الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦١٨٠
الحديث رقم ٦١٨٠ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا يقل خبثت نفسي.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابٌ: لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ
٦١٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦١٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقبُ عبد الله بن عثمان بن جبلةَ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المباركِ المروزيُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابنِ شهابٍ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) أسعد (بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ) سهل بن حنيفٍ الأنصاريِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي) وعند أبي داود من طريق حمَّاد بن سلمة عن هشام بلفظ: «جَاشَت» بجيم وشين معجمة، بدل: خَبُثَت، ومعناها غَثَّت -بغين معجمة ثمَّ مثلثة- وهو يرجعُ إلى معنى خَبُثت، وهذا النَّهي محمولٌ على الأدبِ لا على الإيجابِ، وكذلك الأمرُ بقول: لَقِسَت، فإن عبَّر بما يؤدِّي معناه كَفَى، ولكن ترك الأولى.
(تَابَعَهُ) أي تابع يونسَ بن يزيد (١) (عُقَيْلٌ) بضم العين وفتح القاف بالسَّند المذكور والمتن، ووصلها الطَّبرانيُّ من طريق نافع بن يزيد، عن عُقَيل -بضم العين وفتح القاف- بالسَّند المذكور والمتن (٢)، وهذه المتابعةُ ساقطةٌ لأبي ذرٍّ.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الأدب» أيضًا، وكذا أبو داود، وأخرجه النَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».
(١٠١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ) رواه مسلم بهذا اللَّفظ، وزاد: «فإنَّ الله هو الدَّهر».
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَحكي فِيهِ الْقصر وَهُوَ جمع دباءة. قَوْله: (والحنتم) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَهِي جرار خضر، وَقَالَ ابْن حبيب: هِيَ الْجَرّ، وَهُوَ كل مَا كَانَ من فخار أَبيض وأخضر، وَأنْكرهُ بعض الْعلمَاء، وَقَالَ: الحنتم مَا طلي وَهُوَ الْمَعْمُول من الزّجاج وَغَيره ويعجل الشدَّة فِي الشَّرَاب بِخِلَاف مَا لم يطلّ، (والنقير) أصل النَّخْلَة يجوف وينبذ فِيهِ وَهُوَ على وزن فعيل بِمَعْنى مفعول يَعْنِي المنقور، (والمزفت) الَّذِي يطلى بالزفت.
٩٩ - (بابُ مَا يُدْعَى النَّاس بِآبائِهِمْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يدعى النَّاس بآبائهم أَي: بأسماء آبَائِهِم يَوْم الْقِيَامَة، وَكلمَة: مَا يجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة أَي: بَاب دُعَاء النَّاس، والمصدر مُضَاف إِلَى مَفْعُوله وَالْفَاعِل مَحْذُوف أَي: دُعَاء الدَّاعِي النَّاس بأسماء آبَائِهِم، وَوَقع لِابْنِ بطال: بَاب هَل يدعى النَّاس بآبائهم؟ .
٦١٧٧ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ نافِعٍ عَن ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: الغادِرُ يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، يُقالُ: هاذِهِ غَدْرَةُ فُلانِ بنِ فُلَانٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فلَان بن فلَان) كِنَايَة عَن إسم يُسمى بِهِ الْمُحدث عَنهُ خَاص غَالب، وَفِي غير النَّاس يُقَال: الفلان والفلانة بِالْألف وَاللَّام.
وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله بن عبد الله الْعمريّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن زُهَيْر بن حَرْب.
قَوْله: (الغادر) ويروى أَن الغادر هُوَ الناقض للْعهد الْغَيْر الوافي بِهِ. قَوْله: (يرفع لَهُ) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: ينصب لَهُ، وَالنّصب وَالرَّفْع هَاهُنَا بِمَعْنى وَاحِد. قَوْله: (لِوَاء) وَهُوَ الْعلم، كَانَ الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا غدر يرفع لَهُ لِوَاء أَيَّام الْمَوْسِم ليعرفه النَّاس فيجتنبوه. قَوْله (هَذِه غدرة فلَان) يَعْنِي باسمه الْمَخْصُوص وباسم أَبِيه، كَذَلِك قَالَ ابْن بطال: الدُّعَاء لآباء أَشد فِي التَّعْرِيف وأبلغ فِي التَّمْيِيز. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء رَفعه، إِنَّكُم تدعون يَوْم الْقِيَامَة بأسمائكم وَأَسْمَاء آبائكم فَأحْسنُوا أسماءكم، وَرَوَاهُ ابْن حبَان وَصَححهُ، فَلم ترك البُخَارِيّ هَذَا وَهُوَ أصرح بِالْمَقْصُودِ؟ قلت: لِأَن فِي سَنَده انْقِطَاعًا بَين عبد الله ابْن أبي زَكَرِيَّاء رَاوِيه عَن أبي الدَّرْدَاء فَإِنَّهُ لم يُدْرِكهُ وَتَركه لِأَنَّهُ لَيْسَ على شَرطه، وَفِي حَدِيث الْبَاب رد لقَوْل من يزْعم أَنه لَا يدعى النَّاس يَوْم الْقِيَامَة إلَاّ بأمهاتهم، لِأَن فِي ذَلِك سترا على آبَائِهِم، وَفِيه جَوَاز الحكم بظواهر الْأُمُور.
٦١٧٨ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَة عَنْ مالِكٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ دِينارٍ عَنِ ابْن عُمَرَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إنَّ الغادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يعلأْمَ القِيَامَةِ فَيُقالُ: هاذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بنِ فُلَانٍ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور وَهُوَ ظَاهر.
١٠٠ - (بابٌ لَا يَقُلْ: خَبُثَتْ نَفْسِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الْأَدَب أَن لَا يَقُول أحد: خبثت نَفسِي، لأجل كَرَاهَة لفظ، الْخبث حرَام على الْمُؤمنِينَ، وخبث بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَيُقَال بِفَتْحِهَا وَالضَّم صَوَاب. قَالَ الرَّاغِب: الْخَبيث يُطلق على الْبَاطِل فِي الِاعْتِقَاد وَالْكذب فِي الْمقَالة والقبح فِي الفعال، وَقَالَ ابْن بطال: لَيْسَ النَّهْي على سَبِيل الْإِيجَاب، وَإِنَّمَا هُوَ من بَاب الْأَدَب، وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الَّذِي يعْقد الشَّيْطَان على رَأسه ثَلَاث عقد: أصبح خَبِيث النَّفس كسلان.
٦١٧٩ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدّثنا سُفْيانُ عَنْ هِشامٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسي! ولاكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة يروي عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة جَمِيعًا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور.
قَوْله: (لقست) بِكَسْر الْقَاف وبالسين الْمُهْملَة هُوَ أَيْضا بِمَعْنى: حبثت، لَكِن كره لفظ الْخبث كَمَا ذكرنَا، وَقَالَ الْخطابِيّ: لقست وخبثت
وَاحِد فِي الْمَعْنى وَلكنه استقبح لفظ خبثت فَاخْتَارَ لفظا بَرِيئًا من البشاعة سليما مِنْهَا، وَكَانَ من سنَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَبْدِيل الإسم الْقَبِيح بالْحسنِ.
٦١٨٠ - حدَّثنا عَبْدَانُ أخبرنَا عَبْدُ الله عَنْ يُونسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبي أُمامَةَ بنِ سَهْلٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: خَبْثَتْ نَفْسِي، ولاكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة الْمروزِي، وَعبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، وَأَبُو أُمَامَة بن سهل بن حنيف الْأنْصَارِيّ، وإسم أبي أُمَامَة أسعد، أدْرك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيُقَال: إِنَّه سَمَّاهُ وكناه باسم جده وكنيته.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب أَيْضا عَن أبي الطَّاهِر وحرملة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن صَالح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن وهب بن بَيَان وَغَيره. قَوْله: (مثله) أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور.
قَوْله: (قَالَ) إِلَى آخِره. تَفْسِير لقَوْله: مثله.
تابَعَهُ عُقَيْلٌ
أَي: تَابع يُونُس بن يزِيد عقيل بن خَالِد فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور والمتن. وَأخرج هَذِه الْمُتَابَعَة من طَرِيق نَافِع ابْن يزِيد عَن عقيل. قَوْله: تَابعه عقيل لَيست فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَإِنَّمَا هِيَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ والباقين، وَالله أعلم.
١٠١ - (بابٌ لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ)
أَي: بَاب فِيهِ الْمَنْع عَن سبّ الدَّهْر وَذكره فِي التَّرْجَمَة بقوله: لَا تسبوا الدَّهْر، فَإِنَّهُ فِي لفظ مُسلم هَكَذَا حَيْثُ قَالَ: حَدثنِي زُهَيْر بن حَرْب حَدثنِي جرير عَن هِشَام عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا تسبوا الدَّهْر، قإن الله الدَّهْر، وروى مُسلم هَذَا الحَدِيث بطرق مُخْتَلفَة ومتون متباينة.
٢٠٢ - (حَدثنَا يحيى بن بكير حَدثنَا اللَّيْث عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب أَخْبرنِي أَبُو سَلمَة قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ الله يسب بَنو آدم الدَّهْر وَأَنا الدَّهْر بيَدي اللَّيْل وَالنَّهَار) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله يسب بَنو آدم الدَّهْر لِأَن مَعْنَاهُ فِي الْحَقِيقَة يرجع إِلَى لفظ لَا تسبوا الدَّهْر وَيُؤَيّد هَذَا رِوَايَة مُسلم المصرحة بذلك كَمَا ذَكرْنَاهُ والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن وهب بن بَيَان قَوْله يسب بَنو آدم الدَّهْر إِلَى آخِره قَالَ الْخطابِيّ كَانَت الْجَاهِلِيَّة تضيف المصائب والنوائب إِلَى الدَّهْر الَّذِي هُوَ من اللَّيْل وَالنَّهَار وهم فِي ذَلِك فرقتان فرقة لَا تؤمن بِاللَّه وَلَا تعرف إِلَّا الدَّهْر اللَّيْل وَالنَّهَار اللَّذَان هما مَحل للحوادث وظرف لمساقط الأقدار فتنسب المكاره إِلَيْهِ على أَنَّهَا من فعله وَلَا ترى أَن لَهَا مُدبرا غَيره وَهَذِه الْفرْقَة هِيَ الدهرية الَّذين حكى الله عَنْهُم فِي قَوْله وَمَا يُهْلِكنَا إِلَّا الدَّهْر وَفرْقَة تعرف الْخَالِق وتنزهه من أَن تنْسب إِلَيْهِ المكاره فتضيفها إِلَى الدَّهْر وَالزَّمَان وعَلى هذَيْن الْوَجْهَيْنِ كَانُوا يسبون الدَّهْر ويذمونه فَيَقُول الْقَائِل مِنْهُم يَا خيبة الدَّهْر وَيَا بؤس الدَّهْر فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَهُم مُبْطلًا ذَلِك لَا يسبن أحد مِنْكُم الدَّهْر فَإِن الله هُوَ الدَّهْر يُرِيد وَالله أعلم لَا تسبوا الدَّهْر على أَنه الْفَاعِل لهَذَا الصَّنِيع بكم فَالله هُوَ الْفَاعِل لَهُ فَإِذا سببتم الَّذِي أنزل بكم المكاره رَجَعَ السب إِلَى الله تَعَالَى وَانْصَرف إِلَيْهِ وَمعنى قَوْله أَنا الدَّهْر أَنا مَالك الدَّهْر ومصرفه فَحذف اختصارا للفظ واتساعا فِي الْمَعْنى وَقَالَ غَيره معنى قَوْله أَنا الدَّهْر أَي الْمُدبر أَو صَاحب الدَّهْر أَو مقلبه أَو مصرفه وَلِهَذَا عقبه بقوله بيَدي اللَّيْل وَالنَّهَار وَقَالَ الْكرْمَانِي لم عدل عَن الظَّاهِر ثمَّ قَالَ الدَّلَائِل الْعَقْلِيَّة مُوجبَة للعدول ويروى بِنصب الدَّهْر على معنى أَنا بَاقٍ أَو ثَابت فِي الدَّهْر وروى أَحْمد عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ لَا تسبوا الدَّهْر فَإِن الله قَالَ أَنا الدَّهْر الْأَيَّام والليالي أوجدها وأبليها وَآتِي بملوك بعد مُلُوك
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦١٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقبُ عبد الله بن عثمان بن جبلةَ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المباركِ المروزيُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابنِ شهابٍ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) أسعد (بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ) سهل بن حنيفٍ الأنصاريِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي) وعند أبي داود من طريق حمَّاد بن سلمة عن هشام بلفظ: «جَاشَت» بجيم وشين معجمة، بدل: خَبُثَت، ومعناها غَثَّت -بغين معجمة ثمَّ مثلثة- وهو يرجعُ إلى معنى خَبُثت، وهذا النَّهي محمولٌ على الأدبِ لا على الإيجابِ، وكذلك الأمرُ بقول: لَقِسَت، فإن عبَّر بما يؤدِّي معناه كَفَى، ولكن ترك الأولى.
(تَابَعَهُ) أي تابع يونسَ بن يزيد (١) (عُقَيْلٌ) بضم العين وفتح القاف بالسَّند المذكور والمتن، ووصلها الطَّبرانيُّ من طريق نافع بن يزيد، عن عُقَيل -بضم العين وفتح القاف- بالسَّند المذكور والمتن (٢)، وهذه المتابعةُ ساقطةٌ لأبي ذرٍّ.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الأدب» أيضًا، وكذا أبو داود، وأخرجه النَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».
(١٠١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ) رواه مسلم بهذا اللَّفظ، وزاد: «فإنَّ الله هو الدَّهر».
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَحكي فِيهِ الْقصر وَهُوَ جمع دباءة. قَوْله: (والحنتم) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَهِي جرار خضر، وَقَالَ ابْن حبيب: هِيَ الْجَرّ، وَهُوَ كل مَا كَانَ من فخار أَبيض وأخضر، وَأنْكرهُ بعض الْعلمَاء، وَقَالَ: الحنتم مَا طلي وَهُوَ الْمَعْمُول من الزّجاج وَغَيره ويعجل الشدَّة فِي الشَّرَاب بِخِلَاف مَا لم يطلّ، (والنقير) أصل النَّخْلَة يجوف وينبذ فِيهِ وَهُوَ على وزن فعيل بِمَعْنى مفعول يَعْنِي المنقور، (والمزفت) الَّذِي يطلى بالزفت.
٩٩ - (بابُ مَا يُدْعَى النَّاس بِآبائِهِمْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يدعى النَّاس بآبائهم أَي: بأسماء آبَائِهِم يَوْم الْقِيَامَة، وَكلمَة: مَا يجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة أَي: بَاب دُعَاء النَّاس، والمصدر مُضَاف إِلَى مَفْعُوله وَالْفَاعِل مَحْذُوف أَي: دُعَاء الدَّاعِي النَّاس بأسماء آبَائِهِم، وَوَقع لِابْنِ بطال: بَاب هَل يدعى النَّاس بآبائهم؟ .
٦١٧٧ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ نافِعٍ عَن ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: الغادِرُ يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، يُقالُ: هاذِهِ غَدْرَةُ فُلانِ بنِ فُلَانٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فلَان بن فلَان) كِنَايَة عَن إسم يُسمى بِهِ الْمُحدث عَنهُ خَاص غَالب، وَفِي غير النَّاس يُقَال: الفلان والفلانة بِالْألف وَاللَّام.
وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله بن عبد الله الْعمريّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن زُهَيْر بن حَرْب.
قَوْله: (الغادر) ويروى أَن الغادر هُوَ الناقض للْعهد الْغَيْر الوافي بِهِ. قَوْله: (يرفع لَهُ) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: ينصب لَهُ، وَالنّصب وَالرَّفْع هَاهُنَا بِمَعْنى وَاحِد. قَوْله: (لِوَاء) وَهُوَ الْعلم، كَانَ الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا غدر يرفع لَهُ لِوَاء أَيَّام الْمَوْسِم ليعرفه النَّاس فيجتنبوه. قَوْله (هَذِه غدرة فلَان) يَعْنِي باسمه الْمَخْصُوص وباسم أَبِيه، كَذَلِك قَالَ ابْن بطال: الدُّعَاء لآباء أَشد فِي التَّعْرِيف وأبلغ فِي التَّمْيِيز. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء رَفعه، إِنَّكُم تدعون يَوْم الْقِيَامَة بأسمائكم وَأَسْمَاء آبائكم فَأحْسنُوا أسماءكم، وَرَوَاهُ ابْن حبَان وَصَححهُ، فَلم ترك البُخَارِيّ هَذَا وَهُوَ أصرح بِالْمَقْصُودِ؟ قلت: لِأَن فِي سَنَده انْقِطَاعًا بَين عبد الله ابْن أبي زَكَرِيَّاء رَاوِيه عَن أبي الدَّرْدَاء فَإِنَّهُ لم يُدْرِكهُ وَتَركه لِأَنَّهُ لَيْسَ على شَرطه، وَفِي حَدِيث الْبَاب رد لقَوْل من يزْعم أَنه لَا يدعى النَّاس يَوْم الْقِيَامَة إلَاّ بأمهاتهم، لِأَن فِي ذَلِك سترا على آبَائِهِم، وَفِيه جَوَاز الحكم بظواهر الْأُمُور.
٦١٧٨ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَة عَنْ مالِكٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ دِينارٍ عَنِ ابْن عُمَرَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إنَّ الغادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يعلأْمَ القِيَامَةِ فَيُقالُ: هاذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بنِ فُلَانٍ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور وَهُوَ ظَاهر.
١٠٠ - (بابٌ لَا يَقُلْ: خَبُثَتْ نَفْسِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الْأَدَب أَن لَا يَقُول أحد: خبثت نَفسِي، لأجل كَرَاهَة لفظ، الْخبث حرَام على الْمُؤمنِينَ، وخبث بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَيُقَال بِفَتْحِهَا وَالضَّم صَوَاب. قَالَ الرَّاغِب: الْخَبيث يُطلق على الْبَاطِل فِي الِاعْتِقَاد وَالْكذب فِي الْمقَالة والقبح فِي الفعال، وَقَالَ ابْن بطال: لَيْسَ النَّهْي على سَبِيل الْإِيجَاب، وَإِنَّمَا هُوَ من بَاب الْأَدَب، وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الَّذِي يعْقد الشَّيْطَان على رَأسه ثَلَاث عقد: أصبح خَبِيث النَّفس كسلان.
٦١٧٩ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدّثنا سُفْيانُ عَنْ هِشامٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسي! ولاكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة يروي عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة جَمِيعًا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور.
قَوْله: (لقست) بِكَسْر الْقَاف وبالسين الْمُهْملَة هُوَ أَيْضا بِمَعْنى: حبثت، لَكِن كره لفظ الْخبث كَمَا ذكرنَا، وَقَالَ الْخطابِيّ: لقست وخبثت
وَاحِد فِي الْمَعْنى وَلكنه استقبح لفظ خبثت فَاخْتَارَ لفظا بَرِيئًا من البشاعة سليما مِنْهَا، وَكَانَ من سنَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَبْدِيل الإسم الْقَبِيح بالْحسنِ.
٦١٨٠ - حدَّثنا عَبْدَانُ أخبرنَا عَبْدُ الله عَنْ يُونسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبي أُمامَةَ بنِ سَهْلٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: خَبْثَتْ نَفْسِي، ولاكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة الْمروزِي، وَعبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، وَأَبُو أُمَامَة بن سهل بن حنيف الْأنْصَارِيّ، وإسم أبي أُمَامَة أسعد، أدْرك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيُقَال: إِنَّه سَمَّاهُ وكناه باسم جده وكنيته.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب أَيْضا عَن أبي الطَّاهِر وحرملة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن صَالح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن وهب بن بَيَان وَغَيره. قَوْله: (مثله) أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور.
قَوْله: (قَالَ) إِلَى آخِره. تَفْسِير لقَوْله: مثله.
تابَعَهُ عُقَيْلٌ
أَي: تَابع يُونُس بن يزِيد عقيل بن خَالِد فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور والمتن. وَأخرج هَذِه الْمُتَابَعَة من طَرِيق نَافِع ابْن يزِيد عَن عقيل. قَوْله: تَابعه عقيل لَيست فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَإِنَّمَا هِيَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ والباقين، وَالله أعلم.
١٠١ - (بابٌ لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ)
أَي: بَاب فِيهِ الْمَنْع عَن سبّ الدَّهْر وَذكره فِي التَّرْجَمَة بقوله: لَا تسبوا الدَّهْر، فَإِنَّهُ فِي لفظ مُسلم هَكَذَا حَيْثُ قَالَ: حَدثنِي زُهَيْر بن حَرْب حَدثنِي جرير عَن هِشَام عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا تسبوا الدَّهْر، قإن الله الدَّهْر، وروى مُسلم هَذَا الحَدِيث بطرق مُخْتَلفَة ومتون متباينة.
٢٠٢ - (حَدثنَا يحيى بن بكير حَدثنَا اللَّيْث عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب أَخْبرنِي أَبُو سَلمَة قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ الله يسب بَنو آدم الدَّهْر وَأَنا الدَّهْر بيَدي اللَّيْل وَالنَّهَار) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله يسب بَنو آدم الدَّهْر لِأَن مَعْنَاهُ فِي الْحَقِيقَة يرجع إِلَى لفظ لَا تسبوا الدَّهْر وَيُؤَيّد هَذَا رِوَايَة مُسلم المصرحة بذلك كَمَا ذَكرْنَاهُ والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن وهب بن بَيَان قَوْله يسب بَنو آدم الدَّهْر إِلَى آخِره قَالَ الْخطابِيّ كَانَت الْجَاهِلِيَّة تضيف المصائب والنوائب إِلَى الدَّهْر الَّذِي هُوَ من اللَّيْل وَالنَّهَار وهم فِي ذَلِك فرقتان فرقة لَا تؤمن بِاللَّه وَلَا تعرف إِلَّا الدَّهْر اللَّيْل وَالنَّهَار اللَّذَان هما مَحل للحوادث وظرف لمساقط الأقدار فتنسب المكاره إِلَيْهِ على أَنَّهَا من فعله وَلَا ترى أَن لَهَا مُدبرا غَيره وَهَذِه الْفرْقَة هِيَ الدهرية الَّذين حكى الله عَنْهُم فِي قَوْله وَمَا يُهْلِكنَا إِلَّا الدَّهْر وَفرْقَة تعرف الْخَالِق وتنزهه من أَن تنْسب إِلَيْهِ المكاره فتضيفها إِلَى الدَّهْر وَالزَّمَان وعَلى هذَيْن الْوَجْهَيْنِ كَانُوا يسبون الدَّهْر ويذمونه فَيَقُول الْقَائِل مِنْهُم يَا خيبة الدَّهْر وَيَا بؤس الدَّهْر فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَهُم مُبْطلًا ذَلِك لَا يسبن أحد مِنْكُم الدَّهْر فَإِن الله هُوَ الدَّهْر يُرِيد وَالله أعلم لَا تسبوا الدَّهْر على أَنه الْفَاعِل لهَذَا الصَّنِيع بكم فَالله هُوَ الْفَاعِل لَهُ فَإِذا سببتم الَّذِي أنزل بكم المكاره رَجَعَ السب إِلَى الله تَعَالَى وَانْصَرف إِلَيْهِ وَمعنى قَوْله أَنا الدَّهْر أَنا مَالك الدَّهْر ومصرفه فَحذف اختصارا للفظ واتساعا فِي الْمَعْنى وَقَالَ غَيره معنى قَوْله أَنا الدَّهْر أَي الْمُدبر أَو صَاحب الدَّهْر أَو مقلبه أَو مصرفه وَلِهَذَا عقبه بقوله بيَدي اللَّيْل وَالنَّهَار وَقَالَ الْكرْمَانِي لم عدل عَن الظَّاهِر ثمَّ قَالَ الدَّلَائِل الْعَقْلِيَّة مُوجبَة للعدول ويروى بِنصب الدَّهْر على معنى أَنا بَاقٍ أَو ثَابت فِي الدَّهْر وروى أَحْمد عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ لَا تسبوا الدَّهْر فَإِن الله قَالَ أَنا الدَّهْر الْأَيَّام والليالي أوجدها وأبليها وَآتِي بملوك بعد مُلُوك