«كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ قَالَ: اشْفَعُوا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٢٨

الحديث رقم ٦٠٢٨ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كان إذا أتاه السائل أو صاحب الحاجة قال…

«كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ قَالَ: اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ.»

بَابٌ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا

سند حديث: ٦٠٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ…

٦٠٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ : أَنَّهُ

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كان إذا أتاه السائل أو صاحب الحاجة قال…

سُئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خُلق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: لم يكن في طبعه الفحش والقبح بأقواله وأفعاله، ولا يتكلف الفحش ولا يتعمده، ولا صيّاحًا يرفع صوته في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة؛ ولكن يجزي بالحسنة، ويعفو في الباطن، ويصفح ويعرض عنه في الظاهر.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الخلق الرفيع والبعد عن الأخلاق الذميمة.
  • الحث على فعل الأخلاق الحسنة والابتعاد عن الأخلاق السيئة.
  • ذم التكلم بالبذيء من القول والكلام القبيح.
  • ذم رفع الصوت على الناس والصياح عليهم.
  • الحث على مقابلة الإساءة بالحسنة والعفو والمسامحة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «كان إذا أتاه السائل أو صاحب الحاجة قال…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الَّتِي قَبْلَهَا. قُلْتُ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ اشْفَعُوا لِتُؤْجَرُوا وَهُوَ يُقَوِّي أَنَّ اللَّامَ لِلتَّعْلِيلِ، وَجَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ سَبَبِيَّةً وَاللَّامُ بِالْكَسْرِ وَهِيَ لَامُ كَيْ، وَقَالَ: جَازَ اجْتِمَاعُهُمَا لِأَنَّهُمَا لِأَمْرٍ وَاحِدٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ جَزَائِيَّةً جَوَابًا لِلْأَمْرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً عَلَى رَأْيٍ أَوْ عَاطِفَةً عَلَى اشْفَعُوا وَاللَّامُ لَامُ الْأَمْرِ، أَوْ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيِ اشْفَعُوا لِتُؤْجَرُوا فَلْتُؤْجَرْ أَوْ لَفْظُ اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا فِي تَقْدِيرِ إِنْ تَشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَالشَّرْطُ يَتَضَمَّنُ السَّبَبِيَّةَ، فَإِذَا أَتَى بِاللَّامِ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ.

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ وَاللَّامُ زَائِدَتَانِ لِلتَّأْكِيدِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا صَحَّ؛ أَيْ: إِذَا عَرَضَ الْمُحْتَاجُ حَاجَتَهُ عَلَيَّ فَاشْفَعُوا لَهُ إِلَيَّ؛ فَإِنَّكُمْ إِنْ شَفَعْتُمْ حَصَلَ لَكُمُ الْأَجْرُ، سَوَاءٌ قَبِلْتُ شَفَاعَتُكُمْ أَمْ لَا، وَيُجْرِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ؛ أَيْ مِنْ مُوجِبَاتِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَوْ عَدَمِهَا، أَيْ إِنْ قَضَيْتُهَا أَوْ لَمْ أَقْضِهَا فَهُوَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَقَضَائِهِ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَنَدُهُ ضَعِيفٌ، رَفَعَهُ: مَنْ سَعَى لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ فِي حَاجَةٍ قُضِيَتْ لَهُ أَوْ لَمْ تُقْضَ غُفِرَ لَهُ.

قَوْلُهُ: (وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ) كَذَا ثَبَتَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلْيَقْضِ بِاللَّامِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ الَّتِي بَعْدَهَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَطْ وَلِلْبَاقِينَ وَيَقْضِي بِغَيْرِ لَامٍ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ فَلْيَقْضِ أَيْضًا، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّامُ لَامَ الْأَمْرِ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُؤْمَرُ، وَلَا لَامَ كَيْ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الرِّوَايَةِ وَلْيَقْضِ بِغَيْرِ يَاءِ مَدٍّ، ثُمَّ قَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ أَيِ اللَّهُمَّ اقْضِ، أَوِ الْأَمْرُ هُنَا بِمَعْنَى الْخَبَرِ. وَفِي حَدِيثِ الْحَضِّ عَلَى الْخَيْرِ بِالْفِعْلِ وَبِالتَّسَبُّبِ إِلَيْهِ بِكُلِّ وَجْهٍ، وَالشَّفَاعَةُ إِلَى الْكَبِيرِ فِي كَشْفِ كُرْبَةٍ وَمَعُونَةٍ ضَعِيفٌ، إِذْ لَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَقْدِرُ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى الرَّئِيسِ وَلَا التَّمَكُّنِ مِنْهُ لِيَلِجَ عَلَيْهِ أَوْ يُوَضِّحَ لَهُ مُرَادَهُ لِيَعْرِفَ حَالَهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ لَا يَحْتَجِبُ. قَالَ عِيَاضٌ: وَلَا يُسْتَثْنَى مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي تُسْتَحَبُّ الشَّفَاعَةُ فِيهَا إِلَّا الْحُدُودَ، وَإِلَّا فَمَا لِأَحَدٍ فِيهِ تَجُوزُ الشَّفَاعَةُ فِيهِ وَلَا سِيَّمَا مِمَّنْ وَقَعَتْ مِنْهُ الْهَفْوَةُ أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السِّتْرِ وَالْعَفَافِ، قَالَ: وَأَمَّا الْمُصِرُّونَ عَلَى فَسَادِهِمُ الْمُشْتَهِرُونَ فِي بَاطِلِهِمْ، فَلَا يُشَفَّعُ فِيهِمْ لِيُزْجَرُوا عَنْ ذَلِكَ.

٣٧ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا * كِفْلٌ﴾ نَصِيبٌ. قَالَ أَبُو مُوسَى: ﴿كِفْلَيْنِ﴾ أَجْرَيْنِ بِالْحَبَشِيَّةِ.

٦٠٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ - أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ -، قَالَ: اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرَهُ إِلَى قَوْلِهِ: مُقِيتًا، وَقَدْ عَقَّبَ الْمُصَنِّفُ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ قَبْلَهُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْأَجْرِ عَلَى الشَّفَاعَةِ لَيْسَ عَلَى الْعُمُومِ بَلْ مَخْصُوصٌ بِمَا تَجُوزُ فِيهِ الشَّفَاعَةُ وَهِيَ الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ، وَضَابِطُهَا مَا أَذِنَ فِيهِ الشَّرْعُ دُونَ مَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: هِيَ فِي شَفَاعَةِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ (١)) من موجباتِ قضاء الحاجةِ أو عدمها.

والحديث أخرجه النَّسائيُّ.

(٣٧) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾) وهي الَّتي رُوعي بها حقُّ المسلم، ودُفِع بها عنه شرٌّ (٢)، أو جُلِب إليه خيرٌ، وابتغى بها وجه الله، ولم يُؤخذ عليها رشوةٌ، وكانت في أمرٍ جائزٍ لا في حدٍّ من حدودِ الله، ولا في حقٍّ من الحقوقِ (﴿يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾) من ثوابِ الشَّفاعة (﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾) هي خلاف الشَّفاعة الحسنةِ (﴿يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾) نصيبٌ. قال في «اللُّباب»: الظَّاهر أنُّ مِن في قولهِ هنا: ﴿مِّنْهَا﴾، سببيَّة، أي: كِفْل بسببها ونصيبٌ بسببها، ويجوزُ أن تكون ابتدائيَّة (﴿وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥]) مقتدرًا، من أقات (٣) على الشَّيء، اقتدرَ عليه، أو حفيظًا من القوت؛ لأنَّه يمسك النَّفس ويحفظها، وسقط قوله: «﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ.

(﴿كِفْلٌ﴾) أي (نَصِيبٌ) قاله أبو عُبيدة، زاد غيره: إلَّا أنَّ استعماله في الشَّرِّ أكثر عكس النَّصيب، وإن كان قد استعمل الكفل في الخير (قَالَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريُّ، ممَّا وصلهُ ابن أبي حاتمٍ: (كِفْلَيْنِ) من قولهِ تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] أي (أَجْرَيْنِ بـ) اللُّغة (الحَبَشِيَّةِ) الموافقة للعربيَّة، وأراد البخاريُّ أنَّ الكِفْل يطلق على النَّصيب وعلى الأجر. قال ابنُ عادل: ولغلبةِ استعمال الكفلِ في الشَّرِّ، واستعمال النَّصيب في الأجرِ غايرَ بينهما في هذه الآيةِ الكريمةِ؛ إذ أتى بالكِفْل مع السَّيِّئة والنَّصيب مع الحسنة.

٦٠٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بن كُرَيْبٍ الهَمْدانيُّ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

جَالِسا لَيْسَ بموجود فِي رِوَايَة الزَّكَاة، وَقَالَ بَعضهم: هَكَذَا وَقع فِي النّسخ من رِوَايَة مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَفِي تركيبه قلق، وَلَعَلَّه كَانَ فِي الأَصْل: كَانَ إِذا كَانَ جَالِسا إِذْ جَاءَهُ رجل ... إِلَى آخِره فَحذف اختصاراً، أَو سقط على الرَّاوِي لفظ: إِذا كَانَ، وَقد أخرجه أَبُو نعيم من رِوَايَة إِسْحَاق بن زُرَيْق عَن الْفرْيَابِيّ بِلَفْظ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا جَاءَهُ السَّائِل أَو طَالب الْحَاجة أقبل علينا بِوَجْهِهِ ... الحَدِيث، وَهَذَا السِّيَاق لَا إِشْكَال فِيهِ. قلت: لَا قلق فِي التَّرْكِيب أصلا، وَآفَة هَذَا الْكَلَام من ظن هَذَا الْقَائِل أَن: جَالِسا، خبر كَانَ وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا خبر كَانَ هُوَ قَوْله: (أقبل علينا) و: (جَالِسا) نصب على الْحَال من النَّبِي فَافْهَم. قَوْله: (تؤجروا) رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: فلتؤجروا، وَالْفَاء على هَذِه الرِّوَايَة هِيَ الْفَاء السبية الَّتِي ينْتَصب بعْدهَا الْفِعْل الْمُضَارع، وَاللَّام بِالْكَسْرِ بِمَعْنى: كي، وَجَاز اجْتِمَاعهمَا لأَنهم لأمر وَاحِد وَتَكون الْفَاء الجزائية لِكَوْنِهِمَا جَوَابا لِلْأَمْرِ وزائدة على مَذْهَب الْأَخْفَش هِيَ عاطفة على: اشفعوا، وَاللَّام لِلْأَمْرِ أَو على مُقَدّر أَي: إشفعوا لتؤجروا فلتؤجروا. نَحْو: { (٢) إيَّايَ فارهبون} (الْبَقَرَة: ٢٤٠، والنحل: ٥١) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا فَائِدَة اللَّام؟ قلت: اشفعوا تؤجروا، وَالشّرط مُتَضَمّن للسَّبَبِيَّة، فَإِذا ذكرت اللَّام فقد صرحت بالسببية. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: اللَّام وَالْفَاء مقحمان للتَّأْكِيد لِأَنَّهُ لَو قيل: اشفعوا تؤجروا، صَحَّ أَي: إِذا عرض الْمُحْتَاج حَاجَة عَليّ فاشفعوا لَهُ إِلَيّ فَإِنَّكُم إِذا شفعتم حصل لكم الْأجر سَوَاء قبلت شفاعتكم أَو لَا، وَيجْرِي الله على لساني مَا يَشَاء من مُوجبَات قَضَاء الْحَاجة أَو عدمهَا، أَي: إِن قضيتها أَو لم أقضها فَهُوَ بِتَقْدِير الله وقضائه. قَوْله: (وليقض الله) كَذَا ثَبت فِي هَذِه الرِّوَايَة. وليقض بِاللَّامِ وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي أُسَامَة الَّتِي بعْدهَا للكشميهني فَقَط، وللباقين بِغَيْر لَام، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق عَليّ بن مسْهر وَحَفْص بن غياث: فليقض أَيْضا.

٣٧ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِيتاً} (النِّسَاء: ٨٥) كِفْلٌ: نَصِيبٌ. قَالَ أبُو مُوسَى: كِفْلَيْنِ أجْرَيْنِ، بالحَبَشِيَّةِ.)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله تَعَالَى ... إِلَى آخِره، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين الْآيَة بِتَمَامِهَا، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: {من يشفع شَفَاعَة حَسَنَة يكن لَهُ نصيب مِنْهَا} وَقَالَ مُجَاهِد وَغَيره: نزلت هَذِه الْآيَة فِي شَفَاعَة النَّاس بَعضهم لبَعض. قَوْله: {من يشفع شَفَاعَة حَسَنَة} يَعْنِي فِي الدُّنْيَا. {يكن لَهُ نصيب مِنْهَا} فِي الْآخِرَة. وَقيل: الشَّفَاعَة الْحَسَنَة الدُّعَاء للْمُؤْمِنين، والسيئة الدُّعَاء عَلَيْهِم، وَالْأَجْر على الشَّفَاعَة لَيْسَ على الْعُمُوم بل مَخْصُوص بِمَا تجوز فِيهِ الشَّفَاعَة، والشفاعة الْحَسَنَة ضابطها مَا أذن فِيهِ الشَّرْع دون مَا لم يَأْذَن فِيهِ، فالآية تدل عَلَيْهِ قَوْله: كفل، أَي: نصيب، وَكَذَا فسره البُخَارِيّ بقوله: (كفل: نصيب) وَهُوَ تَفْسِير أبي عُبَيْدَة، وَقَالَ الْحسن وَقَتَادَة: الكفل الْوزر وَالْإِثْم، وَقَالَ ابْن فَارس: الكفل الضعْف. قَوْله: {مقيتاً} أَي: شَاهدا ومطلعاً على كل شَيْء، من أقات الشَّيْء إِذا شهد عَلَيْهِ، وَيُقَال: المقيت خَالق الأفوات الْبَدَنِيَّة والروحانية وموصلها إِلَى الأشباح والأرواح. وَقيل: المقيت المقتدر بلغَة قُرَيْش. قَوْله: (قَالَ أَبُو مُوسَى) هُوَ الْأَشْعَرِيّ، واسْمه: عبد الله بن قيس، وَوصل تَعْلِيقه ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق أبي إِسْحَاق عَن أبي الْأَحْوَص عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: { (٧٥) يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته} (الْحَدِيد: ٢٨) قَالَ: ضعفين، بالحبشية. يَعْنِي: لغتهم فِي ذَلِك وَافَقت لُغَة الْعَرَب.

٥٦ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعَلَاء حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن بريد عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنه كَانَ إِذا أَتَاهُ السَّائِل أَو صَاحب الْحَاجة قَالَ اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لِسَان رَسُوله مَا شَاءَ) اعاد الحَدِيث الَّذِي ذكره فِي الْبَاب السَّابِق عَن أبي مُوسَى عقيب الْآيَة الْمَذْكُورَة تَنْبِيها على أَن الشَّفَاعَة على نَوْعَيْنِ فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة كَمَا صرح بذلك وَمضى الْكَلَام فِي رِجَاله وَمَعْنَاهُ قَوْله أوصاحب الْحَاجة فِي رِوَايَة الكشمينى صَاحب حَاجَة بِدُونِ الالف وَاللَّام

٣٨ - (بَاب لَمْ يَكُنِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فاحِشاً وَلَا مَتَفَحِّشاً)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: (لم يكن)

إِلَى آخِره. قَوْله: (فَاحِشا) ، من الْفُحْش وَهُوَ كل مَا خرج من مِقْدَاره حَتَّى يستقبح وَيدخل فِيهِ القَوْل وَالْفِعْل وَالصّفة، يُقَال: فلَان طَوِيل فَاحش الطول إِذا أفرط فِي طوله، وَلَكِن اسْتِعْمَاله فِي القَوْل أَكثر. قَوْله: وَلَا متفحشاً كَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: وَلَا متفاحشاً، والمتفحش بِالتَّشْدِيدِ الَّذِي يتَعَمَّد ذَلِك وَيكثر مِنْهُ ويتكلفه لِأَن هَذَا الْبَاب فِيهِ التَّكَلُّف يَعْنِي: لَيْسَ فِيهِ ذَلِك أصلا لَا ذاتياً وَلَا عرضياً، حَاصله لم يكن متكلماً بالقبيح أصلا، وَقَالَ الدَّاودِيّ: الْفَاحِش الَّذِي يَقُول الْفُحْش والمتفحش الَّذِي يسْتَعْمل الْفُحْش ليضحك النَّاس، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الْفَاحِش بذيء اللِّسَان.

٦٠٣٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلَامٍ أخبرَنا عَبْدُ الوَهَّابِ عَنْ أيُّوبَ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبي مُلَيْكَةَ عَنْ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا، أنَّ يَهُودَ أتَوُا النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ. فقالَتْ عائِشَةُ: عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمُ الله وغَضِبَ الله عَلَيْكُمْ، قَالَ: مَهْلاً يَا عائِشَةُ! عَلَيْكِ بالرِّفْقِ وإيَّاكَ والعُنْفَ والفُحْش. قالَتْ: أوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قالُوا؟ قَالَ: أوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قلتُ؟ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ فَيُسْتَجابُ لِي فِيهِمْ ولَا يُسْتَجابُ لَهُمْ فِيَّ.

هَذَا الحَدِيث ذكره فِي: بَاب الرِّفْق فِي الْأَمر كُله، وَأَعَادَهُ هُنَا وَمن فَائِدَة إِعَادَته أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما لم يكن فَاحِشا وَلَا متفحشاً أَمر بالرفق وَنهى عَن الْفُحْش والعنف، وَهَذَا هُوَ وَجه ذكره هُنَا.

قَوْله: (حَدثنَا عبد الله بن سَلام) ويروى: حَدثنِي، وَعبد الْوَهَّاب ابْن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.

والعنف ضد اللطف وَحكى عِيَاض عَن بعض شُيُوخه: أَن عين العنف مثله وَالْمَشْهُور ضمهَا، وَالْفُحْش التَّكَلُّم بالقبيح. قَوْله: (فيستجاب لي) لِأَنَّهُ بِالْحَقِّ (وَلَا يُسْتَجَاب لَهُم) لِأَنَّهُ بِالْبَاطِلِ وَالظُّلم. قَوْله: (فِي) بِكَسْر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء.

٦٠٣١ - حدَّثنا أصْبَغُ قَالَ: أَخْبرنِي ابنُ وَهْبٍ أخبرنَا أَبُو يَحْياى هُوَ فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمانَ عَنْ هِلالِ بنِ أُسامَةَ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: لَمْ يَكُنِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، سَبَّاباً ولَا فَحَّاشاً وَلَا لَعَّاناً، كانَ يَقُولُ لأحَدِنا عِنْدَ المَعْتَبَةِ: مالَهُ؟ تَرِبَ جَبِينُهُ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٣١ طرفه فِي: ٦٠٤٦) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وإصبغ هُوَ ابْن الْفرج الْمصْرِيّ يروي عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وهلال بن أُسَامَة هُوَ هِلَال

ابْن عَليّ وَيُقَال: هِلَال بن هِلَال، وهلال بن أبي مَيْمُونَة الْمَدِينِيّ. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (سباباً) على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ وَكَذَلِكَ الفحاش وَاللّعان. فَإِن قلت: صِيغَة فعال بِالتَّشْدِيدِ لَا تَسْتَلْزِم نفي صِيغَة فَاعل، وَالنَّبِيّ لم يَتَّصِف بِهَذِهِ الْأَشْيَاء أصلا لَا بِقَلِيل وَلَا بِكَثِير. قلت: هَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: { (١٤) وَمَا رَبك بظلام للعبيد} (فصلت: ٤٦) وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا الْفرق بَين هَذِه الثَّلَاثَة؟ قلت: يحْتَمل أَن تكون اللَّعْنَة مُتَعَلقَة بِالآخِرَة لِأَنَّهَا هِيَ الْبعد عَن رَحْمَة الله تَعَالَى، والسب يتَعَلَّق بِالنّسَبِ كالقذف وَالْفُحْش بالحسب. قَوْله: (عِنْد المعتبة) بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسرهَا وبالباء الْمُوَحدَة وَهُوَ مصدر عتبت عَلَيْهِ أعتبه عتباً قَالَ الْجَوْهَرِي: عتب عَلَيْهِ وجد تعتب وتعتب ومعتباً وَالِاسْم المعتبة والمعتبة وَقَالَ الْخَلِيل: العتاب معاتبة الأول ومذاكرة الموجدة تَقول: عاتبه معاتبة. قَالَ الشَّاعِر:

وَيبقى الود مَا بقى العتاب

قَوْله: (مَاله؟ اسْتِفْهَام وترب جَبينه) إِذا أَصَابَهُ التُّرَاب، وَيُقَال: تربت يداك على الدُّعَاء أَي: لَا أصبت خيرا. وَقَالَ الْخطابِيّ هَذَا الدُّعَاء يحْتَمل وَجْهَيْن: الأول: أَن يخر لوجهه فَيُصِيب التُّرَاب جَبينه. وَالْآخر: أَن يكون دُعَاء لَهُ بِالطَّاعَةِ ليُصَلِّي فيتترب جَبينه، وَقيل: الجبينان هما اللَّذَان يكتنفان الْجَبْهَة فَمَعْنَاه صرع لجنبه فَيكون سُقُوط رَأسه على الأَرْض من نَاحيَة الجبين. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذِه كلمة جرت على لِسَان الْعَرَب وَلَا يُرَاد حَقِيقَتهَا.

٦٠٣٢ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عِيسَى حَدثنَا مُحَمَّد بنُ سَواءٍ حَدثنَا رَوْحُ بنُ القاسِمِ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ: أنَّ رَجُلاً اسْتَأْذَنَ عَلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا رآهُ قَالَ: بِئْسَ أخُو العَشِيرَةِ وبِئْسَ ابنُ العَشِيرَةِ، فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي وَجْهِهِ وانْبَسَطَ إلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قالَتْ لَهُ عائِشَةُ: يَا رسُولَ الله {حِينَ رأيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وجْهِهِ وانْبَسَطْتَ إلَيْهِ؟ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا عائِشَةَ} مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشاً؟ إنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ الله مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقاءَ شَرِّهِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مَتى عهدتني فحاشاً) . وَعَمْرو بن عِيسَى أَبُو عُثْمَان الضبعِي الْبَصْرِيّ. وَمَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَآخر فِي كتاب الصَّلَاة، وَمُحَمّد بن سَوَاء بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وبالمد أَبُو الْخطاب السدُوسِي المكفوف، لَهُ عِنْد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث وَآخر فِي المناقب، وروح بِفَتْح الرَّاء ابْن الْقَاسِم مَشْهُور كثير الحَدِيث، وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر على وزن إسم الْفَاعِل من الانكدار.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن صَدَقَة بن الْفضل وقتيبة. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب أَيْضا عَن عَمْرو بن مُحَمَّد النَّاقِد وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان بِهِ.

قَوْله: (عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة) وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: سَمِعت عُرْوَة أَن عَائِشَة أخْبرته. قَوْله: (أَن رجلا) قَالَ ابْن بطال: هُوَ عُيَيْنَة بن حصن بن حُذَيْفَة بن بدر الْفَزارِيّ، وَكَانَ يُقَال لَهُ: الأحمق المطاع، فَرح صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بإقباله عَلَيْهِ قبل أَن يسلم قومه، وَجَاء حِين أقبل على الشّرك وَترك حَدِيثه مَعَ ابْن أم مَكْتُوم، فَأنْزل الله عز وَجل: وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَاّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} (عبس: ١ ٢) وَأخرج عبد الْغَنِيّ من طَرِيق أبي عَامر الخزاز عَن أبي يزِيد الْمدنِي عَن عَائِشَة قَالَت: جَاءَ مخرمَة بن نَوْفَل يسْتَأْذن، فَلَمَّا سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، صَوته قَالَ: بئس أَخُو الْعَشِيرَة ... الحَدِيث. وَحكى الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ فِي (مُخْتَصره) الفولين، فَقَالَ: هُوَ عُيَيْنَة، وَقيل: مخرمَة. قَوْله: (بئس أَخُو الْعَشِيرَة وَبئسَ ابْن الْعَشِيرَة) وَفِي رِوَايَة معمر: بئس أَخُو الْقَوْم، وَقَالَ عباض: المُرَاد بالعشيرة الْجَمَاعَة والقبيلة أَي: بئس هَذَا الرجل مِنْهَا، وَهُوَ كَقَوْلِك: يَا أَخا الْعَرَب، لرجل مِنْهُم، وَهَذَا الْكَلَام من أَعْلَام النُّبُوَّة لِأَنَّهُ ارْتَدَّ بعده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَجِيء بِهِ أَسِيرًا إِلَى أبي بكر رَضِي الله عَنهُ. قَوْله: (تطلق) على وزن تفعل من العلاقة أَي: انْشَرَحَ وانبسط، وَمِنْه يُقَال: وَجه طلق وطليق أَي: مسترسل منبسط غير عبوس. قَوْله: (مَتى عهدتني فحاشاً) ؟ هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني: فحاشاً، بِصِيغَة الْمُبَالغَة وَفِي رِوَايَة غَيره: فَاحِشا. قَوْله: (اتقاء شَره) أَي: لأجل الاتقاء عَن شَره.

وَفِيه

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الَّتِي قَبْلَهَا. قُلْتُ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ اشْفَعُوا لِتُؤْجَرُوا وَهُوَ يُقَوِّي أَنَّ اللَّامَ لِلتَّعْلِيلِ، وَجَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ سَبَبِيَّةً وَاللَّامُ بِالْكَسْرِ وَهِيَ لَامُ كَيْ، وَقَالَ: جَازَ اجْتِمَاعُهُمَا لِأَنَّهُمَا لِأَمْرٍ وَاحِدٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ جَزَائِيَّةً جَوَابًا لِلْأَمْرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً عَلَى رَأْيٍ أَوْ عَاطِفَةً عَلَى اشْفَعُوا وَاللَّامُ لَامُ الْأَمْرِ، أَوْ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيِ اشْفَعُوا لِتُؤْجَرُوا فَلْتُؤْجَرْ أَوْ لَفْظُ اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا فِي تَقْدِيرِ إِنْ تَشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَالشَّرْطُ يَتَضَمَّنُ السَّبَبِيَّةَ، فَإِذَا أَتَى بِاللَّامِ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ.

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ وَاللَّامُ زَائِدَتَانِ لِلتَّأْكِيدِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا صَحَّ؛ أَيْ: إِذَا عَرَضَ الْمُحْتَاجُ حَاجَتَهُ عَلَيَّ فَاشْفَعُوا لَهُ إِلَيَّ؛ فَإِنَّكُمْ إِنْ شَفَعْتُمْ حَصَلَ لَكُمُ الْأَجْرُ، سَوَاءٌ قَبِلْتُ شَفَاعَتُكُمْ أَمْ لَا، وَيُجْرِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ؛ أَيْ مِنْ مُوجِبَاتِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَوْ عَدَمِهَا، أَيْ إِنْ قَضَيْتُهَا أَوْ لَمْ أَقْضِهَا فَهُوَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَقَضَائِهِ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَنَدُهُ ضَعِيفٌ، رَفَعَهُ: مَنْ سَعَى لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ فِي حَاجَةٍ قُضِيَتْ لَهُ أَوْ لَمْ تُقْضَ غُفِرَ لَهُ.

قَوْلُهُ: (وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ) كَذَا ثَبَتَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلْيَقْضِ بِاللَّامِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ الَّتِي بَعْدَهَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَطْ وَلِلْبَاقِينَ وَيَقْضِي بِغَيْرِ لَامٍ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ فَلْيَقْضِ أَيْضًا، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّامُ لَامَ الْأَمْرِ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُؤْمَرُ، وَلَا لَامَ كَيْ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الرِّوَايَةِ وَلْيَقْضِ بِغَيْرِ يَاءِ مَدٍّ، ثُمَّ قَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ أَيِ اللَّهُمَّ اقْضِ، أَوِ الْأَمْرُ هُنَا بِمَعْنَى الْخَبَرِ. وَفِي حَدِيثِ الْحَضِّ عَلَى الْخَيْرِ بِالْفِعْلِ وَبِالتَّسَبُّبِ إِلَيْهِ بِكُلِّ وَجْهٍ، وَالشَّفَاعَةُ إِلَى الْكَبِيرِ فِي كَشْفِ كُرْبَةٍ وَمَعُونَةٍ ضَعِيفٌ، إِذْ لَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَقْدِرُ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى الرَّئِيسِ وَلَا التَّمَكُّنِ مِنْهُ لِيَلِجَ عَلَيْهِ أَوْ يُوَضِّحَ لَهُ مُرَادَهُ لِيَعْرِفَ حَالَهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ لَا يَحْتَجِبُ. قَالَ عِيَاضٌ: وَلَا يُسْتَثْنَى مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي تُسْتَحَبُّ الشَّفَاعَةُ فِيهَا إِلَّا الْحُدُودَ، وَإِلَّا فَمَا لِأَحَدٍ فِيهِ تَجُوزُ الشَّفَاعَةُ فِيهِ وَلَا سِيَّمَا مِمَّنْ وَقَعَتْ مِنْهُ الْهَفْوَةُ أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السِّتْرِ وَالْعَفَافِ، قَالَ: وَأَمَّا الْمُصِرُّونَ عَلَى فَسَادِهِمُ الْمُشْتَهِرُونَ فِي بَاطِلِهِمْ، فَلَا يُشَفَّعُ فِيهِمْ لِيُزْجَرُوا عَنْ ذَلِكَ.

٣٧ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا * كِفْلٌ﴾ نَصِيبٌ. قَالَ أَبُو مُوسَى: ﴿كِفْلَيْنِ﴾ أَجْرَيْنِ بِالْحَبَشِيَّةِ.

٦٠٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ - أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ -، قَالَ: اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرَهُ إِلَى قَوْلِهِ: مُقِيتًا، وَقَدْ عَقَّبَ الْمُصَنِّفُ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ قَبْلَهُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْأَجْرِ عَلَى الشَّفَاعَةِ لَيْسَ عَلَى الْعُمُومِ بَلْ مَخْصُوصٌ بِمَا تَجُوزُ فِيهِ الشَّفَاعَةُ وَهِيَ الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ، وَضَابِطُهَا مَا أَذِنَ فِيهِ الشَّرْعُ دُونَ مَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: هِيَ فِي شَفَاعَةِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ (١)) من موجباتِ قضاء الحاجةِ أو عدمها.

والحديث أخرجه النَّسائيُّ.

(٣٧) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾) وهي الَّتي رُوعي بها حقُّ المسلم، ودُفِع بها عنه شرٌّ (٢)، أو جُلِب إليه خيرٌ، وابتغى بها وجه الله، ولم يُؤخذ عليها رشوةٌ، وكانت في أمرٍ جائزٍ لا في حدٍّ من حدودِ الله، ولا في حقٍّ من الحقوقِ (﴿يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾) من ثوابِ الشَّفاعة (﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾) هي خلاف الشَّفاعة الحسنةِ (﴿يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾) نصيبٌ. قال في «اللُّباب»: الظَّاهر أنُّ مِن في قولهِ هنا: ﴿مِّنْهَا﴾، سببيَّة، أي: كِفْل بسببها ونصيبٌ بسببها، ويجوزُ أن تكون ابتدائيَّة (﴿وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥]) مقتدرًا، من أقات (٣) على الشَّيء، اقتدرَ عليه، أو حفيظًا من القوت؛ لأنَّه يمسك النَّفس ويحفظها، وسقط قوله: «﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ.

(﴿كِفْلٌ﴾) أي (نَصِيبٌ) قاله أبو عُبيدة، زاد غيره: إلَّا أنَّ استعماله في الشَّرِّ أكثر عكس النَّصيب، وإن كان قد استعمل الكفل في الخير (قَالَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريُّ، ممَّا وصلهُ ابن أبي حاتمٍ: (كِفْلَيْنِ) من قولهِ تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] أي (أَجْرَيْنِ بـ) اللُّغة (الحَبَشِيَّةِ) الموافقة للعربيَّة، وأراد البخاريُّ أنَّ الكِفْل يطلق على النَّصيب وعلى الأجر. قال ابنُ عادل: ولغلبةِ استعمال الكفلِ في الشَّرِّ، واستعمال النَّصيب في الأجرِ غايرَ بينهما في هذه الآيةِ الكريمةِ؛ إذ أتى بالكِفْل مع السَّيِّئة والنَّصيب مع الحسنة.

٦٠٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بن كُرَيْبٍ الهَمْدانيُّ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

جَالِسا لَيْسَ بموجود فِي رِوَايَة الزَّكَاة، وَقَالَ بَعضهم: هَكَذَا وَقع فِي النّسخ من رِوَايَة مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَفِي تركيبه قلق، وَلَعَلَّه كَانَ فِي الأَصْل: كَانَ إِذا كَانَ جَالِسا إِذْ جَاءَهُ رجل ... إِلَى آخِره فَحذف اختصاراً، أَو سقط على الرَّاوِي لفظ: إِذا كَانَ، وَقد أخرجه أَبُو نعيم من رِوَايَة إِسْحَاق بن زُرَيْق عَن الْفرْيَابِيّ بِلَفْظ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا جَاءَهُ السَّائِل أَو طَالب الْحَاجة أقبل علينا بِوَجْهِهِ ... الحَدِيث، وَهَذَا السِّيَاق لَا إِشْكَال فِيهِ. قلت: لَا قلق فِي التَّرْكِيب أصلا، وَآفَة هَذَا الْكَلَام من ظن هَذَا الْقَائِل أَن: جَالِسا، خبر كَانَ وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا خبر كَانَ هُوَ قَوْله: (أقبل علينا) و: (جَالِسا) نصب على الْحَال من النَّبِي فَافْهَم. قَوْله: (تؤجروا) رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: فلتؤجروا، وَالْفَاء على هَذِه الرِّوَايَة هِيَ الْفَاء السبية الَّتِي ينْتَصب بعْدهَا الْفِعْل الْمُضَارع، وَاللَّام بِالْكَسْرِ بِمَعْنى: كي، وَجَاز اجْتِمَاعهمَا لأَنهم لأمر وَاحِد وَتَكون الْفَاء الجزائية لِكَوْنِهِمَا جَوَابا لِلْأَمْرِ وزائدة على مَذْهَب الْأَخْفَش هِيَ عاطفة على: اشفعوا، وَاللَّام لِلْأَمْرِ أَو على مُقَدّر أَي: إشفعوا لتؤجروا فلتؤجروا. نَحْو: { (٢) إيَّايَ فارهبون} (الْبَقَرَة: ٢٤٠، والنحل: ٥١) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا فَائِدَة اللَّام؟ قلت: اشفعوا تؤجروا، وَالشّرط مُتَضَمّن للسَّبَبِيَّة، فَإِذا ذكرت اللَّام فقد صرحت بالسببية. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: اللَّام وَالْفَاء مقحمان للتَّأْكِيد لِأَنَّهُ لَو قيل: اشفعوا تؤجروا، صَحَّ أَي: إِذا عرض الْمُحْتَاج حَاجَة عَليّ فاشفعوا لَهُ إِلَيّ فَإِنَّكُم إِذا شفعتم حصل لكم الْأجر سَوَاء قبلت شفاعتكم أَو لَا، وَيجْرِي الله على لساني مَا يَشَاء من مُوجبَات قَضَاء الْحَاجة أَو عدمهَا، أَي: إِن قضيتها أَو لم أقضها فَهُوَ بِتَقْدِير الله وقضائه. قَوْله: (وليقض الله) كَذَا ثَبت فِي هَذِه الرِّوَايَة. وليقض بِاللَّامِ وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي أُسَامَة الَّتِي بعْدهَا للكشميهني فَقَط، وللباقين بِغَيْر لَام، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق عَليّ بن مسْهر وَحَفْص بن غياث: فليقض أَيْضا.

٣٧ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِيتاً} (النِّسَاء: ٨٥) كِفْلٌ: نَصِيبٌ. قَالَ أبُو مُوسَى: كِفْلَيْنِ أجْرَيْنِ، بالحَبَشِيَّةِ.)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله تَعَالَى ... إِلَى آخِره، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين الْآيَة بِتَمَامِهَا، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: {من يشفع شَفَاعَة حَسَنَة يكن لَهُ نصيب مِنْهَا} وَقَالَ مُجَاهِد وَغَيره: نزلت هَذِه الْآيَة فِي شَفَاعَة النَّاس بَعضهم لبَعض. قَوْله: {من يشفع شَفَاعَة حَسَنَة} يَعْنِي فِي الدُّنْيَا. {يكن لَهُ نصيب مِنْهَا} فِي الْآخِرَة. وَقيل: الشَّفَاعَة الْحَسَنَة الدُّعَاء للْمُؤْمِنين، والسيئة الدُّعَاء عَلَيْهِم، وَالْأَجْر على الشَّفَاعَة لَيْسَ على الْعُمُوم بل مَخْصُوص بِمَا تجوز فِيهِ الشَّفَاعَة، والشفاعة الْحَسَنَة ضابطها مَا أذن فِيهِ الشَّرْع دون مَا لم يَأْذَن فِيهِ، فالآية تدل عَلَيْهِ قَوْله: كفل، أَي: نصيب، وَكَذَا فسره البُخَارِيّ بقوله: (كفل: نصيب) وَهُوَ تَفْسِير أبي عُبَيْدَة، وَقَالَ الْحسن وَقَتَادَة: الكفل الْوزر وَالْإِثْم، وَقَالَ ابْن فَارس: الكفل الضعْف. قَوْله: {مقيتاً} أَي: شَاهدا ومطلعاً على كل شَيْء، من أقات الشَّيْء إِذا شهد عَلَيْهِ، وَيُقَال: المقيت خَالق الأفوات الْبَدَنِيَّة والروحانية وموصلها إِلَى الأشباح والأرواح. وَقيل: المقيت المقتدر بلغَة قُرَيْش. قَوْله: (قَالَ أَبُو مُوسَى) هُوَ الْأَشْعَرِيّ، واسْمه: عبد الله بن قيس، وَوصل تَعْلِيقه ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق أبي إِسْحَاق عَن أبي الْأَحْوَص عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: { (٧٥) يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته} (الْحَدِيد: ٢٨) قَالَ: ضعفين، بالحبشية. يَعْنِي: لغتهم فِي ذَلِك وَافَقت لُغَة الْعَرَب.

٥٦ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعَلَاء حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن بريد عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنه كَانَ إِذا أَتَاهُ السَّائِل أَو صَاحب الْحَاجة قَالَ اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لِسَان رَسُوله مَا شَاءَ) اعاد الحَدِيث الَّذِي ذكره فِي الْبَاب السَّابِق عَن أبي مُوسَى عقيب الْآيَة الْمَذْكُورَة تَنْبِيها على أَن الشَّفَاعَة على نَوْعَيْنِ فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة كَمَا صرح بذلك وَمضى الْكَلَام فِي رِجَاله وَمَعْنَاهُ قَوْله أوصاحب الْحَاجة فِي رِوَايَة الكشمينى صَاحب حَاجَة بِدُونِ الالف وَاللَّام

٣٨ - (بَاب لَمْ يَكُنِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فاحِشاً وَلَا مَتَفَحِّشاً)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: (لم يكن)

إِلَى آخِره. قَوْله: (فَاحِشا) ، من الْفُحْش وَهُوَ كل مَا خرج من مِقْدَاره حَتَّى يستقبح وَيدخل فِيهِ القَوْل وَالْفِعْل وَالصّفة، يُقَال: فلَان طَوِيل فَاحش الطول إِذا أفرط فِي طوله، وَلَكِن اسْتِعْمَاله فِي القَوْل أَكثر. قَوْله: وَلَا متفحشاً كَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: وَلَا متفاحشاً، والمتفحش بِالتَّشْدِيدِ الَّذِي يتَعَمَّد ذَلِك وَيكثر مِنْهُ ويتكلفه لِأَن هَذَا الْبَاب فِيهِ التَّكَلُّف يَعْنِي: لَيْسَ فِيهِ ذَلِك أصلا لَا ذاتياً وَلَا عرضياً، حَاصله لم يكن متكلماً بالقبيح أصلا، وَقَالَ الدَّاودِيّ: الْفَاحِش الَّذِي يَقُول الْفُحْش والمتفحش الَّذِي يسْتَعْمل الْفُحْش ليضحك النَّاس، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الْفَاحِش بذيء اللِّسَان.

٦٠٣٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلَامٍ أخبرَنا عَبْدُ الوَهَّابِ عَنْ أيُّوبَ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبي مُلَيْكَةَ عَنْ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا، أنَّ يَهُودَ أتَوُا النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ. فقالَتْ عائِشَةُ: عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمُ الله وغَضِبَ الله عَلَيْكُمْ، قَالَ: مَهْلاً يَا عائِشَةُ! عَلَيْكِ بالرِّفْقِ وإيَّاكَ والعُنْفَ والفُحْش. قالَتْ: أوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قالُوا؟ قَالَ: أوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قلتُ؟ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ فَيُسْتَجابُ لِي فِيهِمْ ولَا يُسْتَجابُ لَهُمْ فِيَّ.

هَذَا الحَدِيث ذكره فِي: بَاب الرِّفْق فِي الْأَمر كُله، وَأَعَادَهُ هُنَا وَمن فَائِدَة إِعَادَته أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما لم يكن فَاحِشا وَلَا متفحشاً أَمر بالرفق وَنهى عَن الْفُحْش والعنف، وَهَذَا هُوَ وَجه ذكره هُنَا.

قَوْله: (حَدثنَا عبد الله بن سَلام) ويروى: حَدثنِي، وَعبد الْوَهَّاب ابْن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.

والعنف ضد اللطف وَحكى عِيَاض عَن بعض شُيُوخه: أَن عين العنف مثله وَالْمَشْهُور ضمهَا، وَالْفُحْش التَّكَلُّم بالقبيح. قَوْله: (فيستجاب لي) لِأَنَّهُ بِالْحَقِّ (وَلَا يُسْتَجَاب لَهُم) لِأَنَّهُ بِالْبَاطِلِ وَالظُّلم. قَوْله: (فِي) بِكَسْر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء.

٦٠٣١ - حدَّثنا أصْبَغُ قَالَ: أَخْبرنِي ابنُ وَهْبٍ أخبرنَا أَبُو يَحْياى هُوَ فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمانَ عَنْ هِلالِ بنِ أُسامَةَ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: لَمْ يَكُنِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، سَبَّاباً ولَا فَحَّاشاً وَلَا لَعَّاناً، كانَ يَقُولُ لأحَدِنا عِنْدَ المَعْتَبَةِ: مالَهُ؟ تَرِبَ جَبِينُهُ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٣١ طرفه فِي: ٦٠٤٦) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وإصبغ هُوَ ابْن الْفرج الْمصْرِيّ يروي عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وهلال بن أُسَامَة هُوَ هِلَال

ابْن عَليّ وَيُقَال: هِلَال بن هِلَال، وهلال بن أبي مَيْمُونَة الْمَدِينِيّ. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (سباباً) على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ وَكَذَلِكَ الفحاش وَاللّعان. فَإِن قلت: صِيغَة فعال بِالتَّشْدِيدِ لَا تَسْتَلْزِم نفي صِيغَة فَاعل، وَالنَّبِيّ لم يَتَّصِف بِهَذِهِ الْأَشْيَاء أصلا لَا بِقَلِيل وَلَا بِكَثِير. قلت: هَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: { (١٤) وَمَا رَبك بظلام للعبيد} (فصلت: ٤٦) وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا الْفرق بَين هَذِه الثَّلَاثَة؟ قلت: يحْتَمل أَن تكون اللَّعْنَة مُتَعَلقَة بِالآخِرَة لِأَنَّهَا هِيَ الْبعد عَن رَحْمَة الله تَعَالَى، والسب يتَعَلَّق بِالنّسَبِ كالقذف وَالْفُحْش بالحسب. قَوْله: (عِنْد المعتبة) بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسرهَا وبالباء الْمُوَحدَة وَهُوَ مصدر عتبت عَلَيْهِ أعتبه عتباً قَالَ الْجَوْهَرِي: عتب عَلَيْهِ وجد تعتب وتعتب ومعتباً وَالِاسْم المعتبة والمعتبة وَقَالَ الْخَلِيل: العتاب معاتبة الأول ومذاكرة الموجدة تَقول: عاتبه معاتبة. قَالَ الشَّاعِر:

وَيبقى الود مَا بقى العتاب

قَوْله: (مَاله؟ اسْتِفْهَام وترب جَبينه) إِذا أَصَابَهُ التُّرَاب، وَيُقَال: تربت يداك على الدُّعَاء أَي: لَا أصبت خيرا. وَقَالَ الْخطابِيّ هَذَا الدُّعَاء يحْتَمل وَجْهَيْن: الأول: أَن يخر لوجهه فَيُصِيب التُّرَاب جَبينه. وَالْآخر: أَن يكون دُعَاء لَهُ بِالطَّاعَةِ ليُصَلِّي فيتترب جَبينه، وَقيل: الجبينان هما اللَّذَان يكتنفان الْجَبْهَة فَمَعْنَاه صرع لجنبه فَيكون سُقُوط رَأسه على الأَرْض من نَاحيَة الجبين. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذِه كلمة جرت على لِسَان الْعَرَب وَلَا يُرَاد حَقِيقَتهَا.

٦٠٣٢ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عِيسَى حَدثنَا مُحَمَّد بنُ سَواءٍ حَدثنَا رَوْحُ بنُ القاسِمِ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ: أنَّ رَجُلاً اسْتَأْذَنَ عَلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا رآهُ قَالَ: بِئْسَ أخُو العَشِيرَةِ وبِئْسَ ابنُ العَشِيرَةِ، فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي وَجْهِهِ وانْبَسَطَ إلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قالَتْ لَهُ عائِشَةُ: يَا رسُولَ الله {حِينَ رأيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وجْهِهِ وانْبَسَطْتَ إلَيْهِ؟ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا عائِشَةَ} مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشاً؟ إنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ الله مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقاءَ شَرِّهِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مَتى عهدتني فحاشاً) . وَعَمْرو بن عِيسَى أَبُو عُثْمَان الضبعِي الْبَصْرِيّ. وَمَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَآخر فِي كتاب الصَّلَاة، وَمُحَمّد بن سَوَاء بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وبالمد أَبُو الْخطاب السدُوسِي المكفوف، لَهُ عِنْد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث وَآخر فِي المناقب، وروح بِفَتْح الرَّاء ابْن الْقَاسِم مَشْهُور كثير الحَدِيث، وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر على وزن إسم الْفَاعِل من الانكدار.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن صَدَقَة بن الْفضل وقتيبة. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب أَيْضا عَن عَمْرو بن مُحَمَّد النَّاقِد وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان بِهِ.

قَوْله: (عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة) وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: سَمِعت عُرْوَة أَن عَائِشَة أخْبرته. قَوْله: (أَن رجلا) قَالَ ابْن بطال: هُوَ عُيَيْنَة بن حصن بن حُذَيْفَة بن بدر الْفَزارِيّ، وَكَانَ يُقَال لَهُ: الأحمق المطاع، فَرح صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بإقباله عَلَيْهِ قبل أَن يسلم قومه، وَجَاء حِين أقبل على الشّرك وَترك حَدِيثه مَعَ ابْن أم مَكْتُوم، فَأنْزل الله عز وَجل: وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَاّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} (عبس: ١ ٢) وَأخرج عبد الْغَنِيّ من طَرِيق أبي عَامر الخزاز عَن أبي يزِيد الْمدنِي عَن عَائِشَة قَالَت: جَاءَ مخرمَة بن نَوْفَل يسْتَأْذن، فَلَمَّا سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، صَوته قَالَ: بئس أَخُو الْعَشِيرَة ... الحَدِيث. وَحكى الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ فِي (مُخْتَصره) الفولين، فَقَالَ: هُوَ عُيَيْنَة، وَقيل: مخرمَة. قَوْله: (بئس أَخُو الْعَشِيرَة وَبئسَ ابْن الْعَشِيرَة) وَفِي رِوَايَة معمر: بئس أَخُو الْقَوْم، وَقَالَ عباض: المُرَاد بالعشيرة الْجَمَاعَة والقبيلة أَي: بئس هَذَا الرجل مِنْهَا، وَهُوَ كَقَوْلِك: يَا أَخا الْعَرَب، لرجل مِنْهُم، وَهَذَا الْكَلَام من أَعْلَام النُّبُوَّة لِأَنَّهُ ارْتَدَّ بعده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَجِيء بِهِ أَسِيرًا إِلَى أبي بكر رَضِي الله عَنهُ. قَوْله: (تطلق) على وزن تفعل من العلاقة أَي: انْشَرَحَ وانبسط، وَمِنْه يُقَال: وَجه طلق وطليق أَي: مسترسل منبسط غير عبوس. قَوْله: (مَتى عهدتني فحاشاً) ؟ هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني: فحاشاً، بِصِيغَة الْمُبَالغَة وَفِي رِوَايَة غَيره: فَاحِشا. قَوْله: (اتقاء شَره) أَي: لأجل الاتقاء عَن شَره.

وَفِيه

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل