«قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَبِي طَلْحَةَ: الْتَمِسْ لَنَا غُلَامًا مِنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٣٦٣

الحديث رقم ٦٣٦٣ من كتاب «كتاب الدعوات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التعوذ من غلبة الرجال.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «قال رسول الله ﷺ لأبي طلحة: التمس لنا غلاما…

«قَالَ رَسُولُ اللهِ لِأَبِي طَلْحَةَ: الْتَمِسْ لَنَا غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي، فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ كُلَّمَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ، فَلَمْ أَزَلْ أَخْدُمُهُ حَتَّى أَقْبَلْنَا مِنْ خَيْبَرَ، وَأَقْبَلَ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَدْ حَازَهَا، فَكُنْتُ أَرَاهُ يُحَوِّي وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ أَوْ كِسَاءٍ، ثُمَّ يُرْدِفُهَا وَرَاءَهُ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا فَأَكَلُوا، وَكَانَ ذَلِكَ بِنَاءَهُ بِهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى بَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ: هَذَا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ.»

سند حديث: ٦٣٦٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ…

٦٣٦٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبٍ : أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «قال رسول الله ﷺ لأبي طلحة: التمس لنا غلاما…

هذا الحديث يعد من جوامع الكلم، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم يأتي بالمعاني الجامعة في كلمات يسيرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ فيه من جملة آفات وشرور تعوق حركة سير العبد إلى الله، فتعوذ النبي -صلى الله صلى الله عليه وسلم- من:
"العجز والكسل": وهما قرينان من معوقات الحركة؛ وعدم الفعل إما ان يكون بسبب ضعف الهمة وقلة الإراده فهو: الكسل، فالكسلان من أضعف الناس همة، وأقلهم رغبة، وقد يكون عدم الفعل لعدم قدرة العبد فهو: العجز.
و"الجبن والبخل": وهما من موانع الواجب والإحسان، فالجبن يضعف قلب الإنسان فلا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر لضعف قلبه وتعلقه بالناس دون رب الناس.
والبخل يدعو صاحبه للإمساك في موضع الإنفاق، فلا يعطى حق الخالق من زكوات، ولا حق المخلوق من النفقات، فهو مبغوض عند الناس وعند الله.
"والهرم": هو بلوغ الشخص أرذل العمر، فالإنسان إذا بلغ أرذل العمر فقد كثيرا من حواسه، وخارت قواه، فلا يستطيع عبادة الله تعالى ، ولا يجلب لأهله نفعا.
ثم استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من عذاب القبر، وعذاب القبر حق، ولذا شرع لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ بالله من عذابه في كل صلاة.
ثم التعوذ من فتنة المحيا والممات ليشمل الدارين، ففتنة المحيا مصائبها وابتلاءاتها، "وفتنة الممات" بأن يخشى على نفسه سوء الخاتمة وشؤم العاقبة، وفتنة الملكين في القبر وغيرهما.
وفي رواية :" وضلع الدين وغلبة الرجال" فكلاهما من القهر، فضلع الدين شدته وثقله ولا معين له فيه، فهو قهر للرجل ولكن بحق، و"غلبة الرجال" أي: تسلطهم، وهو القهر بالباطل.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • هذا الحديث من جوامع الكلم، لأن أنواع الرذائل ثلاثة: نفسية، وبدنية، وخارجية، والحديث مشتمل على الاستعاذة منها جميعا.
  • العجز والكسل قرينان: فإن تخلف مصلحة العبد وكماله ولذته وسروره إما أن يكون مصدره: أ‌-عدم القدرة، فهو عجز.ب‌-أو يكون قادرا عليه لكن تخلف لعدم إرادته، فهو الكسل، وصاحبه يلام عليه ما لا يلام على العجز.
  • الإحسان المتوقع من العبد: إما بماله، وإما ببدنه، فمانع الأول: بخيل، ومانع الثاني: جبان، ولذلك استعاذ النبي -صلى الله عليه وسلم- من الجبن والبخل.
  • إثبات عذاب القبر، ومشروعية التعوذ من فتنته.
  • القهر الذي ينال العبد نوعان: أ‌-قهر بحق: وهو ضلع الدين .ب‌-قهر بباطل: وهو غلبة الرجال.
  • اللجوء إلى الله -تعالى- طلبا للنجاة من هذه الشرور، والتحذير من الوقوع فيها.
  • في هذا الحديث يُعلِّم النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته كيفية الاستعاذة بالله -تعالى- القادر القدير المقتدر، والاستعاذة بالله -تعالى- تحقق عدة فوائد من أهمها: أ-أنها عبادة محبوبة لله -تعالى-. ب-يستشعر العبد في الاستعاذة الافتقار إلى الله -تعالى- القادر في كل أمر وإن دق.ج-أنها تحقق للعبد الأمن من كل ما يخشاه.د-أنها تحقق له الأمن النفسي من خلال الشعور بالطمأنينة، وهذا الحديث يؤكد هذا المعنى.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «قال رسول الله ﷺ لأبي طلحة: التمس لنا غلاما…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَتَّى أَحْفَوْهُ الْمَسْأَلَةَ، فَغَضِبَ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي الْيَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَإِذَا رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى الرِّجَالَ يُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبِي؟ قَالَ: حُذَافَةُ، ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ، إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، حَتَّى رَأَيْتُهُمَا وَرَاءَ الْحَائِطِ.

وَكَانَ قَتَادَةُ يَذْكُرُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِيثِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الْفِتَنِ) سَتَأْتِي هَذِهِ التَّرْجَمَةُ وَحَدِيثُهَا فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ شَرْحِهِ يَتَعَلَّقُ بِسَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَقَوْلُهُ: أَحْفَوْهُ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَفَاءٍ مَفْتُوحَةٍ، أَيْ: أَلَحُّوا عَلَيْهِ، يُقَالُ: أَحْفَيْتُهُ إِذَا حَمَلْتُهُ عَلَى أَنْ يَبْحَثَ عَنِ الْخَبَرِ، وَقَوْلُهُ: لَافٌّ بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ، وَقَوْلُهُ: إِذَا لَاحَى بِمُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ، أَيْ: خَاصَمَ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ غَضَبَ رَسُولِ اللَّهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ حُكْمِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا الْحَقَّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَفِيهِ فَهْمُ عُمَرَ وَفَضْلُ عِلْمِهِ.

٣٦ - بَاب التَّعَوُّذِ مِنْ غَلَبَةِ الرِّجَالِ

٦٣٦٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو - مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ - أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِأَبِي طَلْحَةَ: الْتَمِسْ لَنَا غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي، فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ كُلَّمَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ، فَلَمْ أَزَلْ أَخْدُمُهُ حَتَّى أَقْبَلْنَا مِنْ خَيْبَرَ، وَأَقْبَلَ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَدْ حَازَهَا، فَكُنْتُ أَرَاهُ يُحَوِّي وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ أَوْ كِسَاءٍ، ثُمَّ يُرْدِفُهَا وَرَاءَهُ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا فَأَكَلُوا، وَكَانَ ذَلِكَ بِنَاءَهُ بِهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ أُحُدٌ، قَالَ: هَذَا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَمَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ غَلَبَةِ الرِّجَالِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ خَيْبَرَ، وَذَكَرَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي وَغَيْرِهَا، وَسَيَأْتِي مِنْهُ التَّعَوُّذُ مُفْرَدًا بَعْدَ أَبْوَابٍ.

قَوْلُهُ: (فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى الدَّوَامِ وَلَا الْإِكْثَارِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِقولِهِ: يُكْثِرُ فَائِدَةٌ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٣٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ، وسقط «ابن سعيدٍ» لأبي ذرٍّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) المدنيُّ، ابن أبي كثيرٍ الأنصاريُّ الزُّرقيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين فيهما، واسم الثاني ميسرة (مَوْلَى المُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبٍ) بفتح المهملتين بينهما نون ساكنة آخره باء موحدة، المخزوميِّ القرشيِّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (١) ( لأَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ، زوج أمِّ سُليمٍ أمّ أنسٍ: (التَمِسْ لَنَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لي» (غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي) بالرفع، أي: هو يخدمُني (فَخَرَجَ بِي (٢) أَبُو طَلْحَةَ) حال كونه (يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ) على الدَّابَّة (فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ) لمَّا خرج إلى غزوةِ خيبر (كُلَّمَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَ) من (الحَزَنِ) بفتح المهملة والزاي وفرَّق بينهما؛ لأنَّ الهمَّ إنَّما يكون في الأمر المتوقَّع، والحزن فيما قد وقع (وَ) من (العَجْزِ) بسكون الجيم، وأصله: التَّأخُّر عن الشَّيء، مأخوذٌ من العَجُزِ، وهو مؤخَّر الشَّيء، وللزومِ الضَّعف عن الإتيانِ بالشَّيء استُعمل في مقابلة القدرةِ واشتهر فيها (وَالكَسَلِ) وهو التَّثاقل عن الشَّيء مع وجودِ القدرة عليه، والدَّاعية إليه (وَالبُخْلِ) وهو ضدُّ الكرم (وَالجُبْنِ) ضدُّ الشَّجاعة (وَضَلَعِ الدَّيْنِ) بفتح المعجمة واللام، و «الدَّين» بفتح الدال المهملة، ثقله، حتَّى يميلَ صاحبُه عن الاستواءِ لثقلهِ وذلك حيث لا يجد منه وفاء، ولاسيَّما مع المطالبة (وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) تسلُّطِهم (٣)

واستيلائهم هرجًا ومرجًا، وذلك كغلبةِ العوامِّ (١)، قاله الكِرمانيُّ، وعن بعضهم: قهر الرِّجال هو (٢) جور السُّلطان (فَلَمْ أَزَلْ أَخْدُمُهُ) (حَتَّى أَقْبَلْنَا (٣) مِنْ خَيْبَرَ، وَأَقْبَلَ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَدْ حَازَهَا) بالحاء المهملة والزاي بينهما ألف، أخذها لنفسهِ من الغنيمةِ (فَكُنْتُ أَرَاهُ) بفتح الهمزة، أنظرُ إليه (يُحَوِّي) بضم التحتية وفتح الحاء المهملة وكسر الواو المشددة بعدها تحتية ساكنة، أي: يجمِّع ويدوِّر (وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ) هي ضربٌ من الأكسية (-أَوْ: كِسَاءٍ-) بالمدِّ، بالشَّكِّ من الرَّاوي، نحو سنام الرَّاحلة (ثُمَّ يُرْدِفُهَا) أي: صفيَّة (وَرَاءَهُ) وإنَّما كان يُحَوِّي لها خشية أن تسقطَ (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ) بالصاد المهملة والموحدة المفتوحتين بينهما هاء ساكنة ممدودًا، اسم موضعٍ، و (٤) حلَّت صفيَّة بطُهرها من الحيضِ (صَنَعَ حَيْسًا) بحاء وسين مهملتين بينهما تحتية ساكنة، طعامًا من تمرٍ وأقطٍ وسمنٍ (فِي نِطَعٍ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا فَأَكَلُوا، وَكَانَ ذَلِكَ بِنَاءَهُ بِهَا) زفافه بصفيَّة (ثُمَّ أَقْبَلَ) إلى المدينة (حَتَّى بَدَا) ظهر، ولأبي ذرٍّ: «حتَّى إذا بدا» (لَهُ أُحُدٌ) بضم الهمزة والمهملة (قَالَ) (هَذَا جُبَيْلٌ) بالتَّصغير، ولأبي ذرٍّ: «جبلٌ» (يُحِبُّنَا) حقيقةً أو مجازًا أو أهله، والمراد بهم: أهلُ المدينة (وَنُحِبُّهُ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى المَدِينَةِ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا، مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ (٥) إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ) في حُرمة الصَّيد لا في الجزاءِ ونحوه، و «مِثْلَ»: نُصِب بنزعِ الخافض (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ) لأهل المدينةِ (فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ).

وسبق الحديثُ في «باب مَن غزا بصبيٍّ» من (٦) «كتاب الجهاد» [خ¦٢٨٩٣].

(٣٧) (باب التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَتَّى أَحْفَوْهُ الْمَسْأَلَةَ، فَغَضِبَ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي الْيَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَإِذَا رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى الرِّجَالَ يُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبِي؟ قَالَ: حُذَافَةُ، ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ، إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، حَتَّى رَأَيْتُهُمَا وَرَاءَ الْحَائِطِ.

وَكَانَ قَتَادَةُ يَذْكُرُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِيثِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الْفِتَنِ) سَتَأْتِي هَذِهِ التَّرْجَمَةُ وَحَدِيثُهَا فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ شَرْحِهِ يَتَعَلَّقُ بِسَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَقَوْلُهُ: أَحْفَوْهُ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَفَاءٍ مَفْتُوحَةٍ، أَيْ: أَلَحُّوا عَلَيْهِ، يُقَالُ: أَحْفَيْتُهُ إِذَا حَمَلْتُهُ عَلَى أَنْ يَبْحَثَ عَنِ الْخَبَرِ، وَقَوْلُهُ: لَافٌّ بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ، وَقَوْلُهُ: إِذَا لَاحَى بِمُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ، أَيْ: خَاصَمَ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ غَضَبَ رَسُولِ اللَّهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ حُكْمِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا الْحَقَّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَفِيهِ فَهْمُ عُمَرَ وَفَضْلُ عِلْمِهِ.

٣٦ - بَاب التَّعَوُّذِ مِنْ غَلَبَةِ الرِّجَالِ

٦٣٦٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو - مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ - أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِأَبِي طَلْحَةَ: الْتَمِسْ لَنَا غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي، فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ كُلَّمَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ، فَلَمْ أَزَلْ أَخْدُمُهُ حَتَّى أَقْبَلْنَا مِنْ خَيْبَرَ، وَأَقْبَلَ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَدْ حَازَهَا، فَكُنْتُ أَرَاهُ يُحَوِّي وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ أَوْ كِسَاءٍ، ثُمَّ يُرْدِفُهَا وَرَاءَهُ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا فَأَكَلُوا، وَكَانَ ذَلِكَ بِنَاءَهُ بِهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ أُحُدٌ، قَالَ: هَذَا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَمَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ غَلَبَةِ الرِّجَالِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ خَيْبَرَ، وَذَكَرَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي وَغَيْرِهَا، وَسَيَأْتِي مِنْهُ التَّعَوُّذُ مُفْرَدًا بَعْدَ أَبْوَابٍ.

قَوْلُهُ: (فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى الدَّوَامِ وَلَا الْإِكْثَارِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِقولِهِ: يُكْثِرُ فَائِدَةٌ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٣٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ، وسقط «ابن سعيدٍ» لأبي ذرٍّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) المدنيُّ، ابن أبي كثيرٍ الأنصاريُّ الزُّرقيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين فيهما، واسم الثاني ميسرة (مَوْلَى المُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبٍ) بفتح المهملتين بينهما نون ساكنة آخره باء موحدة، المخزوميِّ القرشيِّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (١) ( لأَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ، زوج أمِّ سُليمٍ أمّ أنسٍ: (التَمِسْ لَنَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لي» (غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي) بالرفع، أي: هو يخدمُني (فَخَرَجَ بِي (٢) أَبُو طَلْحَةَ) حال كونه (يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ) على الدَّابَّة (فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ) لمَّا خرج إلى غزوةِ خيبر (كُلَّمَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَ) من (الحَزَنِ) بفتح المهملة والزاي وفرَّق بينهما؛ لأنَّ الهمَّ إنَّما يكون في الأمر المتوقَّع، والحزن فيما قد وقع (وَ) من (العَجْزِ) بسكون الجيم، وأصله: التَّأخُّر عن الشَّيء، مأخوذٌ من العَجُزِ، وهو مؤخَّر الشَّيء، وللزومِ الضَّعف عن الإتيانِ بالشَّيء استُعمل في مقابلة القدرةِ واشتهر فيها (وَالكَسَلِ) وهو التَّثاقل عن الشَّيء مع وجودِ القدرة عليه، والدَّاعية إليه (وَالبُخْلِ) وهو ضدُّ الكرم (وَالجُبْنِ) ضدُّ الشَّجاعة (وَضَلَعِ الدَّيْنِ) بفتح المعجمة واللام، و «الدَّين» بفتح الدال المهملة، ثقله، حتَّى يميلَ صاحبُه عن الاستواءِ لثقلهِ وذلك حيث لا يجد منه وفاء، ولاسيَّما مع المطالبة (وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) تسلُّطِهم (٣)

واستيلائهم هرجًا ومرجًا، وذلك كغلبةِ العوامِّ (١)، قاله الكِرمانيُّ، وعن بعضهم: قهر الرِّجال هو (٢) جور السُّلطان (فَلَمْ أَزَلْ أَخْدُمُهُ) (حَتَّى أَقْبَلْنَا (٣) مِنْ خَيْبَرَ، وَأَقْبَلَ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَدْ حَازَهَا) بالحاء المهملة والزاي بينهما ألف، أخذها لنفسهِ من الغنيمةِ (فَكُنْتُ أَرَاهُ) بفتح الهمزة، أنظرُ إليه (يُحَوِّي) بضم التحتية وفتح الحاء المهملة وكسر الواو المشددة بعدها تحتية ساكنة، أي: يجمِّع ويدوِّر (وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ) هي ضربٌ من الأكسية (-أَوْ: كِسَاءٍ-) بالمدِّ، بالشَّكِّ من الرَّاوي، نحو سنام الرَّاحلة (ثُمَّ يُرْدِفُهَا) أي: صفيَّة (وَرَاءَهُ) وإنَّما كان يُحَوِّي لها خشية أن تسقطَ (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ) بالصاد المهملة والموحدة المفتوحتين بينهما هاء ساكنة ممدودًا، اسم موضعٍ، و (٤) حلَّت صفيَّة بطُهرها من الحيضِ (صَنَعَ حَيْسًا) بحاء وسين مهملتين بينهما تحتية ساكنة، طعامًا من تمرٍ وأقطٍ وسمنٍ (فِي نِطَعٍ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا فَأَكَلُوا، وَكَانَ ذَلِكَ بِنَاءَهُ بِهَا) زفافه بصفيَّة (ثُمَّ أَقْبَلَ) إلى المدينة (حَتَّى بَدَا) ظهر، ولأبي ذرٍّ: «حتَّى إذا بدا» (لَهُ أُحُدٌ) بضم الهمزة والمهملة (قَالَ) (هَذَا جُبَيْلٌ) بالتَّصغير، ولأبي ذرٍّ: «جبلٌ» (يُحِبُّنَا) حقيقةً أو مجازًا أو أهله، والمراد بهم: أهلُ المدينة (وَنُحِبُّهُ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى المَدِينَةِ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا، مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ (٥) إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ) في حُرمة الصَّيد لا في الجزاءِ ونحوه، و «مِثْلَ»: نُصِب بنزعِ الخافض (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ) لأهل المدينةِ (فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ).

وسبق الحديثُ في «باب مَن غزا بصبيٍّ» من (٦) «كتاب الجهاد» [خ¦٢٨٩٣].

(٣٧) (باب التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ).

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا إله إلا الله