«الْعَجْمَاءُ عَقْلُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَار�…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٩١٣

الحديث رقم ٦٩١٣ من كتاب «كتاب الديات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب العجماء جبار.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «العجماء عقلها جبار، والبئر جبار، والمعدن…

«الْعَجْمَاءُ عَقْلُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ.»

بَابُ إِثْمِ مَنْ قَتَلَ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ جُرْمٍ

سند حديث: ٦٩١٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا…

٦٩١٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «العجماء عقلها جبار، والبئر جبار، والمعدن…

يخبر أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم ضمان التلف أو النقص الحاصل بفعل البهيمة أو بنزول البئر أو المعدن، حيث بين -عليه الصلاة والسلام- أن ما حصل من تلف أو نقص بفعل البهيمة فلا ضمان فيه على أحد، وكذلك ما حصل من تلف أو نقص بالبئر ينزل فيه الرجل فيهلك، أو المَعْدِنُ ينزل فيه فيهلك؛ لأن البهيمة والبئر والمعدن لا يمكن إحالة الضمان عليها، ولا على مالكها إذا لم يحصل منه اعتداء أو تفريط، ثم ذكر أن من وجد كنزًا قليلًا أو كثيرًا فعليه إخراج خمسه؛ لأنه حصله بلا كُلْفَةٍ ولا تعب، والباقي له.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جناية البهيمة هَدَرٌ ؛ لأنها ليست أهلا للتضمين، إلا أن يكون حصل من مالكها اعتداء أو تفريط.
  • لا ضمان على صاحب البئر أو المَعْدِن فيما تلف فيه، إلا إذا حصل منه تعدٍّ كأن يحفرها في الطريق أو تفريط.
  • أنه يجب إخراج الخُمْس مما وجد من الكنوز، قليلا كان الموجود، أو كثيرًا.
  • أن الرِّكَازِ ملك لواجده ولا يلزمه تعريفه.
  • وجوب إخراج خمس الركاز فورًا.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «العجماء عقلها جبار، والبئر جبار، والمعدن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَا قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: اتِّفَاقُ الْحُفَّاظِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ذِكْرِ الْبِئْرِ دُونَ النَّارِ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ أَنَّ عَلَامَةَ الْمُنْكَرِ فِي حَدِيثِ الْمُحَدِّثِ أَنْ يَعْمِدَ إِلَى مَشْهُورٍ بِكَثْرَةِ الْحَدِيثِ وَالْأَصْحَابِ فَيَأْتِي عَنْهُ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ وَهَذَا مِنْ ذَاكَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِلَفْظِ: وَالْجُبُّ جُبَارٌ بِجِيمٍ مَضْمُومَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ ثَقِيلَةٍ وَهِيَ الْبِئْرُ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى تَغْلِيطِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ حَيْثُ رَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ الرِّجْلُ جُبَارٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّ الزُّهْرِيَّ مُكْثِرٌ مِنَ الْحَدِيثِ وَالْأَصْحَابِ فَتَفَرَّدَ سُفْيَانُ عَنْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ فَعُدَّ مُنْكَرًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ هَذَا.

وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:، سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْأَعْرَجُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ فَلَمْ يَذْكُرُوهَا، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ: نَعَمِ؛ الْحُكْمُ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ صَحِيحٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُتَلَقَّى مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مِنَ الْإِلْحَاقِ بِالْعَجْمَاءِ وَيَلْتَحِقُ بِهِ كُلُّ جَمَادٍ، فَلَوْ أَنَّ شَخْصًا عَثَرَ فَوَقَعَ رَأْسُهُ فِي جِدَارٍ فَمَاتَ أَوِ انْكَسَرَ لَمْ يَجِبْ عَلَى صَاحِبِ الْجِدَارِ شَيْءٌ.

قَوْلُهُ: (وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَالْمَعْدِنُ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَالْحُكْمُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبِئْرِ لَكِنَّ الْبِئْرَ مُؤَنَّثَةٌ وَالْمَعْدِنُ مُذَكَّرٌ فَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِالتَّأْنِيثِ لِلْمُؤَاخَاةِ أَوْ لِمُلَاحَظَةِ أَرْضِ الْمَعْدِنِ، فَلَوْ حَفَرَ مَعْدِنًا فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مَوَاتٍ فَوَقَعَ فِيهِ شَخْصٌ فَمَاتَ فَدَمُهُ هَدَرٌ، وَكَذَا لَوِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا يَعْمَلُ لَهُ فَانْهَارَ عَلَيْهِ فَمَاتَ، وَيَلْتَحِقُ بِالْبِئْرِ وَالْمَعْدِنِ فِي ذَلِكَ كُلُّ أَجِيرٍ عَلَى عَمَلٍ كَمَنِ اسْتُؤْجِرَ عَلَى صُعُودِ نَخْلَةٍ فَسَقَطَ مِنْهَا فَمَاتَ.

قَوْلُهُ: (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ

٢٩ - بَاب الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: كَانُوا لَا يُضَمِّنُونَ مِنْ النَّفْحَةِ، وَيُضَمِّنُونَ مِنْ رَدِّ الْعِنَانِ. وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا تُضْمَنُ النَّفْحَةُ إِلَّا أَنْ يَنْخُسَ إِنْسَانٌ الدَّابَّةَ. وَقَالَ شُرَيْحٌ: لَا تُضْمَنُ مَا عَاقَبَتْ أَنْ يَضْرِبَهَا فَتَضْرِبَ بِرِجْلِهَا. وَقَالَ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ: إِذَا سَاقَ الْمُكَارِي حِمَارًا عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَتَخِرُّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِذَا سَاقَ دَابَّةً فَأَتْعَبَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ، وَإِنْ كَانَ خَلْفَهَا مُتَرَسِّلًا لَمْ يَضْمَنْ.

٦٩١٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: الْعَجْمَاءُ عَقْلُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ) أَفْرَدَهَا بِتَرْجَمَةٍ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّفَارِيعِ الزَّائِدَةِ عَنِ الْبِئْرِ وَالْمَعْدِنِ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ كَانُوا لَا يُضَمِّنُونَ) بِالتَّشْدِيدِ (مِنَ النَّفْحَةِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْفَاءِ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ، أَيِ: الضَّرْبَةِ بِالرِّجْلِ، يُقَالُ: نَفَحَتِ الدَّابَّةُ إِذَا ضَرَبَتْ بِرِجْلِهَا، وَنَفَحَ بِالْمَالِ رَمَى بِهِ، وَنَفَحَ عَنْ فُلَانٍ، وَنَافَحَ: دَفَعَ وَدَافَعَ.

قَوْلُهُ: (وَيُضَمِّنُونَ مِنْ رَدِّ الْعِنَانِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ نُونٍ خَفِيفَةٍ هُوَ مَا يُوضَعُ فِي فَمِ الدَّابَّةِ لِيَصْرِفَهَا الرَّاكِبُ كَمَا يَخْتَارُ وَالْمَعْنَى أَنَّ الدَّابَّةَ إِذَا كَانَتْ مَرْكُوبَةً فَلَفَتَ الرَّاكِبُ عِنَانَهَا فَأَصَابَتْ بِرِجْلِهَا شَيْئًا ضَمِنَهُ الرَّاكِبُ، وَإِذَا ضَرَبَتْ بِرِجْلِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ تَسَبُّبٌ لَمْ يَضْمَنْ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ، وَأَسْنَدَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ نَحْوَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَمَّادٌ لَا تُضْمَنُ النَّفْحَةُ إِلَّا أَنْ يَنْخُسَ) بِنُونٍ وَمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ أَيْ يَطْعُنَ.

قَوْلُهُ: (إِنْسَانٌ الدَّابَّةَ) هُوَ

أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا أَوْ أَجْنَبِيًّا، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَ بَعْضَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ: سَأَلْتُ الْحَكَمَ عَنْ رَجُلٍ وَاقِفٍ عَلَى دَابَّتِهِ فَضَرَبَتْ بِرِجْلِهَا، فَقَالَ: يَضْمَنُ، وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا يَضْمَنُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ شُرَيْحٌ) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ الْقَاضِي الْمَشْهُورُ.

قَوْلُهُ: (لَا يَضْمَنُ مَا عَاقَبَتْ) أَيِ الدَّابَّةُ (أَنْ يَضْرِبَهَا فَتَضْرِبَ بِرِجْلِهَا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: يَضْمَنُ السَّائِقَ وَالرَّاكِبَ وَلَا يَضْمَنُ الدَّابَّةَ إِذَا عَاقَبَتْ، قُلْتُ: وَمَا عَاقَبَتْ قَالَ: إِذَا ضَرَبَهَا رَجُلٌ فَأَصَابَتْهُ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَزَادَ: أَوْ رَأْسُهَا إِلَّا أَنْ يَضْرِبَهَا رَجُلٌ فَتُعَاقِبَهُ فَلَا ضَمَانَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَكَمُ) أَيِ ابْنُ عُتَيْبَةَ بِمُثَنَّاةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرٌ هُوَ الْكُوفِيُّ أَحَدُ فُقَهَائِهِمْ (وَحَمَّادٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ أَحَدُ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (إِذَا سَاقَ الْمُكَارِي) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِفَتْحِهَا أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (حِمَارًا عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَتَخِرُّ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةٌ أَيْ تَسْقُطُ.

قَوْلُهُ: (لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ لَا ضَمَانَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ إِذَا سَاقَ دَابَّةً فَأَتْعَبَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ وَإِنْ كَانَ خَلْفَهَا مُتَرَسِّلًا لَمْ يَضْمَنْ) وَصَلَهَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَامِرٍ وَهُوَ الشَّعْبِيُّ قَالَ: إِذَا سَاقَ الرَّجُلُ الدَّابَّةَ وَأَتْعَبَهَا فَأَصَابَتْ إِنْسَانًا فَهُوَ ضَامِنٌ، فَإِنْ كَانَ خَلْفَهَا مُتَرَسِّلًا أَيْ يَمْشِي عَلَى هِينَتِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ فِيمَا أَصَابَتْ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ فِيمَا أَصَابَتِ الدَّابَّةُ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا فَقَالُوا: لَا يَضْمَنُ مَا أَصَابَتْ بِرِجْلِهَا وَذَنَبِهَا وَلَوْ كَانَتْ بِسَبَبٍ، وَيَضْمَنُ مَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا وَفَمِهَا، فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى الرَّدِّ بِمَا نَقَلَهُ عَنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ.

وَقَدِ احْتَجَّ لَهُمُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنَ الرِّجْلِ وَالذَّنَبِ بِخِلَافِ الْيَدِ وَالْفَمِ وَاحْتَجَّ بِرِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ: الرِّجْلُ جُبَارٌ وَقَدْ غَلَّطَهُ الْحُفَّاظُ، وَلَوْ صَحَّ فَالْيَدُ أَيْضًا جُبَارٌ بِالْقِيَاسِ عَلَى الرِّجْلِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِمَنْ هِيَ مَعَهُ مُبَاشَرَةٌ وَلَا تَسَبُّبٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ حَدِيثُ الرِّجْلُ جُبَارٌ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ؛ لِأَنَّهَا فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْعَجْمَاءِ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِتَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْمَفْهُومِ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ زِيَادَةٌ وَالرِّجْلُ جُبَارٌ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ، وَقَالَ: تَفَرَّدَ آدَمُ، عَنْ شُعْبَةَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ وَهِيَ وَهْمٌ.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ خِلَافٌ، فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: لَا يَضْمَنُ الرَّاكِبُ وَالْقَائِدُ فِي الرِّجْلِ وَالذَّنَبِ إِلَّا إِنْ أَوْقَفَهَا فِي الطَّرِيقِ، وَأَمَّا السَّائِقُ فَقِيلَ: ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا لِأَنَّ النَّفْحَةَ بِمَرْأَى عَيْنِهِ فَيُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا، وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ لَا يَضْمَنُ النَّفْحَةَ وَإِنْ كَانَ يَرَاهَا؛ إِذْ لَيْسَ عَلَى رِجْلِهَا مَا يَمْنَعُهَا بِهِ فَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْفَمِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُهَا بِاللِّجَامِ، وَكَذَا قَالَ الْحَنَابِلَةُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زِيَادَةَ هُوَ الْجُمَحِيُّ، وَالسَّنَدُ بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادَةَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (الْعَجْمَاءُ عَقْلُهَا جُبَارٌ) فِي رِوَايَةِ حَامِدٍ الْبَلْخِيِّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، عَنْ شُعْبَةَ: جَرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَكَذَا فِي حَدِيثِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عِنْدَهُ، وَقَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: وَلَيْسَ ذِكْرُ الْجَرْحِ قَيْدًا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ إِتْلَافُهَا بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ سَوَاءٌ كَانَ بِجَرْحٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَقْلِ الدِّيَةُ أَيْ لَا دِيَةَ فِيمَا تُتْلِفُهُ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ مَنْ قَالَ: لَا ضَمَانَ فِيمَا أَتْلَفَتِ الْبَهِيمَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً أَوْ مَعَهَا أَحَدٌ سَوَاءٌ كَانَ رَاكِبَهَا أَوْ سَائِقَهَا أَوْ قَائِدَهَا، وَهُوَ قَوْلُ الظَّاهِرِيَّةِ، وَاسْتَثْنَوْا مَا إِذَا كَانَ الْفِعْلُ مَنْسُوبًا إِلَيْهِ بِأَنْ حَمَلَهَا عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ إِذَا كَانَ رَاكِبًا كَأَنْ يَلْوِيَ عِنَانَهَا فَتُتْلِفَ

شَيْئًا بِرِجْلِهَا مَثَلًا أَوْ يَطْعَنَهَا أَوْ يَزْجُرَهَا حِينَ يَسُوقَهَا أَوْ يَقُودَهَا حَتَّى تُتْلِفَ مَا مَرَّتْ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَا لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا كَانَ مَعَ الْبَهِيمَةِ إِنْسَانٌ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْهُ مِنْ نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ مَالٍ سَوَاءٌ كَانَ سَائِقًا أَوْ رَاكِبًا أَوْ قَائِدًا، سَوَاءٌ كَانَ مَالِكًا أَوْ أَجِيرًا أَوْ مُسْتَأْجِرًا أَوْ مُسْتَعِيرًا أَوْ غَاصِبًا، وَسَوَاءٌ أَتْلَفَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا أَوْ ذَنَبِهَا أَوْ رَأْسِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْإِتْلَافَ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَغَيْرِهِ، وَمَنْ هُوَ مَعَ الْبَهِيمَةِ حَاكِمٌ عَلَيْهَا فَهِيَ كَالْآلَةِ بِيَدِهِ فَفِعْلُهَا مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ سَوَاءٌ حَمَلَهَا عَلَيْهِ أَمْ لَا، سَوَاءٌ عَلِمَ بِهِ أَمْ لَا وَعَنْ مَالِكٍ كَذَلِكَ إِلَّا إِنْ رَمَحَتْ بِغَيْرِ أَنْ يَفْعَلَ بِهَا أَحَدٌ شَيْئًا تَرْمَحُ بِسَبَبِهِ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْجُمْهُورِ.

وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالْبَزَّارِ بِلَفْظِ: السَّائِمَةُ جُبَارٌ وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَجْمَاءِ الْبَهِيمَةُ الَّتِي تَرْعَى لَا كُلُّ بَهِيمَةٍ، لَكِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّائِمَةِ هُنَا الَّتِي لَيْسَ مَعَهَا أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ عَلَى السَّائِمَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الَّتِي لَا تُعْلَفُ كَمَا فِي الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا هُنَا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي إِتْلَافِ الْبَهِيمَةِ لِلزُّرُوعِ وَغَيْرِهَا فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ.

وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّمَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ نَهَارًا، وَأَمَّا بِاللَّيْلِ فَإِنَّ عَلَيْهِ حِفْظَهَا، فَإِذَا أَتْلَفَتْ بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْ، وَدَلِيلُ هَذَا التَّخْصِيصِ مَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْسَرَةَ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ:: كَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ ضَارِيَةٌ فَدَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْ فِيهِ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ أَنَّ حِفْظَ الْحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ حِفْظَ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ وَلَمْ يُسَمِّ حَرَامًا، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَزَادَ فِيهِ رَجُلًا قَالَ: عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ عَنْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ أَنَّ نَاقَةً.

وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَنْهُ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَزَادَ مَعَ حَرَامٍ، سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَا: إِنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ عَلَى أَلْوَانٍ وَالْمُسْنَدُ مِنْهَا طَرِيقُ حَرَامٍ، عَنِ الْبَرَاءِ. وَحَرَامٌ بِمُهْمَلَتَيْنِ اخْتُلِفَ هَلْ هُوَ ابْنُ مُحَيِّصَةَ نَفْسُهُ أَوِ ابْنُ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَجْهُولٌ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا الزُّهْرِيُّ وَلَمْ يُوَثِّقْهُ.

قُلْتُ: وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ حِبَّانَ لَكِنْ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْبَرَاءِ، انْتَهَى.

وَعَلَى هَذَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِيهِ عَنِ الْبَرَاءِ أَيْ عَنْ قِصَّةِ نَاقَةِ الْبَرَاءِ فَتَجْتَمِعُ الرِّوَايَاتُ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِلزَّهْرِيِّ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاخٍ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَهُوَ مَشْهُورٌ حَدَّثَ بِهِ الثِّقَاتُ وَتَلَقَّاهُ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ بِالْقَبُولِ، وَأَمَّا إِشَارَةُ الطَّحَاوِيِّ إِلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ الْبَابِ فَقَدْ تَعَقَّبُوهُ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ مَعَ الْجَهْلِ بِالتَّارِيخِ.

وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: أَخَذْنَا بِحَدِيثِ الْبَرَاءِ لِثُبُوتِهِ وَمَعْرِفَةِ رِجَالِهِ وَلَا يُخَالِفُهُ حَدِيثُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْعَامِّ الْمُرَادِ بِهِ الْخَاصُّ، فَلَمَّا قَالَ: الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ وَقَضَى فِيمَا أَفْسَدَتِ الْعَجْمَاءُ بِشَيْءٍ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا أَصَابَتِ الْعَجْمَاءُ مِنْ جَرْحٍ وَغَيْرِهِ فِي حَالٍ جُبَارٌ وَفِي حَالٍ غَيْرُ جُبَارٍ، ثُمَّ نَقَضَ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى الْأَخْذِ بِعُمُومِهِ فِي تَضْمِينِ الرَّاكِبِ مُتَمَسِّكِينَ بِحَدِيثِ الرِّجْلُ جُبَارٌ مَعَ ضَعْفِ رَاوِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَعَقَّبَ بَعْضُهُمْ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ قَوْلَهُمْ إِنَّهُ لَوْ جَرَتْ عَادَةُ قَوْمٍ إِرْسَالَ الْمَوَاشِي لَيْلًا وَحَبْسِهَا نَهَارًا انْعَكَسَ الْحُكْمُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَجَابُوا بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ، وَنَظِيرُهُ الْقَسْمُ الْوَاجِبُ لِلْمَرْأَةِ لَوْ كَانَ يَكْتَسِبُ لَيْلًا وَيَأْوِي إِلَى أَهْلِهِ نَهَارًا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

القاضي المشهور، ممَّا وصله ابنُ أبي شيبة أيضًا: (لَا تُضْمَنُ) بضم الفوقية أو التحتية مبنيًّا للمفعول (مَا عَاقَبَتْ (١)) أي: الدَّابَّة. وقال في «الكواكب»: بلفظ الغيبة لا يضمنُ ما كان على سبيلِ المكافأةِ منها (أَنْ يَضْرِبَهَا) أي: بأنْ يَضربها فهو مجرورٌ بمقدَّر، أو وهو أنْ يَضربها فمرفوعٌ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، وإسناد الضمان إلى الدَّابَّة من بابِ المجاز، أو المراد: ضاربُها، وهذا كالتَّفسير للمُعَاقبة (فَتَضْرِبَ بِرِجْلِهَا) بنصب «فتضربَ» عطفًا على المنصوب السَّابق، ولفظ ابن أبي شيبة: لا يَضْمَن السَّائقُ والرَّاكبُ، ولا يَضْمن الدَّابَّةَ إذا عاقبَتْ. قلت: وما عاقبَتْ؟ قال: إذا ضَرَبها رجلٌ فأصابَتْهُ.

(وَقَالَ الحَكَمُ) بن عُتَيبة -بضم العين وفتح الفوقية- أحدُ فقهاءِ الكوفة (وَحَمَّادٌ) هو: ابنُ أبي سليمان أحدُ فقهاءِ الكوفة أيضًا: (إِذَا سَاقَ المُكَارِي) بكسر الراء في الفرع كأصله (حِمَارًا عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَتَخِرُّ) بكسر الخاء المعجمة، أي: تسقطُ (لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لا ضمانَ على المُكارِي.

(وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) عامرُ بنُ شَرَاحيل الكوفيُّ فيما وصلَه ابنُ أبي شيبة: (إِذَا سَاقَ دَابَّةً فَأَتْعَبَهَا) -من الإتعابِ- (فَهْوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ) أي: الدَّابَّة (وَإِنْ كَانَ خَلْفَهَا) وراءها (مُتَرَسِّلًا) بضم الميم وتشديد السين المهملة، منصوبٌ خبرُ «كان»، متسهِّلًا في السَّير لا يسوقُها ولا يتعِبُها (لَمْ يَضْمَنْ) شيئًا ممَّا أصابتْهُ.

٦٩١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابنُ إبراهيم الأزديُّ القصَّاب قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) الجمحيِّ البصريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: العَجْمَاءُ) قال الجوهريُّ: سُمِّيت عجماءُ؛ لأنَّها لا تتكلَّم، وكلُّ ما (٢) لا يتكلَّم أصلًا فهو أعجَمُ مُسْتعجَمٌ، والأعجمُ الَّذي لا يُفصِحُ ولا يُبيِّن كلامَه وإن كان من العربِ، ويُقال: أعجمُ وإنْ أفصَحَ، إذا كان في لسانهِ عُجْمة. وقال ابنُ دقيق العيد: العجماءُ: الحيوان البَهِيم. وقال التِّرمذيُّ: فسَّر بعضُ أهلِ العلم، قالوا: العجماءُ: الدَّابَّةُ المُنْفَلِتَة من صاحبِها، فما أصابتْ في انفلاتِها فلا غُرْم على

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قَالَ شَيخنَا فِي شرح التِّرْمِذِيّ ثمَّ قَالَ: هَذَا عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. وَفِيه حجَّة على أبي حنيفَة وَغَيره من الْعِرَاقِيّين حَيْثُ: قَالُوا: الرِّكَاز هُوَ الْمَعْدن وجعلوهما لفظين مترادفين. وَقد عطف الشَّارِع أَحدهمَا على الآخر، وَذكر لهَذَا حكما غير الحكم الَّذِي ذكره فِي الأول. انْتهى. قلت: الْمَعْدن هُوَ الرِّكَاز، فَلَمَّا أَرَادَ أَن يذكر لَهُ حكما آخر ذكره بِالِاسْمِ الآخر وَهُوَ: الرِّكَاز، وَلَو قَالَ: وَفِيه الْخمس بِدُونِ أَن يَقُول: وَفِي الرِّكَاز الْخمس لحصل الالتباس بِاحْتِمَال عود الضَّمِير إِلَى الْبِئْر، وَقد أورد أَبُو عمر فِي التَّمْهِيد عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عمر وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي كنز وجده رجل: إِن كنت وجدته فِي قَرْيَة مسكونة، أَو فِي غير سَبِيل، أَو فِي سَبِيل ميتاء فَعرفهُ، وَإِن كنت وجدته فِي خربة جَاهِلِيَّة أَو فِي قَرْيَة غير مسكونة أَو فِي غير سَبِيل ميتاء، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَاز الْخمس. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَعطف الرِّكَاز على الْكَنْز دَلِيل على أَن الرِّكَاز غير الْكَنْز وَأَنه الْمَعْدن كَمَا يَقُوله أهل الْعرَاق، فَهُوَ حجَّة لمخالف الشَّافِعِي. وَقَالَ الْخطابِيّ: الرِّكَاز وَجْهَان: فَالْمَال الَّذِي يُوجد مَدْفُونا لَا يعلم لَهُ مَالك ركاز، وعروق الذَّهَب وَالْفِضَّة ركاز. قلت: وَعَن هَذَا قَالَ صَاحب الْهِدَايَة الرِّكَاز يُطلق على الْمَعْدن وعَلى المَال المدفون. وَقَالَ أَبُو عبيد الْهَرَوِيّ: اخْتلف فِي تَفْسِير الرِّكَاز أهل الْعرَاق وَأهل الْحجاز، فَقَالَ أهل الْعرَاق: هِيَ الْمَعَادِن، وَقَالَ أهل الْحجاز: هِيَ كنوز أهل الْجَاهِلِيَّة، وكلٌّ مُحْتَمل فِي اللُّغَة، وَالْأَصْل فِيهِ قَوْلهم: ركز فِي الأَرْض إِذا ثَبت أَصله.

٢٩ - (بابٌ العَجْماءُ جُبارٌ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ العجماء جَبَّار، وَإِنَّمَا أعَاد ذكر هَذَا بترجمة أُخْرَى لما فِيهَا من التفاريع الزَّائِدَة على الْبِئْر والمعدن.

وَقَالَ ابنُ سِيرينَ: كانُوا لَا يُضَمِّنُونَ مِنَ النّفْحَة ويُضَمِّنُونَ مِنْ ردِّ العنانِ.

أَي: قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين: كَانُوا، أَي: الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَا يضمنُون بِالتَّشْدِيدِ من التَّضْمِين من النفحة بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْفَاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وَهِي الضَّرْبَة بِالرجلِ، يُقَال: نفحت الدَّابَّة إِذا ضربت برجلها، ويضمنون من رد الْعَنَان بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون وَهُوَ مَا يوضع فِي فَم الدَّابَّة ليصرفها الرَّاكِب لما يخْتَار، وَذَلِكَ لِأَن فِي الأول لَا يُمكنهُ التحفظ بِخِلَاف الثَّانِي، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم: حَدثنَا ابْن عون عَن مُحَمَّد بن سِيرِين.

وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا تُضْمَنُ النّفْحَةُ إلاّ أنْ يَنْخُسَ إنْسانٌ الدَّابَّةَ.

أَي: قَالَ حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان الْأَشْعَرِيّ: وَاسم أبي سُلَيْمَان مُسلم. قَوْله: لَا تضمن على صِيغَة الْمَجْهُول، والنفحة مَرْفُوع بِهِ لِأَنَّهُ مفعول قَامَ مقَام الْفَاعِل. قَوْله: إلَاّ أَن ينخس بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتحهَا وَكسرهَا من النخس، وَهُوَ غرز مُؤخر الدَّابَّة أَو جنبها بِعُود وَنَحْوه.

وَقَالَ شُرَيْحٌ: لَا تُضْمَنُ مَا عاقَبَ أنْ يَضْرِبَها فَتَضْرِبَ بِرِجْلِها.

أَي: قَالَ شُرَيْح بن الْحَارِث الْكِنْدِيّ القَاضِي الْمَشْهُور. قَوْله: مَا عاقب، يرْوى بالتذكير والتأنيث، فَالْمَعْنى على التَّذْكِير لَا يضمن ضَارب الدَّابَّة مَا دَامَ فِي تعاقبها بِالضَّرْبِ، وَهِي أَيْضا تضرب برجلها على سَبِيل المعاقبة أَي: الْمُكَافَأَة مِنْهَا، وَأما على معنى التَّأْنِيث فَقَوله: لَا تضمن، أَي: الدَّابَّة بِإِسْنَاد الضَّمَان إِلَيْهَا مجَازًا، وَالْمرَاد ضاربها. قَوْله: أَن يضْربهَا قَالَ الْكرْمَانِي: أَن يضْربهَا فَتضْرب برجلها إِمَّا مجرور بجار مُقَدّر أَي: بِأَن يضْربهَا، أَو مَرْفُوع خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: بِأَن يضْربهَا، أَو مَرْفُوع خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: وَهُوَ أَن يضْربهَا، وَفِي قَول شُرَيْح هَذَا قلاقة قل من يُفَسِّرهَا كَمَا يَنْبَغِي، وأثره هَذَا وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق مُحَمَّد بن سِيرِين عَن شُرَيْح، قَالَ: يضمن السَّائِق والراكب وَلَا تضمن الدَّابَّة إِذا عَاقَبت. قلت: وَمَا عَاقَبت. قَالَ إِذا ضربهَا رجل فأصابته.

وَقَالَ الحَكَمُ وحَمَّادٌ: إذَا ساقَ المُكارِي حِماراً عَلَيْهِ امْرأةٌ فَتَخِرُّ لَا شَيْءَ عَلَيهِ.

الحكم بِفتْحَتَيْنِ هُوَ ابْن عتيبة مصغر عتبَة الدَّار، وَحَمَّاد هُوَ ابْن أبي سُلَيْمَان. قَوْله: فتخر، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَي: فَتسقط لَا شَيْء عَلَيْهِ أَي: على المكاري أَي: لَا ضَمَان.

وَقَالَ الشَّعْبيُّ: إذَا ساقَ دابّةً فأتْعَبَها فَهُوَ ضامِنٌ لِما أصابَتْ، وإنْ كانَ خَلْفَها مُترَسلاً لَمْ يَضْمَنْ.

الشّعبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل الْكُوفِي ونسبته إِلَى شعب من هَمدَان أدْرك غير وَاحِد من الصَّحَابَة وَمَات أول سنة سِتّ وَمِائَة، وَهُوَ ابْن سبع وَسبعين سنة. قَوْله: فأتعبها من الإتعاب ويروى: فاتبعها، من الإتباع. قَوْله: خلفهَا أَي: وَرَاءَهَا، ويروى: خلفهَا، بتَشْديد اللَّام بماضي التفعيل. قَوْله: مترسلاً نصب على أَنه خبر: كَانَ، أَي: متسهلاً فِي السّير مَوْقُوفا بهَا لَا يَسُوقهَا وَلَا يبعثها، لم يضمن شَيْئا مِمَّا أَصَابَته، وَوَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن سَالم عَن عَامر الشّعبِيّ، فَذكره.

٦٩١٣ - حدّثنا مُسْلِمٌ، حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ زِياد عنْ أبي هُرَيْرَةَ، رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: العَجْماءُ عَقْلُها جُبارٌ، والبِئْرُ جُبارٌ، والمعْدِنُ جُبارٌ، وَفِي الرِّكازِ الخُمُسُ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُسلم هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ القصاب الْبَصْرِيّ، وَمُحَمّد بن زِيَاد من الزِّيَادَة بتَخْفِيف الْيَاء الجُمَحِي بِضَم الْجِيم الْبَصْرِيّ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه وَعَن ابْن بشار عَن شُعْبَة.

قَوْله: عقلهَا أَي: دِيَتهَا قيل جرحها هدر لَا دِيَتهَا، وَأجِيب: بِأَنَّهُمَا متلازمان إِذْ مَعْنَاهُ: لَا دِيَة لَهَا.

٣٠ - (بابُ إثْمِ مَنْ قَتَلَ ذِمِّيّاً بِغَيْرِ جُرْمٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم من قتل ذِمِّيا بِغَيْر مُوجب شَرْعِي لقَتله.

٦٩١٤ - حدّثنا قَيْسُ بنُ حَفْصٍ، حَدثنَا عبْدُ الواحِدِ، حَدثنَا الحَسَنُ، حَدثنَا مُجاهِدٌ، عنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍ وعنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: مَنْ قَتلَ نَفْساً مُعاهَداً لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ وإنَّ رِيحَها يُوجَدُ مِنْ مَسيرَةِ أرْبَعِينَ عَاما.

انْظُر الحَدِيث ٣١٦٦

مطابقته للتَّرْجَمَة غير ظَاهِرَة لِأَن التَّرْجَمَة بالذمي وَهُوَ كتابي عقد مَعَه عقد الْجِزْيَة. وَأجَاب الْكرْمَانِي بِأَن الْمعَاهد أَيْضا ذمِّي بِاعْتِبَار أَن لَهُ ذمَّة الْمُسلمين وَفِي عَهدهم، وَالذِّمِّيّ أَعم من ذَلِك.

وَقيس بن حَفْص أَبُو مُحَمَّد الدَّارمِيّ الْبَصْرِيّ وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ مَاتَ سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَعبد الْوَاحِد هُوَ ابْن زِيَاد، وَالْحسن هُوَ ابْن عَمْرو الْفُقيْمِي بِضَم الْفَاء وَفتح الْقَاف.

والْحَدِيث مضى فِي الْجِزْيَة عَن قيس أَيْضا. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الدِّيات عَن أبي كريب.

قَوْله: معاهداً ويروى: معاهدة، وَهُوَ الظَّاهِر لِأَن التَّأْنِيث بِاعْتِبَار النَّفس، وَالْأول بِاعْتِبَار الشَّخْص، وَيجوز فتح الْهَاء وَكسرهَا وَالْمرَاد بِهِ: من لَهُ عهد بِالْمُسْلِمين سَوَاء كَانَ بِعقد جِزْيَة أَو هدنة من سُلْطَان أَو أَمَان من مُسلم. قَوْله: لم يرح بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا أَي: لم يجد رَائِحَة الْجنَّة وَلم يشمها، وَزعم أَبُو عبيد أَنه يُقَال: يرح ويرح أَي: بِالضَّمِّ من أرحت، وَعند الْهَرَوِيّ يرْوى بِثَلَاثَة أوجه: يرح يرح يرح، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: رَاح الشَّيْء يراحه ويريحه، أَي: وجد رِيحه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمُؤمن لَا يخلد فِي النَّار. وَأجَاب بِأَنَّهُ لم يجد أول مَا يجدهَا سَائِر الْمُسلمين الَّذين لم يقترفوا الْكَبَائِر، وَهُوَ وَعِيد تَغْلِيظًا، وَيُقَال: لَيْسَ على الحتم والإلزام، وَإِنَّمَا هَذَا لمن أَرَادَ الله عز وَجل إِنْفَاذ الْوَعيد فِيهِ. قَوْله: يُوجد على صِيغَة الْمَجْهُول، ويروى: ليوجد، بِاللَّامِ الْمَفْتُوحَة، وَالْأول رِوَايَة الْكشميهني قَوْله: أَرْبَعِينَ عَاما كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْجَمِيع وَوَقع فِي رِوَايَة عَمْرو بن عبد الْغفار عَن الْحسن بن عَمْرو سبعين عَاما هَذَا فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَمثله فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد التِّرْمِذِيّ من طَرِيق مُحَمَّد بن عجلَان عَن أَبِيه عَنهُ، وَلَفظه: وَإِن رِيحهَا ليوجد من مسيرَة سبعين خَرِيفًا وَفِي الْأَوْسَط للطبراني: من طَرِيق مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: من مسيرَة مائَة عَام،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَا قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: اتِّفَاقُ الْحُفَّاظِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ذِكْرِ الْبِئْرِ دُونَ النَّارِ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ أَنَّ عَلَامَةَ الْمُنْكَرِ فِي حَدِيثِ الْمُحَدِّثِ أَنْ يَعْمِدَ إِلَى مَشْهُورٍ بِكَثْرَةِ الْحَدِيثِ وَالْأَصْحَابِ فَيَأْتِي عَنْهُ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ وَهَذَا مِنْ ذَاكَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِلَفْظِ: وَالْجُبُّ جُبَارٌ بِجِيمٍ مَضْمُومَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ ثَقِيلَةٍ وَهِيَ الْبِئْرُ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى تَغْلِيطِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ حَيْثُ رَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ الرِّجْلُ جُبَارٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّ الزُّهْرِيَّ مُكْثِرٌ مِنَ الْحَدِيثِ وَالْأَصْحَابِ فَتَفَرَّدَ سُفْيَانُ عَنْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ فَعُدَّ مُنْكَرًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ هَذَا.

وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:، سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْأَعْرَجُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ فَلَمْ يَذْكُرُوهَا، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ: نَعَمِ؛ الْحُكْمُ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ صَحِيحٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُتَلَقَّى مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مِنَ الْإِلْحَاقِ بِالْعَجْمَاءِ وَيَلْتَحِقُ بِهِ كُلُّ جَمَادٍ، فَلَوْ أَنَّ شَخْصًا عَثَرَ فَوَقَعَ رَأْسُهُ فِي جِدَارٍ فَمَاتَ أَوِ انْكَسَرَ لَمْ يَجِبْ عَلَى صَاحِبِ الْجِدَارِ شَيْءٌ.

قَوْلُهُ: (وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَالْمَعْدِنُ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَالْحُكْمُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبِئْرِ لَكِنَّ الْبِئْرَ مُؤَنَّثَةٌ وَالْمَعْدِنُ مُذَكَّرٌ فَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِالتَّأْنِيثِ لِلْمُؤَاخَاةِ أَوْ لِمُلَاحَظَةِ أَرْضِ الْمَعْدِنِ، فَلَوْ حَفَرَ مَعْدِنًا فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مَوَاتٍ فَوَقَعَ فِيهِ شَخْصٌ فَمَاتَ فَدَمُهُ هَدَرٌ، وَكَذَا لَوِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا يَعْمَلُ لَهُ فَانْهَارَ عَلَيْهِ فَمَاتَ، وَيَلْتَحِقُ بِالْبِئْرِ وَالْمَعْدِنِ فِي ذَلِكَ كُلُّ أَجِيرٍ عَلَى عَمَلٍ كَمَنِ اسْتُؤْجِرَ عَلَى صُعُودِ نَخْلَةٍ فَسَقَطَ مِنْهَا فَمَاتَ.

قَوْلُهُ: (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ

٢٩ - بَاب الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: كَانُوا لَا يُضَمِّنُونَ مِنْ النَّفْحَةِ، وَيُضَمِّنُونَ مِنْ رَدِّ الْعِنَانِ. وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا تُضْمَنُ النَّفْحَةُ إِلَّا أَنْ يَنْخُسَ إِنْسَانٌ الدَّابَّةَ. وَقَالَ شُرَيْحٌ: لَا تُضْمَنُ مَا عَاقَبَتْ أَنْ يَضْرِبَهَا فَتَضْرِبَ بِرِجْلِهَا. وَقَالَ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ: إِذَا سَاقَ الْمُكَارِي حِمَارًا عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَتَخِرُّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِذَا سَاقَ دَابَّةً فَأَتْعَبَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ، وَإِنْ كَانَ خَلْفَهَا مُتَرَسِّلًا لَمْ يَضْمَنْ.

٦٩١٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: الْعَجْمَاءُ عَقْلُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ) أَفْرَدَهَا بِتَرْجَمَةٍ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّفَارِيعِ الزَّائِدَةِ عَنِ الْبِئْرِ وَالْمَعْدِنِ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ كَانُوا لَا يُضَمِّنُونَ) بِالتَّشْدِيدِ (مِنَ النَّفْحَةِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْفَاءِ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ، أَيِ: الضَّرْبَةِ بِالرِّجْلِ، يُقَالُ: نَفَحَتِ الدَّابَّةُ إِذَا ضَرَبَتْ بِرِجْلِهَا، وَنَفَحَ بِالْمَالِ رَمَى بِهِ، وَنَفَحَ عَنْ فُلَانٍ، وَنَافَحَ: دَفَعَ وَدَافَعَ.

قَوْلُهُ: (وَيُضَمِّنُونَ مِنْ رَدِّ الْعِنَانِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ نُونٍ خَفِيفَةٍ هُوَ مَا يُوضَعُ فِي فَمِ الدَّابَّةِ لِيَصْرِفَهَا الرَّاكِبُ كَمَا يَخْتَارُ وَالْمَعْنَى أَنَّ الدَّابَّةَ إِذَا كَانَتْ مَرْكُوبَةً فَلَفَتَ الرَّاكِبُ عِنَانَهَا فَأَصَابَتْ بِرِجْلِهَا شَيْئًا ضَمِنَهُ الرَّاكِبُ، وَإِذَا ضَرَبَتْ بِرِجْلِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ تَسَبُّبٌ لَمْ يَضْمَنْ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ، وَأَسْنَدَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ نَحْوَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَمَّادٌ لَا تُضْمَنُ النَّفْحَةُ إِلَّا أَنْ يَنْخُسَ) بِنُونٍ وَمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ أَيْ يَطْعُنَ.

قَوْلُهُ: (إِنْسَانٌ الدَّابَّةَ) هُوَ

أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا أَوْ أَجْنَبِيًّا، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَ بَعْضَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ: سَأَلْتُ الْحَكَمَ عَنْ رَجُلٍ وَاقِفٍ عَلَى دَابَّتِهِ فَضَرَبَتْ بِرِجْلِهَا، فَقَالَ: يَضْمَنُ، وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا يَضْمَنُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ شُرَيْحٌ) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ الْقَاضِي الْمَشْهُورُ.

قَوْلُهُ: (لَا يَضْمَنُ مَا عَاقَبَتْ) أَيِ الدَّابَّةُ (أَنْ يَضْرِبَهَا فَتَضْرِبَ بِرِجْلِهَا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: يَضْمَنُ السَّائِقَ وَالرَّاكِبَ وَلَا يَضْمَنُ الدَّابَّةَ إِذَا عَاقَبَتْ، قُلْتُ: وَمَا عَاقَبَتْ قَالَ: إِذَا ضَرَبَهَا رَجُلٌ فَأَصَابَتْهُ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَزَادَ: أَوْ رَأْسُهَا إِلَّا أَنْ يَضْرِبَهَا رَجُلٌ فَتُعَاقِبَهُ فَلَا ضَمَانَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَكَمُ) أَيِ ابْنُ عُتَيْبَةَ بِمُثَنَّاةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرٌ هُوَ الْكُوفِيُّ أَحَدُ فُقَهَائِهِمْ (وَحَمَّادٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ أَحَدُ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (إِذَا سَاقَ الْمُكَارِي) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِفَتْحِهَا أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (حِمَارًا عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَتَخِرُّ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةٌ أَيْ تَسْقُطُ.

قَوْلُهُ: (لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ لَا ضَمَانَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ إِذَا سَاقَ دَابَّةً فَأَتْعَبَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ وَإِنْ كَانَ خَلْفَهَا مُتَرَسِّلًا لَمْ يَضْمَنْ) وَصَلَهَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَامِرٍ وَهُوَ الشَّعْبِيُّ قَالَ: إِذَا سَاقَ الرَّجُلُ الدَّابَّةَ وَأَتْعَبَهَا فَأَصَابَتْ إِنْسَانًا فَهُوَ ضَامِنٌ، فَإِنْ كَانَ خَلْفَهَا مُتَرَسِّلًا أَيْ يَمْشِي عَلَى هِينَتِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ فِيمَا أَصَابَتْ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ فِيمَا أَصَابَتِ الدَّابَّةُ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا فَقَالُوا: لَا يَضْمَنُ مَا أَصَابَتْ بِرِجْلِهَا وَذَنَبِهَا وَلَوْ كَانَتْ بِسَبَبٍ، وَيَضْمَنُ مَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا وَفَمِهَا، فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى الرَّدِّ بِمَا نَقَلَهُ عَنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ.

وَقَدِ احْتَجَّ لَهُمُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنَ الرِّجْلِ وَالذَّنَبِ بِخِلَافِ الْيَدِ وَالْفَمِ وَاحْتَجَّ بِرِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ: الرِّجْلُ جُبَارٌ وَقَدْ غَلَّطَهُ الْحُفَّاظُ، وَلَوْ صَحَّ فَالْيَدُ أَيْضًا جُبَارٌ بِالْقِيَاسِ عَلَى الرِّجْلِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِمَنْ هِيَ مَعَهُ مُبَاشَرَةٌ وَلَا تَسَبُّبٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ حَدِيثُ الرِّجْلُ جُبَارٌ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ؛ لِأَنَّهَا فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْعَجْمَاءِ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِتَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْمَفْهُومِ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ زِيَادَةٌ وَالرِّجْلُ جُبَارٌ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ، وَقَالَ: تَفَرَّدَ آدَمُ، عَنْ شُعْبَةَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ وَهِيَ وَهْمٌ.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ خِلَافٌ، فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: لَا يَضْمَنُ الرَّاكِبُ وَالْقَائِدُ فِي الرِّجْلِ وَالذَّنَبِ إِلَّا إِنْ أَوْقَفَهَا فِي الطَّرِيقِ، وَأَمَّا السَّائِقُ فَقِيلَ: ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا لِأَنَّ النَّفْحَةَ بِمَرْأَى عَيْنِهِ فَيُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا، وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ لَا يَضْمَنُ النَّفْحَةَ وَإِنْ كَانَ يَرَاهَا؛ إِذْ لَيْسَ عَلَى رِجْلِهَا مَا يَمْنَعُهَا بِهِ فَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْفَمِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُهَا بِاللِّجَامِ، وَكَذَا قَالَ الْحَنَابِلَةُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زِيَادَةَ هُوَ الْجُمَحِيُّ، وَالسَّنَدُ بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادَةَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (الْعَجْمَاءُ عَقْلُهَا جُبَارٌ) فِي رِوَايَةِ حَامِدٍ الْبَلْخِيِّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، عَنْ شُعْبَةَ: جَرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَكَذَا فِي حَدِيثِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عِنْدَهُ، وَقَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: وَلَيْسَ ذِكْرُ الْجَرْحِ قَيْدًا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ إِتْلَافُهَا بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ سَوَاءٌ كَانَ بِجَرْحٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَقْلِ الدِّيَةُ أَيْ لَا دِيَةَ فِيمَا تُتْلِفُهُ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ مَنْ قَالَ: لَا ضَمَانَ فِيمَا أَتْلَفَتِ الْبَهِيمَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً أَوْ مَعَهَا أَحَدٌ سَوَاءٌ كَانَ رَاكِبَهَا أَوْ سَائِقَهَا أَوْ قَائِدَهَا، وَهُوَ قَوْلُ الظَّاهِرِيَّةِ، وَاسْتَثْنَوْا مَا إِذَا كَانَ الْفِعْلُ مَنْسُوبًا إِلَيْهِ بِأَنْ حَمَلَهَا عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ إِذَا كَانَ رَاكِبًا كَأَنْ يَلْوِيَ عِنَانَهَا فَتُتْلِفَ

شَيْئًا بِرِجْلِهَا مَثَلًا أَوْ يَطْعَنَهَا أَوْ يَزْجُرَهَا حِينَ يَسُوقَهَا أَوْ يَقُودَهَا حَتَّى تُتْلِفَ مَا مَرَّتْ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَا لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا كَانَ مَعَ الْبَهِيمَةِ إِنْسَانٌ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْهُ مِنْ نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ مَالٍ سَوَاءٌ كَانَ سَائِقًا أَوْ رَاكِبًا أَوْ قَائِدًا، سَوَاءٌ كَانَ مَالِكًا أَوْ أَجِيرًا أَوْ مُسْتَأْجِرًا أَوْ مُسْتَعِيرًا أَوْ غَاصِبًا، وَسَوَاءٌ أَتْلَفَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا أَوْ ذَنَبِهَا أَوْ رَأْسِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْإِتْلَافَ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَغَيْرِهِ، وَمَنْ هُوَ مَعَ الْبَهِيمَةِ حَاكِمٌ عَلَيْهَا فَهِيَ كَالْآلَةِ بِيَدِهِ فَفِعْلُهَا مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ سَوَاءٌ حَمَلَهَا عَلَيْهِ أَمْ لَا، سَوَاءٌ عَلِمَ بِهِ أَمْ لَا وَعَنْ مَالِكٍ كَذَلِكَ إِلَّا إِنْ رَمَحَتْ بِغَيْرِ أَنْ يَفْعَلَ بِهَا أَحَدٌ شَيْئًا تَرْمَحُ بِسَبَبِهِ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْجُمْهُورِ.

وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالْبَزَّارِ بِلَفْظِ: السَّائِمَةُ جُبَارٌ وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَجْمَاءِ الْبَهِيمَةُ الَّتِي تَرْعَى لَا كُلُّ بَهِيمَةٍ، لَكِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّائِمَةِ هُنَا الَّتِي لَيْسَ مَعَهَا أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ عَلَى السَّائِمَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الَّتِي لَا تُعْلَفُ كَمَا فِي الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا هُنَا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي إِتْلَافِ الْبَهِيمَةِ لِلزُّرُوعِ وَغَيْرِهَا فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ.

وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّمَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ نَهَارًا، وَأَمَّا بِاللَّيْلِ فَإِنَّ عَلَيْهِ حِفْظَهَا، فَإِذَا أَتْلَفَتْ بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْ، وَدَلِيلُ هَذَا التَّخْصِيصِ مَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْسَرَةَ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ:: كَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ ضَارِيَةٌ فَدَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْ فِيهِ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ أَنَّ حِفْظَ الْحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ حِفْظَ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ وَلَمْ يُسَمِّ حَرَامًا، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَزَادَ فِيهِ رَجُلًا قَالَ: عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ عَنْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ أَنَّ نَاقَةً.

وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَنْهُ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَزَادَ مَعَ حَرَامٍ، سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَا: إِنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ عَلَى أَلْوَانٍ وَالْمُسْنَدُ مِنْهَا طَرِيقُ حَرَامٍ، عَنِ الْبَرَاءِ. وَحَرَامٌ بِمُهْمَلَتَيْنِ اخْتُلِفَ هَلْ هُوَ ابْنُ مُحَيِّصَةَ نَفْسُهُ أَوِ ابْنُ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَجْهُولٌ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا الزُّهْرِيُّ وَلَمْ يُوَثِّقْهُ.

قُلْتُ: وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ حِبَّانَ لَكِنْ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْبَرَاءِ، انْتَهَى.

وَعَلَى هَذَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِيهِ عَنِ الْبَرَاءِ أَيْ عَنْ قِصَّةِ نَاقَةِ الْبَرَاءِ فَتَجْتَمِعُ الرِّوَايَاتُ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِلزَّهْرِيِّ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاخٍ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَهُوَ مَشْهُورٌ حَدَّثَ بِهِ الثِّقَاتُ وَتَلَقَّاهُ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ بِالْقَبُولِ، وَأَمَّا إِشَارَةُ الطَّحَاوِيِّ إِلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ الْبَابِ فَقَدْ تَعَقَّبُوهُ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ مَعَ الْجَهْلِ بِالتَّارِيخِ.

وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: أَخَذْنَا بِحَدِيثِ الْبَرَاءِ لِثُبُوتِهِ وَمَعْرِفَةِ رِجَالِهِ وَلَا يُخَالِفُهُ حَدِيثُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْعَامِّ الْمُرَادِ بِهِ الْخَاصُّ، فَلَمَّا قَالَ: الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ وَقَضَى فِيمَا أَفْسَدَتِ الْعَجْمَاءُ بِشَيْءٍ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا أَصَابَتِ الْعَجْمَاءُ مِنْ جَرْحٍ وَغَيْرِهِ فِي حَالٍ جُبَارٌ وَفِي حَالٍ غَيْرُ جُبَارٍ، ثُمَّ نَقَضَ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى الْأَخْذِ بِعُمُومِهِ فِي تَضْمِينِ الرَّاكِبِ مُتَمَسِّكِينَ بِحَدِيثِ الرِّجْلُ جُبَارٌ مَعَ ضَعْفِ رَاوِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَعَقَّبَ بَعْضُهُمْ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ قَوْلَهُمْ إِنَّهُ لَوْ جَرَتْ عَادَةُ قَوْمٍ إِرْسَالَ الْمَوَاشِي لَيْلًا وَحَبْسِهَا نَهَارًا انْعَكَسَ الْحُكْمُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَجَابُوا بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ، وَنَظِيرُهُ الْقَسْمُ الْوَاجِبُ لِلْمَرْأَةِ لَوْ كَانَ يَكْتَسِبُ لَيْلًا وَيَأْوِي إِلَى أَهْلِهِ نَهَارًا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

القاضي المشهور، ممَّا وصله ابنُ أبي شيبة أيضًا: (لَا تُضْمَنُ) بضم الفوقية أو التحتية مبنيًّا للمفعول (مَا عَاقَبَتْ (١)) أي: الدَّابَّة. وقال في «الكواكب»: بلفظ الغيبة لا يضمنُ ما كان على سبيلِ المكافأةِ منها (أَنْ يَضْرِبَهَا) أي: بأنْ يَضربها فهو مجرورٌ بمقدَّر، أو وهو أنْ يَضربها فمرفوعٌ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، وإسناد الضمان إلى الدَّابَّة من بابِ المجاز، أو المراد: ضاربُها، وهذا كالتَّفسير للمُعَاقبة (فَتَضْرِبَ بِرِجْلِهَا) بنصب «فتضربَ» عطفًا على المنصوب السَّابق، ولفظ ابن أبي شيبة: لا يَضْمَن السَّائقُ والرَّاكبُ، ولا يَضْمن الدَّابَّةَ إذا عاقبَتْ. قلت: وما عاقبَتْ؟ قال: إذا ضَرَبها رجلٌ فأصابَتْهُ.

(وَقَالَ الحَكَمُ) بن عُتَيبة -بضم العين وفتح الفوقية- أحدُ فقهاءِ الكوفة (وَحَمَّادٌ) هو: ابنُ أبي سليمان أحدُ فقهاءِ الكوفة أيضًا: (إِذَا سَاقَ المُكَارِي) بكسر الراء في الفرع كأصله (حِمَارًا عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَتَخِرُّ) بكسر الخاء المعجمة، أي: تسقطُ (لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لا ضمانَ على المُكارِي.

(وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) عامرُ بنُ شَرَاحيل الكوفيُّ فيما وصلَه ابنُ أبي شيبة: (إِذَا سَاقَ دَابَّةً فَأَتْعَبَهَا) -من الإتعابِ- (فَهْوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ) أي: الدَّابَّة (وَإِنْ كَانَ خَلْفَهَا) وراءها (مُتَرَسِّلًا) بضم الميم وتشديد السين المهملة، منصوبٌ خبرُ «كان»، متسهِّلًا في السَّير لا يسوقُها ولا يتعِبُها (لَمْ يَضْمَنْ) شيئًا ممَّا أصابتْهُ.

٦٩١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابنُ إبراهيم الأزديُّ القصَّاب قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) الجمحيِّ البصريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: العَجْمَاءُ) قال الجوهريُّ: سُمِّيت عجماءُ؛ لأنَّها لا تتكلَّم، وكلُّ ما (٢) لا يتكلَّم أصلًا فهو أعجَمُ مُسْتعجَمٌ، والأعجمُ الَّذي لا يُفصِحُ ولا يُبيِّن كلامَه وإن كان من العربِ، ويُقال: أعجمُ وإنْ أفصَحَ، إذا كان في لسانهِ عُجْمة. وقال ابنُ دقيق العيد: العجماءُ: الحيوان البَهِيم. وقال التِّرمذيُّ: فسَّر بعضُ أهلِ العلم، قالوا: العجماءُ: الدَّابَّةُ المُنْفَلِتَة من صاحبِها، فما أصابتْ في انفلاتِها فلا غُرْم على

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قَالَ شَيخنَا فِي شرح التِّرْمِذِيّ ثمَّ قَالَ: هَذَا عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. وَفِيه حجَّة على أبي حنيفَة وَغَيره من الْعِرَاقِيّين حَيْثُ: قَالُوا: الرِّكَاز هُوَ الْمَعْدن وجعلوهما لفظين مترادفين. وَقد عطف الشَّارِع أَحدهمَا على الآخر، وَذكر لهَذَا حكما غير الحكم الَّذِي ذكره فِي الأول. انْتهى. قلت: الْمَعْدن هُوَ الرِّكَاز، فَلَمَّا أَرَادَ أَن يذكر لَهُ حكما آخر ذكره بِالِاسْمِ الآخر وَهُوَ: الرِّكَاز، وَلَو قَالَ: وَفِيه الْخمس بِدُونِ أَن يَقُول: وَفِي الرِّكَاز الْخمس لحصل الالتباس بِاحْتِمَال عود الضَّمِير إِلَى الْبِئْر، وَقد أورد أَبُو عمر فِي التَّمْهِيد عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عمر وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي كنز وجده رجل: إِن كنت وجدته فِي قَرْيَة مسكونة، أَو فِي غير سَبِيل، أَو فِي سَبِيل ميتاء فَعرفهُ، وَإِن كنت وجدته فِي خربة جَاهِلِيَّة أَو فِي قَرْيَة غير مسكونة أَو فِي غير سَبِيل ميتاء، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَاز الْخمس. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَعطف الرِّكَاز على الْكَنْز دَلِيل على أَن الرِّكَاز غير الْكَنْز وَأَنه الْمَعْدن كَمَا يَقُوله أهل الْعرَاق، فَهُوَ حجَّة لمخالف الشَّافِعِي. وَقَالَ الْخطابِيّ: الرِّكَاز وَجْهَان: فَالْمَال الَّذِي يُوجد مَدْفُونا لَا يعلم لَهُ مَالك ركاز، وعروق الذَّهَب وَالْفِضَّة ركاز. قلت: وَعَن هَذَا قَالَ صَاحب الْهِدَايَة الرِّكَاز يُطلق على الْمَعْدن وعَلى المَال المدفون. وَقَالَ أَبُو عبيد الْهَرَوِيّ: اخْتلف فِي تَفْسِير الرِّكَاز أهل الْعرَاق وَأهل الْحجاز، فَقَالَ أهل الْعرَاق: هِيَ الْمَعَادِن، وَقَالَ أهل الْحجاز: هِيَ كنوز أهل الْجَاهِلِيَّة، وكلٌّ مُحْتَمل فِي اللُّغَة، وَالْأَصْل فِيهِ قَوْلهم: ركز فِي الأَرْض إِذا ثَبت أَصله.

٢٩ - (بابٌ العَجْماءُ جُبارٌ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ العجماء جَبَّار، وَإِنَّمَا أعَاد ذكر هَذَا بترجمة أُخْرَى لما فِيهَا من التفاريع الزَّائِدَة على الْبِئْر والمعدن.

وَقَالَ ابنُ سِيرينَ: كانُوا لَا يُضَمِّنُونَ مِنَ النّفْحَة ويُضَمِّنُونَ مِنْ ردِّ العنانِ.

أَي: قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين: كَانُوا، أَي: الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَا يضمنُون بِالتَّشْدِيدِ من التَّضْمِين من النفحة بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْفَاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وَهِي الضَّرْبَة بِالرجلِ، يُقَال: نفحت الدَّابَّة إِذا ضربت برجلها، ويضمنون من رد الْعَنَان بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون وَهُوَ مَا يوضع فِي فَم الدَّابَّة ليصرفها الرَّاكِب لما يخْتَار، وَذَلِكَ لِأَن فِي الأول لَا يُمكنهُ التحفظ بِخِلَاف الثَّانِي، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم: حَدثنَا ابْن عون عَن مُحَمَّد بن سِيرِين.

وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا تُضْمَنُ النّفْحَةُ إلاّ أنْ يَنْخُسَ إنْسانٌ الدَّابَّةَ.

أَي: قَالَ حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان الْأَشْعَرِيّ: وَاسم أبي سُلَيْمَان مُسلم. قَوْله: لَا تضمن على صِيغَة الْمَجْهُول، والنفحة مَرْفُوع بِهِ لِأَنَّهُ مفعول قَامَ مقَام الْفَاعِل. قَوْله: إلَاّ أَن ينخس بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتحهَا وَكسرهَا من النخس، وَهُوَ غرز مُؤخر الدَّابَّة أَو جنبها بِعُود وَنَحْوه.

وَقَالَ شُرَيْحٌ: لَا تُضْمَنُ مَا عاقَبَ أنْ يَضْرِبَها فَتَضْرِبَ بِرِجْلِها.

أَي: قَالَ شُرَيْح بن الْحَارِث الْكِنْدِيّ القَاضِي الْمَشْهُور. قَوْله: مَا عاقب، يرْوى بالتذكير والتأنيث، فَالْمَعْنى على التَّذْكِير لَا يضمن ضَارب الدَّابَّة مَا دَامَ فِي تعاقبها بِالضَّرْبِ، وَهِي أَيْضا تضرب برجلها على سَبِيل المعاقبة أَي: الْمُكَافَأَة مِنْهَا، وَأما على معنى التَّأْنِيث فَقَوله: لَا تضمن، أَي: الدَّابَّة بِإِسْنَاد الضَّمَان إِلَيْهَا مجَازًا، وَالْمرَاد ضاربها. قَوْله: أَن يضْربهَا قَالَ الْكرْمَانِي: أَن يضْربهَا فَتضْرب برجلها إِمَّا مجرور بجار مُقَدّر أَي: بِأَن يضْربهَا، أَو مَرْفُوع خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: بِأَن يضْربهَا، أَو مَرْفُوع خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: وَهُوَ أَن يضْربهَا، وَفِي قَول شُرَيْح هَذَا قلاقة قل من يُفَسِّرهَا كَمَا يَنْبَغِي، وأثره هَذَا وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق مُحَمَّد بن سِيرِين عَن شُرَيْح، قَالَ: يضمن السَّائِق والراكب وَلَا تضمن الدَّابَّة إِذا عَاقَبت. قلت: وَمَا عَاقَبت. قَالَ إِذا ضربهَا رجل فأصابته.

وَقَالَ الحَكَمُ وحَمَّادٌ: إذَا ساقَ المُكارِي حِماراً عَلَيْهِ امْرأةٌ فَتَخِرُّ لَا شَيْءَ عَلَيهِ.

الحكم بِفتْحَتَيْنِ هُوَ ابْن عتيبة مصغر عتبَة الدَّار، وَحَمَّاد هُوَ ابْن أبي سُلَيْمَان. قَوْله: فتخر، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَي: فَتسقط لَا شَيْء عَلَيْهِ أَي: على المكاري أَي: لَا ضَمَان.

وَقَالَ الشَّعْبيُّ: إذَا ساقَ دابّةً فأتْعَبَها فَهُوَ ضامِنٌ لِما أصابَتْ، وإنْ كانَ خَلْفَها مُترَسلاً لَمْ يَضْمَنْ.

الشّعبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل الْكُوفِي ونسبته إِلَى شعب من هَمدَان أدْرك غير وَاحِد من الصَّحَابَة وَمَات أول سنة سِتّ وَمِائَة، وَهُوَ ابْن سبع وَسبعين سنة. قَوْله: فأتعبها من الإتعاب ويروى: فاتبعها، من الإتباع. قَوْله: خلفهَا أَي: وَرَاءَهَا، ويروى: خلفهَا، بتَشْديد اللَّام بماضي التفعيل. قَوْله: مترسلاً نصب على أَنه خبر: كَانَ، أَي: متسهلاً فِي السّير مَوْقُوفا بهَا لَا يَسُوقهَا وَلَا يبعثها، لم يضمن شَيْئا مِمَّا أَصَابَته، وَوَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن سَالم عَن عَامر الشّعبِيّ، فَذكره.

٦٩١٣ - حدّثنا مُسْلِمٌ، حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ زِياد عنْ أبي هُرَيْرَةَ، رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: العَجْماءُ عَقْلُها جُبارٌ، والبِئْرُ جُبارٌ، والمعْدِنُ جُبارٌ، وَفِي الرِّكازِ الخُمُسُ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُسلم هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ القصاب الْبَصْرِيّ، وَمُحَمّد بن زِيَاد من الزِّيَادَة بتَخْفِيف الْيَاء الجُمَحِي بِضَم الْجِيم الْبَصْرِيّ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه وَعَن ابْن بشار عَن شُعْبَة.

قَوْله: عقلهَا أَي: دِيَتهَا قيل جرحها هدر لَا دِيَتهَا، وَأجِيب: بِأَنَّهُمَا متلازمان إِذْ مَعْنَاهُ: لَا دِيَة لَهَا.

٣٠ - (بابُ إثْمِ مَنْ قَتَلَ ذِمِّيّاً بِغَيْرِ جُرْمٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم من قتل ذِمِّيا بِغَيْر مُوجب شَرْعِي لقَتله.

٦٩١٤ - حدّثنا قَيْسُ بنُ حَفْصٍ، حَدثنَا عبْدُ الواحِدِ، حَدثنَا الحَسَنُ، حَدثنَا مُجاهِدٌ، عنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍ وعنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: مَنْ قَتلَ نَفْساً مُعاهَداً لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ وإنَّ رِيحَها يُوجَدُ مِنْ مَسيرَةِ أرْبَعِينَ عَاما.

انْظُر الحَدِيث ٣١٦٦

مطابقته للتَّرْجَمَة غير ظَاهِرَة لِأَن التَّرْجَمَة بالذمي وَهُوَ كتابي عقد مَعَه عقد الْجِزْيَة. وَأجَاب الْكرْمَانِي بِأَن الْمعَاهد أَيْضا ذمِّي بِاعْتِبَار أَن لَهُ ذمَّة الْمُسلمين وَفِي عَهدهم، وَالذِّمِّيّ أَعم من ذَلِك.

وَقيس بن حَفْص أَبُو مُحَمَّد الدَّارمِيّ الْبَصْرِيّ وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ مَاتَ سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَعبد الْوَاحِد هُوَ ابْن زِيَاد، وَالْحسن هُوَ ابْن عَمْرو الْفُقيْمِي بِضَم الْفَاء وَفتح الْقَاف.

والْحَدِيث مضى فِي الْجِزْيَة عَن قيس أَيْضا. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الدِّيات عَن أبي كريب.

قَوْله: معاهداً ويروى: معاهدة، وَهُوَ الظَّاهِر لِأَن التَّأْنِيث بِاعْتِبَار النَّفس، وَالْأول بِاعْتِبَار الشَّخْص، وَيجوز فتح الْهَاء وَكسرهَا وَالْمرَاد بِهِ: من لَهُ عهد بِالْمُسْلِمين سَوَاء كَانَ بِعقد جِزْيَة أَو هدنة من سُلْطَان أَو أَمَان من مُسلم. قَوْله: لم يرح بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا أَي: لم يجد رَائِحَة الْجنَّة وَلم يشمها، وَزعم أَبُو عبيد أَنه يُقَال: يرح ويرح أَي: بِالضَّمِّ من أرحت، وَعند الْهَرَوِيّ يرْوى بِثَلَاثَة أوجه: يرح يرح يرح، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: رَاح الشَّيْء يراحه ويريحه، أَي: وجد رِيحه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمُؤمن لَا يخلد فِي النَّار. وَأجَاب بِأَنَّهُ لم يجد أول مَا يجدهَا سَائِر الْمُسلمين الَّذين لم يقترفوا الْكَبَائِر، وَهُوَ وَعِيد تَغْلِيظًا، وَيُقَال: لَيْسَ على الحتم والإلزام، وَإِنَّمَا هَذَا لمن أَرَادَ الله عز وَجل إِنْفَاذ الْوَعيد فِيهِ. قَوْله: يُوجد على صِيغَة الْمَجْهُول، ويروى: ليوجد، بِاللَّامِ الْمَفْتُوحَة، وَالْأول رِوَايَة الْكشميهني قَوْله: أَرْبَعِينَ عَاما كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْجَمِيع وَوَقع فِي رِوَايَة عَمْرو بن عبد الْغفار عَن الْحسن بن عَمْرو سبعين عَاما هَذَا فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَمثله فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد التِّرْمِذِيّ من طَرِيق مُحَمَّد بن عجلَان عَن أَبِيه عَنهُ، وَلَفظه: وَإِن رِيحهَا ليوجد من مسيرَة سبعين خَرِيفًا وَفِي الْأَوْسَط للطبراني: من طَرِيق مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: من مسيرَة مائَة عَام،

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده