حمزة بن عبد المطلب

آخر تحديث 11 أبريل 2026 - 01:05

📖 25 دقيقة قراءة

سيرة حمزة بن عبد المطلب

أسد الله وأسد رسوله وعمّه، رضي الله عنه، ابن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصيّ، وأمّه هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مُرّة، وكَان يُكنى أبا عُمارة. وكان له من الولد يَعْلَى وكان يكنى به حمزة أبا يعلى، وعامر دَرَجَ، وأمّهما بنت الملّة بن مالك بن عُبادة بن حجر بن فائد بن الحارث بن زيد بن عُبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف من الأنصار، من الأوس، وعُمارة بن حمزة، وقد كان يكنى به أيضًا، وأمّه خولة بنت قيس بن قَهْد الأنصاريّة من بنى ثعلبة (١) بن مالك بن النجّار، وأُمامة بنت حمزة وأُمّها سلمى بنت عُميس أخت أسماء بنت عُميس الخثعمية، وأُمامة التي اختصم فيها عليّ وجعفر وزيد بن حارثة، وأراد كلّ واحد منهم أن تكون عنده فقضى بها رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لجعفر من أجل أنّ خالتها أسماءَ بنت عُميس كانت عنده، وزوّجها رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، سَلَمَةَ بن أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومى، وقال: هل جُزِيتَ سَلَمَةُ فهلك قبل أن يجمعها إليه. وقد كان ليعلى بن حمزة أولاد، عُمارة والفضل والزبير وعقيل ومحمّد، درجوا فلم يبق لحمزة بن عبد المطّلب ولد ولا عقب.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال أخبرنا عُبيد الله بن عبد الرّحمن بن مَوْهَب، قال سمعت محمّد بن كعب القُرَظى، قال: نال أبو جَهْل وعديّ بن الحمراء وابن الأصداء من النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يومًا وشتموه وآذوه، فبلغ ذلك حمزة بن عبد المطّلب، فدخل المسجد مُغْضَبًا فضرب رأس أبى جهل بالقوس ضربةً أوضحت في رأسه، وأسْلَمَ حمزة فعَزّ به رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، والمسلمون وذلك بعد دخول رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، دار الأَرْقم (١) في السنة السادسة من النبوّة.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال أخبرنا محمّد بن صالح بن عِمْران بن مَنّاح، قال: لما هاجر حمزة بن عبد المطّلب إلى المدينة نزل على كلثوم بن الهِدْم، قال محمّد بن صالح وقال عاصم بن عمر بن قتادة: نزل على سَعْد بن خَيْثَمَة.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال أخبرنا عبد الله بن محمّد بن عمر قال: آخى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بين حمزة بن عبد المطّلب وزيد بن حارثة، وإليه أوصى حمزة بن عبد المطّلب يوم أُحُد حين حضر القتالُ.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال حدّثني شُعَيب بن عُبادة عن يزيد بن رومان قال: أول لواءٍ عقده رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حين قدم المدينة لحمزة بن عبد المطّلب، بعثه سريّةً في ثلاثين راكبًا حتى بلغوا قريبًا من سِيف البحر، يعترضُ لعير قريش وهي منحدرة إلى مكّة قد جاءت من الشأم وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة راكب، فانصرف ولم يكن بينهم قتال.

قال محمّد بن عمر، وهو الخبر المُجْمَعُ (١) عليه عندنا، إنّ أوّل لواء عقده رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لحمزة بن عبد المطلب.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر، قال حدّثني موسى بن محمّد بن إبراهيم عن أبيه، قال: كان حمزة مُعْلِمًا (٢) يوم بدر بريشة نَعامة. قال محمّد بن عمر: وحمل حمزة لواء رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في غزوة بنى قينقاع ولم يكن الرايات يومئذ (٣).

وقُتل، رحمه الله، يوم أُحُدٍ على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من الهجرة وهو يومئذ ابن تسع وخمسين سنة، كان أسَنّ من رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بأربع سنين، وكان رجلًا ليس بالطويل ولا بالقصير، قَتَله وحشيّ بن حرب وشقّ بطنه، وأخذ كبده فجاء بها إلى هند بنت عُتْبَة بن ربيعة، فمضَغَتْها، تم لفظتها، ثمّ جاءت فَمَثَلَت بحمزة، وجعلت من ذلك مَسَكَتَين ومِعْضَدَين وخَدَمَتين حتى قدمت بذلك وبكبده مكّة.

وكُفّن حمزة في بُرْدة، فجعلوا إذا خَمّرُوا بها رأسه بَدَتْ قدَماه، وإذا خمّروا بها رجليه تنكشفُ عن وجهه، فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: غَطّوا وجهه! وجَعَل على رجليه الحَرْمَلَ (٤).

قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح، قال أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه أنّ حمزة بن عبد المطّلب كُفّن في ثوب.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني عمر بن عثمان الجَحْشيّ عن آبائه، قالوا: دُفن حمزة بن عبد المطّلب وعبد الله بن جَحْش في قبر واحد، وحمزة خالُ عبد الله بن جحش.

قال: قال محمّد بن عمر: ونزل في قبر حمزة أبو بكر وعمر وعليّ والزّبير، ورسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، جالس على حُفْرته: وقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: رأيت الملائكة تغسل حمزة لأنّه كان جُنُبًا ذلك اليوم، وكان حمزة أول من صلّى رسول الله عليه ذلك اليوم من الشهداء، وكبّر عليه أربعًا، ثم جُمع إليه الشهداء فكلّما أُتِىَ بشهِيد وُضع إلى جنب حمزة فصلّى عليه وعلى الشهيد، حتى صلّى عليه سبعين مرّة. وسمع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، البكاء في بنى عبد الأشهل على قَتلاهم، فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لكنّ حمزة لا بواكىَ له فسمع ذلك سعد بن معاذ فرجع إلى نساء بنى عبد الأشهل فساقهنّ إلى باب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فبكين على حمزة، فسمع ذلك رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فدعا لهنّ وردّهنّ، فلم تبك امرأةٌ من الأنصار بعد ذلك إلى اليوم على ميت إلا بَدَأتْ بالبكاء على حمزة ثمّ بكت على ميتها.

قال: أخبرنا شهاب بن عبّاد العبديّ، قال أخبرنا عبد الجبّار بن الوَرْد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله، قال: لما أراد معاويةُ أن يُجْرىَ عيْنَه التي بأُحُد كتبوا إليه: إنّا لا نستطيع أن نُجْريها إلا على قبور الشهداء، قال فكتب: انْبُشوهم. قال فرأيْتُهُم يُحمَلون على أعناق الرّجال كأنّهم قوم نيام، وأصابت المسحاةُ طرف رِجْل حمزة بن عبد المطّلب فانبعثت دمًا.

قال: أخبرنا سفيان بن عُيينة وإسماعيل بن إبراهيم الأسديّ عن عليّ بن زيد بن جُدعان، عن سعيد بن المسيّب قال: قال عليّ لرسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ألا تتزوّج ابنة عمّك ابنة حمزة فإنّها، قال سفيان، أجمل، وقال إسماعيل أحسن فتاة في قريش، فقال: يا عليّ أما علمتَ أنّ حمزة أخى من الرّضاعة وأنّ الله حرّم من الرّضاع ما حرّم من النّسب؟ قال: أخبرنا عبد الله بن نمير ومحمّد بن عُبيد، قالا أخبرنا الأعمش عن سعد بن عُبيدة عن أبي عبد الرّحمن السُّلَميّ عن عليّ قال: قلت يا رسول الله ما لي أراك تتوق في نساء قريش وتَدَعُنا؟ قال: عندك شئٌ؟ قال قلت: نعم ابنة حمزة، قال: تلك ابنة أخى من الرّضاعة.

قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاريّ، قال أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن جابر بن زيد (١)، عن ابن عبّاس قال: أريد رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، على ابنة حمزة فقال: إنها ابنة أخى من الرضاعة وإنّه يَحْرُمُ من الرّضاع ما يحرم من النّسَب.

قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل، قال أخبرنا حمّاد بن سَلَمَة عن عمّار بن أبى عمّار أنّ حمزة بن عبد المطلب سأل النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أن يُريَه جبريل في صورته، قال: إنّك لا تستطيع أن تراه، قال: بلى، قال: فاقعد مكانك، قال فنزل جبريل على خشبة في الكعبة كان المشركون يضعون ثيابهم عليها إذا طافوا بالبيت فقال: ارفع طَرْفَك فانْظُرْ، فنظر فإذا قدماه مثل الزبرجد الأخضر فخرّ مغشيًّا عليه.

قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى، قال أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرّب، عن عليّ قال: قال لي رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يوم بدر: يا عليّ نادِ لي حمزة، وكان أقربهم إلى المشركين.

قال: أخبرنا أبو أُسامة حمّاد بن أسامة وإسحاق بن يوسف الأزرق عن ابن عون، عن عُمير بن إسحاق، قال: كان حمزة بن عبد المطّلب يقاتل بين يدى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يوم أحُد بسيفين، ويقول: أنا أسد الله، وجعل يُقبل ويُدبر، قال فبينا (١) هو كذلك إذ عثر عثرةً فوقع على ظهره، وبَصرَ به الأسودُ، قال أبو أسامة: فزرقه بحربة فقتله، وقال إسحاق بن يوسف: فطعنه الحبشيّ بحربة أو رُمْح فبقره.

قال: أخبرنا هَوْذة بن خليفة، قال أخبرنا عوف عن محمّد، قال: بلغنى أن هند بنت عتبة بن ربيعة جاءت في الأحزاب يوم أُحُد وكانت قد نذرت لئن قدرت على حمزة بن عبد المطّلب لَتَأكُلَنّ من كبده: قال فلمّا كان حيث أصيب حمزة، ومثلوا بالقتلى، وجاءُوا بحُزّة من كبد حمزة فأخذتها تمضغُها لتأكلها فلم تستطع أن تبتلعها، فلفظتها، فبلغ ذلك رسولَ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: إنّ الله قد حَرّم على النّار أن تذوق من لحم حمزة شيئًا أبدًا. ثمّ قال محمّد: وهذه شديدة (٢) على هند المسكينة.

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم، قال أخبرنا حمّاد بن سلمة، قال: أخبرنا عطاء بن السائب عن الشعبيّ عن ابن مسعود قال، قال أبو سفيان يوم أُحُد: قد كانت في القوم مثلة وإن كانَتْ لَعَنْ غيرِ مَلإٍ منى، ما أمرتُ ولا نهيتُ ولا أحببتُ ولا كرهتُ، ساءنى ولا سرّنى، قال ونظروا فإذا حمزة قد بُقِر بطنُه وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع هندُ أن تأكلها، فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أكلتْ منها شيئًا؟ قالوا: لا، قال: ما كان الله لِيُدْخِلَ شيئًا من حمزة النّار.

قال: أخبرنا خالد بن مَخْلَد، قال حدّثني عبد الرّحمن بن عبد العزيز، قال حدّثني الزهريّ عن عبد الرّحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال يوم أُحُد مَنْ رأى مقتلَ حمزة؟ فقال رجل: أعزّك الله، أنا رأيت مقتله. قال: فانطَلِق فأرِناه. فخرج حتَّى وقف على حمزة، فرآه قد شُقّ بطنه، وقد مُثل به، فقال: يا رسول الله مُثل به والله، فكره رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أن ينظر إليه، ووقف بين ظَهْرَانى القَتْلى فقال: أنا شهيد على هؤلاء، لُفّوهم في دمائهم فإنّه ليس من جريج يُجْرَح في الله إلّا جاء جرحُه يومَ القيامة يَدْمى، لونه لون الدّم، وريحُه ريح المسك، قدّموا أكثرَهُم قُرْآنًا فاجْعَلُوهُ في اللّحد.

قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال أخبرنا صالح المُرّى، قال أخبرنا سليمان التيميّ عن أبي عثمان النهدى، عن أبي هُريرة، أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وقف على حمزة بن عبد المطلّب حيث اسْتُشْهِدَ، فنظر إلى منظرٍ لم ينظر إلى شئٍ قطّ كان أوجع لقلبه منه، ونظر إليه قد مُثِلَ به فقال: رحمة الله عليك، فإنّك كنت، ما علمتُ، وَصولًا للرحم فَعولًا للخيرات، ولولا حزن مَنْ بعدك عليك لسرّنى أن أتركك حتَّى يحشرك الله من أرواح شتّى، أما والله عَلَيّ ذلك لأمْثُلَنّ بسبعين منهم مكانك! فنزل جبريل، عليه السلام، والنّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، واقف بخواتيم النّحْل {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [سورة النحل: ١٢٦]، إلى آخر الآية، فكفّر النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عن يمينه وأمسكَ عن الّذى أراد، وصبر.

قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال أخبرنا أبو بكر بن عيّاش عن يزيد، عن مِقْسَم، عن ابن عبّاس، قال: لما قُتِل حمزةُ يوم أُحُد أقبلت صفيّةُ تطلبه لا تدرى ما صَنَعَ، قال فَلَقِيَتْ عَلِيًّا والزّبير، فقال عليّ للزّبير: اذكر لأمّك، قال الزّبير: لا بل اذكر أنت لعَمّتِك، قالت: ما فَعَل حمزةُ؟ قال فأرياها أنّهما لا يدريان، قال فجاء النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال إنى أخاف على عقلها، قال فوضع يده على صدرها ودعا لها فاسترجعت وبكت، ثم جاء فقام عليه وقد مُثل به، فقال: لولا جزع النساء لتركتُه حتى يُحْشَرَ من حواصل الطير وبطون السباع، قال ثمّ أمر بالقتلى فجعل يصلّى عليهم، قال فيَضَعُ تسعة وحمزة فيكبّر عليهم سبعًا ثمّ يُرْفَعُونَ ويُتْرَك حمزة، ثمّ يُجاءُ بتسعة فيكبّر عليهم حتى فرغ منهم.

قال: أخبرنا رَوْح بن عبادة وعثمان بن عمر وزيد بن الحُباب عن أُسامة بن زيد، عن الزّهريّ، عن أنس بن مالك، أن رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مرّ بعمّه حمزة يوم أحُد وقد جُدّع ومُثل به، فقال: لولا أن تَجِدَ صَفِيّةُ في نفسها لتركته حتى تأكله العافية، حتى يُحْشَرَ من بطون الطير والسباع، قال فكُفّن في نَمِرَة إذا خُمّر برأسه بَدَتْ رجلاه، وإذا مدّتْ على رجليه بدا رأسه، قال وقلّت الثيابُ وكثرت القتلى، فكُفّن الرجل والرجلان والثلاثة في ثوبٍ واحد، وكان يجمع الثلاثة والاثنين في قبر ثمّ يَسْألُ أيّهم أكثر قُرْآنًا فيُقَدمُهُ في اللّحْد.

قال: أخبرنا وكيع وعبد الله بن نُمَير عن هاشم بن عروة عن أبيه: أن حمزة بن عبد المطّلب كُفّن في ثوب واحد.

قال: أخبرنا الفضل بن دُكين، قال أخبرنا شَريك عن إبراهيم بن المهاجر عن إبراهيم، قال: قال خبّاب: كفّن حمزة في بردة، إذا غُطّى رأسه خرجت رجلاه وإذا غُطّيت رجلاه خرج رأسُه، فغُطّى رأسُه وجُعل على رجْليه إذْخِرٌ.

قال: أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، قال أخبرنا محمّد بن صالح عن يزيد بن زيد، عن أبي أسيد الساعدى، قال: أنا مع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، على قبر حمزة، فجعلوا يجرّون النّمِرَةَ فتنكشف قدماه ويجرّونها على قدميه فينكشف وجهه، فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، اجعلوها على وجهه واجعلوا على قدميه من هذا الشجر، قال فرفع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، رأسه فإذا أصحابه يبكون، فقال: ما يُبكيكم؟ قيل: يا رسول الله لا نجد لعمّك اليوم ثوبًا واحدًا يسعه، فقال: إنّه يأتى على النّاس زمانٌ يخرجون إلى الأرياف فيُصيبون فيها مطعمًا وملبسًا ومركبًا، أو قال: مراكب، فيكتبون إلى أهلهم: هلمّوا إلينا فإنّكم بأرضٍ جَرَديّة، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون، لا يَصْبِرُ على لأوائِها وشِدّتِها أحدٌ إلّا كُنْتُ له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة.

قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى، قال أخبرنا سليمان بن المغيرة، قال أخبرنا هشام بن عروة، قال: أقبلت صفيّةُ بنت عبد المطّلب ومعها ثوبان تريد أن تكفّن أخاها حمزة بن عبد المطّلب فيهما، قال فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، للزّبير بن العوّام وهي أمّه وهو ابنها: عَلَيْك المَرْأةَ، قال فاستقبلها ليردّها، قالت: هكذا لا أرضَ لكَ ولا أمّ لك، فانتهت إليه فإذا إلى جنبه رجلٌ من الأنصار صريعٌ فكفّن حمزة في أوسع الثوبين وكفّن الأنصاري في الآخر.

قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاري، قال. حدّثني أشعث قال: سئل الحسن أيغَسّلُ الشّهداءُ؟ قال: نعم، قال وقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لقد رأيتُ الملائكَةَ تغسّل حمزة.

قال: أخبرنا وكيع والفضل بن دُكين عن شريك عن حصين عن أبي مالك: أنّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، صلّى على قتلى أُحُد عشرة عشرة، يصلّى على حمزة مع كلّ عشرة.

قال: أخبرنا محمّد بن الفضيل بن غزوان عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: صلّى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، على حمزة فكبّر عليه تسعًا، ثمّ جِئَ بأُخرى فكبَّر عليها سبعًا، ثمّ جئ بأُخرى فكبّر عليها خمسًا، حتَّى فرغ من جميعهم غيرَ أنّه وَتَرَ.

قال: أخبرنا عفّان بن مسلم، قال أخبرنا حمّاد بن سَلَمَة، قال أخبرنا عطاء بن السائب عن الشعبيّ عن ابن مسعود قال: وضع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حمزة فصلّى عليه وجئ برجل من الأنصار فوُضع إلى جنبه فصلّى عليه، فرُفع الأنصاري وتُرك حمزة، ثمّ جئَ بآخر فوُضع إلى جنب حمزة فصلّى عليه، فرُفع الأنصاري وتُرك حمزة، حتَّى صلّى عليه يومئذ سبعين صلاة.

قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى، قال أخبرنا همّام عن عطاء بن السائب عن الشعبيّ: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، صلّى على حمزة بن عبد المطّلب ثمّ جئَ برجل فوُضع فصلّى عليهما جميعًا، ثمّ رُفع الرّجل وجئَ بآخر، فما زال يفعل ذلك حتى صلّى يومئذ على حمزة سبعين صلاة.

قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال أخبرنا أبو الأحوص، قال أخبرنا سعيد بن مسروق عن أبي الضّحى، قال في قول الله جلّ ثناؤه: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [سورة آل عمران: ١٦٩]، قال: نزلت في قتلى أُحُد، ونزل فيهم: {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} [سورة آل عمران: ١٤٠]. قال: قُتِلَ يومئذ سبعون من المسلمين أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطّلب، ومُصْعب بن عُمير أخو بنى عبد الدّار، والشمّاس بن عثمان المخزوميّ، وعبد الله بن جحش الأسديّ، وسائرهم من الأنصار.

قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن سفيان عن أبي هاشم عن أَبى مِجْلَز عن قيس بن عُبَاد (١)، قال: سمعت أبا ذَرّ يقسم [قسما {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [سورة الحج: ١٩] إِنها نزلت (٢)] في هؤلاء الرّهط الستة يوم بدر: حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة.

قال: أخبرنا عثمان بن عمر وعُبيد الله بن موسى ورَوْح بن عبادة قالوا: أخبرنا أُسامة بن زيد عن نافعٍ عن ابن عمر قال: لمّا رجع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، من أُحُدٍ سمع نساء بنى عبد الأشْهَل يَبكين على هَلْكاهُنّ، فقال: لكنّ حمزة لا بَواكى له، قال فاجتمع نساءُ الأنصار عنده فبكَيْن على حمزة ورقد رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فاستيقظ وهنّ يبكين فقال: يا وَيحهنّ إنّهن هاهنا حتى الآن، مُروهنّ فليرجعن ولا يَبْكين على هالكٍ بعد اليوم.

قال: أخبرنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر العقديّ قال: أخبرنا زهير بن محمّد، وأخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثى قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمّد الدَّراوَرْدِى جميعًا عن شريك بن أبي نمر عن عَطَاء بن يَسَار: أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مَرّ على نساء بنى عبد الأشْهل لمّا فرغ من أُحُد فَسَمعهنّ يبكين على من اسْتُشهد منهم بأُحُد، فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لكنّ حمزة لا بواكى له. فسمعها سعد بن معاذ، فذهب إلى نساء بنى عبد الأشهل فأمرهنّ أن يذهبن إلى باب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فيبكين على حمزة، فذهبن فبكين فسمع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بكاءهنّ، فقال: من هؤلاء؟ فقيل: نساء الأنصار، فخرج إليهنّ فقال: ارجعن، لا بكاء بعد اليوم.

وقال عبد الملك بن عمرو في حديثه عن زهير بن محمّد: وقال بارك الله عليكنّ وعلى أولادكنّ وعلى أولاد أولادكنّ، وقال عبد الله بن مسلمة في حديثه عن عبد العزيز بن محمّد: رحمكنّ الله ورحم أولادكنّ وأولاد أولادكنّ.

قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاريّ قال: أخبرنا محمّد بن عمرو قال: أخبرنا محمّد بن إبراهيم قال: مَرّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حين انصرف من أُحُد، وبنو عبد الأشهل نساؤهم يبكين على قتلاهم، فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لكنّ حمزة لا بواكى له. فبلغ ذلك سعد بن معاذ، فساق نساءه حتى جاء بهنّ إلى باب المسجد يبكين على حمزة. قالت عائشة: فخرجنا إليهنّ نبكى معهنّ، فنام رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ونحن نبكى ثم استيقظ فصلّى صلاة العشاء الآخرة، ثم نام ونحن نبكى، ثمّ استيقظ فسمع الصوت فقال: ألا أراهنّ هاهنا إلى الآن؟ قولوا لهنّ فَلْيَرْجِعْنَ، ثمّ دعا لهنّ، لأزواجهنّ ولأولادهنّ، ثمّ أصبح فنهى عن البكاء كَأشَدّ ما نهى عن شئ.

قال: أخبرنا محمّد بن إسماعيل بن أبي فُديك قال: قال أخبرنا محمّد بن أبى حميد عن ابن المنكَدر قال: أقبل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، من أُحُد، فمرّ علي بنى عبد الأشْهل، ونساء الأنصار يبكين على هلكاهُنّ يَنْدُبونهم، فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لكنّ حمزة لا بواكى له، قال فدخل رجال من الأنصار على نسائهم فقالوا: حوّلوا بكاءكنّ ونَدْبكنّ على حمزة، فقام رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَطال قيامُه يستمع، ثمّ انصرف فقام على المنبر من الغد فَنَهَى عن النياحة كأشدّ ما نَهَى عن شئ قطّ، وقال: كلّ نادبةٍ كاذبة إلّا نادبة حمزة.

قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا حكيم بن سلمان قال: سمعتُ محارب بن دثار يذكر، قال: لمّا قُتل حمزة بن عبد المطّلب جعل النّاسُ يبكون على قتلاهم، فقال النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لكنّ حمزة لا بواكى له، قال فسمعتْ ذلك الأنصار فأمروا نساءهم فبكوا عليه، فجاءت امرأةٌ واضعة يدها على رأسها تَرِنّ، فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: فعلتِ فِعلَ الشيطان حين أُهبط إلى الأرض وضع يده على رأسه يَرِنّ، وإنّه ليسَ منّا من حَلَقَ ولا من خَرَقَ ولا من سَلَقَ.

قال: أخبرنا عبد الله بن نمير قال: أخبرنا زياد بن المنذر عن أبي جعفر قال: كانت فاطمة تأتى قبر حمزةَ فتَرُمّه وتُصلِحُهُ.

حمزة بن عبد المطلب حسب معرفة الصحابة لأبي نعيم

حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أَبُو عُمَارَةَ وَقِيلَ: أَبُو يَعْلَى، كَانَ عَمَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَسَدُ اللهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ، تَزَوَّجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ هَالَةَ بِنْتَ أُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ حَمْزَةَ وَصَفِيَّةَ، وَكَانَتْ ثُوَيْبَةُ مَوْلَاةُ أَبِي لَهَبٍ، أَرْضَعَتْ حَمْزَةَ وَرَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ حَمْزَةُ أَسَنَّ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَتَيْنِ، أَسْلَمَ بِمَكَّةَ حَمِيَّةً، وَكَانَ إِسْلَامُهُ عِزًّا وَمَنَعَةً لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهِدَ بَدْرًا، وَاسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ، آخَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْلَاهُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ يُقَاتِلُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَيْفَيْنِ، وَهُوَ الْمُعَلَّمُ بِرِيشَةِ نَعَامَةٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ نَزَلَتْ: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج: ١٩] ، سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَتَلَهُ وَحْشِيٌّ الْحَبَشِيُّ، مَوْلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، يَوْمَ السَّبْتِ فِي النِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ، مِنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ قَتَلَ اللهُ بِيَدِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ نَفْسًا، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً، وَكُفِّنَ فِي نَمِرَةٍ غُطِّيَ بِهَا رَأْسُهُ، وَجُعِلَ عَلَى رِجْلَيْهِ الْإِذْخِرُ، وَكَانَ أَحَدَ سَادَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَحَبَّ النَّاسِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخَيْرَ أَعْمَامِهِ، اشْتَدَّ عَلَيْهِ وَجَدُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُ قَتِيلًا، حَتَّى شَهِقَ فَقَالَ: «رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكَ، فَإِنَّكَ مَا عُلِمْتَ فَعُولًا لِلْخَيْرَاتِ، وَصُولًا لِلرَّحِمِ» فَحَلَفَ لَيُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنْهُمْ، ثُمَّ صَبَّرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فَاسْتَلَمَ وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ، أَسْنَدَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَيْنِ ١٨٠٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْحَسَنِ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، ثنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ، يَقُولُ: «إِنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يُكَنَّى أَبَا عُمَارَةَ»

حمزة بن عبد المطلب حسب أسد الغابة في معرفة الصحابة

(ب د ع) حَمْزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، أبو يعلى، وقيل:

أبو عمارة، كنى بابنيه: يعلى، وعمارة. وأمه: هَالة بنت وُهَيب بن عبد مناف بن زهرة، وهي ابنة عم آمنة بنت وهب أم النبي ، وهو شقيق صفية بنت عبد المطلب أم الزبير، وهو عم رسول اللَّه وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب، وأرضعت أبا سلمة (٢) بن عبد الأسد، وكان حمزة، رضي الله عنه وأرضاه، أسنَّ من رسول اللَّه بسنتين، وقيل: بأربع سنين، والأول أصح.

وهو سيد الشهداء، وآخى رسول اللَّه بينه وبين زيد بن حارثة.

أسلم في السنة الثانية من المبعث، وكان سببُ إسلامه ما أخبرنا به أبو جعفر عبيد اللَّه بن أحمد بإسناده إلى يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال: إن أبا جهل اعترض رسول اللَّه فآذاه وشتمه، ونال منه ما يكره من العيب لدينه والتضعيف له، فلم يكلمه رسول اللَّه ، ومولاة لعبد اللَّه بن جدعان التيمي في مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك، ثم انصرف عنه، فعمد إلى ناد لقريش عند الكعبة، فجلس معهم، ولم يلبث حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه أن أقبل متوشحاً قوسه راجعاً من قَنَصٍ (١) له، وكان صاحب قَنَص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يرجع إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز قريش وأشدها شكيمة، وكان يومئذ مشركاً على دين قومِه، فلما مر بالمولاة، وقد قام رسول اللَّه فرجع إلى بيته، فقالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقِيَ ابن أخيك محمد من أبي الحكم آنفاً، وجده (٢) هاهنا فآذاه وشتمه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد.

فاحتمل حمزةَ الغضبُ لما أراد اللَّه تعالى به من كرامته، فخرج سريعاً لا يقف على أحد، كما كان يصنع يريد الطواف بالبيت، معداً لأبي جهل أن يقع (٣) به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالساً في القوم، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس، فضربه بها ضربة شجه شجة منكرة، وقامت رجال من قريش من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقالوا: ما نراك يا حمزة إلا قد صبأت، فقال حمزة: وما يمنعني، وقد استبان لي منه ذلك؟ أنا أشهد إنه رسول اللَّه ، وإن الذي يقول الحقُّ، فو اللَّه لا أنزع، فامنعوني إن كنتم صادقين، قال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني واللَّه لقد سببت ابن أخيه سباً قبيحاً. وتم حمزة على إسلامه، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول اللَّه قد عز وامتنع، وأن حمزة سيمنعه فكفوا عن بعض ما كانوا يتناولون منه.

ثم هاجر إِلى المدينة، وشهد بدراً، وأَبلى فيها بلاء عظيما مشهورا، فمن شيبة بن ربيعة بن عبد شمس مبارزة، وشرك في قتل عتبة بن ربيعة، اشترك هو وعلي رضي الله عنهما في قتله (٤)، وقتل أيضا طعيمة ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف، أخا المطعم بن عدي.

قال أبو الحسن المدائني: أول لواءٍ عقدَه رسول اللَّه لحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، بعثه في سرية إلى سيف (٥) البحر من أرض جهينة، وخالفه ابن إسحاق، فقال: أول لواء عقده لعبيدة بن الحارث بن المطلب (٦).

وكان حمزة يُعْلم في الحرب بريشة نعامة. وقاتل يوم بدر بين يدي رسول اللَّه بسيفين، وقال بعض أساري الكفار: من الرجل المعلم بريشة نعامة؟ قالوا: حمزة رضي الله عنه. قال: ذاك فعل بنا الأفاعيل.

وشهد أحداً، فقتل بها يوم السبت النصف من شوال، وكان قتل من المشركين قبل أن يقتل واحداً وثلاثين نفساً، منهم: سباع الخزاعي، قال له حمزة: هلم إليّ يا ابن مُقَطِّعة البُظُور، وكانت أُمه ختانة، فقتله.

قال ابن إسحاق: كان حمزة يقاتل يومئذ بسيفين، فقال قائل: أيُّ أسد هو حمزة! فبينما هو كذلك إذ عثر عثرة وقع منها على ظهره، فانكشف الدرع عن بطنه، فَزَرَقه (١) وحشي الحبشي، مولى جبير بن مطعم، بحربة فقتله.

ومثل به المشركون، وبجميع قتلى المسلمين إلا حنظلة بن أبي عامر الراهب، فإن أباه كان مع المشركين فتركوه لأجله، وجعل نساء المشركين: هند وصواحباتها يجد عن أنف المسلمين وآذانهم ويبقرون بطونهم، وبقرت هند بطن حمزة رضي الله عنه فأخرجت كبده، فجعلت تلوكها فلم تسغها فلفظتها،

فقال النبي : لو دخل بطنها لم تمسها النار. فلما شهده النبي اشتد وجده عليه، وقال: لئن ظفرت لأمثلنّ بسبعين منهم، فأنزل اللَّه سبحانه ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (٢).

وروى أبو هريرة قال: وقف رسول اللَّه على حمزة، وقد مثل به، فلم ير منظراً كان أوجع لقلبه منه، فقال: «رحمك اللَّه، أي عم، فلقد كنت وصولاً للرحم فعولاً للخيرات».

وروى جابر قال: لما رأى رسول اللَّه حمزة قتيلاً بكى، فلما رأى ما مثل به شهق، وقال: «لولا أن تَجِد (٣) صفية لتركته حتى يحشر من بطون الطير والسباع». وصفية هي أم الزبير وهي أخته. وروى محمد بن عقيل، عن جابر قال: «لما سمع النبي ما فعل بحمزة شهق، فلما رأى ما فعل به صعق.

ولما عاد النبي إلى المدينة سمع النوح على قتلى الأنصار، قال: لكن حمزة لا بواكي له. فسمع الأنصار فأمروا نساءهم أن يندبن حمزة قبل قتلاهم، ففعلن ذلك، قال الواقدي: فلم يزلن يبدأن بالندب لحمزة حتى الآن.

وقال كعب بن مالك يرثي حمزة، وقيل هي لعبد اللَّه بن رواحة (٤):

بكتْ عيني وحُقَّ لها بكاها … وما يُغْني البكاءُ ولا العويلُ على أسد الإله غداةَ قالوا … لحمزَة (٥): ذاكُمُ الرجل القتيل أصيبَ المسلمونَ به جميعاً … هناك وقد أصيبَ به الرسول أبا يعلى، لك الأركان هُدَّت … وأنت الماجد البرُّ الوصول عليك سلام ربك في جِنان … يخالطها نعيمٌ لا يزول ألا يا هاشِمَ الأخيار صبراً … فكل فعالكم حسنٌ جميل رسولُ اللَّه مصطَبرٌ كريم … بأمر اللَّه ينطق إذ يقول ألا من مبلغٌ عني لؤَيا … فبعد اليوم دائلة تَدُول وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا … وقائِعَنا بها يُشْفَى الغليل نسِيتم ضربنا بِقليبِ بدر … غداة أتاكم الموت العجيل غداة ثوى أبو جهْلٍ صريعاً … عليه الطيرُ حائمةً تجول وعتبة وابنه خرّا جميعا … وشيبة عضّه السيف الصقيلُ ألا يا هندُ لا تبدي شماتا … بحمزة إنَّ عزكم ذليلُ ألا يا هندُ فابكي لا تملّي … فأنْتِ الوالِه العَبْرَى الثكولُ (١)

وكان مقتل حمزة للنصف من شوال من سنة ثلاث، وكان عمره سبعاً وخمسين سنة، على قول من يقول: إنه كان أسن من رسول اللَّه بسنتين، وقيل: كان عمره تسعاً وخمسين سنة، على قول من يقول: كان أسن من رسول اللَّه بأربع سنين، وقيل: كان عمره أربعاً وخمسين سنة، وهذا يقوله من جعل مُقام النبي بمكة بعد الوحي عشر سنين، فيكون للنبي اثنتان وخمسون سنة، ويكون لحمزة أربع وخمسون سنة، فإنهم لا يختلفون في أن حمزة أكبر من النبي .

أخبرنا أبو جعفر عبيد اللَّه بن أحمد بن علي البغدادي بإسناده، عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: حدثني رجل من أصحابي، عن مِقْسم، وقد أدركه، عن ابن عباس، قال: صلى رسول اللَّه على حمزة فكبر سبع تكبيرات، ثم لم يؤت بقتيل إلا صلى عليه معه، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة (٢).

وأخبرنا فتيان بن محمود بن سودان، أخبرنا أبو نصر أحمد بن محمد بن عبد القاهر، أَخبرنا أَبو الحسين بن النَّقُور، أَخبرنا أَبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى بن الجراح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا محمد بن جعفر الوركاني، أخبرنا سعيد بن ميسرة البكري، عن أنس بن مالك قال: كان النبي إذا كبر على جنازة كبر عليها أربعاً، وأنه كبر على حمزة سبعين تكبيرة.

وقال أبو أحمد العسكري: وكان حمزة أول شهيد صلى عليه رسول اللَّه .

أخبرنا محمد بن محمد بن سرايا بن علي الشاهد، ومسمار بن أبي بكر بن العويس، وغير واحد، قالوا بإسنادهم إلى محمد بن اسماعيل الجعفي الإمام، حدثنا عبد اللَّه بن يوسف، أخبرنا الليث، حدثني ابن شهاب، عن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد اللَّه قال: «كان النبي يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في قبر واحد، يقول: أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة. وأمر بدفنهم في دمائهم، فلم يغسلوا، ودفن حمزة وابن أخته عبد اللَّه بن جحش في قبر واحد، وكفن حمزة في نَمِرة (٣) فكان إذا تركت على رأسه بدت رجلاه، وإذا غطى بها رجلاه بدا رأسه، فجعلت على رأسه، وجعل على رجليه شيء من الإذْخِر (١)».

وروى يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: «كان ناس من المسلمين قد احتملوا قتلاهم إلى المدينة ليدفنوهم بها، فنهى رسول اللَّه عن ذلك، وقال: ادفنوهم حيث صرعوا».

وقد روى عن حمزة، عن النبي حَدِيثَ:

أخبرنا عُمَر بن محمد بن طَبَرْزَد، أخبرنا أبو القاسم هبة اللَّه بن محمد بن عبد الواحد، أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن غيلان البزاز (٢)، أخبرنا أبو بكر الشافعي قال: وفي كتابي عن عبد اللَّه بن محمد بن ناجية، حدثنا عمر بن شبة، أخبرنا سري بن عياض بن منقذ بن سلمى بن مالك، ومالك بن فاطمة بنت أبي مرثد كَنَّاز بن الحصين حدثني منقذ بن سلمى، عن حديث جده أبي مرثد، عن حديث حليفه حمزة ابن عبد المطلب رضي الله عنه، حديثاً مسنداً إلى النبي قال: الزموا هذا الدعاء: اللَّهمّ إني أسألك باسمك الأعظم ورضوانك الأكبر.

أخبرنا أبو محمد بن أبي القاسم الدمشقي في كتابة، أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن إبراهيم، وأبو محمد عبد الرحمن بن أبي الحسن قالا: أخبرنا سهل بن بشر، أخبرنا علي بن منير، أخبرنا أبو طاهر الذهلي، أخبرنا محمد بن علي بن شعيب، أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا حماد بن زيد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: استصرخنا على قتلانا يوم أحد، يوم حفر معاوية العين، فوجدناهم رطاباً يتثنون، زاد عبد الرحمن:، وذلك على رأس أربعين سنة، قالا: وقال حماد بن زيد: وزادني جرير بن حازم عن أيوب «فأصاب المرَّ (٣) رجل حمزة، فطار منها الدم».

أخرجه الثلاثة (ابن منده، أبو نعيم، ابن عبد البر).

سلمى. بضم السين والإمالة، وحازم: بالحاء المهملة.

أسئلة شائعة - حمزة بن عبد المطلب

من هو حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه؟

هو حمزة بن عبد المطلب بن هاشم، أسد الله وأسد رسوله، وعمّ النبي ﷺ، يكنى أبا عمارة وأبا يعلى، أمه هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وهو من أعزّ قريش وأمنعها.

لماذا لُقّب حمزة بأسد الله؟

لُقّب بأسد الله وأسد رسوله رضي الله عنه لشدة بأسه وشجاعته في الدفاع عن النبي ﷺ والإسلام، وقد ناصر النبي ﷺ حين نال منه أبو جهل وأهل الشرك، فأعزّ الله به الدين.

هل ترك حمزة رضي الله عنه عقبًا؟

لم يبق لحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ولد ولا عقب، فقد كان له أولاد منهم يعلى وعامر وعمارة وأمامة، ودرج أولاد يعلى عمارة والفضل والزبير وعقيل ومحمد، فانقطع عقبه.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 1 محرّم
هلال متزايد اليوم 2 / 29.5
الإضاءة 4%
البدر بعد 13 يوم
اللهم صل على محمد