تفسير سورة البقرة الآية ٢٠٣ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ٢٠٣

۞ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍۢ مَّعْدُودَٰتٍۢ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ٢٠٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 11 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾ الأصحُّ أن هذه الأيام يرادُ بها: أيامُ التشريق (١) (٢) (٣) (٤) ﴿ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ  ﴾ .

وجَمْعُها على الألف والتاء يدل أيضًا على القلة، نحو: دُرَيْهِمَات وحمامات (٥) وروي أن حسان بن ثابت عرضَ شعره وهو صبي بعكاظ على النابغة وأنشده قوله: لنا الجَفنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْن بالضُّحَى ...

وأسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دمَا (٦) فقال: يا غلام!

قَلَّلْتَ جِفَانك، يريد: أنه جَمَعَ بالألف والتاء، ولم يَقُلْ الجِفَان.

قال الزجاج: وهذا الخبر عندي مصنوع؛ لأن الألف والتاء قد تأتي للكَثْرة قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ  ﴾ .

وقال: ﴿ فِي جَنَّاتٍ  ﴾ .

وقال: ﴿ الْغُرُفَاتِ  ﴾ ، فقد يرد هذا الجمع في الكثير، ولكنه أدلُّ على القليل، من حيث كانَ أقرب إلى الواحد؛ لأنه على التثنية، تقول: حمام وحمامان وحمامات، فتؤدي بناءَ الواحد (٧) والمراد بالذكر في هذه الأيام: التكبير أدبار الصلوات وعند الجمرات، يكبر مع كل حصاة (٨) وأكثر العلماء على ما ذكرنا وهو أن الأيام المعدودات: أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد النحر: أولها: يوم القَرّ، وهو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة، يستقرُّ الناس فيه بمنى.

والثاني: يوم النَّفْر الأول؛ لأن بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى.

والثالث: يوم الثالث عشر، وهو يوم النفر الثاني (٩) وهذه الأيام الثلاثة مع يوم النحر كلها أيام النحر، وأيام رمي الجمار (١٠) (١١)  ، وهو أكمل المذاهب.

والأظهر من مذهب الشافعي رحمه الله أنه يبتدئ التكبيرَ من صلاة الظُّهر يوم النحر إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق، اقتداءً بالحاجّ، قال: لأنهم يقطعون التلبية ويأخذون في التكبير يوم النحر، من صلاة الظهر، والصبح آخر صلاة يصليها الحاج، والناس لهم تبع (١٢) وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ معناه: فمن تعجل في يومين من أيام التشريق فنفر في اليوم الثاني، فلا إثم عليه في تَعَجُّلِه، ومن تَأَخَّرَ عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتى نفر فيه، فلا إثم عليه في تأخُّرِه (١٣) فإن قيل: إنما يخاف الإثم المتعجل.

فما بال المتأخر أُلحق به، والذي أتى أفضل؟

قيل: معناه: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فهو مبرور مأجور.

فقال: (فلا إثم عليه) وهو يريد هذا المعنى لتوافق اللفظةُ الأولى الثانيةَ، وتكون على مثلِ سبيلها، وقد ذكرنا أنه حُمِلَ على موافقة اللفظ بما لا يصلح في المعنى (١٤) ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ  ﴾ ، فَلأَن يحمل على موافقة اللفظ بما يَصِحُّ في المعنى أولى؛ لأن المبرور المأجور يصح في المعنى نفيُ الإثم عنه.

وقيل: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه في استعماله الرخصة، ومن تأخر فَتَرْكُه استعمالَ الرخصةِ غيُر مؤثم له أيضًا.

وقيل: فمن تَعَجَّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه من آثامهما التي كانت عليهما قبل أن يَحُجَّا، يدل على صحة هذا الوجه: ما روى منصور (١٥) (١٦)  قال: "من حجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُق خرج من ذنوبه كيومِ ولدتْه أمه" (١٧) وذهب بعض المتأولين: إلى أن المراد بوضع الإثم عنه المتعجلُ دون المتأخر، ولكن ذُكرا معًا والمراد أحدُهما، كقوله: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ  ﴾ والجناح على الزوج؛ لأنه أخذ ما أعطى، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا  ﴾ ومثل هذا قوله: ﴿ نَسِيَا حُوتَهُمَا  ﴾ ، نسب النسيان إليهما، والناسي أحدُهما، وقوله ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ  ﴾ ، وإنما يخرج من أحدهما (١٨) وقوله تعالى: ﴿ لِمَنِ اتَّقَى ﴾ قال النحويون: المعنى: ذلك لمن اتقى، أي: طَرْح المآثم عن المتعجل والمتأخر يكون إذا اتَّقَيَا في حَجَّهما تضييع شيء مما حَدَّه الله وأمر به، حتى لا يظن أن من تعجل أو تأخر خرج عن الآثام دون أن يتقي، فيكون قوله: ﴿ لِمَنِ اتَّقَى ﴾ خبرًا لمبتدأ محذوف (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ لِمَنِ اتَّقَى ﴾ (٢٢) (٢٣) وقال ابن عباس في رواية العوفي والكلبي: طرح المأثم عن المتعجل والمتأخر يكون إذا اتَّقَيَا قَتْلَ الصيد، لا يحلُّ لأَحَدْ أن يَقْتُلَ صيدًا حتى تخلو أيام التشريق (٢٤) (٢٥) وقال أبو العالية: ذهب إِثْمُهُ كُلُّه إن اتقى فيما بقي من عمره (٢٦) ومعناه: التحذير من الاتكال على ما سلف من أعمال الحج والبر فيه، فبين أن عليهم مع ذلك ملازمةَ التقوى، ومجانبةَ الاغترار بالحال الأولى.

(١) سميت أيام التشريق بذلك؛ لأن الناس كانوا يشرقون اللحم تلك الأيام، وتشريق اللحم هو تقديده وبسطه في الشمس ليجف، وقيل: لأن الهدي والضحايا لا تنحر حتى تشرق الشمس، أي: تطلع.

ينظر: "النهاية" لابن الأثير ص 475.

(٢) قد حكى جماعة كثيرة من العلماء الإجماع على أن المراد بالأيام المعدودات هي أيام منى، منهم: الماوردي في: "النكت والعيون" 1/ 263، وابن عبد البر، نقله عنه القرطبي في "تفسيره" 3/ 1، والجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 394، والكيا الهراسي في "أحكام القرآن" 1/ 178، والرازي في "تفسيره" 5/ 208، والقرطبي في "تفسيره" 3/ 1.

وقال النووي في "المجموع" 8/ 281: نقل القاضي أبو الطيب والعبدري وخلائق: إجماع العلماء على أن المعدودات هي أيام التشريق.

وذكر الطبري في "تفسيره" 2/ 302 - 303 هذا القول عن مفسري السلف، وقال: وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، ثم أسند التفسير به عن ابن عباس وعطاء ومجاهد وإبراهيم والحسن وقتادة والسدي والربيع ومالك والضحاك وابن زيد.

ينظر: "الإجماع في التفسير" 216 وما بعدها.

(٣) زيادة من (ي).

(٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 275.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 275، قال القرطبي في "تفسيره" 3/ 1: قال الكوفيون: الألف والتاء في (معدودات)؛ لأقل العدد، وقال البصريون: هما للقليل والكثير.

(٦) البيت في "ديوانه" ص 221.

"المقتضب" 2: 188 "الكتاب" لسيبويه 3/ 578 "الخصائص" 2/ 206، "المحتسب" 1/ 187، والغُر: البيض، جمع غرّاء، يريد بياض الشحم، يقول: جفاننا معدة للضيفان ومساكين الحي بالغداة وأسيافنا تقطر بالدم، لنجدتنا وكثرة حروبنا.

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 275 - 276، وقد استشهد سيبويه في "الكتاب" 3/ 578 ببيت حسان على الجمع الكثير.

(٨) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 302، "تفسير الثعلبي" 2/ 614، "زاد المسير" 1/ 217.

(٩) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 204، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 140 - 142، وقال القرطبي 3/ 1.

أمر الله سبحانه عباده بذكره في الأيام المعدودات، وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر، وليس يوم النحر منها، لإجماع الناس أنه لا ينفر أحد يوم النفر، وهو ثاني يوم النحر، ولو كان يوم النحر في المعدودات لساغ أن ينفر من شاء متعجلا يوم النفر؛ لأنه قد أخذ يومين من المعدودات.

(١٠) كونها أياما لرمي الجمار لا خلاف فيه، وكونها أياما للنحر وقع فيه الخلاف على أقوال: الأول: أن آخر أيام النحر اليوم الثاني من أيام التشريق، فتكون أيام النحر ثلاثة، يوم النحر ويومان بعده، وهذا قول عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأنس، وهو قول أبي حنيفة ومالك والثوري.

والثاني: أن آخر أيام النحر هو آخر أيام التشريق، روي عن علي، وبه قال عطاء والحسن، وهو مذهب الشافعي.

والثالث: أن النحر في يوم النحر فقط وهو قول ابن سيرين.

والرابع: أن آخرها لأهل الأمصار يوم النحر، ولأهل منى اليوم الثاني من أيام التشريق، وبه قال سعيد بن جبير وجابر بن زيد.

والخامس: أن آخرها هلال المحرم، وبه قال أبو سلمة بن عبد الرحمن وعطاء بن يِسار.

ينظر: "المغني" لابن قدامة 13/ 386.

(١١) رواه عن علي: ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 165، وابن المنذر في "الأوسط" 4/ 300، والبيهقي في "تفسيره" 3/ 314.

(١٢) ينظر: "الأم" 1/ 275، "معرفة السنن والآثار" 5/ 104، "المجموع" 5/ 31، وقد وقع الخلاف في ابتداء التكبير عقب الصلوات المفروضات وانتهائه على ستة أقوال: الأول: ما ذكره المؤلف من مذهب علي، وبه قال عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود والثوري وأبو ثور، والشافعي في بعض أقواله، وأبو يوسف ومحمد، وهو مذهب أحمد لمن كان محلا، أما إن كان محرما فيبتدئ بالظهر من يوم النحر.

الثاني أنه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر، قاله ابن مسعود وعلقمة والنخعي وأبو حنيفة.

الثالث: من بعد صلاة الظهر يوم النحر إلى ما بعد العصر من آخر أيام التشريق، قاله ابن عمر وزيد بن ثابت وابن عباس وعطاء.

والرابع: أنه يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى ما بعد صلاة الظهر من يوم النفر، وهو الثاني من أيام التشريق، قاله الحسن.

والخامس: أنه يكبر من الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، قاله مالك وهو أحد قولي الشافعي.

والسادس: أنه يكبر من صلاة المغرب ليلة النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وهذا قول للشافعي.

ينظر: "زاد المسير" 1/ 217، "المغني" 3/ 288، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 142، "تفسير القرطبي" 3/ 4.

(١٣) "تفسير الثعلبي" 2/ 622، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 305، "زاد المسير" 1/ 218، "تفسير القرطبي" 3/ 4.

(١٤) في (أ) و (م): ليوافق اللفظ ما لا يصح في المعنى.

(١٥) هو: منصور بن المعتمر بن عبد الله السلمي، أبو عتاب الكوفي، أحد الأئمة الثقات، وكان أثبتَ أهلِ الكوفة، اشتهر بالعبد والصلاح، ذكر العجلي أن فيه تشيعا قليلا وليس بمغال، توفي سنة 132 هـ ينظر: "الجرح والتعديل" 6/ 92، "تاريخ بغداد" 11/ 120.

(١٦) هو: سلمان أبو حازم الأشجعي الكوفي، روى عن ابن عمر وأبي هريرة، وروى == عنه منصور والأعمش، كان ثقة وله أحاديث صالحة، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز.

ينظر: "تهذيب التهذيب" 4/ 140، "التقريب" ص 246 (2479).

(١٧) أخرجه البخاري (1820) كتاب الحج، باب: قول الله: ولا فسوق ولا جدال في الحج، ومسلم (1350) كتاب الحج، باب: في فضل الحج والعمرة.

(١٨) ينظر في ذكر هذه الأجوبة على هذا الإشكال الذي طرحه الواحدي: "تفسير الطبري" 2/ 305 - 307، "زاد المسير" 2/ 218، "التفسير الكبير" 5/ 210 - 211، "البحر المحيط" 2/ 112.

(١٩) ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 185، "التبيان" ص 126 - 127، وقال في "البحر المحيط" 2/ 112: قيل هو متعلق بقوله: واذكروا الله، أي: الذكر لمن اتقى، وقيل: المعنى: ذلك التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقي لئلا يختلج في قلبه شيء منهما فيحسب أن أحدهما آثام في الإقدام عليه، (٢٠) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 309، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 625.

(٢١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 309، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 363.

(٢٢) من قوله: كان يقرأ القرآن ...

ساقطة من (م).

وهذه العبارة وردت مكررة في (أ) وفي الأولى منهما (لمن اتقى الله حجه).

(٢٣) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص 291، والطبري في "تفسيره" 2/ 208 عن ابن جريج، وذكر القراءة: الثعلبي في "تفسيره" 2/ 626، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 113.

(٢٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 309، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 363 كلاهما من غير طريق العوفي والكلبي، وفي "الدر المنثور" 1/ 423، عزاه إلى سفيان بن عيينة وابن المنذر.

رواية العوفي أخرجها الطبري 2/ 309، وذكرها الثعلبي 2/ 625، ورواية الكلبي ذكرها الثعلبي 2/ 625، وأخرجها ابن أبي حاتم 2/ 363، من طريق سفيان عن رجل قد سماه عن أبي صالح عن ابن عباس به.

(٢٥) في (ي) (فإذا).

(٢٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 308، وفي "الدر المنثور" 1/ 425 عزاه إلى عبد بن حميد، وذكر النحاس في "معاني القرآن" 1/ 147، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 625.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.5 / 29.5
الإضاءة 30%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر