُلُ بِالتَّلَاعُنِ

٥٣٠٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَجَاءَ، فَشَهِدَ، وَالنَّبِيُّ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ ثُمَّ قَامَتْ، فَشَهِدَتْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ يَبْدَأُ الرَّجُلِ بِالتَّلَاعُنِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ مُخْتَصَرًا وَكَأَنَّهُ أَخَذَ التَّرْجَمَةَ مِنْ قَوْلِهِ: ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الرَّجُلَ يُقَدَّمُ قَبْلَ الْمَرْأَةِ فِي الْمُلَاعَنَةِ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا سَأَذْكُرُهُ فِي بَابِ صَدَاقِ الْمُلَاعَنَةِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَأَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوِ ابْتَدَأَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ صَحَّ وَاعْتُدَّ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ عَطَفَهُ بِالْوَاوِ وَهِيَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ. وَاحْتُجَّ لَلْأَوَّلِينَ بِأَنَّ اللِّعَانَ شُرِعَ لِدَفْعِ الْحَدِّ عَنِ الرَّجُلِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ لِهِلَالٍ الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ فَلَوْ بُدِئَ بِالْمَرْأَةِ لَكَانَ دَفَعًا لَأَمْرٍ لَمْ يَثْبُتْ، وَبِأَنَّ الرَّجُلَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْجِعَ بَعْدَ أَنْ يَلْتَعْنَ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَنْدَفِعُ عَنِ الْمَرْأَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَدَأَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) كَذَا وَصَلَهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَتَابَعَهُ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ، وَسَاقَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مُطَوَّلًا، وَاخْتُلِفَ عَلَى أَيُّوبَ: فَرَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْهُ مَوْصُولًا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ وَغَيْرِهَا وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ مَوْصُولًا، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ مُرْسَلًا، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الِاخْتِلَافِ فَقَالَ: حَدِيثُ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا مَحْفُوظٌ.

قَوْلُهُ: (إنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَجَاءَ فَشَهِدَ) كَذَا أَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ النُّورِ مُطَوَّلًا، وَفِيهِ شَرْحُ قَوْلِهِ: الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ وَفِيهِ قَوْلُ هِلَالٍ: لَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

التَّكليف ويُلاعن الذِّمِّي والرَّقيق، وعلى الثَّاني لا يصحُّ إلَّا من حرَّين مسلمين، واحتجَّ بعض الحنفيَّة بأنَّها لو كانت يمينًا لما تكرَّرت. وأُجيب بأنَّها خرجت عن القياس تغليظًا لحرمةِ الفروج، كما خرجتِ القسامة لحرمةِ الأنفس، وفي «محاسن الشَّريعة» للقفَّال: كُرِّرت أيمان اللِّعان لأنَّها أُقيمت مقام أربع شهودٍ في غيره ليقام عليها الحدُّ، ومن ثمَّ سمِّيتْ شهادةً (ثُمَّ فَرَّقَ) (بَيْنَهُمَا) أي: بين المتحالفين المذكورين.

(٢٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (يَبْدَأُ الرَّجُلُ بِالتَّلَاعُنِ) قبل المرأة.

٥٣٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة، ابن عثمان، أبو بكر العبديُّ مولاهم، الحافظُ بُنْدار قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمَّد أبو عَمرو البصريُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ) الأزديُّ مولاهم الحافظ قال: (حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ) أحد الثَّلاثة الَّذين تخلَّفوا عن غزوةِ تبوك (قَذَفَ امْرَأَتَهُ) خولة بنت عاصمٍ بشريك بن سَحْماء (فَجَاءَ) إلى النَّبيِّ (فَشَهِدَ) أربع شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الصَّادقين فيما رماها به من الزِّنا (١)، والخامسة أنَّ لعنةَ الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به (وَالنَّبِيُّ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ) ظاهره أنَّ قوله: أنَّ أحدَكما كاذبٌ صدر منه في حال الملاعنة لتحقُّق الكذبِ حينئذٍ، وفي أحدكما تغليبُ المذكَّر على المؤنَّث (فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟) وزاد الطَّبريُّ والحاكم من رواية جريرِ بن حازمٍ، عن أيُّوب، عن عكرمةَ، فقال هلال: «والله إنِّي لصادقٌ» (ثُمَّ قَامَتْ) زوجته خولة (فَشَهِدَتْ) أربع شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الكاذبين فيما رماها به … الحديثَ. وسبقَ بتمامه في «تفسير سورة النُّور» [خ¦٤٧٤٧] وهو ظاهرٌ في تقدُّم الرَّجل على المرأةِ في اللِّعان وهو مذهب الشَّافعيِّ وأشهب من المالكيَّة ورجَّحه ابن العربيِّ، وقال ابنُ القاسم: لو ابتدأتْ به المرأة صحَّ واعتدَّ به، وهو قولُ أبي حنيفة،

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الله أكبر