التسهيل لعلوم التنزيل سورة المائدة

الإسلام > القرآن > تفسير > التسهيل > تفسير سورة المائدة

تفسيرُ سورةِ المائدة كاملةً من التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) (ابن جزي الكلبي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 107 دقيقة قراءة

تفسير سورة المائدة كاملةً (ابن جزي الكلبي)

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَـٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ١

﴿ أَوْفُواْ بالعقود ﴾ قيل: إن العقود هنا عقدة الإنسان مع غيره من بيع ونكاح وعتق وشبه ذلك، وقيل: ما عقده مع ربه من الطاعات: كالحج والصيام وشبه ذلك، وقيل: ما عقده الله عليهم من التحليل والتحريم في دينه، ذكر مجملاً ثم فصل بعد ذلك في قوله: أحلت لكم وما بعده ﴿ بَهِيمَةُ الأنعام ﴾ هي الإبل والبقر والغنم، وإضافة البهيمة إليها من باب إضافة الشيء إلى ما هو أخص منه؛ لأن البهيمة تقع على الأنعام وغيرها، قال الزمخشري: هي الإضافة التي بمعنى من كخاتم من حديد أي البهيمة من الأنعام، وقيل: هي الوحش؛ كالظباء، وبقر الوحش والمعروف من كلام العرب أن الأنعام لا تقع إلاّ على الإبل والبقر والغنم، وأن البهيمة تقع على كل حيوان ما عدا الإنسان ﴿ إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ ﴾ يريد الميتة وأخواتها ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصيد ﴾ نصب على الحال من الضمير في لكم ﴿ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ حال من مُحلي الصيد، وحُرُم جمع حرام وهو المحرم بالحج، فالاستثناء بإلا من البهائم المحللة، والاستثناء بغير من القوم المخاطبين.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَـٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًۭا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا۟ ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا۟ ۘ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ٢

﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله ﴾ قيل: هي مناسك الحج، كان المشركون يحجون ويعتمرون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فقيل لهم: لا تحلوا شعائر الله: أي لا تغيروا عليهم ولا تصدّوهم وقيل: هي الحرَم، وإحلاله الصيد فيه، وقيل هي ما يحرم على الحاج من النساء والطيب والصيد وغير ذلك، وإحلاله: فعله ﴿ وَلاَ الشهر الحرام ﴾ قيل: هو جنس الأشهر الحرام الأربعة، وهي رجب وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، وقيل أشهر الحج، وهي: شوال، وذو القعدة وذو الحجة، وإحلالها هو: القتال فيها وتغيير حالها، ﴿ وَلاَ الهدي ﴾ هو ما يهدى إلى البيت الحرام من الأنعام، ويذبح تقرّباً إلى الله فنهى الله أن يستحل بأن يغار عليه، أو يصد عن البيت ﴿ وَلاَ القلائد ﴾ قيل: هي التي تعلق في أعناق الهدي، فنهى عن التعرّض لها، وقيل: أراد ذوات القلائد من الهدي وهي البُدن وجدّدها بالذكر بعد دخولها في الهدي اهتماماً بها وتأكيداً لأمرها ﴿ ولا آمِّينَ البيت الحرام ﴾ أي قاصدين إلى البيت لحج أو عمرة، ونهى الله عن الإغارة عليهم أو صدّهم عن البيت، ونزلت الآية على ما قال السهيلي بسبب الحطم البكري واسمه: شُريح بن ضبيعة أخذته خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقصد إلى الكعبة ليعتمر، وهاذ النهي عن إحلال هذه الأشياء: عام في المسلمين والمشركين، ثم نسخ النهي عن قتال المشركين بقوله: ﴿ فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ [التوبة: 5] وبقوله: ﴿ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام ﴾ [التوبة: 28] وبقوله: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مساجد الله ﴾ [التوبة: 17] ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ ورضوانا ﴾ الفضل: الربح في التجارة، والرضوان: الرحمة في الدنيا والآخرة ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا ﴾ أي إذا حللتم من إحرامكم بالحج فاصطادوا إن شئتم، فالأمر هنا إباحة بإجماع ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ ﴾ معنى لا يجرمنكم: لا يكسبنكم، يقال: جرم فلان فلاناً هذا الأمر إذا أكسبه إياه وحمله عليه، والشنآن: هو البغض والحقد، ويقال: بفتح النون وإسكانها، وأن صدوكم: مفعول من أجله، وأن تعتدوا: مفعول ثان ليجرمنكم، ومعنى الآية: لا تحملنكم عداوة قوم على أن تعتدوا عليهم من أجل أن صدوكم عن المسجد الحرام، ونزلت عام الفتح حين ظفر المسلمون بأهل مكة فأرادوا أن يستأصلوهم بالقتل، لأنهم كانوا قد صدوهم عن المسجد الحرام عام الحديبية، فنهاهم الله عن قتلهم، لأن الله علم أنهم يؤمنون ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى ﴾ وصية عامة، والفرق بين البرّ والتقوى أن البرّ عام في فعل الواجبات والمندوبات وترك المحرمات، وفي كل ما يقرب إلى الله، والتقوى في الواجبات وترك المحرمات دون فعل المندوبات فالبر أعم من التقوى ﴿ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان ﴾ الفرق بينهما أن الإثم كل ذنب بين العبد وبين الله أو بينه وبين الناس، والعدوان على الناس.

<div class="verse-tafsir"

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًۭا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍۢ لِّإِثْمٍۢ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٣

﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير ﴾ تقدّم الكلام عليها في [البقرة: 173] ﴿ والمنخنقة ﴾ هي التي تخنق بحبل وشبهه ﴿ والموقوذة ﴾ هي المضروبة بعصا أو حجر وشبهه، ﴿ والمتردية ﴾ هي التي تسقط من جبل أو شبه ذلك، ﴿ والنطيحة ﴾ هي التي نطحتها بهيمة أخرى ﴿ وَمَآ أَكَلَ السبع ﴾ أي أكل بعضه، والسبع كل حيوان مفترس: كالذئب والأسد والنمر والثعلب والعقاب والنسر ﴿ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ قيل إنه استثناء منقطع، وذلك إذا أريد بالمنخنقة وأخواتها: ما مات من الاختناق والوقذ والتردية والنطح وأكل السبع، والمعنى: حرمت عليكم هذه الأشياء، لكن ما ذكيتم من غيرها، فهو حلال، وهذا قول ضعيف، لأنها إن ماتت بهذه الأسباب، فهي ميتة فقد دخلت في عموم الميتة فلا فائدة لذكرها بعدها، وقيل: إنه استثناء متصل، وذلك إن أريد بالمنخنقة وأخواتها ما أصابته تلك الأسباب وأدركت ذكاته، والمعنى على هذا: إلى ما أدركتم ذكاتها من هذه الأشياء فهو حلال، ثم اختلف أهل هذا القول هل يشترط أ ن تكون لم تنفذ مقالتها أم لا؟

وأما إذا لم تشرف على الموت من هذه الأسباب، فذكاتها جائزة باتفاق ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب ﴾ عطف على المحرمات المذكورة، والنصب حجارة كان أهل الجاهلية يعظمونها ويذبحون عليها، وليست بالأصنام مصوّرة والنصب غير مصوّرة وهي الأنصاب، والمفرد نصاب، وقد قيل: إن النصب بضمتين مفرد، وجمعه أنصاب ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام ﴾ عطف على المحرمات أيضاً.

والاستقسام هو طلب ما قسم له، والأزلام هي الهسام.

واحدها زلم بضم الزاي وفتحها، وكانت ثلاثة قد كتب على أحدها: افعل: وعلى الآخر: لا تفعل، والثالث: مهمل، فإذا أراد الإنسان أن يعمل أمراً جعلها في خريطة كيس، وأدخل يده وأخرج أحدها، فإن خرج له الذي فيه افعل: فعل ما أراد، وإن خرج له الذي فيه لا تفعل تركه، وإن خرج المهمل أعاد الضرب ﴿ ذلكم فِسْقٌ ﴾ الإشارة إلى تناول المحرمات المذكورة كلها، أو إلى الاستقسام بالأزلام، وإنما حرمه الله وجعله فسقاً: لأنه دخول في علم الغيب الذي انفرد الله به، فهو كالكهانة وغيرها مما يرام به الاطلاع على الغيوب ﴿ اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ﴾ أي يئسوا أن يغلبوه ويطلبوه، ونزلت بعد العصر من يوم الجمعة يوم عرفة في حجة الوداع،.

فذلك هو اليوم المذكور لظهور الإسلام فيه وكثرة المسلمين، ويحتمل أن يكون بالنصر والظهور أو بتعليم الشرائع وبيان الحلال والحرام ﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ راجع إلى المحرمات المذكورة قبل هذا، أباحها الله عند الاضطرار ﴿ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾ في مجاعة ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ ﴾ هذا بمعنى غير باغ ولا عاد وقد تقدم في البقرة ﴿ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ قام مقام فلا جناح عليه، وتضمن زيادة الوعد.

<div class="verse-tafsir"

يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَكُلُوا۟ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ٤

﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ﴾ سببها أن المسلمين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب، سألوه ماذا يحل لنا من الكلاب؟

فنزلت مبينة للصيد بالكلاب ﴿ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات ﴾ هي عند مالك الحلال، وذلك مما لم يرد تحريمه في كتاب ولا سنة وعند الشافعي: الحلال المستلذ، فحرم كل مستقذر كالخنافس والضفادع وشبهها لأنها من الخبائث ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الجوارح ﴾ عطف على الطيبات على حذف مضاف تقديره وصيد ما علمتم، أو مبتدأ وخبره فكلوا مما أمسكن عليكم وهذا أحسن، لأنه لا خلاف فيه، والجوارح هي الكلاب ونحوها مما يصطاد به وسميت جوارح لأنها كواسب لأهلها، فهو من الجرح بمعنى الكسب ولا خلاف في جواز الصيد بالكلاب، واختلف فيا سواها ومذهب الجمهور الجواز، للأحاديث الواردة في البازات وغيرها، ومنع بعض ذلك لقوله: ملكبين، فإنه مشتق من الكلب ونزلت الآية بسبب عدي بن حاتم، وكان له كلاب يصطاد بها، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحل من الصيد و ﴿ مُكَلِّبِينَ ﴾ أي معلمين للكلاب الاصطياد، وقيل: معناه أصحاب الكلاب وهو منصوب على الحال من ضمير الفاعل في علمتم ويقتضي قوله: علمتم ومكلبين أنه لا يجوز الصيد إلاّ بجارح معلم، لقوله: وما علمتم وقوله مكلبين على القول الأول لتأكيده ذلك بقوله: تعلمونهنّ، وحدّ التعليم عند ابن القاسم: أن يعلم الجارح الإشلاء والزجر، وقيل: الإشلاء والزجر، وقيل: الإشلاء خاصة، وقيل: أن يجيب إذا دعي ﴿ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله ﴾ أي تعلمونهن من الحيلة في الاصطياد وتأتي تحصيل الصيد، وهذا جزء مما علمه الله الإنسان، فن للتبعيض، ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية، والجملة في موضع الحال أو استئناف ﴿ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ الأمر هنا للإباحة ويحتمل أن يريد بما أمسكن، سواء أكلت الجوارح منه أو لم تأكل، وهو ظاهر إطلاق اللفظ، وبذلك أخذ مالك، ويحتمل أن يريد مما أمسكن ولم يأكل منه، وبذلك فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «فإن أكل منه فلا تأكل فإنه إنما أمسك على نفسه» وقد أخذ بهذا بعض العلماء، وقد، ورد في حديث آخر: «إذا أكل فكل» وهو حجة لمالك ﴿ واذكروا اسم الله عَلَيْهِ ﴾ هذا أمر بالتسمية على الصيد، ويجري الذبح مجراه، وقد اختلف الناس في حكم التسمية، فقال الظاهرية: إنها واجبة جملاً للأمر على الوجوب، فإن تركت التسمية عمداً أو نسياناً، لم تؤكل عندهم وقال الشافعي: إنها مستحبة، حملاً للأمر على الندب وتؤكل عنده، سواء تركت التسمية على الصيد ومذهب مالك أنه: إن تركنا التسمية عمداً لم تؤكل، وإن تركت نسياناً أكلت فهي عنده واجبة مع الذكر، ساقطة مع النسيان.

<div class="verse-tafsir"

ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ ۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّۭ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّۭ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍۢ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلْإِيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٥ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًۭا فَٱطَّهَّرُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍۢ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٦ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَـٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٧

﴿ وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ ﴾ معنى حل: حلال، والذين أوتوا الكتاب هم اليهود، والنصارى، واختلف في نصارى بني تغلب من العرب، وفيمن كان مسلماً ثم ارتد إلى اليهودية أو النصرانية، هل يحل لنا طعامهم أم لا؟

ولفظ الآية يقتضي الجواز لأنهم من أهل الكتاب، واختلف في المجوس والصابئين.

هل هم أهل كتاب أم لا؟.

وأما الطعام، فهو على ثلاثة أقسام أحدها: الذبائح وقد اتفق العلماء على أنها مرادة في الآية، فأجازوا كل ذبائح اليهود والنصارى، واختلفوا فيما هو محرم عليهم في دينهم، هل يحل لنا أم لا على ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع، والكراهة، وهذا الاختلاف مبني على هو من طعامهم أم لا فإن أريد بطعامهم ما ذبحوه جاز، وإن أريد به ما يحل لهم منع، والكراهة توسط بين القولين.

القسم الثاني ما لا محاولة لهم فيه كالقمح والفاكهة فهو جائز لنا باتفاق، والثالث: ما فيه محاولة: كالخبز، وتعصير الزيت، وعقد الجبن وشبه ذلك مما يمكن استعمال النجاسة فهي، فمنعه ابن عباس لأنه رأى أن طعامهم هو الذبائح خاصة، ولأنه يمكن أن يكون نجساً، وأجازه الجمهور، لأنه رأوه داخلاً في طعامهم، هذا إذا كان استعمال النجاسة فيه محتملاً، فأما أذا تحققنا استعمال النجاسة فيه كالخمر والخنزير والميتة، فلا يجوز أصلاً وقد صنف الطرطوشي في تحريم جبن النصارى، وقال: إنه ينجس البائع والمشتري والآلة، لأنهم يعقدونه بأنفحة الميتة، ويجري مجرى ذلك الزيت إذا علمنا أنهم يجعلونه في ظروف الميتة ﴿ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ﴾ هذه إباحة للمسلمين أن يطعموا أهل الكتاب من طعامهم ﴿ والمحصنات ﴾ عطف على الطعام المحلل، وقد تقدّم أن الإحصان له أربعة معان: الإسلام، والتزوج والعفة، والحرية.

فأما الإسلام فلا يصح هنا لقوله من الذين أوتوا الكتاب، وأما التزوج فلا يصح أيضاً لأن ذات الزوج لا تحل لغيره، ويحتمل هنا العفة والحرية، فمن حمله على العفة أجاز نكاح المرأة الكتابية سواء كانت حرة أو أمة، ومن حمله على الحرية أجاز نكاح الكتابية الحرة ومنع الأمة، وهو مذهب مالك، ولا تعارض بين هذه الآية.

وبين قوله: ولا تنكحوا المشركات لأنه هذه في الكتابيات، والخرى في المشركات، وقد جعل بعض الناس هذه ناسخة لتلك، وقيل: بالعكس، وقد تقدم معنى ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ [النساء: 24] ومعنى الأخذان: ﴿ يَآأَيُّهَا الذين آمَنُواْ استعينوا بالصبر والصلاوة ﴾ [البقرة: 153] نزلت في غزوة المريسيع، حين انقطع عقد عائشة رضي الله عنها، فأقام الناس على التماسه وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فنزلت الرخصة في التيمم، فقال أسيد بن حضير: ما هذه بأول بركاتكم يا آل أبي بكر ولذلك سميت الآية آية التيمم، وقد كان الوضوء مشروعاً قبلها، ثابتاً بالسنة، وقوله: إذا قمتم إلى الصلاة معناه: إذا أردتم القيام إلأى الصلاة فتوضأوا.

ويقتضي ظاهرها وجوب تجديد الوضوء لكل صلاة، وهو مذهب ابن سيرين وعكرمة.

ومذهب الجمهور: أنه لا يجب، واختلفوا في تأويل الآية على أربعة أقوال: الأول: أن وجوب تجديد الوضوء لكل صلاة منسوخ بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد، والثاني: أن ما تقتضيه الآية من التحديد يحمل على الندب، والثالث: أن تقديرها إذا قمتم محدثين فإنما يجب على من أحدث، والرابع: أن تقديرها إذا قمتم من النوم ﴿ فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق ﴾ ذكر في هذه الآية.

أربعة أعضاء اثنين محدودين، وهما اليدان والرجلان واثنين غير محدودين وهما الوجه والرأس أما المحدودان فتغسل اليدان إلى المرفقين، والرجلان إلى الكعبين وجوباً بإجماع، فإنّ ذلك هو الحد الذي جعل الله لهما، واختلف هل يجب غسل المرفقين مع اليدين، وغسل الكعبين مع الرجلين أم لا، وذلك مبين على معنى إلى، فمن جعل إلى بمعنى مع في قوله إلى الكعبين، هل هما اللذان عند مقعد الشراك أو العظمان الناتئان في طرف الساق، وهو أظهر لأنه ذكرهما بلفظ التثنية، ولو كان اللذان عند مقعد الشراك لذكرهما بلفظ الجمع كما ذكر المرافق، لأنه على ذلك في كل رجل كعب واحد وأما غير المحدودين، فاتفق على وجوب استعاب الوجه.

وحده طولاً من أول منابت الشعر إلى آخر الذقن أو اللحية، وحدّه عرضاً من الأذن إلى الأذن وقيل: من العذار إلى العذار، وأما الرأس، فمذهب مالك وجوب إيعابه كالوجه، ومذهب كثير من العلماء جواز الاقتصار على بعضه، لما ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على ناصيته ولكنهم اختلفوا في القدر الذي يجزئ على أقوال كثيرة ﴿ وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ ﴾ اختلف في هذه الباء فقال قوم: إنها للتبعيض وبنوا على ذلك جواز مسح بعض الرأس، وهذا القول غير صحيح عند أهل العربية، وقال القرافي: إنها باء الاستعانة التي تدخل على الآلات وأن المعنى: امسحوا أيديكم برؤوسكم، وهذا ضعيف، لأن هذا ليس موضع زيادتها والصحيح عندي: أنها باء الإلصاق التي توصل الفعل إلى مفعوله؛ لأن المسح تارة يتعدّى بنفسه، وتارة بحرف الجر: كقوله: فامسحوا بوجوهكم، وكقوله: ﴿ فَطَفِقَ مَسْحاً بالسوق والأعناق ﴾ [ص: 33] ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين ﴾ قرئ وأرجلَكم بالنصب عطفاً على الوجوه والأيدي فيقتضي ذلك وجوب غسل الرجلين، وقرئ بالخفض، فحمله بعضهم على أنه عطف على قوله: برؤوسكم، فأجاز مسح الرجلين، روي ذلك عن ابن عباس، وقال الجمهور لا يجوز مسحهما بل يجب غسلهما وتأولوا قراءة الخفض بثلاثة تأويلات: أحدها: أنه خفض على الجوار لا على العطف.

والآخر: أنه يراد به المسح على الخفين، والثالث: أن ذلك منسوخ بالسنة.

والفرق بين الغسل والمسح أن المسح إمرار اليدين بالبلل الذي يبقى من الماء، والغسل عند مالك إمرار اليد بالماء، وعند الشافعي إمرار الماء، وإن لم يدلك باليد ﴿ وَإِن كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ ﴾ تقدم الكلام على نظيرتها في النساء ﴿ مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ﴾ أي من ضيق ولا مشقة كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دين الله يسر» ، وباقي الآية تفضل من الله على عباده ورحمة وفي ضمن ذلك ترغيب في الطهارة وتنشيط عليها ﴿ وميثاقه الذي وَاثَقَكُم بِهِ ﴾ هو ما وقع في بيعة العقبة وبيعة الرضوان، وكل موطن قال المسلمون فيه: سمعنا وأطعنا.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ٨

﴿ كُونُواْ قوامين ﴾ تقدم الكلام على نظيرتها في النساء ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ١١

﴿ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ﴾ في سببها أربعة أقوال: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني النضير من اليهود، فهمّوا أن يصبوا عليه صخرة يقتلونه بها، فأخبره جبريل بذلك فقام من المكان، ويقوي هذا القول ما ورد في الآيات بعد هذا في غدر اليهود، والثاني: أنها نزلت في شأن الأعرابي الذي سل السيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وجده في سفر وهو وحده وقال له من يمنعك مني؟

قال: الله فأغمد السيف وجلس واسمه غورث بن الحارث المحاربي الغطفاني، والثالث: أنها فيما همّ به الكفار من الإيقاع بالمسلمين حين نزلت صلاة الخوف، والرابع: أنها على الإطلاق في دفع الله الكفار عن المسلمين.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًۭا ۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٢ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعَنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـٰسِيَةًۭ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ ۙ وَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍۢ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ١٣

﴿ اثني عَشَرَ نَقِيباً ﴾ النقيب هو كبير القوم القائم بأمورهم ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ أي بنصري، والخطاب لبني إسرائيل، وقيل: للنقباء ﴿ يُحَرِّفُونَ الكلم ﴾ اختلف هل أريد تحريف الألفاظ أو المعاني؟

﴿ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ ﴾ أي على خيانة فهو مصدر كالعاقبة، وقيل: على طائفة خائنة، وهو إخبار بأمر مستقبل ﴿ فاعف عَنْهُمْ ﴾ منسوخ بالسيف والجزية.

<div class="verse-tafsir"

وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَـٰرَىٰٓ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ فَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ١٤

﴿ وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى ﴾ أي ادعوا أنهم أنصار الله، وسموا أنفسهم بذلك، ثم كفروا بالله ووصفوه بما لا يليق به، وتتعلق من الذين بأخذنا ميثاقهم والضمير عائد على النصارى ﴿ فَأَغْرَيْنَا ﴾ أي أثبتنا وألصقنا، وهو مأخوذ من الإغراء.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًۭا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ۚ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌۭ وَكِتَـٰبٌۭ مُّبِينٌۭ ١٥

﴿ يَا أَهْلَ الكتاب ﴾ في الموضعين يعم اليهود والنصارى وقيل: إنها نزلت بسبب اليهود الذين كانوا بالمدينة فإنهم كانوا يذكرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، وفي الآية دلالة على صحة نبوته، لأنه بين لهم ما أخفوه مما في كتبهم، وهو أمي لم يقرأ كتبهم ﴿ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ أي: يتركه ولا يفضحكم فيه ﴿ نُورٌ وكتاب مُّبِينٌ ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن.

<div class="verse-tafsir"

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ١٧

﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً ﴾ الآية: رد على الذين قالوا: إن الله هو عيسى، وهم فرقة من النصارى ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ إشارة إلى خلقه عيسى من غير والد.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌۭ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ١٨

﴿ وَقَالَتِ اليهود والنصارى ﴾ أي قالت: كل فرقة عن نفسها إنهم أبناء الله وأحباؤه، والبنوّة هنا بنوّة الحنان والرأفة، وقال الزمخشري: المعنى؛ نحن أشياع أبناء الله عندهم، وهما المسيح وعزير كما يقال حشم الملوك: نحن الملوك ﴿ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم ﴾ ردّ عليهم، لأنهم قد اعترفوا أنهم يدخلون النار أياماً معدودات، وقد أخذ الصوفية من الآية أن المحب لا يعذب حبيبه، ففي ذلك بشارة لمن أحبه الله.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًۭا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢٠

﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ﴾ قيل: جعل منكم ملوكاً أي أمراء، وقيل: الملك من له مسكن وامرأة وخادم ﴿ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن العالمين ﴾ قيل: يعني المنّ والسلوى والغمام وغير ذلك من الآيات، وعلى هذا يكون العالمين خاصاً بأهل زمانهم، لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم قد أوتيت من آياته مثل ذلك وأعظم، وقيل: المراد كثرة الأنبياء، فعلى هذا يكون عاماً، لأن الأنبياء في بني إسرائيل أكثر منهم في سائر الأمم.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَـٰسِرِينَ ٢١ قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوْمًۭا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ ٢٢ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُوا۟ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَـٰلِبُونَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٢٣ قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًۭا مَّا دَامُوا۟ فِيهَا ۖ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَآ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ ٢٤ قَالَ رَبِّ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى ۖ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ ٢٥

﴿ الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ أرض بيت المقدس، وقيل: الطور، وقيل: دمشق ﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ أي قضى أن تكون لكم ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبَارِكُمْ ﴾ يحتمل أن يريد الارتداد عن الدين والطاعة، والرجوع إلى الطريق الذي جاءوا منه؛ فإنه رُوي أنه لما أمرهم موسى عليه السلام بدخول الأرض المقدسة خافوا من الجبارين الذين فيها، وهموا أن يقدموا على أنفسهم رئيساً ويرجعوا إلى مصر ﴿ قَوْماً جَبَّارِينَ ﴾ هم العمالقة ﴿ قَالَ رَجُلاَنِ ﴾ هما يوشع وكالب ﴿ يَخَافُونَ ﴾ أي يخافون الله، وقيل: يخافون الجبارين، ولكن الله أنعم عليهم بالصبر والثبوت لصدق إيمانهما ﴿ ادخلوا عَلَيْهِمُ الباب ﴾ أي باب المدينة ﴿ فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ ﴾ إفراط في العصيان وسوء الأدب بعبارة تقتضي الكفر والاستهانة بالله ورسوله، وأين هؤلاء من الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لسنا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ولكن نقول لكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ﴿ لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي ﴾ قاله موسى عليه السلام؛ ليتبرأ إلى الله من قول بني إسرائيل، ويبذل جهده في طاعة الله ويعتذر إلى الله.

وإعراب أخي عطف على نفسي لأنه أخاه هارون كان يطيعه، وقيل: عطف على الضمير في لا أملك: أي لا أملك أنا إلا نفسي ولا يملك أخي إلا نفسه، وقيل: مبتدأ، وخبره محذوف أي أخي لا يملك إلا نفسه ﴿ فافرق بَيْنَنَا ﴾ أي فارق بيننا وبينهم فهو من الفرقة، وقيل: افصل بيننا وبينهم بحكم.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةًۭ ۛ يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ ٢٦

﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ الضمير في قال لله تعالى، وحرم الله على جميع بني إسرائيل دخول تلك المدينة أربعين سنة وتركهم في هذه المدة يتيهون في الأرض أي في أرض التيه وهو ما بين مصر والشام حتى مات كل من قال.

إن لن ندخلها.

ولم يدخلها أحد من ذلك الجيل إلا يوشع وكالب ومات هارون في التيه، ومات موسى بعده في التيه أيضاً.

وقيل: إن موسى وهارون لم يكونا في التيه، لقوله فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين، وخرج يوشع ببني إسرائيل بعد الأربعين سنة، وقاتل الجبارين، وفتح المدينة، والعامل في أربعين: محرمة على الأصل، فيجب وصله معه وقيل: العامل فيه يتيهون فعلى هذا يجوز الوقف على قوله محرمة عليهم، وهذا ضعيف لأنه لا حامل على تقديم المعمول هنا مع أن القول الأوّل أكمل معنى لأنه بيان لمدة التحريم واليته ﴿ يَتِيهُونَ ﴾ أي يتحيرون، وروي أنهم كانوا يسيرون الليل كله، فإذا أصبحوا وجدوا أنفسهم في الموضع الذي كانوا فيه ﴿ فَلاَ تَأْسَ ﴾ أي لا تحزن والخطاب لموسى، وقيل: لمحمد صلى الله عليه وسلم، ويراد بالفاسقين: من كان في عصره من اليهود.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًۭا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْـَٔاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ٢٧

﴿ نَبَأَ ابني ءَادَمَ ﴾ هما قابيل وهابيل ﴿ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً ﴾ روي أن قابيل كان صاحب زرع فقرب أرذل زرعه، وكان هابيل: صاحب غنم فقرب أحسن كبش عنده، وكانت العادة حينئذ أن يقرب الإنسان قربانه إلى الله ويقوم يصلي، فإذا نزلت نار من السماء وأكلت القربان فذلك دليل على القبول وإلا فلا قبول، فنزلت النار فأخذت كبش هابيل ورفعته وتركت زرع قابيل فحسده قابيل فقتله ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين ﴾ استدل بها المعتزلة وغيرهم على أن صاحب المعاصي لا يتقبل عمله، وتأولها الأشعرية بأن التقوى هنا يراد بها تقوى الشرك.

<div class="verse-tafsir"

لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍۢ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢٨ إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا۟ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٢٩ فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٣٠ فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًۭا يَبْحَثُ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَٰرِىَ سَوْءَةَ أَخِى ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ ٣١

﴿ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ ﴾ الآية، قيل: معناها لئن بدأتني بالقتال لم أبدأك به، وقيل: إن بدأتني بالقتال لم أدافعك، ثم اختلف على هاذ القول هل تركه لدفاعه عن نفسه تورعاً وفضيلة؟

وهو الأظهر والأشهر، وكان واجباً عندهم أن لا يدافع أحد عن نفسه وهو قول مجاهد، وأما في شرعنا فيجوز دفع الإنسان عن نفسه بل يجب ﴿ إني أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ﴾ الإرادة هنا ليست بإرادة محبة وشهوة، وإنما هو تخيير في أهون الشرين كأنه قال: إن قتلتني، فذلك أحب إلي من أن أقتلك كما ورد في الأثر: «كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل» ، وأما قوله بإثمي وإثمك فمعناه بإثم قتلي لك لو قتلتك، وبإثم قتلك لي، وإنما يحمل القاتل الإثمين، لأنه ظالم، فذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «المتسابان ما قالا» فهو على البادئ، وقيل: بإثمي؛ أي تحمل عني سائر ذنوبي، لأن الظالم تجعل عليه في القيامة ذنوب المظلوم، وبإثمك أي في قتلك لي، وفي غير ذلك من ذنوبك ﴿ وَذَلِكَ جَزَآءُ الظالمين ﴾ يحتمل أن يكون من كلام هابيل، أو استئنافاً من كلام الله تعالى ﴿ فَبَعَثَ الله غُرَاباً ﴾ الآية: روي أن غرابين اقتتلا حتى قتل أحدهما الآخر، ثم جعل القاتل يبحث عن التراب ويواري الميت، وقيل: بل كان غراباً واحداً يبحث ويلقي التراب على هابيل ﴿ سَوْءَةَ أَخِيهِ ﴾ أي عورته، زخصت بالذكر لأنها أحب بالستر من سائر الجسد، والضمير في أخيه عائد على ابن آدم، ويظهر من هذه القصة أن هابيل كان أ ول من دفن من بني آدم ﴿ قَالَ ياويلتا ﴾ أصله يا ويلتي، ثم أبدل من الياء ألف وفتحت التاء وكذلك يا آسفا.

ويا حسرتا ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين ﴾ على ما وقع فيه من قتل أخيه، واختلف في قابيل هل كان كافراً أو عاصياً، والصحيح أنه لم يكن في تلك المدة كافراً لأنه قصد التقرب إلى الله بالقربان، وأصبح هنا وفي الموضع عبارة عن جميع الأوقات لا مختصة بالصباح.

<div class="verse-tafsir"

مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ٣٢

﴿ مِنْ أَجْلِ ذلك ﴾ يتعلق بكتبنا، وقيل بالنادمين، وهو ضعيف ﴿ كَتَبْنَا على بني إسرائيل ﴾ أي فرضنا عليهم أو كتبناه في كتبهم ﴿ بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ معناه من غير أن يقتل نفساً يجب عليه القصاص ﴿ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض ﴾ يعني الفساد الذي يجب به القتل كالحرابة ﴿ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً ﴾ تمثيل؛ قاتل الواحد بقاتل الجميع يتصور من ثلاث جهات إحداها: القصاص، فإن القصاص في قاتل الواحد والجميع سواء.

الثانية: انتهاك الحرمة والإقدام على العصيان، والثالثة: الإثم والعذاب الأخروي.

قال مجاهد: وعد الله قاتل النفس بجهنم والخلود فيها، والغضب واللعنة والعذاب العظيم، فلو قتل جميع الناس لم يزد على ذلك، وهذا الوجه هو الأظهر؛ لأن القصد بالآية: تعظيم قتل النفس والتشديد فيه لينزجر الناس عنه، وكذلك الثواب في إحيائها؛ كثواب إحياء الجميع لتعظيم الأمر والترغيب فيه.

وإحياؤها: هو إنقاذها من الموت؛ كإنقاذ الحريق أو الغريق وشبه ذلك.

وقيل: بترك قتلها، وقيل: بالعفو إذ وجب القصاص ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ ﴾ الضمير لبني إسرائيل.

والمعنى تقبيح أفعالهم، وفي ذلك إشارة إلى ما هموا به من قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَـٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ ۖ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٣٤

﴿ إِنَّمَا جَزَآءُ الذين يُحَارِبُونَ ﴾ الآية: سببها عند ابن عباس: أن قوماً من اليهود كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا العهد وقطعوا السبيل، وقال جماعة نزلت في نفر من عُكل وعُرينة أسلموا حسب الظاهر ثم إنهم قتلوا راعيَ النبي صلى الله عليه وسلم وأخذوا إبله ثم حكمها بعد ذلك في كل محارب، والمحاربة عند مالك هي: حمل السلاح على الناس في بلد أو في خارج بلد، وقال أبو حنيفة: لا يكون المحارب إلا خارج البلد، وقوله: يحاربون الله: تغليظ ومبالغة، وقال بعضهم: تقديره يحاربون عباد الله وهو أحسن ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً ﴾ بيان للحرابة وهي على درجات أدناها إخافة الطريق ثم أخذ المال ثم قتل النفس ﴿ أَن يقتلوا أَوْ يصلبوا ﴾ الصلب مضاف إلى القتل.

وقيل: يقتل ثم يصلب ليراه أهل الفساد فينزجروا، وهو قول أشهب، وقيل يصلب حياً، ويقتل على الخشبة، وهو قول ابن القاسم ﴿ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خلاف ﴾ معناه أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم إن عاد: قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، وقطع اليد عند مالك والجمهور من الرسغ، وقطع الرجل من المفصل، وذلك في الحرابة وفي السرقة ﴿ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض ﴾ مشهور مذهب مالك: أن ينفى من بلد إلى بلد آخر، ويسجن فيه إلى أن تظهر توبته، وروى عنه مطرف أنه يسجن في البلد بعينه، وبذلك قال أبو حنيفة، وقيل: ينفى إلى بلد آخر دون أن يسجن فيه، ومذهب مالك أن الإمام مخير في المحارب بين أن يقتله ويصلبه، أو يقتله ولا يصلبه أو يقطع يده ورجله، أو نيفيه، إلا أنه قال: إن كان قتل فلابد من قتله، وإن لم يقتل، فالأحسن أن يأخذ فيه بأيسر العقاب، وقال الشافعي وغيره: هذه العقوبات مرتبة فمن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله، ومن أخاف السبيل ولم يقتل ولم يأخذ مالاً نفي، وحجة مالك عطف هذه العقوبات بأو التي تقتضي التخيير ﴿ خِزْيٌ فِي الدنيا ﴾ هو العقوبة، وعذاب الآخرة وظاهر هذا أن العقوبة في الدنيا لا تكون كفارة للمحارب، بخلاف سائر الحدود، ويحتمل أن يكون الخزي في الدنيا لمن عوقب فيها والعذاب في الآخرة لمن يعاقب ﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ [البقرة: 160] قيل: هي في المشركين وهو ضعيف؛ لأن المشرك لا يختلف حكم توبته قبل القدرة عليه وبعدها، وقيل: هي في المحاربين من المسلمين وهو الصحيح، وهم الذين جاءتهم العقوبات المذكورة، فمن تاب منهم قبل أن يُقدر عليه، فقد سقط عنه حكم الحرابة لقوله: فاعلموا أن الله غفور رحيم.

واختلف هل يطالب بما عليه من حقوق الناس في الدماء والأموال أو لا؟

فوجه المطالبة بها أنها زائدة على حدّ الحرابة التي سقتطت عنه بالتوبة، ووجه إسقاطها إطلاق قوله غفور رحيم.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَـٰهِدُوا۟ فِى سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٣٥ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفْتَدُوا۟ بِهِۦ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٣٦ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌۭ ٣٧

﴿ وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة ﴾ أي ما يتوسل به ويتقرّب به إليه من الأعمال الصالحة والدعاء وغير ذلك ﴿ لِيَفْتَدُواْ بِهِ ﴾ إن قيل لم وحّد الضمير وقد ذكر شيئين وهما في الأرض ومثله؟

فالجواب أنه وضع المفرد في موضع الاثنين، وأجرىلضمير مجرى اسم الإشارة كأنه قال يفتدوا بذلك، أو تكون الواو بمعنى مع ﴿ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ أي دائم، وكذلك: نعيم مقيم.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَـٰلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ٣٨ فَمَن تَابَ مِنۢ بَعْدِ ظُلْمِهِۦ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ٣٩ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٤٠

﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ عموم الآية يقتضي قطع كل سارق؛ إلا أن الفقهاء اشترطوا في القطع شروطاً خصصوا بها العموم؛ فمن ذلك من اضطره الجوع إلى السرقة لم يقطع عند مالك؛ لتحليل الميته له، وكذلك من سرق مال والده أو سيده، أو من سرق من غير حرز، مكان محفوظ أو سرق أقل من النصاب، وهو عند مالك ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة، أو ما يساوي أحدهما، وأدلة التخصيص بهذه الأشياء في غير هذه الآية، وقد قيل: إن الحرز مأخوذ من هذه الآية، لأن ما أهمل بغير حرز أو ائتمن عليه، فليس أخذه سرقة وإنما هو اختلاس أو خيانة، وإعراب السارق عند سيبوية مبتدأ، وخبره محذوف: كأنه قال فيما يتلى عليكم السارق والسارقة، والخبر عند المبرد وغيره فاقطعوا أيديهما، ودخلت الفاء لتضمنها معنى الشرط ﴿ فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ ﴾ الآية: توبة السارق هي أن يندم على ما مضى، ويقلع فيما يستقبل، ويردّ ما سرق إلى من يستحقه، واختلف إذا تاب قبل أن يصل إلى الحاكم، هل يسقط عنه القطع وهو مذهب الشافعي لظاهر الآية؟

أو لا يسقط عنه وهو مذهب مالك؛ لأن الحدود عنده لا تسقط بالتوبة إلا عن المحارب للنص عليه ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ﴾ قدم العذاب على المغفرة لأنه قوبل بذلك تقدم السرقة على التوبة.

<div class="verse-tafsir"

۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ٤١

﴿ ياأيها الرسول ﴾ الآية: خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على وجه التسلية ﴿ مِنَ الذين قالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ هم المنافقون ﴿ وَمِنَ الذين هَادُواْ ﴾ يحتمل أن يكون عطفا على الذين قالوا آمنا، ثم يكون سماعون استئناف إخبار عن الصنفين المنافقين واليهود، ويحتمل أن يكون من الذين هادوا: استئنافاً منقطعاً مما قبله، وسماعون راجع إليهم خاصة ﴿ سماعون لِقَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ أي سماعون كلام قوم آخرين من اليهود الذين لا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم؛ لإفراط البغضة والمجاهرة بالعداوة، فقوله: لم يأتوك صفة لقوم آخرين، والمراد بالقوم الآخرين يهود خيبر، والسماعون للكذب بنو قريظة ﴿ يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ [النساء: 46] أي يبدلونه من بعد أن يوضع في موضعه، وقصدت به وجوهه القويمة، وذلك من صفة اليهود ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ ﴾ نزلت بسبب أن يهودياً زنى بيهودية؛ فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود على حد الزاني عندهم فقالوا: نجلدهما ونحمم وجوههما.

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في التوراة الرجم، فأنكروا ذلك، فأمرهم أن يأتوا بالتوراة فقرأوها، فجعل أحدهم يده على آية الرجم، فقال له عبد الله بن سلام ارفع يدك فرفع، فإذا آية الرجم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باليهودي واليهودية فرجما، فمعنى قولهم إن أوتيم هذا فخذوه: إن أوتيتم هذا الذي ذكرتم من الجَلْد والتحميم تسويد الوجه بالقار فخذوه واعملوا به، وإن لم تؤتوه أفتاكم محمد صلى الله عليه وسلم بغيره فاحذروا ﴿ فِتْنَتَهُ ﴾ أي ضلالته في الدنيا أو عذابه في الآخرة ﴿ فِي الدنيا خِزْيٌ ﴾ الذلة والمسكنة والجزية.

<div class="verse-tafsir"

سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْـًۭٔا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ٤٢ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ٤٣

﴿ سماعون لِلْكَذِبِ ﴾ إن كان الأول في اليهود فكررها هنا تأكيداً، وإن كان الأول في المنافقين واليهود فهذا في اليهود خاصة ﴿ أكالون لِلسُّحْتِ ﴾ أي للحرام من الرشوة والربا وشبه ذلك ﴿ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ هذا تخيير للنبي صلى الله عليه وسلم في أن يحكم بين اليهود أو يتركهم وهو أيضاً يتناول الحاكم، وقيل إنه منسوخ بقوله: وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ ﴾ الآية: استبعاد لتحكيمهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم لا يؤمنون به، مع أنهم يخالفون حكم التوراة التي يدعون الإيمان بها، فمعنى ثم يتولون من بعد ذلك أي: يتولون عن اتباع حكم الله في التوراة من بعد كون حكم الله فيها موجوداً عندهم، ومعلوماً في قضية الرجم وغيرها ﴿ وَمَآ أولئك بالمؤمنين ﴾ يعني: أنهم لا يؤمنون بالتوراة وبموسى عليه السلام، وهذا إلزام لهم لأن من خالف كتاب الله وبدّله فدعواه الإيمان به باطلة.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًۭى وَنُورٌۭ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ٤٤

﴿ النبيون الذين أَسْلَمُواْ ﴾ هم الأنبياء الذين بين موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، ومعنى أسلموا هنا أخلصوا لله وهو صفة مدح أريد به التعريض باليهود؛ لأنه بخلاف هذه الصفة، وليس المراد هنا الإسلام الذي هو ضد الكفر؛ لأن الأنبياء لا يقال فيهم: أسلموا على هذا المعنى، لأنهم لم يكفروا قط، وإنما هو كقول إبراهيم عليه السلام: أسلمت لرب العالمين، وقوله تعالى فقل: أسلمت وجهي لله ﴿ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ متعلق بيحكم أي يحكم الأنبياء بالتوراة للذين هادوا، ويحملونهم عليها، ويتعلق بقوله فيه هدى ونور ﴿ بِمَا استحفظوا ﴾ أي كلفوا حفظه، والباء هنا سببية قاله الزمخشري، ويحتمل أن تكون بدلاً من المجرور في قوله يحكم بها ﴿ فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس ﴾ وما بعده خطاباً لليهود، أن تكون وصية للمسلمين يراد بها التعريض باليهود، لأن ذلك من أفعالهم ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون ﴾ قال ابن عباس: نزلت الثلاثة في اليهود: الكافرون، والظالمون، والفاسقون، وقد روي في هذا أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال جماعة: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود والمسلمين وغيرهم، إلا أن الكفر في حق المسلمين كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان، وقال الشافعي: الكافرون في المسلمين، والظالمون في اليهود، والفاسقون في النصارى.

<div class="verse-tafsir"

وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلْأَنفَ بِٱلْأَنفِ وَٱلْأُذُنَ بِٱلْأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌۭ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٌۭ لَّهُۥ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٤٥

﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ ﴾ كتبنا بمعنى الكتابة في الألواح، أو بمعنى الفرض والإلزام، والضمير في عليهم لبني إسرائيل، وفي قوله فيها للتوراة ﴿ أَنَّ النفس بالنفس ﴾ أي تقتل النفس إذا قتلت نفساً، وهذا إخبار عما في الوراة وهو حكم في شريعتنا بإجماع، إلا أن هذا اللفظ عام، وقد خصص العلماء منه أشياء، فقال مالك: لا يقتل مؤمن بكافر للحديث الوارد في ذلك ولا يقتل حر بعبد، لقوله الحر بالحر والعبد بالعبد وقد تقدم الكلام على ذلك في [البقرة: 178] ﴿ والعين بالعين ﴾ وما بعده حكم القصاص الأعضاء، والقراءة بنصب العين وما بعده عطف على النفس، وقرئ بالرفع ولها ثلاثة أوجه: أحدها العطف على موضع النفس؛ لأن المعنى قلنا لهم: النفس بالنفس والثاني العطف على الضمير الذي في الخبر وهو بالنفس، والثالث: أن يكون مستأنفاً مرفوعاً بالابتداء ﴿ والجروح قِصَاصٌ ﴾ بالنصب عطف على المنصوبات قبله، وبالرفع على الأوجه الثلاثة التي في رفع العين، وهذا اللفظ عام يراد به الخصوص في الجراح التي لا يخاف على النفس منها ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: من تصدق من أصحاب الحق بالقصاص وعفا عنه، فذلك كفارة له يكفر الله ذنوبه لعفوه وإسقاطه حقه، والثاني: من تصدق وعفا فهو كفارة للقاتل والجارح بعفو الله عنه في ذلك لأن صاحب الحق قد عفا عنه، فالضمير في له على التأويل الأول يعود على التي هي كفاية عن المقتول أو المجروح، أو الولي، وعلى الثاني يعود على القاتل أو الجارح وإن لم يجر له ذكر، ولكن سياق الكلام يقتضيه، والأول أرجح لعود الضمير على مذكور، وهو من، ومعناها واحد على التأويلين، إلا أن التأويل الأول بيان لأجر من عفا، وترغيب في العفو، والتأويل: بيان لسقوط الإثم عن القاتل أو الجارح إذا عُفي عنه.

<div class="verse-tafsir"

وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًۭى وَنُورٌۭ وَمُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَهُدًۭى وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ ٤٦ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ٤٧ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةًۭ وَمِنْهَاجًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ٤٨

﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ قد تقدم معنى مصدق في البقرة، ولما بين يديه: يعني التوراة، لأنها قبله، والقرآن مصدق للتوراة والإنجيل، لأنهما قبله، ومصدقاً: عطف على موضع قوله فيه هدى ونور، لأنه في موضع الحال ﴿ وَمُهَيْمِناً ﴾ قال ابن عباس شاهداً، وقيل مؤتمناً ﴿ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الحق ﴾ تضمن الكلام معنى: لا تنصرف أو لا تنحرف، ولذلك تعدى بعن ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾ قال ابن عباس سبيلاً وسنة، والخطاب للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو الأمم، والمعنى أن الله جعل لكل أمة شريعة يتبعونها، وقد استدل بها من قال: إن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، وذلك في الأحكام والفروع، وأما الاعتقاد، فالدين فيها واحد لجميع العالم، وهو الإيمان بالله، وتوحيده وتصديق رسله، والإيمان بالدار الآخرة ﴿ فَاسْتَبِقُوا الخيرات ﴾ استدل به قوم على أن: تقديم الواجبات أفضل من تأخيرها، وهذا متفق عليه في العبادات كلها، إلا الصلاة ففيها خلاف، فمذهب الشافعي أن تقديمها في أوّل وقتها أفضل، وعكس أبو حنيفة، وفي مذهب مالك خلاف وتفصيل، واتفقوا أن تقديم المغرب أفضل.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَـٰسِقُونَ ٤٩ أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًۭا لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ ٥٠

﴿ وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ ﴾ عطف على الكتاب في قوله: وأنزلنا إليك الكتاب، أو على الحق في قوله: بالحق، وقال قوم: إن هذا وقوله قبله فاحكم بينهم ناسخ لقوله: فاحكم بينهم أو أعرض عنهم: أي ناسخ للتخيير الذي في الآية: وقيل: إنه ناسخ للحكم بينهم فأبى من ذلك، ونزلت الآية تقضي أن يحكم بينهم ﴿ أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ ﴾ توبيخ لليهود، وقرئ بالياء إخباراً عنهم، وبالتاء خطاباً لهم ﴿ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ قال الزمخشري اللام للبيان: أي هذا الخطاب لقوم يوقنون، فإنهم الذين يتبين لهم أنه لا أحسن من الله حكماً.

<div class="verse-tafsir"

۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٥١

﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ ﴾ سببها موالاة عبد الله بن أبي بن سلول ليهود بني قينقاع، وخلع عبادة بن الصامت الحلف الذي كان بينه وبينهم، ولفظها عام، وحكمها باق، ولا يدخل فيه معاملتهم في البيع والشراء وشبهه ﴿ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ تغليظ في الوعيد، فمن كان يعتقد معتقدهم فهو منهم من كل وجه ومن خالفهم في اعتقادهم وأحبهم فهو منهم في المقت عند الله، واستحقاق العقوبة.

<div class="verse-tafsir"

فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌۭ ۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍۢ مِّنْ عِندِهِۦ فَيُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ نَـٰدِمِينَ ٥٢

﴿ فَتَرَى الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ هم المنافقون، والمراد هنا عبد الله بن أبي يوالي اليهود ويستكثر بهم، ويقول: إني رجل أخشى الدوائر ﴿ فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بالفتح أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ ﴾ الفتح هنا هو ظهور النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، والأمر من عنده: هو هلاك الأعداء بأمر من عنده لا يكون فيه تسبب لمخلوق، أو أمر من الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام بقتل اليهود ﴿ فَيُصْبِحُواْ على مَآ أَسَرُّواْ في أَنْفُسِهِمْ نادمين ﴾ الضمير في فيصبحوا للمنافقين والذي أسروه هو قصدهم الاستعانة باليهود على المسلمين وإضمار العداوة للمسلمين.

<div class="verse-tafsir"

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَهَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فَأَصْبَحُوا۟ خَـٰسِرِينَ ٥٣

﴿ وَيَقُولُ الذين آمَنُواْ ﴾ قرئ: يقولُ: بغير واو استئناف وإخبار، وقرئ بالواو والرفع وهو عطف جملة على جملة، وبالواو والنصب عطفاً على أن يأتي الله، أو عطفاً على فيصبحوا ﴿ أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ ﴾ الإشارة إلى المنافقين، لأنهم كانوا يحلفون أنهم مع المؤمنين، وانتصب جهدَ أيمانهم على المصدر المؤكد ﴿ حَبِطَتْ أعمالهم ﴾ يحتمل أن يكون من كلام المؤمنين، أو من كلام الله، ويحتمل أن يكون دعاء أو خبراً.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٥٤

﴿ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ ﴾ خطاب على وجه التحذير والوعيد، وفيه إعلام بارتداد بعض المسلمين فهو إخبار بالغيب قبل وقوعه، ثم وقع فارتدّ في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد الذي ادّعى النبوة ثم أسلم وجاهد، ثم كثر المرتدون، وفشا أمرهم بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كفى الله أمرهم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكانت القبائل التي ارتدت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع قبائل بنو فزارة وغطفان وبنو سليم وبنو يربوع وكندة، وبنو بكر بن وائل، وبعض بني تميم، ثم ارتدت غسان في زمان عمر بن الخطاب، وهم قوم جبلة بن الأيهم الذي تنصر من أجل اللطمة ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها، وقال: قوم هذا يعني أبا موسى الأشعري، والإشارة بذلك والله أعلم إلى أهل اليمن، لأن الأشعريين من أهل اليمن، وقيل: المراد أبو بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردّة، ويقوي ذلك ما ظهر من أبي بكر الصديق رضي الله عنه عنه الجد في قتالهم، والعزم عليه حين خالفه في ذلك بعض الناس، فاشتد عزمه حتى وافقوه وأجمعوا عليه فنصرهم الله على أهل الردة، ويقوي ذلك أيضاً أن الصفات التي وصف بها هؤلاء القوم هي أوصاف أبي بكر، ألا ترى قوله: أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، وكان أبو بكر ضعيفاً في نفسه قوياً في الله، وكذلك قوله: ولا يخافون لومة لائم: إشارة إلى من خالف أبا بكر ولامه في قتال أهل الردّة فلم يرجع عن عزمه ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين ﴾ كقوله: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ﴾ [الفتح: 29]، وإنما تعدّى أذلة بعلى، لأنه تضمن معنى العطف والحنوّ، فإن قيل: أين الرافع من الجزاء إلى الشرط؟

فالجواب: أن محذوف تقديره من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم يقاتلونهم.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ ٥٥ وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ ٥٦ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَكُمْ هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٥٧

﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله ﴾ ذكر الولي بلفظ المفرد إفراداً لله تعالى بهما، ثم عطف على اسمه تعالى الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين على سبيل التبع، ولو قال إنما أولياؤكم لم يكن في الكلام أصل وتبع ﴿ وَهُمْ راكعون ﴾ قيل: نزلت في عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فإنه سأله سائل وهو راكع في الصلاة، فأعطاه خاتمه، وقيل: هي عامة، وذكر الركوع بعد الصلاة لأنه من أشرف أعمالها، فالواو على القول الأوّل واو الحال، وعلى الثاني للعطف ﴿ فَإِنَّ حِزْبَ الله ﴾ هذا من إقامة الظاهر مقام المضمر: معناه فإنهم هم الغالبون ﴿ والكفار ﴾ بالنصب عطف على الذين اتخذوا، وقرئ بالخفض عطف على الذين أوتوا الكتاب، ويعضده قراءة ابن مسعود: ومن الكفار، ويراد بهم المشركون من العرب.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْقِلُونَ ٥٨ قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ ٥٩

﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصلاوة ﴾ الآية: روي أن رجلاً من النصارى كان بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: حرق الله الكاذب، فوقعت النار في بيته فاحترق هو وأهله، واستدل بعضهم بهذه الآية على ثبوت الأذان من القرآن ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ﴾ جعل قلة عقولهم علة لاستهزائهم بالدين ﴿ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ ﴾ هل تعيبون علينا وتنكرون منا إلا إيماننا بالله، وبجميع كتبه ورسله، وذلك أمر لا ينكر ولا يعاب، ونظير هذا في الاستثناء العجيب قول النابغة: ولا عيبَ فيهم غير أن سيوفهم ** بهنّ فلولٌ من قراع الكتائب ونزلت الآية بسبب أبي ياسر بن أخطب، ونافع بن أبي نافع، وجماعة من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرسل الذين يؤمن بهم فتلا: آمنا بالله وما أنزل إلينا إلى آخر الآية، فلما ذكر عيسى قالوا: لا نؤمن بعيسى ولا بمن آمن به ﴿ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسقون ﴾ قيل: إنه معطوف على آمنا، وقيل: على ما أنزل، وقيل: هو تعليل معطوف على تعليل محذوف تقديره: هل تنقمون منا إلا لقلة إنصافكم ولأن أكثركم فاسقون، ويحتمل أن يكون: وأن أكثركم مبتدأ وخبره محذوف تقديره فسقكم معلوم، أو ثابت.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّۢ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٦٠

﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك ﴾ لما ذكر أن أهل الكتاب يعيبون المسلمين بالإيمان بالله، ورسله، ذكر عيوب أهل الكتاب في مقابلة ذلك رداً عليهم، فالخطاب في أنبئكم لليهود، والإشارة بذلك إلى ما تقدّم من حال المؤمنين ﴿ مَثُوبَةً عِندَ الله ﴾ هي من الثواب، ووضع الثواب موضع العقاب تهكماً بهم نحو قولهم: فبشرهم بعذاب أليم ﴿ مَن لَّعَنَهُ الله ﴾ يعني اليهود ومن في موضع رفع بخبر مبتدأ مضمر تقديره: هو من لعنة الله، أو في موضع خفض على البدل من بشرّ ولابد في الكلام من حذف مضاف تقديره بشر من أهل ذلك وتقديره دين من لعنه الله ﴿ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير ﴾ مسخ قوم من اليهود قروداً حين اعتدوا في السبت ومُسخ قوم منهم خنازير حين كذبوا بعيسى بن مريم ﴿ وَعَبَدَ الطاغوت ﴾ القراءة بفتح الباء فعل معطوف على لعنه الله، وقرئ بضم الباء وخفض الطاغوت على أن يكون عبد اسماً على وجه المبالغة كيقُظ أضيف إلى الطاغوت، وقرئ وعابد وعباد وهو في هذه الوجوه عطف على القردة والخنازير ﴿ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ أي منزلة ونسب الشرّ للمكان وهو في الحقيقة لأهله، وذلك مبالغة في الذمّ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا۟ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا۟ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْتُمُونَ ٦١ وَتَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٦٢ لَوْلَا يَنْهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ٦٣

﴿ وَإِذَا جَآءُوكُمْ قالوا آمَنَّا ﴾ نزلت في منافقين من اليهود ﴿ وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر ﴾ تقديره: ملتبسين بالكفر، والمعنى: دخلوا كفاراً وخرجوا كفاراً، ودخلت قد على دخلوا وخرجوا: تقريباً للماضي من الحال أي ذلك حالهم في دخولهم وخروجهم على الدوام ﴿ الإثم ﴾ الكذب وسائر المعاصي ﴿ والعدوان ﴾ الظلم ﴿ السحت ﴾ الحرام ﴿ لَوْلاَ ينهاهم ﴾ عرض وتحضيض وتقريع ﴿ لَبِئْسَ ﴾ اللام في الموضعين للقسم.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًۭا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًۭا ۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ٦٤

﴿ وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ ﴾ غل اليد كناية عن البخل، وبسطها كناية عن الجود ومنه: ولا تجعل يدك مغلولة: أي لا تبخل كل البخل، ولا تبسطها كل البسط: أي لا تجد كل الجود، وروي أنّ اليهود أصابتهم سنة جهد فقالوا هذه المقالة الشنيعة، وكان الذي قالها فنحاص، ونسبت إلى جملة اليهود، لأنهم رضوا بقوله: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ يحتمل أن يكون دعاء أو خبراً، ويحتمل أن يكون في الدنيا أو في الآخرة، فإن كان في الدنيا، فيحتمل أن يراد به البخل أو غل أيديهم في الأسر، وإن كان في الآخرة، فهو جعل الأغلال في جهنم ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ عبارة عن إنعامه وجوده، وإنما ثنيت اليدان هنا وأفردت في قول اليهود: يد الله مغلولة، ليكون رداً عليهم ومبالغة في وصفه تعالى بالجود: كقول القرب: فلان يعطي بكلتا يديه إذا كان عظيم السخاء ﴿ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله ﴾ إيقاد النار عبارة عن محاولة الحرب، وإطفاؤها عبارة عن خذلانهم وعدم نصرهم، ويحتمل أن يراد بذلك أسلافهم، أو يراد من كان معاصراً للنبي صلى الله عليه وسلم منهم، ومن يأت بعدهم، فيكون على هذا إخبار بغيب، وبشارة للمسلمين.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَـٰهُمْ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٦٥ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌۭ مُّقْتَصِدَةٌۭ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ ٦٦

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكتاب آمَنُواْ ﴾ الآية: يحتمل أن يراد أسلافهم والمعاصرون للنبي صلى الله عليه وسلم، فيكون على هذا ترغيباً لهم في الإيمان والتقوى ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل ﴾ إقامتها بالعلم والعمل؛ وذكر الإنجيل دليل على دخول النصارى في لفظ أهل الكتاب ﴿ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ قيل: من فوقهم عبارة عن المطر، ومن تحت أرجلهم: عبارة عن النبات والزرع، وقيل: ذلك استعارة في توسعة الرزق من كل وجه ﴿ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ﴾ أي معتدلة، ويراد به من أسلم منهم: كبعد الله بن سلام، وقيل من لم يعاد الأنبياء المتقدمين.

<div class="verse-tafsir"

۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٦٧

﴿ ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ أمر بتبليغ جميع ما أوحي إليه على الاستيفاء والكمال، لأنه كان قد بلغ وإنما أمر هنا ألا يتوقف عن شيء مخافة أحد ﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ هذا وعيد على تقدير عدم التبليغ، وفي ارتباط هذا الشرط مع جوابه قولان: أحدهما أن المعنى إن تركت منه شيئاً، فكأنك لم تبلغ شيئاً، وصار ما بلغت لا يعتد به، فمعنى إن لم تفعل: إن لم تستوف التبليغ على الكمال، والآخر أن المعنى إن لم تبلغ الرسالة وجب عليك عقاب من كتمها، ووضع السبب موضع المسبب ﴿ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس ﴾ وعد وضمان للعصمة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاف أعداءه ويحترس منهم في غزواته وغيره، فلما نزلت هذه الآية قال: يا أيها الناس انصرفوا فإن الله قد عصمني وترك الاحتراس.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٦٨

﴿ قُلْ ياأهل الكتاب لَسْتُمْ على شَيْءٍ ﴾ الآية؛ أي لستم على دين يعتد به يسمى شيئاً ﴿ حتى تُقِيمُواْ التوراة والإنجيل ﴾ ومن إقامتها الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وقوله: ﴿ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ ﴾ قال ابن عباس: يعني القرآن، ونزلت الآية بسبب رافع بن حارثة وسلام بن مشكم ورافع بن خزيمة وغيرهم من اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا إنا نتبع التوراة ولا نتبع غيرها، ولا نؤمن بك ولا نتبعك.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٦٩

﴿ إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ ﴾ تقدم الكلام على نظيرتها في [البقرة: 62] ﴿ والصابئون ﴾ قراءة السبعة بالواو وهي مشكلة حتى قالت عائشة: هي من لحن كتاب المصحف، وإعرابها عند أهل البصرة مبتدأ وخبره محذوف تقديره: والصائبون كذلك وهو مقدم في نية التأخير، وأجاز بعض الكوفيين أن يكون معطوفاً على موضع اسم إن، وقيل: إن هنا بمعنى نعم وما بعدها مرفوع بالابتداء وهو ضعيف.

<div class="verse-tafsir"

وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ٧١

﴿ وحسبوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ أي بلاء واختبار، وقرئ تكون بالرفع على أن تكون مخففة من الثقيلة، وبالنصب على أنها مصدرية ﴿ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ﴾ عبارة عن تماديهم على المخالفة والعصيان ﴿ ثُمَّ تَابَ الله عَلَيْهِمْ ﴾ قيل: إن هذه التوبة رد ملكهم ورجوعهم إلى بيت المقدس بعد خروجهم منه، ثم أخرجوا المرة الثانية فلم ينجبر حالهم أبداً، وقيل: التوبة بعث عيسى عليه السلام، وقيل: بعث محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ ﴾ بدل من الضمير من عموا وصموا أو فاعل على لغة أكلوني البراغيث والبدل أرجح وأفصح.

<div class="verse-tafsir"

لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ ٧٢ لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَـٰثَةٍۢ ۘ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّآ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا۟ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٣ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٧٤ مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌۭ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ٧٥

﴿ وَقَالَ المسيح ﴾ الآية: رد على النصارى، وتكذيب لهم ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴾ يحتمل أن يكون من كلام المسيح، أو من كلام الله ﴿ مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ ﴾ الآية: رد على من جعله إلهاً ﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ﴾ أي بليغة الصدق في نصفها، أو من التصديق، ووصفها بهذه الصفة دون النبوّة يدفع قول من قال: إنها نبية ﴿ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام ﴾ استدلال على أنهما ليسا بإلهين لاحتياجهما إلى الغذاء الذي لا يحتاج إليه إلا محدَث مفتقر، ومن كان كذلك فليس بإله، لأن الإله منزه عن صفة الحدوث، وعن كل ما يلحق بالبشر، وقيل: إن قوله يأكلان الطعام: كناية عن نقص البشر، ولا ضرورة تدعو إلى إخراج اللفظ عن ظاهره، لأن الحجة قائمة بالوجهين ﴿ ثُمَّ انظر ﴾ دخلت ثم لتفاوت الأمرين ولقصد التعجيب من كفرهم بعد بيان الآيات.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا ۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٧٦ قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓا۟ أَهْوَآءَ قَوْمٍۢ قَدْ ضَلُّوا۟ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا۟ كَثِيرًۭا وَضَلُّوا۟ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٧٧

﴿ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ الآية: إقامة حجة على من عبد عيسى وأمه وهما لا يملكان ضراً ولا نفعاً ﴿ قُلْ ياأهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ خطاب للنصارى، والغلوّ الإفراط وسبب ذلك كفر النصارى ﴿ وَلاَ تتبعوا أَهْوَآءَ قَوْمٍ ﴾ قيل: هم أئمتهم في دين النصرانية كانوا على ضلال في عيسى، وأضلوا كثيراً من الناس، ثم ضلوا بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هم اليهود، والأول أرجح لوجهين: أحدهما أن الضلال وصف لازم للنصارى، ألا ترى قوله تعالى: ﴿ وَلاَ الضآلين ﴾ [الفاتحة: 7]، والآخر: أنه يبعد نهي النصارى عن اتباع اليهود، مع ما بينهم من الخلاف والشقاق.

<div class="verse-tafsir"

لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ ٧٨ كَانُوا۟ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍۢ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ٧٩ تَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَـٰلِدُونَ ٨٠ وَلَوْ كَانُوا۟ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِىِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ ٨١

﴿ على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ ﴾ أي في الزبور والإنجيل ﴿ لاَ يتناهون ﴾ أي لا ينهى بعضهم بعضاً ﴿ عَن مُّنكَرٍ ﴾ فإن قيل: لم وصف المنكر بقوله فعلوه والنهي لا يكون بعد الفعل؟

فالجواب: أن المعنى لا يتناهون عن مثل منكر فعلوه، أو عن منكر إن أرادوا فعله ﴿ ترى كَثِيراً مِّنْهُمْ ﴾ أن أراد أسلافهم، فالرؤية بالقلب، وإن أراد المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم وهو الأظهر، فهي رؤية عين ﴿ والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ ﴾ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ﴿ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ يعني: ما اتخذوا الكفار أولياء.

<div class="verse-tafsir"

۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًۭا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ٨٢

﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً ﴾ الآية: إخبار عن شدة عداوة اليهود وعبدة الأوثان للمسلمين ﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً ﴾ الآية: إخبار أن النصارى أقرب إلى مودة المسلمين، وهذا الأمر باق إلى آخر الدهر فكل يهودي شديد العداوة للإسلام والكيد لأهله ﴿ ذلك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً ﴾ تعليل لقرب مودتهم، والقسيس العالم والراهب العابد.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا سَمِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا۟ مِنَ ٱلْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ ٨٣

﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرسول ﴾ الآية؛ هي في النجاشي، وفي الوفد الذين بعثهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو سبعون رجلاً، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن فبكوا كما بكى النجاشي، حين قرأ عليه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه سورة مريم، وقال السهيلي: نزلت في وفد نجران، وكانوا نصارى عشرين رجلاً، فلما سمعوا القرآن بكوا ﴿ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق ﴾ من الأولى سببية والثانية بيان للجنس ﴿ آمَنَّا ﴾ أي بالقرآن من عند الله ﴿ مَعَ الشاهدين ﴾ أي مع المسلمين، وكذلك مع القوم الصالحين <div class="verse-tafsir"

وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّـٰلِحِينَ ٨٤ فَأَثَـٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُوا۟ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ ٨٥ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ ٨٦ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ٨٧ وَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلًۭا طَيِّبًۭا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤْمِنُونَ ٨٨

﴿ وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بالله ﴾ توقيف لأنفسهم، أو محاجة لغيرهم ﴿ وَنَطْمَعُ ﴾ قال الزمخشري: الواو للحال، وقال ابن عطية: لعطف جملة على جملة لا لعطف فعل على فعل ﴿ لاَ تُحَرِّمُواْ طيبات مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ ﴾ سببها أن قوماً من الصحابة غلب عليهم خوف الله إلى أن حرم بعضهم النساء، وبعضهم النوم بالليل، وبعضهم أكل اللحم، وهم بعضهم أن يختصوا، أو يسيحوا في الأرض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أنا فأقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» ﴿ وَلاَ تعتدوا ﴾ أي لا تفرطوا في التشديد على أنفسكم أكثر مما شرع لكم ﴿ وَكُلُواْ ﴾ أي تمتعوا بالمآكل الحلال، وبالنساء وغير ذلك، وإنما خص الأكل بالذكر، لأنه أعظم حاجات الإنسان.

<div class="verse-tafsir"

لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَـٰنَ ۖ فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍۢ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَٱحْفَظُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٨٩

﴿ باللغو ﴾ تقدم في البقرة ﴿ بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان ﴾ أي بما قصدتم عقده بالنية، وقرئ عَقَدتم بالتخفيف، وعاقدتم بالألف ﴿ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مساكين ﴾ اشتراط المسكنة دليل على أنه لا يُجزي في الكفارة إطعام غني، فإن أطعم جهلاً لم يجزيه على المشهور من المذهب، واشترط مالك أيضاً أن يكونوا أحراراً مسلمين، وليس في الآية ما يدل على ذلك ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ اختلف في هذا التوسط هل هو في القدر أو في الصنف، واللفظ يحتمل الوجهين، فأما القدر فقال مالك يطعم بالمدينة مدّاً بمدّ النبي صلى الله عليه وسلم، وبغيرها: وسط من الشبع، وقال الشافعي وابن القاسم: يجزي المدّ في كل مكان وقال أبو حنيفة إن غدّاهم وعشاهم أجزأه، وأما الصنف فاختلف هل يطعم من عيش نفسه، أو من عيش أهل بلده؟

فمعنى الآية على التأويل الثاني من أوسط ما تطعمون أيها الناس أهليكم على الجملة، وعلى الأول يختص الخطاب بالمكفِّر ﴿ أَوْ كِسْوَتُهُمْ ﴾ قال كثير من العلماء: يجزي ثوب واحد لمسكين، لنه يقال فيه كسوة، وقال مالك: إنما يجزي ما تصح به الصلاة، فللرجل ثوب واحد، وللمرأة قميص وخمار ﴿ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ اشترط مالك فيها أن تكون مؤمنة؛ لتقيدها بذلك في كفارة القتل، فحمل هذا المطلق على ذلك المقيد، وأجاز أبو حنيفة هنا عتق الكفارة، لإطلاق اللفظ هنا، واشترط مالك أيضاً أن تكون سليمة من العيوب وليس في اللفظ ما يدل على ذلك ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ ﴾ أي من لم يملك ما يعتق ولا ما يطعم ولا ما يكسو فعليه صيام ثلاثة أيام، فالخصال الثلاث على التخيير، والصيام مرتب بعدها لمن عدمها، وهو عند مالك من لم يفضل عن قوته وقوت عياله في يومه زيادة ﴿ ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ﴾ معناه إذ حلفتم وخشيتم أو أردتم الحنث، واختلف هل يجوز تقديم الكفارة على الحنث أم لا ﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ أي احفظوها فبروا فيها، ولا تحنثوا، وقيل: احفظوها بأن تكفروها إذا حنثتم، وقيل: احفظوها ألا تنسوها تهاوناً بها.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌۭ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٩٠ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ٩١

﴿ الخمر والميسر ﴾ ذكر في [البقرة: 219] ﴿ والأنصاب والأزلام ﴾ مذكوران في أول هذه السورة ﴿ رِجْسٌ ﴾ هو في اللغة: كل مكروه مذموم وقد يطلق بمعنى النجس وبمعنى الحرام وقال ابن عباس: معنى رجس سخط ﴿ فاجتنبوه ﴾ نص في التحريم، والضمير يعود على الرجس الذي هو خبر عن جميع الأشياء المذكورة ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء فِي الخمر والميسر ﴾ تقبيح للخمر والميسر، وذكرٌ لبعض عيوبها، وتعليل لتحريمها، وقد وقعت في زمان الصحابة عداوة بين أقوام بسبب شربهم لها قبل تحريمها، ويقال إن ذلك كان سبب نزول الآية ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ توقيف يتضمن الزجر والوعيد ولذلك قال عمر لما نزلت: انتهينا انتهينا.

<div class="verse-tafsir"

لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌۭ فِيمَا طَعِمُوٓا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحْسَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ٩٣

﴿ لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا ﴾ فيها تأويلان: أحدهما أنه لما نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة: كيف بمن مات منا وهو يشربها؟

فنزلت الآية معلمة أنه: لا جناح على من شربها قبل التحريم، لأنه لم يعص الله بشربها حينئذ، والآخر أن المعنى رفع الجناح عن المؤمنين فيما طعموا من المطاعم إذا اجتنبوا الحرام منها، وعلى هذا أخذها عمر رضي الله عنه حين قال لقدامة: إنك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم عليك، وكان قدامة قد شربها واحتج بهذه الآية على رفع الجناح عنه، فقال عمر: أخطأت التأويل ﴿ إِذَا مَا اتقوا وَآمَنُواْ ﴾ الآية قيل: كرر التقوى مبالغة، وقيل: الرتبة الأولى: اتقاء الشرك، والثانية اتقاء المعاصي، والثالثة: اتقاء ما لا بأس به حذراً مما به البأس، وقيل: الأولى للزمان الماضي والثانية للحال، والثالثة للمستقبل ﴿ وَّأَحْسَنُواْ ﴾ يحتمل أن يريد الإحسان إلى الناس أو الإحسان في طاعة الله وهو المراقبة، وهذا أرجح لأنه درجة فوق التقوى، ولذلك ذكر في المرة الثالثة وهي الغاية، ولذلك قالت الصوفية: المقامات ثلاثة: مقام الإسلام ثم مقام الإيمان ثم مقام الإحسان.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُۥٓ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٩٤

﴿ لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله بِشَيْءٍ مِّنَ الصيد ﴾ أي يختبر طاعتكم من معصيتكم بما يظهر لكم من الصيد من الإحرام وفي الحرم، وكان الصيد من معاش العرب ومستعملاً عندهم، فاختبروا بتركه كما اختبر بنوا إسرائيل بالحوت في السبت وإنما قلله في قوله: ﴿ بِشَيْءٍ مِّنَ الصيد ﴾ إشعاراً بأنه ليس من الفتن العظيمة، وإنما هو من الأمور التي يمكن الصبر عنها ﴿ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ ﴾ قال مجاهد: الذي تناله الأيدي الفراخ والبيض، وما لا يستطيع أن يفرّ، والذي تناله الرماح كبار الصيد والظاهر عموم هذا التخصيص ﴿ لِيَعْلَمَ الله ﴾ أي يعلمه علماً تقوم به الحجة، وذلك إذ ظهر في الوجود ﴿ فَمَنِ اعتدى ﴾ أي بقتل الصيد وهو محرم، والعذاب الأليم هنا في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌۭ ۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآءٌۭ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ هَدْيًۢا بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّـٰرَةٌۭ طَعَامُ مَسَـٰكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًۭا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِۦ ۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ ٩٥

﴿ لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ معنى حرم داخلين في الإحرام وفي الحرم، والصيد هنا عامّ خَصَّص منه الحديث: الغراب، والحدأة، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور.

وأدخل مالك في الكلب العقور كل ما يؤذي الناس من السباع وغيرها، وقاس الشافعي على هذه الخمسة: كل ممّا لا يؤكل لحمه، ولفظ الصيد يدخل فيه ما صيد وما لم يصد مما شأنه أن يصاد وورد النهي هنا عن القتل قبل أن يصاد وبعد أن يصاد، وأما النهي عن الاصطياد فيؤخذ من قوله: ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ .

﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً ﴾ مفهوم الآية يقتضي أن جزاء الصيد على المتعمد لا على الناسي، وبذلك قال أهل الظاهر، وقال جمهور الفقهاء: المتعمد والناسي سواء في وجوب الجزاء، ثم اختلفوا في قوله متعمداً على ثلاثة أقوال: أحدها أن المتعمد إنما ذكر ليناط به الوعيد في قوله: ومن عاد فينتقم الله منه، إذ لا وعيد على الناسي، والثاني: أن الجزاء على الناس ثبت بالسنة ﴿ فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم ﴾ المعنى فعليه جزاء، وقرئ بإضافة جزاءُ إلى مثل، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول به، وقيل: مثل زائدة، كقولك: أنا أكرمُ مثلّك أي: أكرمك، وقرئ فجزاءٌ بالتنوين، ومثلُ بالرفع على البدل أو الصفة، والنعم الإبل والبقر والغنم خاصة، ومعنى الآية عند مالك والشافعي: أنّ من قتل صيداً وهو محرم أنّ عليه في الفدية ما يشبه ذلك الصيد في الخلقة والمنظر، ففي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الغزالة شاة، فالمثلية على هذا هي في الصورة والمقدار، فإن لم يكن له مثل أطعَم أو صامَ، ومذهب أبي حنيفة أنّ المثل القيمة يقومّ الصيد المقتول، ويخير القاتل بين أن يصدّق بالقيمة أو يشتري بالقيمة من النعم ما يهديه ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ هذه الآية تقتضي أن التحكيم شرط في إخراج الجزاء، ولا خلاف في ذلك، فإن أخرج أحد الجزاء قبل الحكم عليه، فعليه إعادته بالحكم إلا حمام مكة، فإنه لا يحتاج إلى حكمين، قاله مالك، ويجب عند مالك التحكيم فيما حكمت فيه الصحابة، وفيما لم يحكموا فيه، لعموم الآية، وقال الشافعي: يكتفي في ذلك بما حكمت به الصحابة ﴿ هَدْياً ﴾ يقتضي ظاهره أن ما يخرج من النعم جزاء عن الصيد يجب أن يكون مما يجوز أن يهدي، وهو الجذع من الضأن والثني مما سواه، وقال الشافعي: يخرج المثل في اللحم ولا يشترط السن ﴿ بالغ الكعبة ﴾ لم يرد الكعبة بعينها، وإنما أراد الحرم، ويقتضي أن يصنع بالجزاء ما يصنع بالهدي من سَوْقه من الحلّ إلى الحرام، وقال الشافعي وأبو حنيفة: إن اشتراه في الحرم أجزأه ﴿ أَوْ كفارة طَعَامُ مساكين أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً ﴾ عدّد تعالى ما يجب في قتل المحرم للصيد، فذكر أولاً الجزاء من النعم، ثم الطعام ثم الصيام، ومذهب مالك والجمهور أنها: على التخيير، وهو الذي يقتضيه العطف بأو، ومذهب ابن عباس أنها: على الترتيب، ولم يبين الله هنا مقدار الطعام، فرأى العلماء أن يقدّر الجزاء من النعم.

لأنهم اختلفوا في كيفية التقدير، فقال مالك: يقدر الصيد المقتول نفسه بالطعام الحب أو الدراهم، ثم تقوّم الدراهم بالطعام، فينظر كم يساوي من طعام أو من دراهم وهو حيّ، وقال بعض أصحاب مالك: يقدّر الصيد بالطعام أي يقال: كم كان يشبع الصيد من نفس، ثم يخرج قدر شبعهم طعاماً، وقال الشافعي: لا يقدر الصيد نفسه، وإنما يقدّر مثله، وهو الجزاء الواجب على القاتل له ﴿ أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً ﴾ تحتمل الإشارة بذلك أن تكون إلى الطعام وهو أحسن لأنه أقرب أو إلى الصيد، واختلف في تعديل الصيام بالطعام فقال مالك: يكون مكان كل مدّ يوماً، وقال أبو حنيفة: مكان كل مدّين يوم، وقيل: مكان كل صاع يوماً، ولا يجب الجزاء ولا الإطعام ولا الصيام إلا بقتل الصيد، لا بأخذه دون قتل لقوله: من قتله، وفي كل وجه يشترط حكم الحكمين، وإنما لم يذكر الله في الصيام والطعام استغناء بذكره في الجزاء ﴿ لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ﴾ الذوق هنا مستعار لأن حقيقته بحاسة اللسان، والوبال سوء العاقبة، وهو هنا ما لزمه من التفكير ﴿ عَفَا الله عَمَّا سَلَف ﴾ أي عما فعلتم في الجاهلية من قتل الصيد في الحرم ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ ﴾ أي من عاد إلى قتل الصيد وهو محرم بعد النهي عن ذلك؛ فينتقم الله منه بوجوب الكفارة عليه أو بعذابه في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَـٰعًۭا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًۭا ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ٩٦

﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر ﴾ أحلّ الله بهذه الآية صيد البحر للحلال والمحرم، والصيد هنا المصيد، والبحر هو الماء الكثير: سواء كان ملحاً أو عذباً، كالبرك ونحوها، وطعامه هو ما يطفو على الماء وما قذف به البحر لأنّ ذلك طعام وليس بصيد، قاله أبو بكر الصدّيق وعمر بن الخطاب، وقال ابن عباس: طعامه ما ملح منه وبقي ﴿ متاعا لَّكُمْ وللسيارة ﴾ الخطاب بلكم للحاضرين في البحر، والسيارة المسافرون أي هو متاع ما تدومون به ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾ الصيد هنا يحتمل أن يراد به المصدر أو الشيء المصيد أو كلاهما، فنشأ من هذا أن ما صاده المحرم فلا يحلّ له أكله بوجه، ونشأ الخلاف فيما صاد غيره، فإذا اصطاد حلال، فقيل: يجوز للمحرم أكله، وقيل: لا يجوز إن اصطاده لمحرم، والأقوال الثلاثة مروية عن مالك، وإن اصطاد حرام محرم لم يجز لغيره أكله عند مالك خلافاً للشافعي.

<div class="verse-tafsir"

۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَـٰمًۭا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَـٰٓئِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ٩٧

﴿ جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام قِيَاماً لِّلنَّاسِ ﴾ أي أمراً يقوم للناس بالأمن والمنافع، وقيل: موضع قيام بالمناسك ولفظ الناس هنا عام، وقيل: أراد العرب خاصة، لأنهم الذين كانوا يعظمون الكعبة ﴿ والشهر الحرام ﴾ يريد جنس الأشهر الحرم الأربعة، لأنهم كانوا يكفون فيها عن القتال ﴿ والهدي ﴾ يريد أنه أمان لمن يسوقه لأنه يعلم أنه في عبادة لم يأت لحرب ﴿ والقلائد ﴾ كان الرجل إذا خرج يريد الحج تقلد شيئاً من السمر، وإذا رجع تقلد شيئاً من أشجار الحرم، ليعلم أنه كان في عبادة، فلا يتعرض له أحد بشيء، فالقلائد هنا هو ما تقلده المحرم من الشجر، وقيل: أراد قلائد الهدي، قال سعيد بن جبير: جعل الله هذه الأمور للناس في الجاهلية وشدّد في الإسلام ﴿ ذلك لتعلموا ﴾ الإشارة إلى جعل الله هذه الأمور قياماً للناس، والمعنى جعل الله ذلك لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل الأمور.

<div class="verse-tafsir"

قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ ۚ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ١٠٠ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَسْـَٔلُوا۟ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْـَٔلُوا۟ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ ١٠١ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌۭ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا۟ بِهَا كَـٰفِرِينَ ١٠٢

﴿ لاَّ يَسْتَوِي الخبيث والطيب ﴾ لفظ عام في جميع الأمور من المكاسب والأعمال والناس وغير ذلك ﴿ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ قيل سببها سؤال عبد الله بن حذافة مَنْ أبي؟

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أبوك حذافة، وقال آخر: أين أبي؛ قال: في النار، وقيل: سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله كتب عليكم الحج فحجوا فقالوا يا رسول الله أفي كل عام؟

فسكت، فأعادوا، قال لا، ولو قلت: نعم لوجبت، فعلى الأول تسؤكم بالإخبار بما لا يعجبكم، وعلى الثاني: تسؤكم بتكليف ما يشق عليكم، ويقوي هذا قوله عفا الله عنها: أي سكت عن ذكرها ولم يطالبكم بها كقوله صلى الله عليه وسلم: «عفا الله عن الزكاة في الخيل» ، وقيل إن معنى عفا الله عنها: عفا عنكم فيما تقدم من سؤالكم فلا تعودوا إليه ﴿ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرآن تُبْدَ لَكُمْ ﴾ فيه معنى الوعيد على السؤال: كأنه قال: لا تسألوا، وإن سألتم أُبديَ لكم ما يسؤوكم، والمراد بحين ينزل القرآن: زمان الوحي ﴿ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ﴾ الضمير في سألها راجع على المسألة التي دل عليها لا تسألوا، وهو مصدر، ولذلك لم يتعدَّ بعن كما تعدى قوله إن تسألوا عنها، وذلك أن بني إسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا، فالكفر هنا عبارة عن ترك ما أمروا به.

<div class="verse-tafsir"

مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍۢ وَلَا سَآئِبَةٍۢ وَلَا وَصِيلَةٍۢ وَلَا حَامٍۢ ۙ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ١٠٣

﴿ مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ ﴾ لما سأل قوم عن هذه الأمور التي كانت في الجاهلية: هل تعظم لتعظيم الكعبة والهدي؟

أخبرهم الله أنه لم يجعل شيئاً من ذلك لعباده؛ أي لم يشرعه لهم، وإنما الكفار جعلوا ذلك، فأما البحيرة: فهي فعلية بمعنى مفعولة من بَحَر إذا شق، وذلك أن الناقة إذا أنتجت عشرة أبطن شقوا آذانها، وتركوها ترعى ولا ينتفع بها، وأما السائبة فكان الرجل يقول: إذا قدمت من سفري أو برئت من مرضي فناقتي سائبة، وجعلها كالبحيرة في عدم الانتفاع بها، وأما الوصيلة فكانوا: إذا ولدت الناقة ذكراً وأنثى في بطن واحد قالوا: وصلت الناقة أخاها فلم يذبحوها، وأما الحامي فكانوا إذا نتج من صلب الجمل عشرة بطون قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه شيء ﴿ ولكن الذين كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ على الله الكذب ﴾ أي يكذبون عليه بتحريمهم ما لم يحرّم الله ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ الذي يفترون على الله الكذب هم الذين اخترعوا تحريم تلك الأشياء، والذين لا يعقلون هم أبتاعهم المقلدون لهم.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُوا۟ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۚ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَهْتَدُونَ ١٠٤

﴿ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ ﴾ أي يكفينا دين آبائنا ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ ﴾ قال الزمخشري: الواو واو الحال، دخلت عليها همزة الإنكار، كأنه قيل: أحشبهم هذا وآباؤهم لا يعقلون، قال ابن عطية: ألف التوقيف الاستفهام دخلت على واو العطف، وقول الزمخشري أحسن في المعنى.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ١٠٥

﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهتديتم ﴾ قيل: إنها منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقيل: إنها خطاب للمسلمين من ذرية الذين حرّموا البحيرة وأخواتها، كأنه يقول: لا يضركم ضلال أسلافكم إذا اهتديتم، والقول الصحيح فيها ما ورد عن أبي ثعلبة الخشني أنه قال: «سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإذا رأيتم شحا مطاعاً وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك وذر عوامهم» ومثل ذلك قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ليس هذا بزمان هذه الآية قولوا الحق ما قبل منكم، فإذا ردّ عليكم فعليكم أنفسكم.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَأَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعْدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِۦ ثَمَنًۭا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلْـَٔاثِمِينَ ١٠٦ فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْمًۭا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْأَوْلَيَـٰنِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَـٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٠٧ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوٓا۟ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌۢ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ١٠٨

﴿ شهادة بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت حِينَ الوصية اثنان ﴾ .

قال مكي: هذه الآية أشكل آية من القرآن إعراباً، ومعنى، وحكماً، ونحن نبين معناها على الجملة، ثم نبين أحكامها وإعرابها على التفصيل، وسببها أنّ رجلين خرجا إلى الشام، وخرج معهما رجل آخر بتجارة، فمرض في الطريق فكتب كتاباً قيد فيه كل ما معه، وجعله في متاعه وأوصى الرجلين أن يؤديا رحله إلى ورثته فمات فقدم الرجلان المدينة، ودفعا رحله إلى ورثته، فوجودوا فيه كتابه وفقدوا منه أشياء قد كتبها، فسألوهما فقالا لا ندري هذا الذي قبضناه، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبقي الأمر مدّة، ثم عثر على إناء عظيم من فضة، فقيل لمن وجده عنده من أين لك هذا، فقال اشتريته من فلان وفلان، يعني الرجلين، فارتفع الأمر في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أولياء الميت أن يحلفا فحلفا واستحقا، فمعنى الآية: إذا حضر الموت أحد في السفر، فليشهد عدلين بما معه، فإن وقعت ريبة في شهادتهما حلفا أنهما ما كذبا ولا بدّلا، فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا حلف رجلان من أولياء الميت، وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما إعراب الآية، وشهادة بينكم مرفوع بالابتداء وخبره: اثنان التقدير شهادة بينكم شهادة اثنين أو مقيم ضهادة بينكم اثنان إذا حضر أي قارب الحضور، والعامل في إذا المصدر الذي هو شهادة، وهذا على أن يكون بمنزلة حين لا تحتاج جواباً، ويجوز أن تكون شرطية، وجوابها محذوف يدل عليه ما تقدم قبلها فإنّ المعنى: إذا حضر أحدكم الموت، فينبغي أن يشهد حين الوصية، ظرف العامل فيه حصر، ويكون بدلاً من إذا ﴿ ذَوَا عَدْلٍ ﴾ صفة للشاهدين منكم ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ قيل: معنى منكم من عشيرتكم وأقاربكم، ومن غيركم، من غير العشيرة والقرابة وقال الجمهور: منكم أي من المسلمين، ومن غيركم من الكفار، إذا لم يوجد مسلم، ثم اختلف على هذا هل هي منسوخة بقوله: وأشهدوا ذوي عدل منكم فلا تجوز شهادة الكفار أصلاً؟

وهو قول مالك والشافعي والجمهور أو هي محكمة، وأن شهادة الكفار جائزة على الوجه في السفر، وهو قول ابن عباس ﴿ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض ﴾ أي سافرتم، وجواب إن محذوف يدل عليه ما تقدّم قبلها، والمعنى: إن ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت، فشهادة بينكم شهادة اثنين ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا ﴾ قال أبو علي الفارسي: هو صفة لآخران، واعتراض بين الصفة والموصوف بقوله: إن أنتم إلى قوله الموت ليفيد أن العدول إلى آخرين من غير الملة، إنما يجوز لضرورة الضرب في الأرض، وحلول الموت في السفر، وقال الزمخشري: تحبسونهما استئناف كلام ﴿ مِن بَعْدِ الصلاة ﴾ قال الجمهور: هي صلاة العصر، فاللام للعهد، لأنها وقت اجتماع الناس، وبعدها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأيمان، وقال: من حلف على سلعة بعد صلاة العصر، وكان التحليف بعدها معروف عندهم، وقال ابن عباس: هي صلاة الكافرين في دينهما؛ لأنهما لا يعظمان صلاة العصر ﴿ فَيُقْسِمَانِ بالله ﴾ أي يحلفان؛ ومذهب الجمهور أن تحليف الشاهدين منسوخ، وقد استحلفهما عليّ بن أبي طالب وأبو موسى الأشعري ﴿ إِنِ ارتبتم ﴾ أي شككتم في صدقهما أو أمانتهما، وهذه الكلمة اعتراض بين القسم والمقسوم عليه، وجواب إن محذوف يدل عليه يقسمان ﴿ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً ﴾ هذا هو المقسوم عليه، والضمير في به للقسم، وفي كان للمقسم له: أي لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا: أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال، ولو كان من نقسم له قريباً لنا، وهذا لأن عادة الناس الميل إلى أقاربهم ﴿ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله ﴾ أي: الشهادة التي أمر الله بحفظها وأدائها، وإضافتها إلى الله تعظيماً لها ﴿ فَإِنْ عُثِرَ على أَنَّهُمَا استحقآ إِثْماً ﴾ أي إن طلع بعد ذلك على أنهما فعلا ما أوجب إثما، والإثم الكذب والخيانة واستحقاقه الأهلية للوصف به ﴿ فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا ﴾ أي اثنان من أولياء الميت، يقومان مقام الشاهدين في اليمين ﴿ مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ ﴾ أي من الذين استحق عليهم الإثم أو المال ومعناه من الذي جنى عليهم وهم أولياء الميت ﴿ الأوليان ﴾ تثية أولى بمعنى أحق: أي الأحقان بالشهادة لمعرفتهما، والأحقان بالمال: لقرابتهما، وهو مرفوع على أنه خبر ابتداء تقديره هما الأوليان، أو مبتدأ مؤخر تقديره الأوليان آخران يقومان، أو بدل من الضمير في يقومان، ومنع الفارسي أن يسند استحق إلى الأوليان، وأجازه ابن عطية، وأما على قراءة استحق بفتح التاء والحاء على البناء للفاعل، فالأوليان فاعل باستحق، ومعنى استحق على هذا أخذ المال وجعل يده عليه، والأوليان على هذا هما الشاهدان اللذان ظهرت خيانتهما: أي الأوليان بالتحليف والتعنيف والفضيحة، وقرئ الأولين جمع أول، وهو مخفوض على الصفة للذين استحق عليهم، أو منصوباً بإضمار فعل ووصفهم بالأولية لتقدمهم على الأجانب في استحقاق المال وفي صدق الشهادة ﴿ فَيُقْسِمَانِ بالله لشهادتنا أَحَقُّ مِن شهادتهما ﴾ اي يحلف هذان الآخران أن شهادتهما أحق: أي أصح من شهادة الشاهدين الذين ظهرت خيانتهما ﴿ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظالمين ﴾ أي إن اعتدينا، فإنا من الظالمين وذلك على وجه التبرئة ومثل قول الأولين إنا إذا لمن الآثمين ﴿ ذلك أدنى أَن يَأْتُواْ بالشهادة على وَجْهِهَآ ﴾ الإشارة بذلك إلى الحكم الذي وقع في هذه القضية ومعنى أدنى: أقرب، وعلى وجهها أي كما وقعت من غير تغيير ولا تبديل أو يخافوا ﴿ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أيمانهم ﴾ أي يخافوا أن يحلف غيرهم بعدهم فيفتضحوا.

<div class="verse-tafsir"

۞ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَا عِلْمَ لَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ ١٠٩

﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل ﴾ هو يوم القيامة، وانتصب الظرف بفعل مضمر أي ماذا أجابكم به الأمم من إيمان وكفر وطاعة ومعصية؟

والمقصود بهذا السؤال توبيخ من كفر من الأمم، وإقامة الحجة عليهم وانتصب ماذا أجبتم انتصاب مصدره، ولو أريد الجواب، لقيل بماذا أجبتم ﴿ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ ﴾ إنما قالوا ذلك تأدباً مع الله فوكلوا العلم إليه قال ابن عباس: المعنى لا علم لنا إلا ما علمتنا، وقيل معناه علمنا ساقط في جنب علمك ويقوي ذلك قوله إنك أنت علام الغيوب، لأنّ من علم الخفيات لم تخف عليه الظواهر، وقيل ذهلوا عن الجواب لهول ذلك اليوم، وهذا بعيد لأنّ الأنبياء في ذلك اليوم آمنون، وقيل أرادوا بذلك توبيخ الكفار.

<div class="verse-tafsir"

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِى ۖ وَتُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ١١٠

﴿ إِذْ قَالَ الله ﴾ يحتمل أن يكون إذ بدل من يوم يجمع، ويكون هذا القول يوم القيامة أو يكون العامل في إذ مضمراً، ويحتمل على هاذ أن يكون القول في الدنيا أو يوم القيامة وإذا جعلناه يوم القيامة فقوله قال بمعنى يقول، وقد تقدم تفسير ألفاظ هذه الآية في آل عمران ﴿ فَتَنفُخُ فِيهَا ﴾ الضمير المؤنث عائد على الكاف، لأنها صفة للهيئة، وكذلك الضمير فيتكون، وكذلك الضمير المذكور في قوله في آل عمران فينفخ فيه عائد على الكاف أيضاً، لأنها بمعنى مثل وإن شئت قلت: هو في الموضعين عائد على الموصوف المحذوف الذي وصف بقوله كهيئة فتقديره في التأنيث صورة، وفي التذكير شخصاً أو خلقاً وشبه ذلك، وقيل: المؤنث يعود على الهيئة والمذكر يعود على الطير، والطين، وهو بعيد في المعنى ﴿ بِإِذْنِي ﴾ كرره مع كل معجزة ردّاً على من نسب الربوبية إلى عيسى ﴿ وَإِذْ كَفَفْتُ بني إِسْرَائِيلَ عَنكَ ﴾ يعني اليهود حين همّوا بقتله فرفعه الله إليه.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّـۧنَ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ١١١ إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۖ قَالَ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ١١٢

﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ ﴾ معطوف على ما قبله، فهو من جملة نعم الله على عيسى والوحي هنا يحتمل أن يكون وحي إلهام أو وحي كلام ﴿ واشهد ﴾ يحتمل أن يكون خطاباً لله تعالى أو لعيسى عليه السلام ﴿ إِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ ﴾ [المائدة: 110] نداؤهم له باسمه: دليل على أنهم لم يكونوا يعظمونه كتعظيم المسلمين لمحمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا لا ينادونه باسمه، وإنما يقولون: يا رسول الله يا نبي الله، وقولهم ابن مريم: دليل على أنهم كانوا يعتقدون فيه اعتقاد الصحيح من نسبته إلى أمّ دون والد، يخلاف ما اعتقده النصارى ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ ظاهر هذا اللفظ أنهم شكوا في قدرة الله تعالى على إنزال المائدة وعلى هذا أخذه الزمخشري، وقال ما وصفهم الله بالإيمان، ولكن حكى دعواهم في قولهم: آمناً.

وقال ابن عطية وغيره: ليس كذلك لأهم شكوا في قدرة الله، لكنه بمعنى هل يفعل ربك هذا، وهل يقع منه إجابة إليه، وهذا أرجح، لأن الله أثنى على الحواريين في مواضع من كتابه، مع أنّ في اللفظ بشعة تنكر، وقرئ تستطيع بتاء الخطاب ربك بالنصب أي هل تستطيع سؤال ربك، وهذه القراءة لا تقتضي أنهم شكوا، وبها قرأت عائشة رضي الله عنها، وقالت: كان الحواريون أعرف بربهم من أن يقولوا: هل يستطيع ربك ﴿ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء ﴾ موضع أن مفعول بقوله يستطيع على القراءة بالياء، ومفعول بالمصدر، وهو السؤال المقدّر على القراءة بالتاء، والمائدة هي التي عليها طعام، فإن لم يكن عليها طعام فهي خوان ﴿ قَالَ اتقوا الله إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ فقوله لهم: أتقوا الله؛ يحتمل أن يكون زجراً عن طلب المائدة، واقتراح الآيات، ويحتمل أن يكون زجراً عن الشك الذي يقتضيه قولهم: هل يستطع ربك على مذهب الزمخشري، أو عن البشاعة التي في اللفظ وإن لم يكن فيه شك، وقوله: إن كنتم مؤمنين: هو على ظاهره على مذهب الزمخشري، وأما على مذهب ابن عطية وغيره، فهو تقرير لهم كما تقول: افعل كذا إن كنت رجلاً، ومعلوم أنه رجل، وقيل: إنّ هذه المقالة صدرت منهم في أوّل الأمر قبل أن يروا معجزات عيسى.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ ١١٣ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًۭا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةًۭ مِّنكَ ۖ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ١١٤ قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًۭا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١١٥

﴿ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا ﴾ أي أكلا نتشرف به بين الناس، وليس مرادهم شهوة البطن ﴿ وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ﴾ أي نعاين الآية فيصير إيماننا بالضرورة والمشاهدة، فلا تعرض لنا الشكوك التي تعرض في الاستدلال ﴿ وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا ﴾ ظاهره يقوي قول من قال إنهم إنما قالوا ذلك قبل تمكن إيمانهم، ويحتمل أن يكون المعنى نعلم علماً ضرورياً لا يحتمل الشك ﴿ وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشاهدين ﴾ أي نشهد بها عند من لم يحضرها من الناس ﴿ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ اللهم رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء ﴾ أجابهم عيسى إلى سؤال المائدة من الله، وروي أنه لبس جبة شعر ورداء شعر، وقام يصلي ويدعو ويبكي ﴿ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا ﴾ قيل: نتخذ يوم نزولها عيداً يدور كل عام لأول الأمة، ثم لمن بعدهم، وقال ابن عباس: المعنى تكون مجتمعاً لجميعنا أوّلنا وآخرنا في يوم نزولها خاصة لا عيداً يدور ﴿ وَآيَةً مِّنْكَ ﴾ أي علامة على صدقي ﴿ قَالَ الله إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ﴾ أجابهم الله إلى ما طلبوا، ونزلت المائدة عليها سمك وخبز، وقيل زيتون وتمر ورمان وقال ابن عباس: كان طعام المائدة ينزل عليهم حيثما نزلوا وفي قصة المائدة قصص كثيرة غير صحيحة ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فإني أُعَذِّبُهُ عَذَاباً ﴾ عادة الله عز وجل عقاب من كفر بعد اقتراح آية فأعطيته، ولما كفر بعض هؤلاء مسخهم الله خنازير، قال عبد الله بن عمرو: أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون والمنافقون.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَـٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُۥ فَقَدْ عَلِمْتَهُۥ ۚ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ ١١٦

﴿ وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله ﴾ قال ابن عباس والجمهور: هذا القول يكون من الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، ليرى الكفار تبرئة عيسى مما نسبوه إليه، ويعلمون أنهم كانوا على باطل، وقال السدّي: لما رفع الله عيسى إليه قالت النصارى ما قالوا، وزعموا ان عيسى أمرهم بذلك، وسأل الله حينئذ عن ذلك، فقال: سبحانك الآية، فعلى هذا يكون إذ قال ماضياً في معناه كما هو لفظه، وعلى قول ابن عباس يكون بمعنى المستقبل ﴿ مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ﴾ نفي يعضده دليل العقل؛ لأن المحدّث لا يكون إلهاً ﴿ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ﴾ اعتذار وبراءة من ذلك القول، ووكل العلم إلى الله لتظهر براءته، لأن الله علم أنه لم يقل ذلك ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك، ولكنه سلك باللفظ مسلك المشاكلة، فقال في نفسك مقابلة لقوله في نفسي، وبقية قوله تعظيماً لله، وإخبار بما قال الناس في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ ١١٧ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ١١٨

﴿ أَنِ اعبدوا ﴾ أن حرف عبارة وتفسير أو مصدرية بدل من الضمير في به ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ﴾ فيها سؤالان الأول كيف قال وإن تغفر لهم وهم كفار والكفار لا يغفر لهم؟

والجواب أن المعنى تسليم الأمر إلى الله، وأنه إن عذب أو غفر فلا اعتراض عليه، لأن الخلق عباده، والمالك يفعل في ملكه ما يشاء، ولا يلزم من هذا وقوع المغفرة للكفار، وإنما يقتضي جوازها في حكمة الله تعالى وعزته، وفرق بين الجواز والوقوع، وأما على قول من قال: إن هاذ الخطاب لعيسى عليه السلام حين رفعه الله إلى السماء، فلا إشكال، لأن المعنى إن تغفر لهم بالتوبة، وكانوا حينئذ أحياء، وكل حيّ معرض للتوبة، السؤال الثاني: ما مناسبة قوله: فإنك أنت العزيز الحكيم، لقوله: وإن تغفر لهم والأليق مع ذكر المغفرة أن لو قيل: فإنك أنت الغفور الرحيم؟

والجواب من ثلاثة أوجه.

الأول: يظهر لي أنه لما قصد التسليم لله والتعظيم له، كان قوله: ﴿ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ﴾ أليق، فإن الحكمة تقتضي التسليم له، والعزة تقتضي التعظيم له، فإن العزيز هو الذي يفعل ما يريد، ولا يغلبه غيره، ولا يمتنع عليه شيء أراده، فاقتضى الكلام تفويض الأمر إلى الله في المغفرة لهم أو عدم المغفرة؛ لأنه قادر على كلا الأمرين لعزته وأيهما فعل فهو جميل لحكمته.

الجواب الثاني: قاله شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: إنما لم يقل الغفور الرحيم؛ لئلا يكون في ذلك تعريض في طلب المغفرة لهم.

فاقتصر على التسليم والتفويض دون الطلب.

إذ لا تطلب المغفرة للكفار، وهذا قريب من قولنا.

الثالث: حكى شيخنا الخطيب أبو عبد الله بن رشيد عن شيخه إمام البلغاء في وقته حازم بن حازم أنه كان يقف على قوله: ﴿ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ ويجعل فإنك أنت العزيز استئنافاً وجواب إن في قوله فإنهم عبادك كأنه قال إن تعذبهم وإن تغفر لهم فإنهم عبادك على كل حال.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّـٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ١١٩ لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۢ ١٢٠

﴿ قَالَ الله هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ ﴾ عموم في جميع الصادقين، وخصوصاً في عيسى بن مريم؛ فإن في ذلك إشارة إلى صدقه في الكلام الذي حكاه الله عنه، وقرأ غير نافع بقية القراء هذا يومُ بالرفع على الابتداء أو الخبر، وقرأ نافع بالنصب وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون يومَ ظرف لقال، فعلى هذا لا تكون الجملة معمول القول، وإنما معموله هاذ خاصة والمعنى قال الله هذا القصص أو الخبر في يوم، وهذا بعيد مزيل لرونق الكلام، والآخر أن يكون هذا مبتدأ، ويوم في موضع خبره والعامل فيه محذوف تقديره هذا واقع يوم ينفع الصادقين صدقهم، ولا يجوز أن يكون يوم مبنياً على قراءة نافع، لأنه أضيف إلى معرب، قاله الفارسي والزمخشري.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.4 / 29.5
الإضاءة 30%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله