«لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ.» ٥٧٠٥ (م) - فَذَكَرْتُهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٧٠٥

الحديث رقم ٥٧٠٥ من كتاب «كتاب الطب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لا رقية إلا من عين أو حمة.» ٥٧٠٥ (م)…

«لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ.»

٥٧٠٥ (م) - فَذَكَرْتُهُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ رَسُولُ اللهِ : «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ أُمَّتِي هَذِهِ؟ قِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، قِيلَ: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ، فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلَأُ الْأُفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ هَا هُنَا، وَهَا هُنَا، فِي آفَاقِ السَّمَاءِ، فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَأَ الْأُفُقَ، قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ. ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ، فَأَفَاضَ الْقَوْمُ وَقَالُوا: نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللهِ وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ، فَنَحْنُ هُمْ، أَوْ أَوْلَادُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ فَخَرَجَ، فَقَالَ: هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. فَقَالَ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ قَالَ: سَبَقَكَ عُكَّاشَةُ»

سند حديث: ٥٧٠٥ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ…

٥٧٠٥ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «لا رقية إلا من عين أو حمة.» ٥٧٠٥ (م)…

يخبرنا حُصين بن عبد الرحمن رحمه الله عن محاورة جرت بينه وبين سعيد بن جبير رحمه الله في شأن الرقية، وذلك أن حصينًا لدغته عقرب وارتقى منها بالرقية المشروعة، ولما سأله سعيد عن دليله أخبره بحديث الشعبي الذي يبيح الرقية من العين والسم، فامتدحه سعيد على ذلك، ولكنه روى له حديثًا يحبذ ترك الرقية، هو حديث ابن عباس الذي يتضمن الصفات الأربع التي من اتصف بها استحق الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهي عدم طلب الرقية، وعدم الاكتواء، وعدم التشاؤم، وصدق الاعتماد على الله تعالى ولما طلب عكاشة من النبي صلى الله عليه وسلم بأن يدعو له أن يكون منهم أخبره بأنه معهم، ولما قام رجل آخر لنفس الغرض تلطف معه النبي صلى الله عليه وسلم في المنع سدًّا للباب وقطعًا للتسلسل.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • فضيلة السلف، وأن ما يرونه من الآيات السماوية لا يعدّونه عادة، بل يعلمون أنه آية من آيات الله -تعالى-.
  • حرص السلف على الإخلاص وشدة ابتعادهم عن الرياء.
  • طلب الحجة على صحة المذهب وعناية السلف بالدليل.
  • الوقوف عند الدليل والعمل بالعلم، وأن من عمِل بما بلغه فقد أحسن.
  • تبليغ العلم بتلطف وحكمة.
  • إباحة الرقية.
  • إرشاد من أخذ بشيء مشروع إلى ما هو أفضل منه.
  • فضيلة نبينا محمد -صلى اللَّهُ عليه وسلم- حيث عُرضت عليه الأمم.
  • أن الأنبياء متفاوتون في عدد أتباعهم.
  • أن الواجب اتباع الحق وإن قلّ أهله.
  • فضيلة هذه الأمة وأنهم أكثر الأمم اتباعًا لنبيهم -صلى اللَّهُ عليه وسلم-.
  • فضيلة تحقيق التوحيد وثوابه.
  • إباحة المناظرة في العلم والمباحثة في نصوص الشرع للاستفادة وإظهار الحق.
  • عمق علم السلف لمعرفتهم أن المذكورين في الحديث لم ينالوا هذه المنزلة إلا بعمل.
  • حرص السلف على الخير والمنافسة على الأعمال الصالحة.
  • أن ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد.
  • طلب الدعاء من الفاضل في حياته.
  • علَم من أعلام نبوته -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حيث أخبر أن عكاشة بن مِحصن من السبعين الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب فقُتل شهيدًا في حروب الردة -رضي الله عنه-.
  • فضيلة عكاشة بن محصن -رضي الله عنه-.
  • استعمال المعاريض وحسن خلقه -صلى اللَّهُ عليه وسلم- حيث لم يقل للرجل الآخر: لست منهم.
  • سد الذرائع لئلا يقوم من ليس أهلاً فيُردُّ.
  • العمل بالكتاب والسنة مقدم على كل مذهب.
  • إن من أحرز هذه الخصائل الأربع المذكورة في الحديث فقد حقق التوحيد ودخل الجنة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «لا رقية إلا من عين أو حمة.» ٥٧٠٥ (م)…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ.

٥٧٠٥ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: "لَا رُقْيَةَ إِلاَّ مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ فَذَكَرْتُهُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قال رسول الله : "عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمْ الرَّهْطُ وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ قُلْتُ مَا هَذَا؟ أُمَّتِي هَذِهِ؟ قِيلَ: بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ قِيلَ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلَا الأُفُقَ ثُمَّ قِيلَ لِي انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَا الأُفُقَ قِيلَ هَذِهِ أُمَّتُكَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفاً بِغَيْرِ حِسَابٍ ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ فَأَفَاضَ الْقَوْمُ وَقَالُوا نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ فَنَحْنُ هُمْ أَوْ أَوْلَادُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلَامِ فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَبَلَغَ النَّبِيَّ فَخَرَجَ فَقَالَ هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فَقَالَ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ قَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ".

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ اكْتَوَى أَوْ كَوَى غَيْرَهُ، وَفَضْلُ مَنْ لَمْ يَكْتَوِ) كَأَنَّهُ أَرَادَ الْكَيَّ جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ، وَأَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ إِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَأَنَّهُ إِذَا جَازَ كَانَ أَعَمَّ مِنْ إِنْ يُبَاشِرَ الشَّخْصُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَعُمُومُ الْجَوَازِ مَأْخُوذٌ مِنْ نِسْبَةِ الشِّفَاءِ إِلَيْهِ فِي أَوَّلِ حَدِيثَيِ الْبَابِ، وَفَضْلُ تَرْكِهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ عَلَى أَكْحَلِهِ فَحَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ بَعَثَ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيبًا فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا ثُمَّ كَوَاهُ، وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَوَانِي أَبُو طَلْحَةَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ، وَأَنَّهُ كُوِيَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا.

وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ كَوَى أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مِنَ الشَّوْكَةِ، وَلِمُسْلِمٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ حَتَّى اكْتَوَيْتُ فَتُرِكْ، ثُمَّ تَرَكْتُ الْكَيَّ فَعَادَ، وَلَهُ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: إِنَّ الَّذِي كَانَ انْقَطَعَ عَنِّي رَجَعَ إِلَيَّ يَعْنِي تَسْلِيمَ الْمَلَائِكَةِ، كَذَا فِي الْأَصْلِ، وَفِي لَفْظٍ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ، فَلَمَّا اكْتَوَيْتُ أَمْسَكَ عَنِّي، فَلَمَّا تَرَكْتُهُ عَادَ إِلَيَّ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عِمْرَانَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْكَيِّ فَاكْتَوَيْنَا، فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا، وَفِي لَفْظٍ: فَلَمْ يُفْلِحْنَ وَلَمْ يُنْجِحْنَ، وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ، وَالنَّهْيُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى لِمَا يَقْتَضِيهِ مَجْمُوعُ الْأَحَادِيثِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ خَاصٌّ بِعِمْرَانَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِهِ الْبَاسُورُ، وَكَانَ مَوْضِعُهُ خَطِرًا فَنَهَاهُ عَنْ كَيِّهِ. فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ كَوَاهُ فَلَمْ يُنْجِحْ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْكَيُّ نَوْعَانِ: كَيُّ الصَّحِيحِ لِئَلَّا يَعْتَلَّ، فَهَذَا الَّذِي قِيلَ فِيهِ: لَمْ يَتَوَكَّلْ مَنِ اكْتَوَى؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَدْفَعَ الْقَدَرَ، وَالْقَدَرُ لَا يُدَافَعُ، وَالثَّانِي كَيُّ الْجُرْحِ إِذَا نَغِلَ، أَيْ: فَسَدَ، وَالْعُضْوُ إِذَا قُطِعَ، فَهُوَ الَّذِي يُشْرَعُ التَّدَاوِي بِهِ، فَإِنْ كَانَ الْكَيُّ لِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْجِيلِ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ لِأَمْرٍ غَيْرِ مُحَقَّقٍ. وَحَاصِلُ الْجَمْعِ أَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَعَدَمُ الْفِعْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَهُ أَرْجَحُ مِنْ فِعْلِهِ، وَكَذَا الثَّنَاءُ عَلَى تَارِكِهِ.

وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْهُ فَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ وَالتَّنْزِيهِ وَإِمَّا عَمَّا لَا يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا إِلَى الشِّفَاءِ

وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي بَابِ الشِّفَاءِ فِي ثَلَاثٍ وَلَمْ أَرَ فِي أَثَرٍ صَحِيحٍ أَنَّ النَّبِيَّ اكْتَوَى، إِلَّا أَنَّ الْقُرْطُبِيَّ نَسَبَ إِلَى كِتَابِ أَدَبِ النُّفُوسِ لِلطَّبَرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ اكْتَوَى، وَذَكَرَهُ الْحَلِيمِيُّ بِلَفْظِ: رُوِيَ أَنَّهُ اكْتَوَى لِلْجُرْحِ الَّذِي أَصَابَهُ بِأُحُدٍ. قُلْتُ: وَالثَّابِتُ فِي الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ: أَنَّ فَاطِمَةَ أَحْرَقَتْ حَصِيرًا فَحَشَتْ بِهِ جُرْحَهُ، وَلَيْسَ هَذَا الْكَيَّ الْمَعْهُودَ، وَجَزَمَ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ اكْتَوَى، وَعَكَسَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ جَابِرًا) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ بِسَنَدِهِ أَتَانَا جَابِرٌ فِي بَيْتِنَا فَحَدَّثْنَا.

قَوْلُهُ: (فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ) كَذَا اقْتَصَرَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ عَلَى شَيْئَيْنِ، وَحَذَفَ الثَّالِثَ وَهُوَ الْعَسَلُ ; وَثَبَتَ ذِكْرُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، وَكَذَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ بَلِ أَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ ابْنِ الْغَسِيلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ تَامًّا فِي بَابِ الدَّوَاءِ بِالْعَسَلِ وَاخْتَصَرَ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ أَيْضًا قَوْلَهُ: تُوَافِقُ الدَّاءَ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا هُنَاكَ.

قَوْلُهُ: (عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ.

قَوْلُهُ: (حُصَيْنٌ) بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيِّ، وَعَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ)، كَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ مَوْقُوفًا، وَوَافَقَهُ هُشَيْمٌ، وَشُعْبَةُ، عَنْ حُصَيْنٍ عَلَى وَقْفِهِ، وَرِوَايَةُ هُشَيْمٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ، وَرِوَايَةُ شُعْبَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهَا ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ، وَلَكِنْ قَالَا: عَنْ بُرَيْدَةَ بَدَلَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَخَالَفَ الْجَمِيعَ مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ فَرَوَاهُ مَرْفُوعًا وَقَالَ: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: عَنْ حُصَيْنٍ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَذَا قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ: عَنْ حُصَيْنٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الشَّعْبِيِّ اخْتِلَافًا آخَرَ، فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاسِ ابْنِ ذَرِيحٍ بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ بِوَزْنِ عَظِيمٍ، فَقَالَ: عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَنَسٍ وَرَفَعَهُ، وَشَذَّ الْعَبَّاسُ بِذَلِكَ، وَالْمَحْفُوظُ رِوَايَةُ حُصَيْنٍ مَعَ الِاخْتِلَافِ عَلَيْهِ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَهَلْ هُوَ عَنْ عِمْرَانَ أَوْ بُرَيْدَةَ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ عِنْدَهُ عَنْ عِمْرَانَ وَعَنْ بُرَيْدَةَ جَمِيعًا. وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ عَنِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: حَدِيثُ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلٌ، وَالْمُسْنَدُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ أَوْرَدَ حَدِيثَ الشَّعْبِيِّ اسْتِطْرَادًا وَلَمْ يَقْصِدِ إِلَى تَصْحِيحِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي حَذْفِ الْحُمَيْدِيِّ لَهُ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ أَصْلًا. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْمُصَنِّفُ: إِنَّمَا أَرَدْنَا مِنْ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالشَّعْبِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ مُرْسَلٌ. وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْتُهُ.

قَوْلُهُ: (لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، قَالَ ثَعْلَبٌ وَغَيْرُهُ: هِيَ سُمُّ الْعَقْرَبِ، وَقَالَ الْقَزَّازُ: قِيلَ: هِيَ شَوْكَةُ الْعَقْرَبِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: إِنَّهَا الْإِبْرَةُ الَّتِي تَضْرِبُ بِهَا الْعَقْرَبَ وَالزُّنْبُورَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحُمَةُ كُلُّ هَامَةٍ ذَاتِ سُمٍّ مِنْ حَيَّةٍ أَوْ عَقْرَبٍ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ مَرْفُوعًا: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ نَفْسٍ، أَوْ حُمَةٍ، أَوْ لَدْغَةٍ، فَغَايَرَ بَيْنَهُمَا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى أَنَّ الْحُمَةَ خَاصَّةٌ بِالْعَقْرَبِ، فَيَكُونُ ذِكْرُ اللَّدْغَةِ بَعْدَهَا مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِ الرُّقْيَةِ فِي بَابِ رُقْيَةِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ بَعْدَ أَبْوَابٍ، وَكَذَلِكَ ذِكْرُ حُكْمِ الْعَيْنِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ.

قَوْلُهُ: (فَذَكَرْتُهُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الْقَائِلُ ذَلِكَ حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ هُشَيْمٍ، وَمُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ بِزِيَادَةِ قِصَّةٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: أَنَا. ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ، وَلَكِنْ لُدِغْتُ. قَالَ: وَكَيْفَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وغيرها، أو أنَّه خاصٌّ بعمران لأنَّه كان به الباسورُ، وهو موضعٌ خطرٌ فنهاهُ عن كيِّه، فلمَّا اشتدَّ عليه كواهُ فلم ينجح، وقولُه في التَّرجمةِ: «وفضل من لم يكتو» أخذه من قوله: «وما أحبُّ أن أكتويَ» وحاصلُ ما في ذلك أنَّ الفعل يدلُّ على الجواز، وعدمهُ لا يدلُّ على المنع، بل يدلُّ على أنَّ التَّرك أرجح، ولذا أثنى على تاركهِ، والنَّهي عنه للتَّنزيه.

٥٧٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة، أبو الحسن البصريُّ قالَ: (حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ) محمَّدٌ الضَّبيُّ قال: (حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن الواسطيُّ (عَنْ عَامِرٍ) هو: ابنُ شَرَاحيل الشَّعبيُّ (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) الخُزاعيِّ، من فضلاءِ الصَّحابة ( (١)) أنَّه (قَالَ: لَا رُقْيَةَ) بضم الراء وسكون القاف، أي: لا عُوْذَةَ (إِلَّا مِنْ عَيْنٍ) يصيبُ العائنُ بها غيرَه إذا استحسنهُ عند رؤيتهِ له، فتضرَّر منه ذلك المرئيُّ (أَوْ) من (حُمَةٍ) بالحاء المهملة وفتح الميم المخففة، سمُّ عقربٍ أو الإبرةُ الَّتي تضربُ بها العقرب، أو كلُّ هامَّةٍ ذات سمٍّ من حيَّةٍ أو عقربٍ، وإطلاقُه على الإبرةِ للمجاورةِ؛ لأنَّ السُّمَّ يخرجُ منها، وأصلها حُمَوٌ أو حُمَيٌ، بوزن صُرَد (٢)، والهاء فيه عوضٌ من الواو أو الياء المحذوفةِ، وليس المرادُ نفي جوازِ الرُّقية في غيرهما، بل تجوزُ الرُّقيةُ بذكر الله تعالى في جميع الأوجاعِ، فالمعنى

لا رقيةَ أولى وأنفعُ منهما، كما تقول: لا فتى إلَّا عليٌّ، ولا سيف إلَّا ذو الفقارِ. قال حصينُ بن عبد الرَّحمن: (فَذَكَرْتُهُ) أي: «لا رقيةَ … » إلى آخره (لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ : عُرِضَتْ) بضم العين مبنيًّا للمفعول (عَلَيَّ الأُمَمُ) والأممُ رفع نائب عن الفاعلِ، وعند التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ من طريق عَبْثَر بن القاسمِ -بمهملة فموحدة ثمَّ مثلثة، بوزن جعفر- في روايتهِ عن حصينِ بن عبد الرَّحمنِ أنَّ ذلك كان ليلة الإسراءِ، وهو محمولٌ على القول بتعدُّد الإسراءِ وأنَّه وقع بالمدينةِ غير الَّذي وقع بمكَّة، فعند البزَّار بسندٍ صحيحٍ، قال: أكثرنا الحديث عندَ رسول الله ثمَّ عُدنا إليه، قال: «عُرِضتْ عليَّ الأنبياءُ اللَّيلة بأممها» (فَجَعَلَ النَّبِيُّ) بالإفراد (وَالنَّبِيَّانِ) بالتَّثنية (يَمُرُّونَ مَعَهُمُ الرَّهْطُ) ما دون العشرةِ من الرِّجال أو إلى الأربعين (وَالنَّبِيُّ) يمرُّ (لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ) ممَّن أخبرهم عن الله لعدم إيمانهم (حَتَّى رُفِعَ لِي) براء مضمومة وكسر الفاء (سَوَادٌ عَظِيمٌ) ضدُّ البياضِ، الشَّخصُ يرى من بعدٍ، وفي «الرِّقاق»: «سوادٌ كثيرٌ» [خ¦٦٥٤١] بدل قوله هنا: «عظيمٌ» وأشار به إلى أنَّ المرادَ الجنس لا الواحد، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «حتَّى وقعَ لي سوادٌ عظيمٌ» «بواو وقاف» مفتوحتين بدل: «الراء والفاء»، والأوَّلُ هو المحفوظُ في جميع طُرقِ هذا الحديث كما قالهُ في «الفتح» (قُلْتُ: مَا هَذَا) السَّواد الَّذي أراهُ؟ (أُمَّتِي هَذِهِ. قِيلَ: هَذَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بل هذَا (١)» (مُوسَى وَقَوْمُهُ، قِيلَ: انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ) فنظرتُ إليه (فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلأُ الأُفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ هَهُنَا وَهَهُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ) فنظرتُ (فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلأَ الأُفُقَ، قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ) المؤمنون (وَيَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ).

فإن قلت: قد ثبتَ أنَّه قال: إنَّه يعرفُ أمَّتهُ من بين الأُمم بأنَّهم غرٌّ محجَّلونَ، فكيف ظنَّ هنا أنَّهم أمَّةُ موسى؟ أُجيب بأنَّ الأشخاص الَّتي رآها هنا في الأُفق لا يُدْرِكُ منها إلَّا الكثرةَ من غير تمييزٍ لأعيانهم لبُعدهم، وأمَّا الأُخرى فمحمولةٌ على ما إذا قرُبوا منهُ كما لا يخفى.

(ثُمَّ دَخَلَ) حجرتهُ (وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ) لأصحابه مَن السَّبعون ألفًا الدَّاخلونُ الجنَّة بغير حسابٍ (فَأَفَاضَ القَوْمُ) في الحديث، اندفَعوا فيه، وناظرُوا عليه (وَقَالُوا: نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللهِ) تعالى (وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ) (فَنَحْنُ) معشر الصَّحابة (هُمْ أَوْ) هم (أَوْلَادُنَا الَّذِينَ

وُلِدُوا فِي الإِسْلَامِ، فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَبَلَغَ) ذلك القول (النَّبِيَّ فَخَرَجَ) من حجرتهِ (فَقَالَ) الَّذين يدخلون الجنَّة بغيرِ (١) حسابٍ (هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ) مُطلقًا، أو لا يسترقُون برُقى الجاهليَّة (وَلَا يَتَطَيَّرُونَ) ولا يتشاءمونَ بالطُّيورِ ونحوها، كما هو عادتُهم قبل الإسلامِ (وَلَا يَكْتَوُونَ) يعتقدون أنَّ الشِّفاء من (٢) الكيِّ كما كان يعتقدُ أهلُ الجاهليَّة (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) أي: يفوِّضون إليه تعالى في ترتيب المسبَّبات على الأسبابِ، أو يتركُون الاسترقاء والطِّيَرة والاكتواء، فيكون من باب العامِّ بعد الخاصِّ لأنَّ كلَّ واحدٍ منها صفةٌ خاصَّةٌ من التَّوكل، وهو أعمُّ من ذلك، وقولُ بعضهم: لا يستحقُّ اسم التَّوكُّل إلَّا من لم يُخالط قلبَه خوفُ غيرِ الله حتَّى لو هجم عليه الأسدُ لا ينزعج، وحتَّى لا يسعى في طلب الرِّزق؛ لكون الله ضمنه له. ردَّه الجمهورُ وقالوا: يحصلُ التَّوكلُ بأن يثقَ بوعدِ الله ويوقن بأنَّ قضاءه واقعٌ، ولا يتركُ اتِّباعَ السُّنَّة في اتِّباع الرِّزق ممَّا لابدَّ له منه من مطعمٍ ومشربٍ (٣) وتحرُّزٍ من عدوٍّ بإعداد السِّلاح وإغلاق الباب، لكنَّه مع ذلك لا يطمئنُّ إلى الأسبابِ بقلبهِ بل يعتقدُ أنَّها لا تجلبُ نفعًا ولا تدفعُ ضررًا، بل السَّببُ والمسبَّب فعله، والكلُّ بمشيئته لا إله إلَّا هو، فإذا وقع من المرءِ رُكونٌ إلى السَّبب قدح في توكُّله (فَقَالَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ) بضم العين المهملة وتشديد الكاف وتخفف، ومِحْصَن: بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين ثم نون، وكان من أجملِ الرِّجال وممَّن شهد بدرًا: (أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟) بهمزة الاستفهامِ الاستخباريِّ، وفي رواية «الرِّقاق» وغيرها: «ادعُ اللهَ أن يجعلَني منهُم» [خ¦٦٥٤١] وجمع بينهما بأنَّه سألَ الدُّعاء أولًا فدعا له، ثمَّ استفهمَ هل أُجيب (٤) فقال: أمنهم أنا؟ (قَالَ) : (نَعَمْ) أنت منهم (فَقَامَ آخَرُ) قال الخطيبُ: هو سعدُ بن عُبادة (فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا) يا رسول اللهِ؟ (قَالَ) : (سَبَقَكَ بها عُكَّاشَةُ) قال ذلك له حسمًا للمادَّةِ لأنَّه لو قال: نعم لأوشك أن يقول ثالثٌ ورابعٌ وخامسٌ (٥) وهلمَّ جرًّا، وليس كلُّ النَّاس يصلُح لذلك.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ.

٥٧٠٥ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: "لَا رُقْيَةَ إِلاَّ مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ فَذَكَرْتُهُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قال رسول الله : "عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمْ الرَّهْطُ وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ قُلْتُ مَا هَذَا؟ أُمَّتِي هَذِهِ؟ قِيلَ: بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ قِيلَ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلَا الأُفُقَ ثُمَّ قِيلَ لِي انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَا الأُفُقَ قِيلَ هَذِهِ أُمَّتُكَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفاً بِغَيْرِ حِسَابٍ ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ فَأَفَاضَ الْقَوْمُ وَقَالُوا نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ فَنَحْنُ هُمْ أَوْ أَوْلَادُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلَامِ فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَبَلَغَ النَّبِيَّ فَخَرَجَ فَقَالَ هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فَقَالَ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ قَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ".

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ اكْتَوَى أَوْ كَوَى غَيْرَهُ، وَفَضْلُ مَنْ لَمْ يَكْتَوِ) كَأَنَّهُ أَرَادَ الْكَيَّ جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ، وَأَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ إِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَأَنَّهُ إِذَا جَازَ كَانَ أَعَمَّ مِنْ إِنْ يُبَاشِرَ الشَّخْصُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَعُمُومُ الْجَوَازِ مَأْخُوذٌ مِنْ نِسْبَةِ الشِّفَاءِ إِلَيْهِ فِي أَوَّلِ حَدِيثَيِ الْبَابِ، وَفَضْلُ تَرْكِهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ عَلَى أَكْحَلِهِ فَحَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ بَعَثَ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيبًا فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا ثُمَّ كَوَاهُ، وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَوَانِي أَبُو طَلْحَةَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ، وَأَنَّهُ كُوِيَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا.

وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ كَوَى أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مِنَ الشَّوْكَةِ، وَلِمُسْلِمٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ حَتَّى اكْتَوَيْتُ فَتُرِكْ، ثُمَّ تَرَكْتُ الْكَيَّ فَعَادَ، وَلَهُ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: إِنَّ الَّذِي كَانَ انْقَطَعَ عَنِّي رَجَعَ إِلَيَّ يَعْنِي تَسْلِيمَ الْمَلَائِكَةِ، كَذَا فِي الْأَصْلِ، وَفِي لَفْظٍ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ، فَلَمَّا اكْتَوَيْتُ أَمْسَكَ عَنِّي، فَلَمَّا تَرَكْتُهُ عَادَ إِلَيَّ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عِمْرَانَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْكَيِّ فَاكْتَوَيْنَا، فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا، وَفِي لَفْظٍ: فَلَمْ يُفْلِحْنَ وَلَمْ يُنْجِحْنَ، وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ، وَالنَّهْيُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى لِمَا يَقْتَضِيهِ مَجْمُوعُ الْأَحَادِيثِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ خَاصٌّ بِعِمْرَانَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِهِ الْبَاسُورُ، وَكَانَ مَوْضِعُهُ خَطِرًا فَنَهَاهُ عَنْ كَيِّهِ. فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ كَوَاهُ فَلَمْ يُنْجِحْ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْكَيُّ نَوْعَانِ: كَيُّ الصَّحِيحِ لِئَلَّا يَعْتَلَّ، فَهَذَا الَّذِي قِيلَ فِيهِ: لَمْ يَتَوَكَّلْ مَنِ اكْتَوَى؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَدْفَعَ الْقَدَرَ، وَالْقَدَرُ لَا يُدَافَعُ، وَالثَّانِي كَيُّ الْجُرْحِ إِذَا نَغِلَ، أَيْ: فَسَدَ، وَالْعُضْوُ إِذَا قُطِعَ، فَهُوَ الَّذِي يُشْرَعُ التَّدَاوِي بِهِ، فَإِنْ كَانَ الْكَيُّ لِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْجِيلِ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ لِأَمْرٍ غَيْرِ مُحَقَّقٍ. وَحَاصِلُ الْجَمْعِ أَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَعَدَمُ الْفِعْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَهُ أَرْجَحُ مِنْ فِعْلِهِ، وَكَذَا الثَّنَاءُ عَلَى تَارِكِهِ.

وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْهُ فَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ وَالتَّنْزِيهِ وَإِمَّا عَمَّا لَا يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا إِلَى الشِّفَاءِ

وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي بَابِ الشِّفَاءِ فِي ثَلَاثٍ وَلَمْ أَرَ فِي أَثَرٍ صَحِيحٍ أَنَّ النَّبِيَّ اكْتَوَى، إِلَّا أَنَّ الْقُرْطُبِيَّ نَسَبَ إِلَى كِتَابِ أَدَبِ النُّفُوسِ لِلطَّبَرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ اكْتَوَى، وَذَكَرَهُ الْحَلِيمِيُّ بِلَفْظِ: رُوِيَ أَنَّهُ اكْتَوَى لِلْجُرْحِ الَّذِي أَصَابَهُ بِأُحُدٍ. قُلْتُ: وَالثَّابِتُ فِي الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ: أَنَّ فَاطِمَةَ أَحْرَقَتْ حَصِيرًا فَحَشَتْ بِهِ جُرْحَهُ، وَلَيْسَ هَذَا الْكَيَّ الْمَعْهُودَ، وَجَزَمَ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ اكْتَوَى، وَعَكَسَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ جَابِرًا) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ بِسَنَدِهِ أَتَانَا جَابِرٌ فِي بَيْتِنَا فَحَدَّثْنَا.

قَوْلُهُ: (فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ) كَذَا اقْتَصَرَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ عَلَى شَيْئَيْنِ، وَحَذَفَ الثَّالِثَ وَهُوَ الْعَسَلُ ; وَثَبَتَ ذِكْرُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، وَكَذَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ بَلِ أَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ ابْنِ الْغَسِيلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ تَامًّا فِي بَابِ الدَّوَاءِ بِالْعَسَلِ وَاخْتَصَرَ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ أَيْضًا قَوْلَهُ: تُوَافِقُ الدَّاءَ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا هُنَاكَ.

قَوْلُهُ: (عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ.

قَوْلُهُ: (حُصَيْنٌ) بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيِّ، وَعَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ)، كَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ مَوْقُوفًا، وَوَافَقَهُ هُشَيْمٌ، وَشُعْبَةُ، عَنْ حُصَيْنٍ عَلَى وَقْفِهِ، وَرِوَايَةُ هُشَيْمٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ، وَرِوَايَةُ شُعْبَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهَا ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ، وَلَكِنْ قَالَا: عَنْ بُرَيْدَةَ بَدَلَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَخَالَفَ الْجَمِيعَ مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ فَرَوَاهُ مَرْفُوعًا وَقَالَ: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: عَنْ حُصَيْنٍ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَذَا قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ: عَنْ حُصَيْنٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الشَّعْبِيِّ اخْتِلَافًا آخَرَ، فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاسِ ابْنِ ذَرِيحٍ بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ بِوَزْنِ عَظِيمٍ، فَقَالَ: عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَنَسٍ وَرَفَعَهُ، وَشَذَّ الْعَبَّاسُ بِذَلِكَ، وَالْمَحْفُوظُ رِوَايَةُ حُصَيْنٍ مَعَ الِاخْتِلَافِ عَلَيْهِ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَهَلْ هُوَ عَنْ عِمْرَانَ أَوْ بُرَيْدَةَ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ عِنْدَهُ عَنْ عِمْرَانَ وَعَنْ بُرَيْدَةَ جَمِيعًا. وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ عَنِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: حَدِيثُ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلٌ، وَالْمُسْنَدُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ أَوْرَدَ حَدِيثَ الشَّعْبِيِّ اسْتِطْرَادًا وَلَمْ يَقْصِدِ إِلَى تَصْحِيحِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي حَذْفِ الْحُمَيْدِيِّ لَهُ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ أَصْلًا. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْمُصَنِّفُ: إِنَّمَا أَرَدْنَا مِنْ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالشَّعْبِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ مُرْسَلٌ. وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْتُهُ.

قَوْلُهُ: (لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، قَالَ ثَعْلَبٌ وَغَيْرُهُ: هِيَ سُمُّ الْعَقْرَبِ، وَقَالَ الْقَزَّازُ: قِيلَ: هِيَ شَوْكَةُ الْعَقْرَبِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: إِنَّهَا الْإِبْرَةُ الَّتِي تَضْرِبُ بِهَا الْعَقْرَبَ وَالزُّنْبُورَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحُمَةُ كُلُّ هَامَةٍ ذَاتِ سُمٍّ مِنْ حَيَّةٍ أَوْ عَقْرَبٍ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ مَرْفُوعًا: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ نَفْسٍ، أَوْ حُمَةٍ، أَوْ لَدْغَةٍ، فَغَايَرَ بَيْنَهُمَا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى أَنَّ الْحُمَةَ خَاصَّةٌ بِالْعَقْرَبِ، فَيَكُونُ ذِكْرُ اللَّدْغَةِ بَعْدَهَا مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِ الرُّقْيَةِ فِي بَابِ رُقْيَةِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ بَعْدَ أَبْوَابٍ، وَكَذَلِكَ ذِكْرُ حُكْمِ الْعَيْنِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ.

قَوْلُهُ: (فَذَكَرْتُهُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الْقَائِلُ ذَلِكَ حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ هُشَيْمٍ، وَمُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ بِزِيَادَةِ قِصَّةٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: أَنَا. ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ، وَلَكِنْ لُدِغْتُ. قَالَ: وَكَيْفَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وغيرها، أو أنَّه خاصٌّ بعمران لأنَّه كان به الباسورُ، وهو موضعٌ خطرٌ فنهاهُ عن كيِّه، فلمَّا اشتدَّ عليه كواهُ فلم ينجح، وقولُه في التَّرجمةِ: «وفضل من لم يكتو» أخذه من قوله: «وما أحبُّ أن أكتويَ» وحاصلُ ما في ذلك أنَّ الفعل يدلُّ على الجواز، وعدمهُ لا يدلُّ على المنع، بل يدلُّ على أنَّ التَّرك أرجح، ولذا أثنى على تاركهِ، والنَّهي عنه للتَّنزيه.

٥٧٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة، أبو الحسن البصريُّ قالَ: (حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ) محمَّدٌ الضَّبيُّ قال: (حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن الواسطيُّ (عَنْ عَامِرٍ) هو: ابنُ شَرَاحيل الشَّعبيُّ (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) الخُزاعيِّ، من فضلاءِ الصَّحابة ( (١)) أنَّه (قَالَ: لَا رُقْيَةَ) بضم الراء وسكون القاف، أي: لا عُوْذَةَ (إِلَّا مِنْ عَيْنٍ) يصيبُ العائنُ بها غيرَه إذا استحسنهُ عند رؤيتهِ له، فتضرَّر منه ذلك المرئيُّ (أَوْ) من (حُمَةٍ) بالحاء المهملة وفتح الميم المخففة، سمُّ عقربٍ أو الإبرةُ الَّتي تضربُ بها العقرب، أو كلُّ هامَّةٍ ذات سمٍّ من حيَّةٍ أو عقربٍ، وإطلاقُه على الإبرةِ للمجاورةِ؛ لأنَّ السُّمَّ يخرجُ منها، وأصلها حُمَوٌ أو حُمَيٌ، بوزن صُرَد (٢)، والهاء فيه عوضٌ من الواو أو الياء المحذوفةِ، وليس المرادُ نفي جوازِ الرُّقية في غيرهما، بل تجوزُ الرُّقيةُ بذكر الله تعالى في جميع الأوجاعِ، فالمعنى

لا رقيةَ أولى وأنفعُ منهما، كما تقول: لا فتى إلَّا عليٌّ، ولا سيف إلَّا ذو الفقارِ. قال حصينُ بن عبد الرَّحمن: (فَذَكَرْتُهُ) أي: «لا رقيةَ … » إلى آخره (لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ : عُرِضَتْ) بضم العين مبنيًّا للمفعول (عَلَيَّ الأُمَمُ) والأممُ رفع نائب عن الفاعلِ، وعند التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ من طريق عَبْثَر بن القاسمِ -بمهملة فموحدة ثمَّ مثلثة، بوزن جعفر- في روايتهِ عن حصينِ بن عبد الرَّحمنِ أنَّ ذلك كان ليلة الإسراءِ، وهو محمولٌ على القول بتعدُّد الإسراءِ وأنَّه وقع بالمدينةِ غير الَّذي وقع بمكَّة، فعند البزَّار بسندٍ صحيحٍ، قال: أكثرنا الحديث عندَ رسول الله ثمَّ عُدنا إليه، قال: «عُرِضتْ عليَّ الأنبياءُ اللَّيلة بأممها» (فَجَعَلَ النَّبِيُّ) بالإفراد (وَالنَّبِيَّانِ) بالتَّثنية (يَمُرُّونَ مَعَهُمُ الرَّهْطُ) ما دون العشرةِ من الرِّجال أو إلى الأربعين (وَالنَّبِيُّ) يمرُّ (لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ) ممَّن أخبرهم عن الله لعدم إيمانهم (حَتَّى رُفِعَ لِي) براء مضمومة وكسر الفاء (سَوَادٌ عَظِيمٌ) ضدُّ البياضِ، الشَّخصُ يرى من بعدٍ، وفي «الرِّقاق»: «سوادٌ كثيرٌ» [خ¦٦٥٤١] بدل قوله هنا: «عظيمٌ» وأشار به إلى أنَّ المرادَ الجنس لا الواحد، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «حتَّى وقعَ لي سوادٌ عظيمٌ» «بواو وقاف» مفتوحتين بدل: «الراء والفاء»، والأوَّلُ هو المحفوظُ في جميع طُرقِ هذا الحديث كما قالهُ في «الفتح» (قُلْتُ: مَا هَذَا) السَّواد الَّذي أراهُ؟ (أُمَّتِي هَذِهِ. قِيلَ: هَذَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بل هذَا (١)» (مُوسَى وَقَوْمُهُ، قِيلَ: انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ) فنظرتُ إليه (فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلأُ الأُفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ هَهُنَا وَهَهُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ) فنظرتُ (فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلأَ الأُفُقَ، قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ) المؤمنون (وَيَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ).

فإن قلت: قد ثبتَ أنَّه قال: إنَّه يعرفُ أمَّتهُ من بين الأُمم بأنَّهم غرٌّ محجَّلونَ، فكيف ظنَّ هنا أنَّهم أمَّةُ موسى؟ أُجيب بأنَّ الأشخاص الَّتي رآها هنا في الأُفق لا يُدْرِكُ منها إلَّا الكثرةَ من غير تمييزٍ لأعيانهم لبُعدهم، وأمَّا الأُخرى فمحمولةٌ على ما إذا قرُبوا منهُ كما لا يخفى.

(ثُمَّ دَخَلَ) حجرتهُ (وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ) لأصحابه مَن السَّبعون ألفًا الدَّاخلونُ الجنَّة بغير حسابٍ (فَأَفَاضَ القَوْمُ) في الحديث، اندفَعوا فيه، وناظرُوا عليه (وَقَالُوا: نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللهِ) تعالى (وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ) (فَنَحْنُ) معشر الصَّحابة (هُمْ أَوْ) هم (أَوْلَادُنَا الَّذِينَ

وُلِدُوا فِي الإِسْلَامِ، فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَبَلَغَ) ذلك القول (النَّبِيَّ فَخَرَجَ) من حجرتهِ (فَقَالَ) الَّذين يدخلون الجنَّة بغيرِ (١) حسابٍ (هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ) مُطلقًا، أو لا يسترقُون برُقى الجاهليَّة (وَلَا يَتَطَيَّرُونَ) ولا يتشاءمونَ بالطُّيورِ ونحوها، كما هو عادتُهم قبل الإسلامِ (وَلَا يَكْتَوُونَ) يعتقدون أنَّ الشِّفاء من (٢) الكيِّ كما كان يعتقدُ أهلُ الجاهليَّة (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) أي: يفوِّضون إليه تعالى في ترتيب المسبَّبات على الأسبابِ، أو يتركُون الاسترقاء والطِّيَرة والاكتواء، فيكون من باب العامِّ بعد الخاصِّ لأنَّ كلَّ واحدٍ منها صفةٌ خاصَّةٌ من التَّوكل، وهو أعمُّ من ذلك، وقولُ بعضهم: لا يستحقُّ اسم التَّوكُّل إلَّا من لم يُخالط قلبَه خوفُ غيرِ الله حتَّى لو هجم عليه الأسدُ لا ينزعج، وحتَّى لا يسعى في طلب الرِّزق؛ لكون الله ضمنه له. ردَّه الجمهورُ وقالوا: يحصلُ التَّوكلُ بأن يثقَ بوعدِ الله ويوقن بأنَّ قضاءه واقعٌ، ولا يتركُ اتِّباعَ السُّنَّة في اتِّباع الرِّزق ممَّا لابدَّ له منه من مطعمٍ ومشربٍ (٣) وتحرُّزٍ من عدوٍّ بإعداد السِّلاح وإغلاق الباب، لكنَّه مع ذلك لا يطمئنُّ إلى الأسبابِ بقلبهِ بل يعتقدُ أنَّها لا تجلبُ نفعًا ولا تدفعُ ضررًا، بل السَّببُ والمسبَّب فعله، والكلُّ بمشيئته لا إله إلَّا هو، فإذا وقع من المرءِ رُكونٌ إلى السَّبب قدح في توكُّله (فَقَالَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ) بضم العين المهملة وتشديد الكاف وتخفف، ومِحْصَن: بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين ثم نون، وكان من أجملِ الرِّجال وممَّن شهد بدرًا: (أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟) بهمزة الاستفهامِ الاستخباريِّ، وفي رواية «الرِّقاق» وغيرها: «ادعُ اللهَ أن يجعلَني منهُم» [خ¦٦٥٤١] وجمع بينهما بأنَّه سألَ الدُّعاء أولًا فدعا له، ثمَّ استفهمَ هل أُجيب (٤) فقال: أمنهم أنا؟ (قَالَ) : (نَعَمْ) أنت منهم (فَقَامَ آخَرُ) قال الخطيبُ: هو سعدُ بن عُبادة (فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا) يا رسول اللهِ؟ (قَالَ) : (سَبَقَكَ بها عُكَّاشَةُ) قال ذلك له حسمًا للمادَّةِ لأنَّه لو قال: نعم لأوشك أن يقول ثالثٌ ورابعٌ وخامسٌ (٥) وهلمَّ جرًّا، وليس كلُّ النَّاس يصلُح لذلك.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.3 / 29.5
الإضاءة 86%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
أستغفر الله